← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

وقال الضَّحَّاك: يعني به نساء أهل مكَّة، وليس بالنِّساء اللَّاتي أُمِرَ أنْ يمتحِنَهنَّ. وروَتْ أُميمةُ بنت رُقَيقةَ أيضًا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يصافِحْهُنَّ (١). وعن إبراهيم النَّخعي والشَّعبي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بايع النِّساء وعلى يده ثوبه (٢). وعن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّه دعا بقدح من ماء، فغمسَ يدَه فيه، ثم أمرَ النِّساء فغمسْنَ إيديَهُنَّ فيه (٣). وقال مقاتل بن حيَّان ﵀: لَمَّا كان يومُ فتح مكَّة، وفرغ رسول اللَّه ﷺ من بيعة الرِّجال، والنَّبيُّ ﷺ على الصَّفا، وعمر ﵁ قاعدٌ أسفل منه يبايع النِّساءَ للنَّبيِّ ﷺ ، فقال لعمرَ: بايعهُنَّ على ألَّا يشركْنَ باللَّه شيئًا، وهند بنت عتبةَ بن ربيعةَ منتقِبةٌ فيما بين النِّساء، فرفعَتْ رأسَها وقالت: واللَّه لقد عبدْنا الأصنام دون اللَّه تعالى، ثم قالت للنَّبيِّ ﷺ : واللَّه إنَّك لتأخذُ علينا أمرًا ما رأيناك أخذْتَه على الرِّجال، وبايَعَ الرِّجال إذ ذاك على الإسلام والجهاد في سبيل اللَّه. فبايعَ عمرُ النِّساء ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، فقالت هند: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، وإنَّه لا يعطيني ما يكفي ولدي إلَّا ما أخذْتُ منه سرًّا، فقال

стр. 7212

رسول اللَّه ﷺ : "إنَّك لهند"، قالت: نعم، والإسلام يجُبُّ ما قبلَه، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". ثم قال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، فقالت هند: أفٍّ، وهل تزني الحرَّة قط، فقال عمر ﵁: لو كان قلب نساء العرب على قلب هند ما زنَتْ امرأةٌ منهنَّ قط. ثم قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، فقالت هند: ربَّيناهم صغارًا، فقتلتُموهم يوم بدر كبارًا، قال فضحك عمرُ ﵁ حتى استلقى. ثم قال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، قالت: واللَّه إنَّ البهتان لأمر قبيح، وما يأمرنا رسول اللَّه إلَّا بالرُّشد ومكارم الأخلاق. ثم قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، فقالت هند: واللَّه ما جلسنا مجلسًا منك وفي أنفسنا أن نعصيَك. فبايعهن عمر للنَّبيِّ ﷺ ، واستغفر لهنَّ النَّبيُّ ﷺ (١). قال الزُّهريُّ: كان هذا بالحديبية، وهذه البيعة يوم فتح مكَّة (٢). وقال الكلبيُّ وسعيد بن المسيِّب وزيد بن أسلم وقتادة: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: النَّوح، وتمزيق الثِّياب، وحلق الشُّعور، وشقُّ الجيوب، وخمش الوجوه، ولا يحدِّثْنَ الرِّجال، ولا تخلو امرأة برجل غيرِ مَحْرَمٍ، ولا يسافرْنَ فوق ثلاثة أيَّام بغير محرم (٣).

стр. 7213

(١٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: ختمَ السُّورة بما بدأ بها، وهم المشركون. ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: من كونها، والثَّوابِ والعقاب فيها، فلذلك لا يؤمنون بها. ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾: أي: هم ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أن يرجعوا إليهم. وقيل: أي: كما يئس أسلافهم الكفَّار الذين هم في القبور من الآخرة أيضًا؛ أي: هؤلاء في الكفر كسلفهم. وقيل: أي: كما يئس هؤلاء الكفَّار من برِّ أصحاب القبور ونفعهم. وقيل: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود، وهم المخصوصون بذكر الغضب في آيات اللَّه، ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: من ثواب الآخرة، ومن رحمة اللَّه ومغفرته لهم في الآخرة، ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾ المشركون المقبورون، فهم (١) مع أنَّهم من أهل الكتاب في هذا كعبدة الأصنام. وقال ابن مسعود ﵁: هم اليهود والنَّصارى، يقولون: لا نعيم في الجنَّة من المآكل والمشارب والمناكح والملاذِّ، كالكفَّار لا يقرُّون بالجنَّة والنَّار أصلًا (٢).

стр. 7214

وقال مقاتل: الآية في المنافقين ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾: إذا دخلوها بشَّرتهم الملائكة بالنَّار، فيئسوا من كلِّ خير (١). * * *

стр. 7215

سورة الصف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي يحب المقاتلين، الرحمنِ الذي يُظهر دينَه على كلِّ دين، الرحيمِ الذي يبشِّر المؤمنين. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورة الصَّفِّ كان عيسى ابن مريم صلوات اللَّه عليه مصلِّيًا عليه، ويستغفر له ما دام في الدُّنيا، وكان رفيقَه يوم القيامة" (١). وهذه السُّورة مكيَّة عند عكرمة والحسن وقتادة، مدنيَّة عند عامَّة المفسِّرين (٢). وهي أربعَةَ عشر آيةً، ومئتان وإحدى وعشرون كلمة، وتسعُ مئة وواحدٌ وخمسون حرفًا. وانتظام آخر تلك السُّورة بأولى هذه السُّورة: أنَّ آخر تلك في ذكر الكفَّار الذين عليهم غضبُ اللَّه، وأوَّل هذه السُّورة في ذكر المسبِّحين الذين لهم رضا اللَّه تعالى.

стр. 7216

وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك في قطع موالاة أعداء اللَّه، وهذه في الجهاد الذي هو تحقيق معاداة أعداء اللَّه. * * * (١ - ٢) - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا التَّسبيح شهادةٌ للَّه تعالى بالرُّبوبيَّة والوحدانيَّة والقدرة والملكة (١) والغنى عن معونة الخليقة؛ بما (٢) فيهم من دلائل الصَّنعة، وأعلام الذِّلة. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يمتنع عليه ما يريد. ﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي لحكمته تعبَّد خلقَه بالجهاد في إقامة دينه؛ ليعوِّضهم بذلك النَّفعَ الذي لا يعدِلُه نفع، ويعطيَهم النَّعيم الذي لا يبلغُه نعيم، ولو شاء لهداهم أجمعين، ولو شاء لأهلكهم بما شاء من غير مُعين. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: روي أنهم تذاكروا أيُّ الأعمال أحبُّ إلى اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه تعالى آيةَ الجهاد، فتباطأ بعضُهم، فنزلت الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣). * * * (٣) - ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.

