← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

وقيل: العتوُّ: الخروج إلى فاحش الفساد. وقيل: هي من مجاوزة الحدِّ في المعصية. وقال قتادة: هو المخالفة (١). ﴿وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: عتَتْ عن أمر رسلِه أيضًا. ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾: أي: جازيناها بذنوبها كلِّها في الدُّنيا ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ في الدُّنيا. * * * (٩) - ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾. ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ في الدُّنيا ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ في الآخرة. وقيل: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا غليظًا مستعظمًا كالخسف والقذف والمسخ والغرق والرِّيح العاتية ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾؛ أي: قاسَتْ ضرر عصيانها، لم يعاقبْها اللَّه تعالى إلَّا بذنوبها، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾: هلاكًا، وقيل: خسرانًا، حيث باعوا نعيم الآخرة بالعذاب. * * * (١٠ - ١١) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾.

стр. 7282

﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: في الآخرة، وهو بيانُ هذا الخسر. وقيل: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ في الآخرة، ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ في الدُّنيا. وقيل: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ ﴿وَعَذَّبْنَاهَا﴾ كلاهما في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ عند الموت، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ خسروا في الدُّنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أن تعصُوه وتتعدَّوا حدودَه، فيفعلَ بكم ما فعل بهم. ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾: قال ابن كيسان: أي: كتابَه الذي ذَكر فيه ما أَحَلَّ بالأمم من قبلكم، وما الخلقُ صائرون إليه في المعاد. قال مجاهد ﵀: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: شرفًا وحديثًا، وهما الرَّسول والقرآن (١). وقيل: ﴿ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾؛ أي: أنزل اللَّه ذكرَه رسولًا، مفعول بالذِّكر؛ أي: قرآنًا يُذكَر فيه الرَّسول. وقيل: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: لذكرٍ؛ أي: لتذكيرٍ وعظة، و ﴿رَسُولًا﴾ مفعول بقوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أو لذكر منه ما تحتاجون إليه، والإنزال بمعنى الإرسال. وقيل: أضمر هاهنا فعلًا آخر، وتقديره: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾؛ أي: قرَانًا، وأرسل إليكم رسولًا، قاله أبو حاتم، كما قال الشاعر: وَزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيُوْنا (٢)

стр. 7283

أي: وكحَّلْنَ العيونَ. وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾: وهي القرآن. ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: أي: الضَّلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: الهدى. والإخراجُ: هو النَّقل من الكفر إلى الإيمان في حقِّ مَن آمنَ بعدَ كفرِه، والحفظُ عن الوقوع في الكفر في حقِّ مَن كان مؤمنًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾: أي: في الجنَّة رزقًا واسعًا طيِّبًا هنيئًا مأمونًا من التَّغيير والانقطاع. * * * (١٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ذكر ملكَه وسلطانَه وقدرتَه تأكيدًا لِمَا سبق من الوعد والوعيد. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: أي: سبعًا. قال الضَّحَّاك: هي منطبِقة، لا سكانَ لها، إلَّا الأرضَ التي نحن عليها (١). قال ابنُ عبَّاس ﵄: في كلِّ أرض سكانٌ؛ إمَّا ملائكة، وإمَّا جِنٌّ (٢).

стр. 7284

وقال قتادة والحسن: في كلِّ أرض خلقٌ من خلقه (١). وقال كعب: السَّماوات سبعٌ، بعضُها فوق بعض: الأولى سماء الدُّنيا، والثَّانية رتقًا، والثَّالثة فيلون (٢)، والرَّابعة رقيعًا، والخامسة ديكون (٣)، والسَّادسة عريبا، والسَّابعة إسحاقابيل. وقال وهبٌ: والأرضون سبع: الأولى البسيطة (٤)، والثَّانية جلدة، والثَّالثة غرقة، والرَّابعة جربا (٥)، والخامسة ملتا، والسَّادسة يالنجين (٦)، والسَّابعة عجيبا. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؛ أي: ومن الأرضين. ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: قيل: ينزل أمر اللَّه تعالى (٧) بين السَّماوات والأرض، يُنزل إلى كلِّ سماء من أمره (٨) ما يريد على مَن فيها من الملائكة، وكذلك أنزل أمره إلى الأرض بما يريد أن يتعبَّد به الجنَّ (٩) والإنس. ومعنى نزول الأمر: نزولُ الملائكة بتبليغ الأمر.

стр. 7285

وقال مجاهد ﵀: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾؛ أي: بين السَّماء السَّابعة والأرض السَّابعة (١). ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ أنِّي خلقْتُ هذه الخليقة، وأخبرتكم بها؛ لِيُستدلَّ بها على قدرتي وسلطاني فتعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: علِمَ كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء، . واللَّه المستعان * * *

стр. 7286

سورة التحريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي فرض للمؤمنين تحلَّة أيمانهم، الرحمنِ الذي يعطيهم يومَ القيامة نورًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، الرحيمِ الذي شرَّفَهم بطاعتهم وإيمانهم. روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أعطاه اللَّه تعالى توبة نصوحًا" (١). وهذه السُّورة مدنيَّة. وهي اثنتا عشرة آية، ومئتان وتسعُ كلمات، وألفٌ وثمانيةٌ وثمانون حرفًا. وختمُ تلك السُّورة بثناء اللَّه، وافتتاحُ هذه السُّورة بنداء رسول اللَّه ﷺ . والسُّورتان في ذكر الأزواج والزَّوجات. وختمُهما في بيان دلائل التَّوحيد، والحثِّ على الإيمان والطَّاعات. * * * (١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾: أي: على نفسك ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ من ملاذِّ

стр. 7287

الدُّنيا ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾: لطلب رضا زوجاتك؛ أي: هنَّ أحقُّ بابتغاء رضاك منك بابتغاء رضاهنَّ، فإنَّما فضيلتهنَّ بك. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لا يُلزمك ما ألزمْتَ نفسَك من تحريم الحلال عليك، بل يبيح ذلك لك، ويجعل لك منه المخرج. واختلف فيما حرَّمه على نفسه: قيل: هو مارية القِبطيَّة. قال ابن إسحاق: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أصابَ جاريته القبطيَّة أمَّ إبراهيم في بيت حفصة وفي يومها (١)، وكانت الجارية قد ثقلَتْ على عائشة وعلى نسائه ﵅، فعثرَتْ حفصةُ على ذلك وهو معها، فقالت: يا رسول اللَّه، لقد جئْتَ إليَّ شيئًا ما جئْتَ إلى أحد من نسائك، أوَفي بيتي وعلى فراشي وفي يومي (٢)؟ قال: "أيرضيْكِ أنْ أحرِّمَها على نفسي، فلا أمسَّها؟ "، قالَتْ: نعم. فحرَّمها على نفسه، وقال: "لا تذكريه لأحدٍ من النِّساء"، قالَتْ: أفعل، وكانت حفصة لا تكتم على عائشة شيئًا، فلمَّا خرج النَّبيُّ ﷺ ذهبَتْ إلى عائشة ﵂ فأخبرتها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، قال: فكفَّرَ رسول اللَّه ﷺ بيمينه، وأصاب الجارية (٣).

