مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أخبرَ بأنَّ الرَّسول إنَّما لزمَتْ دعوته لِمَا أيَّده اللَّهُ تعالى به مِن المعجزات التي أظهرها على يديه تخليصًا للنَّاسِ من ظلماتِ الكُفْرِ إلى نورِ الإيمانِ.
ويحتملُ أنْ تكون الآياتُ آياتِ القرآنِ، وهو لإعجازِه مِنَ المعجزاتِ أيضًا.
﴿اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: لرأفتِه ورحمتِه لم يُخلْكُم فيما تَعبَّدَكم به من مواصلةِ الحُجج.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وأيُّ عذرٍ لكم في تركِ الإنفاقِ مِن أموالِكُم في سبيلِه وقد علمتم أنَّ هذه الأموال تزولُ عن أيديكم إلى غيركم كما زالَتْ عن غيركم إليكم فصرْتُم مستخلَفِيْن فيها، ثمَّ هكذا يكون قرنًا بعدَ قرنٍ إلى أنْ تصيرَ لا مالِكَ لها مِنَ البشر (١)، ويرثُها اللَّهُ تعالى وهو خير الوارثين؛ أي: لا يبقى لها مَن يدَّعيها، ويخلص مضافًا إلى اللَّه تعالى؛ أي: كيفَ تبخلونَ بأموالٍ هذه حالُها، وبإنفاقِها في سبيل اللَّه يكون لكم في الآخرة منالها (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال زيد بن أسلم وقتادة رحمهما اللَّه: أي: قبل فتح مكَّة (٣).
وقال عامر: أي: فتح الحديبية (٤).
стр. 7107
وهاهنا اختصارٌ، وتقديرُه: ومَنْ أنفقَ وقاتلَ بعدَ الفتحِ، وهذا كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩]، وإنَّما صحَّ ذلك لوضوح المراد، يقولُ: لا يستوي في الفضْلِ مَن أنفقَ في سبيلِ اللَّهِ وجاهدَ أعداءَ اللَّهِ قبلَ فتحِ مكَّة ومَن فعلَ ذلكَ بعدُ.
﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾: أي: مِن بعدِ الفتح (١) ﴿وَقَاتَلُوا﴾ لعزَّة الإسلام وأهلِه، وشدَّة الحاجة إلى مَن ينصرُه؛ أي: فبادِروا إلى تحصيلِ هذه الفضيلةِ.
قال الكلبيُّ ﵀: نزلَتْ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾؛ يعني: أبا بكرٍ وأصحابَه ﴿مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٢).
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: أي: فكلَّ واحدٍ مِن هذين الفريقَيْن له وعدُ الجنَّة؛ لأَنَّهم جميعًا مطيعون للَّه، عاملون بأمرِه، لكنَّ الدَّرجات في الجنَّة متفاوتة.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: بأعمالِكم ومقاديرِها؛ أي: ويجازي كُلًّا على وفقِ عملِه.
* * *
(١١) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أي: مَن ذا الَّذي ينفقُ في سبيلِ اللَّه إنفاقًا حسنًا، مضمونًا بدلُه على اللَّه بالأضعافِ الكثيرة بوعدِه الصَّادقِ والكائنِ لا محالةَ، وهو قوله:
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿فيضعِّفُه له﴾ بالتَّشديد لِلْعين ورفع الفاء، ومثله
стр. 7108
ابن عامر لكن بنصب الفاء، وقرأ عاصم: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالألف ونصب الفاء، ومثله الباقون إلَّا أنَّهم رفعوا الفاء (١).
والمضاعفةُ والتَّضعيف واحدٌ، وهو الزِّيادة على الشَّيء مثلَه أو زيادة.
والنَّصب على أنَّه جوابُ الاستفهام بالفاء، والرَّفع على العطف على ﴿يُقْرِضُ﴾.
والقرض الحسنُ يكون بمعانٍ: بالإخلاصِ، وبطيبِ النَّفسِ باختيارِ الأعزِّ الأنفَسِ مِن مالِه للإنفاقِ، وبالإخفاءِ، وبقَبول المنَّةِ مِن اللَّه تعالى بالأمر به، وبخوفِ الرَّدِّ، وبرجاءِ القَبول، وبترك الاعتماد عليه، وبترك ملاحظة العِوَضِ، وغير ذلك.
والأضعافُ الكثيرةُ ما ذُكِرَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: أي: ثوابٌ خطير (٢).
قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلَتْ في أبي الدَّحداح (٣). وقد ذكرنا قصَّته في سورة البقرة.
* * *
(١٢) - ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
стр. 7109
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: أي: يحصلُ هذا الأجرُ الكريمُ إليهم يومَ القيامة، وهو يوم يسعى للمؤمنين من الرِّجال والنِّساء نورٌ مِن بين أيديهم إلى الجنَّة وبأيمانهم.
قيل: لأنَّ اليمين طريقُ الجنَّة.
وقيل: بأيمانهم؛ أي: تكونُ كتبُهم التي يُعطونها بأيمانهم فيها نورٌ، ثمَّ إذا توجَّهوا إلى الجنَّة صارَ بينَ أيديهم.
﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾: أي: يُقال لهم: لكم البُشرى اليوم ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ أي: الخلاص عن كلِّ مرهوبٍ، والظَّفرُ بكلِّ محبوب.
قال ابن عبَّاس ﵄: هو النُّور يكون على الصِّراط (١).
وقيل: في عَرْصَةِ القيامة، ولا نورَ هناك إلَّا نورُ الإيمان والطَّاعة، وكلٌّ يُعطَى نورًا على قدر عملِه.
* * *
(١٣) - ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ويكون هذا للمؤمنين في اليوم الَّذي يتوجَّه المؤمنون والمنافقون جميعًا من القبور إلى حيث أُمِروا، وللمؤمنين نورٌ، والمنافقون يمشون في نورِهم تَبعًا لهم (٢)، فيُسرِعُ المؤمنون
стр. 7110
بقوَّة إيمانِهم، فيتباعدُ المنافقون عنهم بالتَّخلُّف، فينقطع نورُهم عنهم، فيقولون:
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: أي: انتظرونا نأخذْ حظًّا من نورِكُم.
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾: قال بعضُهم: تقول لهم الملائكةُ.
وقال بعضُهم: يقول ذلك المؤمنون: ارجعوا خلفَكُم.
﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾: أي: فاطلبوا لأنفسِكُم نورًا ثَمَّ، فإنَّا حملناه مِن ثَمَّ (١)، فيظنُّ المنافقون أنَّهم أخذوا النُّور مِن موضعٍ هناك، ولا يعلمون أنَّهم يريدون أنَّا حملنا هذا النُّور مِن الدُّنيا بالإيمانِ والطَّاعة، ويريدون بقولهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ التَّوبيخَ دون التَّحقيق للأمر بالرُّجوع، فيلتفِتُ المنافقون نظرًا (٢) إلى موضع النُّور في زعمِهم.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ قيل: أي: جُعل بينَ الفريقَيْن حائط، وقيل: هو حاجز، وقيل: هو الأعراف.
