← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: أي: يتفرَّقوا، وهم لم يقولوا: ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ لأنَّهم كانوا لا يعتقدونه رسولَ اللَّه، وإنَّما قالوا: (على مَن عند محمَّد)، لكنَّ اللَّه تعالى لَمَّا أخبر عنهم ذكرَه باسم كرامته (١)؛ تعظيمًا له، وتنبيهًا لعبادِه على منزلتِه عنده. ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فلو شاء لأغنى المؤمنين عن المنافقين وسائر الكفَّار، ولكنَّه تعبَّد المؤمنين بالصَّبر على الضِّيق، وكلَّف المنافقين الإنفاق عليهم؛ إرغامًا لهم وتشديدًا عليهم. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾: وجوهَ الحِكَم الإلهيَّة. * * * (٨) - ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: قيل: معناه: ويقولون، وحذفُ واوِ العطف جائز كما مرَّ في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]. ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾: وهذا كان من ابن أُبيِّ المنافق في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وكان خرج فيها مع النَّبيِّ ﷺ بشرٌ كثير من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قطُّ مثلَها، ليس بهم (٢) رغبةٌ في الجهاد، بل إصابة عرَض الدنيا. قال الواقديُّ: بينما المسلمون على ماء المريسيع، وقد انقطعَت الحربُ، وهو ماءٌ قليلٌ، إنَّما يخرج في الدلوِ نصفُها، أقبل سِنان بن وبرة الجهني، وهو حليف

стр. 7247

بني سالم بن عوف بن الخزرج، ومعه فتيان من بني سالم يستَقُون، فوجدوا على الماء جمعًا من العسكر من المهاجرين والأنصار، وكان جَهْجَاه بن سعيد الغفاري أجيرًا لعمر بن الخطاب، فأدلى سنان، وأدلى جهجاه، وكان جهجاهٌ أقربَ السُّقاة إلى سنان، فخرجت إحدى الدَّلوين (١) ولم تخرج الأخرى، فقال سنان: هي دلوي، وقال جهجاه: واللَّه ما هي إلَّا دلوي، فتنازعا إلى أن رفع جهجاه يدَه فضرب سنانًا، فسأل الدَّم، فنادى: يا آل الخزرج، فثارت الرِّجال، وهرب جهجاه، وجعل ينادي في العسكر (٢): يا آل قريش، يا آل كنانة، فأقبلَتْ إليه قريش سراعًا، فنادى سنان: يا آل الأنصار، فأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السِّلاح، حتى خيف فتنة (٣) عظيمة، وترك جهجاه خصومته. وكان ابنُ أُبيِّ جالسًا في عشرةٍ من المنافقين، هو ومالك وداعِسٌ وسُويد وأوس بن قيظيِّ ومعتِّب بن قُشير وزيد بن اللَّصيْتِ، وعبد اللَّه بن نبتل، وفي القوم زيدُ بن أرقم، غلامٌ لم يبلغْ أو قد بلغ، فغضب ابنُ أُبيٍّ غضبًا شديدًا، وكان ممَّا يُسمَع منه أن قال: واللَّه ما رأيْتُ كاليوم قطُّ مذلَّة، واللَّه إنْ كنْتُ لكارهًا لوجهي هذا، ولكنَّ قومي غلبوني، قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا ملَّتنا، واللَّه ما صرْنا وهم إلَّا كما قال القائل: سمِّنْ (٤) كلبَك يأكلْك، واللَّه لقد ظننْتُ أنِّي سأموتُ قبلَ أنْ أسمعَ هاتفًا يهتفُ بما هتفَ به جهجاه وأنا حاضر، لا يكون لذلك منِّي غِيَرٌ، واللَّهِ لئن رجعْنا إلى المدينة ليخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ.

стр. 7248

ثم أقبلَ على مَن حضر من قومه فقال: إنَّما فعلتم بأنفسكم، أحلَلْتُموهم بلادكم، فنزلوا منازلكم، واستهمتُموهم في أموالكم حتَّى استغنَوا، أمَا واللَّه لو أمسكتم ما بأيديكم لتحوَّلوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضَوا بما فعلْتُم حتى جعلْتُم أنفسكم أغراضًا للمنايا، فقُتلْتُم دونَه، وأيتمْتُم أولادكم، وقَلِلْتُم وكَثُروا. فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كلِّه إلى رسول اللَّه ﷺ وعندَه نفرٌ من أصحابه من المهاجرين والأنصار: أبو بكر الصِّديق وعثمان بن عفَّان وسعد بن أبي وقَّاص ومحمَّد بن مسلمة وأوس بن خَوْلي وعبَّاد بن بشر ﵃ أجمعين، فأخبره الخبر، فكره رسولُ اللَّه ﷺ خبرَه وتغيَّرَ وجهَه، ثم قال له: "غضبْتَ عليه؟ "، قال: لا واللَّهِ، لقد سمعْتُ منه يا رسول اللَّه. وشاع في العسكر ما قالَ، فليس للنَّاس حديثٌ إلا ما قالَ ابنُ أُبيٍّ، وجعل الرَّهْط من الأنصار يؤنِّبون الغلام ويلومونه، يقولون: عمدْتَ إلى سيِّد قومِكَ تقول عليه ما لم يقل، لقد ظلمْتَ وقطعْتَ الرَّحم. فقال زيدٌ: واللَّه لقد سمعْتُ منه ما قال، واللَّه ما كان في الخزرج رجلٌ واحدٌ أحبَّ إليَّ من عبد اللَّه بن أُبيٍّ، واللَّهِ لو سمعْتُ هذه المقالة من أَبي لنقلْتُها إلى رسول اللَّه، وإنِّي لأرجو أن يُنزِلَ اللَّه على نبيِّه ﷺ حتَّى يعلموا أنا كاذبٌ أم غيري (١)، أو يرى رسولُ اللَّه ﷺ تصديقَ قولي. وجعل زيد بن أرقم يقول: اللَّهم أنزل على نبيِّك ما يصدِّق حديثي، فقال قائلٌ: يا رسول اللَّه ﷺ ، مُرْ عبَّاد بن بِشْرٍ فليأتِكَ برأسِهِ، فكرِهَ رسولُ اللَّه ﷺ هذه المقالة. ويُقال: قيل: قُلْ لمحمَّد بن مسلمة يأتيك برأسه.