стр. 7288

وقيل: بل حرَّم على نفسه شرابًا، وكان يشربه عند بعض نسائه، فغار سائرهنَّ، فحرَّم ذلك على نفسه، فاختلفت الرِّوايات في المرأة التي كان ذلك عندها: فقيل: زينب بنت جحش. وقيل: سودة بنت زمعة. وقيل: حفصة بنت عمر (١). قال عبيد بن عمير عن عائشة ﵂: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يمكُثُ عند زينبَ بنتِ جحشٍ، ويشرب عندها عسلًا، فتواصيْتُ أنا وحفصة أنَّ أيَّتَنا دخلَ عليها النَّبيُّ ﷺ فلتقُلْ: إنِّي أجدُ منكَ ريحَ مغافيرَ (٢)، أكلْتَ مغافيرَ؟ فدخل على إحداهما، فقالَتْ له ذلك، فقال: "لا، بل شربْتُ عسلًا عند زينبَ بنتِ جحشٍ، ولنْ أعودَ إليه"، فنزلَتِ الآيةُ (٣). وقال عروةُ عن عائشة ﵂: كان النَّبيُّ ﷺ يحبُّ الحلواءَ والعسلَ، وكان إذا صلَّى العصرَ دارَ على نسائه، فيدنو منهنَّ، فدخلَ على حفصةَ، فجلس عندها أكثرَ ممَّا كان يجلسُ، فسألْتُ عن ذلك، فقيل لي: أهدَتْ إليها امرأةٌ من قومِها عُكَّةَ عسلٍ، فسقَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقلْتُ: واللَّه لنحتالَنَّ له، فذكرْتُ ذلك لِسَوْدَةَ، فقلْتُ: إذا دخلَ عليك فإنَّه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول اللَّه، أكلْتَ مغافير؟ فإنَّه

стр. 7289

سيقول لك: لا، فتقولين: فما هذه الرِّيح، فكان رسولُ اللَّه ﷺ يشتدُّ عليه أنْ تُوْجَدَ منه ريحٌ كريهةٌ، فإنَّه سيقول لك: سقتني حفصةُ شربةً مِنَ العسلِ، فقولي: جرسَتْ نحلُهُ العُرْفُطَ، وسأقول ذلك، وقوليه يا صفيَّة. فلمَّا دخل على سودةَ فقالَتْ: واللَّه الَّذي لا إله إلَّا هو، لقدْ كدْتُ أباديه بالذي قلْتِ لي، وإنَّه على الباب فَرَقًا منكِ، فلمَّا دنا رسولُ اللَّه ﷺ منِّي قلْتُ: يا رسول اللَّه، أكلْتَ مغافير؟ قال: "لا"، قلْتُ: ما هذه الرِّيح؟ قال: "سقَتْني حفصةُ شربةَ عسلٍ" قلْتُ: جرسَتْ نحلُه العُرْفُطَ. قالَتْ: فلمَّا دخلَ عليَّ قلْتُ له مثل ذلك، فلمَّا دخل على حفصةَ قالَتْ: يا رسول اللَّه، ألا أسقيْكَ منه؟ قال: "لا حاجةَ لي به". قالَتْ: تقول سودةُ: سبحانَ اللَّه! لقد حرَّمناه عليه. قالَتْ: قلْتُ لها: اسكتي (١). وروى ابن أبي مليكة، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كانت لسودةَ بنتِ زمعة خؤولة باليمن، فبُعِثَ إليها بعسلٍ، وكان النَّبيُّ ﷺ يصيْبُ الطَّعام فيدخل عليها فيشرب من ذلك العسل، وكانت عائشة وحفصة متواخيتين (٢) على جميع نساء النَّبيِّ ﷺ ، فقالت عائشة: إنَّ هذا يأتي هذه، وهي تسقيه من عسلِها، فإذا هو دخلَ عليك فقولي: إنِّي لأجد منك ريحًا، فإذا دخل عليَّ قلْتُ له مثلَ ذلك، فلمَّا خرج من عند سودةَ دخل عليها، فأمسكَتْ بأنفِها، فقالَتْ: ما هذه الرِّيح؟ إنِّي لأجد منك ريحًا. قال: "أيُّ ريح؟ " قالَتْ: كأنِّي أجُد منكَ ريح المغافير! فقال: "قد قالَتْ ذلك فلانة، إنَّما هو عسلٌ شربْتُ مِن عند سودة، لا جرمَ لا أذوقه"، فقال: فنزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية (٣).

стр. 7290

(٢) - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أي: قدَّر اللَّهُ لكم ما تحلِّلون به أيمانكم وهي الكفَّارة. وقيل: قد أوجبَ عليكم، فقد جعل اللَّه تحريم الحلال يمينًا، وقد أوجب فيه الكفَّارة، وهو مذهبنا. وكذلك كان قول عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وطاوسٌ والحسن والثَّوري وأهل الكوفة. و ﴿لَكُمْ﴾ في معنى: (عليكم)، كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها. فمَن لم يجعل تحريمَ الحلال يمينًا -وهو قول مالك والشَّافعي وجماعةٍ- فإنَّه يقول في تأويل قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: قد بيَّن لكم تحليل ما ملكت أيمانكم، كما قال: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]؛ أي: بيَّنه له؛ أي: بيَّن أنَّ إماءكم حلالٌ عليكم، ولا تحرُم عليكم بيمينكم. وعن جعفر بن بَرْقان قال: قلْتُ لميمون بن مِهْرانَ: أرأيْتَ قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، أتقول: قد أحللْتُ لكم ما ملكَتْ أيمانُكُم، أم تقول: قد فرضْتُ عليكم

