← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

طعامَهم، فقامت امرأتُه إلى السِّراج كأنَّها تصلحُه فأطفأته، وجعلوا يضربون بأيديهم إلى الطَّعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون، فلمَّا أصبحَ ثابتٌ غدا إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له نبيُّ اللَّه: "لقد عجِبَ اللَّهُ البارحةَ من صنيعكم"؛ أي: رضي غاية الرِّضا، ونزل فيهم هذه الآية (١). وقال أنس: أُهدي لبعض الصَّحابة رأسُ شاةٍ مشويٍّ، وكان مجهودًا، فوجَّهَ به إلى جارٍ له، فتداوَلَتْهُ تسعة أنفسٍ، ثم عاد إلى الأوَّل، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). * * * (١٠) - ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: هم التَّابعون بإحسان. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾: أي: الصَّحابةِ ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ لسَبْق زمانهم.

стр. 7177

﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾: أي: حقدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: الصَّحابةِ. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: قال قتادة: إنما أُمرتم أن تستغفروا لأصحاب محمَّد، ولم تُؤمَروا بسبِّهم (١). قالوا: علمَ اللَّهُ تعالى أنَّه يقعُ بين الصَّحابة أشياءُ، ثم يُذكَر ذلك لمن بعدهم، وربَّما يقعُ في قلوبِ بعضِهم كراهةَ (٢) بعض ذلك، فتتغيَّرُ عليهم قلوبُهم، فأمر اللَّه تعالى بالاستغفار لهم، ونبَّههم على أن ذلك ممَّا يرجى عفو اللَّه عنه، ويجبُ على مَن بعدَهم حُسنُ الاعتقاد فيهم، وحسنُ الدُّعاء لهم. وقيل لسعيد بن المسيِّب: ما تقولُ في عثمانَ وعليٍّ وطلحةَ والزُّبير؟ قال: أقول ما قوَّلنيه اللَّه تعالى، وتلا هذه الآية (٣). وسمعَ ابنُ عمرَ رجلًا يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، وقال: هؤلاء المهاجرون أفيهم أنت؟ قال: لا، ثمَّ تلا عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ الآية، وقال: هؤلاء الأنصار أفيهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ثمَّ قال: أمِن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: ليس من هؤلاء مَن يسبُّ هؤلاء (٤). وكان عمر ﵁ يجعلُ الفيء لكلِّ هؤلاء الأصناف، ويجعل بعضها معطوفًا على البعض؛ روي عن مالك بن أوسِ بن الحَدَثَان قال: قرأ عمرُ ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، وقال: هذه لهؤلاء، ثمَّ قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ

стр. 7178

مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، ثم قال: هذه استوعبَتِ المسلمين عامَّة، فلئِنْ عشْتُ ليأتينَّ الرَّاعي وهو بِسَرْوِ حِمْيَرَ نصيبَهُ منها، لم يعرق فيه جبينُه (١). وبهذه الآيات أيضًا احتجَّ في وضع الخراج في سواد العراق، وترك قسمَتها بين الغانمين، وإنْ كان بلال وأصحابه يجادلونه في ذلك، وقال لهم: إنِّي وجدْتُ في كتاب اللَّه تعالى ما يغنيني عن موافقتكم، وقرأ هذه الآيات، وجعلها خراجيَّة؛ ليصل ذلك إلى جميع المسلمين قرنًا بعد قرن (٢). * * * (١١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾: هو ما ذكرنا من قول عبد اللَّه بن أبيٍّ المنافق وأصحابه لعنهم اللَّه لبني النَّضير: لئن أُخرجتم عن أرضكم لنخرجنَّ معكم، ولا نفترق في سفر ولا حضر. ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾: أي: في خذلانكم ﴿أَحَدًا﴾ سألَنا ذلك ﴿أَبَدًا﴾.

стр. 7179

وعَدُوهم الموافقةَ على الجلاء إنْ رأوا الصَّواب لأنفسهم في ذلك بترك (١) قتالهم المسلمين. ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾: أي: وإنْ رأيْتُم الصَّواب لأنفسكم في قتال محمَّدٍ وأصحابه ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾؛ أي: لنعيننَّكم على قتاله. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: في هذا الوعد. * * * (١٢) - ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾: بل يَثبتون في أوطانهم، ويُظهرون للمؤمنين أنهم معهم. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾: بل يخذلونهم. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾: أي: لينهزمُنَّ فلا يقومون للمؤمنين. ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: وهذا دلالة على صدقِ رسول اللَّه ﷺ في دعوى النُّبوَّة؛ فإنَّه أخبرَ عمَّا لم يكن بعدُ فخرجَ على ما أخبرَ، فعُلِمَ أنَّه باللَّه علِم ذلك، أُخرج (٢) بنو النضير فلم يخرجوا معهم، وقُوتل بنو قريظة فلم ينصروهم. ثم قوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ وهذا إخبارٌ عمَّا لم يكن أنَّه لو كان كيف كان يكون، كما في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١].

стр. 7180

(١٣ - ١٤) - ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: إنَّكم يا معشرَ المخلِصين في قلوب المنافقين أهيَبُ مِن اللَّه تعالى، فكيف يثبتون لكم؟ وهذا تثبيتٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، وبشارةٌ من اللَّه تعالى بانهزامِ هؤلاء المنافقين لو قاتلوهم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوءِ تمييزهم، ولو ميَّزوا الأمور بعقولهم لعلموا أنَّ اللَّه تعالى أحقُّ بأنْ يُهابَ. قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: هؤلاء المنافقون والكفَّار وإن كانوا مجتمعين ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بالحيطان والأسوار والدُّروب والأبواب؛ لجبنهم، يقدِّرون أنَّها تمنعُهم منكم، كما توهَّم بنو النَّضير أنَّ حصونَهم مانعتُهم من اللَّه. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: أي: أو من خلفِ حيطان، جمع جدار، يستترون بها، يرمونكم بِنبلٍ أو حجارةٍ. وهذا تقويةٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، وبيانٌ أنَّ هؤلاء ليسوا كالمشركين الذين قاتلوكم ببدر مُصْحرين (١)، وقد نصركم اللَّه على أولئك، فكيف بهؤلاء؟ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: قيل: أي: إذا لم يكن يَلْقَوا العدوَّ وصفوا أنفسهم بالشِّدة؛ أي: بأسهُم عند أنفسِهم شديد.