стр. 7249

فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا يتحدَّث النَّاسُ أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابه". وقام النَّفر من الأنصار الذين سمعوا قول النَّبي ﷺ وردِّه على الغلام، فجاؤوا إلى ابن أُبيٍّ فأخبروه، فقال أوس بن خَوْلي: يا أبا الحُبَاب، إنْ كنْتَ قلْتَه فأخبرِ النَّبيَّ ﷺ فليستغفرْ لك، ولا تجحدْ فينزلَ فيك ما يكذِّبُك، وإنْ كنْتَ لم تقلْهُ فأتِ رسولَ اللَّه ﷺ فاعتذر إليه، واحلفْ لرسولِ اللَّه ﷺ ما قلْتَه. فحلف باللَّه العظيم ما قال من ذلك شيئًا، ثم مشى ابنُ أبيٍّ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "يا ابنَ أُبيٍّ، إنْ كانت سلفَتْ منك مَقالة فتُبْ (١) "، فجعل يحلِفُ باللَّه: ما قلْتُ ما قال زيدٌ، وما تكلَّمْتُ به. وفي حديث عمر: أذِنَ رسولُ اللَّه ﷺ بالرَّحيل حين بلغَه هذا الكلام، وكانوا في حرٍّ شديدٍ، وكان لا يَرُوْحُ حتى يُبْرِدَ، ولَمَّا ركب ناقته القصواء كان أوَّل مَن لقيه سعد بن عبادة، فقال: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة اللَّه وبركاته، قال رسول اللَّه ﷺ : "وعليك السلام"، قال: يا رسول اللَّه، لقد رحلْتَ في ساعة منكرة، لم تكن ترحل فيها. وقيل: لقيه أُسَيْدُ بنُ حضير -وهو أثبتُ- فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ألم يبلغْكَ ما قال صاحبُكم ابنُ أُبي، زعمَ أنَّه إنْ رجعَ إلى المدينة أخرجَ الأعزُّ منها الأذلَّ"، قال: فأنت يا رسول اللَّه تخرجُه إنْ شئْتَ، فهو الأذلُّ، وأنت الأعزُّ، والعزَّةُ للَّه ولرسوله وللمؤمنين، ثم قال: ارفقْ به يا رسول اللَّه، فواللَّه لقد جاءَ اللَّهُ بك، وإنَّ قومه ليَنْظُمون له الخرز ليتوِّجوه به، فجاء اللَّه بك على هذا الحديث، فلا يرى إلَّا أن قد سلبْتَه ملْكَه. قالوا: فبينا رسول اللَّه ﷺ يسير من يومِه ذلك وزيد بن أرقم يعارض النَّبيَّ ﷺ

стр. 7250

براحلته يريه وجهَه، ورسول اللَّه يستحثُّ راحلتَه: حل حل؛ إذ نزلَ عليه الوحيُ. قال زيدُ بن أرقم: فما هو إلَّا أن رأيْتُ النَّبيَّ ﷺ تأخذه البُرَحاء، ويعرق جبينُه، وتثقلُ به راحلته حتى ما تكاد تُقلَّه، عرفْتُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ يُوحَى إليه، فسُرِّيَ عن رسول اللَّه ﷺ وأخذ بأذني وأنا على راحلتي، حتى ارتفعْتُ عن مقعدي يرفعُها إلى السَّماء، وهو يقول: "وَفَتْ أُذُنُكَ يا غلام، لقد صدَّقَ اللَّهُ حديثَكَ"، وأنزل اللَّه تعالى في ابنِ أُبيٍّ السُّورة من أوِّلها إلى آخرها: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾: بذاته، ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بإعزازه، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّهم أتباع رسولِه ﷺ ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مواضعَ العزَّة. وقال بعض أهل العلم: عِزُّ اللَّهِ: عِزُّ الملك والبقاء، وعِزُّ العظمة والكبرياء، وعِزُّ البذل والعطاء، وعِزُّ الرِّفعة والسَّناء، وعِزُّ الجلال والبهاء. وعِزُّ الرَّسول: عِزُّ السَّبق والابتداء، وعزُّ الاختيار والاصطفاء، وعِزُّ الأذان والنِّداء، وعِزُّ قَدَم الصِّدق على الأنبياء، وعِزُّ الظُّهور على الأعداء. وعِزُّ المؤمنين: عِزُّ التَّأخير، وعِزُّ التَّيسير، وعِزُّ التَّبشير، وعِزُّ التَّوفيق، وعِزُّ التَّكثير (٢). وقال ﵊: "نحن الآخِرون الأوَّلون" (٣)، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، "تناكحوا توالدوا (٤) تكثروا" (٥)،

стр. 7251

"يصفُّ (١) النَّاسُ يومَ القيامة مئة وعشرين صفًّا، ثمانون منها هذه الأمَّة" (٢). * * * (٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا يشغلكم كما يشغلُ هؤلاء المنافقين، فحمَلَهم الشُّحُّ على أن قالوا: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، ودعاهم التَّعزُّز بأموالهم وأولادهم وعشيرتهم إلى أن قالوا: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن أن تذكروا اللَّه الذي رزقَكُم الأموالَ والأولادَ، وله خزائن السَّماوات والأرض، وله العزَّةُ ولرسوله. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: ومَن يشتغل بذكر الأموال والأولاد عن ذكر اللَّه؛ أي: عن أن يذكر قدرة اللَّه وسلطانَه وعزته. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: المغبونون في الآخرة والهالكون، وجمع لأنَّ (مَنْ) اسم جنس، وهو جمعٌ معنًى.

стр. 7252

وقال الضَّحَّاك: ذكرُ اللَّه الصَّلاة (١). * * * (١٠) - ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: أخرجوا من أموالكم في الوجوه التي أُمرتم بإخراجِها فيها، فإنَّها عطيَّة من اللَّه لكم، فلا تبخلوا بعطيَّته عن أداء فروضِه فيها. قال ابن عبَّاس ﵄ والحسن والضَّحَّاك: هذا في الزَّكاة (٢). وقال الحسن: لم يكن اللَّه ليتوعَّد أحدًا بالنَّار إلَّا بترك المفروض. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: أي: مقدِّماتُ الموت. ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: أي: هلَّا أبقيتني في الدُّنيا مدَّة. ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: أي: فأتصدَّق. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿وأكونَ﴾ عطفًا على قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، وقرأ الباقون: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣)؛ اتِّباعًا لخط مصحف الإمام، وهو عطف على الأوَّل معنًى وتقديرًا، فإنَّ ﴿لَوْلَا﴾ تمنٍّ، ومعناه: إنْ يؤخِّرْني أتصدَّقْ وأكنْ من الصَّالحين بإخراج الحقوق الواجبة في المال من حجٍّ وجهادٍ وقِرَى ضيفٍ وصلةِ رحمٍ ونحوها.

