← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: أي: اختلافٍ واضطراب وتباعُد، كأنَّه يفوت بعضه بعضًا فلا يتساوى. وقيل: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ في الدِّلالة على قدرة صانعها وحكمته. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿من تفوُّت﴾ (١)، وهما لغتان كالتَّعاهد والتَّعهُّد. وقال الفرَّاء: التَّفوُّت: الاعوجاج، والتَّفاوت: الاختلاف (٢). وقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: أي: إلى رؤية السَّماء ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾؛ أي: شقوق، والفَطْرُة الشَّقُّ. وقال ابن عبَّاس ﵄: مِنْ وَهْيٍ (٣). وقال قتادة ﵀: مِنْ خَلَلٍ (٤). * * * (٤) - ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾: أي: دفعتين، ولم يُردْ به الاقتصار على مرَّتين، بل أراد به التَّكرار مرَّة بعد مرَّة (٥)، تقول لآخر: قد قلْتُ لك مرَّةٍ بعد مرَّةٍ، ولعلَّكَ قلْتَ ذلك له مرارًا كثيرًا. وقال الحسن ﵀: لو كرَّرْتَه مرَّة بعد مرَّة إلى يوم القيامة لم ترَ فيه فطورًا.

стр. 7317

﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾: قال ابن عبَّاس: ذليلًا (١). ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾: قال قتادة: كالٌّ مُعْيٍ (٢). وهو فعيل بمعنى الفاعل، يُقال: حسَرَ البصرُ: إذا انقطع نظرُه من طول مدًى، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، من قولهم: حسرْتُ البعير؛ أي: سرْتُ عليه حتى انقطع، فهو محسورٌ وحَسير. وقال كعبٌ: خلق سبع سماوات (٣) طباقًا بعضُها فوق بعض، بين كلِّ سماءين مسيرةُ خمس مئة عام، السَّماء الدُّنيا موج مكفوف، والثَّانية مرمرةٌ بيضاء، والثَّالثة حديدة، والرَّابعة نحاسٌ -أو قال: صُفرٌ- والخامسة فضَّة، والسَّادسة ذهب، والسَّابعة ياقوتة حمراء (٤). * * * (٥ - ٧) - ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: أي: كواكبَ كأنَّها السُّرُج. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي: المصابيحَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: جمع رَجْم؛ أي: يُرْجَم بها مَن يَسترِق السَّمع من الشَّياطين.

стр. 7318

وقيل: جمع راجم، كالسُّجود جمع ساجد. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: أي: للشَّياطين ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾؛ أي: عذاب جهنَّم الموقَدةِ. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: من الإنس والجنِّ ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ كذلك ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجعُ. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾: أي: في جهنَّم ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾؛ أي: لجهنَّم ﴿شَهِيقًا﴾؛ أي: صوتًا من اللَّهب كصوت الحمار، وقد ذكرنا فيه الأقاويل عند قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: أي: تتعالى وتغلي بهم كما يفور القِدْر. وقال ابنُ مسعود ﵁: تفور بأهلها كما تفور القِدر بعُراقها (١). * * * (٨ - ١٠) - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾: أي: تتميَّز، قال ابن عبَّاس والضَّحَّاك وابن زيد: أي: تتفرَّق (٢). ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾: أي: على الكفَّار، وهو عبارة عن غاية التغيُّظ عليهم، وتقول: لأنتقمَنَّ اليوم ممَّنْ أكل رزق اللَّه وعبدَ غيرَه. ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾: أي: جماعة من الكفَّار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: وهم الزَّبانية توبيخًا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾: رسولٌ مخوِّف مِن هذا.

стр. 7319

﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾: أريد به الجمع؛ أي: أتانا الرُّسل. ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ممَّا تقولون من وعدٍ ووعيد وغيرِ ذلك. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾: أي: ما أنتم أيها المُدَّعون للرِّسالة إلَّا في ضلال كبير؛ أي: خطأ عظيم. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: أي: قال الكفَّار: ولو كنَّا نقبَل ما أتانا من السَّمعيَّات ونتفكَّر في العقليَّات ما وقعنا في جهنَّم، دلَّ على أنَّ كلَّ واحد منهما حجَّة ملزِمة وهو السَّمع والعقل. * * * (١١ - ١٣) - ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾: أي: بذنوبهم، وحَّد لأنَّه جنس، وهو كقوله: خرج بعطاءِ النَّاس؛ أي: أَعْطِيَتهم. ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: أي: بُعدًا عن الرَّحمة والكرامة. وقيل: هو تحقيق. وقيل: هو على الدُّعاء، وهو تعليمٌ من اللَّه تعالى لعباده أن يَدْعو عليهم به. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يؤمنون به ويصدِّقونه في الدُّنيا بما غاب عنهم ممَّا يكون في الآخرة. وقيل: أي: يخافونه عند المعصية وقد غاب عنهم الخلقُ. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: أي: للذُّنوب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: أي: ثوابٌ عظيمٌ في الآخرة. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾: أمرُ تهديدٍ لا أمرُ تكليف، يقول: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾

стр. 7320

في اللَّه وفي رسوله وفي آيات اللَّه ﴿أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾؛ أي: إنْ شئْتُم فنافقوا، وإنْ شئْتُم فصرِّحوا بالكفر وأعلنوه. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بضمائر القلوب، لا يخفى عليه شيء (١) إنْ أسررْتُم، ولا يزيده وضوحًا إن أعلنْتُم، وهو كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. * * * (١٤) - ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾: أي: ما خلقَ، ودلَّ على أنَّ اللَّهَ خالقُ أفعال العباد ظاهرِها وباطنِها، وإذا حُمِل على (ما) صار مفعولًا، والفاعل هو قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، ولو قُدِّرَ ﴿مَنْ﴾ على حقيقته، فقوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ هو الخالق، والمخلوق يكون مضمرًا، ويكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ فاعلًا، وتقديره: ألا يعلم الخالقُ مخلوقَه، ويدلُّ على ما قلنا أيضًا. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾: أي: العالم بدقائق الأشياء ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بحقائق الأشياء. وقال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في مشركي مكَّة، كانوا ينالون من رسول اللَّه ﷺ ، فيخبره جبريل عمَّا (٢) قالوا، فيقول بعضُهم لبعضٍ: أسرُّوا قولكم لا يسمع إلهُ (٣) محمَّد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (٤) علانيةً ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بما في القلوب من السِّرِّ، ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ سرَّ القلوب ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ السِّرَّ والقلوب.

