← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

ومعنى الكلمة: يُكبتون، لكن ذكر بصيغة الماضي تقريبًا للمخبَر عنه، كما يُقال: بلغْنا المنزلَ وأتاك (١) الجبل، ونحو ذلك. وهذا بشارةٌ للمؤمنين بنصرهم وإهلاك الكافرين. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أي: وقد أوضحْنا الأدلَّة والعلامات على ذلك بما اقتصَصْنا من وقائعنا بالماضيين. وقيل: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ في القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فيها حدود اللَّه تعالى وأحكامه، فالزموها ولا تتعدَّوها. وقيل: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يكبَتُ هؤلاء يوم بدر. وقيل: يوم الخندق (٢). ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: قيل: ولجاحدي هذه الآيات. وقيل: لكفَّار كلِّ عصر. * * * (٦) - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أي: يعذِّبُهم هذا العذاب يومَ يُنشرهم من قبورهم جميعًا الرِّجال والنِّساء. وقيل: الأوَّلين والآخرين. وقيل: المحادِّين اللَّهَ ورسولَه في هذا العصر، وفي الأعصار الخالية. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: فيخبرهم بما عملوا من محادَّة اللَّه ورسوله. ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾: أي: حفظَه اللَّهُ، يعني: صغيرَ أعمالهم وكبيرَها، ودقيقَها وجليلها؛ ليجازيهم بها.

стр. 7142

﴿وَنَسُوهُ﴾: أي: ونسُوا هم (١) ذلك لجحودهم بالبعث والحساب. وقال ابن عبَّاس ﵄: أحصى اللَّهُ أعمالَهم الخبيثة، ﴿وَنَسُوهُ﴾؛ أي: تركوه استخفافًا به لم يحافظوا إحصاء اللَّه وحفظه (٢). ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: لا يخفَى عليه شيءٌ، فهو شاهدٌ عليه ليجزيَهم بها، وهذا وعيد شديد. * * * (٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: ألم تعلم علمًا يقومُ مَقامَ العِيان، استفهامٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: قد علمْتَ أنَّ اللَّهَ يعلمُ ما في السَّماوات وما في الأرض، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾: أي: هو سامع نجواهم، ولا يغيب ذلك عنه. ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾: أي: ولا نجو ى خمسة، وهو تناجيهم ومسارَّتُهم ﴿إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ يستمعُ نجواهم. ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: ولا أقلَّ من ذلك، وهو نجوى اثنين ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ من خمسة.

стр. 7143

وقرأ يعقوب: ﴿ولا أكثرُ﴾ بالرَّفع (١)، وعلى هذا: ﴿وَلَا أَدْنَى﴾ يكون رفعًا أيضًا، وتقديرُه: ولا يكون أدنى. ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾: أي: علمًا وسماعًا، لا مكانًا، فإنَّ اللَّه تعالى يتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقيل: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾: هي الرُّوح والقلب والنَّفس، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾: هي الحواسُّ الخمس، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: هو القلبُ وحدَه، ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ مِن ذلك: هي الأعضاء السَّبعة (٢)؛ أي: ما تكون أنت في شيء إلَّا أنا شاهدُك، وعالمٌ بظاهرِك وباطنِك. ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾: أي: يخبرهم ﴿بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: قيل: هذه الآية متَّصلة بالتي بعدها، على ما نبيِّن بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى. وقيل: نزلَتْ في صفوان ورجلين من ثقيف، وقد بيَّنَّا القصَّة في (سورة حم السجدة). * * * (٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

стр. 7144

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾: أي: ألم ترَ يا محمَّد إلى الذين نُهوا عن النَّجوى (١)، أكثر المفسِّرين على أنَّهم اليهود. روي عن عائشة ﵂: أنَّ اليهود دخلوا على النَّبيِّ ﷺ ، فقالوا: السَّام عليك، ففطنَتْ لهم عائشة فقالَتْ: عليكم السَّام واللَّعنة يا إخوة القردة والخنازير، فقال: "مَهْ يا عائشة، إنِّي لم أُبْعَثْ فحَّاشًا، وإنَّ اللَّهَ لا يحبُّ الفُحْشَ ولا التَّفحُّش"، قالت: يا رسول اللَّه، ألم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألم تسمعي أنِّي رددْتُ عليهم فقلْتُ: وعليكم، وإنَّما نُجابُ عليهم ولا يجابون علينا"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] (٢). وقيل: كان المنافقون يتناجون بينَهم، وينظرون إلى الرَّجل من المسلمين؛ ليظنَّ أنَّ مناجاتهم في أمرِه، وأنَّهم قد أَخبروا رسول اللَّه ﷺ عنه بسوء. وقيل: كان المنافقون واليهود إذا رأوا رجلًا قد غزا له حميمٌ في بعض السَّرايا تناجى الاثنان منهم، ونظروا إلى المسلم ليقعَ في قلبه أنَّ صاحبه الغازيَ قد قُتِل أو أُسِر، وكذلك كانوا يفعلون إذا خرجوا من عند رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، يتناجون (٣) فيظنُّ المسلم أنَّه قد بلغَهم فيه شيءٌ، فلمَّا طالَ ذلك على المسلمين شكوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأمرَهم ألَّا يتناجوا فيما بينهم دون المسلمين، فلم ينتهوا، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وقيل: كانوا يتناجون حيث يشاهدهم المؤمنون بسوءِ التَّدبير على النَّبيِّ ﷺ

стр. 7145

وأصحابه، فنُهوا عنه، فلم ينتهوا، فنزلت الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾. ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾: فيخالفونه ويأتون بما نُهوا عنه. ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾: أي: فيما بينهم ﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بما يؤثمُهم من إدخال الغمِّ على المؤمنين. ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾: أي: الظُّلم ومجاوزة الحقِّ. ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: أي: بمعصيتِهم الرَّسولَ ومخالفتِهم إيَّاه وتدبيرهم فيه، كما دبَّروا في قتله حين خرج إليهم مستعينًا بهم في حَمالة، على ما بيَّناه في (سورة المائدة) عند قوله: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: لأنَّ اللَّهَ تعالى حيَّاه بالسَّلام، وهؤلاء حيَّوه بالسَّام وهو الموت، فكأنَّهم قالوا: الموتُ عليك. ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: أي: هلَّا يعذِّبُنا بتحيَّتنا هذه له إنْ كان رسولًا. وقيل: أرادوا أنَّه يقول لنا (١): "عليكم"، فيدعو علينا بالموت، فَلِمَ لا يُستجابُ دعاؤُه فينا إنْ كان نبيًّا، فأجابَهم اللَّهُ تعالى عن هذا فقال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: إن لم يجازهم على إيذائهم رسولَه في الدُّنيا ولم يهلكْهم بدعاءِ الرَّسول عليهم عاجلًا، فقد أعددْنا لهم جهنَّم، وهي حسبُهم، فلا عذابَ أشدُّ من عذابهم بها. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. * * *