стр. 7217

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: أي: بُغضًا، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية [النساء: ٧٧]. ودلَّت الآية أنَّ صاحب الكبيرة مؤمنٌ رغمًا للمعتزلة؛ لأنَّ ما استَحق عليه العبدُ مقتَ اللَّه -وهو أشدُّ البغض- فهو كبيرةٌ، ومع ذلك خوطبوا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال نجم الدِّين (١): ولنا حديث مُسلسلٌ في هذا، مُسنَدٌ إلى عبد اللَّه بن سلام، قال: خرجْنا نتذاكرُ، فقلْنا: أيُّكُم يأتي رسولَ اللَّه فيسألَه: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى اللَّه تعالى؟ ثم تفرَّقنا، وَهِبْنا أن يأتيَه أحدٌ منَّا، فأرسل إلينا رسولُ اللَّه ﷺ وجمعَنا، فجعل يومئ بعضُنا إلى بعض، فقرأ علينا: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ السُّورةَ إلى آخرها، وكذا قرأ كلّ راوٍ السُّورة عند رواية هذا الحديث إلى شيخنا (٢). قيل: إنَّما قرأها كلَّها لأنَّ في أوَّلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، وفي آخرها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وقال مجاهد: نزلَتْ في نفرٍ من الأنصار منهم عبد اللَّه بن رواحة، كانوا في مجلسٍ فقالوا: لو علمنا أيَّ الأعمال أحبَّ إلى اللَّه تعالى لعملناه حتى نموت، فأنزل اللَّه تعالى السُّورة، فقال عبد اللَّه بن رواحة: لا أبرح حبيسًا في سبيل اللَّه تعالى حتَّى أموت أو أقتل شهيدًا، وكان على ذلك حتى قتل في غزوة مؤتة شهيدًا (٣). وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَهم في غزوة مؤتة، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة وقال: "إنْ قُتِلَ زيدٌ فأميرُكم جعفرُ بن أبي طالب، فإنْ قُتِلَ جعفرٌ فأميرُكم عبدُ اللَّه بن رواحة. . .

стр. 7218

فأخذ زيدٌ الرَّاية فقتل، ثمَّ أخذها جعفرُ فقُتِلَ، وقطعَتْ يداه ورجلاه، فجعل اللَّه له جناحَيْن يطير بهما مع الملائكة، ثمَّ أخذَ عبدُ اللَّه بن رواحة الرَّاية، فكأنَّه تلكَّأ قليلًا، ثم حمل عليهم حتى استُشْهِد" (١). * * * (٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾: أي: مصطفِّين على نسقٍ واحد. ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: أي: ملزَقٌ بعضُه ببعضٍ، لا فُرْجةَ فيه، يقال: رَصَّهُ يرصُّهُ رَصًّا: إذا ألزق بعضَه ببعضٍ التزاقًا محكمًا شديدًا، ورجلٌ أرصُّ: متلازقُ الأسنان. وهذا التَّمثيل يقع على حسن المقام، حتى إنْ دَلَفوا إلى العدوِّ دَلَفوا (٢) صفًّا، وإنْ وقفوا وقفوا صفًّا، وهذا أيضًا أهيبُ وأبعدُ من طمع العدوِّ من هزيمتهم، وهذا أيضًا أشبهُ بصفوف الصَّلاة التي خُصَّتْ بها هذه الأمَّة. ويكون التَّمثيل أيضًا بالبنيان على جهة الثَّبات للقتال كالبناء المرصوص. والبنيانُ واحد كالبناء، ولذلك قال: ﴿مَرْصُوصٌ﴾، ولم يقل: مرصوصة.

стр. 7219

ودلَّ على أنَّ النُّزول أفضلُ من الرُّكوب، فإنَّ التَّراصَّ فيه أمكنُ. وقال إبراهيم النَّخعيُّ: ثلاث آيات منعَتْني أن أقصَّ على النَّاس: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ الآية (١). فدلَّ أنَّ الآية عامَّة، وليست بمقتصرةٍ على القتال. * * * (٥) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ الآية: أَتبعَ الأمرَ بالجهادِ قصَّة موسى وعيسى ﵉، واختلافَ قومهما عليهما فيما أمراهم به من نصر دين اللَّه، وما كان من النَّصر والظَّفر لمن وافقهما على ذلك. وقوله تعالى: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ يحتملُ ما قال: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وقد بيَّنا في تلك الآية. وقيل: هو ما دسَّ قارون إلى امرأةٍ تدَّعي على موسى أنَّه زنى بها، وقد بيَّنا ذلك في تلك القصَّة. وقيل: هو قولهم: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهةٌ. وقيل: هو قولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].

стр. 7220

وقيل: هو قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾: أي: لمَ تؤذونني مع معرفتكم أنِّي رسول اللَّه إليكم، أَخبر أنَّ الذَّنب في إيذائه مع معرفتهم بنبوَّته أعظمُ؛ فإنَّ العلم بتحريم الشَّيء هو أحدُ الزَّواجر عنه، فكلَّما كانت الزَّواجر أكثر كان الإثم في ارتكابه أكبر. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾: أي: مالوا إلى الباطل ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أي: خذلهم وحرمَهم توفيق اتِّباع الحقِّ. ودلَّ ذلك على أنَّ اللَّه تعالى خالقُ أفعالِ العباد، حسَنِها وقبيحِها، ظاهرِها وباطنِها، وأنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن علم منه اختيارَ الضَّلال، ويهدي مَن علم منه اختيار الاهتداء. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: ما داموا مختارين للفسق، ثابتين عليه. * * * (٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصب على القطع؛ لأنَّه نكرة نُعِتَ به معرفةٌ، وكذا قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾. يقول: أنا موافِق لِمَا نزل قبلي من التَّوراة، وفيها صفتي، ولم أتكلَّم بشيء يكذِّب التَّوراة فتنفروا عنِّي. ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾: لتؤمنوا به، فتستكمِلوا الثَّواب بإيمانكم بمن كان قبلي وبي وبمن يكون بعدي.

стр. 7221

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي ظاهر، وليس من اللَّه. وقيل: أي: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: جاء بقيَّةَ بني إسرائيل محمَّدٌ ﷺ بالقرآن وسائر المعجزات ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ مع تقدُّم الدَّلائل والبشارات به. * * * (٧ - ٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: فجعل آياته البيِّنات سحرًا. ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾: أي: يُدْعى على لسان رسول اللَّه ﷺ إلى دين اللَّه تعالى، لا يدعو إلى شيء يردُّه العقل، وهو الدِّين الذي لا يَقبلُ اللَّه دينًا غيره، فمَن دُعِيَ إلى ما لا يَقبلُ اللَّه دينًا غيره، وقد أتاه داعيهِ بالبيِّنات، فردَّه وجعلَ ما أتى به سحرًا، فلا أظلم منه. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا مختارين لذلك. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾: أي: يريد هؤلاء الفاسقون الظَّالمون أن يُذْهِبوا نورَ اللَّهِ الذي أرسلَه على محمَّدٍ ﷺ ، وهو ما هدى به عبادَه من دينه وكتابه. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: بقولهم بأفواههم (١): إنَّه سحرٌ، لا يزيدون على ذلك، ولا يجدون عليه حُجَّة، وهذا شيء لا أوهى منه. ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص على الإضافة.

