← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

قال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ شيخًا من بني إسرائيل كان له جنَّة وبنون، فجعل الشَّيخ ينظر قَدْرَ ما يكفيه وولده وأهله، فيمسكه ويتصدَّق بالباقي، وجعل بنوه يقولون له: لئِنْ لم تنتهِ لنفعلَنَّ ولنفعلَنَّ، فأبى أن يعطيَهم، فمات الشَّيخ، وورثه بنوه، ومنعوا الحقَّ عن المساكين، فأصبحت جنَّتهم كالصَّريم (١). وقال عكرمة: هم ناسٌ من الحبشة كانت لأبيهم جنَّة، وكان يطعم المساكين منها، فمات أبوهم، فقال بنوه: كانوا أبونا أحمقَ حين يُطعم المساكين، فأجمَعوا ليَصرمنَّها مصبحين. . . القصَّة (٢). وقال ابن مسعود ﵁: بلغني أنَّ القوم أخلصوا، وعلم اللَّه منهم الصِّدق، فأبدلهم بها جنَّة يُقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغلُ منها عنقودًا (٣). * * * (٣٤ - ٣٨) - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: ذكر أوَّلًا: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ وذلك للمشركين، وذكر بعد ذلك ما يكون للمتَّقين أنَّهم لم يتعزَّزوا بجنَّات الدُّنيا ونعيمها، ولم يمنعوا حقَّ المساكين منها، وأعطاهم اللَّه تعالى جنَّات النَّعيم في الآخرة. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾: استفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لا نسوِّي بينهم.

стр. 7352

﴿مَا لَكُمْ﴾: أي: ما اعترَض في عقولكم حتَّى سوَّيتم بينهم، بل قدَّمتم أولئك على هؤلاء. ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: بهذا ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾. ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾: كسَر (إنَّ) لِمَا ذُكر بعدها مِن اللَّام، ولولاها لفتحت لوقوع الفعل السَّابق عليه. وذكر ﴿فِيهِ﴾ مرَّتين، وذكر الكسائيُّ أنَّ الأوَّل يجوز أن يكون كنايةً عن الكتاب، والثَّاني عن الحكم، ويجوز على عكسه. وهو ردٌّ لقولهم: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]. * * * (٣٩ - ٤١) - ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾: وكسر ﴿إِنَّ﴾ للَّام أيضًا في هذا، ومعناه: أم لكم علينا أيمان حلفنا بها لكم أنَّا نعطيكم إلى يوم القيامة جميعَ ما تحكمون علينا لأنفسكم في الدُّنيا، حتَّى لا نزيل عنكم مع كفركم نعمةً. والآية الأولى من نعم الآخرة، فتتَّصل لهم نِعمُ الدُّنيا والآخرة بتحكُّمهم. قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾: أي: سَلْ هؤلاء المشركين يا محمَّد أيُّهم الضَّامن لهم من اللَّه بهذا. وقيل: سلهم أيُّهم يقوم بتصحيح هذه الدَّعوى.

стр. 7353

﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ في هذا القول يشهدون (١) لهم بصحَّته (٢). ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾: أنَّ لهم شهداء. وقيل: معناه: ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ آلهةٌ أشركوها باللَّه فهي لهم ﴿شُرَكَاءُ﴾؛ أي: عندهم ينزلونهم يوم القيامة منازلَ المتَّقين، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ هؤلاء ليفعلوا بهم يوم القيامة ذلك ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. * * * (٤٢) - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: أي: فليأتوا بهم في هذا اليوم الذي يُكشَف فيه عن أهوال وشدائدَ، والعرب تقول للأمر إذا اشتدَّ: قام على (٣) ساق. وقال الشاعر: قد سنَّ أقوامك ضربَ الأعناقْ... وقامتِ الحربُ بنا على ساقْ (٤) وقال آخر:

стр. 7354

عجبْتُ مِنْ نفسِي ومِنْ إشفاقِها... ومِنْ ذيادي الطَّيرَ عَنْ أرزاقِها في سَنَةٍ قد كشفَتْ عن ساقِها... حمراءَ تُبدي اللحمَ عن عُراقها (١) وقال القتبي: وأصل هذا: أنَّ الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة وجدٍّ فيه شمَّر عن ساقه، فاستعير السَّاق في موضع الشِّدة (٢). وقال دريد بن الصِّمَّة: كَمِيْشُ الإزارِ خارجٌ نصفُ ساقِهِ... صَبورٌ على الجلَّاءِ طلَّاعُ أنجدِ (٣) وقال الهذلي: وكنْتُ إذا جاري دعا لِمَضُوفَةٍ... أشمِّرُ حتَّى يَنْصُفَ السَّاقُ مِئزَرِي (٤) والحملُ في هذه الآية على ظهور شدائد الأمور قولُ ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد وجماعة (٥).

стр. 7355

وقال ابن عبَّاس ﵄: هو أشد ساعةٍ في يوم القيامة (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾: أي: ويدعى هؤلاء المشركون إلى السُّجود ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. * * * (٤٣) - ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: أي: ذليلةً ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾؛ أي: تغشاهم ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾؛ أي: في الدُّنيا ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾؛ أي: ولهم سلامة الآلات ولا يسجدون. وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ ليس هذا بدعاءِ أمر ونداء، بل معناه: يُحملون على قصد السُّجود، وذلك إذا رأوا المؤمنين يسجدون للَّه تعالى يومئذ ويقدرون، فيقصد المنافقون والمشركون، فيصير ظهورهم طبقًا واحدًا، وفي رواية: كسفافيد (٢) الحديد، فلا تنحني، فيبقون قيامًا كذلك (٣). ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ﴾ في الدُّنيا، قيل: هو نداء المؤذِّن إلى الصَّلاة. قال كعبُ الأحبار: واللَّه ما نزلت هذه الآية إلَّا في المتخلِّفين عن الجماعات (٤). * * *