стр. 7146

(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: وهذا نهيٌ للمؤمنين عن الاقتداءِ باليهود والمنافقين بالتَّناجي. ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: وهذا أمرٌ بالتَّناجي فيما يَؤُول إلى الطَّاعة وترك المعصية، ونفعِ المسلمين ودفع الضَّرر عن المؤمنين، وهو كما قال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ الآية [النساء: ١١٤]. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: أي: للحسابِ، فيجازيكم بما تتناجون به من خيرٍ أو شرٍّ. * * * (١٠) - ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يأمر الشيطان بذلك ليُدخل به غمًّا في قلوب المسلمين من الوجهِ الذي قلْنا. وقال الحسنُ: كان الرَّجل يأتي إلى رسول اللَّه ﷺ فيستخليهِ لحاجةٍ، فكان الشَّيطان يوقع في قلوب المسلمين الخوف أنَّ هذا إنَّما خلا برسول اللَّه ﷺ لينقصكم عنده (١). وفي حديث عبد الرَّحمن بن زيدٍ ﵀: وكان الشَّيطان يأتي القوم فيقول

стр. 7147

لهم: إنَّما يتناجَون في أمورٍ حضرَتْ، وجموعٍ قد جُمِعَتْ لكم وأشياء، فنزلت: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (١). ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾: أي: إنَّما يضرُّهم بما أذن اللَّه فيه أن يكون ضارًّا لهم، فأمَّا الشَّيطانُ فلا يقدر لهم على ضرٍّ بنفسِه، وكذلك هؤلاء المتناجون من اليهود والمنافقين. وقيل: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلَّا بتخلية اللَّهِ إيَّاه، ولو شاءَ لأهلكَه وقطعَ ضررَه، إلَّا أنَّه خلَّاه امتحانًا للعباد. وقيل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعلمِ اللَّه؛ يعني: ما ينال المؤمن من الحزن والكراهة فذلك بعلم اللَّه تعالى، وسيجزيه اللَّه تعالى بذلك. وقيل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: ما كان من مناجاة بعضِهم رسولَ اللَّه ﷺ في انتقاصِ المؤمنين لا يضرُّهم ذلك، ولا يعتقدُ رسولُ اللَّه ﷺ فيهم نقصًا إلَّا بإذن اللَّه تعالى؛ أي: إلَّا بأن يُعْلمَه اللَّه تعالى به إن كان، ويأذنَ له في قَبوله، وهو ضررُ إقامة الحدود والتَّعزير والغرامة. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فلا تهتمُّوا بما يقول هؤلاء المتناجون. * * * (١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ﴾ قرأ

стр. 7148

عاصم: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ جمعًا، والباقون: ﴿فِي الْمَجْلِسِ﴾ على الواحد (١). قال مجاهد وقتادة والضَّحَّاك وابن زيد: هو مجلس النَّبيِّ ﷺ (٢). وهو متَّصل بما قبله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية. ذمَّهم بترك احترامِه، وأمَرَ المسلمين بأن يستعملوا في مجلسه ما يعود إلى تبجيله وإعظامه، وإلى معاملة أهل مجلسة بالمجاملة، وبما يدلُّ على سَعَةِ النَّفس وطيب الخلق عند المزاحمة، قال: ﴿وإذا قيل لكم تفسحوا في المجلس﴾؛ أي: توسَّعوا، والفُسحة: الوسعة (٣)، والفسيحُ: الواسع. ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: أي: وسِّعوا المكان لمن حضرَ بعدكم يوسِّعِ اللَّهُ لكم منازلكم في الجنَّة. وقيل: أي: يوسِّعْ أخلاقكم. ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: أي: وإذا قيل لكم: ارتفعوا، أوقوموا للتَّوسعة على مَن بَعُدَ موضعُه عن النَّبيِّ ﷺ ، فارتفعوا ولا تتثاقلوا. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بضم الشين فيهما، وقرأ الباقون بالكسر فيهما (٤)، وهما لغتان، كما في قوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾، و ﴿يَعْكُفُونَ﴾ (٥).

стр. 7149

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: أي: يرفعِ اللَّه درجاتِ مَن فعَل ذلك في الجنَّة، وإنَّما ذكر الإيمان والعلم في هذا لأن التَّفسُّح والنُّشوز لمن جاء بعد التَّمكُّن والطُّمأنينة، واحتمالُ هذا التَّعب إنَّما يكون ممَّن يتوفَّر حظُّه من الإيمان والعلم؛ لأنَّهُ يفعل ذلك تعظيمًا لأخيه المؤمن، وتعطُّفًا عليه، وإشراكًا له في الخير والاستماع من رسول اللَّه ﷺ . ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: من التَّفسُّح والنُّشوز للإخوة من المؤمنين فيثيبُكم عليه. وقيل في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾: أي: ارتفعوا منه في بيتِه وقوموا وارجعوا؛ فإنَّه له حاجة، وكان كلُّ واحدٍ منهم يحبُّ أن يكون آخرَهم عهدًا بالنَّبيِّ ﷺ ، فأُمِروا بالتَّخفيف، وعلى هذا يكون قوله: ﴿تَفَسَّحُوا﴾ ما دام يحدِّث، و ﴿انْشُزُوا﴾ إذا فرغ من الكلام. وقيل: إذا قال النَّبيُّ ﷺ لبعضكم: ﴿انْشُزُوا﴾؛ أي: ارتفعوا في المجلس؛ أي: اقتربوا منِّي إكرامًا، فلا تباعَدوا واقتربوا قَبولًا لكرامته، فإنَّه لا يقرِّبُ إلَّا الأفاضل في الإيمان والعلم، ولا يُنزلُ كلَّ إنسانٍ إلَّا منزلةَ استحقاقِه بعلمِه (١) وإيمانِه، وذلك معنى وصل الإيمان والعلم بهذا الكلام؛ لأنَّ معناه: إذا رفعَ رسولُ اللَّه ﷺ أحدَكم فليرتفعْ؛ فإنَّه إنَّما يفعل ذلك بأمر اللَّه تعالى بيانًا لدرجة علمِه وإيمانِه. وقيل: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ في مجلس رسول اللَّه ﷺ بعد سماع العلم: ﴿انْشُزُوا﴾ وارتفعوا لغزوٍ أو خيرٍ آخر (٢)، فبادِروا، ولا تتثا قلوا اعتلالًا بالضِّنِّ بمجلس رسول اللَّه ﷺ ؛ فإنَّ العلم والإيمان يوجب المسارعةَ إلى الائتمار.

стр. 7150

وقيل: الخطاب لقومٍ من أهل الشَّرف سبقوا إلى مجلس رسول اللَّه ﷺ ، ثمَّ يحضر الفقراء، فكرهوا أن يزاحموهم، فنُدبوا إلى التَّوسعة لهم، وأُخبروا أنَّ الرِّفعة بالعلم والإيمان، لا بالشَّرف والمال. ومَن قرأ: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ فهي للمجالس المختلفة، من مجلس الذِّكر والوعظ، ومجلس القتال، ومجلس الصَّلاة؛ أي: تفسَّحوا في أيِّ مجلسٍ كان من ذلك. وقيل: أريد به مجلس كلِّ واحدٍ في نفسه، وهم في مجلس واحد، أو مسجد واحد. قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلت الآيةُ في ثابت بن قيس بن شماس؛ أقبلَ نحوَ رسول اللَّه ﷺ يتخطَّى رقاب النَّاس، والمجلسُ غاصٌّ بأهله، وهو يقول: توسَّعوا وتفسَّحوا، وكان في أذنه وَقرٌ، وأحبَّ أن يدنوَ من رسول اللَّه ﷺ ، حتى انتهى إلى رجلٍ أمامَ النَّبيِّ ﷺ ، فلم يفسح له، فذكر أمَّه، فنزل في الرَّجل الذي لم يفسح له هذه الآية، فندم الرَّجل وندم ثابت (١). وقال مقاتلُ بن حيَّان: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في الصُّفَّة في مكانٍ ضيِّقٍ، وكان يكرمُ أهلَ بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدرٍ يومئذ وقد سُبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النَّبيِّ ﷺ ، فقالوا: السَّلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، فردَّ النَّبيُّ ﷺ عليهم، ثم سلَّموا على القوم بعد ذلك، فردُّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينظرون إلى أن يوسِّعوا لهم، وعرف النَّبيُّ ﷺ ما يحملِهم على القيام، فلم يُفسَح لهم، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ ﷺ ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار

стр. 7151

من غير أهل بدر: "قمْ يا فلان، وأنت يا فلان، وأنت يا فلان فقُم"، حتى أقام عدَّةً من النَّاس، فشقَّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسِه، وعرف النَّبيُّ ﷺ الكراهةَ في وجوهِهم، فقال المنافقون لأصحاب النَّبيِّ ﷺ : ألسْتُم تزعمون أنَّ صاحبكم هذا -يعنون النَّبيَّ ﷺ يعدلُ بين النَّاس؟ قالوا: بلى، قال المنافقون: واللَّه ما رأيناه عدلَ على هؤلاء، قومٌ أَخذُوا مجالسَهم، وأحبُّوا القُرْبَ من نبيِّهم، فأقامَهم وأجلسَ مَن أبطأ عنه مكانَهم. وكان ذلك يومَ الجمعة، فقال النَّبيُّ ﷺ بعد ذلك: "رحمَ اللَّه رجلًا تفسَّح لأخيه"، فكانوا يقومون بعدَ ذلك سِراعًا، وتفسَّح القوم لإخوانهم، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (١). وقال الحسنُ: بلغني أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان إذا قاتلَ المشركين وصفَّ أصحابَه للقتال، تشاحُّوا في الصَّفِّ الأوَّل؛ ليكونوا في أوَّل القوم، فكان الرَّجل منهم يجيء إلى الصَّفِّ الأوَّل فيقول لإخوانه: توسَّعوا لنلقى العدوَّ ونُصيبَ الشَّهادة، فلا يوسِّعون له رغبةً منهم في الجهاد والشَّهادة أن يصحيبوها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٢). وقال الحكم بن عتيبة في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قال: يرفع اللَّه العالمَ على الذي لا يَعلم سبعين درجةً، اللَّه أعلم بما بينَ كلِّ درجتين، وإنَّ العالم يستغفرُ له كلُّ شيءٍ حتَّى الحوت في البحر، والطَّير في جو السماء (٣).

стр. 7152

(١٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى أرادَ أن يقطعَ المنافقين عن مناجاة النَّبيِّ ﷺ ، فيزول ما كان الشَّيطانُ يحزنُ به المؤمنين منها، بأن يعظِّمَ المؤمنون رسولَ اللَّه ﷺ ، فلا يناجوه إلَّا في مهمٍّ من أمور الدِّين، فأوجبَ على مَن أرادَ منهم مناجاته تقديمَ صدقة، فقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾؛ أي: إذا أردْتُم مناجاته ﴿فَقَدِّمُوا﴾ قبل مناجاتكم إيَّاه ﴿صَدَقَةً﴾. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: في دينِكم لِمَا تنالونه من الثَّواب. ﴿وَأَطْهَرُ﴾: لكم من الذُّنوب، ويكون كتقديم الوضوء على الصَّلاة. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾: ما تتصدَّقون به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يكلِّفكم شططًا، فناجوه في المهمِّ من أمر الدِّين من غير تقديم صدقة. * * * (١٣) - ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾؛ أي: أشقَّ عليكم أن تقدِّموا طهرةً بين يدي مناجاتكم رسولَ اللَّه ﷺ . والإشفاق كالخوف من المكروه، فيحتمل (١) أن يكونوا أشفقوا (٢) مِن أن يقصِّروا في تقديم الصَّدقة في بعض حوائجهم التي يحتاجون فيها إلى مناجاته

стр. 7153

فيأثموا، أو تكثر حوائجهم فلا يمكنهم رفع كثير منها إليه إذا لم يجدوا ما يقدِّموا له، وخافوا ذلك على بعضِهم، فرحمَهم اللَّه تعالى وخفَّف عنهم. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: أي: خفَّف عنكم وأزال عنكم هذا الفرض. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أي: دوموا عليهما ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائر الأوامر والنَّواهي. وحقيقة ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ في هذه المواضع: أزالَ عنكم المؤاخَذة بترك تقديم الصَّدقة على المناجاة، كزوال المؤاخذة بالذَّنب على التَّائب عنه. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وهذا وعد ووعيد. وقيل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلا تتناجَوا بالإثم والعدوان ومعصية الرَّسول وتناجوا بالبر والتقوى. قال الكلبيُّ: ما كانت إلَّا ساعةً من نهارٍ حتَّى نُسِخَتْ (١). وقال مقاتل بن حيَّان: كانت عشرَ ليالٍ ثمَّ نُسِخَتْ (٢). وقال عليٌّ ﵁: هذه آيةٌ من كتاب اللَّه تعالى ما عملَ بها أحدٌ من قبلي ولا بعدي، وكان لي دينار، فبعتُه بعشر دراهم، وتصدَّقْتُ بها، وسألْتُ رسول اللَّه ﷺ عشرَ مسائلَ، فأجابني عنها، قلْتُ: يا رسول اللَّه، ما الوفاء (٣)؟ قال: "التَّوحيدُ وشهادةُ أن لا إله إلَّا اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] "، قلْتُ: وما الفساد؟ فقال: "الكفر والشِّرك باللَّه تعالى"، قلْتُ: وما الحقُّ؟ قالَ: "الإسلام والقرآن والولاية إذا

стр. 7154

انتهَتْ إليك"، قلْتُ: وما الحيلة؟ قال: "ترك الحيلة"، قلْتُ: وما عَلَيَّ؟ قال: "طاعة اللَّه وطاعة رسوله"، قلْتُ: كيف أدعو اللَّه؟ قال: "بالصِّدقِ واليقين"، قلْتُ: وماذا أسأل اللَّه تعالى، قال: "العافية"، قلْتُ: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: "كُلْ حلالًا، وقُلْ صِدقًا"، قلْتُ: وما السُّرور؟ قال: "الجنَّة"، قلْتُ: وما الرَّاحة؟ قال: "لقاء اللَّه تعالى"، فلمَّا فرغْتُ منها نزل نسخُها (١). وقال ابن عمر ﵄: كان لعليٍّ ﵁ ثلاثٌ، لو كانت لي واحدةٌ منهنَّ كانت أحبَّ إليَّ من حمر النَّعم: تزويجَه (٢) فاطمة، وإعطاء الرَّاية يوم خيبر، وآية النَّجوى (٣). * * *