стр. 7253

وقال ابنُ عبَّاس ﵄: مَن كان له مالٌ يبلِّغه حجَّ بيت ربِّه، أو يجب (١) عليه فيه زكاةٌ، ثم لم يفعل، سألَ اللَّهَ تعالى الرَّجعة عند الموت. فقال رجلٌ من القوم: اتَّقِ اللَّهَ تعالى يا ابنَ عبَّاسٍ، إنَّما يسألُ الكافرُ الرَّجعةَ! فقال: أقرأ عليك؟ فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيات (٢). * * * (١١) - ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾: أي: قدَّر اللَّهُ مدَّة كلِّ أحدٍ إلى حينه، فإذا جاء لم يُقدَّم ولم يُؤخَّر. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: فليس يضيعُ عندَه ما تنفقون. قرأ عاصم في رواية أبي بكر بياء المغايبة (٣)، ردًّا على معنى قوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ فإنَّه للجمع معنًى، والباقون بتاء المخاطبة ردًّا على قوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ﴾، ﴿وَأَنْفِقُوا﴾، و ﴿أَحَدَكُمُ﴾. * * *

стр. 7254

سورة التغابن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي هو على كلِّ شيءٍ قدير، الرحمنِ الذي هو بأعمال العباد بصير، الرحيمِ الذي إليه المرجعُ والمصير. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ التَّغابُنِ دفعَ اللَّهُ تعالى عنه موتَ الفَجأة" (١). وهذه السُّورة مكيَّة إلَّا قولَه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ الآيتين، فإنَّهما نزلتا بالمدينة (٢). وقال عكرمة: السُّورة مدنيَّة (٣).

стр. 7255

وهي ثماني عشرةَ آية، ومئتان وإحدى وأربعون كلمة، وألفٌ وأربعةٌ (١) وسبعون حرفًا. ووجه الانتظام: أنَّ ختم تلك السُّورة باسم اللَّه، وافتتاحَ هذه السُّورة بأسماء من أسماء اللَّه تعالى. وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك في ذمِّ المنافقين، وآخرُها وعظ المؤمنين، وهذه في ذمِّ الكافرين، وآخرها وعظ المؤمنين. * * * (١ - ٣) - ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فسَّرناه في أوَّلى (سورة الحديد). ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾: أي: أوجدكم. ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾: قدَّم ذكر الكفَّار لأنَّهم أكثر، ودلَّ أنَّه لا منزلة بين المنزلتين. وقال ابن عبَّاس ﵄: ليس بين الجنَّة والنَّار منزلة، وليس بين الطَّاعة والمعصية عمل، وليس بين الكفر والإيمان اسم (٢).

стр. 7256

وقيل: فمنكم كافرٌ في علم اللَّه تعالى في الأزل، ومنكم مؤمنٌ في علم اللَّه في الأزل. وقيل: فمنكم مَن يكفر باللَّه إذا عقل (١)، ومنكم من يؤمن باللَّه إذا عقل. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فيجزي كلًّا على وفق عمله. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بحقه (٢)، وقيل: للحقِّ. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: فالإنسان على أحسن سورة. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: إلى جزاء اللَّه مرجع الخلق. * * * (٤ - ٦) - ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لا يخفى عليه شيء. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بضمائر الصُّدور. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾: يخاطب مشركي قريش يقول: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم من الأمم الماضية ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: نالهم ضرر كفرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات الواضحة ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾؛

стр. 7257

أي: تعجَّبوا وأنكروا أن يكون اللَّه يرسلُ إلى خلقه بشرًا منهم حتى يكون مَلَكًا. ﴿فَكَفَرُوا﴾: فجحدوا ذلك ﴿وَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: أعرضوا عن طاعة اللَّه تعالى وطاعة رسوله. ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾: وكان اللَّه غنيًّا عن إيمانهم، فلم (١) يَنقصوا بكفرهم ومعاصيهم من ملك اللَّه شيئًا. ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن عباده ﴿حَمِيدٌ﴾: مستحِقٌّ للحمد من جميع خلقه، وحميد بحمد الملائكة والرُّسل والمؤمنين. والبشر يصلح للواحد والجمع، وهاهنا للجمع حتى قال: ﴿يَهْدُونَنَا﴾. * * * (٧) - ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: قالوا كاذبين. قال شريح: (زعم) كُنْيَةُ الكذب (٢). وعن هانئ بن عروة أنَّه قال لابنه: هب لي اثنتين: زعموا وسوف، لا يكونان في كلامك (٣).

стр. 7258

وقال النَّبيُّ ﷺ : "بئس مطيَّة القوم (١) زعموا" (٢). وقوله تعالى: ﴿لَنْ يُبْعَثُوا﴾؛ أي: بعد الموت يوم القيامة. ﴿قُلْ بَلَى﴾: هو ردٌّ لقولهم ﴿وَرَبِّي﴾؛ أي: وحقِّ ربي ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ يوم القيامة ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾؛ أي: لتخبرنَّ به للجزاء عليه. ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي: وبعثهم سهلٌ عليه كابتدائهم. * * * (٨ - ٩) - ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

стр. 7259

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾: أي: القرآن؛ ليستضاءَ به من ظُلمة الضَّلال، ويُهتدَى به لمصالح الدِّين؛ لئلا تذوقوا وبال أمركم، وفي الآخرة العذاب الأليم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: عالم به يجازيكم عليه. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: أي: ليوم القيامة؛ لجمع اللَّه فيه الأوَّلين والآخرين، الجنَّ والإنس، والحيوانات كلِّها. وقيل: أي: يجمع أهل السَّماوات وأهل الأرض. وقيل: أي: يجمع أهل الجنَّة وأهل النَّار. وقيل: أي: يجمع الخصوم، فينصف للظَّالم من المظلوم (١)، ويقتصُّ للجمَّاء من القَرناء. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: أي: يومُ تفاوت الأجزيَة، وذلك لأن أهل (٢) الجنَّة وأهل النَّار كِلا الفريقَيْن كانا في الدُّنيا متمكِّنَين من الأعمال، مُعطَين سلامة الآلات، فاستعملَ أحدُهما قوَّته فيما استجلبَ به الجنان، واستعملها الآخر فيما اكتسبَ به النِّيران، فغبَنَ الأوَّلُ الثَّاني، كما يخرج الرَّجلان في سفر لتجارةٍ، فيبيع أحدُهما بوكس وخسران، أو يشتري بماله ما يُطلب منه بنقصان، ويربح الآخر، فيقول الخاسر للرَّابح: لقد غبَنْتَني، فكانَ التَّغابن هو النَّظر أيُّهما المغبون وأيُّهما الغابن. وقال أهل الرِّواية والنَّقل: ما مِن أحدٍ إلَّا وله منزلٌ في الجنَّة ومنزلٌ في النَّار (٣)،