стр. 7291

تحلَّةَ اليمين تكفِّرون بها عن أيمانكم؟ قال ميمون: سمعْتُ (١) كلَّ ذلك في هذا، والكفَّارة جُعِلَتْ تحلَّةَ اليمين؛ لأنَّها تُحلُّ ما حرَّمته اليمين (٢)، على معنى أنَّه إذا حنث وكفَّرها صار كأنَّه لم يحلف (٣). ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: أي: وليُّكم ومتولِّي مصالحِ دينكم ودنياكم. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾: بمصالحكم ﴿الْحَكِيمُ﴾: فيما يفرضُه عليكم ويَشرَعُه لكم (٤). * * * (٣) - ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾: أي: إلى حفصة حديثَ مارية. قال العوفيُّ عن ابن عبَّاس ﵄: إنَّ حفصة لَمَّا قالت للنَّبيِّ ﷺ : قد رأيْتُ مَن كانت عندك -يعني مارية- واللَّه لقد سُؤْتَني، فقال النبي ﷺ : "واللَّه (٥) لأرضينَّكِ، وإنِّي مُسِرّ إليك سرًّا فاحفظيه"، قالت: وما هو؟ قال: "اشهدي أنَّ سريَّتي هذه حرامٌ عليَّ رضًا لك"، وكانت عائشة وحفصة ﵄ تَظاهَران على سائر أزواج النَّبيِّ ﷺ ، فانطلقَتْ حفصةُ فأسرَّتْ إلى عائشة: أنْ أبشري، إنَّ محمَّدًا ﷺ قد حرَّم فتاته، فلمَّا أخبرَتْ بسرِّ النَّبيِّ ﷺ أظهرَ اللَّه تعالى النَّبيَّ ﷺ عليه، وأنزل فيه الآية (٦).

стр. 7292

وفي حديث عُبيد بن عمير عن عائشة ﵂: هو حديث العسل (١). وقال الكلبيُّ: أسرَّ إليها أنَّ أباكِ وأبا عائشة يكونان خليفَتَيْن على أمَّتي بعدي (٢). وقال في قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أنَّه قال: يا حفصة، ألم أكُ أمرْتك أن تكتمي سرِّي ولا تبديه (٣) لأحد؟ فذكر بعضَ الذي قالت، وأعرض عن بعضٍ فلم يبده لها (٤). وقيل: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾؛ أي: جازاها على بعض ذلك، وغضب عليها، ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فلم يجازها عليه، فوصفَه ﷻ بالإغماض وتركِ التَّقصِّي واستعمالِ الحِلم؛ إذْ لم يجازها بكلِّ ما تستحقُّه على إفشاء سرِّه وعصيانها إيَّاه. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾: أي: أخبرَتْ بالحديث ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: وأعلم اللَّه نبيَّه ﷺ أنَّ حفصة قد أفشَتْ سرَّه. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: قرأ الكساِئيُّ بالتَّخفيف، وقال الفرَّاء: معناه: غضبَ عليها به، وجازاها عليه، وهو كقولك لمن أساء إليك: لأَعْرِفنَّ ذلك لك (٥).

стр. 7293

وقرأ الباقون بالتَّشديد (١)؛ أي: أعلم حفصةَ بعضَ ذلك. ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾: أي: سكتَ عنه، وكانت ذكرَتْ لعائشة أنَّه أصابَ مارية، وأنَّه حرَّمَها على نفسِه، والنَّبيُّ ﵊ قال لها: إنَّك قد ذكرْتِ كذا، وذكرَ بعضَ ذلك دون الكلِّ، وهو من معاملة الكرام، وهو تركُ الاستقصاء في الملام. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: جمعَ بينَ اللُّغتين، وهو أنبأ ونبَّأ. ظنَّتْ أنَّ صاحبتَها أخبرَتْهُ بذلك، فقالَتْ: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾. ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾: ﴿الْعَلِيمُ﴾ اللَّهُ العالمُ بكلِّ شيءٍ، ﴿الْخَبِيرُ﴾ ببواطن الأشياء. * * * (٤) - ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾: خاطب عائشةَ وحفصةَ بذلك ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: أي: مالَتْ عن الحقِّ؛ يعني: فقد كان منكما ما يوجب التَّوبة؛ إذ قد مالَتْ قلوبُكُما عن الحقِّ الواجب للَّه ولرسوله عليكما. وقيل: أي: مالَتْ إلى محبَّةِ ما كرهَه رسولُ اللَّهِ ﷺ . والصَّغو: الميل، وفي صرفِه وجهان: صغَا يصغُو من باب دخَل يدخُلُ، وعلى هذه اللُّغة ما في هذه الآية. وصغِيَ يصغَى من باب علِمَ يعلَمُ، وعلى هذه اللُّغة قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٣].

стр. 7294

ولا نعرفه من باب منع. و ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ على الجمع مع إضافتها إلى الاثنين هو الاستعمال الغالب في اللُّغة فيما كان في الإنسان من الأعضاء فردًا غيرَ مثنًّى. وفيه وجهان آخران: الإفراد والتَّثنية، قال الشَّاعر: كأنَّهُ وَجْهُ تُرْكِيَّيْنِ قَدْ غَضِبَا... مُسْتَهْدِفٌ لِطِعَانٍ غَيْرُ تَذْبِيْبِ (١) وقال آخر في التَّثنية والجمع: ظهراهما مثلُ ظُهورِ التُّرسَيْنِ (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾: أصله: تتظاهرا؛ أي: تتعاونا على إيذائه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾: أي: حافظُه ودافعُ الضَّرر عنه، ورادٌّ كيدَ مَن أراده بسوء. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ ﵇ أيضًا ينصره. ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إنْ أريد به الفرد فقد قيل: هو عمر ﵁، فقد روي

стр. 7295

أنَّه قال لحفصةَ: واللَّه لو أمرني رسولُ اللَّهِ بضربِ عنقُكِ لضربْتُ عنقَكِ (١). وإنْ أريد به الجمعُ فهم خيار المؤمنين، منهم أبو بكر وعمر أبواهما وغيرهما. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾؛ أي: ظُهَراءُ، وهم الأعوان، وأفرد لأنَّه أُخرِجَ مخرجَ الاسم، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقال الشَّاعر: إنَّ العواذِلَ ليسَ لي بأميرِ (٢) روي: أنَّ تظاهرهما عليه كان في التَّحكُّم عليه في النَّفقة. وقيل: في مارية. وقيل: في حديث العسل. وروي: أنَّه آلى منهنَّ شهرًا. وروي: أنَّه طلَّق حفصة ﵂. وعن عمر ﵁ أنَّه قال لها: لو كان في آل الخطَّاب خيرٌ لَمَا طلَّقَكِ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فجاء جبريل فقال: يا محمَّد، إنَّ اللَّه تعالى يقول لك: راجعْها فإنَّها صوَّامة قوَّامة (٣).