стр. 7356

(٤٤) - ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: أي: فكِلْ يا محمَّد هؤلاء المكذِّبين بهذا القرآن إليَّ. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: أي: سنُدْنيهم من عذابنا ونقمتنا بالإمهال قليلًا قليلًا، كما يرقَى الرَّاقي موضعًا عاليًا، فيتدرج إليه درجة درجة، وشيئًا شيئًا، حتى يصل إليه بالمَهَل. ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: من حيث يغترُّون بطول الإمهال ولا يدرون تقريبي إيَّاهم من العذاب والنَكال. وقال زيد بن أسلم: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: نُسبغ عليهم النِّعم ونُنسيهم الشُّكر (١). وعن النَّبيّ ﷺ أنَّه قال: "إذا رأيْتَ اللَّهَ تعالى ينعمُ على عبدٍ وهو مقيمٌ على معصيتِه، فاعلم أنَّه مستدرَجٌ"، وتلا قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وعن عمر ﵁ لَمَّا حُمل إليه كنوز كسرى وملؤوا منها المسجد بكى وقال: أخشى أن أكون مستدرجًا، وتلا هذه الآية (٣).

стр. 7357

وقال أبو روق: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: كلَّما أحدثوا خطيئةً جدَّدنا لهم نعمةً وأنسيناهم الاستغفار (١). * * * (٤٥ - ٤٧) - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. قوله ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾؛ أي: أمهلهم ولا أعاجلهم بالعذاب. والإملاء: إطالة الملاوة (٢) -بفتح الميم وضمِّها وكسرها- وهي المدَّة من الدَّهر. ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾؛ أي: أخذي بالعذاب شديدٌ قويٌّ. نزلَتْ في المستهزئين من قريش، وقتلَهم اللَّهُ تعالى في ليلةٍ، وقد مرَّت قصتُهم آخِر (سورة الحجر). قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ﴾: معطوف على ما مرَّ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾. ﴿هُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾: استفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لستَ تطمع في شيء من أموالهم في تبليغ الوحي فيثقلَ عليهم فيمتنعوا لذلك. قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾: قيل: أم عندهم اللَّوح المحفوظ وهم

стр. 7358

يكتبون منه ما هو كائن، فيجادلونك به ويزعمون أنَّهم على كفرهم أفضلُ منك عند اللَّه، وأنَّه لا ينزل بهم عذابٌ مستأصِل، أو فيه أنَّ البعث غير كائن. * * * (٤٨ - ٤٩) - ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: أي: لِمَا حكم عليك مِن تبليغ (١) الرِّسالة باحتمال أذى قومك، ولا تَضِقْ به صدرًا، واترك معاجلتهم بالعذاب. ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾: أي: كيونس ﵇؛ إذ لم يصبر على أذى قومه وخرج مغاضبًا، فضيَّق اللَّه عليه، فالتقمَه الحوتُ. ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾: قال الحسين بن الفضل: ﴿إِذْ نَادَى﴾ لا يرجع إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ﴾؛ إذ النِّداء طاعة فلا يُنهى عنها، لكن معناه: واذكره إذ نادى وهو مكظوم؛ أي: مملوءٌ حزنًا وغضبًا. ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي: لولا أنَّ اللَّه تعالى أنعمَ عليه بإجابة دعائه وقَبول عذره. ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾: أي: لألقي بالأرض العارية عن النَّبات والبناء ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ بزلَّته. وقد مرَّ في آية أخرى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]؛ أي: ألقاه الحوت. ولا تختلف الآيتان لوجهين: أحدهما: أنَّ الأوَّل ليس بمطلَق النبذ، بل لنبذِه مذمومًا ولم يكن كذلك، وفي الثَّاني نبذَه بالعراء وقد كان محمودًا، وأرسله إلى مئة ألف أو يزيدون.

стр. 7359

والثَّاني: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾؛ أي: لبقي في بطن حوته إلى يوم القيامة، ثم ألقي في عراءِ عرصة القيامة، حين يحشر النَّاس، ولكنْ منَّ اللَّه تعالى عليه فنبذَه بعراء الدُّنيا، وهو كقوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]. * * * (٥٠ - ٥١) - ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: أي: اصطفاه لدعائه وعَذَرَه. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: من المرسلين إلى مئة ألف أو يزيدون؛ فإنَّ الصَّالحين اسمُ الرُّسل. وقيل: أي: بنبوَّته، وعذَرَه جعَلَه صالحًا، لم تبقَ له زلَّة، بل هو مستكمِل (١) لصفات الصَّلاح. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾: وقد مرَّ مرَّات أنَّ (إنْ) الخفيفةَ وبعدها اللَّام لذلك وجهان: أحدهما: أنَّ (إنْ) نفيٌ، واللَّام بمعنى (إلَّا). ووجه آخر: أنَّهما للتَّأكيد. وقرأ حمزة: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارِهم﴾ بفتح الياء من زَلِقَ، والباقون بضمِّها من أَزْلَقَ (٢).

стр. 7360

وزَلِق: إذا سقط، وأَزْلَق: إذا أَسْقط. يقول: يكاد هؤلاء المشركون يسقطونك بعيونهم لشدَّة نظرهم بها إليك بغضًا لك وغيظًا عليك ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾؛ أي: حين يسمعون القرآنَ؛ لِمَا فيه مِن سبِّهم، وتسفيه أحلامِهم، وعجزهم عن معارضته. ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾: أي: إنَّ محمَّدًا لمجنون، وكلامه كلام مجنون. * * * (٥٢) - ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. فردَّ اللَّه تعالى قولَهم فقال: ﴿وَمَا هُوَ﴾: أي: وما كلامه والذي يقرؤه (١) كلام مجنون. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ما هذا القرآن إلَّا ذكر؛ أي: تذكير للعالمين كلِّهم. وقال النَّضر بن شميل: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾؛ أي: ليَعينونك؛ أي: يُصيبونك بأعينهم. وكذا قال الأخفش (٢). وقال الحسن: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾؛ أي: ليقتلونك بإصابة العين (٣). وقد عانه يَعينه عينًا، فهو عائن، والآخر معيون، على الأصل. قال الشَّاعر: قد كان قومُكَ يحسِبُونَكَ سَيِّدًا... وإخِالُ أنَّك سيِّد مَعيون (٤)