стр. 7222

والباقون: ﴿متمٌّ﴾ بالتَّنوين ﴿نُورَه﴾ بالنَّصب (١)، يقول: قد أتمَّ نورَه للحال، ويُديمه في الاستقبال، حتى يعمَّ الآفاق، ويظهرَ في البلاد، ويهتدي به العباد. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: اليهود والنَّصارى وسائر الكفَّار. * * * (٩ - ١١) - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: أي: بالرَّشاد ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الذي لا يشوبُه باطلٌ من شرٍّ، أو تفريقٌ بينَ الرُّسل، أو تشبيهٌ ونحوه. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: أي: ليُعلِيَه (٢) على الأديان كلِّها بالحُجج وبالغَلَبة، وعند نزول عيسى ﵇ بألَّا يبقَى دينٌ غيرُه. وقيل: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليُطْلِعَ محمَّدًا ﷺ على علم الدِّين كله، وهو كقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: هو استفهامٌ على معنى الحثِّ والعرض، كقولك: هل أنت ساكت؟ و: هل أنت آكلٌ معي؟ ولَمَّا نزلت هذه الآية لم ينزل معها ما بعدَها، وكانوا في شوقٍ إلى معرفتِه ليعملوا به، فبقُوا على ذلك ستَّة عشر شهرًا، ثم نزل: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية: وهو تفسيرُ تلك التِّجارة.

стр. 7223

وهذا الحثُّ بمعنى الأمر، بدليل أنَّه قال في جوابه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالجزم، وتقديرُه: آمنوا به وبرسوله؛ أي: دُوموا عليه. ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: جاهدوا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: أنفعُ لكم دينًا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ التِّجارةَ وما فيها من الرِّبح والزِّيادة، وجعل هذا تجارةً كما جعلَه بيعًا وشراء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]؛ لأنَّه بذلُ (١) الأنفس والأموال على عوضِ الجنَّة كالمعاوضات. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: جزمَ -على قول الفرَّاء- بـ (هل) (٢)؛ لأنَّ فيه معنى الأمر على ما مرَّ. وقال الزَّجَّاج: وهو جوابُ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ لأنَّهما في معنى: آمنوا وجاهدوا. وقال: قولُ مَن قال: إنَّه جواب ﴿هَلْ﴾ غلطٌ؛ لأنَّهُ ليس إذا دلَّهم على ما ينفعُهم غفرَ اللَّه لهم، إنَّما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾: أي: ولكم خصلةٌ أخرى على جهادكم في الدُّنيا قبل المصير إلى الجنَّة، تحبُّون تلك الخصلة: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾: وهي نصرةٌ على الأعداء ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ لبلادهم.

стр. 7224

وقيل: ﴿وَأُخْرَى﴾؛ أي: وتجارةٌ أخرى. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بهذا الوعد. * * * (١٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿أنصارًا﴾ بالتَّنوين ﴿للَّه﴾ بالَّلام، وقرأ الباقون: ﴿أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ على الإضافة (١)؛ أي: انصروا دين اللَّه ورسوله. قوله تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾: أي: لأصفياءِ أصحابه. ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: قيل: أي: مع اللَّه؛ أي: مع نصرته، كقولهم: الذَّود إلى الذَّود إبلٌ (٢). وقيل: أي: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ تقرُّبًا إلى اللَّه تعالى. وقيل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ أيَّام حياتي إلى أن أصير إلى اللَّه تعالى؛ أي: يقبضني إلى حيث يشاء. قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: أي: أنصار نبيِّه ودينه. وقد ذكرنا الأقاويل في الحواريِّين في (سورة آل عمران).

стр. 7225

﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بعيسى ﵇ ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾. ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: قوَّيناهم ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾؛ أي: أعدائهم. ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: أي: عالين غالبين، فكذلك أنتم يا أصحاب محمَّدٍ ﷺ يكون لكم الظُّهور على مَن خالفَكم. قيل: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ بقتال الحواريِّين على موافقة عيسى ﵇. وقيل: قاتلوهم بعد رفع عيسى. وقيل: لم يكن منه قتال ولا بعدَه من أصحابه، وإنَّما ظهروا بالحُجَّة. وقيل: ظهروا بعد خروج محمَّد ﷺ ، فإنَّه أظهرَ دينَ الحقِّ، وأبطل دين الكفَّار. وقال قتادة ﵀: دعا اللَّه تعالى إلى أن يكون لرسوله حواريُّون من أمَّته كما كان لعيسى ﵇، وقد كان ذلك عند العقبة، وهم كلُّهم من قريش: أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرَّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص وطلحة بن عبيد اللَّه والزُّبير بن العوَّام وعثمان بن مظعون ﵃ أجمعين، وبايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون من الأنصار، بايعوه على أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئًا، وعلى أن يمنعوا رسول اللَّه ﷺ ممَّا يمنعون به أنفسهم وأبناءهم، ولهم النَّصر في الدُّنيا، والجنَّة في الآخرة (١). والحمد للَّه كثيرًا * * *

стр. 7226

سورة الجمعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الملك القدُّوس العزيز الحكيم، الرحمنِ الذي يؤتي فضلَه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم، الرحيمِ الذي زهَّدَ في اللَّهو واللَّعب (١) والتَّجارة بما عندَه من الكرامة والنَّعيم. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ الجُمُعةَ كتبَ اللَّهُ له عشرَ حسناتٍ، بعدد مَن ذهبَ إلى الجمعةِ في مِصْرٍ مِن أمصارِ المسلمين، وبعدد مَن لم يذهَبْ" (٢). وهذه السُّورة مدنيَّة. وهي إحدى عشرةَ آية، ومئةٌ وخمسٌ وسبعون كلمةً، وسبعُ مئة وستَّة وخمسون حرفًا. وانتظامُ ختم تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك السُّورة بذكر مَن آمن بعيسى ومَن كفرَ به، وأوَّلَ هذه السُّورة بذكر مَن آمنَ بمحمَّد ﷺ ومَن كفرَ به.

стр. 7227

وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك السُّورة في إيذاءِ أهلِ الكتاب موسى وعيسى ﵉ بما قالوا، وهذه السُّورة في إيذائهم محمَّدًا ﷺ والمؤمنين بما قالوا. * * * (١ - ٢) - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: ذُكِرَ أنَّ أهلَ الكتاب قالوا للعرب: نحن أهل الكتاب وأنتم أُمِّيُّون لا كتاب لكم، ونحن أبناءُ اللَّه وأحبَّاؤه وأنتم رعاة البَهْم، ولنا السَّبتُ ولا سبتَ لكم. فردَّ اللَّه تعالى طعنَهم بهذه الأشياء الثَّلاثة في هذه السُّورة. وكان في عهدهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، فنقضوا، وأساؤوا القول فيهم. وقالوا في اللَّه ما هو أفظع من كلِّ شيء: عزيرٌ ابنُ اللَّه، والمسيحُ ابنُ اللَّه. فنزَّه اللَّه تعالى نفسَه عمَّا قالوا فيه، وذبَّ عن المؤمنين ما قالوا فيهم، فقال في الأوَّل: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ الآية، وهو تنزيهُ الخلائق كلِّها تنزيهَ الفطرة على ما مرَّ غير مرَّة. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾: أي: في العرب الذين لا يقرؤون ولا يكتبون. ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: وهو محمَّد ﷺ ، أميًّا لا يكتبُ ولا يقرأ من كتاب؛ دلالةً له أنَّه من اللَّه تعالى يُخبرُ، لا عن كتابٍ يأخذ.