стр. 7321

وعن أنس ﵁ قال: بينما رجل يسير بين جبلين إذ قال في قلبه: لو عرضَتْ لي فاحشة لقضيتها، فنودي له: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فارتجَّ الوادي (١). * * * (١٥ - ١٦) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾: أي: ليِّنة منقادة. ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾: قال قتادة ومجاهد والفرَّاء: فسيروا في جوانبها وأطرافها (٢). والمناكب من النَّاس: أطرافهم وجوانبهم، وإذا مشَوا في أطرافها فقد أحاطوا بها، فحصل لهم الانتفاع بجميع ما فيها. وعن ابن عبَّاس ﵄ والضَّحَّاك: في جبالها (٣). وهي مرتفعة كالمناكب. وعن مجاهد في رواية: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾؛ أي: في فِجاجها (٤). ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾: أي: من رزق اللَّه فيها.

стр. 7322

﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾: أي: إلى جزاء اللَّه المرجعُ بعد البعث، فامشوا فيها طاعة وكلوا منها حلالًا. ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ أيُّها المشركون ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: اللَّه الذي في السَّماء سلطانه، وهو كقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]. وحقيقته: أأمنتم خالقَ السَّماء وملكَها. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾: كما خَسف بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾؛ أي: تدور. والموَرَان: الدَّوران والاضطراب بالذَّهاب والمجيء. * * * (١٧ - ١٨) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: قال ابن عبَّاس: أي: حجارة من فوقِكُم كما فُعِلَ بقوم لوط (١). وقيل؛ أي: ريحًا فيها حجارةٌ وحصباء فيهلكَكم بذلك. وقال نفطويه: أي: ريحًا تقتلع الحصباء لشدَّتها وقوَّتها. وقيل؛ أي: سحابًا فيه حجارة. أي: أجُعِل (٢) لكم من هذين أمان، وإذ لا أمان لكم منهما (٣) فما معنى تماديكم في شرككم؟ وهذا وعيدٌ عظيمٌ.

стр. 7323

﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾: أي: كيف عاقبةُ إنذاري، بأن أحقِّقَه لكم فتعلمون أنَّه لا خُلف لخيري، ولا مانع لعذابي. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: من قبل هؤلاء المشركين. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أي: إنكاري عليهم وتغييري بالعذاب. * * * (١٩ - ٢٠) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾: الطَّير: جمع طائر. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: أي: تصفُّ أجنحتها للطَّيران وتقبضُ مرَّة حتى يتمَّ لها الطَّيران بهذا التَّدبير، كما تتهيَّأ السِّباحةُ في الماء بقبض اليدين وبسطِهما، والهواءُ للطَّائر كالماء للسَّابح. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾: أي: في الهواء حين تطير ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾: هيَّأ للطَّير هذا، كما هيَّأ للنَّاس الأرض ذلولًا، والذي هيَّأ لكلٍّ ما يصلحه لم يفعل ذلك عبثًا بل ليكون دلالة على الخالق ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾؛ أي: عالم بما يصلحه ويُقِيمه. وعطف ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ على قوله: ﴿صَافَّاتٍ﴾ لأنَّ الأوَّل دلالةٌ على الفعل، ومعناه: يبسطْنَ أجنحتهنَّ في حالٍ، ويقبضْنَ في حال. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾: عطف على ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾؛ أي: فمَن هذا الذي هو شيعةٌ لكم وأنصار تمتنعون بهم ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ من عذاب اللَّه ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: ممَّن سواه. ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾: أي: ما هم إلا في غرور.

стр. 7324

(٢١ - ٢٢) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ﴾: أي: اللَّهُ تعالى ﴿رِزْقَهُ﴾ الذي خَلق لكم في الأرض، التي جعلَها لكم ذلولًا. ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾: أي: ليس اغترارُهم للجهل بأنَّ اللَّه تعالى هو الخالق الرَّازق الضَّارُّ النَّافع، لكنْ تمادَوا في تمرُّدهم (١) ونفورهم عن الحقِّ. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: أكبَّ (٢) على وجهه لازم، وكبَّه متعدٍّ، وهو كقولهم: أَنْعَش -أي: قام- لازم، ونعَّشه متعدٍّ، وهذا من النَّوادر، أَفْعَلَ لازم، وفَعَّلَ متعدٍّ. وقريب من هذا: أضرَّ به وضرَّه. ثمَّ ضرب مَثَلَ الكافر والمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾؛ أي: منكِّسًا رأسَه، ناظرًا إلى الأرض، لا يبصر ما بين يديه، ولا ما عن يمينه، ولا ما عن شماله، ولا يدري ما يستقبله أو يلقاه من هذه الجهات، فهو على خطر. ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾: أي: مستويًا منتصبًا، يُبصر مِن كلِّ الجهات (٣). ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: ولا شكَّ أنَّ الماشي مستقيمًا منتصبًا أهدى. يقول: فهكذا فكونوا أيُّها النَّاس. قال قتادة: هذا الكافر أكبَّ على معاصي اللَّه تعالى في الدُّنيا، فحشره اللَّه يوم القيامة على وجهه، والمؤمن استقام على أمر اللَّه تعالى في الدُّنيا فبعثه اللَّه تعالى عليه

стр. 7325

يوم القيامة، وقيل للنَّبيِّ ﷺ : وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إنَّ الذي أمشاهم على أقدامِهم قادرٌ على أنْ يمشيَهم على وجوهِهم" (١). وقال مقاتل: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: ضالًّا أعمى في الظُّلمة، يعني: أبا جهل بن هشام ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ هو عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (٢). وقيل: النَّبيُّ ﷺ . وقيل: هي عامَّة المسلمين (٣). * * * (٢٣ - ٢٦) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾: ابتدأ خلقَكُم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ وهي آلات العلم والمعرفة، ثم أنتم ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ هذه النِّعم؛ لأنَّكم تشركون باللَّه، ولا تخلصون له العبادة. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: خلقَكم ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تُبعثون وتُجمَعون للحساب والجزاء.

