← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش - جمال عبد الرحيم الفارس المجلد الخامس عشر دار اللباب

стр. 7387

سورة المعارج (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي جعل العذاب الواقع للكافرين، الرحمنِ الذي أَعدَّ الجنَّة للمؤمنين المطيعين، الرحيمِ الذي جعل خشوعَ البصر والذلَّةَ يوم القيامة للمشركين. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورةَ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ أعطاه اللَّهُ تعالى ثوابَ الذين هم لأماناتِهم وعهدهم راعون" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ثلاث وأربعون آية، ومئتان وسبعَ عشرةَ كلمة، وتسعُ مئة (٣) وسبعةٌ وخمسون حرفًا. وانتظام (٤) ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه ذكر في ختم تلك السُّورة حسرة للكافرين، وفي افتتاح هذه عذاب الكافرين.

стр. 7388

وانتظام السُّورتين أنَّهما في ذكر يوم القيامة، وما فيه لأهل الكفر والإيمان من العقوبة والكرامة. * * * (١ - ٢) - ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ قيل: أي: دعا داعٍ بعذابٍ واقعٍ للكافرين؛ أي: بعذابٍ لا محالة هو واقع بالكفَّار يوم القيامة. وقيل: هذا الدَّاعي هو النَّضر بن الحارث بن كلَدةَ بن عبد الدَّار بن قصي حين قال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٢٢] (١). والباء في قوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ يجوز إدخاله في الدُّعاء، يقال: دعا بكذا. وقيل: الباء زائدة، وتقديرُه: سأل سائل عذابًا واقعًا؛ أي: طلب طالبٌ عذابًا هو واقعٌ بالكافرين لا محالة، وهو منهم فسيقع به، وهو كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وقال الكسائيُّ: الباء بمعنى (عن)، كما في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، ومعناه: سأل هذا الكافر عن العذاب بمن يقع؟ فقال اللَّه تعالى: للكافرين. وقيل: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾؛ أي (٢): دعا داعٍ، لكن الدَّاعيَ رسول اللَّه ﷺ ؛ أي: دعا رسول اللَّه ﷺ بالعذاب أن يوقعَه اللَّهُ تعالى بالكافرين، وهو واقعٌ بهم لا محالة.

стр. 7389

وقيل: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى: على الكافرين، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها. وقرئ: ﴿سالَ سائلٌ﴾ بغير همز، وهو قراءة نافع وابن عامر (١)، وله وجهان: أحدهما: تليين الهمزة بالتَّخفيف (٢). والثَّاني: أنَّه من السَّيلان، ومعناه: جرى وادٍ في جهنَّم بعذاب يقع بالكفَّار يوم القيامة. ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾: أي: ليس لهذا العذاب مَن يدفعه عن هؤلاء الكفَّار. * * * (٣ - ٤) - ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾: أي: هذا العذاب من اللَّه تعالى ذي المعارج: جمعُ مَعْرَج بفتح الميم والرَّاء (٣)، وهو المصعد، والعروج: الصُّعود. والمعارجُ: الدَّرجات، ولها معانٍ: قال قتادة رحمه اللَّه تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾؛ أي: ذي الفواضل والنِّعم (٤). وقال ابن عبَّاس؛ أي: ذي المعارج (٥).

стр. 7390

وقيل: هي درجات أوليائه في الجنَّة. وقيل: هي غرف بالجنَّة (١). والأظهر: أنَّها معارج السَّماء التي تعرج فيها الملائكة، وقد ذكرها في الآية: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وهو قول مجاهد وغيره (٢). ﴿وَالرُّوحُ﴾: قال الحسن ﵀: هو جبريل صلوات اللَّه عليه (٣). وقال بعضهم: هو ملَكٌ آخر. ﴿إِلَيْهِ﴾: أي: إلى اللَّه تعالى، ومعناه: إلى حيث أمرَ اللَّه، وهو كقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: قال مجاهد: أي: من أسفل الأرضين السَّبع إلى ما فوق السَّماوات السَّبع مسيرةُ خمسين ألفَ سنة لعروج غيرهم، وهم يعرجون في مدَّة قليلة (٤). وقال الزَّخاج: يصعدون في مقدار يوم واحد (٥).

стр. 7391

فأمَّا قوله في سورة السَّجدة: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فهذا ما بين سماء الدُّنيا والأرض في الصعود والنُّزول ألفُ سنة؛ خمسُ مئة سنة صعودًا، وخمسُ مئة سنة نزولًا. وقيل: هذا اليوم يوم القيامة، ومقداره خمسون ألف سنةٍ على اعتبار أيَّام الدُّنيا. وقيل: إنَّ اللَّه تعالى يفعل في هذا اليوم في محاسبة عباده، وإيصال أهل الجنَّة إلى الجنَّة، وأهل النَّار إلى النَّار، ما لا يكون مثله إلَّا في خمسين ألف سنة لو وليَه العباد، ثم هو ﷻ يفعله في مدَّة يسيرة من هذا اليوم (١). وقيل: يفعل ذلك في قَدْرِ يوم من أيَّام الدُّنيا. وقيل: في نصفِ يوم. * * * (٥ - ١٠) - ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾. ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾: أي: على تبليغ الرِّسالة، وعلى أذى الكفَّار صبرًا لا شكوى فيه. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾: أي: تعتقده الكفَّار غيرَ كائن، كما يقال: هذا بعيد عن الصَّواب؛ أي: هو خطأ لا صواب فيه. ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾: أي: نعلَمه كائنًا، وكلُّ آتٍ قريبٌ.