стр. 7361

وقال الحسنُ: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. . . الآية (١). وقال الحسين بن الفضل: جواب قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ في أوَّل هذه السورة: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. والحمدُ للَّهِ أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا * * *

стр. 7362

سورة الحاقة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أخذ الطَّاغين أخذةً رابِيَة، الرحمنِ الذي لا يخفَى عليه خافِيَة، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين بجنَّةٍ عالية. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ الحاقَّة حاسبَه اللَّهُ تعالى حسابًا يسيرًا" (١). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي إحدى وخمسون آية، ومئتان وثمانٍ وخمسون كلمة، وألفٌ ومئةٌ وعشرة أحرف. وانتظامُ ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه قال في ختم تلك: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: عِظَةٌ، وأعظم العِظَات ذكرُ يوم القيامة، وما فيها في القسَم على حال رسول اللَّه ﷺ ، وما فيها من العقوبات (٢). وافتتح هذه السُّورة بذلك.

стр. 7363

وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك أوَّلُها في القسَم على خُلُق (١) رسول اللَّه ﷺ ، وباقيها في (٢) أجزية موافقيه ومخالفيه أيضًا في الدُّنيا والآخرة، وهذه آخرُها في القسَم على ذلك، وباقيها في (٣) أجزية موافقيه ومخالفيه أيضًا في الدُّنيا والآخرة. * * * (١) - ﴿الْحَاقَّةُ﴾. وقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: أي: القيامة. قال الخليل: ﴿الْحَاقَّةُ﴾؛ أي: النَّازلة التي حقَّتْ فلا كاذبةَ لها (٤). وهذا لأنَّ أخبار اللَّه تعالى في الدُّنيا متتابعةٌ في كتبه وعلى ألسنة رسله، يذكرها مع خفاء وقتها، فإذا قامت قيل: هي الحاقَّة؛ أي: قد حقَّتْ كما كانت تُذكَر. وتسمَّى الآن حاقَّة على أنَّها واقعةٌ لا محالة، كما سُمِّيَتْ الواقعةَ لوقوعها لا محالة. وقيل: سُمِّيت بها لأنَّها تَحُقُّ كلَّ إنسان بعمله من خير أو شر؛ أي: تجعله حقيقًا (٥). وقيل: سُمِّيت بها لانَّها تَحِقُّ فيها الأمور، فيَظهَرُ إحسان المحسن وإساءةُ المسيء، ويظهر ما يجب له وعليه من ثواب أو عقاب، فهي حاقَّة على معنى أنَّ الحقَّ فيها، كما يُقال: ليل نائم؛ لِمَا أنَّ النَّوم يكون فيه. وقال قتادة: سُمِّيت بها لأنَّه حقَّت فيه لكلِّ قوم أعمالهم (٦)؛ أي: صحَّت.

стр. 7364

وقيل: هي من حَقَّ الشَّيء يَحِقُّ حقوقًا؛ أي: وجب، وهي واجبة؛ أي: كائنة لا محالة. وقال الحسن البصري ﵀: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ معناها: أنَّه تَحِقُّ فيها لأقوامٍ الجنَّةُ بأعمالهم، وتَحِقُّ لأقوامٍ النَّارُ بأعمالهم. * * * (٢ - ٥) - ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾. ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾: استفهام بمعنى التَّعجُّب، وهو تفخيم لشأنها، كقولك: زيدٌ، وما زيدٌ؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾: أي: وما أعلمَكَ يا محمَّد أيَّ شيءٍ فيها من الأهوال وشدائد الأحوال، وهو تفخيم آخر، وهو كقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: ٥]. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾: أي: بالقيامة، وسُمِّيَتْ بها لأنَّه تقرعُ قلوب العباد لهجومها عليهم. وقيل: تَقْرع أعداء اللَّه بالعذاب. وقيل: هي الدَّاهية؛ أي: كذَّبَ الأوائل بالقيامة، فلم يؤمنوا باللَّه ورسله، فأهلكناهم في الدُّنيا، وصيَّرناهم إلى عذاب الآخرة، فكذلك حال مشركي زمانك كذَّبوا بالقيامة، فلم يؤمنوا بي وبكتابي ورسولي، فعاقبتهم لذلك. ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾: أي: بالصَّيحة المتجاوِزة حدَّ الصَّيحات في الهول، حتَّى لم تحتملها قلوب القوم، وهو كما قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١].

стр. 7365

فـ (الطَّاغية) وصفٌ لتلك الصَّيحة؛ لمجاوزتها القَدْر المعتاد، كما قال: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١]؛ أي: لَمَّا (١) جاوزَ القَدْرَ في الكثرة. وقيل: معناه: فأهلكوا بطغيانهم. والطَّاغيةُ: مصدر كالكاذبة والباقية والخاطئة، والألف واللَّام بدل الإضافة. وقيل: الطَّاغية: نعتٌ للفِرْقة؛ أي: بسببِ (٢) فرقةٍ طاغيةٍ منهم، وهم قُدارٌ وأصحابه الذين عقروا النَّاقة. ويجوز أن تكون الطَّاغية هو قُدار وحدَه، والهاء للمبالغة، كما يُقال: علَّامة ونسَّابة وراوية للشِّعر. * * * (٦ - ٧) - ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾: أي: باردةٍ، من الصِّرِّ. وقيل: شديدةِ الصَّوت، من الصَّرير. ﴿عَاتِيَةٍ﴾؛ أي: مجاوزةٍ للقَدْر في شدَّة العُصوف. وقيل: عتت على خُزَّانها فلم يضبطوها. وقيل عتت عليهم فقهرتهم (٣) وأهلكتهم، والعاتي الذي لا يُتَّقى ولا يُرَاقب.