стр. 7326

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: يقولون ذلك استهزاء. ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: علمُ وقته ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: مخوِّف ظاهر، وعليَّ الإنذار الذي أُمِرْتُ به دون الإعلام عن وقته الذي لم يُعْلمْني اللَّه به. * * * (٢٧ - ٢٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: وإذا رأوا العذابَ الذي وُعِدوه في الحشر قريبًا منهم ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾؛ أي: وردَ عليهم منه ما ساءَهم؛ أي: أحزنَهم، وهو خلاف سَرَّهم. وخصَّ الوجوه بالذِّكر لأنَّ الوجه هو الذي يظهر عليه أثر المسرَّة والمساءة. ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: أي: وتقول لهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾؛ أي: تجتمعون على الدُّعاء به، كما في قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، والادِّعاء كالتَداعي، كالاقتتال هو كالتَّقاتل. وقال الأخفش: دعا وادَّعى واحدٌ (١). وقال مجاهدٌ: أراد به العذاب في الدُّنيا، وهو ما رأوه ببدر (٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾: أي: قل يا محمَّد للذين يقولون فيك: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]: إنْ أماتني اللَّه تعالى، كما قال: ﴿إِنِ

стр. 7327

امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ أي: مات، ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من الأصحاب، ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ وأخَّر في آجالنا. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾: أي: ينجيهم ويؤمِّنهم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: لا فرَج لكم في موتنا ولا نجاة لكم به من العذاب، إنَّما ذلك بالإيمان. * * * (٢٩ - ٣٠) - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾: ذو الرَّحمة بخلقه ﴿آمَنَّا بِهِ﴾: صدَّقناه ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ لعِلْمنا أنَّه لا يفعل بنا إلَّا ما هو صلاحنا من إحياءٍ وإماتة. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾: إذا نزل بكم العذاب ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ منَّا ومنكم. وقرأ الكسائيُّ: ﴿فسيعلمون﴾ بياء المغايبة؛ ردًّا على قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ (١). وقال ابن كيسان: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾؛ أي: أخذنا بزلَّاتنا مع إيماننا وإخلاصنا (٢)، وفيه هلاكنا، فمَن يؤمِّنكم من عذابه أيُّها الجاحدون المعاندون. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: أي: غائرًا في الأرض ذاهبًا. ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: جارٍ على وجه الأرض، تراه العيون، وتقديره مفعول.

стр. 7328

وقيل: ﴿مَعِينٍ﴾: مسرِع في الجري، وهو فعيل؛ أي: بمعنى مُفعِل (١). فسيقولون: لا يأتينا به غير اللَّه. فقل لهم: فلِمَ أشركْتُم به مَن لا يقدر على ذلك؟ وقرئ هذا على ملحِدٍ فقال: المِعْوَل والمُعِين، فسقطَتْ عيناه بقدرة اللَّه تعالى (٢). والحمد للَّه ربِّ العالمين فهو المهوِّن والمعين * * *

стр. 7329

سورة ن والقلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أقسم بالنُّون والقلم، الرحمنِ الذي مدح رسوله بالخُلُق الأعظم، الرحيمِ الذي وعد المتَّقين بالجنان والنِّعَم (١). روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ كان له ثوابُ الَّذين أحسنَ اللَّه أخلاقَهم" (٢). وهي مكيَّة، وآياتها اثنتان وخمسون، وكلماتها ثلاثُ مئة، وحروفها ألف ومئتان وسبعون. وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك في خطاب الرَّسول، وافتتاحَ هذه في ثناء (٣) الرَّسول. وانتظامهما: أنَّ تلك السُّورة في ثناء اللَّه وذمِّ مَن جحده ومدحِ مَن وحَّده، وهذه في ثناء رسول اللَّه ﷺ ومدحِ مَن اتَّبعه وذمِّ مَن عاداه وحسده. * * *

стр. 7330

(١) - ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: نون اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى (١). وقال عطاء: افتتاح اسم اللَّه تعالى: نورٌ وناصر ونصير (٢). وقال جعفر بن محمَّد الصَّادق: هو اسم نهر في الجنَّة (٣). وقال الكلبيُّ: النُّون: السَّمكة التي تحمل الأرض على ظهرها، وهي في الماء، وتحتها ثور، وتحت الثَّور صخرة، وتحت الصَّخرة الثَّرى، ولا يعلم ما تحتَه إلَّا اللَّه. وقال الكلبيُّ ومقاتل: اسم السَّمكة: بهموت (٤). وقال الواقديُّ وأبو اليقظان: اسمه ليوثا (٥). وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: اسمُه يلهوت (٦). وقال عكرمةُ: أقسم اللَّه تعالى بالحوت؛ لأنَّ نمرود لعنه اللَّه لَمَّا رمى بالسَّهم نحو السَّماء عاد السَّهم مختضبًا بدم سمكة في بحر معلَّق بالهواء، فأكرم اللَّه تعالى ذلك الحوت بأن أقسم به، وأحلَّ جنسَه من غير ذكاة (٧).

стр. 7331

وقيل: هو آخر حرف من حروف (الرَّحمن)؛ فإنَّك إذا جمعت بين ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ن﴾ صارَ: الرَّحمن. وقيل: هو اسم هذه السُّورة. وقيل: هو اسم القرآن. وقيل: هو الدَّواة. وقيل: هو المداد الذي تَكتب به الملائكة. وقيل: هو اللَّوح المحفوظ، والقلم هو القلم الذي كتب به على اللوح المحفوظ. وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: أوَّل ما خلق اللَّه تعالى القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا ربِّ، ما أكتبُ؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى بما يكون من ذلك الوقت إلى أن تقوم السَّاعة، ثم ارتفع بخار الماء فخلق منه السَّماوات، ثم خلق منه (١) النُّون الذي عليه قرار الأرض، فبسط الأرض من فوقه، فتحرَّك النُّون، فمادَتِ الأرض، فأُثْبِتَتْ بالجبال (٢). وقال مجاهد: هو قلم من نور طوله مسيرة مئة عام (٣).