стр. 7260

فإنْ كان من أهل الجنَّة صُيِّر منزلُه في النَّار لغيره من أهل النَّار، وإنْ كان من أهل النَّار صُيِّر منزلُه في الجنَّة لغيره من أهل الجنَّة، وعلى هذا حمَل أكثر أهل الرِّواية قولَه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] على هذا. وعند أهل التَّحقيق: ليس هو على ظاهرِ أن يكون هو له ثم يصيرَ لغيره، لكنْ بعددِ كلِّ عبد منزل في الجنَّة؛ إن آمن كان له، وإن لم يؤمن لم يكن له، وبعدد كلِّ عبدٍ بيتٌ في النَّار، إن كفر كان له، وإن لم يكفر لم يكن له، واللَّه تعالى عالم في الأزل مَن يؤمن ومن يكفر، لا تبدُّل على علمه، ولا تغيُّر على حكمه، وإنَّما الاشتباه على خلقه. وقيل: الدُّنيا متجر، ويظهر الرِّبح والخسران في الآخرة، وهو ما ذكر بعده. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: لهؤلاء الرِّبح. * * * (١٠) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: لهؤلاء الخسران. وقيل: أشدُّ النَّاس غُبنًا يوم القيامة ثلاثة نفرٍ (١): عالمٌ علَّم النَّاس، فعملوا بعلمه، وخالف هو علمَه، فدخل غيرُه الجنَّة بعلمِه، ودخل هو النَّار بعمله.

стр. 7261

وعبدٌ أطاعَ اللَّهَ بقوَّة مال سيِّده، وعصى سيِّدُه اللَّهَ تعالى، فدخل العبدُ الجنَّة بقوَّة مال مالكِه، ودخلَ مالكُه النَّار بمعصيته. وولا (١) ورثَ مالًا من أبيه، وأبوه شحَّ به، وعصى اللَّه فيه، فدخل أبوه النَّار ببخلِه، ودخل هو الجنَّة بإنفاقِه في الخير. * * * (١١) - ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يحتمِل أنَّه توهَّم بعضُ المشركين أنَّ الإيمان لو كان حقًّا لسلِم المسلمون من المصائب في أبدانهم وأموالهم، فقال اللَّه تعالى: ﴿مَا أَصَابَ﴾ العباد ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢): أي: بعلم اللَّه، وقيل: أي: بتخليقه، وقيل: بقضائه، وقيل: بمشيئته، ولو شاء لسلِمَ منها صاحبها، ولكن قد يصيب المؤمنين بالمصائب استصلاحًا لهم، وامتحانًا لصبرهم، وتكثيرًا لمثوباتهم. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: إلى ما هو صلاحٌ له. وقيل: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾: بأنَّ المصيبة من عند اللَّه ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، للاسترجاع، وقيل: للصَّبر والرَّضا. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: بما يُصلح عبادَه ويردعُهم عن معاصيه. وقيل: بإيمان كلِّ مؤمن عليمٌ.

стр. 7262

وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ لليقين، فيعلم أنَّ ما أصابَه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (١). وقال مجاهدٌ: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إذا ابتليَ صبرَ، وإذا أُنعِم عليه شكرَ، وإذا ظُلِمَ غفر (٢). وقيل: الآية في الممتنعين عن الجهاد خوفًا من القتل والجرح والنَّكبة، فأخبرَ أنَّه لا تصيب عبدًا مصيبةٌ من ذلك إلَّا بقضاء اللَّه تعالى، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للعلم بأنَّ (٣) في ثوابِ اللَّه عوضًا من ذلك كلِّه. وقيل: هي في قوم أرادوا الهجرة، وخافوا على أولادهم وأهاليهم ببعد المسافة وإصابة الآفَة، فأَخبر أنَّ ذلك لا يكون إلَّا بإذن اللَّه، وتتَّصل هذه بالآية التي بعدها: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ على ما نبيِّن. وقال أبو عثمان النَّيسابوريُّ (٤): ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يصحِّحْ إيمانَه ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ لاتِّباع السُّنَّة (٥). وقيل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ حتى يهتديَ إليه في السَّراء والضَّرَّاء بما يَلزمُه فيهما (٦).

стр. 7263

وقيل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للأخلاق السَّنيَّة، والتَّوقِّي (١) عن شحِّ النَّفس. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في كلِّ أمرٍ ونهيٍ من الإيمان والجهاد والهجرة. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي: أعرضتُم عن قبول (٢) ذلك ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد بلَّغكم ذلك، وأعذر إليكم. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: المستَحِقُّ للإيمان به ولعبادته. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وليهاجروا ولا يخافوا ضياع أهاليهم وأولادهم. * * * (١٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾: أي: مَن يعملُ بكم عملَ العدوِّ من المنع عن الخير وهو الجهاد والهجرة؛ تخويفًا لكم عن ضياعهم، ومنعًا لكم بالبكاء ونحوه. ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾: أن تُفْتَتَنوا بهم.

стр. 7264

قال مقاتل بن حيَّان: نزلت الآية في شأن الهجرة، جعل المرأة والولد يقولان للرَّجل: أين تذهب وتدع عشيرتك وأهلك ومالك، وتصير إلى المدينة إلى غير أهل ومال؟ فيثبِّطونهم (١) عن الهجرة، فكان الرَّجل يقول لهم: إنْ جمعنا اللَّه وإيَّاكم في دار الهجرة لا تصيبون منَّا خيرًا، فحذَّرهم اللَّه تعالى أن يطيعوا نساءهم وأولادهم في ترك الهجرة، فلمَّا جمعهم اللَّه تعالى وأولادهم في دار الهجرة منعوهم ما ينتفعون به، فوعظهم اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأمرَهم اللَّهُ بالعفو عنهم (٢). وقال عكرمة: إنَّ قومًا أسلموا بمكَّة، فلمَّا أرادوا أن يخرجوا إلى المدينة منعتهم (٣) أزواجُهم وأولادهم، فلمَّا قدموا على النَّبيِّ ﷺ المدينةَ رأوا النَّاس وقد تفقَّهوا في الدِّين، فأرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٤). وقال عطاء بن أبي مسلم الخراسانيُّ: نزلت الآية في شأن عوف بن مالك الأشجعيِّ، كان أهله وولده يبطِّئونه عن الجهاد والهجرة (٥). وقيل: الآية في أزواجٍ وأولادٍ كفَّار، وهم عدوٌّ له للمخالفة في الدِّين، ولذلك قال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ بكلمة (مِن)، وهي للتَّبعيض، والمؤمنون خارجون عن هذا الوصف.