стр. 7228

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾: أي: على الأمِّيِّين ﴿آيَاتِهِ﴾؛ أي: آياتِ اللَّهِ التي أُنزِلَتْ عليه (١)، وهي القرآن. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: أي: يطهِّرهم من دنس الكفر. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: القرآن، فيصير لهم كتاب يَعرفون فيه أقاصيص الأولين. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي: ويعلِّمهم مع ذلك ما شرعَه له ممَّا لم يذكرْه في كتابه. وقيل: ويعلِّمهم وجه الاستنباط. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: قد ذكرنا في مثلِه أنَّه على معنَيْين: وقد كانوا من قبل في ضلال مبين. وما كانوا من قبل إلَّا في ضلال مبين. * * * (٣) - ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: عطفٌ على قوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾، وله وجهان: أحدهما: ﴿وَآخَرِينَ﴾ من العرب ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؛ أي: لم يلحقوا، و (ما) زائدة مؤكِّدة؛ أي: لم يسلموا بعدُ، وسيسلمون. وقيل: لم يبلَّغوا، وسيُبلَّغون ويخاطبون فيسلِمون. وقيل: لم يجيئوا بعدُ وسيجيئون (٢)، وهو للعرب كلِّهم إلى قيام السَّاعة (٣)، وهو في بيان شرف العرب كلِّهم إلى قيام السَّاعة.

стр. 7229

وقال عكرمة: هم التَّابعون (١). ووجه آخر: ﴿وَآخَرِينَ﴾ من العجم ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: ممَّن يؤمن به. وقيل: من الأمِّيين؛ فإنَّ من العجم أمِّيين، كالتُّرك ونحوهم. وقيل: ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطف (٢) على قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾؛ أي: ويعلِّمهم ويعلِّم آخرين منهم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حين أُنْزِلَتْ سورةُ الجمعة، فتلاها، فلمَّا بلغ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ قال له رجلٌ: يا رسول اللَّه، مَن هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ قال: وسلمانُ فينا، فوضع رسول اللَّه ﷺ يده على سلمانَ وقال: "والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لو كان الإيمانُ عند الثُّريَّا لتناولَه رجالٌ من هؤلاء" (٣). وروى سهلُ بنُ سعدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ في أصلابِ أصلابِ أصلابِ رجالٍ مِن أمَّتي رجالًا ونساءً يدخلون الجنَّة بغير حساب"، ثمَّ تلا هذه الآية (٤). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: فلا يُعترض، عليه فيما يفعل ﴿الْحَكِيمُ﴾: المصيبُ فيما يفعل. * * * (٤ - ٥) - ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

стр. 7230

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: تعليم الكتاب والحكمة والاختصاص بالنُّبوَّة. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: وهو حُجَّتنا على المعتزلة في أنَّ اللَّه لا يلزمه لعباده شيء، وهو متفضِّل فيما يعطي. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: أي: اليهودِ الذين أُلزموا أحكام التَّوراة والتَّصديق بما فيها. ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يلتزموها وكذَّبوا بها (١) بتكذيب محمَّد ﷺ ، ففيها البشارة به والإخبار عنه. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: أي: كتبًا، جمع سِفْرٍ، وقد سَفَرَ؛ أي: كَتَبَ، وسَفَرَ: إذا كَشَفَ، وهو يكشِفُ عن المعنى الذي فيه، والسَّفَرة: الكَتَبة. يقول: الحمارُ يحمل على ظهره كتبًا فيها العلوم، ولا علم له بما يحمل ولا نفع، فكذا هؤلاء إذ لم ينتفعوا بالتَّوراة فعلمُهم بها وعدمُه (٢) سواء. قوله تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بتكذيبِ محمَّدٍ ﷺ ؛ أي: بئس القومُ قومٌ هذا مثلُهم. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا على اختيارِ ظلمِهم. ومنهم مَن حمل هذا على اليهود والنَّصارى، والأظهر أنَّه على اليهود؛ لأنَّه قال بعده: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾. ثم إلى هذا الموضع ردُّ طعنهم في أنَّهم أهل الكتاب والعربُ لا كتاب لهم، ثمَّ قال في ردِّ طعنهم الثَّاني:

стр. 7231

(٦ - ٧) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: يقول: يا أيُّها اليهود، إن قلْتُم ظانِّين: إنَّكم أولياء اللَّه من دون الأميِّين وغيرهم ممَّن ليس من بني إسرائيل، فإنَّ لأولياء اللَّه عند اللَّه كرامةً ومنزلة، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ لتصيروا إلى الآخرة، فتنالوا ذلك ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم أنَّكم أولياء اللَّه. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: أي: ولا يتمنَّونَ الموتَ قطُّ بما عملوا من السَّيِّئات وقدَّموها، واستحقُّوا بها مَقْتَ اللَّه دون ولايته. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: وما قدَّموه من الظُّلم والمعاصي. وفيه دلالةٌ صحَّة نبوَّة محمَّد ﷺ ؛ حيث أخبر، فكان كما أخبر، وهو باطنٌ، فدلَّ أنَّه باللَّه عَلِم ذلك. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾؛ أي: قولوا: اللَّهم أمتْنا (١). وقال النَّبيُّ ﷺ : "والذي نفسي بيدِه لا يقولها أحدٌ منهم إلَّا غصَّ بريقِه وماتَ مكانَه" (٢).

стр. 7232

(٨) - ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾: أي: لا ينفعكم الفرار عنه، بل هو آتيكم فيلقاكم وتلقونه، والملاقاة من الجانبين. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بعد الموت ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: إلى جزاء اللَّه الذي يعلم السِّرَّ والعلانية ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: يخبركم به ويجازيكم عليه. وقال مقاتل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كتبَ إلى يهود المدينة يدعوهم إلى دين الإسلام، فكتب يهودُ المدينة إلى يهود خيبر: إنَّ محمَّدًا يزعم أنَّه نبيٌّ، فإنَّه يدعونا وإيَّاكم إلى دينه، فإن كنتم تريدون متابعته فاكتبوا إلينا كتابًا ببيان ذلك، وإنَّما نحن وأنتم على أمر واحد، ولا نؤمن به ولا نتَّبعه. فكتب يهود خيبر إليهم: إنَّ إبراهيم كان صدِّيقًا نبيًّا، وإنَّ إسحاق بعده كان صدِّيقًا نبيًّا، ويعقوب بعد إسحاق كان صدِّيقًا نبيًّا، وولد ليعقوب اثنا عشر ذكرًا، فكان لكلِّ واحد منهم أمَّة من النَّاس، ثم كان موسى يقرأ التَّوراة من الألواح، وعُزير يقرؤها ظاهرًا، ولولا أنَّه كان ولدَ اللَّه ونبيَّه وصفيَّه لم يقرأ ظاهرًا، فنحن وأنتم من سبط مَن كلَّمه اللَّه تكليمًا، واتَّخذه اللَّه خليلًا، فنحن أحقُّ بالنُّبوَّة والرِّسالة، ومنَّا كانت الأنبياء في جزائر العرب، وما سمعنا قط كان من العرب إلَّا هذا الرَّجل، على أنَّا (١) نجد نعتَه وصفته في التَّوراة، فإن تبعتُموه صغَّركم اللَّه