стр. 7181

وقال مجاهد: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ بالكلام بالوعيد: لنفعلنَّ كذا، ولنفعلنَّ كذا (١). وقيل: معناه: عداوتُهم بعضَهم بعضًا فيما بينَهم شديدةٌ، كما يُقال: ألقى اللَّهُ بأسَهم بينَهم، وهذا تهويلٌ من اللَّه لأمرِهم؛ لأنَّهم إذا كانوا متعادِين حرَّض بعضُهم على هلاكِ بعضٍ، فلم يتعاونوا على غيرهم. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾: أي: مجتمعين على رأيٍ واحد ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾؛ أي: ضمائرهم مختلفة؛ لاختلافِ أهوائهم وأهواء المنافقين، فلا يبالِي المنافقون بهلاكِ الكفَّار، ولا الكفَّارُ بهلاك المنافقين (٢). وقيل: قلوب المنافقين شتَّى لأنَّه ليس لهم دينٌ جامع. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أي: لا يستعملون عقولَهم في التَّوحيد والنُّبوة، فيتَّفقون على دينٍ واحد. وقيل: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما فيه حظُّهم ممَّا فيه نقصهم. * * * (١٥ - ١٦) - ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾: أي: مَثَلُ هؤلاء في خيبة ظنونهم وجلائهم عن أوطانهم كمثل الذين من قبلهم قريبًا منهم، وهم يهود بني قينقاع، وقد مرَّت قصَّتهم في (سورة آل عمران)، كذا فسَّره ابن عبَّاس والواقديُّ ومحمَّد بن إسحاق (٣).

стр. 7182

﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: يعني: بنو النَّضير ذاقوا وبال بغيهم على النَّبيِّ ﷺ ، والتَّكثُّر بجمعهم وأموالهم. وقال مجاهد: هم الذين قُتلوا ببدر (١). وقيل: أي: مَثَل هؤلاء في الاعتماد على المنافقين والاغترارِ بهم كمَثَل مشركي قريش في اغترارهم بالشَّيطان إذ قال لهم: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٨]. وقيل: أي: مَثَل هؤلاء كمَثَل الأمم الذين من قبلهم، كذَّبوا أنبياءَهم، وتمرَّدوا على ربِّهم، ممَّن كان قريبًا إهلاكُ اللَّه إيَّاهم لم يَبْعدْ عنهم. هذا معنى قول الحسن. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. و ﴿قَرِيبًا﴾ صلةُ ﴿ذَاقُوا﴾ على هذا القول، وهو قربُ الزَّمان من هؤلاء على الأقاويل المتقدمة. ومعنى: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: قاسوا ضرر معصيتهم. وقيل: الآية في شأن بني قريظة، وتشبيهِ حالهم ببني النَّضير. قال الكلبيُّ ﵀: لَمَّا سار أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ في الأحزاب غدر بنو قريظة بنبيِّ اللَّهِ، ونقضوا العهد، فلمَّا هُزِمَ الأحزابُ أمرَ اللَّه نبيَّه بقتال بني قريظة، فأرسل المنافقون إليهم وقالوا: إنْ أرادَ محمَّد أن يخرجَكم كما أخرج بني النَّضير فلا تخرجوا، فواللَّه إنْ أخرجْتُم لنخرجنَّ معكم، وإنْ قوتلْتُم لننصرنَّكم، فغرَّهم ذلك، ولزموا حصثهم، وقاتلوا رسول اللَّه ﷺ قريبًا من شهرٍ، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢]؛ أي: في قلوب المنافقين فلم ينصروهم، فلمَّا رأى اليهودُ

стр. 7183

ذلك وأيسوا من نصر المنافقين نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل مُقاتلتهم وسبي ذراريهم، وقسم أموالهم بين المهاجرين والأنصار، فقال اللَّه تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ وهم بنو النَّضير؛ لأنَّه كان بينَ الأمرين سنتان، وكانوا جميعًا بالمدينة (١). * * * (١٦ - ١٧) - ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾: قيل: معناه: وكمثل الشَّيطان، كما قلنا في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: إنَّ معناه: وللفقراء. وفي قراءة عبد اللَّه: (أو كَمَثَلِ الشَّيطانِ) (٢). وقيل: معناه: ذاقوا وبال أمرهم كمثل الشَّيطان. وقيل: معناه: اغترار هؤلاء بالمنافقين كاغترار الإنسان بالشَّيطان. ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾: قيل: هو للجنس، والمراد منه كلُّ كافر. ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: وهو كقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال مجاهدٌ ﵀: هي عامَّة للنَّاس (٣).

стр. 7184

وقيل: هو إنسان بعينه، واختلفت الرِّوايات فيه: قال ابن عبَّاس ﵄: كان هذا الإنسان راهبًا في بني إسرائيل يعبدُ اللَّه تعالى، ويُحْسِن عبادَتَه، وكان يُؤتَى من كلِّ أرضٍ فيُسألَ عن الفقه، وكان عالمًا، وإنَّ ثلاثة إخوةٍ كانت لهم أختٌ حسناء من أحسن النَّاس (١)، وإنَّهم أرادوا أن يسافروا، وكبر عليهم أن يذَروها (٢) ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون، فقال أحدهم: أنا أدلُّكم على مَن تتركونها عنده، فقالوا: مَن؟ قال: راهبُ بني إسرائيل، إن ماتَتْ قام عليها، وإن عاشَتْ حفظها حتَّى ترجعوا إليه، فعمدوا إليه، فقالوا: إنَّا نريد السَّفر، ولن نجدَ أحدًا أوثقَ في أنفسِنا ولا أحفظَ لها منك؛ لِمَا جعل اللَّه عندك، فإن رأيْتَ ذلك خلَّفْنا (٣) أختنا عندك، فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتَتْ فقم عليها، وإن عاشَتْ فأصلح إليها حتى نرجع، فقال: أكفيكم إن شاء اللَّه، وإنهم انطلقوا، فقام عليها فداواها حتى برأت، وعاد إليها حسنها، وإنَّه اطَّلع عليها فوجدها متصنِّعة، فلم يزل به الشَّيطان يزيِّن له حتى واقعَها، فحملَتْ، ثم ندَّمه الشَّيطان، فزيَّن له قتلَها، وقال: إنْ لم تفعل افتضحْتَ وعُرف شبهُك (٤) فلم يكن لك معذرةٌ، فلم يزلْ به حتى قتلَها، فلمَّا قدمَ إخوتها سألوه: ما فعلَتْ فلانة؟ قال: ماتَتْ فدفنتُها، قالوا: قد أحسنْتَ، فجعلوا يرون في المنام يُخبَرون أنَّ الرَّاهب قد قتلَها، وأنَّها تحت شجرة كذا وكذا، وأنَّهم عمدوا إلى الشَّجرة فوجدوها قد قُتلَتْ، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال الشَّيطان: أنا الذي زيَّنْتُ لك الزِّنى، وزيَّنْتُ لك قتلَها بعد الزِّنى، فهل لك أن أنجيَك

стр. 7185

فتطيعَني؟ فقال: نعم، قال: فاسجد لي سجدةً واحدة، فسجدَ له، ثم قُتِلَ كافرًا، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ الآية (١). وعن طاوس: أنَّ امرأةً جُنَّتْ، فجيء بها إليه فداواها (٢). وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: أنَّ الإخوة كانوا أربعة، وذكَر الدَّفن في رملٍ، وصلَبه الملك، وسجد للشَّيطان بالإشارة على الصَّليب (٣). وفي رواية مقاتل بن حيَّان: دفنها في صومعته، وظهر بعض ثيابها في موضع دفنها، واستخرجوها (٤). وفي رواية وهب: هو برصيصا، وعَبَد اللَّه أربعَ مئة سنة، والحادثة في بنت الملك، وقد جُنَّتْ. وعن ابن مسعود ﵁: أنَّه عابد في غارٍ، عبد أربعين سنة، والحادثة في جارية لها سبعة إخوة (٥).