стр. 7392

﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾: روي عن ابن مسعود ﵁: أنَّه أذابَ نفاية الدَّراهم، وقال: من سرَّه أن ينظر إلى المهل فلينظر إلى هذا (١). وقال الحسن ﵀: مثل الفضَّة إذا أذيبَتْ (٢). وقالوا: هذا يدلُّ على صحَّة ما يُروى أنَّ السَّماء الدُّنيا من حديد. وقال ابن عبَّاس وعكرمة وسعيد بن جبير والأعمش والسُّدِّيُّ ومجاهد والثَّوريُّ: هو دُرْديُّ الزَّيت (٣). وقال الضَّحَّاك: المهل: الشَّيء الأسود (٤). وقال سعيد: هو أشدُّ ما يكون حرًّا (٥). وقيل: هو الصَّديد والقيح. ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾: أي: الصُّوفِ الملوَّن؛ أي: يلين من صلابتها ويصير كذلك. ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: قال الفرَّاءُ: أي: لا يسأل ذو قرابة عن قرابته: ما حاله؟

стр. 7393

لأنَّهم يُعرَّفونهم ساعة، ثم لا تَعارفَ بعد تلك السَّاعة (١). وقيل: لا يَسأل للمعرفة؛ فإنَّ اللَّه تعالى بصَّرهم أهلَ النَّار وأهل الجنَّة بالعلامات والصِّفات، فاستغنَوا عن السُّؤال. وقيل: لا يسألونهم: أين صاروا؟ فإنَّهم يرونهم أين صاروا. * * * (١١ - ١٦) - ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾. ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾؛ أي: يعرَّفونهم، حتَّى يصير كلُّ إنسان بصيرًا بصاحبه. ثم ذكر هذه الكلمة على الجمع وما سبق واحد؛ لأنَّه في معنى الجمع، والمراد كلُّ القرابات. وقيل: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾؛ أي: يُرُونهم، ولكن لا يسألونهم لانشغالهم بأنفسهم. وقيل: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: هو رؤية الأتباع للسَّادات والتَّبرِّي منهم، كما قال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآيات. وقيل: تبصَّر الملائكةُ بحال النَّاس، فيسوقون (٢) كلَّ فريق إلى ما أُمروا به. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾: أي: يتمنَّى المشرك ﴿لَوْ يَفْتَدِي﴾؛ أي: لو أَمْكَنه أن يبذل عن نفسه بذلًا يتخلَّص به (٣) ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ﴾؛ أي: امرأته ﴿وَأَخِيهِ

стр. 7394

(١٢) وَفَصِيلَتِهِ﴾؛ أي: أقربِ قبيلته التي ينتمي إليها ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾؛ أي: تضمُّه إلى رحلها، وتُنزله فيه لقُرب قرابته. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: من النَّاس بعُدوا أو قربوا. ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: أي: يخلِّصه الافتداء. ﴿كَلَّا﴾: أي: لا ينجيه الافتداء من عذاب اللَّه. ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾: أي: هي جهنَّم المتلظِّية نيرانُها؛ أي: الملتهبة. ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾: قرئ بالرَّفع على معنى: هي نزاعةٌ، وقُرئ بالنَّصب على القطع؛ لأنَّه نكرة نُعت بها معرفة (١). ومعناه: تنزع بشدَّة تلظِّيها جلدة الرَّأس وأطرافَ البدن كلِّها من الأيدي والأرجل ونحوهما. وقيل: الشَّوى: ما سوى المقتل من كلِّ حيوان، يُقال: رمى فأشوى؛ أي: أصاب غيرَ المقتل. والشَّوى هاهنا: جمعُ شَوَاةٍ. * * * (١٧ - ١٩) - ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾: أي: تدعو لظًى إلى نفسِها مَن أدبرَ في الدُّنيا عن طاعة اللَّه تعالى، وتولَّى عن الإيمان باللَّه تعالى. ﴿وَجَمَعَ﴾: أي: الأموال ﴿فَأَوْعَى﴾؛ أي: جعلها في وعاء حابسًا حقَّ اللَّه تعالى؛ أي: كفر باللَّه تعالى، وبخل بما كان له على عباد اللَّه تعالى.

стр. 7395

وقيل: أدبر عن الإيمان، وتولَّى عن الشَّرائع، كما قال: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. واختُلف في قوله: ﴿تَدْعُوا﴾: قيل: تقول: يا كافر، يا منافق، يا يهودي، يا نصراني، يا مجوسي، يا فاسق، يا ظالم، إليَّ إليَّ. وهو كنطق الجلود ونحوِه في نقض العادة. وقيل: زبانيَتها تدعو الكفَّار إليها، كخزنة الجنَّة على أبوابها لأهل الجنَّة. وقيل: هو استعارة، ومعناه: أنَّهم لا يفوتونها، فكأنَّها تدعوهم فيجيبونها كرهًا، وهو كقول الشَّاعر: دعاني إلى عُمَرٍ جودُهُ... وقولُ العشيرةِ بحرٌ خِضَمْ (١) وقيل: هو خروج لسانٍ منها وجرُّ أهلها إليها. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾: أريد به الجنس والجمع، ولذلك استثنى منه بقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. قال الفرَّاء: الهَلُوعُ: الضَّجور (٢). وقال الأخفشُ: تفسيرُه ما ذكر بعده: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. وقال قطرب: هو الجزوع الضَّجور. وقال الخليل: الهلعُ: شدَّة الحرص (٣).