стр. 7155

(١٤ - ١٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾: هم المنافقون، ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود. ﴿مَا هُمْ﴾: أي: المنافقون ﴿مِنْكُمْ﴾ مسلمين ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من اليهود، لا يؤمنون بكتاب. ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ للمؤمنين إذا لقُوهم أنَّهم منهم، ولليهود إذا لقوهم أنَّهم منهم. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذبون؛ لأنَّهم لا يعتقدون إسلامًا ولا يهوديَّة، وهذا نهاية الخبث وسوءِ الدِّيانة. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: أي: في النَّار ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بذلك استحقُّوها. * * * (١٦) - ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يجتهدون في صدِّ النَّاس عن طاعة اللَّه والإيمان به والجهاد في سبيله بالأراجيف ووجوه التَّخويف، فإذا ظهر ذلك منهم فعوتبوا حلفوا كاذبين أنَّهم ما فعلوا ذلك، يدفعون بها عن أنفسهم ما يتوجَّه عليهم من عقوبات الدُّنيا. ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: في الدُّنيا والآخرة، وهو ما قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]. وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلَتْ في عبد اللَّه بن نَبتل المنافق من بني عَمرو بن

стр. 7156

عوف، كان يأتي رسولَ اللَّه ﷺ فيجلسُ معه، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول اللَّه ﷺ جالسٌ ذات يوم في حجرة من الحجرات قال: "يَطْلعُ عليكم من هذه الحجرة الآن رجلٌ قلبُه قلبُ جبَّار، وينظر بعيني شيطان"، فأتى عبد اللَّه بن نبتل، فمُنع من أن يدخل من الباب، فصعد فوق الحجرة، فاطَّلع على النَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "أنت الذي تسبُّني وفلان وفلان"، فحلف باللَّه ما فعل، وحلف النَّبيُّ ﷺ لقد قلْتَ (١)، ثمَّ انطلق فجاء بهم، فحلفوا له ما سبُّوه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٢). * * * (١٧ - ١٩) - ﴿لَّنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

стр. 7157

وقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: يحلفون كاذبين ليدفعوا القتلَ عن أنفسِهم وأولادِهم والاستغنامَ عن (١) أموالهم، ولن تغني عنهم أموالهم وأولادهم يوم القيامة شيئًا إذا دخلوا النَّار. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أي: دخول النَّار (٢) يوم يحشرهم اللَّه تعالى من قبورهم فيحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم. ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ يوم القيامة: ما كانوا مشركين ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدُّنيا أنَّهم ليسوا بمنافقين. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾: ويظنُّون في الدُّنيا أنَّهم على صوابٍ من دينِهم ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ في الدُّنيا (٣). قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾: أي: غلب فاستولى عليهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ فهم يرتكبون المعاصيَ غير ذاكرين اللَّهَ، ومقامَهم بين يديه، ومحاسبتَه إيَّاهم عليها. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: المتحزِّبون له، المتعصِّبون لأوليائه، المنقادون حيث يقودهم. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أي: الهالكون المغبونون. * * * (٢٠ - ٢١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

стр. 7158

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: يخالفون، وقيل: يعادُون. ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾: لا أذلَّ منهم؛ أي: إلى الذُّلِّ يصير أمرهم: بالسَّبي والقتل في الدُّنيا، وعذاب النَّار في الآخرة. ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: أي: في اللَّوح المحفوظ، وقيل: أي: قضى وقدَّر. ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾: لأنَّ العاقبة المحمودة لهم في الدُّنيا والآخرة، وهم المنصورون بالحجَّة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿قَوِيٌّ﴾: لا يُغلَب ﴿عَزِيزٌ﴾: لا يمانع (١). وروي أنَّ المسلمين لَمَّا رأوا ما يُفتَح عليهم من القرى قالوا: واللَّهِ ليفتحَنَّ اللَّهُ علينا الرُّوم وفارس، فقال المنافقون: هيهات، الرُّومُ وفارس ليست كهذه القرى. فنزلَتْ هذه الآية (٢). * * * (٢٢) - ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: مَن خالفَ وعادى اللَّه ورسوله ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾: يرجع إلى مَن، وهو بمعنى الجمع لأنَّه جنس ﴿آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾:

стр. 7159

﴿لَا تَجِدُ﴾: إخبارٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: ولو وجدتهم على غير هذا فليسوا بمؤمنين؛ لأنَّ شرطَ الإيمانِ باللَّه محبَّة اللَّهِ، وتحقيقُ محبَّة اللَّه بمعاداة أعدائه. قال ابنُ مسعودٍ ﵁: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ كأبي عبيدة بن الجراح، قَتَلَ أباه يومَ أحدٍ، وهو عبد اللَّه بن الجرَّاح ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ كأبي بكر الصِّدِّيق، دعاه ابنُه يوم بدر إلى البِراز، فقال: يا رسول اللَّه، دعني أكنْ في الرَّعْلة (١) الأولى، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "متِّعنا بنفسِكَ يا أبا بكر، أمَا تعلمُ أنَّك عندي بمنزلة سمعي وبصري" ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ كمصعب بن عمير، قتلَ أخاه يوم أحد عبيد بن عمير ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ كعمر وحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث؛ قتلَ عمرُ خالَه العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وقتل عليٌّ وحمزة وعبيدة بن الحارث عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة (٢). وروي أنَّ رسول اللَّه ﷺ شربَ الماءَ، فقال عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيٍّ: يا رسول اللَّه، أبقِ فَضلةً من شرابِكَ، قال: "وما تصنع به؟ "، قال: أسقي بها (٣) أبي لعلَّ اللَّه تعالى يطهِّرُ بها قلبَه، ففعل، فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال: فَضلةٌ مِن شراب رسول اللَّه ﷺ جئْتُكَ بها لتشربَها لعلَّ اللَّهَ يطهِّرُ قلبَك، فقال أبوه: هلَّا جئْتَني ببول أمِّك، فرجعَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، ائذنْ لي في قتل أبي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "بل ترفُقُ به وتحسِنُ إليه" (٤).

стр. 7160

وقال ابن جريج: حُدِّثْتُ أنَّ أبا قُحافةَ سَبَّ النَّبيَّ ﷺ ، فصكَّهُ أبو بكر ﵁ صَكَّةً سقطَ منها، ثمَّ ذكرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "أوفعلتَه؟ "، قال: نعم، قال: "فلا تعدْ إليه"، فقال أبو بكر ﵁: "واللَّهِ لو كان السَّيفُ قريبًا منِّي لقتلتُه"، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (١). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾: أي: أثبتَه فرسخَ فيها حتَّى استبصروا فيه، فهجروا له الأوطان، ونابذوا العشائر والخلان. ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾؛ أي: قوَّاهم ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾؛ أي: بكتابٍ أنزلَه فيه حياةٌ لهم. وقيل: أي: ببرهانٍ منه ونورٍ وهدًى. وقيل: أي: نصرهم جبريلُ على كثيرٍ ممَّن حاربَهم. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾: أي: في الآخرة ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾؛ أي: رضي عنهم بقَبول أعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: بما أعطاهم من الثَّواب على أعمالهم. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾: المتحزِّبون لنصر دينِه، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بكلِّ محبوبٍ، الآمنون من كلِّ مرهوب. والحمدُ للَّه ربِّ العالمين

стр. 7161

سورة الحشر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه مُخزي الفاسقين والكفَّار، الرحمنِ مُعلِي المهاجرين والأنصار، الرحيمِ مُميِّزِ أصحاب الجنَّة من أصحاب النَّار. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ الحشرِ لم يبقَ جنَّة ولا نارٌ ولا عرشٌ ولا كرسيٌّ ولا الحُجُب ولا السَّماوات السَّبع ولا الأرضون السَّبع ولا الهواء ولا الرِّيح ولا الطَّير والنُّجوم والشَّجر والجبال والشَّمس والقمر ولا الملائكة إلَّا صلَّوا عليه واستغفروا له، فإنْ هو ماتَ يوم تلاها أو ليلة تلاها ماتَ شهيدًا" (١). وهذه السُّورة مدنيَّة. وهي أربع وعشرون آية، وأربعُ مئة وخمس وأربعون كلمة، وألفٌ وتسعُ مئة وخمسة عشر حرفًا. وانتظام آخر تلك السُّورة بأول هذه السُّورة: أنَّ آخر تلك السُّورة في ذكر حزب اللَّه، وأوَّلَ هذه في تسبيح كلِّ الخلق للَّه (٢).