﴿لَهُ بَابٌ﴾ قيل: هو بابٌ حقيقةً، وقيل: طريق (٣).
﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: أي: مما يلي المؤمنين الجنَّة.
﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾: أي: ومما يلي المنافقين النَّار.
* * *
(١٤) - ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
﴿يُنَادُونَهُمْ﴾: أي: ينادي المنافقون المؤمنين: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدُّنيا في
стр. 7111
المنازلِ والمساجدِ، نصلِّي كما تصلُّون، ونصوم كما تصومون.
﴿قَالُوا بَلَى﴾: كنْتُم معنا في الظَّاهر دون الباطن ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قيل (١): أهلكْتُم، وقيل: أثمْتُم.
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾: أي: انتظرْتُم بالنَّبيِّ ﷺ وبالمؤمنين الدَّوائر، كما قالوا: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقيل: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾؛ أي: دافعْتُم الأنام (٢) بالإيمان باللَّه ورسوله على الإخلاص.
وقيل: أخَّرْتُم التَّوبة.
﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: قيل: أي: شككْتُم في البعث، وقيل: أي: في حقيقة (٣) الإسلام.
وقيل: حملكم شؤمُ العصيان وتأخيرُ التَّوبة إلى أنْ شكَكْتُم في اللَّهِ وكفرْتُم بعدَ الإسلام.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾: أي: اغتررْتُم بأمانيِّكم الكاذبةِ ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: أي: بالموت ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وقد كانَ غرَّكُم الشَّيطانُ الغَرورُ باللَّه، بأنْ أطمعَكُم في النَّجاةِ والدَّرجات، كما أخبرَ اللَّهُ عن بعضِهم: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية [الكهف: ٣٦]، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية [فصلت: ٥٠].
* * *
(١٥) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
стр. 7112
﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾: أي: لا تكون، لا أنْ تُعطوا فلا يُؤخَذ، لكن لا يُؤخَذ لِمَا أنَّه لا يكون.
﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معلنين.
﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾؛ أي: مصيرُكم ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾؛ أي: أولى بكم ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النَّار.
وقيل: إعطاء النُّور في الابتداءِ، وسلبُه في الانتهاء، هو جزاءُ نفاقِهم، وتحقيقُ قوله اللَّه تعالى فيهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]؛ أي: يجازيهم بمثله.
* * *
(١٦) - ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: ألم يَحِنْ، وقد أَنَى يأني إنًى.
قيل: هو خطابٌ للَّذين آمنوا مِن أهل الكتاب بكتابِهم ورسولِهم، يقول: ألم يأنِ لهم أنْ تخشعَ قلوبُهم؛ أي: تلينَ لذكر اللَّهِ؛ أي: لوعظِ اللَّه.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: القرآن على محمَّدٍ ﷺ .
﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ في العهدِ الأوَّل ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾؛ أي: الزَّمان بينَهم وبينَ نبيِّهم.
وقيل: أي: وقتُ الجزاء.
وقيل: أي: مجيءُ القيامة.
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: غلظَتْ ويبسَتْ.
стр. 7113
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة اللَّه تعالى.
وقوله تعالى في أوَّل الآية: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ليس للإيمان المطلَقِ الصَّحيح، بل إيمانهم بكتابهم ونبيِّهم لا غير، وعلى هذا ما ذَكَرَ في آخر السُّورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
وهو معنى قول الكلبيِّ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في العلانية ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١).
ولها وجوهٌ ذكرَها المفسرون:
قال مقاتلٌ: كان المنافقون لا تَرِقُّ قلوبُهم لذكرِ اللَّهِ والقرآن، فقسَتْ قلوبُهم فلم تَلِنْ (٢)، إلَّا قليلٌ منها أخلصوا بعدَ نفاقِهم (٣).
وقال ابنُ مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه: مَلَّ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ مَلَّةً، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، لو قصصْتَ علينا قصَّةً، فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فقالوا: يا رسول اللَّه، لو ذكَّرْتَنا ووعظْتَنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (٤).
стр. 7114
وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ اللَّه تعالى استبطأَ قلوبَ المؤمنين، فعاتبَهم على رأسِ ثلاثَ عشرةَ سنةً مِن نزولِ القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ الآية (١).
وقال ابن مسعود: ما كان بينَ إسلامِنا وبينَ أنْ عوتِبْنا بهذه الآيةِ إلَّا أربعُ سنينٍ، فجعل المؤمنون يعاتب بعضُهم بعضًا (٢).
وقال الحسنُ: أَمَا واللَّهِ لقد استبطأهم وإنَّهم خيُر أهلِ الأرضِ وأحبُّهم إليه، وقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقلَّ مما تقرؤون، فانظروا في طول ما قرأتم منه، وما ظهرَ فيكم من القسوة (٣)، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ لِمَا أُعْطوا مِن النِّعَم وأُلْبِسوا مِن العافية.
وروي أنَّه كان في جماعةٍ منهم مزاحٌ، فعُوتبوا عليه، فبكَوا، وأَعْتَبوا ربّهم (٤).
وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ: كانوا بمكَّة مجدِّيْنَ، فلمَّا هاجروا أصابوا النِّعمة، ففتروا عمَّا كانوا فيه، فقسَتْ قلوبُهم، فينبغي للمؤمنين أن يزدادوا يقينًا وإخلاصًا وخشوعًا في صحبة الكتاب (٥).
وقال ابن كيسان: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا لبعض المؤمنين، فقد وصف اللَّه تعالى قومًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]، وقال: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]، وكان فيهم مقصِّرون، فاستعتبهم اللَّه بهذه الآية.
стр. 7115
ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ قُرِئ بينَ يديهِ هذه الآية وعندَه قومٌ مِن اليمنِ، فبكوا بكاءً شديدًا، فنظرَ إليهم أبو بكر فقال: هكذا كنَّا حتَّى قسَتِ القلوبُ (١).
وكان فضيلُ بنُ عياض مِن أبناءِ الدُّنيا وأهلِ الدَّعارة كما قيل، فمرَّ ذات يومٍ برجلٍ فقرأ هذه الآية، فقال: بلى آن، وجاوز الحدَّ، وكان ذلك سببَ توبتِهِ (٢).
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: قال ابن عبَّاس: يعني: يُلِيْنُ القلوبَ بعدَ قساوتها (٣). وهو وجهُ النَّظم.
وقيل: هو يُحيي الأرضَ بعد موتِها، فيُحيي الخلقَ بعدَ موتِهم، فيجزي كلًّا بعملِه، ولا يسوِّي بينَ الخاشعِ والقاسي.
وقيل: هو تعريفُ الكفَّارِ إحياءَ الخلْقِ بعدَ الموت.
وقيل: هو حثُّ أهلِ الكتاب على تدبُّر القرآنِ لتحيا قلوبُهم.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ليتدبَّروا فيعرفوا.