стр. 7233

ووضعكم، فنحن أبناء اللَّه وأحبَّاؤه، فقال اللَّه تعالى لنبيِّه: قل لهم: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ الآية [الجمعة: ٦] (١). * * * (٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾: وهذا ردُّ طعنِهم الثَّالث: لنا السَّبت (٢) ولا سبتَ لكم. فجعل اللَّه لنا يوم الجمعة، وهو أفضل الأيَّام، وسيِّد الأيام، وفرض فيه صلاة الجمعة، وأمرنا بالسَّعي إليها، فقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾؛ أي: أُذِّن للصَّلاة ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ هي صلاة الجمعة، فقولك: ضُربَ من زيد، وضُرب زيد، واحد. ﴿فَاسْعَوْا﴾: أي: امضُوا، ولم يُرِدْ به الإسراع، فقد قال النَّبيُّ ﷺ : "إذا خرجْتَ إلى الجُمُعةِ فامشِ على هِيْنَتِكَ" (٣). وقال ﵊: "إذا أتيتُم الصَّلاة فأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعَون" (٤).

стр. 7234

وقيل: أراد به السَّعي بالقلب، وهو الإسراع إليها تبكيرًا. وقال الفرَّاء: السَّعيُ والمضيُّ والذَّهابُ واحدٌ (١). ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هو الخُطبة. وقال سعيد بن المسيَّب: هو موعظة الإمام (٢). ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾؛ أي: دعوا البيع والشِّراء. وقال الفرَّاء: إذا أمركَ بترك البيع فقد أمرك بترك الشِّراء؛ لأنَّ البيع يقع عليهما (٣). والنِّداء الذي يُنْهَى عنده عن البيع، هو الأذان الذي يكون بعد (٤) خروج الإمام. وعند مالكٍ ﵀: البيعُ في تلك الحالة فاسدٌ للنَّهي، وعندنا النَّهي (٥) لغيره، وهو تأخير السَّعي، فيبقى مشروعًا في نفسِه فصحَّ (٦). وعن محمد بن النَّضر الحارثي: أنَّه سئل عن الجمعة مع هؤلاء الأمراء، فقال: إنَّ اللَّه تعالى أمرنا بالسَّعي إلى الجمعة، وهو يعلم مَن يصلِّي بنا إلى يوم القيامة، فنحن نسعى كما أمرنا اللَّه تعالى (٧).

стр. 7235

﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: السَّعي إلى الجمعة وترك الاشتغال عنها بالبيع وغير ذلك أنفعُ لكم من فعل ما يمنعكم عن ذلك. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: بمنافع الأمور ومضارِّها. * * * (١٠) - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾: أي: فُرغ منها ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فتفرَّقوا في أرض اللَّه ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ أي: طالبين المعاشَ الذي به قِوامُكم. وفضل اللَّه: رزقُ اللَّه الذي تفضَّل به على عباده، وأباحه بالبيع والتِّجارات المشروعة. وتُستحبُّ العقود في هذه السَّاعة؛ لندب اللَّه تعالى إلى ذلك، وتسميته فضلًا. وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: إذا انصرفْتَ من الجمعة فاخرج من المسجد فساوم بالشَّيء (١) وإن لم تشترِه (٢). وعن ابن محيريزٍ قال: إنَّه ليعجبني أن تكون لي الحاجة يوم الجمعة، فأقضيها بعد الانصراف (٣). وروى أنسٌ عن النَّبيِّ ﷺ في هذه الآية أنَّه قال: "ليس بطلبِ دنيا، ولكن عيادة مريضٍ، وحضور جنازة، وزيارة أخٍ في اللَّه تعالى" (٤).

стр. 7236

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قيل: واشكروا له واحمدوه على ما أنعم عليكم من التَّوفيق لأدائها. وقيل: أي: في الأسواق التي تبتغون فيها فضل اللَّه. يقول: اتركوا التِّجارات لِذكري، وإذا رجعتم إلى التِّجارات فلا تتركوا ذكري أيضًا، وهو دلالة على دوام الذِّكر. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: تظفرون بكلِّ مطلوب، وتأمنون كلَّ مرهوب. * * * (١١) - ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾: أي: وإذا علموا تجارةً تُحمَل من (١) موضع آخر، ﴿أَوْ لَهْوًا﴾: أو شيئًا يُلهي مثلُه ممَّا يَصحب غير التِّجارة، من طبلٍ ونحوه يُؤْذِنون النَّاس بقدومهم ﴿انْفَضُّوا﴾؛ أي: تفرَّقوا عنك ﴿إِلَيْهَا﴾؛ أي: إلى تلك التِّجارة. ولم يقل: (إليهما) وقد ذكر شيئين: اللَّهو والتِّجارة؛ لأنَّ التِّجارة كانت أصلًا واللَّهوَ تَبَعًا، فصرف الكناية إلى الأصل المقصود. ﴿وَتَرَكُوكَ﴾ يا محمَّد ﴿قَائِمًا﴾ على المنبر تخطب. ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الثَّواب في الآخرة وإدرارِ الرِّزق في الدُّنيا لمن اتَّقى من حيث لا يحتسب ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾؛ أي: أنفع دينًا ودنيا.

стр. 7237

﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أي: المعطين. قال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري: كان رسول اللَّه ﷺ قائمًا يخطب يوم الجمعة، فقدمَتْ عِيْرٌ تحملُ الطَّعام من الشَّام، فانفتلَ النَّاس إليها حتَّى لم يبقَ معه إلا اثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر (١)، فنزلَت الآية (٢). وفي حديث ابن عبَّاس ﵄: قدم دِحْيَةُ الكلبيُّ فما بقيَ في المسجد إلَّا نفر (٣). وفي رواية الحسن: أنَّ أهل المدينة أصابهم جوع وغلاءُ سعرٍ، فقدم عيرٌ والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فخرجوا إليها (٤). وفي روايةٍ قال النَّبيُّ ﷺ : "لو خرجَ هؤلاء الباقون لاضطرمَ الوادي عليهم نارًا" (٥). واللَّه الموفِّق * * *

стр. 7238

سورة المنافقون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي هتك ستر المنافقين، الرحمنِ الذي له العزَّة ولرسوله وللمؤمنين، الرحيمِ الذي هو خبير بعمل العاملين. روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ سُورةَ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ" (١). وهذه السُّورة مدنيَّة. وهي إحدى عشرةَ آيةً، ومئةٌ وثمانون كلمة، وسبعُ مئة وثمانون حرفًا (٢). وختم تلك السُّورة في ذهاب الخاطئين، وافتتاح هذه السُّورة في مجيء المنافقين. وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك في قبائح أعداء اللَّه تعالى المجاهرين (٣)، وهذه في فضائح أعداء اللَّه المنافقين. * * *