стр. 7332

وقال ابن عبَّاس ﵄ ومقاتل: طوله ما بين السَّماء والأرض (١). وعن ابن عبَّاس في رواية: هو قلم الملائكة. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: وما يكتبون من أعمال الخلق. وقال قتادة: والقلم نعمة من اللَّه عظيمة، لولا القلم ما قام دينٌ، ولم يَصلح عيش، واللَّه أعلم بما يُصلح خلْقَه (٢). وهذا دليل على أنَّه كان يقول: إنَّ المراد بالقلم هو قلم النَّاس. وأقسم به لِمَا فيه من الحكمة والأعجوبة، إذ جُعل آلةَ التَّفاهم، وقام مقام اللِّسان في الإفهام والبيان. وقيل: هو كلُّ قلم يُكتَب به في السَّماء والأرض، ويدل عليه قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]. ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾؛ أي: وما يكتبون؛ أي: الحلف (٣) بالقلم. والحاصل: أنَّ بعضهم قال: هو قسم بالحوت الذي هو تحت الأرضين، وبالقلم الذي هو فوق السَّماوات، وهو ينتظِم ما بينهما. وبعضهم حملها على اللَّوح المحفوظ والقلم.

стр. 7333

وبعضهم على قلم الملائكة ومدادِهم وكتابة الأعمال. وبعضهم على الدَّواة والقلم في الدُّنيا وما يكتبون بهما. وقيل: هو قسم من اللَّه بنفسِه، وتقديره: وخالقِ القلم، ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يجوز أن يكون للمصدر، ويجوز أن يكون للمفعول. * * * (٢ - ٤) - ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾: هو المقسَم عليه؛ أي: لسْتَ يا محمَّد مجنونًا كما يقول مشركو مكَّة بهتانًا وعدوانًا؛ إذ كان اللَّه أنعم عليك بوفور العقل واستكمال خصال الخير ما لم ينعم على أحد من خَلْقه بمثله. وهو كقوله: ما أنت بحمد اللَّه جاهلًا. ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: أي: غير مقطوع، وقيل: غير منقوص، وقيل: غير ممتنٍّ به عليك. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: ولا مدحَ فوقَه، فما وصَفه اللَّه بالعظم مَن يدري نهايته؟ وهو تنزيهٌ له عن كلِّ عيبٍ يكون في الأخلاق، ووصفٌ بالتَّحلِّي بكلِّ محاسن الأخلاق. وسُئلَتْ عائشة ﵂: كيف كان خُلُقُ رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: "كان خلقه القرآن" (١). تعني: ما أدَّبه به القرآن، وأمَرَ اللَّهُ فيه به أهلَ الإيمان، من الاجتهاد في طاعة اللَّه

стр. 7334

تعالى، والخضوع له، والانقياد لأمره، والتشدُّد على أعدائه، والتذلُّل لأوليائه، ومواساةِ عباده، وإرادةِ الخير لهم، والحرصِ على ما ينجيهم، والاحتمالِ لأذاهم، والقيامِ بمصالحهم، وإرشادِهم إلى ما يجمع لهم خير الدَّارين، والتَّعفُّفِ عن أموالهم، والحلمِ عن جهَّالهم، وخفضِ الجناح لهم، لم يتغيَّر عن ذلك في حالٍ من الأحوال، ولا زمنٍ من الأزمان. ولَمَّا مدح اللَّه تعالى الأنبياء ووصفَ كلَّ نبيٍّ بصفة قال له: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] ففعل، فصار مستجمِعًا لكلِّ خصال الخير، وكان كلُّ واحد منهم مخصوصًا بخصلة، مثلَ نوحٍ بالشُّكر، وإبراهيم بالحِلم، وموسى بالإخلاص، وإسماعيلَ بصدق الوعد، ويعقوبَ وأيُّوب بالصَّبر، وداوُد بالاعتذار (١)، وسليمان بالتَّواضع، وعيسى بالزُّهد، فلمَّا اقتدى بهم اجتمع له الكلُّ. ولَمَّا نزل جبريل بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قال: لقد أتيتك بمكارم الأخلاق؛ صِلْ مَن قطعَكَ، وأعطِ مَن حرمَكَ، واعفُ عمَّنْ ظلمَكَ، وأحسِنْ إلى من أساءَ إليك (٢). فأخذَ بذلك كلِّه. وكانت خديجة ﵂ تقول له في أوَّل ما نزل به جبريل وخاف ذلك،

стр. 7335

قالت له: كلَّا؛ إنَّك لتحمل الكَلَّ، وتَقْري الضَّيف، وتَكْسِب المعدوم، وتصل الرَّحم، وتُعين على نوائب الحقِّ (١). وأعلى ذلك كلِّه ما كان منه ليلة المعراج من غضِّ البصر عن الكونين، حتى قال اللَّه تعالى فيه له: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]. لم ينحرف بالبلاء، ولم ينصرف بالعطاء، وغدًا يقولُ كلُّ رسولٍ: نفسي نفسي، وهو يقول: "أمَّتي أمَّتي" (٢)، فهذا خُلقُه. * * * (٥ - ٦) - ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾: وهذا وعدٌ له ووعيدٌ لأعدائه، يقول: فسترى أنت وسيرى هؤلاء الذين يجحدون نبوَّتك، وينسبونك إلى الجنون. ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: والباء زائدة، وتقديره: أيَّكم المفتون؛ أي: المُبتلَى بالجنون، وأنَّه الذي لا يفكِّر في عاقبة أمره، ولا يُحسن النَّظر لنفسه، وسيَظهر في العاقبة أن هذه الصِّفة لهم لا لك. وقال أبو عبيدة والأخفش والقتبي: الباء زائدة، كما في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] (٣). وقال الشَّاعر:

стр. 7336

هُنَّ الحرائِرُ لا رَبَّاتُ أحمرةٍ... سودُ المحاجِرِ لا يقرأْنَ بالسُّوَرِ (١) وقال آخر: نضرِبُ بالسَّيفِ ونرجو بالفرجْ (٢) وقال الفرَّاء: الباء مقرَّرة، لكن ﴿الْمَفْتُونُ﴾ مصدرٌ (٣) بمعنى الفَتْن والفُتُون؛ كالمعقول والمجلود (٤)، والميسور والمعسور، تقديره: بأيكم الفَتْن. وقال محمد بن جرير الطَّبري والزَّجَّاج: الباء بمعنى: (في)، كقولك: كنت ببلد كذا، أو في بلد كذا، وتقديره: في أيكم المفتون؛ أي: في أيِّ الفريقين منكم، فريق الإسلام أو فريق الكفر (٥).