стр. 7366

قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: اللَّهُ تعالى أدامَها عليهم منقادةً لأمرِه فيهم، لا تَفْتُر. ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾: أي: متتابعةً لا تنقطع. قال الفرَّاء: أُخذَ من حَسْم النَّار: إذا كُوي صاحبُه بها؛ لأنَّ المكواة تُحمَّى بالنَّار ويكوى بها، ويتابَع ذلك عليه (١). وقال يونس: لا أعرف واحدَها. وقال أبو الجرَّاح الأعرابيُّ: ليلةٌ حسامُ الحرِّ، ويومٌ حسامُ الحرِّ (٢)، والجمع: الحُسُوم. وقيل: ﴿حُسُومًا﴾؛ أي تَحسِم كلَّ شيءٍ تأتي عليه؛ أي: تقطَعه وتستأصلُه، وعلى هذا يكون قوله: ﴿حُسُومًا﴾ صفةً للرِّيح، لا للَّيالي والأيَّام. وقيل: هو مصدر، ومعناه: سخَّرها عليهم حَسْمًا لهم؛ أي: إهلاكًا واستئصالًا. وقال أبو معاذ: هو جمع حَسْم، كقولك: زرعتُ زروعًا؛ أي: ضروبًا منه. وقيل: ﴿حُسُومًا﴾؛ أي: شؤمًا لا خير فيه، يُقال: هذه أيَّام الحسوم؛ أي: الشُّؤم وقطعِ الخيراتِ عن أهلها. قوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾: وهو خطاب السَّامع، ومعناه: يراهم مَن يراَهَم في هذه اللَّيالي والأيام مصرَّعين. والصَّرعى: جمع صريع، كالأسرى جمع أسير.

стр. 7367

﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾؛ أي: أصول نخل، وهي جمع نخلة. ﴿خَاوِيَةٍ﴾: أي: خالية الأجواف، وهذه صفةٌ لهم بعِظَم الخِلْقة. وقيل: معناه: أنَّ الرِّيح قطعتهم حتَّى صاروا قطعًا ضخامًا كأصول النَّخل. والوصف بالخَواء: أنَّ الرِّيح كانت تدخل أجوافهم فتصرعُهم كالنَّخلة الخاوية. وقيل: أراد بها البالية؛ لأنَّها إذا بليَتْ خَلَتْ أجوافُها، يقول: أبلتْهُم الرِّيح فصاروا كالنَّخيل البالية. * * * (٨) - ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾: قيل: أي: مِن نفسٍ باقية. وقيل: أي: مِن بقاء، على المصدر، كالكاذبة والخاطئة؛ أي: فهل ترى أنت أو أحد من النَّاس أحدًا بقيَ مِن نسلِ أولئك؟ أليس قد بادوا فما بقيَ أحدٌ منهم ولا مِن نسلهم؟ قال ابن جُريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيَّام أحياءً في عذاب اللَّه تعالى من الرِّيح، فلمَّا أمسَوا اليومَ الثَّامن ماتوا، فاحتملتْهم الرِّيح فألقتهم في البحر، فذلك قول اللَّه تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. قال: وأُخبرْتُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "عذَّبهم بُكرةً، وكشف عنهم العذاب في اليوم الثَّامن حين كان اللَّيل" (١).

стр. 7368

وهذه الأيَّام تُسمَّى أيَّام العجوز، وتكون باردةً ذات رياح. قال وهبٌ: نسبَتِ الأيَّام إليها لأنَّ عجوزًا دخلت سربًا فتبعتها الرِّيح فقتلتها في اليوم الثَّامن من نزول العذاب (١). وقال ابن حبيب: أسماء هذه الأيام مذكورة (٢) فيما قال الشَّاعر: كُسِعَ الشِّتاءُ بسبعةٍ غُبْرِ... أيَّامِ شَهْلَتِنا مِنَ الشَّهْرِ فإذا مضَتْ أيَّامِ شَهْلَتِنا... بالصِّنِّ والصِّنَّبْرِ والوَبْرِ وبآمِرٍ وأخيهِ مُؤْتَمِرٍ... ومُعَلِّلٍ ومُطْفِئِ الجَمْرِ ذهبَ الشِّتاءُ موليًا هَرَبا... وأتتْكَ واقدةٌ مِنَ النَّجْرِ (٣) * * * (٩ - ١١) - ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾: قرأ أبو عمرو والكسائيُّ بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: ومَن عنده ومَن معه، والباقون بفتح القاف وتسكين الباء؛ أي: ومَن تقدَّمه (٤).

стр. 7369

﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾: أي: وقرى قوم لوط المنقلِبةَ بأهلها. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: أي: الخطيئة؛ أي: جاؤوا بالخطيئة. وفسَّرها فقال: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: خالفوه وكذَّبوه ﴿فَأَخَذَهُمْ﴾: أي: ربُّهم ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾: أي: بالغةً زائدةً على القَدْر المعروف عند النَّاس في العذاب. ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ يعني: تجاوز الحدَّ المعروف في العِظَم حتَّى غرَّق الأرض إلَّا مَن شاء اللَّه، وهو ماء الطُّوفان في زمن نوح ﵇. قال ابن عبَّاس ومجاهد: ﴿طغى﴾: كثر (١). وقال قتادة ﵀: ارتفع على كلِّ شيء خمسة عشر ذراعًا (٢). ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾: أي: حملنا أجدادكم، وهم نوح ﵇ والمسلمون من ولده وزوجاتهم. ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾: أي: في السَّفينة التي اتَّخذها نوح ﵇ بأمرنا. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾؛ أي: عِظَة، فقد أنجينا بها المؤمنين، وأغرقنا الكافرين؛ لتقتدوا أنتم بالفرقة النَّاجية دون الهالكة. ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: أي: ولتحفظَ هذه التذكرةَ أُذُنٌ حافظة، وتكونَ مودَعة في صدورهم.