стр. 7162

وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك أوَّلها في تخفيف الأحكام على المؤمنين، وأوَّل هذه في التَّشديد في الدُّنيا والآخرة على الكافرين. وبقيَّة تلك في ذكر المخلصين والمنافقين، وبقيَّة هذه في ذكر تقسيم المخلصين وذكر أحوال المنافقين. وختمُ تلك في مدح أولياء اللَّه تعالى، وختمُ هذه في بيان أسماء اللَّه تعالى. * * * (١ - ٢) - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: هو على ما فسَّرناه في أوَّل (سورة الحديد). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: هذا بيانُ قصَّة بني النَّضير وإجلائهم. ذكرَ أصحابُ المغازي: أنَّ عَمرو بن أميَّة قتلَ رجلين من المشركين من بني عامر بن صعصعة كان وادعَهما رسول اللَّه ﷺ وهو لا يعلم، فلمَّا أخبرَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه سلم - بذلك قال: "بئسما صنعْتَ، قد كان لهما منَّا أمان"، قال: ما شعرْتُ، فأرسلَ عامرُ بن الطُّفيل إلى رسول اللَّه ﷺ يلتمس منه ديتَهما، فخرج رسولُ اللَّه ﷺ إلى بني النَّضير -وكانوا حلفاء لبني عامر- يستعين بهم في ديتهما، فتآمر بنو النَّضير في اغتياله، وكان قاعدًا في نفرٍ من أصحابه تحت ظلِّ جدارٍ، فأراد اليهود أن يطرحوا عليه صخرةً،

стр. 7163

فعلم بذلك رسولُ اللَّه ﷺ ، وتوجَّه إلى المدينة من غير أن يخبرهم بذلك، ونهضَ كأنَّه يريد حاجةً، فلمَّا أبطأ عليهم تبعوه فلم يلحقوه إلَّا بالمدينة، فأخبرهم بذلك. ودعا محمَّدَ بن مسلمة وقال: "اذهب إلى يهود بني النَّضير، وقل لهم: اخرجوا من بلدي"، فأبوا واستعدُّوا له، فحاصرهم رسول اللَّه ﷺ خمسة عشر يومًا، وأرسل لهم المنافقون: إنَّا معكم إنْ قُوتِلْتُم، وعلينا لكم النَّصر، فلم يمكِّنهم رسول اللَّه ﷺ من القتال (١) في دورهم وحصونهم، وأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم وحصونهم أنْ تُهدَم، وبالنَّخيل أن تُقطَع وتُحرَّق، وألقى اللَّه في قلوبهم الرُّعب. وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم ممَّا يليهم (٢)، والمسلمون يخربون ممَّا يليهم، حتى وقعَ الصُّلح، وأجلاهم رسولُ اللَّه ﷺ على أن يحملوا من أموالهم ما استقلَّت الإبل، حتَّى كان الرَّجل يهدمُ بابَ دارِه ليُحمل على بعيره. فمنهم مَن خرج إلى خيبر، ومنهم مَن خرج إلى الشَّام وإلى أذرعات، وحملوا النِّساء والصِّبيان والأموال سوى السِّلاح، وشقُّوا سوق المدينة في ستِّ مئة بعير متزيِّنين، يضربون بالدُّفوف والمزامير، يُظهرون (٣) التَّجلُّد، وقبضَ رسولُ اللَّه ﷺ أموالهم وسلاحهم (٤). وقيل: لَمَّا دخل رسول اللَّه ﷺ المدينة صالحَ بني النَّضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلهم ولا يقاتلوا معه، فلمَّا غزا رسول اللَّه ﷺ بدرًا وظهر على المشركين قالت

стр. 7164

بنو النَّضير: إنَّه واللَّه للنَّبي الذي سمعنا به، ووجدنا نعته في التَّوراة، لا يردُّ له راية، فلمَّا غزا رسول اللَّه ﷺ من قابلٍ أحدًا وهُزم المسلمون ارتابوا، وأظهروا العداوة للَّه ولرسوله وللمؤمنين، ونقضوا العهد. فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا من اليهود إلى مكَّة، فأتوا قريشًا، فحالفوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمَّد ﷺ ، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه لعنهم اللَّه إلى المدينة، ونزل جبريل صلوات اللَّه عليه على النَّبيِّ ﷺ وأخبره بذلك، وأمرَه اللَّه تعالى بقتل كعب بن الأشرف، فقال ﵊ لأصحابه: "أمرني اللَّه تعالى بقتل كعب بن الأشرف فاقتلوه". وانتدبَ قومٌ فيهم محمَّد بن مسلمة، فذهبوا وقتلوه ليلًا، وله قصَّة، فأصبح رسول اللَّه ﷺ وأمر النَّاس بالمسير إلى بني النَّضير، فجاء وحاصروهم في رواية إحدى وعشرين ليلة (١). وقال محمَّد بن إسحاق: جلاء بني النَّضير كان مرجعَ النَّبيِّ ﷺ من أُحُد، وكان فتحُ بني قريظة مرجعَه من الأحزاب، وبينهما سنتان. وأجلاهم رسول اللَّه ﷺ على أن يحمل كلُّ ثلاثةِ أهلِ أبياتٍ على بعيرٍ واحد ما شاؤوا، وما تركوا فلرسول اللَّه ﷺ وأصحابه، فذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: سلَّط رسو لَه ﵇ والمؤمنين على إخراجهم ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: قيل: إنَّ النَّاس يُحشرون في الآخرة إلى أرض الشَّام، فكان حشر اليهود إليها الآن أوَّل الحشر.