стр. 7296

وقال مقاتل بن حيَّان: همَّ بطلاقِها، فقال جبريل ﵇: لا تطلِّقْها؛ فإنَّها صوَّامة قوَّامة، فترك ذلك (١). وعن عمر ﵁ قال: كنَّا معشر قريش قومًا نغلبُ النِّساءَ، فلمَّا قدمْنا المدينة وجدنا قومًا يغلبهم النِّساءُ، فطفقَتْ نساؤنا يتعلَّمْنَ مِن نسائهم، وكان منزلي في بني أميَّة بن زيد في العوالي، فغضبْتُ يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعُني، فأنكرْتُ أنْ تراجعني، فقالت: ما تنكرُ أنْ أراجعَكَ؟ واللَّه إنَّ أزواجَ النَّبيِّ ﷺ ليراجعْنَهُ، وتهجرُهُ إحداهنَّ اليومَ إلى اللَّيل. فانطلقْتُ فدخلْتُ على حفصة، فقلْتُ: أتراجعين رسولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فقالَتْ: نعم. فقلْتُ: وتهجرُهُ إحداكُنَّ اليومَ إلى اللَّيل؟ قالَتْ: نعم. قلْتُ: قد خابَ مَن فعلَ هذا منكنَّ وخسرَتْ؛ أفتأمَنُ إحداكُنَّ أنْ يغضبَ اللَّه عليها لغضبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فإذا هي قد هلكَتْ؟ لا تراجعي رسولَ اللَّهِ ﷺ ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لَكِ، ولا يغرنَّكِ أنْ كانَتْ جارتُكِ هي أوسَمَ وأحبَّ إلى رسول اللَّه ﷺ منك، يريد عائشة. قال: وكان لي جارٌ من الأنصار، وكنَّا نتناوب النُّزول إلى رسول اللَّه ﷺ ، فينزلُ يومًا وأنزلُ يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنَّا نتحدَّثُ أنَّ غسَّانَ تُنْعِلُ الخيلَ لتغزوَنا، فنزل صاحبي يومًا، ثم أتاني عشاءً، فضرَبَ بابي، ثمَّ ناداني، فخرجْتُ إليه، فقال: حدَثَ أمرٌ عظيم! قلْتُ: ماذا؟ أجاءَت غسَّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطم (٢)؛ طلَّق النَّبيُّ ﷺ نساءَه. قلْتُ: قد خابت حفصةُ وخسرَتْ، قد كنْتُ أظنُّ هذا، فلمَّا صلَّيْتُ الصُّبحَ شددْتُ عليَّ ثيابي، ثم نزلْتُ فدخلْتُ على

стр. 7297

حفصةَ وهي تبكي، فقلْتُ: أطلَّقَكِ رسولُ اللَّهِ؟ فقالَتْ: لا أدري، ها هو ذا يعتزل في هذه المَشْرُبة. فأتيْتُ غلامًا له أسودَ، فقلْتُ: استأذِنْ لعمرَ، فدخل الغلام ثمَّ خرجَ إليَّ، قال: قد ذكرْتُكَ له فصَمَتَ، فانطلقْتُ حتَّى أتيْتُ المنبر، فإذا عندَه رهطٌ جلوسٌ، يبكي بعضُهم، فجلسْتُ قليلًا، ثمَّ غلبني ما أجدُ، فأتيْتُ الغلامَ، فقلْتُ: استأذن لعمر، فدخل، ثمَّ خرج إليَّ فقال: قد ذكرْتُكَ له فصمَتَ، فرجعْتُ فجلسْتُ إلى المنبر، ثمَّ غلبني ما أجد، فأتيْتُ الغلامَ فقلْتُ: استأذن لعمر، فدخل ثمَّ خرج إليَّ فقال: قد ذكرْتُكَ له فصَمَتَ، فولَّيْتُ مُدْبِرًا، فإذا الغلام يَدعوني، فقال: ادخلْ فقد أذن لك، فدخلْتُ فسلَّمْتُ على رسول اللَّه ﷺ ، فإذا هو متَّكِئٌ على رَمْلِ حصيرٍ قد أثَّر في جنبِهِ، فقلْتُ: أطلَّقْتَ يا رسول اللَّه نساءَكَ، فرفع رأسَه إليَّ فقال: "لا"، فقلْتُ: اللَّه أكبر، لو رأيتَنا يا رسولَ اللَّهِ وكنَّا معشَرَ قريشٍ قومًا نغلِبُ النِّساء، فلمَّا قدمنا المدينة وجدْنا قومًا تغلبُهم نساؤُهم، وطفقَتْ نساؤنا يتعلَّمْنَ من نسائهم، قال: فغضبْتُ على امرأتي يومًا، فإذا هي تراجعني، فأنكرْتُ أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعَك، فوَاللَّه إنَّ أزواج رسول اللَّه ﷺ ليراجعْنَه وتهجره إحداهنَّ اليوم إلى اللَّيل. فقلْتُ: قد خاب مَن فعل هذا منهنَّ وخسرَتْ، أفتأمَنُ إحداهنَّ أنْ يغضبَ اللَّهُ عليها بغضب رسول اللَّه ﷺ فإذا هي قد هلكَتْ؟ فتبسَّم رسول اللَّه ﷺ . فقلْتُ: يا رسول اللَّه (١)، فدخلْتُ على حفصةَ فقلْتُ: لا يغرَّنَّكِ أنْ كانت جارتُكِ هي أوسمَ وأحبَّ إلى رسول اللَّه ﷺ منك، فتبسم أخرى. فقلْتُ: أستأنِسُ، يا رسول اللَّه، قال: "نعم"، فجلسْتُ فرفعْتُ رأسي في البيت، فواللَّه ما رأيْتُ فيه شيئًا يردُّ البصرَ إلَّا أَهَبًا ثلاثةً، فقلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ

стр. 7298

يوسِّعَ على أمَّتِكَ، فقد وسَّعَ اللَّهُ على فارسَ والرُّومِ، وهم لا يعبدون اللَّه، فاستوى جالسًا ثمَّ قال: "أفي شكٍّ أنتَ يا ابن الخطَّاب؟ أولئك قومٌ قد عُجِّلَتْ لهم طيِّباتُهم في الحياة الُّدنيا". فقلْتُ: استغفر لي يا رسول اللَّه، وكان قد أقسم ألَّا يدخُلَ عليهنَّ شهرًا مِن شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عليهِنَّ، حتَّى عاتبَهُ اللَّهُ تعالى (١). وقالت عائشة: فلمَّا مضَتْ تسع وعشرون ليلة (٢) دخل عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّكَ كنْتَ أقسمْتَ أنْ لا تدخلَ علينا شهرًا، فإنَّكَ قد دخلْتَ مِن تسعٍ وعشرين أعدُّهنَّ؟ فقال: "إنَّ الشَّهر تسعٌ وعشرون يومًا"، ثمَّ قالَ: "يا عائشة، إنِّي ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليك ألَّا تعجلي فيه حتَّى تستأمري فيه أبوَيْكِ. . . "، وذكرَتْ قصَّة التَّخيير (٣). * * * (٥) - ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾. وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾: قيل: في الدُّنيا؛ قالوا: لأنَّه لو طلقهنَّ في هذه الحالة لطلقهنَّ لإلجائهنَّ إيَّاه إلى طلاقهنَّ بإلحاحهنَّ عليه بالأذى والمعصية، فإذا فعلْنَ ذلك استوجبْنَ عداوةَ اللَّهِ، وخرجْنَ من ولايته،