стр. 7265

(١٥) - ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾: أي: في دينكم، يمنعكم الأولاد عن إنفاقها في الواجب في الدِّين. والفتنة: تشديد المحنة. ومَن أراد الامتناع عن مطاوعة الأهل والولد، وأراد صيانة ماله عن أن يدخله نقصان مع أداء الحقوق الواجبة (١) فيه، احتاج في ذلك إلى ضبطٍ للنَّفس شديد، وجهاد للشَّيطان كبير. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: فاعصُوا النَّفس والأهل والولد في الشُّحِّ بالمال والضِّنِّ بالنَّفس عن الجهاد. قال عطاء بن يسار: نزلت هذه السورة كلُّها بمكَّة إلَّا هؤلاء الآيات: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾، نزلت في عوف بن مالك، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا ورقَّقوه، وقالوا: إلى مَن تدعنا؟ فيرقُّ ويقيم، فنزلت هذه الآية (٢). وقيل: هي عامَّة في كلِّ ما يُلجِئُ الرَّجلَ إلى ارتكاب محرَّم أو إلى الإخلال بترك واجب بسببهم. ورُوي عن بريدة أنَّه قال: رأيْتُ النَّبيَّ ﷺ يخطب، فجاء الحسنُ والحسين ﵄، عليهما قميصان، يعثران ويقومان، فنزل رسول اللَّه ﷺ فأخذهما فرفعهما، ثم قال: "صدق اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، رأيْتُ هذين الغلامَيْن، فلم أصبر حتَّى أخذْتُهما"، ثم أخذ في خطبته (٣).

стр. 7266

(١٦) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: قال قتادة: لَمَّا نزل قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وفسَّره النَّبيُّ ﷺ ، وهو أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفَر، شقَّ ذلك على المسلمين مشقَّة شديدة، وخافوا التَّقصير في ذلك، فنزلَتْ هذه الآية (١): ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فصارت بيانًا أنَّ ذلك الأمر كان بما في استطاعة العبد، وعليها بايع النَّبيُّ ﷺ -أصحابَه، فقال: "على السَّمع والطَّاعة فيما استطعتم" (٢). واتِّصالها بما قبلَها: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تُحرِزوا ذلك الأجرَ العظيم. قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾: اقبَلوا أمرَ اللَّه وأمرَ رسوله، واعملوا بذلك ما استطعتم. ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ في سبيل اللَّه ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: يكن أنفعَ لكم من الشُّحِّ. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ هو: أي: يَقِهِ اللَّه عنه (٣) ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. * * *

стр. 7267

(١٧ - ١٨) - ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أي: إن تنفقوا في طاعة اللَّه محتسِبين متقرِّبين (١) به إليه، مخلصين فيه. ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾: أي: يجزِ لكم (٢) بالواحد أضعافَه. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: أي: ذنوبَكم. ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾: يقبل اليسير، ويعفو الكثير (٣). ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: أي: السِّرِّ والعلانية. ﴿الْعَزِيزُ﴾: فلا يُمانَع في معاقبةٍ ولا إثابة (٤) ﴿الْحَكِيمُ﴾: فكلُّ أفعاله وأقواله على الإصابة. والحمد للَّه رب العالمين (٥) * * *

стр. 7268

سورة الطلاق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي جعل لكلِّ شيءٍ قَدْرًا، الرحمنِ الذي يُعْظِمُ للمتَّقين أجرًا، الرحيمِ الذي يجعل بعد عسرٍ يسرًا. وروى أبيُّ بنُ كعب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ماتَ على سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ " (١). وهذه السُّورة مدنيَّة. وهي إحدى عشرةَ آية، وقيل: اثنتا عشرة آية، الاختلاف في قوله: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. وهي مئتان وسبع وثمانون كلمة، وألفٌ ومئةٌ وأربعةٌ وسبعون حرفًا. وخَتْمُ تلك السُّورة بمدح اللَّه وثنائه، وافتتاحُ هذه السُّورة بخطاب الرَّسول وندائه. وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك السُّورةَ في الدُّعاء إلى التَّوحيد، وختم تلك السُّورة بالأمر بالتَّقوى والطَّاعة والنَّفقة التي هي سبب بقاء التَّوحيد، وهذه السُّورةُ في بيان

стр. 7269

أحكام الرِّجال والنِّساء المشروعة في حقِّ أهل التَّوحيد، وختمها في دلائل التَّوحيد. * * * (١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أي: يا أيُّها النَّبيُّ وأمَّتُه. وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ خطابٌ للنَّبيِّ ﷺ ، وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خطابٌ لأمَّتِه. وقيل: معناه: يا أيُّها النَّبيُّ قلْ لأمَّتك: إذا طلقتم النِّساء. ومعناه: إذا أردْتُم تطليقَهُنَّ، وهو كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. والمراد من ﴿النِّسَاءَ﴾: هي النِّساء المدخولُ بهنَّ. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: أي: للوقت المعدود لطلاقهنَّ المشروع، وهو طهرٌ لم يجامِعْها فيه، كذا فسَّرها النَّبيُّ ﷺ حيث قال لابن عمر ﵁ حين طلَّقَ امرأتَه في حالة (١) الحيض: "ما هكذا أمرَكَ اللَّهُ تعالى، إنَّ مِنَ السُّنَّةِ أنْ تطلِّقَها في طهرٍ لا جماعَ فيه؛ فتلك العِدَّة الَّتي أمر اللَّه تعالى أنْ يُطلَّقَ لها النِّساء" (٢).