стр. 7165

وقيل: هم أوَّل مَن حُشَر وأُخرج من جزيرة العرب. وقال مرَّة الهمداني: كان أوَّلُ الحشر من المدينة، والحشرُ الثَّاني من خيبر إلى أريحا وأذرعات على يدي عمر بن الخطَّاب ﵁ (١). قوله تعالى: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾: ما كنتم تظنُّون أيُّها المسلمون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾؛ أي: أن يضطرَّ هؤلاء إلى الخروج؛ لمنَعَتهم وعِدَّتهم وكثرةِ حلفائهم وأعوانهم. ﴿وَظَنُّوا﴾: أي: هؤلاء اليهود ﴿أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: تمنعهم وتدفع عنهم حصونهم من رسول اللَّه ﷺ وأولياءِ اللَّه. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾: أي: أتاهم عذاب اللَّه، أو أتاهم اللَّه بعذابه من حيث لم يتوهَّموا. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: أي: الخوفَ من النَّبيِّ ﷺ أن يأخذَهم، فيقتلَهم ويسبيَ ذراريهم ويَغنم أموالهم. وقيل: قذفُ الرُّعب كان بسبب قتل كعب بن الأشرف، وكانوا لا يقدِّرون ذلك في أنفسهم ولا يصوِّرونه. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: قرأ أبو عَمرو: يُخْرِبُونَ﴾ بالتَّشديد، والباقون بالتَّخفيف (٢). قيل: هما لغتان، كما يقال: أمهلَ ومهَّل، وأخبر وخبَّر. وقيل: التَّخريب: الهدم، والإخراب: تركه لا ساكن فيه والانتقالُ عنه، قاله الفرَّاء، وحكاه عن أبي عمرو (٣).

стр. 7166

ومعنى الآية عند بعضهم: أنَّ اليهود كانوا ينقضون ما أعجبهم من أبنية دورِهم، وخشبِها من الأبواب والعُمُد ونحوها ليحملوه معهم، فكان هذا تخريبًا منهم بأيديهم، وكان المؤمنون يخربون الأوَّل فالأوَّل، ليتمكَّنوا من مواضع الحرب، هو معنى قول الزُّهري وابن إسحاق والواقدي وابن زيد (١). وقال عكرمة: كانت بيوتهم مزخرفةً، فحسدوا أن يسكنها المسلمون، فجعلوا يخربونها من داخل، والمؤمنون من خارج (٢). قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: أي: تأمَّلوا يا أولي البصائر ما نزلَ بهؤلاء، والسَّببَ الذي استحقُّوأ به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثلَ فعلهم فتُعاقبوا بمثل عقوبتهم. * * * (٣ - ٤) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: ولولا أنْ قضى اللَّه وكتبَ في أمِّ الكتاب وأَخبر أنَّه سيُجليهم عن ديارهم لِمَا علمَ أنَّ منهم مَن يؤمنُ أو يلدُ مؤمنًا ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بأن يأمرَكم بقتلهم وأسرهم واسترقاقهم. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ الذي هو لا أشدَّ منه، فليس تأخير العذاب عنهم للعجز، لكنَّ العذاب مُعَدٌّ لهم في الآخرة بأشدِّ ما يكون.

стр. 7167

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: هذه العذابُ بأنَّهم خالفوا اللَّهَ وعادَوه، ورسولَه أيضًا. ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: هي سُنَّته في جميع الكفرة. * * * (٥) - ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: قال ابن عبَّاس وقتادة: هي كلُّ نخلةٍ لينةٍ سوى العجوةِ (١). وقال سفيان: هي كرام النَّخل (٢). وأصلها الواو، وواحدها: اللَّوْن (٣). ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾: لم تقطعوها. ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: فذلك بإطلاق اللَّه تعالى، لم يمنعْكُم عنه ولم يحرِّمْه عليكم. ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: ولإخزاء اليهود -أي: إذلالهم وغيظهم- أذِن بذلك. وقال الواقديُّ: كان رسول اللَّه ﷺ قد استعمل على قطعِ نخيلهم أبا ليلى المازنيَّ وعبد اللَّه بن سلام، وكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان ابن سلام يقطع اللَّون، فقال لهم بنو النَّضير: أنتم مسلمون، ما يحلُّ لكم قطع النَّخيل.

стр. 7168

فاختلف أصحابُ رسول اللَّه ﷺ ؛ فقال بعضهم: نقطع، وبعضهم: لا نقطع، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: ألوان النخيل سوى العجوة ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: العجوة ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ يقول: يغيظهم ما قطع من النخيل (١). وقال مقاتل: كان النَّبيُّ ﷺ أمَر بقطع النَّخيل وتحريقها إلَّا ضربًا منها يُقال لها: العجوة، شديدَ الصُّفرة، يُرى نواه من اللِّحاء، من أجود التَّمر، يغيب فيه الضِّرس، النَّخلةُ منها أحبُّ إليهم من وَصيف، فجزع أعداء اللَّه عند القطع، فقالوا: يا محمَّد، أوجدْتَ فيما أُنزل عليك الفساد في الأرض أو الصَّلاح؟ فأكثروا فيه القول، وأكثرَ المسلمون ندامةً (٢) على قطعهم خشية أن يكون فسادًا، فأنزل اللَّه تعالى الآية (٣)، واستصوبَ ذلك كلَّه منهم لحسن نيِّتهم في ذلك، فمَن ترَك العجوة وهي أجود التَّمر فلتبقى للمسلمين، ومَن قطعها فلزيادة غيظ على الكافرين. * * * (٦) - ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: أي: ما غنمْتُم. والفيءُ: الغنيمةُ تفيء إلى المسلمين؛ أي: ترجع. ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من هؤلاء اليهود. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾: فلم يكن ذلك بإيجافِ خيلٍ أو ركاب

стр. 7169

منكم على ذلك. والإيجافُ: تعدية الوجيف، وقد وجفَ البعيرُ يَجِفُ وَجِيفًا؛ أي: سارَ بتحرُّكٍ واضطرابٍ، وأوجفَه راكبُه. ومعناه: فما أزعجْتُم عليه خيلًا ولا ركابًا، ولا أزعجتُم إليه شيئًا من ذلك؛ أي: لم يحصل ذلك بسعيكم وعملكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ أشار إلى أنَّ اللَّهَ تعالى يسلِّط رسلَه عليهم، بأن ألقى رعبَه في قلوبِهم، فهابُوه وأذعنوا للجلاء وتركِ الأموال، فجرى سلطان الرَّسول عليهم بتسليط اللَّه تعالى، وذلك سُنَّته في رسله الماضين، كان يسلِّطهم على مَن يشاء. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: من هذا وغيره. وقال الواقديُّ: كانت أموال بني النَّضير للنَّبيِّ ﷺ خاصَّة، لم يخمسها (١)، أعطى منها المهاجرين، ولم يعطِ منها الأنصار، إلَّا رجلين محتاجَين: سهل بن حنيف وأبا دجانة، ونفَّل سعد بن معاذ سيف بن أبي الحُقَيق، وكان سيفًا له ذكر عندهم. وقال عمر ﵁ للنَّبيِّ ﷺ : ألا تخمِّسُ يا رسولَ اللَّه ما أصبْتَ من بني النَّضير كما خمَّسْتَ ما أصبْتَ مِن بدر؛ فقال ﷺ : "لا أجعلُ شيئًا جعلَه اللَّه لي دون المؤمنين"، لقوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ (٢). * * * (٧) - ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

стр. 7170

وقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: قيل: هي فَدَك وبنو النَّضير وبنو قريظةَ وخيبر. ﴿فَلِلَّهِ﴾: أي: فهي للَّهِ، يأمركم فيها بما أحبَّ. وقال الزُّهريُّ: كانت بنو النَّضير للنَّبيِّ ﷺ خالصةً لم يفتتحوها عنوةً، ولكن افتتحوها على صلحٍ، فقسمَها بين المهاجرين (١). ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾؛ يعني: قرابةَ رسول اللَّه ﷺ ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وقال عمر ﵁: كان لرسول اللَّه ﷺ ثلاثُ صفايا: بنو النضير وفدكٌ وخيبرُ؛ فأمَّا بنو النَّضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأمَّا فَدَكٌ فكانت لابن السَّبيل، وأمَّا خيبرُ فجزَّأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبسَ جزءًا للنَّفقة، فما فضلَ عن أهلِه ردَّه على فقراء المسلمين (٢). وعلى هذا القول: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ موصولٌ بالأوَّل، وإن لم يكن فيه واو العطف، كما يقال: هذا المال لزيد لعمرو ولبكر. وقال ابن عبَّاس ﵄: هذا مبتدأ، وهو في غنائم كلِّ قرية تفتح وتُؤخَذ بقوَّة الغزاة (٣)، وفي الآيةِ بيانُ مصرفِ خُمسِها.