стр. 7116
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾: قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر بتخفيفِ الصَّاد، وهو من التَّصديق، وقرأ الباقون بتشديد الصَّاد، وهو من التَّصدُّق بإدغام التَّاء في الصَّاد (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: عطَفَ الفعلَ على الاسمِ لأنَّ تقديرَه: إنَّ الَّذين تَصَدَّقوا -أو: صَدَّقوا- اللَّهَ ورسولَه، وأقرضوا اللَّه قرضًا حسنًا.
وعلى قراءة التَّشديد الصَّدقة على الفرائض، والإقراض على النَّوافل.
وقيل: القرضُ في كلِّ فعلٍ حسنٍ؛ قال الشَّاعرُ:
وإذا جوزيْتَ قرضًا فاجْزِه... إنَّما يَجْزِي الفتى ليسَ الجمل (٢)
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: فسَّرناه في هذه السُّورة.
* * *
(١٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾: إنْ جُعِلَ هذا في أهل الكتاب كما مرَّ في الآية الأولى فمعناه: أولئك المبالِغون في الصِّدْقِ صدَّقوا بالكتاب الأوَّل والرَّسول الأوَّل، وبهذا الكتاب وبهذا
стр. 7117
الرَّسول، ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: يومَ القيامةِ، من قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وإنْ حُمِلَ على كلِّ مؤمنٍ فهو مِنَ الصِّدِّيقين أيضًا بصدقِ (١) ظاهرِه وباطنِه وقولِه وعملِه، وهو مِن شهداء الآخرة أيضًا؛ لأنَّه مِن هذه الأمَّة، وقد قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقيل: عند قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وقفٌ وبعده ابتداء: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾؛ أي: الشهداء في سبيل اللَّه لهم يوم القيامة أجرهم ونورهم.
وقيل: هما موصولان، والشَّهادة صفةُ الكلِّ.
قال الحسنُ ﵀: ما سألَ اللَّهَ عبدٌ الشَّهادة مخلصًا مِن قلبِه فماتَ على فراشِهِ إلَّا كان شهيدًا، ثمَّ تلا هذه الآية (٢).
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: هم الذين خالفوا الأوَّلين في الصِّفة، فخالفوهم في الجزاء.
* * *
(٢٠) - ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ
стр. 7118
وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: وهو في الحثِّ على الجهادِ بالنَّفس والمالِ كما تقدَّمَ، فإنَّ التَّقاعدَ عنه لا يكون إلَّا لحبِّ الحياة الدُّنيا.
وقيل: هي في خطابِ المشركين المكذِّبين رسولَ اللَّهِ ﷺ ميلًا منهم إلى بقاء الرِّئاسة لهم على أتباعهم، وتعزُّزًا بهم، وتكثُّرًا بأموالِهم، وتفاخُرًا بأحوالهم، فبيَّنَ أنَّ ذلك كلَّه لعبٌ ولهوٌ لا حقيقةَ له.
وقيل: ﴿لَعِبٌ﴾ كلعبِ الصِّبيان، ﴿وَلَهْوٌ﴾ كلهو الفتيان، ﴿وَزِينَةٌ﴾ كزينة النِّسوان، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ كتفاخر الأقران، ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ كتكاثر الدِّهْقان.
وقيل: هذه أحوالٌ مترادفةٌ للإنسان إلى أربعين سنة، كلُّ صفةٍ لثمانِ سنين، ﴿لَعِبٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَلَهْوٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَزِينَةٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَتَفَاخُرٌ﴾ ثمان سنين، ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾ ثمان سنين.
فإنْ تأمَّلَ وتنبَّه وصلح عند كمال عقلِه وتزوَّد لمعاده، وإلَّا فقد خسر خسرانًا مبينًا، وضلَّ ضلالًا بعيدًا.
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾: أي: مطر ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: راقَ الزُّرَّاع، جمع كافر، وهو الزَّارع، سُمِّيَ به لأنَّه يَكْفُرُ البذرَ في الأرض؛ أي: يَسترُه.
وقيل: خصَّ الكفَّارَ لأنَّهم ينكرون الآخرةَ، فلا يعرفون إلَّا العاجلة، فهم بها أعلقُ، وهي لهم أَرْوَقُ.
стр. 7119
﴿نَبَاتُهُ﴾: أي: النَّبات الحاصل بالغيث ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ أي: ييبس ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾: هشيمًا متكسِّرًا، هذه عاقبة الدُّنيا لأهلِها، ومثال أحوالها.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لمن رغبَ في الحياة الدُّنيا فشغلَه ذلك عن الآخرة.
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾: لمن تزوَّد منها للآخرة.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: لمن يركَنُ إليها ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: متعةٌ يَتمتَّع بها، ويَهلَكُ المغترُّ بها.
* * *
(٢١) - ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾: إذا علمْتُم حالةَ الدُّنيا، فلا تركَنوا إليها، وإذا أُخْبِرْتم أنَّ الآخرة لمن له المغفرة، فبادروا إلى طلبِها بفعلِ ما وُعْدَتِ المغفرةَ عليه.
قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: وإلى طلبِ جنَّة عرضُها؛ أي: سعتُها كسعَةِ السَّماء والأرض.
قال الحسنُ: أي: كسعةِ جميعِ السَّماوات والأرضِ (١) كلِّها إذا بُسِطَتْ كلُّ واحدةٍ إلى صاحبتِها (٢).
وقيل: هذا عرضُها، ولا شكَّ أنَّ طولَها أزيدُ منها هاهنا (٣).
стр. 7120
وقيل: هو وصفٌ لها بغايةِ ما يُتوهَّمُ مِن السَّعةِ؛ تقريرًا لذلك في أفهامِهم، وتكثيرًا في أوهامِهم، وبسطًا مِن أملِهم ومرامِهم.
﴿أُعِدَّتْ﴾: أي: هُيِّئَتْ هذه الجنَّة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: جميعهم ولم يفرِّقوا بينَهم كاليهود والنصارى.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾: أي: عطاءُ هذه الجنَّةِ بفضلٍ مِن اللَّهِ تعالى ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنون كما أَخبر ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: وهذا مِن الحثِّ على الجهادِ أيضًا كما مرَّ.
يقول: ما أصابَكُم مِن مصيبةٍ في الأرضِ مِن الجدْبِ ونقصانِ الثَّمرِ وذهابِ الأموال، وفي أنفسِكُم بالموتِ والأسقامِ، إلَّا وهو ممَّا قضى اللَّهُ به، وأثبتَه عندَه في كتابٍ.
قيل: هو اللَّوح المحفوظ.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾؛ أي: من (١) قبلِ خلقِ الأرض والأنفس.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي: سهلٌ لا يَتعذَّرُ على اللَّهِ شيءٌ، ولا يردُّ هذا القضاءَ حيلةُ محتالٍ، ولا تحرُّزُ متحرِّزٍ، فلا تتخلَّفوا عن الجهاد.
стр. 7121
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: أي: فعلْتُ ذلك وأخبرْتُكم به لكي لا تحزنوا على ما فاتكم.
﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾: ولأنْ لا تُسَرُّوا على ما أعطاكم، ولا يحملَكُم الحزنُ على الفائتِ على الشَّكوى مِن اللَّه تعالى، ولا الفرحُ بالنِّعمة على الاستكثارِ منها فتقعوا في الطُّغيان.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: الذي يتعظَّم على الفقراء ويفخر بالنَّعماء.
* * *
(٢٤) - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: جمعَ بعدَ التَّوحيد؛ لأنَّ ذاك عامٌّ معنًى بدخول ﴿كُلَّ﴾ عليه.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: أي: عن الجهادِ والإنفاقِ في سبيل اللَّه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عنه وعن كلِّ خلقِه ﴿الْحَمِيدُ﴾: المُستَحِقُّ للحمد؛ أي: ليس أمرُه بالجهاد والإنفاقِ لحاجةٍ، بل للابتلاءِ، ولإكرامِ العبدِ بحسنِ الجزاء.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ ﵁: كتبَ اللَّهُ قبلَ أنْ يخلقَ الخلقَ والأرضَ ما يصيبُ النَّاسَ فيها مِن خيرٍ وشرٍّ؛ امتحانًا منه لهم، ليعلموا بتغيُّرِ الأحوالِ وتعاقُبِ المحنة والمنحة أنَّها غيُر دائمةٍ، فلا تحزنوا على ما فاتَكُم مِن حظٍّ، ولا تفرحوا بما آتاكم مِن فائدةٍ، فمَن لم يعلمْ أنَّ كلَّ شيء يُعطاه يُرْتَجعُ، وأنَّ كلَّ حزنٍ يصيبُه زائلٌ، فذلك مختالٌ فخورٌ، واللَّهُ لا يحبُّ المختالَ الفخور (١).
وعن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه قال: لأَنْ ألحسَ جمرةً أحرقَتْ ما أحرقَتْ
стр. 7122
وأبقَتْ ما أبقَتْ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقولَ لشيءٍ كان: ليتَهُ لم يكنْ، أو لشيء لم يكن: ليتَهُ كان (١).
وقال قتيبة بن سعيد: دخلْتُ بعضَ أحياءِ العرب، فإذا أنا بفضاءٍ في الأرض مملوءٍ من جِيَف الإبل الموتى بحيث لا أحصي عددَهم، فسألْتُ عجوزًا: لِمَنْ كانَتْ هذه الإبل؟ فأشارَتْ إلى شيخٍ على تلٍّ يغزلُ الصُّوفَ، فقلْتُ: يا شيخُ، ألكَ كانَتْ هذه الإبل؟ قال: كانت باسمي، قلْتُ: فما أصابها؟ قالَ: ارتجعها الَّذي أعطاها، قلْتُ: وهل قلْتَ فيه شيئًا؟ قال: نعم:
لا والَّذي أنا عبدٌ مِن خلائقِهِ... والمرءُ في الدَّهْرِ نصبَ الرُّزْءِ والمحِنِ
ما سَرَّني أنَّ إبْلِي في مَبارِكِها... وما جرى مِن قضاءِ اللَّهِ لم يَكُنِ (٢)
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ابتداءً، ونزلَتْ في شأنِ اليهودِ، يكتمون بيانَ صفةِ محمَّدٍ ﷺ في التَّوراةِ، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ يعني: قومَهم بذلك مخافةَ أنْ تذهبَ مأكلتهم من (٣) السَّفلةِ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: يُعْرِضْ عن الإيمان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن العبادِ ﴿الْحَمِيدُ﴾ في أفعالِه (٤).
وقال الحسنُ ﵀: اليهودُ بخلوا بحقِّ اللَّه تعالى في أموالِهم، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ بذلك: أهلَ دينِهم، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن اللَّهِ ورسولِه فيما دعاهم إليه، فإنَّ اللَّهَ
стр. 7123
غنيٌّ عن عبادِه لم يكلِّفْهم لحاجته إليهم، حميد عندَ خلقِه فيما يعطيهم مِن نِعمِه (١).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ ﵁: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بالعلمِ، لا يعلِّمونَه النَّاس، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ بذلك (٢).
وقال عبد اللَّه بن المبارك: لا تبخلوا بالعلمِ، فإنَّه مَن بخلَ بعلمِه ابْتُلِيَ بثلاثٍ: بذهابِ كُتبِهِ، أو سقمٍ في جسدِه، أو يغلبُه السُّلطان (٣).
* * *
(٢٥) - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: بالشَّرائع الواضحة.
﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: الكتب، فيها بيانُ أصول الشَّرع.
﴿وَالْمِيزَانَ﴾: أي: وآلةَ التَّعامل الَّتي يقع بها التَّناصف.
﴿لِيَقُومَ النَّاسُ﴾ في معاملاتهم ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل، وفي ذلك تمامُ المصالحِ، فالكتاب لمصالح الدِّين، والميزانُ لمصالح الدُّنيا.
стр. 7124
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾؛ أي: وخلقْتُ الحديدَ آلةً للقتالِ، وإقامةً للسِّياسةِ؛ ليكفَّ به المجاوز لقسطِه عن ظلمِه.
وقيل: أنزلَ اللَّهُ تعالى مع آدمَ ﵇ العَلَاةَ والكَلْبَتانِ (١) والمِطْرَقة.
والمنافع في الحديد سوى إمكان القتال به: أنَّه لا بُدَّ منه في كلِّ شيءٍ مِن الصِّناعات حتَّى صناعةِ الحديد، وذلك قوله تعالى:
﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾: وهو القتال ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: وهو ما قلْنا، وهو مُتَّصلٌ بما مرَّ مِن الحثِّ على الجهاد.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾: وليُظهِرَ اللَّهُ للعبادِ مَن ينصرُ دينَ اللَّهِ تعالى للقتال عنه.
وقيل: ليَعلمَ أولياءُ اللَّهِ.
وقيل: ليعلمَ اللَّهُ موجودًا ما علمَهُ في الأزلِ أنَّه يُوْجَدُ.
قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أي: تصديقًا بما وُعِدَ (٢) عليه بالغيب.
وقيل: بغيبةِ مَن يراه؛ أي: يفعله عن إخلاص، لا كالمنافق يفعلُه إذا رآه النَّاس، ولا يفعلُه إذا غابَ عنهم.
والواو في: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ إمَّا أنْ تُجعَلَ مُقحَمةً، أو يزاد في آخرِه: وليعلمَ اللَّهُ ذلك فعَل ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾: أي: ﴿قَوِيٌّ﴾ على مُجازاةِ مَن أخلصَ منهم ومَن نافقَ، ﴿عَزِيزٌ﴾: منيعٌ لا يُغالَب ولا يعارَض فيما يريدُه مِن ذلك.