стр. 7396

وقال القتبيُّ: هو أسوأ الجزع (١). وقيل: هو شدَّة الحزن، والهُلَاع كالهَلَع. وقال الخليل: ناقة هِلْواعةٌ؛ أي: شديدةٌ حَديدةٌ (٢). وقيل: الهلوع: البخيل. * * * (٢٠ - ٢٥) - ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: أي: أصابه المكروه ﴿جَزُوعًا﴾. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾: أي: أصابه الغنى ﴿مَنُوعًا﴾ وهذا طبعُه، وهو مأمور بمخالفة طبعه، وموافقةِ شرعه. ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾: أي: صلواتهم الخمس ﴿دَائِمُونَ﴾؛ أي: محافظون عليها في أوقاتها. وهو تفسير ابن مسعود ﵁ (٣). وقال عقبة بن عامر وسئل: أهم الذين يصلُّون أبدًا؟ قال: لا، ولكنَّه مَن إذا صلَّى لم يلتفِتْ عن يمينِه وعن شمالِه، ولا خلفه (٤). وقيل: هم الذين لا يتركون فرضهَا، ولا يقطعون (٥) ما اعتادوا من نفلِها.

стр. 7397

وفي الخبر: "أحبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ تعالى أدومُها وإنْ قلَّ" (١). ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: قيل: هي الزَّكاة. وقيل: هي الزَّكاة وسائر الواجبات. وقيل: النَّوافل. سُئل عليُّ بن الحسين عن هذا فقال: هو الشَّيء تخرجه من مالك لا تحسُبُه (٢) من صدقتك ولا من زكاتك، قال: فما هو؟ قال: تَقري به ضيفًا، وتحمل به كَلًّا، وتؤدي به نائبةً، وتَصِل به رَحِمًا، وتَبَرُّ به أخًا (٣). والسَّائل والمحروم فسَّرناهما في الذَّاريات. * * * (٢٦ - ٣١) - ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: أي: يوم الجزاء، ويوم الحساب، ويوم القضاء، وهو يوم القيامة، وإذا صدَّقوا به استعدُّوا له. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾: أي: خائفون، فإذا خافوه لم يَعْصوه. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: لأن المغفرة في حقِّ المؤمن معلَّقة بالمشيئة.

стр. 7398

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾: أي: نسائهم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾؛ أي: إماؤهم ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: على ترك التَّحفُّظ عنها. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: أي: طلب الاستمتاع وراء النِّكاح وملك اليمين، وذلك في معنى: ذينِكَ، أو معناه: ذلك المذكورِ، وهو كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وهو في معنى الجمع؛ لأنَّ (مِن) للجنس. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: أي: المتعدُّون حدَّ الشَّرع، ودخل في هذا تحريمُ وطءِ الذُّكران والبهائم. وقيل: يدخل الاستمناء فيه باليد (١). وروي أنَّ العرب كانوا يَستمنون في الأسفار، فنزلت الآية. * * * (٣٢ - ٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾: ويدخل فيه أمانات الشَّرع وأمانات العباد. ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾: أي: وعهودهم، ويدخل فيه عهود الخلق والنُّذور والأيمان. ﴿رَاعُونَ﴾: أي: حافظون. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾: أي: يقيمون شهاداتهم للَّه تعالى، لا يحابُون، ولا يكتمون، ولا يغيِّرون. وهذه الخصلة تدل على الصَّلابة في الدِّين، والرَّغبة في إحياء حقوق العالمين.

стр. 7399

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: والمحافظة عليها: تركُ تضييعها؛ كأنَّك تحفظُها وهي تحفظُك. وذكر في الأوَّل: ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾: فقيل: الدَّوام عليها: الاستكثارُ منها، والمحافظة عليها: أن لا تضيع عن مواقيتها. وقيل: الدَّوام عليها: أداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: حفظ أركانها وواجباتها وسننها وآدابها. وقيل: الدَّوام على التَّطوُّعات، والمحافظة على المكتوبات. * * * (٣٥ - ٣٨) - ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾. ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ﴾: هذا بيان مرجعهم. ﴿مُكْرَمُونَ﴾: قال زيد بن أسلم: أي: بثوابٍ لم تره عينٌ، ولا تسمعُ به أذنٌ، ولا يخطر على قلب (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾: قال أبو عبيدة: أي: مسرعين (٢).