стр. 7370

وقال قتادة ﵀: ﴿تَذْكِرَةً﴾؛ أي: عبرةً وآية، أبقاها اللَّه تعالى حتى نظرَتْ إليها هذه الأمَّة -أي: ألواح السَّفينة- وكم من سفينةٍ كانت بعد سفينة نوح ﵇ تلاشَتْ فلم يبقَ لها أثر (١). وقيل: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾؛ أي: لنجعل فعلتَنا لكم تذكرةً. وقال الفرَّاء ﵀: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾؛ أي: كلُّ أذنٍ، ومعناها يحفظُها صاحبُ كلِّ أذنٍ واعيةٍ، ثمَّ يؤدِّيها إلى غيره (٢). وعن عليِّ بن أبي طالب ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: "إنِّي سألْتُ اللَّه تعالى أنْ يجعلَها أذنَكَ" (٣). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: وهي النَّفخة الأولى حتَّى لا يبقى حيوان إلَّا مات. * * * (١٤) - ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾. ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: رفعتا عن موضعهما ﴿فَدُكَّتَا﴾ ثنَّى لأنَّ الجبال ذُكرَتْ (٤) جملةً، فصارت شيئًا واحدًا، وهو كقوله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].

стр. 7371

ومعنى قوله: ﴿فَدُكَّتَا﴾ قال الفرَّاء ﵀: أي: زُلزلتا (١)، كما قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]. وقال غيره: (دكتا)؛ أي: دُقَّتا وكُسِّرَتا؛ أي: ضرِبَ بعضُها ببعض، فصارتا كسرًا كسرًا، ثم كثيبًا مهيلًا، ثم كالعهن المنفوش، ثم هباء منبثًا، ثم هباءً منثورًا، ثم تمرُّ مرَّ السَّحاب. ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: تقدَّم تفسيره (٢). * * * (١٥ - ١٧) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾: أي: تقع صيحة القيامة وتقوم السَّاعة، وذلك من النَّفخة الأخرى. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: أي: انصدعت ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قال الأخفش: أي: منخَّرة (٣)، قال جرير: نَدِمْتَ على يوم السِّباقَيْنِ بعدما... وهيْتَ فلم يُوْجَدْ لِوَهْيِكَ راقِعُ (٤) وقيل: ﴿وَاهِيَةٌ﴾؛ أي: شديدة الضَّعف بانتقاض تركيبها وعدمِ استمساكها. وقيل: أي: صارت إلى ضعفٍ ولينٍ بعد صلابتها وشدَّتها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].

стр. 7372

﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾: أي: والملائكة حينئذ على أطرافها ونواحيها. والواحد: رجًا، بالقصر؛ أي: إذا ضعفت عن الاستمساك والحمل صاروا إلى حدودها. وقيل: أي: تشقَّقت فصاروا على أطراف شقوقها. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾: أي: ينزل العرشُ إلى عرصة القيامة لفصل القضاء بين الخلق. وقال ﵊: "حمَلةُ العرش (١) اليومَ أربعة، فإذا كان يوم القيامة ضُمَّ إليها أربعة، فصاروا ثمانية" (٢).

стр. 7373

وقال محمَّد بن إسحاق: هم ثمانية أملاك، ما منهم مَلَك إلَّا رجلاه في الأرض السُّفلى ورأسُه في السَّماء السَّابعة (١). وقال ابن عبَّاس ﵄: هم ثمانية صفوف من الملائكة (٢). وقال الحسن ﵀: اللَّه أعلم كم هم: ثمانية، أم ثمان مئة، أم ثمانية آلاف (٣)؟ وقال أبو العالية: هم ثمانية أملاك، أو ثماني زمرٍ، أو ثمانية صفوف. وقال ابن مسعود ﵁: يحمل العرش اليوم (٤) أربعة أملاك، ويحملونه على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجهه يَقِيَانه أن ينظر إلى العرش فيَصْعَقَ، وجناحان يضربُ بهما، ليس لهم كلام إلَّا أن يقولوا: سبحان اللَّه ملأت عظمتُه السَّماوات والأرض (٥). وفي حديث ابن عبَّاس ﵄: لكلِّ مَلَك منهم أربعة أوجه؛ وجه إنسان فهو يسأل اللَّه تعالى للنَّاس الرِّزق، ووجه أسد وهو يسأل اللَّه للسِّباع الرِّزق، ووجه ثور وهو يسأل اللَّه للبهائم الرِّزق، ووجه نسر وهو يسأل اللَّه للطِّيور الرِّزق (٦).

стр. 7374

(١٨ - ١٩) - ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾؛ أي: للحساب ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾: أي: لا تخفى فعلةٌ أو خصلةُ منكم على اللَّه، ويحتمل لا تُخْفِي نفسٌ خافيةً (١) منكم يومئذ على اللَّه تعالى مع كثرتكم. قرأ عاصم والكسائيُّ: ﴿لا يَخْفَى﴾ بياء التَّذكير، لتقدُّم الفعل. وقرأ الباقون بتاء التَّانيث، لتأنيث اللَّفظ في الخافية (٢). ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾: أي: فهو من أهل الجنَّة، فقد غُفرت سيِّئاته، فإذا وقف على ذلك استبشر وقال: ﴿هَاؤُمُ﴾. قال ابن زيد: أي: تعالَوا (٣). وقيل: أي: تناولوا وخذوا.