أنْ يسلبَ رداءَك فأعطِه قميصَك، ولم يكنْ قِصاصٌ على جنايةٍ في نفسٍ أو طرفٍ، فاتَّبَعوا هذه الأوامر، وأطاعوا اللَّه، وكانوا متوادِّيْن متراحمِيْن متعاطفِيْن.
وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾: ليس هذا بعطفٍ على ما مضى، بل هو استئنافٌ، ومعناه: ابتدعوا رهبانيَّة ولزومَ صوامعَ، وتشديدًا على أنفسِهم.
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: ما أوحيْنا عليهم تلك الرَّهبانيَّة.
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن؛ أي: لكن كنَّا أمرناهم بأنْ يبتغوا رضوانَ اللَّهِ.
وقيل: أي: ما ابتدعوها إلَّا مبتغين بذلك رضوان اللَّه.
﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: أي: ما حفظوا تلك الرَّهبانية حقَّ حفظِها، وما ثبتوا عليها، بل تنصَّرَ كثيرٌ منهم، وتركوا الحقَّ، وثبتَ بعضُهم على الحقِّ.
﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾: أي: الَّذين ثبتوا على الإيمان والحقِّ.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة اللَّه.
ففيه دليلٌ على أنَّ الشُّروع في نفلِ العبادة ملزِمٌ، فإنَّ مَن شرعَ فيما ليس عليه ثمَّ تركَه استحقَّ اسمَ الفسقِ والوعيد.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: كنْتُ رديفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ على حمارٍ، فقال لي: "يا ابن أمِّ عبدٍ، هل تدري مِنْ أينَ اتَّخذَتْ بنو إسرائيل الرَّهبانيَّة؟ "، قلْتُ: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "ظهرت عليهم الجبابرة بعدَ عيسى ﵇ يعملون بمعاصي اللَّه ، فغضِبَ أهلُ الإيمانِ فقاتلوهم، فهُزِمَ أهلُ الإيمانِ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلم يبقَ منهم إلَّا القليل، فقالوا: إنْ ظهرَ علينا هؤلاء أفنَونا، ولم يبقَ للدِّين أحدٌ يدعو إليه، فتعالَوا حتَّى نتفرَّق في الأرضِ إلى أنْ يبعثَ اللَّهُ النَّبيَّ الَّذي وعدَنا
стр. 7127
عيسى -يعنون: محمَّدًا ﷺ فتفرَّقوا في الجبال، وأحدثوا بها رهبانيَّةً، فمنهم مَنْ تمسَّكَ بدينِه، ومنهم مَنْ كفرَ"، ثمَّ تلا هذه الآيات ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، وقال النَّبيُّ ﷺ : "يا ابنَ أمِّ عبدٍ، هل تدري ما رهبانيَّةُ أمَّتي؟ "، قلْتُ: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "الهجرةُ والجهادُ والصَّلاةُ والصَّومُ والحجُّ والعمرةُ والتَّكبيرُ على التِّلاع" (١).
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ﴾: أي: يا أيَّها الَّذين آمنوا بموسى وعيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ محمَّدٍ، وهذا عن ابن عبَّاس ﵄ (٢).
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: قال ابنُ عبَّاس: أي: أجرَيْنِ بإيمانِكُم بمحمَّدٍ وبِمَن تقدَّمَ مِن الرُّسلِ (٣)، والكِفْلُ: الحَظُّ.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: أي: يومَ القيامةِ يسعى بينَ أيديهِم إلى الجنَّةِ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: ذنوبَكُم السَّالفةَ قبلَ الإيمانِ بمحمَّدٍ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقيل: يجعل لكم نورًا في الدُّنيا باتِّباع القرآنِ تمشونَ به في النَّاس، تدعونهم إلى الإسلامِ، وتكونون رؤساءَ أئمَّةً في الإسلام، ولا تفوتُكُم (٤) تلك الرِّئاسة الَّتي كنْتُم تخافون فوتها.
стр. 7128
وروى أبو موسى الأشعريُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ثلاثةٌ يُؤتَونَ أجرَهُم مرَّتين: رجلٌ آمنَ بالكتابِ الأوَّل والكتاب الآخِر، ورجلٌ كانت له أَمَةٌ فأدَّبَها وأحسنَ أدبَها ثَّم أعتقَها وتزوَّجَها، وعبدٌ مملوكٌ أحسنَ عبادةَ ربِّه وأطاع سيِّدَه" (١).
وقال الكلبيُّ ﵀: هؤلاء أربعةٌ وعشرون رجلًا، قدِموا من اليمن على رسول اللَّه ﷺ وهو بمكَّة، لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل لعنه اللَّه: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم، فردُّوا عليه: وما لنا لا نؤمن باللَّه وما جاءنا من الحقِّ، فجعلَ اللَّه لهم أجرين؛ أجرًا بكتابهم الأوَّل، وأجرًا بإيمانهم بمحمَّد ﷺ .
فلمَّا بلغَ ذلك عبدَ اللَّه بن سلام وأصحابَه قالوا: نحن أيضًا أهل الكتاب، أفليس لنا أجران مثلَ ما لهم (٢)؟ قالوا: بلى، فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وقالوا: نحن أفضلُ منكم، لنا أجران ولكم أجر واحد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣).
يقول: أطيعوا اللَّه ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ محمَّد ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: أجرين، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ على الصراط ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية.
وكتبَ عمرُ ﵁ إلى أسقفٍّ يسأله عن الكفل عندهم في كتابهم، فكتب: هو عندنا ثلاث مئة وخمسون ضعفًا، فقال عمر: اللَّه أكبر، لقد فضَّلنا اللَّهُ عليكم بكفلٍ (٤).
стр. 7129
(٢٩) - ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: (لا) جحدٌ، قُدِّمَ عن موضعِه فأُعِيدَ بعدَه في موضعه: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾، فصار تقديرُه: ليعلمَ أهلُ الكتاب.
قيل: إنَّ أهل الكتاب كانوا يفضِّلون أنفسَهم على سائر أهل الأديان بسبب الكتاب، فأعلم اللَّه هؤلاء الذين خاطبهم بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾: إنَّكم إذا آمنتم بمحمَّد آتاكم اللَّه في الآخرة ضعفَ ما يؤتي المؤمنين بموسى وعيسى إذا ماتوا قبل تبديل ذلك الدِّين الحقِّ بالنَّصرانيَّة واليهوديَّة، ولم يدركوا محمَّدًا ﷺ فيؤمنون به، ليعلم أهل الكتاب أنَّ مَن اجتمع له الإيمان بالكتابين أفضلُ عند اللَّه ممَّن انفرد بالإيمان بكتابٍ واحدٍ.
ويكون تقديرُه: يؤتِكُم كفلَيْنِ مِن رحمتِه ليعلمَ أهلُ الكتابِ أنَّه لا قدرةَ لهم على شيءٍ من فضلِ اللَّهِ تعالى حتَّى يخصُّوا أنفسَهم بذلك، ويفضِّلُوا أنفسَهم على غيرهم.