стр. 7400

وقال الحسن ﵀: أي: منطلِقين (١). وقال ابن زيد: أي: شاخصِين (٢). وقال الزَّجَّاج: المهطِعُ: المقبِلُ ببصره على الشَّيء لا يُزايله، وذلك من نظر العدو (٣). قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾: أي: جماعات في تَفْرِقة، واحدتُهم: عِزَةٌ، وأصله: عِزْوة، وهي جماعة يُعْزَون إلى أبٍ واحد؛ أي: ينتسِبون. قال الحسن: أنكر عليهم الإسراع إليه ليأخذوا الحديث عنه ثم يتفرَّقوا (٤). وقيل: أسرَعوا إليه لطلب عيبٍ به. وقيل: معناه: فما لهؤلاء المشركين الذين هم خالُون عن خصال الخير التي وصفنا بها المؤمنين قد أسرعوا نحوك، وأداموا النَّظر إليك، وجلسوا يمينك وشمالك حلقًا حلقًا، لا يعملون شيئًا ممَّا تأمرهم به عن اللَّه تعالى. وقيل: ﴿عِزِينَ﴾: متفرِّقين حلقًا حلقًا لأنفسهم، لا يحضرون كلامك، ولا يستمعونه، ولا يقبلونه، ولا يعملون به. ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ مع هذا ﴿أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ كالمؤمنين الذين وصفناهم بهذه الأعمال.

стр. 7401

(٣٩ - ٤١) - ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾. ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾: قال الحسن: أي: من النُّطفة (١). وقال قتادة: إنَّما خُلقْتَ مِن قذرٍ يا ابن آدم، فاتَّقِ اللَّه (٢). وقيل: أي: خلقناهم من ماء مهينٍ لا قَدْر له في نفسه، وإنَّما القَدْر بالإيمان باللَّه تعالى، والطَّاعة للَّه تعالى، فلِمَ يطمعُ كلُّ امرئٍ منهم ليس بمؤمنٍ مطيعٍ أن يُدْخَلَ جنَّة نعيمٍ ولها قَدْرٌ عظيم. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: له ثلاثة أوجه، كما مرَّ في السُّورة التي قبلها. ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾: وهي مطالعُ الشَّمس (٣) ومغاربُها في السَّنة. ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾: على أن نَذهب بهم ونجيءَ بخيرٍ منهم في الفضل والمال وغير ذلك. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي: ما يفوتُنا ما نريد منهم وبهم من خيرٍ وشرٍّ، فليس تأخيرنا معاقبتَهم لعجزنا، بل لحكمةٍ. وهذا وعدٌ للنَّبيِّ ﷺ ، ووعيدٌ لأعدائه. * * * (٤٢ - ٤٤) - ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.

стр. 7402

﴿فَذَرْهُمْ﴾: أي: فدعهم يا محمَّد ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾؛ أي: فيما هم فيه، فإنَّه اشتغالٌ بالباطل الذي لا يأتي بنفع، بل بضرٍّ وتعبٍ، يتصرَّف فيه صاحبه عن غير عاقبة حميدة، وعن قريب يلاقون يومَهم هذا الذي يوعدون به، وهو يوم تكون السَّماء كالمهل، وكذا وكذا. ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: أي: القبور ﴿سِرَاعًا﴾ متبادرين إلى موقف الحساب. ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في سرعتهم ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾: قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿نُصُبٍ﴾ بضمَّتين (١)، وقرأ الباقون بفتح النَّون وتسكين الصَّاد (٢). وبالضَّمَّتين قيل: هو الصَّنم الذي يُنصَب فيُعبَد، وجمعه: الأنصاب. وقيل: هو جمع، وواحده: النِّصاب، يعني: كأنهم يتبادرون إلى أصنام أو صنم أيُّهم يستلمه أو يستلمها. والنَّصْب بالفتح: العلَم المنصوب؛ أي: كأنَّهم في سرعتهم قد نُصِبَ لهم عَلَمٌ، فهم يسعون إليه ليبلغوه، فيتبادرون إليه بالسَّبق. وقيل: النَّصْب بالفتح: واحدٌ، وجمعه النُّصُب بالضَّمِّ، كالرَّهْن والرُّهُن. وقيل: بالضَّم: جمع نَصِيبة، وهي علامة تُنْصَب للقوم أيَّ علامةٍ كانت. ﴿يُوفِضُونَ﴾؛ أي: يسرعون. ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: أي: ذليلةً، نصبٌ على الحال. ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: أي: يغشاهم هوان المذنبين. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: فيكذِّبون به، فيقولون: متى هذا العذاب الواقع؟ والحمد للَّه (٣)

стр. 7403

سورة نوح (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلَقَنا أطوارًا، الرحمنِ الذي يرسل السَّماء علينا مدرارًا، الرحيمِ الذي يغفر للمؤمنين والمؤمنات إنَّه كان غفَّارًا. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ (٣) كان من المؤمنين الذي تدركُهم دعوةُ نوحٍ ﵇" (٤). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان وستٌّ وعشرون كلمة، وتسعُ مئة وثمانية وثلاثون حرفًا. وانتظامُ ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك في وعيد النَّبيِّ ﷺ قومَه، وافتتاح هذه السُّورة في إنذار نوح. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في وعيد الكافرين ووعد المؤمنين.

стр. 7404

(١ - ٣) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾: قيل (١)؛ أي: أمرناه أن أنذر قومك، والإرسال يدلُّ عليه. وقيل: أي: أرسلناه بأن أنذر قومك؛ أي: خوِّف قومَك. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: وجيع. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: أي: يا قومي، أضافهم إلى نفسه إظهارًا للشَّفقة ولأنَّه لا يريد بهم إلَّا الخير. ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: مخوِّفٌ لكم عذابًا أليمًا ينزل بكم إنْ أصرَرْتم على كفركم. ﴿مُبِينٌ﴾: مظهِرٌ بلسانٍ تعرفونه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: يقع البيان على ﴿أَنِ﴾، وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحِّدوه. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: ولا تخالفوا أمرَه ولا نهيَه. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فيما أبيِّنُه لكم. * * * (٤) - ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائدة، ومعناه: ذنوبَكم.