стр. 7299

فكان المستورات من النِّساء المؤمنات خيرًا منهنَّ، وليس المعنى: أنَّه كان في نساء الأمَّة نساءٌ أفضل منهنَّ قبل إلجائهنَّ إيَّاه إلى الطَّلاق. وقيل: معناه: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ في الجنَّة. ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾: أي: خاضعات للَّه بالطَّاعة. ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: مصدِّقات للَّه ورسوله. ﴿قَانِتَاتٍ﴾: أي: مطيعات دائمات على الطَّاعة. وقال الحسن ﵀: مصلِّيات (١). ﴿تَائِبَاتٍ﴾: أي: لا يصررْنَ على صغيرة. وقيل: راجعاتٍ إلى ما يحبُّه اللَّه تعالى منهنَّ. ﴿عَابِدَاتٍ﴾: أي: كثيرات العبادة بالنَّوافل. ﴿سَائِحَاتٍ﴾: قال عكرمة وابن عبَّاس وأبو هريرة وقتادة والضَّحَّاك وأبو مالك وأبو العالية والنَّخعيُّ والحسن ومقاتل بن حيَّان ﵃: أي: صائمات (٢). وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرَّحمن: أي: مهاجراتٍ (٣). ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾: أي: فيهنَّ بِكْرٌ، وفيهنَّ ثيِّبٌ، كما فيكنَّ (٤) الآن، إلى أيِّها مال النَّبيُّ ﷺ .

стр. 7300

وعن عمر ﵁ أنَّه قال: كان بينَ رسولِ اللَّهِ وبينَ بعضِ أزواجِه كلامٌ، فاستقريتهُنَّ امرأة امرأة، فقلْتُ: لتكفُّنَّ عن أذى رسول اللَّه ﷺ أو ليبدلنَّه اللَّه بكنَّ أزواجًا خيرًا منكنَّ. . .، الآية، فنزلَتْ (١). * * * (٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: ولَمَّا عاتبَ اللَّه نساءَ النَّبيِّ ﷺ ودلَّهُنَّ على رشدهِنَّ أمرَ النَّاس جميعًا أن يُحسنوا القيام على أنفسهم وعلى أزواجهم وعلى أولادهم بالتَّأديب والتَّعليم والدِّلالة على الأعمال الصَّالحات، فقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾؛ أي: اجعلوا لأنفسكم وأهليكم وقايةً تستركم من نار جهنَّم. قال قتادة: أي: مُروهم بطاعة اللَّه تعالى، وانْهَوهم عن معصيته (٢). وقال مجاهد: أي: أوصوهم بتقوى اللَّه تعالى (٣). ويقال (٤): أدِّبوهم وعلِّموهم خيرًا تقُوهم بذلك النَّار. وقيل: دلُّوهم على السُّنَّة والجماعة.

стр. 7301

وقيل: علِّموهم الأخلاق الحسان. وقيل: أظهروا من أنفسكم العبادات؛ ليتعلَّموا منكم، ويعتادوا بعبادتكم. وقال عكرمة: أدِّبوهم، رحم اللَّه رجلًا يدعو: يا أهلاه صلاتَكم، صيامَكم، مساكينَكم، جيرانَكم، أيتامَكم (١). روي أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يمرُّ على بيت فاطمة ﵂ فيقول: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية" (٢). وكان إذا دخل العشر الأواخر من شهر رمضان أيقظَ أهلَه (٣). وقال ﵊: "رحم اللَّه امرأً أيقظَ أهلَه للصَّلاة؛ فإنْ أبَتْ نضحَ الماءَ في وجهِها، ورحم اللَّه امرأةً أيقظَتْ زوجَها للصَّلاة، فإنْ أبى نضحَتِ الماء في وجهه" (٤). وقال ﵊: "علِّقِ السَّوط حيث يراه أهلُ البيت" (٥).

стр. 7302

وقال ﷺ : "لا يلقى اللَّهَ العبدُ بشيءٍ يوم القيامة أشدَّ عليه من جهالة أهله" (١). وقال: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته، فالرَّجل راعٍ على أهله وولده، وهو مسؤولٌ عنهم" (٢). وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال: إذا كان الرَّجل راعيَ خير لأهلِه ناداه أهلُه يوم القيامة بين يدي اللَّه تعالى: جزاك اللَّه من قيِّم عنَّا خيرًا، فنِعْمَ القيِّمُ كنْتَ أنتَ، تعلِّمُنا وتؤدِّبُنا، فأنجيْتَ نفسَكَ وأنجيْتَنا، وإذا كان راعيَ سوء قالوا له: لا جزاكَ اللَّهُ خيرًا، فبِئْسَ القيِّمُ كنْتَ (٣)، لم تعلِّمْنا ولم تؤدِّبْنا، فأهلكْتَ نفسَكَ وأهلكْتَنا (٤). ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾؛ أي: حطبُها الكفَّار والحجارة؛ أي: حجارة الكبريت. ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ﴾: أي: غلاظ القول والفعل ﴿شِدَادٌ﴾: أي: أقوياء الأنفس. ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾: من تعذيبهم ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ من ذلك. * * *

стр. 7303

(٧ - ٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾: أي: يُقال لهم ذلك يوم القيامة، وهو تنبيهٌ لهم اليوم ليتوبوا ويعتذروا، فهو اليومَ نافع (١). ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدُّنيا. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: من ذنوبكم. ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾؛ أي: خالصة، يُقال: نصح الشَّيءُ: إذا خَلَص، والنَّصيحةُ: إخلاص القول. وقيل: هو توثيق العزم على ألَّا تعود لمثله، والنُّصحُ: الخياطة الوثيقة، والنَّاصحُ: الخيَّاط، والنِّصاحُ: الخيط. وقيل: ﴿نَصُوحًا﴾؛ أي: تنصحون فيها للَّه؛ أي: تصدِّقونه فيها، ولا تُدْهِنون. وقال ابن عبَّاس ﵄: التَّوبة النَّصوح: النَّدم بالقلب، والاستغفار باللِّسان، والإقلاع باليد، والإضمار على ألَّا يعود (٢). وعن عليٍّ ﵁: أنَّه دخل المسجد، فسمع أعرابيًا يقول: اللَّهم إنِّي أستغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إنَّ سرعة اللِّسان بالتَّوبة توبة الكذَّابين، فقال الأعرابيُّ: فما التَّوبة؟ قال: يجمعُها ستَّة أشياء، قال: وما هي؟ قال عليٌّ رضي اللَّه