وقال ابن عبَّاس ﵄: لَمَّا نزل في النَّصارى الذين أسلموا: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، شقَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: يا رسول اللَّه، إن كان القوم أدركوا الكتاب الأوَّلى والكتاب الَاخِر، ولم ندركه، أفلهم أجران، ولنا أجر واحد؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (١).
يقول: إنَّ الأجرين لهم لا لأنَّهم أفضُل منكم، ولكن فضل منِّي، وأوتي فضلي مَن أشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
стр. 7130
سورة المجادلة (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه سامعِ البثِّ والشَّكوى، الرَّحمنِ عالمِ السِّرِّ والنَّجوى، الرحيمِ شارعِ البِرِّ والتقوى.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ كان يومَ القيامة مِن حزب اللَّه" (٢).
وهذه السُّورة مدنيَّة إلَّا قولَه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية، فإنَّ هذه الآية مكيَّة.
وهي عشرون آيةً وأربعُ آيات وأربع مئة وخمس وأربعون كلمة، وألفٌ وتسعُ مئة وخمسة عشر حرفًا.
وانتظامُ ختمِ تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّهما جميعًا بذكر الثَّناء على اللَّه بفضلِه على عباده.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك السُّورة في أمر المؤمنين بجهاد الكافرين، والإنفاقِ
стр. 7131
على المجاهدين، وهذه السُّورة في تخفيف الأحكام على المؤمنين، وتشديد الوعيد على الكفَّار والمنافقين.
* * *
(١) - ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾: قال مقاتلٌ ﵀: هي خولة بنت ثعلبة بن قيس بن مالك بن حرام بن الخزرج من بني عمرو بن عوف، امرأة أوس بن الصَّامت بن قيس بن أصرم الأنصاري، كانت تحتَه، وكانت حسنة الجسم، فرأها أوسٌ ساجدةً في صلاتها، فنظر إلى عجزها فأعجبَتْه، فلمَّا انصرفَتْ من الصَّلاة أرادها فأبَتْ عليه، فغضب عليها، وقال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فشكَتْ إليه زوجَها، وقالَتْ: هل من شيءٍ يجمعُني وإيَّاه؟ وكان الإيلاءُ والظِّهار من طلاق الجاهليَّة، وكان شيخًا كبيرًا محتاجًا ذا عيالٍ، فأتَتْ امرأتُه إلى النَّبيِّ ﷺ فطلبَتِ الرُّخصةَ (١).
وفي روايةٍ قالت: إنَّ أوسًا تزوَّجني وأنا شابةٌ مرغوبٌ فيَّ، فلمَّا كبر سنِّي، وضعفَتْ حيلتي (٢)، جعلني عليه كأمِّه، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أخشى أنَّكِ قد حَرُمْتِ عليه" (٣).
وفي رواية قال: "أنتِ كما قال".
стр. 7132
وفي رواية قال: "لم أؤمر فيك بشيء" (١).
فعادَتْ إلى مثل قولها مرارًا، وقالت: إنَّ لي صِبيةً صغارًا، إنْ ضممْتُهم إليَّ جاعوا، وإنْ ضممْتُهم إليه ضاعوا، وقالت: اللَّهمُّ إنِّي أشكو إليك ما لقيْتُ من زوجي (٢).
وفي رواية محمَّد بن كعبٍ القُرظيِّ: كان هذا أوَّل ظهار في الإسلام، فلمَّا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمِّيح ندمَ على ذلك، وقال لها: ما أُراك إلَّا حرمْتِ عليِّ، وإنِّي لأستحيي أن آتيَ رسول اللَّه ﷺ وأسأله عن هذا، فائتِه، فقالت: إنَّ أوسَ بن الصَّامت أبو ولدي، وابن عمِّي، وأَحَبُّ النَّاس إليَّ، ظاهر منِّي، وما ذكر طلاقًا. فقال لها النَّبيُّ ﷺ : "ما أراكِ إلَّا وقد حرمْتِ عليه"، قالت: لا تقلْ ذلك يا رسول اللَّه، فأعادَتْ عليه مرارًا قولها، ثم قالت: اللَّهم أشكو إليك وحشتي، وفراق زوجي، ووَجْدي به، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات (٣).
وفي رواية ابن عبَّاس ﵄: قالت: يا رسول اللَّه، لَمَّا كبرَ سنِّي، ورقَّ عظمي، واقتربَ أجلي، وبادَ أهلي، ظاهرَ منِّي (٤).
стр. 7133
وقالت عروة: كان امرأً به لممٌ، فإذا اشتدَّ لممُه ظاهرَ من امرأتِه (١).
وعن عائشة ﵂ أنَّها قالَتْ: تبارك الَّذي وسِعَ سمعُه الأصواتَ، إنِّي لأسمَعُ كلامَ خولةَ بنت ثعلبة، ويخفى عليَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجَها إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهي تقول: يا رسول اللَّه، أكلَ شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرَتْ سنِّي، وانقطعَ ولدي، ظاهر منِّي، اللَّهم إنِّي أشكو إليك، قالَتْ: فما برحَتْ حتَّى نزل جبريلُ صلوات اللَّه عليه بهذه الآيات (٢).
واختلفت الرِّويات (٣) في اسمها ونسبها:
قيل: خولة بنت ثعلبة.
وقيل: خولة بنت خويلد.
وقيل: خولة بنت الصَّامت.
وقال أبو العالية: خولة بنت دليج (٤).
стр. 7134
وقال الشَّعبي: أمُّ خولة معاذة (١).
وقيل: جميلة.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾؛ أي: قد سمع اللَّهُ كلامَ المرأة التي تخاصمُك في زوجها؛ أي: فيما تريد أن لا تحرمَ على زوجها، كقوله: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]؛ أي: فيما يريد من ألَّا ينزلَ بهم العذاب.
كانت تقول: انظر في شأني يا رسول اللَّه، انظر في شأني، جعلني اللَّه فداك.
﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ الوجدَ الذي في قلبِها بسبب هذه الحادثة.
﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾: أي: تراجعكما الكلامَ، خطابٌ للرَّسول ﷺ ولتلك المرأة؛ أي: لا يخفى على اللَّه شيءٌ من ذلك، وإن كان على السِّرار.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: لا يخفى عليه من شيء من المسموعات والمرئيَّات.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: لَمَّا صدَقَتْ في شكواها إلى اللَّه تعالى، وأيسَتْ من كشفِ ضرِّها من غير اللَّه، أنزلَ اللَّه تعالى في شأنها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.
تضرَّعَتْ إلى اللَّه تعالى، ورفعَتْ قصَّتها إلى اللَّه، وبثَّتْ غُصَّتها بينَ يَدَي اللَّه تعالى، فنظر اللَّه إليها وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.
وصارَتْ واقعتُها فَرَجًا ورُخْصةً للمسلمين في مسألة الظِّهار إلى يوم القيامة؛ ليعلمَ العالمون أنَّ أحدًا لا يخسر على اللَّه تعالى (٢).