стр. 7375

ويُقال: هاكُم (١)، وللواحد: هاءَ، وللاثنين: هاؤُما، وللجمع: هاؤم، وهاؤموا، وهاكم (٢)، وللمرأة: هاءِ بالمد بغير ياء بعدها، ولجمع النِّساء: هاؤنَّ، بالتَّشديد. وقوله: ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ لأنَّه ليس فيه ما يكرهه أو يستحيي منه. والهاء للاستراحة والوقف. * * * (٢٠ - ٢٤) - ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾: أي: علمْتُ وأيقنْتُ واعتقدْتُ ﴿مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾: الهاء للاستراحة أيضًا؛ أي: علمْتُ أنَّ اللَّه تعالى سيحاسبني واجتهدْتُ في الطَّاعات، وجانبْتُ السَّيِّئات. وقيل: ﴿ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾؛ أي: حسبْتُ أنَّ اللَّه تعالى يؤاخذني بسيِّئاتي. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾: أي: مَرْضيَّة، كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: مدفوق. وقيل: ﴿رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذات رضًا، وهي صفةٌ جامعة لكلِّ خير. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: أي: رفيعة ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾؛ أي: ثمارها قريبةُ التَّناول. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: أي: يقال لهم فيها: كلوا واشربوا ﴿هَنِيئًا﴾؛ أي: سائغًا لا مكروهَ فيه ولا أذَى.

стр. 7376

﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾: أي: جزاءً لكم بما قدَّمتم من الأعمال الصَّالحة ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾؛ أي: الماضية في الدُّنيا. وقال ابن عبَّاس: هو في الصَّائمين خاصَّة (١). وقيل: هو على العموم. وإنَّما جمع بقوله (٢): ﴿كُلُوا﴾، وأوَّلُ الآية في الواحد: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾؛ لأنَّ ﴿مَنْ﴾ للجنس، فكان واحدًا لفظًا، جمعًا معنًى. وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: بلغنا أنَّ اللَّه تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: طال ما رأيتكم في الدُّنيا وقد غارت أعينُكم، وقلصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وجفَّتْ بطونُكم، فتعاطَوا الكأس فيما بينكم، وكلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية (٣). * * * (٢٥ - ٢٨) - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾: أي: الكافر الذي يُعطَى كتابه بشماله، وفيه سيِّئات كلُّها.

стр. 7377

﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾: هذا الكتاب، والهاء للاستراحة. ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾؛ أي: وليتني لم أعلم ما حسابي، أهو خير أم شرٌّ؟ ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: أي: المهلِكةَ القاطعة؛ أي: يا ليْتَ الموتة التي كانت في الدُّنيا لم يكن بعدها بعثٌ ولا حسابٌ. ويحتمِل على هذا أن يكون قوله: ﴿لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ يعني: يا ليتني لم أُبعَث، ولم أشعرْ بكتابٍ ولا حساب. وقيل: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: يتمنَّى حينئذ أن يموت؛ لِمَا يَرى من سيِّئاته ويخافُ من عقوباته. قال قتادة: يتمنَّى الموت، ولم يكن عنده شيء في الدُّنيا أكرهَ منه (١). ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾: قيل: أي: ما نفعني ما جمعتُه؛ إذ لم أُحشر معه؛ قال تعالى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقيل: ما نفعني ما جمعتُه وأنفقتُه في وجوه الخير والبرِّ في الدُّنيا؛ إذ أحبطه شركي. وقيل: ما نفعني ما جمعته إذا لم أنفقه في سبيل اللَّه ووجوه مرضاته (٢). * * * (٢٩ - ٣١) - ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾: والهاء للاستراحة أيضًا، ومعناه عند بعضهم: ذهبَتْ عنِّي حجَّتي.

стр. 7378

وقيل: ذهب عني عذري. وقيل: أي: ذهب عنِّي سلطاني على نفسي. قال الحسن: لقد كان مسلَّطًا على نفسه وماله في الدُّنيا (١). وقيل: أي: ذهب عنِّي سلطان الدُّنيا وملكها وعزُّها. وقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾: أي: يُقال للزَّبانية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾؛ أي: شدُّوه بالأغلال. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾: أي: أدخلوه مغلولًا. * * * (٣٢) - ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾. ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾: أي: ثم اجعلوه في سلسلةٍ من سلاسل النَّار. وقيل: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾؛ أي: فأدخِلوه في سلسلة. ثم قد رُوي أنَّ سلسلتَه تدخل في فيه فتخرج من دبره (٢)، فعلى هذا معناه: ثمَّ اسلكوا فيه السِّلسلة، قال الفرَّاء ﵀: وهو على القلب، كقولهم: أدخلْتُ رأسي في القلنسوة، وأدخلْتُ القلنسوة في رأسي، والخاتم في أصبعي، وأصبعي في خاتمي (٣)، قال الأعشى: إذا ما السَّرابُ ارْتَدَى بالأَكَمْ (٤)

стр. 7379

أي: إذا ما الأَكَم ارتدَت بالسَّراب. وعن يزيد الرَّقاشي قال: إنَّ رسول اللَّه ﷺ تلا هذه الآية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾، قال: "غلُّ واللَّهِ ابنِ آدم ليس بمفكوكٍ حتَّى يُرضي اللَّه، ولا يَرضى حتَّى يُطاع، واللَّه ما الطَّاعةُ إلَّا في دار الدُّنيا، ألا وإنَّ الطَّاعة تنفعكم" (١). وعن كعبِ الأحبارِ قال: إنَّ اللَّه تعالى لينظر إلى عبده يوم القيامة وهو غضبان، فيقول: خذوه، فيأخذه مئة ألف ملك أو يزيدون، فيجمعون ما بين ناصيته وبين قدميه غضبًا لغضب اللَّه تعالى، فيسحبونه على وجهه إلى النَّار، فالنَّار عليه أشدُّ غضبًا من غضبهم سبعين ضعفًا، فيستغيث بشربة، فيُسْقى شربة يسقط منها لحمه وعصبه، ثم يركس في النَّار، فويل له من النَّار (٢). وعن سفيان عن نُسَيرِ بن ذُعْلوقٍ: أنَّه سمع [نوفًا] في قوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ يقول: كلُّ ذراعٍ سبعون باعًا، كلّ باعٍ أبعدُ ممَّا بين الكوفة ومكَّة (٣).