стр. 7304

عنه: للماضي من الذُّنوب النَّدامةُ، وللفرائض الإعادةُ، وردُّ المظالم، واستحلالُ الخصوم، وأن تُدئِبَ نفسَكَ في الطَّاعة كما أَدْأبتها (١) في المعصية، وأن تذيقَها مرارة الطَّاعات كما أذقْتَها حلاوة المعاصي (٢). وقال الفضيل: التَّوبة النَّصوح: أن يكون الذَّنب نُصْبَ عينيك، ولا تزال كأنَّك تنظر إليه. وقال الواسطيُّ: التَّوبة النَّصوح: هي أن تكون لا لعوضٍ؛ لأنَّ مَن أذنبَ في الدُّنيا لرفاهة نفسه، وتاب طلبًا لرفاهَتها في الآخرة، فتوبتُه على حظِّ نفسِه، لا للَّه تعالى. وقال أبو بكر الورَّاق: التَّوبة النَّصوح: أن تضيقَ عليك الأرضُ بما رحبَتْ، وتضيقَ عليك نفسُك، كما ذكر اللَّه تعالى في الثَّلاثة الذين خُلِّفوا. وقال رُوَيمٌ المصريُّ: التَّوبة النَّصوح: أن تكون للَّه تعالى وجهًا بلا قفًا، كما كنْتَ له عند المعصية قفًا بلا وجه (٣). وقالت رابعة: هي التَّوبة التي لا تحتاج فيها إلى التَّوبة منها، ثم قالت: إنَّ توبتنا تحتاج إلى التَّوبة منها، واستغفارنا يحتاج إلى الاستغفار منه (٤). وروى ابن مسعود ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "أتدرون مَن التَّائب؟ "، قالوا: لا، قال: "إذا تاب العبدُ ولم يُرْضِ الخُصَماءَ فليس بتائب، ومَن تاب فلم يتعلَّمِ العلم فليس بتائب، ومَن تاب ولم يزدَدْ في العبادة فليس بتائب، ومَن تاب ولم

стр. 7305

يغيِّر لباسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير مجالسته فليس بتائب، ومَن تاب ولم يغيِّر فراشه وبساطه فليس بتائب، ومَن تاب ولم يفتح قلبه ولم يوسعه فليس بتائب، ومَن تاب ولم يقصِّر أمله فليس بتائب، ومَن تاب ولم يحفظ لسانه فليس بتائب، ومَن تاب ولم يقدِّم فضله فليس بتائب، ومَن تاب ولم يغيِّر طعامه فليس بتائب، وإذا استبان على العبد هذه الخصال فذاك التَّائب حقًّا حقًّا حقًّا" (١). قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: أي: بتوبتكم ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وكان لمن يخالفهم نارٌ وَقودها النَّاس والأحجار. ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾: أي: لا يُخْجِل ﴿النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ولم يُردْ به وقوعَ إيمانهم مع النَّبيِّ ﷺ معًا، بل يراد به وجود الإيمان منهم لوجوده من النَّبيِّ ﷺ . وقيل: ﴿مَعَهُ﴾ صلةُ قوله: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ﴾؛ أي: لا يخزي النَّبيَّ والمؤمنين معًا. قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أي: يهتدون به إلى الجنَّة (٢). ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: نورُ كتبِ طاعتهم. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: أي: أبقِه لنا إلى الجنَّة ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبنا. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن إتمام النُّور، ومغفرةِ الذُّنوب، وتبليغ الجنَّة، وكلِّ شيء. وقال الضَّحَّاك: يُعطَى يومئذ كلُّ مؤمن ومنافق نورًا يمشي به مع محمَّد، فبينما هم يمشون إذ بعث اللَّه ريحًا وظلمة، فأطفأ اللَّه تعالى بتلك الرِّيح نورَ كلِّ منافق،

стр. 7306

وهو قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فلمَّا أطفأ اللَّه تعالى نورَهم أشفقَ المؤمنون أنْ يُسلبوا (١) نورَهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ الآية (٢). * * * (٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: دعا إلى التَّوبة المؤمنين، وأمر بالجهاد في حقِّ الكفَّار والمنافقين دعوةِ للكلِّ (٣) إلى الحقِّ المبين ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسَّيف ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ باللِّسان. وقيل: تذكير وعيد الآخرة والدُّنيا أيضًا، كما قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية [الأحزاب: ٦٠]. وقال قتادة ﵀: جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم (٤). وكذا قال الحسن (٥). وكان أكثر مَن يصيب الحدود حينئذ المنافقون. ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: في إقامة الحدود، كما قال: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].

стр. 7307

وقيل: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في حقِّ الكفَّار والمنافقين جميعًا، وكان أمرَه بملايَنتهم في الابتداء بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ثم بعدما أصرُّوا وعاندوا أمرَه بالإغلاظ عليهم. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي: في الآخرة ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع. * * * (١٠) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾: أي: بيَّنَ اللَّه تعالى للكافرين شبهًا: أنَّه لا تنفعهم الوُصلة بالنِّكاح وغيره مع اختلاف الدِّين (١)، وفيه نوعُ تنبيهٍ لأزواج النَّبيِّ ﷺ أنَّ وُصلتهُنَّ مع النَّبيِّ ﷺ لا تغني عنهنَّ (٢) من اللَّه شيئًا إذا عصيْن وخالفْنَ الأمر. ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾: أي: في نكاح عبدين ﴿مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾: استصلحناهما للرِّسالة والنُّبوَّة. ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾: أي: في الدِّين؛ أي: كفرتا ولم تسلِما ولم تنصحا للرَّسولين للمساعدة على الإسلام. وقيل: كانتا منافقتين.