стр. 7186

(١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: يا أيُّها الذين آمنوا باللَّه وجميع رسله ولم يفرِّقوا بينهم تفريقَ اليهود بين هؤلاء ونحوهم، ولم يكفروا كفرَ هؤلاء المنافقين، اتَّقوا اللَّه في أوامره فلا تخالفوها، وفي نواهيه فلا ترتكبوها. ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: أي: ولينظرْ كلُّ واحد منكم ما قدَّم ليوم القيامة. سمَّاه غدًا لأنَّه مستقبلٌ ولأنَّه قريب، والعرب تقول: إن غدًا لناظره قريبٌ. وقال قتادة: ما زال ربكم يقرِّبُ السَّاعة حتى جعلها كغد. وقال ابن زيد: أمس: الدُّنيا؛ ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وغدٌ: الآخرة؛ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: التَّكرير للتَّأكيد. وقيل: الأوَّل لما قلنا، والثَّاني: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تنظروا ما قدمتم لغد. وقيل: الثَّاني: واتَّقوا أن تعتمدوا على أن تتَّقوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: من خيرٍ وشرٍّ. * * * (١٩ - ٢٠) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.

стр. 7187

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: ومنهم هؤلاء اليهود والمنافقون، تركوا توحيد اللَّه وطاعته. ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: خذلهم وأذهلهم عن صلاح أنفسهم. وقيل: أي: أنزل بهم من العذاب ما شغلهم عن كلِّ شيء، كالرجل يقول: أنا بحيث لا أذكر نفسي. وقال مقاتل بن حيان: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ حتَّى يعملوا في فكاكها. وقيل: هم هؤلاء اليهود والمنافقون. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: أي: الخارجون عن طاعة اللَّه. ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ﴾: وهم هؤلاء. ﴿وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: وهم المخلصون. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: النَّاجون النَّائلون كل خير. * * * (٢١) - ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: قيل: أي: لو خوطب بهذا القرآن الجبالُ -وهي ممَّن يحتمل الخطاب- لانقادَتْ لمواعظِه، وأشفقَتْ من الوعيد المذكور فيه، فهؤلاء الكفار أسوء حالًا من الجماد الذي لا يعقل، وأقسى قلوبًا من الصَّخر. وقيل: هو تمثيل لقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠].

стр. 7188

وقيل: أي: لو وضع اللَّه في الجبال الفهم، وأنزل عليها هذا القرآن، لخشع وتصدَّع من هيبة ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]. وقال الحسن: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ فكلَّفناه ما كلَّفناكم من الطَّاعة، وجعلنا له من الثَّواب ما جعلناه لكم عليها، وحذَّرناه من المعصية ما حذَّرناكم، وجعلنا له من العقاب ما جعلناه لكم عليها = لرأيت ذلك الجبل ذليلًا بما كلَّفه اللَّه تعالى وحمَّله من طاعته، متصدِّعًا من خشية اللَّه (١). ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: أي: نبيِّنها (٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. * * * (٢٢ - ٢٣) - ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ما غابَ عن حسِّ العباد وما شاهدوه. ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: فسَّرناهما في أوَّل الكتاب في (التَّسمية). ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾: الذي لا يزول ملكُه. ﴿الْقُدُّوسُ﴾: الطَّاهر عن كلِّ عيب ونقص. ﴿السَّلَامُ﴾: المنَزَّه عن كلِّ ذمٍّ، والمسلِّم لعباده، والمسلِّم على عباده. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: الشَّاهد بوحدانيته لنفسه، المصدِّق على عبده إيمانَه، المعطي الأمان لأوليائه.

стр. 7189

﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: الشَّهيد الأمين. ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ الغالبُ المعِزُّ الشَّديدُ البطش، الذي لا يوجَد مثله. ﴿الْجَبَّارُ﴾: القهَّار ذو الجبروت، الجابرُ كسورَ العباد. ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: ذو الكبرياء الجليل العظيم المتعظِّم عن أن يظلمَ عباده. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تنزيهًا للَّه عمَّا يصفُه به المشركون. * * * (٢٤) - ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾: المقدِّر. ﴿الْبَارِئُ﴾: الموجِد. ﴿الْمُصَوِّرُ﴾: المؤلِّف الخالق للنَّفس (١) من ترابٍ، البارئ من النُّطفة في أصلاب الآباء، المصوِّر في أرحام الأمَّهات. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: الدَّالة على الصِّفات العُلى. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: فسَّرناه في أوَّل (سورة الحديد). وختم السُّورة بهذه الأسماء ليعتقدَ المؤمنون معانيها تحقيقًا لإيمانهم، وخلافًا لأعدائهم. واللَّه الموفِّق والمعين * * *

стр. 7190

سورة الممتحنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي نهانا عن موالاة الكافرين، الرحمنِ الذي لم ينهنا عن برِّ غير المحاربين، الرحيمِ الذي وعد على الاستغفار مغفرةً للمؤمنين (١). روي عن أبيِّ بن كعب ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ الممتحنةَ كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاءَ يومَ القيامة" (٢). وهي مدنيَّة. وهي ثلاث عشرة آية. وثلاثَ مئةٍ وثمانٍ وأربعون كلمة، وألفٌ وخمسُ مئة وثمانيةَ عشر حرفًا. وانتظامُ ختمِ تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة؛ أنَّ ختم تلك السُّورة في مَدْحِ مَن مَدَحَ اللَّهَ تعالى ونزَّهه، وافتتاحَ هذه في ذمِّ مَن أساءَ القول في اللَّه بغير ما يليق به وصفه. وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك في عقوبات الكافرين، وذكرِ درجات المؤمنين،