стр. 7171

وقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ﴾: هو للتَّبرُّك باسمه، وقيل: سهم اللَّه تعالى يصرف إلى أسلحة الغزاة. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: له خمس الخمس. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: وقد سقط سهمهم بإجماع الصَّحابة. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: هم مصارف الخمس، وأربعة أخماسها للغانمين، ولم يذكره في هذه الآية، وقد ذُكِرَ مثل ذلك في (سورة الأنفال)، وهو قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإذا بيَّنَ مصرف الخمس تعيَّنَ الباقي للغانمين، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فلمَّا بيَّنَ نصيبَ الأمِّ تعيَّنَ الباقي للأب، فكذا هاهنا. وقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾: أي: متداولًا؛ أي: تولَّى اللَّهُ قسمةَ ذلك لئلَّا يختصَّ بأخذه الأغنياء يتداولونه بينهم دون الفقراء ومصارف الخمس. قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾: أي: وما أعطاكم من الغنيمة فاقبلوه ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾؛ أي: عن أخذه ﴿فَانْتَهُوا﴾. وعن ابن عبَّاس ﵄ والحسن ﵀: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾: هو الغُلول (١). وقيل: هو عامٌّ في كلِّ ما أتى به النَّبيُّ ﷺ من الأحكام: ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾؛ أي: ما أتاكم به، كما قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢]؛ أي: ائتنا بغذائنا.

стр. 7172

وعن ابن عبَّاس وابن مسعود والحسن أنَّهم حملوا على (١) هذا العموم (٢). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ﴾: لمن عصاه، ولا اتَّقاه. * * * (٨) - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: قيل: هو معطوف (٣) على الأوَّل بغيرِ واوٍ، وقد مرَّ أنَّه جائز. وقيل: تقديره: كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم ويكونَ للفقراء المهاجرين. وقيل: هو ترجمة عن قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ دليلٌ لأصحابنا في أنَّ الكفَّار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها، فإنَّ اللَّه تعالى سمَّى المهاجرين فقراء -مع أنَّه كانت لهم ديارٌ وأموالٌ- بعدما أُخرجوا من ديارهم وأموالهم واستولَى عليها الكفَّار.

стр. 7173

قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: يطلبون بهجرتهم فضلًا من اللَّه وثوابَ الآخرة ﴿وَرِضْوَانًا﴾: رضًا عنهم، فلا يؤاخذُهم بالتَّقصير. وقيل: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾: غنيمة في الدُّنيا ﴿وَرِضْوَانًا﴾: في العُقبى. ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: ينصرون دين اللَّه، ويُعِينون رسول اللَّه. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: المحقِّقون أقوالَهم بأفعالهم. * * * (٩) - ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قيل: هو عطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ في استحقاق الغنيمة. وقيل: هو مبتدأ، وتقديرُه: الفيء لكذا وللمهاجرين، والأنصار لا يحسدونهم على هذا الاستحقاق، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾؛ أي: اتَّخذوا المدينة مسكنًا، نزلها الأنصار قبل المهاجرين. ﴿وَالْإِيمَانَ﴾؛ أي: وتبوَّؤوا الإيمان بالمدينة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: آمنوا قبل هجرة النَّبيّ ﷺ وأصحابه إليهم، فقد روي: قَلَّتْ دار بالمدينة إلَّا كان الإسلام دخلَها قبلَ قدوم النَّبيِّ ﷺ ، وكانوا قد صلَّوا صلاة الجمعة قبلَ قدومهم. ومعنى قوله: (تبوءوا الإيمان)؛ أي: تمكَّنوا منه، واستقرُّوا فيه كما يستقرُّ

стр. 7174

الإنسانُ في المكان إذا تبوَّأهُ، ومعنى: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل قدومِهم، لا من قبل إيمانهم. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: من أهل مكَّة وغيرهم، ومن محبَّتهم إيَّاهم أن نزلوا لهم عن نسائهم، وشاطروهم في أموالهم ومساكنهم. ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: ولا يجدُ الأنصارُ في قلوبهم حسدًا ممَّا أوتيَ المهاجرون من الفيء. والحاجة: الشرك، والحسدُ في القلب يعمل عملَها في الجسد. وقيل: أي: احتياجًا إليه حتى يحملَهم ذلك على الضِّنِّ به. ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: يختارون على أنفسهم المهاجرين ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾؛ أي: فقر وحاجة. وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا غَنِم بني النَّضير دعا ثابت بن قيس بن الشَّمَّاس فقال: "ادعُ لي قومك"، قال: الخزرجُ يا رسول اللَّه؟ قال: "الأنصار كلُّها"، فدعا له الأوس والخزرج، فتكلَّم رسول اللَّه ﷺ ، فحمد اللَّه، وأثنى عليه بما هو أهله، وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالَهم إيَّاهم في منازلهم وأموالهم، ثم قال: "إنْ أحببْتُم قسمْتُ بينكم وبين المهاجرين ما أفاء اللَّه عليَّ من بني النَّضير، فكان المهاجرون على ما هم عليه من السُّكنى في مساكنكم وأموالكم (١)، وإن أحببْتُم أعطيْتُهم وخرجوا من دورِكُم". فتكلَّم سعدُ بن عبادة وسعدُ بن معاذ ﵄ فقالوا: يا رسول اللَّه، بل يُقسَم بين المهاجرين، ويكونون في دورنا، فنادَتِ الأنصارُ: رضيْنا وسلَّمنا يا رسول اللَّه،

стр. 7175

فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّهم ارحمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ"، فأعطى رسولُ اللَّهِ ﷺ المهاجرين، ولم يعطِ الأنصارَ، إلَّا ما أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: أي: ومَن وقاه اللَّهُ بخلَ نفسِه، فلم يَضَنَّ بعَرَضِ الدُّنيا وبذَلَهُ لأولياءِ اللَّه تعالى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ جمع مع إفراد قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾؛ لأَنَّه جنسٌ، فكان واحدًا لفظًا جمعًا معنى. وقيل: في قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: لم يقلْ: (ومَن يتق)؛ تنبيهًا على أنَّ هذا أمرٌ لا يتأتَّى بالتَّكلُّف (٢). وقيل: الشُّحُّ: اجتماعُ البخل والحرص والشَّره. وقيل: هو أن لا يكون فيه نفعٌ لأحدٍ، من قولهم: زَندٌ شَحاحٌ: إذا كان لا يُوْرِي نارًا. وقال ابنُ مسعود ﵁: مَن أعطى في النَّائبة وقَرَى الضَّيفَ فقد وُقي شُحَّ نفسِه. وعن أبي المتوكِّل النَّاجي: أنَّ رجلًا من المسلمين غَبَرَ (٣) ثلاثةَ أيَّامٍ صائمًا، يمسي فلا يجدُ ما يفطر عليه فيصبح صائمًا، حتى فطنَ به رجلٌ من الأنصار، يُقال له: ثابت بن قيس بن الشَّمَّاس، فقال لأهله: إنِّي أجيء الليلة بضيفٍ، فإذا وضعْتُم طعامَكم فلْتقُمْ أحدُكم إلى السِّراج كانه يصلِحُه فلْيُطفئْه، ثم اضربوا بأيديكم إلى الطَّعام كأنَّكم تاكلون، فلا تأكلوا، حتَّى يشبعَ ضيفُنا، فلمَّا أمسى ذهبَ به، فوضعوا