стр. 7239

(١) - ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾: كسرُ ﴿إِنَّكَ﴾ لمكان اللَّام في قوله: ﴿لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ﴾؛ أي: يقولون كما يقول المخلصون. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾: كما تلفَّظ به المنافقون. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: يضمِرون خلافَ ما يُظهرون؛ لأنَّهم لا يعتقدون أنَّك رسول اللَّه، والشَّهادةُ: الإخبارُ عن علم، وعندهم أنَّهم لا يعلمونه رسولَ اللَّه، ولأنَّ الشَّهادة قولٌ عن تحقيق، وهم لا يحقِّقون ذلك. وقيل: كاذبون في أنَّهم أرادوا الإيمان به. * * * (٢) - ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾: أي: كلَّما اطَّلع منهم على شيء من النِّفاق حلفوا أنَّهم لم يقولوه، فيتستَّروا به كما يُتستَّر بالجُنَّة، وهو كما قال: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦]، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. ثم معنى الجُنَّة: أنَّه سُترة لِمَا يضمرونه. وقال الحسنُ وقتادة ومجاهد: أي: جُنَّةً لأموالهم ودمائهم، يعصمونهما بها (١). قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: قيل: أي: فمنعوا (٢) المؤمنين بأيمانهم عن إقامة حكم اللَّه تعالى، فـ (سبيل اللَّه) هاهنا: هو طريق الدِّين وحكم الشُّرع.

стр. 7240

وقيل: أي: بما يستروا بإظهار الشَّهادة والحلِف على الكذب اختلطوا بالمسلمين، فاستزلُّوا كثيرًا من ضعَفتهم. وقيل: أي: فصدُّوا عن الجهاد في سبيل اللَّه، وكانوا يثبِّطون (١) عنه. وقيل: فصدُّوا اليهود والمشركين عن الدُّخول في الإسلام بقولهم: نحن كافرون بهم، وقد ألحقونا بجملتهم بما نُظهره، ولو كان محمَّدٌ محقًّا لاطَّلع على ما نُضمره، فأعلم اللَّه تعالى المنافقين أنَّه عالم بهم، وأطلعَ رسولَه على حالهم. ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: الآن وفي سالف الزَّمان. * * * (٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾: أي: في الظَّاهر ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ أي: في الباطن. ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أي: ختم اللَّه عليها وخذلهم، فلا يفهمون ما يُخاطَبون به من الزَّجر عن النِّفاق والوعيد عليه. وقيل: أي: لا يتدبَّرون فيه. وقيل: أي: يعملون عملَ مَن لا يفهم. وقال الرَّبيع بن أنس وقتادة: آمنوا بألسنتهم، وكفروا بقلوبهم (٢). وقيل: هذا في قومٍ كانوا آمنوا، ثم شكُّوا فنافقوا. ونزول هذه السُّورة (٣) في عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سَلُولَ وسائر المنافقين، لعنهم اللَّه.

стр. 7241

قال زيدُ بن أرقم: كنْتُ مع عمِّي، فسمعْتُ ابنَ أُبيٍّ يقول لأصحابه: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون: ٧]، و ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية [المنافقون: ٨]، فذكرْتُ ذلك لعمِّي، فذكرَهُ لرسول اللَّه ﷺ ، فدعاني النَّبيُّ ﷺ ، فحدَّثْتُه، فأرسل رسولُ اللَّه ﷺ إلى عبد اللَّه بن أُبيٍّ ابنِ سَلُولَ وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذَّبني النَّبيُّ ﷺ وصدَّقه، فأصابني همٌّ لم يصبْني قطُّ مثلَه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآيات، فبعثَ إليَّ رسولُ اللَّه ﷺ ، فقرأهنَّ عليَّ، ثم قال: "إنَّ اللَّه تعالى صدَّقك" (١). * * * (٤) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾: أي: مناظرُهم، وكلُّ واحد منهم مَنظَرٌ بلا مَخْبَرٍ. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾: لأنَّهم يقولون قولَ المحِقِّ الصَّادِق تلبيسًا وتزويرًا. وروي أنَّ ابن أُبيٍّ كان رجلًا جميلًا (٢) لَسِنًا فصيحًا، فإذا قالَ سمعَ النَّبيُّ ﷺ قولَه (٣). وقيل: هذا الخطاب ليس للنَّبيِّ ﷺ على الخصوص، ومعناه: أنَّ مَن سمع كلامَهم أعجبه، وهو كقولك: أحسب أنَّ فلانًا كذا؛ أي: مَن نظر إليه يحسب أنَّه كذا.

стр. 7242

وقال الضَّحَّاك: نزلت في وَدَاعةَ ومعتِّبِ بن قُشيرٍ وجَدِّ بن قيس وأوسِ بن قَيْظيٍّ وطُعمةَ بن أُبَيرِقَ وعبد اللَّه بن نَبْتلٍ ومجمِّع بنِ جارية لعنهم اللَّه، وكانت لهم ألسنٌ وأجسام. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾: وهي جمع خَشْبَة، كالثُّمُر جمع ثَمَرة. و ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾: التَّسنيد (١) تكثير الإسناد لكثرة (٢) المحالِّ؛ أي: كأنَّها أسندَت إلى مواضع. ولهذا التَّشبيه وجوه: أحدها: هي كالجماد أشباحٌ وصُوَرٌ، لا تهتزُّ للتَّدبر (٣) في آيات اللَّه، ولا تتحرَّك للتَّفكُّر فيما يورده عليهم رسولُ اللَّه ﷺ من حُجج اللَّه تعالى، كالخُشُب المسنَّدة التي هي قائمة لا حراك فيها، ولا علم ولا عقل. والثَّاني: هم كخُشُب نَخِرَة، قد سُنِدَتْ إلى مواضعَ تُمسِكها، فهي بإمساكها إتاها تَتَصوَّر للنَّاظر بصورة ما يُنتَفع به، وهي في الحقيقة لا منفعةَ لها لمن عرفها واختبرها، فكذلك هؤلاء المنافقون إذا انكشفَتْ ضمائرُهم هانَتْ على أولي الألباب ظواهرُهم. والثَّالث: أنَّ قلوبهم لا تعي خيرًا، ولا تضمر صدقًا، كالخُشُب ليس لها باطنٌ يتضمَّن معنًى ويثمر نفعًا. قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾: وهو وصفٌ لهم بالجبن؛ أي (٤):

стр. 7243

لجبنهم يحسبون أنَّ كلَّ مَن صاح فإنما يصيح عليهم، وهم المقصودون بها، فأخذ جرير هذا المعنى فقال: ما زلْتَ تحسَبُ كلَّ شيءٍ بعدَهُمُ... خيلًا تَكُرُّ عليهمُ ورجالًا (١) وقال عبيد بن أيُّوب: لقدْ خِفْتُ حتَّى لو تمرُّ حمامةٌ... لَقُلْتُ عَدوٌّ أو طليعةُ مَعْشَرِ (٢) وقال ابن جريج: أي: كلَّما نزل القرآن خشوا (٣) أن يكون فيهم وعليهم؛ بما قد علموا من الغشِّ والعداوة للنَّبيِّ ﷺ (٤). وقيل: كلَّما تفلَّتَتْ دابَّة في العسكر، أو سمعوا نداءً، أو أمرَ النَّبيُّ ﷺ بقتالٍ، ظنُّوا أنَّهم مرادون بذلك، وهو كقول القائل: يروِّعِهُ السِّرارُ بكلِّ أمرٍ... مخافةَ أنْ يكونَ به السِّرارُ (٥) وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾: أي: الأعداء لك ولأهل دينك ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾؛ أي: لأنَّهم ينقلون الأسرار إلى الكفَّار، ويجبِّنون مَن قدروا عليه من أهل الإيمان.