стр. 7191

والتَّمييز يبن المخلصين والمنافقين، وهذه في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، وذكرِ المهاجرات إلى دار الإسلام والمسلمين. * * * (١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾: نزلَتْ في حاطب بن أبي بلتعة ومكاتبته قريشًا بما كان من عَزْمِ رسول اللَّه ﷺ على غزوهم، وكان يعمِّي في ذلك حتى يفاجئهم، فكتب إليهم حاطبُ يخبرهم بعزم رسول اللَّه ﷺ إتيانهم، وكان قصدُه بذلك أن يتَّخذَ عندهم يدًا؛ ليَحْموا بذلك أقرباءَه بمكَّة، إذ كان حاطبٌ من أهل اليمن من الأزد، فكان له حِلْفٌ بمكَّة في بني أسد بن عبد العزَّى رهط الزُّبير بن العوَّام. فقدمَتْ من مكَّة امرأة يقال لها: سارة، مولاة أبي عَمرو بن صيفيِّ بن هاشمِ بن عبد مناف، قدمت المدينة، فلمَّا رآها النَّبيُّ ﷺ قال لها: "أمهاجرةً جئْتِ يا سارة؟ " قالت: لا، قال: "فما جاء بك؟ "، قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل، وقد ذهب مواليَّ واحتجْتُ فجئْتُكم، قال: "فأين أنتِ من شباب أهل مكَّة؟ "، وكانت مغنِّية نائحة، قالت: ما طُلِبَ منِّي شيءٌ بعد وقعة بدر، فحثَّ النَّبيُّ ﷺ بني عبد المطَّلب، فحملوها وكسَوها، وأعطَوها نفقة، فخرجَتْ إلى مكَّة. فأتاها حاطب، وقال لها: أعطيْكِ عشرةَ دنانير وبُردًا على أن تبلِغي هذا الكتاب

стр. 7192

إلى أهل مكَّة، فقالت: نعم، فأتاها بالكتاب. وفيه: إنَّ رسول اللَّه ﷺ يريد أن يأتيَكم، فخذوا حذركم. فأَطْلعَ اللَّهُ نبيَّه على ذلك، فدعا عليًّا والزُّبير بن العوَّام وأبا مَرثد الغنوي، وفي رواية: عليًّا والزُّبير فحسب، وفي رواية معهما المقداد، وفي رواية: عليًّا وعمَّار بن ياسر. وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإنَّ بها ظعينةً معها كتابٌ، فخذوه منها"، فلحقوها، فأنكرَتِ الكتاب (١)، فأرادوا تفتشيها، فلمَّا رأت الجدَّ منهم أخرجَتْه من عقاصها. وفي رواية: من حِجرها. وفي رواية: شهرَ عليٌّ ﵁ سيفَه وقال: واللَّهِ ما كذبَ رسولُ اللَّه ﷺ (٢)، ولا كذبْتُ، لتخرجِنَّ الكتابَ أو لأضربَنَّ عنقَكِ. فأخرجَتْه من عقاصها، فجاؤوا بالكتاب إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "ما هذا يا حاطب؟ "، فقال: لا تعجلْ عليَّ يا رسول اللَّه، فواللَّه ما ارتددْتُ بعدما أسلمْتُ، ولكنِّي كنْتُ امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكلُّ مَن معك من المهاجرين لهم قرابات بمكَّة يحمون قراباتهم وأهليهم، ولم يكن لي قرابةٌ أحمي بها أهلي وقرابتي، وقد عرفْتُ أنَّ ذلك لن يغنيَ عنهم شيئًا. فقال عمر ﵁: ائذَنْ لي يا رسولَ اللَّه أضربْ عنق هذا المنافق. فقال النَّبيُّ ﷺ : "مهلًا يا عمرُ، وما يدريك لعلَّ اللَّهَ قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئْتُم فقد غفرْتُ لكم".

стр. 7193

وأنزل فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١). وفيه دليل على أنَّ الكبيرة لا تسلُبُ اسمَ الإيمان. يقول: لا تتَّخذوا المشركين الذين هم أعدأئي وأعداؤكم أولياء تنصروهم وينصرونكم. والعدوُّ جمعٌ، كما في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]. ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾: أي: تلقون مودَّتكم إليهم. قال الكسائيُّ والأخفش والفرَّاء: ألقَيتُ كذا وبكذا، لغتان فصيحتان (٢). قال أبو تمَّام فيها: وأروعَ لا يُلقي المقاليدَ لامرئٍ... وكلُّ امرئٍ يُلقي له بالمقالِدِ (٣) و ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ صلة قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: كيف تتولَّونهم وهم كفروا بما جاءكم من عند اللَّه من الدِّين الحقِّ وعادَوكم عليه. ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: للمعاداة من أوطانكم. ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾: أي: من أجلِ أنكم آمنتم بربِّكم؛ أي: كيف ترجُون استصلاحهم وقد تأكَّدتْ بينكم العداوة وظهرَت آثارها.

стр. 7194

قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾: هذا متَّصل بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. يقول: إن كنتم إنَّما خرجتم من أوطانكم، وهاجرتم إلى حيث أمرتُكم؛ لتجاهدوا أعدائي في سبيلي وإقامة ديني، ولتبتغوا مرضاتي بطاعتي = فلا تفعلوا هذا؛ فإنَّه لا يليق بهذا. وقد علم اللَّه تعالى أنَّهم خرجوا لذلك، ولكنَّ المعنى: أنَّ هذا يوجِبُ تركَ موالاتهم، فاتركوا ذلك. ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾: تخفون ذلك. ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾: أي: أعلم ما أخفيْتُم، والباء زائدة. وقيل: أنا أعلم منكم بما أخفيتُم وبما أعلنتم؛ لأنَّكم قد تنسون بعضه، وقد تجهلونه، وأنا لا أنسى ولا أجهل. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾: أي: اتِّخاذَهم أولياء ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عدلَ عن وسطِ طريق الحقِّ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قال النَّبيُّ ﷺ : "أَعْدَى عدوِّكَ نفسُك التي بين جنبَيْكَ" (١)، وأوحى اللَّه تعالى إلى داود ﵇: عادِ نفسَكَ، فليسَ لي في المملكة منازِعٌ غيرَها.

стр. 7195

فمَن عادى نفسَه فقد قام بحقِّ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من دقائق التَّصنُّع وخفيَّات الرِّياء ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من التَّزيُّن للنَّاس. ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من الاستسرار بالزَّلَّة، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من البرِّ والطَّاعة. ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من الخيانة، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من الأمانة. ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من الغلِّ والغش، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من النُّصح. ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من ارتكاب المحظورات، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من الأمر بالمعروف. ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من ترك الحشمة منِّي وقلَّة المبالاة باطِّلاعي، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من تعليم النَّاس ووعظهم (١). * * * (٢ - ٣) - ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾: أي: يصادفوكم ويأخذوكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾؛ أي: يُظهروا العداوة التي يضمرونها، ولا يرعوا لكم ما تقربَّتم به إليهم من إلقاء المودَّة. ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾: أي: يمدُّوا أيديهم بالعقوبة، وألسنتَهم بالشَّتيمة. ﴿وَوَدُّوا﴾؛ أي: ويودُّوا، إنْ عُطف على ﴿يَكُونُوا﴾ و ﴿وَيَبْسُطُوا﴾.