стр. 7176

طعامَهم، فقامت امرأتُه إلى السِّراج كأنَّها تصلحُه فأطفأته، وجعلوا يضربون بأيديهم إلى الطَّعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون، فلمَّا أصبحَ ثابتٌ غدا إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له نبيُّ اللَّه: "لقد عجِبَ اللَّهُ البارحةَ من صنيعكم"؛ أي: رضي غاية الرِّضا، ونزل فيهم هذه الآية (١). وقال أنس: أُهدي لبعض الصَّحابة رأسُ شاةٍ مشويٍّ، وكان مجهودًا، فوجَّهَ به إلى جارٍ له، فتداوَلَتْهُ تسعة أنفسٍ، ثم عاد إلى الأوَّل، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). * * * (١٠) - ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: هم التَّابعون بإحسان. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾: أي: الصَّحابةِ ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ لسَبْق زمانهم.

стр. 7177

﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾: أي: حقدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: الصَّحابةِ. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: قال قتادة: إنما أُمرتم أن تستغفروا لأصحاب محمَّد، ولم تُؤمَروا بسبِّهم (١). قالوا: علمَ اللَّهُ تعالى أنَّه يقعُ بين الصَّحابة أشياءُ، ثم يُذكَر ذلك لمن بعدهم، وربَّما يقعُ في قلوبِ بعضِهم كراهةَ (٢) بعض ذلك، فتتغيَّرُ عليهم قلوبُهم، فأمر اللَّه تعالى بالاستغفار لهم، ونبَّههم على أن ذلك ممَّا يرجى عفو اللَّه عنه، ويجبُ على مَن بعدَهم حُسنُ الاعتقاد فيهم، وحسنُ الدُّعاء لهم. وقيل لسعيد بن المسيِّب: ما تقولُ في عثمانَ وعليٍّ وطلحةَ والزُّبير؟ قال: أقول ما قوَّلنيه اللَّه تعالى، وتلا هذه الآية (٣). وسمعَ ابنُ عمرَ رجلًا يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، وقال: هؤلاء المهاجرون أفيهم أنت؟ قال: لا، ثمَّ تلا عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ الآية، وقال: هؤلاء الأنصار أفيهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ثمَّ قال: أمِن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: ليس من هؤلاء مَن يسبُّ هؤلاء (٤). وكان عمر ﵁ يجعلُ الفيء لكلِّ هؤلاء الأصناف، ويجعل بعضها معطوفًا على البعض؛ روي عن مالك بن أوسِ بن الحَدَثَان قال: قرأ عمرُ ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، وقال: هذه لهؤلاء، ثمَّ قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ

стр. 7178

مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، ثم قال: هذه استوعبَتِ المسلمين عامَّة، فلئِنْ عشْتُ ليأتينَّ الرَّاعي وهو بِسَرْوِ حِمْيَرَ نصيبَهُ منها، لم يعرق فيه جبينُه (١). وبهذه الآيات أيضًا احتجَّ في وضع الخراج في سواد العراق، وترك قسمَتها بين الغانمين، وإنْ كان بلال وأصحابه يجادلونه في ذلك، وقال لهم: إنِّي وجدْتُ في كتاب اللَّه تعالى ما يغنيني عن موافقتكم، وقرأ هذه الآيات، وجعلها خراجيَّة؛ ليصل ذلك إلى جميع المسلمين قرنًا بعد قرن (٢). * * * (١١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾: هو ما ذكرنا من قول عبد اللَّه بن أبيٍّ المنافق وأصحابه لعنهم اللَّه لبني النَّضير: لئن أُخرجتم عن أرضكم لنخرجنَّ معكم، ولا نفترق في سفر ولا حضر. ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾: أي: في خذلانكم ﴿أَحَدًا﴾ سألَنا ذلك ﴿أَبَدًا﴾.

стр. 7179

وعَدُوهم الموافقةَ على الجلاء إنْ رأوا الصَّواب لأنفسهم في ذلك بترك (١) قتالهم المسلمين. ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾: أي: وإنْ رأيْتُم الصَّواب لأنفسكم في قتال محمَّدٍ وأصحابه ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾؛ أي: لنعيننَّكم على قتاله. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: في هذا الوعد. * * * (١٢) - ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾: بل يَثبتون في أوطانهم، ويُظهرون للمؤمنين أنهم معهم. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: بل يخذلونهم. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾: أي: لينهزمُنَّ فلا يقومون للمؤمنين. ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: وهذا دلالة على صدقِ رسول اللَّه ﷺ في دعوى النُّبوَّة؛ فإنَّه أخبرَ عمَّا لم يكن بعدُ فخرجَ على ما أخبرَ، فعُلِمَ أنَّه باللَّه علِم ذلك، أُخرج (٢) بنو النضير فلم يخرجوا معهم، وقُوتل بنو قريظة فلم ينصروهم. ثم قوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ وهذا إخبارٌ عمَّا لم يكن أنَّه لو كان كيف كان يكون، كما في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١].

стр. 7180

(١٣ - ١٤) - ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: إنَّكم يا معشرَ المخلِصين في قلوب المنافقين أهيَبُ مِن اللَّه تعالى، فكيف يثبتون لكم؟ وهذا تثبيتٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، وبشارةٌ من اللَّه تعالى بانهزامِ هؤلاء المنافقين لو قاتلوهم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوءِ تمييزهم، ولو ميَّزوا الأمور بعقولهم لعلموا أنَّ اللَّه تعالى أحقُّ بأنْ يُهابَ. قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: هؤلاء المنافقون والكفَّار وإن كانوا مجتمعين ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بالحيطان والأسوار والدُّروب والأبواب؛ لجبنهم، يقدِّرون أنَّها تمنعُهم منكم، كما توهَّم بنو النَّضير أنَّ حصونَهم مانعتُهم من اللَّه. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: أي: أو من خلفِ حيطان، جمع جدار، يستترون بها، يرمونكم بِنبلٍ أو حجارةٍ. وهذا تقويةٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، وبيانٌ أنَّ هؤلاء ليسوا كالمشركين الذين قاتلوكم ببدر مُصْحرين (١)، وقد نصركم اللَّه على أولئك، فكيف بهؤلاء؟ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: قيل: أي: إذا لم يكن يَلْقَوا العدوَّ وصفوا أنفسهم بالشِّدة؛ أي: بأسهُم عند أنفسِهم شديد.
следующие страницы →