стр. 7405

وقال الزَّجَّاج: ﴿مِنْ﴾ لتخليص الذُّنوب من سائر الأشياء، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] (١). وقيل: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ما أَوْعَدكم العقوبة عليه. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: قال مقاتل: أي: إلى منتهَى آجالكم في الدُّنيا في عافية، فلا يعاقبكم بالغرق ولا بغيره. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾: أي: الوقتَ الذي أجَّله لعذابكم ﴿لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أحكامَ اللَّه في خلقِه. فلم يتوبوا، فحبسَ اللَّه عنهم المطرَ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، ثم عوقبوا لتمام أربعين سنة ليس فيهم صبيٌّ. * * * (٥ - ٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾: أي: بلَّغهم ما أُرسلَ (٢) به إليهم فعصَوه وكذَّبوه، وقال: يا ربِّ إنِّي دعوت قومي إلى ما أمَرْتني به أن أدعوَهم إليه من عبادتك وتقواك ليلًا ونهارًا مواصلةً كلَّما أَمْكَنني. ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾: أي: لم يزدادوا عند دعائي إلَّا فرارًا عن إجابتي، كما قال: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤].

стр. 7406

قال قتادة: بلغني أنَّهم كانوا يذهب الرَّجل بابنه إلى نوح، ويقول لابنه: احذر هذا لا يغرَّنَّكَ، فإنَّ أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلُك، فحذَّرني كما حذَّرتك (١). ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾: أي: إلى أن تغفرَ لهم، يعني: إلى أن يفعلوا ما يستحقُّون به غفران الذُّنوب السَّالفة (٢). ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾: لئلَّا يسمعوا كلامي. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: أي: تغطَّوا بثيابهم، وجعلوا رؤوسهم فيها؛ لئلَّا يروا وجهي، ولئلَّا يقع عليهم بصري، مظهِرين أنَّهم غيرُ قابلين وعظي. ﴿وَأَصَرُّوا﴾: أي: أقاموا على شركهم. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾: أي: تعظَّموا عن إجابتي تعظُّمًا، وذكر المصدر لتأكيد الفعل. * * * (٨ - ١٠) - ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾: أي: مجاهرةً على رؤوس الملأ في المحافل. ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾: أي: دعوتُهم فيما بيني وبينهم سرًّا وعلانية، وهو أن يخلوَ بالواحد فالواحد منهم، فيسرَّ إليه الدَّعوة. وقيل: قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ في إسرار الدَّعوة، وقوله: ﴿ثُمَّ

стр. 7407

إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ في جهار الدَّعوة، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ في الإسرار والإعلان بالدَّعوة، وهو ما ذُكِرَ بعدَه. ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾: أي: آمنوا باللَّه واسألوه مغفرةَ ذنوبكم، إنَّه لم يزل غفَّارًا للذُّنوب لمن ينيب إليه ويتوب. * * * (١١ - ١٢) - ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾: أي: كثيرَ الدُّرور، وهو الانصباب، وقد دَرَّ يَدُرُّ بالضَّم. وعن ابن عبَّاس ﵄: ﴿مِدْرَارًا﴾: يَتْبعُ بعضُه بعضًا (١). وقال هارون التَّيميُّ: ﴿مِدْرَارًا﴾: هو المطر لإبَّانه (٢)؛ أي: لوقته. ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: أي: يَزدْ في أموالِكم وبنيكم من المدد. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتين في الدُّنيا. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾: أي: جاريةً لمنافعكم فيها وفي غيرها لمزارعكم وأشجاركم. وقيل: كانوا يحبُّون الأموال والأولاد، فحُرِّكوا بهذا على الإيمان. وقيل: كانوا قُحطوا ومُنعوا القَطْرَ، وعُقِمَ النِّساء، فوعدهم إن هم تابوا أن يرفع ذلك عنهم.

стр. 7408

ورُوي أنَّ عمر ﵁ خرج يستسقي، فما زال على المنبر يستغفر حتَّى نزل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما سمعناك استسقيْتَ، فقال: لقد طلبْتُ الغيثَ بمجاديح السَّماء، ثم قرأ هذه الآيات (١). وعن الرَّبيع بن صَبِيْح: أنَّ رجلًا أتى الحسنَ فشكا إليه الجُدوبة، فقال له الحسن: استغفر اللَّه، وأتاه آخر فشكى إليه الفقر، فقال: استغفر اللَّه، وأتاه آخر، فقال: ادعُ اللَّهَ أن يرزقني ابنًا، فقال له: استغفر اللَّه، وآتاه آخر فشكى إليه جفاف بساتينه، فقال له: استغفر اللَّه. قال الرَّبيع: فقلْنا له: أتاك رجالٌ يسألون أبوابًا من الجدوبة والفقر وغير ذلك، فأمرتهم كلَّهم بالاستغفار! فقال: ما قلْتُ ذلك من ذات نفسي، إنَّما اعتبرْتُ فيه قولَ اللَّه تعالى خبرًا عن نوح ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٢). * * *