стр. 7244

﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: أهلكهم اللَّه، وقيل: لعنهم اللَّه. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: كيف ومن أين يصرفون عن الحقِّ مع وضوح دلائله. * * * (٥) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾: قرأ نافع: ﴿لَوَوا﴾ بالتَّخفيف على أصل الفعل، والباقون بالتَّشديد للتَكثير (١)؛ لكثرة المحالِّ وهي الرُّؤوس. ولَمَّا نزلَتْ هذه الآيات، وكُشِفَ حالُ ابنِ أبيٍّ قيل له: قد نزلَتْ فيك آياتٌ شِدادٌ، فاذهبْ إلى رسول اللَّه ﷺ يستغفر (٢) لك، فلوَّى رأسَه وقال: أمرتموني أن أؤمن فآمنْتُ، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيْتُ، فما بقي إلَّا أنْ أسجدَ لمحمَّد. فنزلت الآية (٣). ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾: أي: يعرضون عمَّا دُعوا إليه. ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: عن المصير إلى رسول اللَّه ﷺ . ويجوز أن يكون هذا حالًا على تقدير: يصدُّون مستكبرين، ويجوز أن يكونا وصفَيْن مقصودَيْن. * * *

стр. 7245

(٦) - ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: لأنَّهم كفار، وهو إخبار عن موتهم على الكفر. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: ما داموا على فسقهم مختارين لذلك. قال عطاءُ بن أبي مسلم: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أراد مقامًا لخطبة يسبقه (١) عبد اللَّه بن أبيٍّ إلى المقام، فيقول للنَّاس: هذا رسولُ اللَّه أكرمَكم اللَّهُ به، فأعِزُّوه وانصروه ووقِّروه، فقال يومًا في مقامٍ نحو هذا، فجبهه المسلمون من كلِّ وجه، وقال له عمر: اقعد أيُّها المنافق (٢)، وقام بسيفه متوجِّهًا نحوه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أين تريد؟ "، قال: إنِّي (٣) أريد هذا المنافق لأقتله، فقال: "بل نحسنُ جوارَه حتَّى يفارَقنا"، فرجع عبدُ اللَّه ولم يدخل المسجد، فاستقبلَه بنو عمِّه فقالوا له: ما أخرجَكَ؟ قال: أتيْتُ لأسدِّد أمرَه فجبهني أصحابُه، وقال لي عمر ما قال، فقالوا: ارجع إلى رسول اللَّه ﷺ فاستغفرِ اللَّه يستغفر لك رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: ما أبالي أستغفرَ لي أم لم يستغفر لي، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية (٤). * * * (٧) - ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾.

стр. 7246

وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: أي: يتفرَّقوا، وهم لم يقولوا: ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ لأنَّهم كانوا لا يعتقدونه رسولَ اللَّه، وإنَّما قالوا: (على مَن عند محمَّد)، لكنَّ اللَّه تعالى لَمَّا أخبر عنهم ذكرَه باسم كرامته (١)؛ تعظيمًا له، وتنبيهًا لعبادِه على منزلتِه عنده. ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فلو شاء لأغنى المؤمنين عن المنافقين وسائر الكفَّار، ولكنَّه تعبَّد المؤمنين بالصَّبر على الضِّيق، وكلَّف المنافقين الإنفاق عليهم؛ إرغامًا لهم وتشديدًا عليهم. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾: وجوهَ الحِكَم الإلهيَّة. * * * (٨) - ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: قيل: معناه: ويقولون، وحذفُ واوِ العطف جائز كما مرَّ في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]. ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾: وهذا كان من ابن أُبيِّ المنافق في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وكان خرج فيها مع النَّبيِّ ﷺ بشرٌ كثير من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قطُّ مثلَها، ليس بهم (٢) رغبةٌ في الجهاد، بل إصابة عرَض الدنيا. قال الواقديُّ: بينما المسلمون على ماء المريسيع، وقد انقطعَت الحربُ، وهو ماءٌ قليلٌ، إنَّما يخرج في الدلوِ نصفُها، أقبل سِنان بن وبرة الجهني، وهو حليف

стр. 7247

بني سالم بن عوف بن الخزرج، ومعه فتيان من بني سالم يستَقُون، فوجدوا على الماء جمعًا من العسكر من المهاجرين والأنصار، وكان جَهْجَاه بن سعيد الغفاري أجيرًا لعمر بن الخطاب، فأدلى سنان، وأدلى جهجاه، وكان جهجاهٌ أقربَ السُّقاة إلى سنان، فخرجت إحدى الدَّلوين (١) ولم تخرج الأخرى، فقال سنان: هي دلوي، وقال جهجاه: واللَّه ما هي إلَّا دلوي، فتنازعا إلى أن رفع جهجاه يدَه فضرب سنانًا، فسأل الدَّم، فنادى: يا آل الخزرج، فثارت الرِّجال، وهرب جهجاه، وجعل ينادي في العسكر (٢): يا آل قريش، يا آل كنانة، فأقبلَتْ إليه قريش سراعًا، فنادى سنان: يا آل الأنصار، فأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السِّلاح، حتى خيف فتنة (٣) عظيمة، وترك جهجاه خصومته. وكان ابنُ أُبيِّ جالسًا في عشرةٍ من المنافقين، هو ومالك وداعِسٌ وسُويد وأوس بن قيظيِّ ومعتِّب بن قُشير وزيد بن اللَّصيْتِ، وعبد اللَّه بن نبتل، وفي القوم زيدُ بن أرقم، غلامٌ لم يبلغْ أو قد بلغ، فغضب ابنُ أُبيٍّ غضبًا شديدًا، وكان ممَّا يُسمَع منه أن قال: واللَّه ما رأيْتُ كاليوم قطُّ مذلَّة، واللَّه إنْ كنْتُ لكارهًا لوجهي هذا، ولكنَّ قومي غلبوني، قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا ملَّتنا، واللَّه ما صرْنا وهم إلَّا كما قال القائل: سمِّنْ (٤) كلبَك يأكلْك، واللَّه لقد ظننْتُ أنِّي سأموتُ قبلَ أنْ أسمعَ هاتفًا يهتفُ بما هتفَ به جهجاه وأنا حاضر، لا يكون لذلك منِّي غِيَرٌ، واللَّهِ لئن رجعْنا إلى المدينة ليخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ.