стр. 7337

وقيل: ﴿الْمَفْتُونُ﴾: الشَّيطان؛ لأنَّه مفتون في دينه، ومعناه: بأيِّكم الشَّيطان الذي يكون منه مسُّ الجنون. * * * (٧ - ٩) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: وينكشف لكم أيضًا في العاقبة الضَّالُّ من المهتدي من الفريقين. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾: قال مقاتل: أي: المكذبين بالبعث والحساب، وذلك حين دعوا رسول اللَّه ﷺ إلى دين آبائه، فنزلت في بني المغيرة بن عبد اللَّه بن عَمرو بن مخزوم، منهم الوليد بن المغيرة، وعبد اللَّه بن أبي أميَّة بن المغيرة، وعبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، وعثمان ونوفل ابنا عبد اللَّه بن المغيرة، وأبو حذيفة بن المغيرة (١). ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: لو تلين فيَلينون (٢). وقال الضَّحَّاك وهو رواية عن ابن عبَّاس: أي: لو تكفر فيكفرون (٣). وقيل: ودُّوا لو لِنْتَ لهم في دينهم بإجابتك إلى إعظام آلهتهم، فيلينون لك في عبادة اللَّه تعالى.

стр. 7338

وأصله من الدُّهْنِ (١)، وهو راجع إلى المداراة والمقاربة والملاينة، فنهاه اللَّه تعالى عن ذلك وأمره بالتصلُّب والجدِّ في أمر اللَّه تعالى. * * * (١٠ - ١١) - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾: ثم نهاه عن طاعة بعضهم خصوصًا لاختصاصه بخصال السُّوء وأسباب التَّمرُّد. وقال مجاهد: هو الأسودُ بن عبد يغوث (٢). وقال الكلبيُّ: هو الأخنس بن شَرِيقٍ الثَّقَفي (٣). وقال مقاتل: هو الوليد بن المغيرة (٤). وعليه أكثر المفسِّرين. ﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾: كثير الحَلِف بالأصنام والآباء. ﴿مَهِينٍ﴾: دنيء ضعيف حقير، وقال الشَّاعر: لا يَكذبُ المرءُ إلَّا مِن مهانَتِهِ... أو عادةِ السُّوء أو مِن قلَّةِ الأدبِ (٥)

стр. 7339

وقال الحسن وقتادة: ﴿مَهِينٍ﴾: مكثارٍ في الشَّرِّ (١). من المهنة، وهي السَّعي في أسباب البيت والخدمة، فعيل بمعنى فاعل. ﴿هَمَّاز﴾: غيَّاب (٢) وقَّاع في النَّاس. وقال ابن عبَّاس ﵄: مغتاب (٣). ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: كثيرِ المشي بالنَّميمة. وقال الفرَّاء: النَّميم والنَّميمة لغتان في المصدر (٤). وهي التَّضريب بين النَّاس بنقل الكلام الذي يُغلظ قلوبَ بعضهم على بعض، ويوقع الفساد والقطيعة بينهم. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾: كثير المنعِ نفعَه عن غيرِه، وقيل: بخيلٍ بالطَّعام. وقال الخارجة: كان الوليد بن المغيرة إذا كانت أيَّام منًى أمرَ مناديًا ينادي: ألَا لا يوقدنَّ أحدٌ تحتَ بُرْمَةٍ، ألَا ومَن أرادَ الحَيْسَ فليأتِ الوليد بن المغيرة، فيطعم أهل منًى حيسًا ثلاثة أيَّام ما أكلوا، ويتقدَّم إليه المسكين فيسأله فلا يعطيه شيئًا، فنزلت فيه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾، كان ينفق في الحجَّة الواحدة عشرين ألفًا أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهمًا (٥).

стр. 7340

وقيل: كان يمنع بني عمِّه أنْ يتَّبعوا محمَّدًا ﷺ . وقوله تعالى: ﴿مُعْتَدٍ﴾: أي: ظالم متجاوزٍ حدودَ اللَّه في معاملاته. ﴿أَثِيمٍ﴾: أي: مرتكبٍ للإثم فيما بينه وبين اللَّه. وقال قتادة: ﴿مُعْتَدٍ﴾ في عمله ﴿أَثِيمٍ﴾ بربِّه (١). ﴿عُتُلٍّ﴾: جافٍ غليظ. وقال الكسائيُّ: العُتُلُّ: الشَّديد (٢). وقال الخليل: هو الأكول المنُوع (٣). وقال الفرَّاء: هو الخصيم بالباطل (٤). وقال أبو عبيدة: هو الفظُّ الكافر (٥). وقال أبو سعيد الضَّرير: هو السَّريع إلى الشَّرِّ. وقال نفطويه: هو الفظُّ الغليظُ الذي لا ينقادُ إلى خير. وقال بعض البصريِّين: هو الأكول الرَّحيب الجوف، الذي همَّته بطنُه. وقال مجاهد: ﴿عُتُلٍّ﴾؛ أي: أكول شروب ظلوم غشوم (٦).