стр. 7409

(١٣ - ١٤) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾: أي: ما لكم يا قوم لا تخافون للَّه عظمة وقدرةً أن يأخذَكم على إصراركم واستكباركم فلا تقدرون على دفع ذلك؟ والرَّجاء يكون للطَّمع والخوف، وهاهنا للخوف. وقال الفرَّاء ﵀: إنما يوضع الرَّجاء موضع الخوف مع الجحد (١)؛ لأنَّ مع الرَّجاء طرفًا من الخوف من اليأس. ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾: أي: تاراتٍ وكرَّاتٍ؛ نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً، ثم كذا وكذا إلى أنْ تمَّ الواحد منكم إنسانًا. وقيل: ﴿أَطْوَارًا﴾؛ أي: أنواعًا مختلفين، صحيحًا وسقيمًا، وبصيرًا وضريرًا، وغنيًّا وفقيرًا، وكذا وكذا؛ لتعلموا أنَّ اللَّه قدير على كلِّ ما يريد بكم. * * * (١٥ - ١٦) - ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: أي: بعضُها فوق بعض، وقد بيَّنَّا في سورة الملك له وجهَيْن. ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾: أي: جعل القمر نورًا يهتدي به أهل الأرض في اللَّيل، وجعل الشَّمس سراجًا يضيء لهم في نهارهم ليتوصَّلوا به إلى التَّصرُّف في معايشهم، يُجري ذلك كلَّه على نظام واحد معروف، يدلُّ على أنَّهما

стр. 7410

مسخَّران لقادرٍ عالمٍ حيٍّ (١) مريدٍ مختارٍ، لا يشبه شيئًا من المخلوقات. ثم قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾ مع أنَّ القمر في واحدةٍ منهنَّ له وجوهٌ: أحدها: أنَّ تلك الواحدة بعضها، فيجوز الإضافة إليها إذا كان في بعضها، كما في قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وذلك يكون في بعضها، وكما يقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في شهر رمضان، وكما في قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وإنَّما أتَوا من الإنس. والثَّاني: أن قوله ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أي: معهنَّ؛ أي: خلق القمر مع خلق السَّماوات، وهو كقوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]؛ أي: مع عبادي. والثَّالث: أنَّ القمر في سماء واحدٍ، والنُّور في كلِّ سماء؛ لأنَّ السَّماوات لطيفة لا تحجب نوره، فهو نورٌ في كلِّها. * * * (١٧ - ٢٠) - ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾: أي: أخرج أباكم من الأرض لأنَّه خلقَه من طينها، وأنتم منه، فكان إنباتًا لكم. وقوله تعالى: ﴿نَبَاتًا﴾؛ أي: فنبتُّم نباتًا. وقيل: تدخل مصادر بعض الأبواب في بعضٍ إذا كان الأصل واحد، كما قال: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، ولم يقل: تبتُّلًا.

стр. 7411

وعلى الأوَّل قالوا: تقديره: وتبتَّل إليه وبتِّل نفسَك تبتيلًا. ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾: أي: في الأرض بعد الموت ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ منها بعد البعث. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾: كما قال: ﴿فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]، وكما قال: ﴿مِهَادٌ﴾ [الأعراف: ٤١]؛ أي: بسطها لكم ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾؛ أي: طرقًا واسعة لتتصرَّفوا فيها. قال الفرَّاء والخليل: الفجُّ: الطَّريق الواسع (١). فكان قوله ﴿فِجَاجًا﴾ جاريًا مجرى النَّعت. وقال الأخفش: الفجُّ: الطَّريق (٢). فكان ذكره بعد السُّبُل إتْباعًا، والعرب تُتْبع أحدَ الاسمين الاسم الآخر، وعلى هذا قوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾. * * * (٢١ - ٢٢) - ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾. ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ﴾: أعاد قوله: ﴿رَبِّ﴾ لطول الكلام. ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾؛ أي: خالفوا أمري، ولم يجيبوني، ولم يتَّبعوني. ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾: ﴿مَن﴾ جنس، والمراد به الجمع، وهم الكُبراء والأغنياء (٣).

стр. 7412

قوله: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾؛ أي: لم يزددْ بسبب ماله وولده ﴿إِلَّا خَسَارًا﴾؛ أي: في أمر الآخرة بترك صرفه إلى وجوه الخيرات. و ﴿وُلْده﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الواو، وعن أبي عمرو أنَّه فسَّره بالعشيرة (١). وقرأ الباقون بفتح الواو واللَّام (٢)، وهو المولود (٣)، وأريد به الجمع والجنس هاهنا. ﴿وَمَكَرُوا﴾: أي: القوم، عطفٌ على قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾، ويجوز أن يكون صفةَ ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ﴾؛ لأنَّه جنس بمعنى الجمع، والمكر منهم غالبًا؛ أي: من الكبراء. ﴿مَكْرًا كُبَّارًا﴾: أي: كبيرًا؛ أي: احتالوا لصدِّ النَّاس عنِّي. * * * (٢٣) - ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: أي: الرُّؤساء لأتباعهم: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: أصنامكم على العموم. ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾: هذه الأصنام الخمسة على الخصوص، وهو كقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. قال ابن عبَّاس: كان الشَّيطان حمل قوم نوح على أن نحتوا خمسة أصنام وعبدوها، وهي هذه الخمسة، فلمَّا كانت أيام الغرق، دُفِنَتْ تلك الأصنام، فلم