стр. 7135
(٢) - ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: قرأ عاصمٌ برفع الياء وتخفيف الظَّاء من المظاهرة، وقرأ عبد اللَّه بن كثير وأبو عَمرو ونافع: ﴿يَظَّهَّرون﴾ بفتح الياء وتشديد الظاء من غير الألف، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائيُّ: ﴿يَظَّاهَرون﴾ بتشديد الظاء وزيادة الألف بفتح الياء (١)، وهي لغاتٌ في معنًى واحد؛ أي: الذين يقولون لزوجاتهم، يقول الواحد منهم لامرأتِه: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فيشبِّهها بظهرِ أمِّه في التَّحريم.
﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جماعتكم أيُّها المؤمنون.
﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾: أي: لسن (٢) أمَّهاتٍ لكم، ولا يَصرْنَ أمَّهاتٍ لكم بهذا القول.
﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾: أي: ما أمُّ الرَّجل إلَّا التي ولدته.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾: أي: المظاهرون يقولون كلامًا ينكره الشَّرع ولا يرضى به، و (زورًا)؛ أي: كذبًا وباطلًا.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: أي: عن ذنوبِ عباده إذا تابوا منها.
﴿غَفُورٌ﴾: يسترُها عليهم بعد التَّوبة، فلا يفضحُهم بها، ولا يعاقبُهم عليها.
* * *
(٣) - ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
стр. 7136
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: أي: منكوحاتهم الحرائرِ والإماء.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: اختُلِفَ في معنى العَود منها؛ لتعلُّق وجوب الكفَّارة به:
قال قتادة ﵀: هو العزمُ على غشيانها (١).
وقال ابن عبَّاس: هو أن يريد جماعها (٢).
وقال الزُّهري وطاوسٌ رحمهما اللَّه: هو أن يطأَها (٣).
وقال الشَّافعيُّ: هو أن يمسكها بعد الظِّهار، ولا يحرِّمها للحال بطلاقٍ بائنٍ (٤).
وقيل: هو أن يظاهرَ في الإسلام بعدما كانوا يظاهرون في الجاهليَّة. وهو قول طاوس، فعنده يجب بنفس التكلُّم (٥) بكلمة الظِّهار، ولا يسقطُ شيءٌ، ولا يحتاج إلى قرينةٍ للوجوب (٦).
وقال داود بن عليٍّ الأصفهاني (٧): هو تكرار كلمة الظِّهار، فلا تجب بدونه عنده (٨).
стр. 7137
وقال: هو المفهوم من الكلمة ظاهرًا.
واحتجَّ الشَّافعي ﵀ بأنْ قال: العودُ للشَّيء ليس هو إعادةً، بل ذلك عودٌ فيه، أو عودٌ إليه، بل العودُ له: إبطالُ الحكمِ والإتيانُ بما يضادُّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]؛ أي: لخالفوا النَّهي، والظِّهارُ سببُ الفراق، والعودُ له: إمساكُها، الذي يضادُّه.
وقال أصحابُنا ﵏: العودُ هو العزم على جماعِها، فمتى عزمَ على ذلك لم يحلَّ له حتى يكفِّر، ولو ماتَتْ هي بعدَ مدَّة قبل أن يكفِّر سقطَتْ عنه الكفَّارة؛ لفوْتِ العزمِ على جماعِها.
قال الشَّافعيُّ ﵀: إنَ العودَ للشَّيء الإتيانُ بما يضادُّه، لكن ليس حكم الظِّهار تركَ المرأة وفراقَها ليكون ضدُّه إمساكَها، بل حكمُه الامتناعُ عن وطئِها، فضدُّه العزمُ على وطئها.
وقد رُوي عن سلمة بن صخرٍ أنَّه جاء إلى النَّبيِّ ﷺ وقال: يا رسول اللَّه، إنِّي
стр. 7138
ظاهرْتُ من امرأتي، ثم رأيتُها في ليلةٍ قمراءَ عليها خلخالان، فأعجبتْني فواقعْتُها، فقال النَّبيُّ ﷺ : "استغفرِ اللَّهَ، ولا تعدْ حتَّى تكفِّر" (١).
فثبَتَ بالعودِ المذكور في هذا الحديث أنَّ المرادَ به في الآية هذا.
وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أي: فعليه إعتاق رقبة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؛ أي: يتلاقيا بالجماع، وتحرم الدَّواعي أيضًا.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: هذا شيء تُؤمرون به، واللَّه خبير بأعمالكم، وفَّيتم به أو خالفتم.
* * *
(٤) - ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾: أي: فمن لم يملكْ ما يشتري به رقبةً ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ أي: فعليه صيام شهرين متواصلين.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فسَّرناه.
﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصِّيام بمرض أو نحوه ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾؛ أي: فعليه
стр. 7139
أن يطعم ستِّين مسكينًا، كلَّ مسكين نصفَ صاعٍ من حنطة، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر.
﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: هذا البيان لتصدِّقوا اللَّهَ ورسولَه، وتقبلوا هذا الأمر منه.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أي: هذه الأحكام معالم شرائع اللَّه فاحفظوها.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: أي: وللذين لا يقبلون أحكام الشَّرع ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع دائم في النَّار في الآخرة.
وعن أبي العالية قال: لَمَّا قال له: "اعتق رقبة"، قال: ما عندي رقبة، قال: "فصم شهرين متتابعين"، فقال: إنْ لم آكلْ في النَّهار ثلاثَ أكلاتٍ (١) خشيْتُ أنْ يعشوَ بصري، قال: "فأَطْعِم ستِّين مسكينًا"، قال: فأعنِّي يا رسول اللَّه، فأعانه رسول اللَّه ﷺ (٢).
وعن عكرمة: قال: يا نبيَّ اللَّه، واللَّه ما أجدُ رقبةً، فقال النَّبيُّ ﷺ : "ما أنا بزائدك"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، قال: واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ ما أطيق الصَّوم، إنِّي إذا لم آكل في اليوم كذا وكذا أكلةً لقيْتُ ولقيْتُ، فجعلَ يشكو له، فقال: "ما أنا بزائدك"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٣).
* * *
стр. 7140
(٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: يخالفونه ويتعدَّون حدود اللَّه.
﴿كُبِتُوا﴾: قال قتادة ﵀: أُخزوا (١).
وقيل: أُذِلُّوا، وقيل: صُرِعوا، وقيل: قُهِروا.
﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: كما فُعِلَ بالكفَّار الماضين بسبب المخالفة والمعاداة للنَّبيِّين.
وقال الفرَّاء: ﴿كُبِتُوا﴾: أغيظوا وأحزنوا.
وقال أبو (٢) سعيد: كُبُّوا على وجوهِهم (٣).
وقال الخليل: صُرِعوا (٤).
وقال أبو عبيدة (٥): أُهلكوا (٦).
وقال أبو عبيدة: ﴿كُبِتُوا﴾: هو في الأصل: كبدوا؛ أي: ضربوا على أكبادهم (٧).