стр. 7308

وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾؛ أي: بالنفاق، ولم تفجرِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ (١). وقيل: كانت خيانة امرأة نوح أنَّها كانت تقول للنَّاس: إنَّه مجنون، وخيانة امرأة لوط أنَّها دلَّتْ على الأضياف ليرتكبوا منهم الفاحشة. ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾: أي: العَبْدان نوح ولوط ﴿عَنْهُمَا﴾: عن المرأتين ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يدفعا عنهما من عذاب اللَّه شيئًا. ﴿وَقِيلَ﴾ لهما (٢)؛ أي: للمرأتين؛ أي: يُقال لهما يوم القيامة: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ من الكفَّار. * * * (١١) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾: أي: لا يضرُّ المؤمنين كفرُ مَن قرُب منهم، كما لم يضرُّ كفرُ فرعون امرأتَه آسية. ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾: اشتاقَتْ إلى الجنَّة، وملَّتْ صحبة فرعون فسألَتْ ذلك. ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾: أي: كفره ومعاصيه، وقيل: من تعذيبه.

стр. 7309

ولَمَّا علم فرعون بإيمانها وَتَدها بأربعة أوتاد في الشَّمس يعذِّبها. وقال سلمان: كانت تُعذَّب في الشَّمس، فإذا انصرفوا عنها أظلَّتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى منزلها في الجنَّة (١). وقال الضَّحَّاك: أمرَ بأنْ يُلْقَى عليها حجرٌ وهي في الأوتاد، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، فما وصل الحجر إليها حتى رفع (٢) روحها إلى الجنَّة (٣). ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: فرِّقْ بيني وبينهم بإهلاكهم. * * * (١٢) - ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ عطف على قوله: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: أي: جيب مِدْرعتها حين أتاها جبريل يبشِّرها بالولد وهي لا تعلمه. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾: أي: نفخ جبريل بأمرنا فيه؛ أي: في جيب مِدْرعتها.

стр. 7310

﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: أي: من روحٍ خلقناه لعيسى ﵇ على الخصوص (١). ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾: قولِ جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] الآيات. وقيل: أي: بعيسى، فهو روح اللَّه وكلمتُه. ﴿وَكُتُبِهِ﴾: التَّوراةِ والإنجيل والزَّبور والصُّحف. ومَن قرأ: ﴿وكتابه﴾، فالكلماتُ التَّوراة، والكتابُ الإنجيل (٢). ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: أي: المطيعين للَّه تعالى. والحمد للَّه ربِّ العالمين * * *

стр. 7311

سورة الملك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي بيده الملك وهو على كلِّ شيء قدير، الرحمنِ الذي وعد مَن خشيَه بالغيب بمغفرةٍ وأجر كبير، الرحيم الذي هو بكلِّ شيء بصير. روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (١) فكأنَّما أحيا ليلة القدر" (٢). وقال ابن مسعود ﵁: كنَّا نسمِّي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ على عهد رسول اللَّه ﷺ المنجية، وهي في التَّوراة سورة الملك (٣). وقال ابن مسعود ﵁: يُؤْتَى الرَّجل في قبرِه من قبل رجلَيْهِ، فيُقال: ليس لكم عليه سبيل إنَّه كانه يقرأ سورة الملك، فيُؤْتَى من قبل جوفه، فيُقال: ليس لكم عليه سبيل إنَّه وعى سورة الملك في جوفه (٤)، وهي المنجية من عذاب اللَّه تعالى، مَن قرأها في ليلة فقد أكثرَ وأَطْيَبَ (٥).

стр. 7312

وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ سورة الملك و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة (١). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ثلاثون آية، وثلاثُ مئة وثلاثة وثلاثون كلمة، وألفٌ وثلاثُ مئة وأحدٌ وعشرون حرفًا. وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنْ ختمَ تلك السُّورة بأنَّ مريم كانت من القانتين للَّه تعالى، وافتتاحَ هذه أنَّ الملك بيد اللَّه (٢)، وأهل السَّماوات وأهل الأرض كلُّهم قانتون للَّه، قال عزَّ وعلا: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦].

стр. 7313

وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذمِّ العاصين ومدح المطيعين. * * * (١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾: قيل: أي: تعالى. وقيل: أي: تعاظَم. وقيل: أي: دام. وقيل: أي: دام برُّه، وثبت خيرُه. وقيل: أي: كثرت بركاتُ أسمائه. وقيل: أي: وصلَتْ بركاتُ نعمِه إلى خلقِه. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾؛ أي: هو المتصرِّف في كلِّ العالم، وهو ملك كلِّ شيء، ومالك كلِّ شيء. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: لا يعجزه شيء. * * * (٢) - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾: أي: موتَ كلِّ ميِّت، وحياةَ كلِّ حيٍّ، فهو خالق الأعيان والصِّفات. وقال الحسن: هو خلَق النُّطفةَ، ثمَّ جعَلها علقةً، ثم مضغةً، ثم أحياها (١).

стр. 7314

وقيل: هو موت انقضاء الآجال، وحياة أهل الدُّنيا، فإنَّه قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾، والابتلاء يتعلَّق بهما لا بالموت قبل الحياة، وإنَّما قدَّم ذكر الموت ترهيبًا وتقريعًا (١). وقال الأخفش: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: الدُّنيا التي هي لموت أهلها، ﴿وَالْحَيَاةَ﴾؛ أي: الآخرة التي هي لحياة أهلها (٢). وقال ابن عبَّاس: الموتُ كبش أملح، لا يمرُّ بشيءٍ ولا يجد ريحه إلَّا مات، والحياة فرس جبريل لا تمرُّ بشيء ولا يجدُ ريحَها إلَّا حَيي، ويُذبَح الموتُ بين الجنَّة والنَّار يوم القيامة، ويُقال: يا أهل الجنَّة، ويا أهل النَّار، خلود بلا موت، وفرس الحياة تركبُها الأنبياء (٣). ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أي: ليتعبَّدكم فيمتحنكم بأمره ونهيه، فيظهرَ منكم ما علم أنَّه يكون منكم، فيجازيَكم على عملكم، لا على علمِه بكم. وقيل: تقديره: خلق الموت ليبعثكم فيجزيكم، والحياة ليبلوكم بما به يتعبَّدُكم. ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: ولم يقل: أيُّكم أكثر عملًا.

стр. 7315

وقال الفضيل: أي: أيُّكم أخلص عملًا وأصوبُه؛ لأنَّ العملَ إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل (١). وقال الحسن: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ أي: أزهده في الدُّنيا وأترك لها (٢). وقال أبو قتادة الأنصاريُّ: قلْتُ لرسول اللَّه ﷺ : أرأيْتَ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ما عُني به؟ قال: "يقول: أيُّكم أتمُّ عملًا وأشدُّ خوفًا، وأحسنُكم فيما أمر اللَّه تعالى به أو نهى عنه نظرًا، وأورعُكم عن محارم اللَّه، وأسرعكم في طاعته" (٣). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾: أي: المنيع فلا يُغالَب إذا عاقب المذنب، الغفورُ الذي يستر ذنوب التَّائب. * * * (٣) - ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: بعضُها فوق بعض. ويجوز أن يكون جمع طَبَق، كجِمال جمع جَمَلٍ، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى المطابقة.