стр. 7413

تزل مدفونة حتى أخرجها الشَّيطان لمشركي العرب، فاتَّخذت قُضاعةُ وَدًّا فعبدوها بدُومةِ الجندل، ثم صارت إلى كَلْبٍ، ويَعوقُ كان لكَهْلانَ، ثم صار إلى هَمْدانَ، ونسرٌ كان لخَثْعَمٍ، وسواعٌ كان لذي الكَلَاع، ويغوثُ كان لمرادٍ من طيِّئٍ (١). قال قتادة: ودٌّ لكَلْبٍ، وسواعٌ لهَمْدانَ، ويغوثُ لمَذْحِجٍ، ويعو دتُى لكنانةَ، ونسرٌ لحِمْيَرَ. وقال مقاتل: أمَّا ودٌّ فكان لدُومة الجندل، وأمَّا سواعٌ فلهُذَيلٍ، وأمَّا يغوثُ فلبني غطيفٍ حيٍّ من مراد، وأمَّا يعوقُ فلهَمْدانَ، وأمَّا نسرٌ فلذي الكَلَاع من حِميرَ، هذه مواريثُ قوم نوح للعرب. وأمَّا اللَّات فلثقيفٍ، وأمَّا العُزَّى فلسُليمٍ وغَطَفانَ وجُشَمَ (٢) ونصرٍ وسعدِ بن بكرٍ، وأمَّا مناةُ فبقُدَيدٍ، وأمَّا أسافٌ ونائلةُ وهُبَل فلأهل مكَّة؛ أسافٌ حيالَ الحجر الأسود، ونائلةُ حيالَ الرُّكن اليماني، وهُبَل في جوف الكعبة ثمانيةَ عشر ذراعًا (٣). وذكر الواقديُّ: أنَّ ودًّا كان على صورة رجل، وسواعًا على صورة امرأة، ويغوثَ على صورة أسد، ويعوقَ على صورة فرس، ونسرًا على صورة طير (٤). وقال قيس بن مخرمة: هذه الأصنام الخمسة أصلُها وأسماؤها من رجالٍ صالحين، كان لهم أتباع على دينهم واجتهادهم، فتوفَّاهم اللَّه تعالى، فأسف عليهم أصحابهم وقالوا: لو صوَّرنا أجسادَهم كان أشدَّ لعبادتنا، فصوَّروهم، ثم نشأ خَلَفٌ (٥)

стр. 7414

بعدهم فعبدوهم، وهو في الفترة التي كانت بين آدم ونوح، فبُعث إليهم نوحٌ فدعاهم إلى الإسلام (١). وقال مجاهد ﵀: كانوا رجالًا صالحين من قوم نوح، فلمَّا ماتوا وسوس الشَّيطان إلى قومهم: أن انصبوهم في مجالسهم التي كانوا يتعبَّدون فيها، وسمُّوهم بأسمائهم حتى يذكروهم، فلم تُعبَد حتى هلك أولئك، وعُبدَت بعد ذلك (٢). * * * (٢٤) - ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: أي: صاروا سببًا لضلال كثير من النَّاس، وجمع بالواو لأنَّهم وُصفوا بصفاتِ مَن يعقل، كما في قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وقال في آية: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ردًّا إلى لفظ الأصنام، وهي جمع. وقيل: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ راجع إلى رؤسائهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾: دلَّ هذا على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ للَّه تعالى، وهذا السُّؤال كسؤال موسى ﵇: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨]. وقال الحسن: لم يدعُ نوحٌ بهذا الدُّعاء إلَّا حين أيسَ من إيمانهم بقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] (٣).

стр. 7415

(٢٥) - ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾. ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿ممَّا خَطاياهم﴾، وقرأ الباقون: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (١)، وهما جمع خطيئة. و ﴿مِمَّا﴾ كلمتان: (مِن) و (ما)، و (ما) صلةٌ زائدة. وتقديره: من خطيئاتهم ﴿أُغْرِقُوا﴾؛ أي: بسبب ذنوبهم وإصرارهم عليها أغرقوا بالطُّوفان. ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾: أي: صُيِّروا في عذاب النَّار، وهو دليل على عذاب القبر، وهو كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ﴾: أي: لأنفسهم، وهو كقوله: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]؛ أي: على نفسك. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: من غير اللَّه ﴿أَنْصَارًا﴾ يعينونهم ويمنعونهم من عذاب اللَّه؛ أي: ممَّا كانوا يُعِدُّونه لذلك من الأولاد والأتباع. وقيل: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: غير اللَّه؛ أي: لو نصرهم أحدٌ لنصرهم اللَّه تعالى، فلا ناصر غيره، وهو كقوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]؛ أي: إلا اللَّهُ الرَّاحم، فلا راحم في الحقيقة غيره ولا عاصم. * * * (٢٦ - ٢٧) - ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.