стр. 7141
ومعنى الكلمة: يُكبتون، لكن ذكر بصيغة الماضي تقريبًا للمخبَر عنه، كما يُقال: بلغْنا المنزلَ وأتاك (١) الجبل، ونحو ذلك.
وهذا بشارةٌ للمؤمنين بنصرهم وإهلاك الكافرين.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أي: وقد أوضحْنا الأدلَّة والعلامات على ذلك بما اقتصَصْنا من وقائعنا بالماضيين.
وقيل: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ في القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فيها حدود اللَّه تعالى وأحكامه، فالزموها ولا تتعدَّوها.
وقيل: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يكبَتُ هؤلاء يوم بدر. وقيل: يوم الخندق (٢).
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: قيل: ولجاحدي هذه الآيات. وقيل: لكفَّار كلِّ عصر.
* * *
(٦) - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أي: يعذِّبُهم هذا العذاب يومَ يُنشرهم من قبورهم جميعًا الرِّجال والنِّساء. وقيل: الأوَّلين والآخرين.
وقيل: المحادِّين اللَّهَ ورسولَه في هذا العصر، وفي الأعصار الخالية.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: فيخبرهم بما عملوا من محادَّة اللَّه ورسوله.
﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾: أي: حفظَه اللَّهُ، يعني: صغيرَ أعمالهم وكبيرَها، ودقيقَها وجليلها؛ ليجازيهم بها.
стр. 7142
﴿وَنَسُوهُ﴾: أي: ونسُوا هم (١) ذلك لجحودهم بالبعث والحساب.
وقال ابن عبَّاس ﵄: أحصى اللَّهُ أعمالَهم الخبيثة، ﴿وَنَسُوهُ﴾؛ أي: تركوه استخفافًا به لم يحافظوا إحصاء اللَّه وحفظه (٢).
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: لا يخفَى عليه شيءٌ، فهو شاهدٌ عليه ليجزيَهم بها، وهذا وعيد شديد.
* * *
(٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: ألم تعلم علمًا يقومُ مَقامَ العِيان، استفهامٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: قد علمْتَ أنَّ اللَّهَ يعلمُ ما في السَّماوات وما في الأرض، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك.
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾: أي: هو سامع نجواهم، ولا يغيب ذلك عنه.
﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾: أي: ولا نجو ى خمسة، وهو تناجيهم ومسارَّتُهم ﴿إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ يستمعُ نجواهم.
﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: ولا أقلَّ من ذلك، وهو نجوى اثنين ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ من خمسة.
стр. 7143
وقرأ يعقوب: ﴿ولا أكثرُ﴾ بالرَّفع (١)، وعلى هذا: ﴿وَلَا أَدْنَى﴾ يكون رفعًا أيضًا، وتقديرُه: ولا يكون أدنى.
﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾: أي: علمًا وسماعًا، لا مكانًا، فإنَّ اللَّه تعالى يتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقيل: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾: هي الرُّوح والقلب والنَّفس، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾: هي الحواسُّ الخمس، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: هو القلبُ وحدَه، ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ مِن ذلك: هي الأعضاء السَّبعة (٢)؛ أي: ما تكون أنت في شيء إلَّا أنا شاهدُك، وعالمٌ بظاهرِك وباطنِك.
﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾: أي: يخبرهم ﴿بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: قيل: هذه الآية متَّصلة بالتي بعدها، على ما نبيِّن بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى.
وقيل: نزلَتْ في صفوان ورجلين من ثقيف، وقد بيَّنَّا القصَّة في (سورة حم السجدة).
* * *
(٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
стр. 7144
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾: أي: ألم ترَ يا محمَّد إلى الذين نُهوا عن النَّجوى (١)، أكثر المفسِّرين على أنَّهم اليهود.
روي عن عائشة ﵂: أنَّ اليهود دخلوا على النَّبيِّ ﷺ ، فقالوا: السَّام عليك، ففطنَتْ لهم عائشة فقالَتْ: عليكم السَّام واللَّعنة يا إخوة القردة والخنازير، فقال: "مَهْ يا عائشة، إنِّي لم أُبْعَثْ فحَّاشًا، وإنَّ اللَّهَ لا يحبُّ الفُحْشَ ولا التَّفحُّش"، قالت: يا رسول اللَّه، ألم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألم تسمعي أنِّي رددْتُ عليهم فقلْتُ: وعليكم، وإنَّما نُجابُ عليهم ولا يجابون علينا"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] (٢).
وقيل: كان المنافقون يتناجون بينَهم، وينظرون إلى الرَّجل من المسلمين؛ ليظنَّ أنَّ مناجاتهم في أمرِه، وأنَّهم قد أَخبروا رسول اللَّه ﷺ عنه بسوء.
وقيل: كان المنافقون واليهود إذا رأوا رجلًا قد غزا له حميمٌ في بعض السَّرايا تناجى الاثنان منهم، ونظروا إلى المسلم ليقعَ في قلبه أنَّ صاحبه الغازيَ قد قُتِل أو أُسِر، وكذلك كانوا يفعلون إذا خرجوا من عند رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، يتناجون (٣) فيظنُّ المسلم أنَّه قد بلغَهم فيه شيءٌ، فلمَّا طالَ ذلك على المسلمين شكوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأمرَهم ألَّا يتناجوا فيما بينهم دون المسلمين، فلم ينتهوا، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
وقيل: كانوا يتناجون حيث يشاهدهم المؤمنون بسوءِ التَّدبير على النَّبيِّ ﷺ
стр. 7145
وأصحابه، فنُهوا عنه، فلم ينتهوا، فنزلت الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾: فيخالفونه ويأتون بما نُهوا عنه.
﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾: أي: فيما بينهم ﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بما يؤثمُهم من إدخال الغمِّ على المؤمنين.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾: أي: الظُّلم ومجاوزة الحقِّ.
﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: أي: بمعصيتِهم الرَّسولَ ومخالفتِهم إيَّاه وتدبيرهم فيه، كما دبَّروا في قتله حين خرج إليهم مستعينًا بهم في حَمالة، على ما بيَّناه في (سورة المائدة) عند قوله: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١].
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: لأنَّ اللَّهَ تعالى حيَّاه بالسَّلام، وهؤلاء حيَّوه بالسَّام وهو الموت، فكأنَّهم قالوا: الموتُ عليك.
﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: أي: هلَّا يعذِّبُنا بتحيَّتنا هذه له إنْ كان رسولًا.
وقيل: أرادوا أنَّه يقول لنا (١): "عليكم"، فيدعو علينا بالموت، فَلِمَ لا يُستجابُ دعاؤُه فينا إنْ كان نبيًّا، فأجابَهم اللَّهُ تعالى عن هذا فقال:
﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: إن لم يجازهم على إيذائهم رسولَه في الدُّنيا ولم يهلكْهم بدعاءِ الرَّسول عليهم عاجلًا، فقد أعددْنا لهم جهنَّم، وهي حسبُهم، فلا عذابَ أشدُّ من عذابهم بها.
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
* * *