стр. 7196

ويجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ﴾. . . ﴿وَوَدُّوا﴾: تمنَّوا ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾: أن تكفروا أنتم أيضًا. وعطفُ الماضي على المستقبل جائز؛ لأنَّ إخراج الأوَّل بلفظ الماضي هنا جائز: إن يثقفوكم كانوا لكم أعداءً؛ لأنَّ الماضي المعلَّق بالشرط مستقبلٌ معنًى. ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: الذين هم أقرب أرحامكم، وأولى مَن اعتضدتم به ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وإنما ينفع يومئذ الإيمان والعمل الصالح؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عَمرو مضمومةَ الياء مخفَّفةً، وقرأ عاصم بفتح الياء مخفَّفة، وقرأ ابن عامر بضم الياء مشدَّدة مفتوحة الصَّاد، وقرأ حمزة والكسائي مشدَّدة مكسورة الصَّاد (١). والمخفَّف من الفَصْل، وهو الأصل، والمشدَّد من التَّفصيل، وهو للتَّكثير والتَّكرير، والفتح على ما لم يُسمَّ فاعلُه، والكسر على الفعل الظَّاهر، والفاعل هو اللَّه تعالى. والتَّفصيل: التَّفريق؛ أي: يفرَّق بين الأرحام ويميَّز، فيصير المؤمنون إلى الجنَّة، والكفَّار إلى النَّار، والفصل كذلك. وقال الضَّحَّاك: هو الحكم هاهنا، أن يحكم بينكم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: من الخير والشَّرِّ، وهذا وعدٌ ووعيدٌ. * * *

стр. 7197

(٤) - ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قرأ عاصم: ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضمِّ الألف، والباقون بكسرها (١)، وهما لغتان، ومعناهما واحد، وهو القدوة. ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: يقول: إنَّ إبراهيم كان أباكم، وبه نلتُم الشَّرف والفخر على مَن سواكم، ولكم اقتداء حسنٌ به وبالذين على دينه. قال ابن زيد: وهم سائر الأنبياء (٢). وقيل: مَن تابعه من المؤمنين من قومه. وهو قول الضَّحَّاك (٣). ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: الأصنام. ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: أنكرنا أن تكونوا على حقٍّ. ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾: أي: ظهر، ولم يقل: (وبدت) لتقدُّم الفعل مع الحائل. والعداوةُ ظاهرةٌ، والبغضاءُ باطنة؛ فإنَّ العداوة ما يتَّصل بالتَّعدي، والبغضاء ما يتمكَّن في القلب. ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: أي: هذه العداوة قائمة بيننا إلى أن تؤمنوا. ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾: قيل: لم يكن بينهم وبين قومهم الكفَّارِ مودَّةً إلَّا ما قال إبراهيم لأبيه أزر: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾؛ أي: لأسألنَّ اللَّه تعالى أن يغفر لك ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ

стр. 7198

مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وليس مغفرتُك بيدي، ثم بيَّن أنَّه لم يكن ذلك الاستغفارُ لأبيه عن موالاة الكافر، ولكن لِما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وقد شرحناها ثمَّة على الوجه. وقيل: الاستثناء من قوله: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة إلَّا في هذا، فإنَّه لا أسوة لكم في هذا، كما قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. وقيل: هو استثناء منقطع، وتقريره: لكن قولُ إبراهيم لأبيه: (لأستغفرنَّ لك) كان لموعدةٍ وعدَها إياه (١)، فظنَّ أنَّه قد أنجزها، فلمَّا تبيَّن له إصرارُه على الشِّرك تبرَّأ منه، ولا يحلُّ لكم أن تستغفروا للمشركين مع علمكم بشركهم، ولا يجوز لكم أن توالوهم. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾: قال الضَّحَّاك: هذا قول إبراهيم ومَن معه (٢). وقيل: هو تعليم اللَّه عباده أن يقولوه؛ يعني: أظهِروا لهم العداوة، ولا يهولنَّكم كثرة عددهم. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾؛ أي: اعتمدنا. ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾: أي: رجعنا بالاعتراف عن ذنوبنا. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: أي: المرجع في الآخرة.

стр. 7199

(٥ - ٦) - ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لا تُظْهِرْ عدوَّنا (١) علينا فيُفتَتَنَ بنا الكفَّار، فيرَوا أنَّهم على حقٍّ، ونحن على باطل. وقيل: اصرف عنا شدائد الدُّنيا، ولا تُنزل بنا ما يشمِتْ بنا الكفَّار، فيظنُّوا أنَّه إنَّما نالنا ذلك بسوءِ منزلتنا عندك، فيكون ذلك فتنة لهم من هذا الوجه. وهذا معنى قول مجاهد وقتادة وعكرمة. وقال الضَّحَّاك: أي: لا تسلِّط علينا عدوَّنا، فيفتنوننا عن ديننا (٢). وعلى هذا الفتنة مصدر بمعنى المفعول. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: هذا ظاهر (٣). قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: التَّكرير للتَّأكيد والتَّقرير؛ لأنَّ الأوَّل في التَّبرُّؤ عن الكفَّار، والثَّانيَ في التَّقرب بهذه الدَّعوات. ولأنَّ الأوَّل حثٌّ على الاقتداء بهم، والثَّانيَ بيانٌ أن هذا النَّفعَ يقع ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. ولأنَّ الأوَّل نزل في وقتٍ، والثَّانيَ في وقتٍ آخر، فلم يكن تكرارًا كتكرار القصص، والأمرِ بإقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة في سُورٍ وآيات. ثم قوله: ﴿لَكُمْ﴾ مع قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ لا يتنافيان؛ لوجهين:

стр. 7200

أحدهما: أنَّ معناه: لكم أسوةٌ، وهذه الأسوة حسنةٌ لمن كان منكم يرجو اللَّه. والثَّاني: أنَّ تقديرَه: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان منكم يرجو اللَّه واليوم الآخر؛ أي: يرجو اللَّه أن يثيبَه به، فيدخلَه الجنَّة يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن الاقتداء بهم، ووالى الكفَّار ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾؛ أي: غنيٌّ عنه وعن نصرته وعن معونته، بل هو وليُّ دينه وناصر حزبه. ﴿الْحَمِيدُ﴾: هو المستحقُّ للحمد. * * * (٧) - ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾: أطمعَهم -مع الأمر بمعاداتهم- في تحوُّل الحال إلى خلافه، وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ من أهل مكَّة من قراباتكم ﴿مَوَدَّةً﴾ بأن يوفِّقهم للإيمان. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: فإنَّ اللَّه على ذلك وعلى كلِّ شيء قدير، وهو رحيم بعباده، غفور لِمَا سلَفَ من كفرهم إذا أسلموا. وفي هذا تأكيدٌ لِما أمرهم به من ترك موالاتهم ما داموا كفَّارًا، وتعريفٌ لهم أنَّهم إذا فعلوا ذلك بالغوا في جهادهم، فأدَّى ذلك إلى إيمانهم الموجِب لودادهم، وقد كان هذا بأن فُتحَتْ مكَّة على أيديهم، وأسلم كثيرٌ منهم. و (عسى) من اللَّه تعالى واجب. وقوله: ﴿أَنْ يَجْعَلَ﴾ دليل على خلقِ اللَّهِ أفعالَ العباد، ظاهرَها وباطنَها. وقال مقاتل: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ يعني: أبا سفيان

стр. 7201

والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، وأبو سفيان صارت ابنته أمُّ حبيبة زوجة رسول اللَّه ﷺ ، وهو صهر رسول اللَّه ﷺ (١). * * * (٨) - ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: عرَّفَهم اللَّهُ أنَّه ليس برُّ الرَّجل قرينَه الذي لم يقاتله على الدِّين ممَّا دخل فيما نهاهم عنه من موالاة المشركين. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾: بالقول، وحسن المعاشرة، والصِّلة بالمال ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: تعدلوا؛ لأنَّهم إذا لم يُخرجوكم من دياركم ولم يؤذوكم فهذا برٌّ منهم، فالعدل معهم أن تبرُّوهم أنتم أيضًا. وقيل: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ مِن القسط، وهو الحظُّ؛ أي: تجعلوا لهم حظًّا من أموالكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: الذين يجعلون لجيرانهم وقراباتهم حظًّا من طعامهم وما كان لهم. وعن عائشة ﵂: أنَّها نزلت في أسماء بنت أبي بكر ﵄، وكانت أمُّها في الجاهليَّة يُقال لها: قُتيْلَةُ بنت عبد العزَّى، جاءتها بهدايا، فقالت: لا أقبل حتَّى يأذنَ لي رسول اللَّه ﷺ ، ولا تدخلُ عليَّ، فذكرَتْ ذلك عائشةُ ﵂ للنَّبيِّ ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى هاتين الآيتين (٢).

стр. 7202

وعن الحسن ﵀: أنَّ المسلمين استأمروا النَّبيَّ ﷺ في أقربائهم من المشركين أن يَصلوهم، فنزلت (١). * * * (٩) - ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: أي: عن موالاتهم. ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾: أي: عاوَنوا. ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: الواضعون التَّولِّيَ في غير موضعِه. عرَّفَهم أنَّه لم يُرِد بما أمرهم به قصدًا لقطع الأرحام، لكنْ تشديدًا عليهم؛ ليكون ذلك سببًا لإجابتهم إلى الإسلام.

стр. 7203

وهذا لا يمنع حسن المعاشرة في موضعه، والبرَّ بالقرابة ممَّن لا يظهر عداوةً للحقِّ وأهله. وقال ابن عبَّاس ﵄: نزلت الآية في خزاعة منهم هلال بن عويمر وخزيمة وبنو مدلج، كانوا صالحوا النَّبيَّ ﷺ قبل أُحُد بسنةٍ على ألَّا يقاتلوه ولا يخرجوه ولا يعاونوا على إخراجه أحدًا، فأنزل اللَّه تعالى في هؤلاء هذه الآية (١). قال قتادة: نسختها آية القتال (٢). * * * (١٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية: وهي قطع موالاة الكفَّار أيضًا، يقول: إذا جاءكم النِّساء من دار الكفر مظهِراتٍ للإيمان والهجرة. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: أي: فاختبروهنَّ وفتشوهنَّ بالكشف عمَّا دعاهنَّ إلى ترك ديارهنَّ وإتيانكم. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: أي: بحقيقة اعتقادهن. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: فإن انكشف لكم بالامتحان أنهنَّ مؤمناتٌ كما ظهر منهنَّ ذلك بإظهارهنَّ.

стр. 7204

﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: أي: فلا تردوهنَّ إلى الكفَّار. ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: نفي الحلِّ من الجانبين إذا أسلمَتِ المرأة والزَّوجُ كافر. ثم الإيمانُ ذكر في هذه الآية على ثلاثة أوجه: الأوَّل: إيمانٌ بدلالة الحال؛ ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾، وهو بنفس هجرتهنَّ إلينا، فإنَّ ذلك إظهار الإيمان منهنَّ. والثَّاني: بالنُّطق والأمارات عليه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾. والثَّالث: الحقيقة والاعتقاد، وهو قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. وذُكر أنَّ هذه الآية نزلَتْ في صلح الحديبية، وكان فيه: أنَّ مَن جاءنا منهم ردَدْناه عليهم، فأمرَ اللَّهُ تعالى في النِّساء أن لا يُردَدْنَ إليهم، وفي الرِّجال أنْ يُرَدُّوا إليهم، وذلك لضعف النِّساء على الدَّفع عن أنفسهنَّ، والعجزِ عن الصَّبر عن الفتنة. وسئل ابنُ عبَّاس ﵄: كيف كان النَّبيُّ ﷺ يمتحِنُ النِّساء؟ قال: كان يقول: "باللَّه ما خرجْتِ من بغضٍ لزوجك؟ باللَّه ما خرجْتِ التماسَ دنيا (١)؟ باللَّه ما خرجْتِ رغبةً إلى أرض؟ باللَّه ما خرجْتِ إلَّا حبًّا للَّه تعالى ولرسوله؟ " (٢). وقالت عائشة ﵂: ما كان النَّبيُّ ﷺ يمتحن إلَّا بالآية التي قال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية (٣).