стр. 7248

ثم أقبلَ على مَن حضر من قومه فقال: إنَّما فعلتم بأنفسكم، أحلَلْتُموهم بلادكم، فنزلوا منازلكم، واستهمتُموهم في أموالكم حتَّى استغنَوا، أمَا واللَّه لو أمسكتم ما بأيديكم لتحوَّلوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضَوا بما فعلْتُم حتى جعلْتُم أنفسكم أغراضًا للمنايا، فقُتلْتُم دونَه، وأيتمْتُم أولادكم، وقَلِلْتُم وكَثُروا. فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كلِّه إلى رسول اللَّه ﷺ وعندَه نفرٌ من أصحابه من المهاجرين والأنصار: أبو بكر الصِّديق وعثمان بن عفَّان وسعد بن أبي وقَّاص ومحمَّد بن مسلمة وأوس بن خَوْلي وعبَّاد بن بشر ﵃ أجمعين، فأخبره الخبر، فكره رسولُ اللَّه ﷺ خبرَه وتغيَّرَ وجهَه، ثم قال له: "غضبْتَ عليه؟ "، قال: لا واللَّهِ، لقد سمعْتُ منه يا رسول اللَّه. وشاع في العسكر ما قالَ، فليس للنَّاس حديثٌ إلا ما قالَ ابنُ أُبيٍّ، وجعل الرَّهْط من الأنصار يؤنِّبون الغلام ويلومونه، يقولون: عمدْتَ إلى سيِّد قومِكَ تقول عليه ما لم يقل، لقد ظلمْتَ وقطعْتَ الرَّحم. فقال زيدٌ: واللَّه لقد سمعْتُ منه ما قال، واللَّه ما كان في الخزرج رجلٌ واحدٌ أحبَّ إليَّ من عبد اللَّه بن أُبيٍّ، واللَّهِ لو سمعْتُ هذه المقالة من أَبي لنقلْتُها إلى رسول اللَّه، وإنِّي لأرجو أن يُنزِلَ اللَّه على نبيِّه ﷺ حتَّى يعلموا أنا كاذبٌ أم غيري (١)، أو يرى رسولُ اللَّه ﷺ تصديقَ قولي. وجعل زيد بن أرقم يقول: اللَّهم أنزل على نبيِّك ما يصدِّق حديثي، فقال قائلٌ: يا رسول اللَّه ﷺ ، مُرْ عبَّاد بن بِشْرٍ فليأتِكَ برأسِهِ، فكرِهَ رسولُ اللَّه ﷺ هذه المقالة. ويُقال: قيل: قُلْ لمحمَّد بن مسلمة يأتيك برأسه.

стр. 7249

فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا يتحدَّث النَّاسُ أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابه". وقام النَّفر من الأنصار الذين سمعوا قول النَّبي ﷺ وردِّه على الغلام، فجاؤوا إلى ابن أُبيٍّ فأخبروه، فقال أوس بن خَوْلي: يا أبا الحُبَاب، إنْ كنْتَ قلْتَه فأخبرِ النَّبيَّ ﷺ فليستغفرْ لك، ولا تجحدْ فينزلَ فيك ما يكذِّبُك، وإنْ كنْتَ لم تقلْهُ فأتِ رسولَ اللَّه ﷺ فاعتذر إليه، واحلفْ لرسولِ اللَّه ﷺ ما قلْتَه. فحلف باللَّه العظيم ما قال من ذلك شيئًا، ثم مشى ابنُ أبيٍّ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "يا ابنَ أُبيٍّ، إنْ كانت سلفَتْ منك مَقالة فتُبْ (١) "، فجعل يحلِفُ باللَّه: ما قلْتُ ما قال زيدٌ، وما تكلَّمْتُ به. وفي حديث عمر: أذِنَ رسولُ اللَّه ﷺ بالرَّحيل حين بلغَه هذا الكلام، وكانوا في حرٍّ شديدٍ، وكان لا يَرُوْحُ حتى يُبْرِدَ، ولَمَّا ركب ناقته القصواء كان أوَّل مَن لقيه سعد بن عبادة، فقال: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة اللَّه وبركاته، قال رسول اللَّه ﷺ : "وعليك السلام"، قال: يا رسول اللَّه، لقد رحلْتَ في ساعة منكرة، لم تكن ترحل فيها. وقيل: لقيه أُسَيْدُ بنُ حضير -وهو أثبتُ- فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ألم يبلغْكَ ما قال صاحبُكم ابنُ أُبي، زعمَ أنَّه إنْ رجعَ إلى المدينة أخرجَ الأعزُّ منها الأذلَّ"، قال: فأنت يا رسول اللَّه تخرجُه إنْ شئْتَ، فهو الأذلُّ، وأنت الأعزُّ، والعزَّةُ للَّه ولرسوله وللمؤمنين، ثم قال: ارفقْ به يا رسول اللَّه، فواللَّه لقد جاءَ اللَّهُ بك، وإنَّ قومه ليَنْظُمون له الخرز ليتوِّجوه به، فجاء اللَّه بك على هذا الحديث، فلا يرى إلَّا أن قد سلبْتَه ملْكَه. قالوا: فبينا رسول اللَّه ﷺ يسير من يومِه ذلك وزيد بن أرقم يعارض النَّبيَّ ﷺ

стр. 7250

براحلته يريه وجهَه، ورسول اللَّه يستحثُّ راحلتَه: حل حل؛ إذ نزلَ عليه الوحيُ. قال زيدُ بن أرقم: فما هو إلَّا أن رأيْتُ النَّبيَّ ﷺ تأخذه البُرَحاء، ويعرق جبينُه، وتثقلُ به راحلته حتى ما تكاد تُقلَّه، عرفْتُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ يُوحَى إليه، فسُرِّيَ عن رسول اللَّه ﷺ وأخذ بأذني وأنا على راحلتي، حتى ارتفعْتُ عن مقعدي يرفعُها إلى السَّماء، وهو يقول: "وَفَتْ أُذُنُكَ يا غلام، لقد صدَّقَ اللَّهُ حديثَكَ"، وأنزل اللَّه تعالى في ابنِ أُبيٍّ السُّورة من أوِّلها إلى آخرها: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾: بذاته، ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بإعزازه، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّهم أتباع رسولِه ﷺ ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مواضعَ العزَّة. وقال بعض أهل العلم: عِزُّ اللَّهِ: عِزُّ الملك والبقاء، وعِزُّ العظمة والكبرياء، وعِزُّ البذل والعطاء، وعِزُّ الرِّفعة والسَّناء، وعِزُّ الجلال والبهاء. وعِزُّ الرَّسول: عِزُّ السَّبق والابتداء، وعزُّ الاختيار والاصطفاء، وعِزُّ الأذان والنِّداء، وعِزُّ قَدَم الصِّدق على الأنبياء، وعِزُّ الظُّهور على الأعداء. وعِزُّ المؤمنين: عِزُّ التَّأخير، وعِزُّ التَّيسير، وعِزُّ التَّبشير، وعِزُّ التَّوفيق، وعِزُّ التَّكثير (٢). وقال ﵊: "نحن الآخِرون الأوَّلون" (٣)، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، "تناكحوا توالدوا (٤) تكثروا" (٥)،
следующие страницы →