стр. 7380

وعن كعب: أنَّ حَلْقة من تلك السِّلسلة مثلُ جميع حديد أهل الدُّنيا (١). وعن الحسن: لو أنَّ حلقة منها (٢) وضعت على ذروة جبل لذاب الجبل كما يذوب الرَّصاص، فكيف يا ابن آدم وهي عليك وحدك (٣)؟ وروى عبد اللَّه بن عَمرو عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أنَّ رصاصة مثلَ هذه أُرسِلَتْ من السَّماء إلى الأرض وهي مسيرة خمس مئة عام لبلَغَتِ الأرض قبل اللَّيل، ولو أنَّها أُرسِلَتْ من رأس السِّلسلة لسارت (٤) أربعين خريفًا قبلَ أن تبلغه" (٥). * * * (٣٣ - ٣٦) - ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾. ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾: أي: يعذَّب بهذا العذاب لكفره. ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: أي: كان مع كفره لا يحرِّض غيره من أهله وغيرهم على إطعام المحتاجين. وعن أبي الدَّرداء ﵁: أنَّه قال لامرأته: يا أمَّ الدَّرداء، إنَّ للَّهِ سلسلة

стр. 7381

لم تزَل تغلي بها مراجلُ النَّار مُذْ خلقَ اللَّهُ جهنَّم إلى يوم تُلْقى في أعناق النَّاس، فقد نجَّانا اللَّهُ تعالى من نِصفِها بإيمانِنا باللَّه العليِّ العظيم، فحُضي على طعام المسكين يا أمَّ الدَّرداء" (١). والحضُّ: الحثُّ. ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾: أي: قريبٌ يَرِقُّ لِمَا ناله ويدفعه عنه أو يخفِّفه عليه. ﴿وَلَا طَعَامٌ﴾: أي: فليس له طعام ﴿إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾: قيل: هو ما يسيل من صديد أهل النَّار وقيحهم، وكأنَّه غُسالة أجسادهم. وقال الأخفشُ: هو فِعْلِين من الغِسْل، وهو ما يخرج من الجرح من الدَّم عند الغَسْل (٢). * * * (٣٧ - ٤٠) - ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. قوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾: أي: المذنبون الذين لا يستحقُّون المغفرة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾: ثمَّ بعدما ذكر من أهوال يوم القيامة دعاهم إلى تأمُّل ما ذكره ليعلموا أنَّه من عند اللَّه منزَّل على رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾.

стр. 7382

وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ (لا) صلة مؤكِّدة، وهو قول البصريِّين. والثَّاني: أنَّها ردُّ كلام الكفرة؛ أي: ليس الأمر كما يقولون. وهو قول الفرَّاء (١). والثَّالث: أنَّها نفي القسم؛ لأنَّه لا يحتاج إليه لوضوح الحقِّ في أنَّه تبليغ رسول كريم عن اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ﴾؛ أي: من عجائب خلق اللَّه ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ من ذلك، وهو قسمٌ بكلِّ شيءٍ. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: أي: تلاوةُ رسول كريم أكرمه اللَّه تعالى بالرِّسالة، وهو محمَّد ﷺ . قاله الحسن (٢). وقيل: هو جبريل، كما قال في سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. والأظهر أنَّه هاهنا محمَّدٌ ﷺ . * * * (٤١ - ٤٤) - ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾: أي: ليس هذا القرآن قولًا من رجل شاعر؛ لأنَّ هذا القول (٣) مُباينٌ لصنوف الشِّعر كلِّها.

стр. 7383

﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾: أي: ليس لكم هَمُّ الإيمان أصلًا، فلذلك تُعرِضون عن التدبُّر فيه ولو تدبَّرتم فيه عرفتُم أنَّه ليس بقول شاعر. ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾؛ أي: وليس هو بقول كاهن تأتيه الشَّياطين، ويلقون إليه ما سمعوه من أخبار السَّماء. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: ليس لكم هَمُّ التَّذكير لِمَا يُتلى عليكم، ولو تذكَّرتم علمْتُم أنَّه ليس بقول كاهنٍ. وطريقه طريق قولهم: هذه أرض قلَّ ما تنبت؛ أي: لا تنبت أصلًا. وقيل: هو على حقيقته لأنَّهم كانوا يؤمنون بأنَّ اللَّه خالقهم ورازقهم، ثم يشركون به، ويجحدون أنبياءه، وكذا كانوا يتذكَّرون بعض التَّذكُّر، ثم يتركون ذلك، كما قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٨] وقرأ ابن كثير: ﴿قليلًا ما يؤمنون﴾، و ﴿قليلًا ما تذكرون﴾ بياء المغايبة فيهما (١)؛ ردًّا على قوله: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾. والباقون بتاء المخاطبة (٢)؛ ردًّا على قوله: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾، وكذا ما بعده إلى آخر السُّورة. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾: أي: ولو تكلَّف علينا محمَّدٌ (٣) قولًا تقوَّله علينا لم نقله كذبًا وزورًا. * * *

стр. 7384

(٤٥ - ٤٧) - ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾: أي: لأخذنا بيده اليمنى لإقامة العقوبة عليه، كما يُؤخَذ بيمينِ مَن يريد السُّلطان عقوبته، فيقام ليُمضَى به إلى الموضع الذي يُقام عليه العقوبة. وقيل: أي: لأخذناه بقوَّتنا؛ قال الشَّاعر: إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ... تلقَّاها عَرَابَةُ باليمينِ (١) وقيل: لأخذنا قوَّته، ومنعناه عن ذلك. وقال الحسنُ ﵀: أي: لقطعنا يده اليمنى (٢). ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾: قال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير: هو نِيَاط القلب (٣). وقال مجاهد وقتادة والضَّحَّاك: هو عرق في القلب متَّصل بالظَّهر، إذا قُطع ذلك مات الإنسان (٤). وقيل: أي: لأَمَتْناه، فصار كمَن قُطع وتينُه. ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾: أي: ولو عاقبناه لم يكن أحدٌ منكم يتهيَّأ له أن يحجزنا عنه؛ أي: يمنعنا. وقال الفرَّاء: (أحد) يكون للجميع وللواحد؛ قال النَّبيُّ ﷺ : "لم تحلَّ