стр. 7341

وقال زيد بن أسلم: فاحش الخُلُق (١). وقال يمان بن رئاب: قاسٍ لئيم العِشْرة (٢). ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾: أي: مع ذلك، كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. وقيل: أي: نخبركم بعد هذا أنَّه زنيم. قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: الزَّنيم: الذي لا أصلَ له (٣). وقال الفرَّاء والكسائيُّ: هو الملصَقُ بالقوم ليس منهم (٤). وقال ابن عبَّاس ﵄ وأبو سعيد الخدريُّ وعكرمة وسعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والخليل والقتبيُّ: هو الدَّعيُّ (٥). وقال حسان بن ثابت: وأنتَ زنيمٌ نِيْطَ في آلِ هاشمٍ... كما نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ (٦)

стр. 7342

وقال آخر: زنيمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أبوهُ... بغيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيمِ (١) وقال أبو سعيد الضَّرير: معلَّم باللُّؤم، له زَنَمةٌ يُعرَف بها، والتَّيس له زَنَمتان في أذنيه كأنَّهما قرطان (٢). قال مرَّة الهمذانيُّ: أي: ادَّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة (٣). وقيل: كان نسبُه من أبيه ظاهرًا، لكن هذا إخبارٌ من اللَّه تعالى عن حقيقة حاله عنده أنَّه لغير رِشدَةٍ. وقد روي: أنَّه دخل على أمِّه شاهرًا سيفَه، وقال: إنَّ محمَّدًا ذمَّني بعشر صفات، ووجدْتُ تسعةً في نفسي، فأمَّا الزنيم فلا علم لي به، فإنْ أخبرتِني بحقيقته وإلَّا ضربْتُ عنقَكِ. فقالت: اسكُنْ ولأَصْدُقنَّكَ، وتأمَّل إنْ نفعتُكَ بما فعلْتُ (٤)، وإلَّا فعاتبني (٥)، اعلم أنَّ أباك كان عنِّينًا (٦)، وخفْتُ أن يموتَ فينقطعَ ذِكْرُه، ويتفرَّقَ مالُه في غير ولدِه، فدعوْتُ راعيًا إلى نفسي، فأنت من ذلك الرَّاعي (٧).

стр. 7343

قال أهل العلم: إنَّ الوليد الملعون عابَ رسول اللَّه ﷺ بما ليس فيه، وسمَّاه باسمٍ واحدٍ قبيحٍ كاذبًا، وهو المجنون، فأجاب اللَّه عنه، وسمَّاه بعشرة أسماء صادقًا، وهي مذمومة، فإن كان من عدل اللَّه أن يجزي المسيء إلى رسوله بعشرٍ، كان من فضل اللَّه تعالى أنَّ مَن صلَّى عليه واحدة صلَّى اللَّه عليه بها عشرًا. * * * (١٤ - ١٦) - ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾: قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿أأنْ كَانَ ذَا﴾ بهمزتين، وهو استفهام بمعنى التَّوبيخ، وقرأ ابن عامر بالمدِّ، وهو كذلك. وقرأ الباقون بهمزة واحدة (١)، ومعناه: ولا تطعْهُ بأن كان، أو لأن كان. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ويجوز على الوجهين اتِّصاله بقوله: ﴿أَنْ كَانَ﴾، ويجوز أن يكون هذا ابتداءً، وقوله: ﴿أَنْ كَانَ﴾ متَّصلًا بقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: قال السُّدِّيُّ ﵀: أي: على الأنف. وكذا قال الرَّبيع بن أنس (٢). وقال أبو سعيد الضَّرير: الخرطوم: الفم وطرف الأنف، قاله (٣) نفطويه.

стр. 7344

فإنْ قيل: أليس يسوَّد وجهُ الكافر، فما بالُ ذِكر الأنف خاصَّة؟ فالجواب: أنَّ العرب خُوطبت بما (١) تتكلَّم، فيقولون: أرغمْتُ أنفَه، واحتززْتُ أنفَه، وقدْتُه بخزامته، ويقولون: شمَخ بأنفِه، فينسبون الكِبْر إلى الأنف، وهكذا ذكرُ الأنف بالوَسم، وإن كان السَّواد في سائر وجهه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقيل: هو على مجاز كلام العرب إذا شانوا الرَّجل بما يبقى عاره، قالوا: وسَمْتُه وكويته، قال جرير: لَمَّا وضعْتُ على الفرزدقِ مِيْسَمي... وعلى البَعِيْثِ جدعْتُ أنفَ الأخطلِ (٢) والتَّأويل: سنسم هذا الكافر بسِمَةٍ لا تفارقُه أبدًا؛ أي: سنُلحق به عارًا لا يفارقُه في الدُّنيا والآخرة. وقد فعل ذلك لَمَّا أنزل في القرآن من ذكر خصاله هذه، فعرفه بها الأوَّلون والآخرون، فصار ذلك شَينًا باقيًا عليه. وخَصَّ ذكرَ الخرطوم لأنَّ ذلك ممَّا لا يَنكتِم كما ينكتم إذا كان في سائر البدن. * * * (١٧ - ١٩) - ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾: أي: اختبرنا هؤلاء المشركين المانعين الخيرَ بالأولاد والأموال ليشكروا، لا ليطغَوا ويمنعوا خيره (٣).

стр. 7345

﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾: أي: البستان، وكان بأرض اليمن في قرية يُقال لها: ضروان، على فراسخَ من صنعاء، وكانت بالقُرْب من أهل مكَّة، وقد عرفوا ذلك، وكانت لرجلٍ يؤدِّي حقَّ اللَّه منها، ويواسي عبادَه منها، فلمَّا مات صارَتْ إلى ولدِه، فمنعوا النَّاس خيرَها، وبخلوا بحقِّ اللَّه تعالى فيها، فأهلكها اللَّه تعالى، فكذلك هؤلاء. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾: أي: حين حلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾؛ أي: ليقطعُنَّ ثمارها، ويجوز في النَّخيل والأعناب والزُّروع. ﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في أوَّل صباح النَّهار (١) قبل انتشار المساكين. ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾: أي: ما قالوا: إن شاء اللَّه (٢).