стр. 7205

وروى عطيَّة عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كان امتحانهنَّ أنْ يشهدْنَ أنْ لا إله إلَّا اللَّه، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، فإذا علموا أنَّ ذلك حقٌّ منهنَّ لم يرجعوهنَّ إلى الكفَّار (١). ﴿وَآتُوهُمْ﴾: أي: أعطُوا الكفَّار الذين هم أزواجهنَّ ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾؛ أي: ما أعطَوهنَّ من المهور. كذا قال ابن عبَّاس وقتادة والزُّهري ومجاهد والضَّحاك (٢). وقال مقاتل: إذ تزوَّجها أحدٌ من المسلمين دفعَ مهرَها إلى الزَّوج، وإن لم يتزوَّجها أحدٌ من المسلمين فليس لزوجها الكافر شيء (٣). ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: دلَّ هذا على صحَّة قول أبي حنيفة ﵀: إنَّ المهاجرة لا عدَّة عليها؛ فإنَّ اللَّه تعالى أباح نكاحَها للحال (٤). ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: التزمْتُم مهورهنَّ، ولم يُرِد به حقيقةَ الأداء؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ أي: يلتزموها. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: قرأ أبو عَمرو بضمِّ التَّاء وتشديد السِّين كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠] (٥)، وعنه في رواية بفتح التَّاء والسِّين، من

стр. 7206

التَّمسُّك (١)، وقرأ الباقون بضم التَّاء وتسكين الميم وتخفيف السين وكسرها (٢)، من الإمساك، وهذا كذلك؛ فإن التَّمسُّك والتَّمسيك (٣) والإمساك والاستمساك واحدٌ، وهو التعلُّق، ومعناه: ولا تتعلَّقوا بعقد الكوافر؛ أي: لا تتزوَّجوهنَّ إذا كنَّ حربيَّات. وقيل: هذا في حقِّ المرتدة إذا ارتدَّتْ ولحقَتْ بدار الحرب (٤)، فلا تتعلَّقوا بعقدتها؛ فإنَّها قد حرمَتْ. وقيل: إذا ارتدَّتْ ولحقَتْ بدار الحرب بعد الردَّة زالت عصمتها بالكليَّة، فحلَّ للزَّوج تزوُّج أختها وأربعٍ سواها. ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾: أي: إذا ارتدَّتْ امرأة أحدكم، ولحقَتْ بدار الحرب، فاسألوا مهرها ممَّن تزوَّجها. ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: وليسأل كلُّ حربيٍّ أسلمَتْ امرأتُه وهاجرَتْ إلينا مهرَها ممَّنْ تزوَّجها منا (٥). ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: فكان هذا الحكمُ حالَ قيام العهد، ثم نُسِخَ ذلك بآية القتال، فلم يبقَ سؤال المهر لا منَّا ولا منهم. وهذه الآية فيمَن خرجَتْ إلينا من نسائهم، فأمَّا مَن ارتدت من نسائنا -والعياذ باللَّه- وذهبَتْ إليهم فحكمُها في الآية التي تليها، وهي قوله تعالى:

стр. 7207

(١١) - ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: أي: أحدٌ من زوجاتكم بالردَّة واللُّحوق بهم، وفي قراءة عبد اللَّه: (وإنْ فاتَكُم أحدٌ) (١)، وفي اللُّغة هو كذلك، قال الشَّاعر: وأقسِمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه... سواكَ ولكن لم نجدْ لك مدفعا (٢) ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: فأصبْتُم غنيمةً (٣). وقال الأخفشُ: أصبْتُم عقبَى منهم (٤). وقال الكسائيُّ: أي: فخَلَفْتُم مِن بعدِهم فغَنِمتُم؛ أي: صار إليكم مالهم، وهو من العَقِب (٥). وقال قطرب: عاقب الرَّجل شيئًا؛ أي: أخذ (٦). وقيل: أي: حاربْتُم الكفَّار معاقِبين لهم، وغنمتُم مضمَر. وقال مجاهد: اقتصصْتُم (٧).

стр. 7208

وقال ابن زيد: خرجَتِ امرأةٌ من المسلمين إلى المشركين، وأتَت امرأةٌ من المشركين، فقال القوم: هذه عقبتُكم (١) قد أتتْكُم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ (٢). ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: فأعطوا المسلمين الذين ارتدَّتْ زوجاتهم ولحقْنَ بدار الحرب مهورَ زوجاتهم مِن هذه الغنيمة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ نَ: ثم نسخ هذا الحكم بآية القتال أيضًا. وروي: أن الآية الأولى نزلَتْ في عام الحديبية؛ لَمَّا صالح النَّبيُّ ﷺ أهلَ مكَّة، وكتبَ في العهد: إنَّ مَن أتى المسلمين مسلمًا رُدَّ عليهم، خرجَتْ يومئذ سبيعة بنت الحارث مسلمةً، وجاء زوجُها يستردُّها، ويقول: ردَّها عليَّ يا محمَّدُ؛ فإنَّه في الشَّرط، وإنَّ طينة الكتاب لم تجفَّ، فنزلت الآية (٣) (٤). وقال الواقديُّ: لا نعلم قرشيَّة خرجَتْ من أبويها مسلمةً مهاجرةً إلى اللَّه تعالى إلَّا أمَّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْط، كانت تحدِّث تقول: كنْتُ أخرج إلى باديةٍ لنا بها

стр. 7209

أهلٌ، وأقيم فيهم الثَّلاث والأربع، وهي ناحيةَ التَّنعيم -وهي مسجد عائشة ﵂ ثم أرجعُ إلى أهلي، فلا ينكرون ذهابي، حتى أجمعْتُ المسير، فخرجْتُ يومًا من مكَّة كأنِّي أريد البادية التي كنْتُ بها، فلمَّا رجع مَن معي خرجْتُ حتى انتهيْتُ إلى الطَّريق، فإذا رجلٌ من خزاعة، فلمَّا ذكر خزاعة اطمأننْتُ إليه؛ لدخول خزاعة في عهد محمَّد ﷺ ، وقلْتُ: إنِّي امرأة من قريش أريد اللُّحوق برسول اللَّه ﷺ ، ولا علم لي بالطَّريق، فقال: أنا صاحبُكِ حتَّى أُورِدَك المدينة، ثم جاءني ببعيرٍ فركبتُه، فكان يقودُ بي البعير، لا واللَّه ما كلَّمني كلمةً حتى أناخَ بي البعير وقيَّده في الشَّجرة، وتنحَّى إلى شجرة، حتَّى إذا كان الرَّواح أخرج البعير وقرَّبه، وولَّى عنِّي، فإذا ركبْتُ أخذ برأس البعير، فلم يلتفِتْ وراءَه حتى ننزل، فلم يزل كذلك حتى قدم المدينة (١). * * * (١٢) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾: أي: لا يستلحقْنَ ولدًا من غير أزواجهنَّ، فيُلحقْنَه بأزواجهنَّ. وذكر الأيدي والأرجل كنايةٌ عن التقاط المولود وعن الولاد (٢)، فالأيدي