стр. 7385

الغنائمُ لأحدٍ سوَّدَ الرُّؤوسَ قبلكم" (١)، وقال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (٢). * * * (٤٨ - ٥٢) - ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: وإن القرآن العظيم لعظةٌ لمن همُّه التَّقوى. ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾: أي: به، وذلك لا يُخرجه من أن يكون تذكرة. ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: وإنَّ القرآن حسرةٌ على الكفَّار إذ لم يؤمنوا به، فيتخلَّصون يومئذ. وقيل: وإنَّ التَّكذيب لحسرةٌ، وقد دلَّ عليه قوله: ﴿مُكَذِّبِينَ﴾. ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾: أضيف الحقُّ إلى اليقين لِمَا مرَّ في آخر سورة الواقعة؛ أي: هو من اللَّه تعالى حقًّا يقينًا. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي: فنزِّه اللَّه تعالى يا محمَّد عمَّا يصفه به المشركون، واذكره بأسمائه العظام كما يقوله المخلصون. والحمد للَّه ربِّ العالمين * * *

стр. 7386

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش - جمال عبد الرحيم الفارس المجلد الخامس عشر دار اللباب

стр. 7387

سورة المعارج (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي جعل العذاب الواقع للكافرين، الرحمنِ الذي أَعدَّ الجنَّة للمؤمنين المطيعين، الرحيمِ الذي جعل خشوعَ البصر والذلَّةَ يوم القيامة للمشركين. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورةَ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ أعطاه اللَّهُ تعالى ثوابَ الذين هم لأماناتِهم وعهدهم راعون" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ثلاث وأربعون آية، ومئتان وسبعَ عشرةَ كلمة، وتسعُ مئة (٣) وسبعةٌ وخمسون حرفًا. وانتظام (٤) ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه ذكر في ختم تلك السُّورة حسرة للكافرين، وفي افتتاح هذه عذاب الكافرين.

стр. 7388

وانتظام السُّورتين أنَّهما في ذكر يوم القيامة، وما فيه لأهل الكفر والإيمان من العقوبة والكرامة. * * * (١ - ٢) - ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ قيل: أي: دعا داعٍ بعذابٍ واقعٍ للكافرين؛ أي: بعذابٍ لا محالة هو واقع بالكفَّار يوم القيامة. وقيل: هذا الدَّاعي هو النَّضر بن الحارث بن كلَدةَ بن عبد الدَّار بن قصي حين قال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٢٢] (١). والباء في قوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ يجوز إدخاله في الدُّعاء، يقال: دعا بكذا. وقيل: الباء زائدة، وتقديرُه: سأل سائل عذابًا واقعًا؛ أي: طلب طالبٌ عذابًا هو واقعٌ بالكافرين لا محالة، وهو منهم فسيقع به، وهو كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وقال الكسائيُّ: الباء بمعنى (عن)، كما في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، ومعناه: سأل هذا الكافر عن العذاب بمن يقع؟ فقال اللَّه تعالى: للكافرين. وقيل: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾؛ أي (٢): دعا داعٍ، لكن الدَّاعيَ رسول اللَّه ﷺ ؛ أي: دعا رسول اللَّه ﷺ بالعذاب أن يوقعَه اللَّهُ تعالى بالكافرين، وهو واقعٌ بهم لا محالة.

стр. 7389

وقيل: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى: على الكافرين، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها. وقرئ: ﴿سالَ سائلٌ﴾ بغير همز، وهو قراءة نافع وابن عامر (١)، وله وجهان: أحدهما: تليين الهمزة بالتَّخفيف (٢). والثَّاني: أنَّه من السَّيلان، ومعناه: جرى وادٍ في جهنَّم بعذاب يقع بالكفَّار يوم القيامة. ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾: أي: ليس لهذا العذاب مَن يدفعه عن هؤلاء الكفَّار. * * * (٣ - ٤) - ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾: أي: هذا العذاب من اللَّه تعالى ذي المعارج: جمعُ مَعْرَج بفتح الميم والرَّاء (٣)، وهو المصعد، والعروج: الصُّعود. والمعارجُ: الدَّرجات، ولها معانٍ: قال قتادة رحمه اللَّه تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾؛ أي: ذي الفواضل والنِّعم (٤). وقال ابن عبَّاس؛ أي: ذي المعارج (٥).

стр. 7390

وقيل: هي درجات أوليائه في الجنَّة. وقيل: هي غرف بالجنَّة (١). والأظهر: أنَّها معارج السَّماء التي تعرج فيها الملائكة، وقد ذكرها في الآية: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وهو قول مجاهد وغيره (٢). ﴿وَالرُّوحُ﴾: قال الحسن ﵀: هو جبريل صلوات اللَّه عليه (٣). وقال بعضهم: هو ملَكٌ آخر. ﴿إِلَيْهِ﴾: أي: إلى اللَّه تعالى، ومعناه: إلى حيث أمرَ اللَّه، وهو كقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: قال مجاهد: أي: من أسفل الأرضين السَّبع إلى ما فوق السَّماوات السَّبع مسيرةُ خمسين ألفَ سنة لعروج غيرهم، وهم يعرجون في مدَّة قليلة (٤). وقال الزَّخاج: يصعدون في مقدار يوم واحد (٥).
следующие страницы →