стр. 7270

﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾؛ أي: عُدُّوا فصولَ عِدَّتها واحفظوها بالأقراء كانت أو بالأشهر؛ لمعرفة وقت المراجعة ووجوبِ النَّفقة وزوالِ الأحكام المتعلِّقة بقيامها إذا انقضَتْ. وعن أنسٍ ﵁ قال: طلَّقَ النَّبيُّ ﷺ -حفصةَ، فاصتتْ أهلَها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآيةَ، وقيل له: راجعْهَا؛ فإنَّها صَّوامةٌ قوَّامةٌ، وهي من أزواجك في الجنَّةِ (١). وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ غضبَ على حفصةَ فيما أسرَّ إليها، فطلَّقها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٢). وقال السُّدِّيُّ: نزلت الآية في عبد اللَّه بن عمر حين طلَّق امرأته حائضًا، فأمَرَه رسولُ اللَّه ﷺ أن يراجعَها (٣). وقال مقاتل بن حيَّان: نزلَت الآية في عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، والطُّفيل بن الحارث، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان ﵃ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: أي: في العدَّة من بيوتٍ كُنَّ يسكُنَّ فيها مع الأزواج حالةَ النِّكاح، أضيفَتْ إليهنَّ لسكناهنَّ، وهو

стр. 7271

دليل صحَّة قول أصحابنا في الحنث بدخول دار يسكنها فلان بغير مِلْكٍ، وقد حلفَ لا يدخل داره. ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: بأنفسهنَّ أيضًا. ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال الحسن والضَّحَّاك وحمَّاد وسعيد بن المسيِّب وعطاء بن أبي رباح وعبد الرَّحمن بن زيد ومجاهد والشَّعبي وأبو صالح والسُّدِّيُّ وهو مروي عن ابن عمر: هي الزِّنى، فتُخرج للرَّجم (١). وقالت عائشة ﵂ والأسود وسعيد بن المسيِّب في رواية وابن عبَّاس: هي أن تبذو على أحمائها، فتُخرج إلى موضع آخر (٢). روي أنَّ فاطمة بنت قيس كان في لسانها ذَرَب، فاستطالَتْ على أحمائها في عدَّتها، فأمرها رسولُ اللَّه ﷺ أن تعتدَّ في بيت ابن أمِّ مكتوم (٣). وعن ابن عمر في رواية وعن الشَّعبي والسُّدِّي رحمهما اللَّه: أنَّ الفاحشة هي نفس الخروج (٤). ومعنى هذا: ألَّا تُخرَجَ أصلًا إلَّا أنْ تخرُجَ بنفسها، فتكون قد أتت بفاحشة؛ أي: فعلة قبيحة في الشَّرع.

стр. 7272

قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أي: وهذه المذكورات معالم شرع اللَّه. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾: أي: يتجاوزها ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ حيث أوردها موارد الهلاك. ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾: أي: أَحْصُوا العدَّة، فعسى اللَّه أن يُحدث لكم رغبةً في المراجعة بعد الطَّلاق، كذا فسَّره الحسن وقتادة والضَّحاك والشَّعبي والنَّخعي والسُّدِّي وعكرمة وابن زيد (١). و ﴿لَا تَدْرِي﴾ خطاب للنبي ﷺ ، وقيل: خطاب للمطلِّق، وقوله: ﴿يُحْدِثُ﴾ دليل على خلق الأفعال، وهو رغبته فيها وميله إليها (٢). * * * (٢) - ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: قاربْنَ انقضاء عدتهنَّ. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: هو الرُّجعة ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: هو التَّرك حتى تنقضي العدَّة من غير إضرار. ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: أي: على الرَّجعة، وهو للاستحباب عندنا، وللإيجاب عند الشَّافعي ﵀.

стр. 7273

﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾: أمرٌ للشُّهود بإقامتها للَّه، لا للنَّاس؛ فإنَّها إذا كانت للنَّاس تُرِكَتْ في بعض الأحوال لرضًا أو غضبٍ، وإذا كانت للَّه أقيمَتْ على كلِّ حال (١). ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: إنَّما ينتفع به هؤلاء. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾: فائتَمَرَ بأوامرِه وانتهى بنواهيه. ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾: أي: لا يَضيقُ عليه بتقواه أمرٌ كان يتَّسع عليه لو لم يتَّقِ. * * * (٣) - ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: أي: إذا ترك شيئًا طاعةً للَّه عوَّضه اللَّه تعالى خيرًا منه من حيث لا يظنُّ. وهذا في إقامة الشَّهادة، وفي مراعاة أحكام الطَّلاق، والإمساك بالمعروف، والتَّسريح بالإحسان، جميعًا. وعن مسروق: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ قال: هو أن يَعلم أنَّ اللَّه هو يرزقه، وهو يعطيه، وهو يمنعه (٢). وقال قتادة: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من شبهات الدُّنيا، والكَرْبِ عند الموت، والأفزاعِ يوم القيامة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ في الدُّنيا، فاتَّقوا اللَّه، فإنَّ فيها الرِّزق في الدُّنيا والثَّوابَ في الآخرة (٣).

стр. 7274

وقال ابن كيسان: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيما أَمر به من طلاق السُّنَّة وحسنِ الصُّحبة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ في الدِّين والدُّنيا ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ إن أطاع اللَّه في أمره أهلًا مكان أهل، ومالًا مكان مال، من حيث لا ينتظره. وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الائتمار بما أمره، والانزجار عمَّا زجره ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة تاركي الأمر ومرتكبي النَّهي ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الثَّواب والجنَّة (١) ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الصَّبر على الرَّزايا والنَّوائب ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة الجازعين ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الأجر بغير حساب ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الشُّكر على العطايا والمواهب ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبةِ مَن كفر النِّعمة ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الزِّيادة ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ﴾ في الرِّضا بمحتوم قدره ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة السَّاخطين ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ رضاه ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وقال الإمام القشيريُّ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾: يُخرجْه من ظلمات تدبيره، وينقله إلى شهود تقديره، فجرَّده عن كلِّ شغل، وكفاه كلَّ أمر (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾: أي: مَن فوَّض أمرَه إلى اللَّه، ووثقَ بما يدبِّره من الأحوال، فاللَّه حَسْبُهُ مدبِّرًا لأمره. وفي ذلك ما يدعو إلى إقامة الشَّهادات للَّه، فلا يخافُ غيرَ اللَّه فيها. وقيل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ وجانبَ معاصيَه، فله فيما يعطيه اللَّه تعالى في