стр. 7346

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: أتى هذه الجنَّة أمرٌ من أمر اللَّه تعالى ليلًا فاستأصلها. ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: أي: في حال نومِهم. * * * (٢٠ - ٢٤) - ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾. ﴿فَأَصْبَحَتْ﴾: أي: الجنَّة ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ قال الكسائيُّ: أي: كالمصروم (١). وإنَّما قال: ﴿فَأَصْبَحَتْ﴾، وقد طاف الطَّائف ليلًا؛ لأنَّ معناه: فنظروا إليها صباحًا، فصارَت لهم كجنَّة قد صُرِمَتْ ثمارها، وكأرضٍ قد حُصِدَ زرعُها. وكذلك قال قتادة: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾: كأنَّها صُرِمَتْ (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾؛ أي: سوداء محترقة كاللَّيل (٣). وأنشد أبو عمرو بن العلاء: تطاولَ ليلُكَ الجَوْنُ البَهيْمُ... فما ينجابُ عنْ صُبْحٍ صَريمُ

стр. 7347

إذا ما قلْتَ أقشعَ أو تناها... جرَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ غيومُ (١) ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾: أي: لَمَّا أصبح أصحابُ الجنَّة نادى بعضهم بعضًا: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾؛ أي: امضوا لصِرام بستانكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾؛ أي: إن كنتم مريدين صرامَه. ﴿فَانْطَلَقُوا﴾: أي: ذهبوا في هذا الوقت ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾؛ أي: يخفضون أصواتهم في الكلام، ويتسارُّون بهذا الحديث. ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾: وله وجهان: أسرِعوا قبل أن يحضر المساكين. والثَّاني: إذا حضروا فلا تدعونهم يدخلونها، ولا تعطوهم شيئًا. * * * (٢٥ - ٢٧) - ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾: أي: قصدٍ قادرين عندَ أنفسِهم. وقيل: على منعٍ. وقال نفطويه: على حدٍّ في المنع، قادرين عند أنفسهم على المنع. وقيل: أي: مع القدرة على الإعطاء، ومع السَّعة التي لا عذر معها في المنع. وقال الحسن وقتادة: على فقرٍ وفاقة إليها (٢)، من قولهم: حاردَتِ السَّنةُ: إذا منعَتْ قطرَها، وحاردَتِ النَّاقةُ: إذا منعَتْ لبنَها.

стр. 7348

﴿قَادِرِينَ﴾ على المنع عند أنفسهم. وقال سفيان: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾؛ أي: على غضب وحقد على المساكين (١). ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾: أي: فلمَّا أتوا الجنَّة ورأوها محترقة ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: إنَّا ضللنا طريقنا (٢)، فليسَتْ هذه هي. وقيل: بل أرادوا: إنَّا لضالُّون عن الصَّواب؛ أي: في غدوِّنا على نيَّة منع المساكين، فلذلك عوقبنا بهلاكها. ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: أي: تنبَّهوا أنَّهم ما أخطؤوا طريق بستانهم، وقالوا: ما ضللنا الطَّريق، لكنَّ اللَّه تعالى حرمَنا ثمارَها بسوء نيَّتنا، ويكون هذا اعترافًا بالذَّنب. وقيل: بل أرادوا به: إنَّا مجارَفون (٣)، كالرَّجل يريد الشَّيء فلا يناله، فيقول: هذا من حرماني، لا يعترف بعقوبةٍ على جناية، بل يضيفه إلى عدم الجدِّ وحرمان الحظِّ. * * * (٢٨ - ٣٠) - ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾. قول: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾: أي: أعدَلُهم وأنبلهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قيل: هلَّا تعظِّمون اللَّه تعالى بتفويض الأمر إليه، والتَّبرِّي من الحول والقوَّة والتَّعليقِ بالاستثناء.

стр. 7349

وقال مجاهد: كان التَّسبيح منهم استثناء (١). أشار إلى أنَّ هذا الأوسط كان أمرهم بذلك أوَّلًا فامتنعوا، وبنوا الأمر على قدرتهم. ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: اشتغلوا بالتَّسبيح، واعترفوا بالذَّنب، وهو نيَّة المنع أو ترك الاستثناء. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾: أي: يلوم كلُّ واحدٍ منهم صاحبَه على ترك نهيه عنه. وقال الكلبيُّ: أي: يقول: أنت أشرْتَ علينا بذلك (٢). * * * (٣١ - ٣٣) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾: مفرِطين في المعصية، مجاوِزِين لحدِّ الطَّاعة. ثم انقطعوا بآمالهم إلى اللَّه تعالى فقالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾: قال الحسنُ ﵀: لا أدري أكان ذلك إيمانًا منهم أم ما يكون من المشرك عند البلاء. ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾: أي: كذلك نعذِّب مَن فعل فعلَهم بما به عذَّبناهم. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾: أي: للمشركين ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: يتفكَّرون (٣) في العواقب فيعلمون ذلك.

стр. 7350

قال أبو معاذ: قال خارجةُ: حُدِّثْتُ أنَّ هذه الجنَّة كانت قريبةً من صنعاء في الفترة، وكان أهلها مسلمين على دين عيسى، وكان الفقراء يحملون في تلك الجنَّة ستَّ سنين، والنَّفقة على الأغنياء، فإذا كانت السَّنةُ السَّابعةُ كان للفقراء ثمرُها وخيرها، غيرَ أنَّ الرِّقاب لأربابها الأغنياء، فكانوا كذلك ما شاء اللَّه، ثمَّ دخلهم ما يدخل النَّاس من الأمر الطبيعي، فغدَوا ليَحرموا المساكين في سنَتهم السَّابعة، فابتلاهم اللَّه تعالى بما ذكَرَ، فتاب اللَّهُ عليهم، فلمَّا كان في السَّنة الثَّامنة عمَروها من أموالهم ونفقاتهم، فدفعوها إلى الفقراء، فتاب اللَّه عليهم. وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ اللَّه تعالى ابتلى أهل مكَّة بالقحط بعد تعزُّزهم بالأموال، كما كان لأهل تلك الجنَّة (١). وقال الكلبيُّ: بلغَنا أنَّهم كانوا أبناء قوم صالحين، وأنَّ أباهم قد جعل للمساكين حظًّا من جنَّته عند الحصاد ما أخطأ (٢) المنجلُ، وعند القطاف ما أخطأ القاطف (٣)، ومن النَّخل ما انتثر منها، فلمَّا مات شيخُهم قال بنوه: إنَّ في هذا الفضل لطعامٌ كثيرٌ، وغدوا وقت السُّدْفة (٤)، وتقاسموا ألَّا يُطعموا مسكينًا شيئًا، فأصابهم ما ذكر اللَّه تعالى (٥).