стр. 7316

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: أي: اختلافٍ واضطراب وتباعُد، كأنَّه يفوت بعضه بعضًا فلا يتساوى. وقيل: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ في الدِّلالة على قدرة صانعها وحكمته. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿من تفوُّت﴾ (١)، وهما لغتان كالتَّعاهد والتَّعهُّد. وقال الفرَّاء: التَّفوُّت: الاعوجاج، والتَّفاوت: الاختلاف (٢). وقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: أي: إلى رؤية السَّماء ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾؛ أي: شقوق، والفَطْرُة الشَّقُّ. وقال ابن عبَّاس ﵄: مِنْ وَهْيٍ (٣). وقال قتادة ﵀: مِنْ خَلَلٍ (٤). * * * (٤) - ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾: أي: دفعتين، ولم يُردْ به الاقتصار على مرَّتين، بل أراد به التَّكرار مرَّة بعد مرَّة (٥)، تقول لآخر: قد قلْتُ لك مرَّةٍ بعد مرَّةٍ، ولعلَّكَ قلْتَ ذلك له مرارًا كثيرًا. وقال الحسن ﵀: لو كرَّرْتَه مرَّة بعد مرَّة إلى يوم القيامة لم ترَ فيه فطورًا.

стр. 7317

﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾: قال ابن عبَّاس: ذليلًا (١). ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾: قال قتادة: كالٌّ مُعْيٍ (٢). وهو فعيل بمعنى الفاعل، يُقال: حسَرَ البصرُ: إذا انقطع نظرُه من طول مدًى، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، من قولهم: حسرْتُ البعير؛ أي: سرْتُ عليه حتى انقطع، فهو محسورٌ وحَسير. وقال كعبٌ: خلق سبع سماوات (٣) طباقًا بعضُها فوق بعض، بين كلِّ سماءين مسيرةُ خمس مئة عام، السَّماء الدُّنيا موج مكفوف، والثَّانية مرمرةٌ بيضاء، والثَّالثة حديدة، والرَّابعة نحاسٌ -أو قال: صُفرٌ- والخامسة فضَّة، والسَّادسة ذهب، والسَّابعة ياقوتة حمراء (٤). * * * (٥ - ٧) - ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: أي: كواكبَ كأنَّها السُّرُج. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي: المصابيحَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: جمع رَجْم؛ أي: يُرْجَم بها مَن يَسترِق السَّمع من الشَّياطين.

стр. 7318

وقيل: جمع راجم، كالسُّجود جمع ساجد. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: أي: للشَّياطين ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾؛ أي: عذاب جهنَّم الموقَدةِ. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: من الإنس والجنِّ ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ كذلك ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجعُ. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾: أي: في جهنَّم ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾؛ أي: لجهنَّم ﴿شَهِيقًا﴾؛ أي: صوتًا من اللَّهب كصوت الحمار، وقد ذكرنا فيه الأقاويل عند قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: أي: تتعالى وتغلي بهم كما يفور القِدْر. وقال ابنُ مسعود ﵁: تفور بأهلها كما تفور القِدر بعُراقها (١). * * * (٨ - ١٠) - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾: أي: تتميَّز، قال ابن عبَّاس والضَّحَّاك وابن زيد: أي: تتفرَّق (٢). ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾: أي: على الكفَّار، وهو عبارة عن غاية التغيُّظ عليهم، وتقول: لأنتقمَنَّ اليوم ممَّنْ أكل رزق اللَّه وعبدَ غيرَه. ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾: أي: جماعة من الكفَّار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: وهم الزَّبانية توبيخًا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾: رسولٌ مخوِّف مِن هذا.

стр. 7319

﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾: أريد به الجمع؛ أي: أتانا الرُّسل. ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ممَّا تقولون من وعدٍ ووعيد وغيرِ ذلك. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾: أي: ما أنتم أيها المُدَّعون للرِّسالة إلَّا في ضلال كبير؛ أي: خطأ عظيم. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: أي: قال الكفَّار: ولو كنَّا نقبَل ما أتانا من السَّمعيَّات ونتفكَّر في العقليَّات ما وقعنا في جهنَّم، دلَّ على أنَّ كلَّ واحد منهما حجَّة ملزِمة وهو السَّمع والعقل. * * * (١١ - ١٣) - ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾: أي: بذنوبهم، وحَّد لأنَّه جنس، وهو كقوله: خرج بعطاءِ النَّاس؛ أي: أَعْطِيَتهم. ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: أي: بُعدًا عن الرَّحمة والكرامة. وقيل: هو تحقيق. وقيل: هو على الدُّعاء، وهو تعليمٌ من اللَّه تعالى لعباده أن يَدْعو عليهم به. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يؤمنون به ويصدِّقونه في الدُّنيا بما غاب عنهم ممَّا يكون في الآخرة. وقيل: أي: يخافونه عند المعصية وقد غاب عنهم الخلقُ. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: أي: للذُّنوب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: أي: ثوابٌ عظيمٌ في الآخرة. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾: أمرُ تهديدٍ لا أمرُ تكليف، يقول: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾

стр. 7320

في اللَّه وفي رسوله وفي آيات اللَّه ﴿أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾؛ أي: إنْ شئْتُم فنافقوا، وإنْ شئْتُم فصرِّحوا بالكفر وأعلنوه. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بضمائر القلوب، لا يخفى عليه شيء (١) إنْ أسررْتُم، ولا يزيده وضوحًا إن أعلنْتُم، وهو كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. * * * (١٤) - ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾: أي: ما خلقَ، ودلَّ على أنَّ اللَّهَ خالقُ أفعال العباد ظاهرِها وباطنِها، وإذا حُمِل على (ما) صار مفعولًا، والفاعل هو قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، ولو قُدِّرَ ﴿مَنْ﴾ على حقيقته، فقوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ هو الخالق، والمخلوق يكون مضمرًا، ويكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ فاعلًا، وتقديره: ألا يعلم الخالقُ مخلوقَه، ويدلُّ على ما قلنا أيضًا. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾: أي: العالم بدقائق الأشياء ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بحقائق الأشياء. وقال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في مشركي مكَّة، كانوا ينالون من رسول اللَّه ﷺ ، فيخبره جبريل عمَّا (٢) قالوا، فيقول بعضُهم لبعضٍ: أسرُّوا قولكم لا يسمع إلهُ (٣) محمَّد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (٤) علانيةً ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بما في القلوب من السِّرِّ، ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ سرَّ القلوب ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ السِّرَّ والقلوب.
следующие страницы →