стр. 7275

الآخرة من ثوابه وكرامته كفايةٌ، ولم يَعنِ بذلك في الدُّنيا؛ لأنَّ المتوكِّل قد يضام في الدُّنيا وينالُه فيها ما يكرهُه. وقال الحسن ﵀: التَّوكُّلُ على اللَّه: الرِّضا بكلِّ ما (١) قضى اللَّه (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: ومن يتَّقِ باللَّه دون خلقِه، صابرًا محتسبًا، يعلم أن اللَّه يَقْدِر على ما يريد، مستيقنًا بذلك ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ يقول: فاللَّه كافيه (٣). وقال الرَّبيع بن خُثَيم: إنَّ اللَّه تعالى قضى على نفسِه أنَّ مَن توكَّلَ على اللَّه كفاه، ومَن آمَنَ به هداه، ومَن أقرضه جازاه، ومَن وثقَ به أنجاه، ومَن دعاه لبَّاه، وتصديق ذلك كلِّه في كتاب اللَّه (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ من عجيب الاختصار، ولأنَّه يجزئ عن قول القائل: فهو يرزقه، ويعافيه، وينصره، ولا يُشمت به أعداءه، ويفعل به ويفعل، إلى سائر ما يجوز أن يُقال (٥). وهذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أن المشركين أسَرُوا ابنًا له، اسمه: سالم، فأتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ العدوَّ أسروا ابني، فقال له

стр. 7276

النَّبيُّ ﷺ : "استكثِرْ من قول: لا إله إلا اللَّه، ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه" -وفي رواية قال: "اتِّقِ اللَّه واصبر ولا تستعجل"- ففعل (١)، فبينما هو في بيته، فقَرع ابنه الباب، فخرج فرآه ومعه مئة من الإبل. في رواية الكلبي (٢) -وقال مقاتل بن حيَّان: ومعه أغنام- فأتى عوفٌ النَّبيَّ ﷺ ، وقال: إنَّ ابني عاد بكذا وكذا، فهل يحلُّ لنا أن نتناول منه؟ قال: "نعم"، وكان عوفٌ رجلًا فقيرًا، فأنزل اللَّه فيه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ كما اتَّقى عوفٌ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من شدائد الدُّينا، وسكرات الموت، وأهوال يوم القيامة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ كما رزق عوفَ بن مالك وابنه (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: أي: منفِذُ أمره، ممضٍ له، لا مانع له منه، ولا معترِض عليه. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾: أي: مقدارًا، هو بالغٌ أمرَه إليه. وقيل: أي: قد جعل لكلِّ شيءٍ أجلًا ينتهي إليه، بلا تأخير ولا تقديم. وقيل: هو راجعٌ إلى كلِّ ما ذُكِرَ مِن أوَّل السُّورة إلى هاهنا، من حدود الطَّلاق والعدَّة، أخبر أنَّ لكلٍّ مِن ذلك -من شرائعه وأحكامه- عنده مقدارًا؛ أي: حدًّا فالزموه ولا تتعدَّوه. * * * (٤) - ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.

стр. 7277

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾؛ أي: اللَّائي انقطع رجاؤهنَّ لكبرهنَّ من أن يريْنَ دمًا من زوجاتكم المدخول بهنَّ. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: أي: شككْتُم في حكم عدتهنَّ أنهنَّ (١) بماذا يعتددْنَ؟ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾: مُقام ثلاثة قروء في التي تحيض. ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: من الصِّغار اللَّاتي لم يبلغْنَ، واللَّائي بلغْنَ بغير الحيض، كذلك يعتددْنَ بثلاثة أشهر. ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾: أي: والمطلَّقات الحوامل. ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: وهو اسم لكلِّ ما في البطن من الولد، واحدًا كان أو أكثر، تنقضي عدَّتها كذلك. قال ابن عبَّاس ﵄: لَمَّا نزل قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال معاذ بن جبل ﵁: يا رسول اللَّه، لو كانت المرأة آيسة لا تحيض، كيف تعتدُّ؟ فنزل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية، فقام رجل آخر فقال: لو كانت صغيرة فكيف عدَّتها؟ فنزل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾، فقام آخر وقال: لو كانت حاملًا فكيف عدَّتها؟ فنزل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). فأمَّا الحامل المتوفَّى عنها زوجها فكذلك تنقضي عدَّتها بوضع حملها؛ لِمَا رُوي أنَّ سبيعة بنت الحارث وضعَتْ بعد وفاة زوجها بعشرين يومًا، فمرَّ بها أبو السَّنابل بن بَعْكَك، فقال لها: أتريدين أن تتزوَّجي؟ قالت: نعم، قال: لا، حتى يأتيَ

стр. 7278

عليك أربعة أشهر وعشرًا، فأتت النَّبيَّ ﷺ فقال لها: "قد حللْتِ" (١). وعن عليٍّ ﵁ أنَّه كان يقول: تعتدُّ أبعدَ الأجلَيْن؛ لأنَّ قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يقتضي الاعتداد بالأشهر في الحامل وغير الحامل، وآية هذه السُّورة تقتضي انقضاءَ عدتها بوضع الحمل في الطَّلاق والوفاة، فيُجمع بينهما احتياطًا (٢). وعن عمر وابن عمر وابن مسعود وجماعةٍ من الصَّحابة: أنَّ عدَّتها تنقضي بوضع الحمل. قال عمر ﵁: لو وضعَتْ ما في بطنها وزوجُها على سريره قبل أن يُدلَّى في حفرته لانقضَتْ عدَّتها وحلَّت للأزواج (٣). وقال ابن مسعود ﵁: مَن شاء باهلْتُه عند الحجر الأسود أنَّ سورة النِّساء القُصرى نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة، فكانت ناسخةً لذلك (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾؛ أي: ومَن يَلزم طاعة اللَّه فيما أمره به ونهاه عنه، فذلك وإن ثقل عليه في الحال فإنَّه يجد له يُسرًا في عاقبته؛ لِمَا يأمن من عقوبة المعصية، وينال من ثواب الطَّاعة، ولذا سمَّى اللَّه الطَّاعة اليسرى، والمعصية العسرى، بقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠].