стр. 7351

قال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ شيخًا من بني إسرائيل كان له جنَّة وبنون، فجعل الشَّيخ ينظر قَدْرَ ما يكفيه وولده وأهله، فيمسكه ويتصدَّق بالباقي، وجعل بنوه يقولون له: لئِنْ لم تنتهِ لنفعلَنَّ ولنفعلَنَّ، فأبى أن يعطيَهم، فمات الشَّيخ، وورثه بنوه، ومنعوا الحقَّ عن المساكين، فأصبحت جنَّتهم كالصَّريم (١). وقال عكرمة: هم ناسٌ من الحبشة كانت لأبيهم جنَّة، وكان يطعم المساكين منها، فمات أبوهم، فقال بنوه: كانوا أبونا أحمقَ حين يُطعم المساكين، فأجمَعوا ليَصرمنَّها مصبحين. . . القصَّة (٢). وقال ابن مسعود ﵁: بلغني أنَّ القوم أخلصوا، وعلم اللَّه منهم الصِّدق، فأبدلهم بها جنَّة يُقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغلُ منها عنقودًا (٣). * * * (٣٤ - ٣٨) - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: ذكر أوَّلًا: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ وذلك للمشركين، وذكر بعد ذلك ما يكون للمتَّقين أنَّهم لم يتعزَّزوا بجنَّات الدُّنيا ونعيمها، ولم يمنعوا حقَّ المساكين منها، وأعطاهم اللَّه تعالى جنَّات النَّعيم في الآخرة. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾: استفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لا نسوِّي بينهم.

стр. 7352

﴿مَا لَكُمْ﴾: أي: ما اعترَض في عقولكم حتَّى سوَّيتم بينهم، بل قدَّمتم أولئك على هؤلاء. ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: بهذا ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾: كسَر (إنَّ) لِمَا ذُكر بعدها مِن اللَّام، ولولاها لفتحت لوقوع الفعل السَّابق عليه. وذكر ﴿فِيهِ﴾ مرَّتين، وذكر الكسائيُّ أنَّ الأوَّل يجوز أن يكون كنايةً عن الكتاب، والثَّاني عن الحكم، ويجوز على عكسه. وهو ردٌّ لقولهم: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]. * * * (٣٩ - ٤١) - ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾: وكسر ﴿إِنَّ﴾ للَّام أيضًا في هذا، ومعناه: أم لكم علينا أيمان حلفنا بها لكم أنَّا نعطيكم إلى يوم القيامة جميعَ ما تحكمون علينا لأنفسكم في الدُّنيا، حتَّى لا نزيل عنكم مع كفركم نعمةً. والآية الأولى من نعم الآخرة، فتتَّصل لهم نِعمُ الدُّنيا والآخرة بتحكُّمهم. قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾: أي: سَلْ هؤلاء المشركين يا محمَّد أيُّهم الضَّامن لهم من اللَّه بهذا. وقيل: سلهم أيُّهم يقوم بتصحيح هذه الدَّعوى.

стр. 7353

﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ في هذا القول يشهدون (١) لهم بصحَّته (٢). ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾: أنَّ لهم شهداء. وقيل: معناه: ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ آلهةٌ أشركوها باللَّه فهي لهم ﴿شُرَكَاءُ﴾؛ أي: عندهم ينزلونهم يوم القيامة منازلَ المتَّقين، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ هؤلاء ليفعلوا بهم يوم القيامة ذلك ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. * * * (٤٢) - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: أي: فليأتوا بهم في هذا اليوم الذي يُكشَف فيه عن أهوال وشدائدَ، والعرب تقول للأمر إذا اشتدَّ: قام على (٣) ساق. وقال الشاعر: قد سنَّ أقوامك ضربَ الأعناقْ... وقامتِ الحربُ بنا على ساقْ (٤) وقال آخر:

стр. 7354

عجبْتُ مِنْ نفسِي ومِنْ إشفاقِها... ومِنْ ذيادي الطَّيرَ عَنْ أرزاقِها في سَنَةٍ قد كشفَتْ عن ساقِها... حمراءَ تُبدي اللحمَ عن عُراقها (١) وقال القتبي: وأصل هذا: أنَّ الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة وجدٍّ فيه شمَّر عن ساقه، فاستعير السَّاق في موضع الشِّدة (٢). وقال دريد بن الصِّمَّة: كَمِيْشُ الإزارِ خارجٌ نصفُ ساقِهِ... صَبورٌ على الجلَّاءِ طلَّاعُ أنجدِ (٣) وقال الهذلي: وكنْتُ إذا جاري دعا لِمَضُوفَةٍ... أشمِّرُ حتَّى يَنْصُفَ السَّاقُ مِئزَرِي (٤) والحملُ في هذه الآية على ظهور شدائد الأمور قولُ ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد وجماعة (٥).

стр. 7355

وقال ابن عبَّاس ﵄: هو أشد ساعةٍ في يوم القيامة (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾: أي: ويدعى هؤلاء المشركون إلى السُّجود ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. * * * (٤٣) - ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: أي: ذليلةً ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾؛ أي: تغشاهم ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾؛ أي: في الدُّنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾؛ أي: ولهم سلامة الآلات ولا يسجدون. وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ ليس هذا بدعاءِ أمر ونداء، بل معناه: يُحملون على قصد السُّجود، وذلك إذا رأوا المؤمنين يسجدون للَّه تعالى يومئذ ويقدرون، فيقصد المنافقون والمشركون، فيصير ظهورهم طبقًا واحدًا، وفي رواية: كسفافيد (٢) الحديد، فلا تنحني، فيبقون قيامًا كذلك (٣). ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ﴾ في الدُّنيا، قيل: هو نداء المؤذِّن إلى الصَّلاة. قال كعبُ الأحبار: واللَّه ما نزلت هذه الآية إلَّا في المتخلِّفين عن الجماعات (٤). * * *
следующие страницы →