стр. 7210

للالتقاط (١)، والأرجل للولاد؛ لأنَّها إذا التقطت بيديها وأضافت إلى ولادتها (٢) فقد أتَتْ ببهتانٍ بين يديها ورجليها. وقال الضَّحَّاك: أي: لا تقذفْنَ رجلًا ولا امرأة بالزِّنى (٣). ومجاز ذلك: أنَّها إذا قذفَتِ امرأةً فقد بهتَتْ ما بين يدي المقذوفة ورجليها، أو نفَتْ عنها ولدًا قد ولدتْهُ، وألحقت بها ولدًا لم تلده. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: أي: ولا يخالفْنَكَ في طاعةٍ تأمر بها. وهي عامَّة في كلِّ الطَّاعات. وعن أم عطيَّة وأم سلمة: أنه النَّوح (٤). وهي بعض ما عمَّته الكلمة. ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: كما تبايعُ الرِّجالَ وتستغفر لهم. ثمَّ اختلف فيمَن فيه هذه الآية: قالت عائشة ﵂: إنَّ المهاجرات كُنَّ إذا قدمْنَ قعدْنَ عند النَّبيِّ ﷺ ، فيقول لهنَّ: "أبايعكُنَّ على ألَّا تشركْنَ باللَّه شيئًا"، ويتلو عليهنَّ الآية إلى آخرها، فإذا أقررْنَ بذلك قال: "بايعْتكنَّ، فارتفِعْنَ"، لا والذي بعثَ محمَّدًا بالحقِّ، ما مسَّتْ يدُه امرأةً قطُّ، إلَّا امرأة أحلَّها اللَّه له أو من قرابته، قالت: وكنَّ إذا أقررْنَ بهذا الكلام فهي الممتحنة (٥).

стр. 7211

وقال الضَّحَّاك: يعني به نساء أهل مكَّة، وليس بالنِّساء اللَّاتي أُمِرَ أنْ يمتحِنَهنَّ. وروَتْ أُميمةُ بنت رُقَيقةَ أيضًا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يصافِحْهُنَّ (١). وعن إبراهيم النَّخعي والشَّعبي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بايع النِّساء وعلى يده ثوبه (٢). وعن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّه دعا بقدح من ماء، فغمسَ يدَه فيه، ثم أمرَ النِّساء فغمسْنَ إيديَهُنَّ فيه (٣). وقال مقاتل بن حيَّان ﵀: لَمَّا كان يومُ فتح مكَّة، وفرغ رسول اللَّه ﷺ من بيعة الرِّجال، والنَّبيُّ ﷺ على الصَّفا، وعمر ﵁ قاعدٌ أسفل منه يبايع النِّساءَ للنَّبيِّ ﷺ ، فقال لعمرَ: بايعهُنَّ على ألَّا يشركْنَ باللَّه شيئًا، وهند بنت عتبةَ بن ربيعةَ منتقِبةٌ فيما بين النِّساء، فرفعَتْ رأسَها وقالت: واللَّه لقد عبدْنا الأصنام دون اللَّه تعالى، ثم قالت للنَّبيِّ ﷺ : واللَّه إنَّك لتأخذُ علينا أمرًا ما رأيناك أخذْتَه على الرِّجال، وبايَعَ الرِّجال إذ ذاك على الإسلام والجهاد في سبيل اللَّه. فبايعَ عمرُ النِّساء ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، فقالت هند: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، وإنَّه لا يعطيني ما يكفي ولدي إلَّا ما أخذْتُ منه سرًّا، فقال

стр. 7212

رسول اللَّه ﷺ : "إنَّك لهند"، قالت: نعم، والإسلام يجُبُّ ما قبلَه، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". ثم قال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، فقالت هند: أفٍّ، وهل تزني الحرَّة قط، فقال عمر ﵁: لو كان قلب نساء العرب على قلب هند ما زنَتْ امرأةٌ منهنَّ قط. ثم قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، فقالت هند: ربَّيناهم صغارًا، فقتلتُموهم يوم بدر كبارًا، قال فضحك عمرُ ﵁ حتى استلقى. ثم قال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، قالت: واللَّه إنَّ البهتان لأمر قبيح، وما يأمرنا رسول اللَّه إلَّا بالرُّشد ومكارم الأخلاق. ثم قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، فقالت هند: واللَّه ما جلسنا مجلسًا منك وفي أنفسنا أن نعصيَك. فبايعهن عمر للنَّبيِّ ﷺ ، واستغفر لهنَّ النَّبيُّ ﷺ (١). قال الزُّهريُّ: كان هذا بالحديبية، وهذه البيعة يوم فتح مكَّة (٢). وقال الكلبيُّ وسعيد بن المسيِّب وزيد بن أسلم وقتادة: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: النَّوح، وتمزيق الثِّياب، وحلق الشُّعور، وشقُّ الجيوب، وخمش الوجوه، ولا يحدِّثْنَ الرِّجال، ولا تخلو امرأة برجل غيرِ مَحْرَمٍ، ولا يسافرْنَ فوق ثلاثة أيَّام بغير محرم (٣).

стр. 7213

(١٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: ختمَ السُّورة بما بدأ بها، وهم المشركون. ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: من كونها، والثَّوابِ والعقاب فيها، فلذلك لا يؤمنون بها. ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾: أي: هم ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أن يرجعوا إليهم. وقيل: أي: كما يئس أسلافهم الكفَّار الذين هم في القبور من الآخرة أيضًا؛ أي: هؤلاء في الكفر كسلفهم. وقيل: أي: كما يئس هؤلاء الكفَّار من برِّ أصحاب القبور ونفعهم. وقيل: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود، وهم المخصوصون بذكر الغضب في آيات اللَّه، ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: من ثواب الآخرة، ومن رحمة اللَّه ومغفرته لهم في الآخرة، ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾ المشركون المقبورون، فهم (١) مع أنَّهم من أهل الكتاب في هذا كعبدة الأصنام. وقال ابن مسعود ﵁: هم اليهود والنَّصارى، يقولون: لا نعيم في الجنَّة من المآكل والمشارب والمناكح والملاذِّ، كالكفَّار لا يقرُّون بالجنَّة والنَّار أصلًا (٢).

стр. 7214

وقال مقاتل: الآية في المنافقين ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾: إذا دخلوها بشَّرتهم الملائكة بالنَّار، فيئسوا من كلِّ خير (١). * * *

стр. 7215

سورة الصف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي يحب المقاتلين، الرحمنِ الذي يُظهر دينَه على كلِّ دين، الرحيمِ الذي يبشِّر المؤمنين. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورة الصَّفِّ كان عيسى ابن مريم صلوات اللَّه عليه مصلِّيًا عليه، ويستغفر له ما دام في الدُّنيا، وكان رفيقَه يوم القيامة" (١). وهذه السُّورة مكيَّة عند عكرمة والحسن وقتادة، مدنيَّة عند عامَّة المفسِّرين (٢). وهي أربعَةَ عشر آيةً، ومئتان وإحدى وعشرون كلمة، وتسعُ مئة وواحدٌ وخمسون حرفًا. وانتظام آخر تلك السُّورة بأولى هذه السُّورة: أنَّ آخر تلك في ذكر الكفَّار الذين عليهم غضبُ اللَّه، وأوَّل هذه السُّورة في ذكر المسبِّحين الذين لهم رضا اللَّه تعالى.
следующие страницы →