стр. 7279

(٥ - ٦) - ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾: أي: هذا كلُّه من أوَّل السُّورة إلى هاهنا أمرٌ أمركم اللَّه تعالى به، وأنزله في القرآن على رسوله. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾: وهذا يعمُّ هذا الأمر وغيره. وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾: أي: أسكنوا المعتدَّات في مساكنكم. و ﴿مِنْ﴾ للتَّبعيض؛ أي: موضعًا من المواضع التي تسكنونها، فأنفقوا عليهنَّ في العِدَّة. ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: أي: من وسعكم وطاقتكم؛ أي: من سَعتكم وغناكم. والوُجْد والجِدَة، الغنى، والواجدُ: الغنيُّ. ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾: أي: ولا تؤذوهنَّ؛ أي: في السُّكنى والنَّفقة ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: فتنقضيَ عِدَّتهنَّ. ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾: أي: أرضعَتِ المطلَّقات أولادكم. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: إذا لم يتطوَّعْنَ بذلك، فإنَّه من النَّفقة، والنَّفقة على الأب. ﴿وَأْتَمِرُوا﴾؛ أي: تشاوروا بجميل في حقِّ الصَّبي ﴿بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: اتَّفقوا فيما بينكم -يعني: الأزواجَ والزَّوجاتِ- بمعروف؛ أي: في أمر الإرضاع على شيءٍ مستحسَنٍ عقلًا وشرعًا. ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾: أي: وإن تضايقْتُم، وهو أن يأبى الرَّجل أن يعطيَ المرأة أجرَ

стр. 7280

إرضاعها، وأبَتِ المرأة أن ترضعَه بغير أجرٍ (١)، أو هي طلبَتِ الكثير وهو يعطي القليل. ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ﴾: أي: للزَّوج ﴿أُخْرَى﴾؛ أي: امرأةٌ أخرى؛ أي: يطلب إرضاعَ الولد من امرأة أخرى بأجرٍ أو بغير أجرٍ على ما يتَّفق. * * * (٨ - ٧) - ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾: أي: الزَّوج الذي هو والد الرَّضيع، ويحتمِل أن ينفق (٢) الزَّوج على معتدَّته (٣)، فقد سبق ذكر الكلِّ. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾: أي: ضُيِّقَ عليه ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾؛ أي: على قَدْر ما أعطاه اللَّه. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾: أي: قَدْر ما أعطاها. ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: وهذا وعدٌ لذي العُسْرِ باليسر. وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾: ذكرَ حدودًا في هذه السُّورة، ونهى عن تعدِّيها، تمَّ ذكر الذين تعدَّوا حدود اللَّه من الماضين وما صنع بهم، وخوَّف هؤلاء مثلَه، وقال: وكم من أهل قرية عتَوا؛ أي: عصَوا وأبَوا.

стр. 7281

وقيل: العتوُّ: الخروج إلى فاحش الفساد. وقيل: هي من مجاوزة الحدِّ في المعصية. وقال قتادة: هو المخالفة (١). ﴿وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: عتَتْ عن أمر رسلِه أيضًا. ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾: أي: جازيناها بذنوبها كلِّها في الدُّنيا ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ في الدُّنيا. * * * (٩) - ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾. ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ في الدُّنيا ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ في الآخرة. وقيل: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا غليظًا مستعظمًا كالخسف والقذف والمسخ والغرق والرِّيح العاتية ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾؛ أي: قاسَتْ ضرر عصيانها، لم يعاقبْها اللَّه تعالى إلَّا بذنوبها، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾: هلاكًا، وقيل: خسرانًا، حيث باعوا نعيم الآخرة بالعذاب. * * * (١٠ - ١١) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾.

стр. 7282

﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: في الآخرة، وهو بيانُ هذا الخسر. وقيل: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ في الآخرة، ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ في الدُّنيا. وقيل: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ ﴿وَعَذَّبْنَاهَا﴾ كلاهما في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ عند الموت، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ خسروا في الدُّنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أن تعصُوه وتتعدَّوا حدودَه، فيفعلَ بكم ما فعل بهم. ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾: قال ابن كيسان: أي: كتابَه الذي ذَكر فيه ما أَحَلَّ بالأمم من قبلكم، وما الخلقُ صائرون إليه في المعاد. قال مجاهد ﵀: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: شرفًا وحديثًا، وهما الرَّسول والقرآن (١). وقيل: ﴿ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾؛ أي: أنزل اللَّه ذكرَه رسولًا، مفعول بالذِّكر؛ أي: قرآنًا يُذكَر فيه الرَّسول. وقيل: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: لذكرٍ؛ أي: لتذكيرٍ وعظة، و ﴿رَسُولًا﴾ مفعول بقوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أو لذكر منه ما تحتاجون إليه، والإنزال بمعنى الإرسال. وقيل: أضمر هاهنا فعلًا آخر، وتقديره: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾؛ أي: قرَانًا، وأرسل إليكم رسولًا، قاله أبو حاتم، كما قال الشاعر: وَزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيُوْنا (٢)

стр. 7283

أي: وكحَّلْنَ العيونَ. وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾: وهي القرآن. ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: أي: الضَّلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: الهدى. والإخراجُ: هو النَّقل من الكفر إلى الإيمان في حقِّ مَن آمنَ بعدَ كفرِه، والحفظُ عن الوقوع في الكفر في حقِّ مَن كان مؤمنًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾: أي: في الجنَّة رزقًا واسعًا طيِّبًا هنيئًا مأمونًا من التَّغيير والانقطاع. * * * (١٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ذكر ملكَه وسلطانَه وقدرتَه تأكيدًا لِمَا سبق من الوعد والوعيد. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: أي: سبعًا. قال الضَّحَّاك: هي منطبِقة، لا سكانَ لها، إلَّا الأرضَ التي نحن عليها (١). قال ابنُ عبَّاس ﵄: في كلِّ أرض سكانٌ؛ إمَّا ملائكة، وإمَّا جِنٌّ (٢).

стр. 7284

وقال قتادة والحسن: في كلِّ أرض خلقٌ من خلقه (١). وقال كعب: السَّماوات سبعٌ، بعضُها فوق بعض: الأولى سماء الدُّنيا، والثَّانية رتقًا، والثَّالثة فيلون (٢)، والرَّابعة رقيعًا، والخامسة ديكون (٣)، والسَّادسة عريبا، والسَّابعة إسحاقابيل. وقال وهبٌ: والأرضون سبع: الأولى البسيطة (٤)، والثَّانية جلدة، والثَّالثة غرقة، والرَّابعة جربا (٥)، والخامسة ملتا، والسَّادسة يالنجين (٦)، والسَّابعة عجيبا. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؛ أي: ومن الأرضين. ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: قيل: ينزل أمر اللَّه تعالى (٧) بين السَّماوات والأرض، يُنزل إلى كلِّ سماء من أمره (٨) ما يريد على مَن فيها من الملائكة، وكذلك أنزل أمره إلى الأرض بما يريد أن يتعبَّد به الجنَّ (٩) والإنس. ومعنى نزول الأمر: نزولُ الملائكة بتبليغ الأمر.

стр. 7285

وقال مجاهد ﵀: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾؛ أي: بين السَّماء السَّابعة والأرض السَّابعة (١). ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ أنِّي خلقْتُ هذه الخليقة، وأخبرتكم بها؛ لِيُستدلَّ بها على قدرتي وسلطاني فتعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: علِمَ كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء، . واللَّه المستعان * * *
следующие страницы →