стр. 7416

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾: أي: أحدًا يدور في الأرض بالذَّهاب والمجيء. وقيل: ﴿دَيَّارًا﴾؛ أي: صاحبَ دار، وأصله: دَيْوَارٌ على وزن فَيْعالٍ، كالقيَّام هو فَيْعالٌ، ولو كان فعَّالًا لكان دوَّارًا وقوَّامًا. ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾: فيكون منهم الإفساد دون الإصلاح. ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾: أي: إلَّا مَن إذا بلغَ فجَر وكفَر، وهو كقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، و ﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]؛ أي: إذا بلَغ مبلغَ العلم والحلم صار موصوفًا بهما. وإنَّما قال ذلك لأنَّ اللَّه تعالى أخبره بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]. ثمَّ معنى خطابه اللَّه تعالى بهذا الكلام مع أنَّ اللَّه تعالى هو الذي كان أخبره به: أنَّه اعترافٌ منه وتصديقٌ بما أخبرَه اللَّهُ تعالى به. * * * (٢٨) - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾: قال ابن عبَّاس: وكان أبواه مسلمين (١). لَمْك بنُ مَتُّوشَلَخ وسَمْحا بنتُ أنوش. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: قال ابن عبَّاس: عامَّة المؤمنين والمؤمنات (٢).

стр. 7417

وقال الكلبيُّ: أي: أمَّة محمَّد ﷺ (١). ونظيره قول إبراهيم ﵇: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾؛ أي: مسجدي. قاله الضَّحَّاك (٢). قالوا: وكانت بيوت الأنبياء مساجدَهم؛ أي: لأصحابي الذين أجابوني وصلَّوا معي. وقال قتادة: ﴿بَيْتِيَ﴾؛ أي: سفينتي (٣). وقال مقاتل بن حيَّان: وحمل نوح في السَّفينة معه ثمانين نفسًا؛ أربعين رجلًا، وأربعين امرأة، وفيهم أولاده الثَّلاثة (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المشركين ﴿إِلَّا تَبَارًا﴾؛ أي: هلاكًا. وقيل: أراد به قومَه. وقيل: أراد به كلَّ المشركين إلى قيام السَّاعة. روى أنسٌ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الدَّاعي للمؤمنين والمؤمنات يُغفَرُ له بعددِ كلِّ مؤمنٍ في الأرض حيٍّ أو ميِّت، ويَرُدُّ عليه مثلَ الذي دعا لهم كلُّ المؤمنين في الأرض" (٥).

стр. 7418

وعن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الدَّاعي للمؤمنين والمؤمنات يُقام يوم القيامة، فيُثْني اللَّه تعالى عليه في الأوَّلين والآخِرين خيرًا بدعائه لهم، فيأجُرُه اللَّه تعالى مثلَ أجورهم أجمعين، ولا يَنقص من أجورهم شيء، ويأمر اللَّه الأوَّلين والآخرين فيشفعون له" (١). وعن أبي بكرة (٢) عن النَّبيّ ﷺ أنَّه قال: "مَن رأى في المنام (٣) أنَّه غرق فهو في النَّار"، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (٤). * * *

стр. 7419

سورة الجن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي ما اتَّخذ صاحبة ولا ولدًا، الرحمنِ الذي لن تجدَ من دونه ملتَحَدًا، الرحيمِ الذي أحصى كلَّ شيءٍ عددًا. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورة الجنِّ كان له من الأجر بعدد كلِّ جنِّيٍّ صدَّق بمحمَّد ﷺ ، وأعتق اللَّه تعالى رقبته من النَّار" (١). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان وستٌّ وثمانون كلمة، وألفٌ وثمانيةٌ وثمانون (٢) حرفًا. وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ نوحًا دعا للمؤمنين والمؤمنات من أمَّة محمَّد ﷺ ومنهم مؤمنو الجنِّ، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾.

стр. 7420

وانتظام السُّورتين في المعنى (١): أنَّهما في الدَّعوة إلى التَّوحيد، ونجاةِ مَن أجاب إليه، وهلاكِ مَن لم يُجب. * * * (١) - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: انطلق رسول اللَّه ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشَّياطين وبين خبر السَّماء، وأُرسلَتْ عليهم الشُّهب، فرجعَتِ الشَّياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السَّماء، وأرسلَتْ علينا الشُّهب، قالوا: ما حيل بيننا وبين خبر السَّماء إلَّا من حدثٍ! فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبينه؟ فانطلقوا، وانصرف أولئك النَّفر الذين توجَّهوا نحو تِهَامة إلى رسول اللَّه ﷺ وهو بنخلةَ عامدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلِّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمَّا سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا واللَّه الذي حال بينكم وبين خبر السَّماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ فأنزل اللَّه تعالى هذه السُّورة (٢). ففي هذه الرِّواية أنَّه ما قرأ على الجنِّ ولا دعاهم (٣). وروى عاصم عن زرٍّ قال: قدم رهطُ زوبعةَ وأصحابِه مكَّة على النَّبيِّ ﷺ ، فسمعوا قراءة النَّبيِّ ﷺ ثم انصرفوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآيات، وكانوا تسعةً (٤).

стр. 7421

وعن ابن مسعود ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرنا بالمصير (١) إليهم؛ ليقرأ القرآن عليهم. وقيل: إنَّ الجنَّ أتَوا رسولَ اللَّه ﷺ دفعَتين. وروى ابن جريج في "تفسيره" عن رجل عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أتلوَ القرآنَ على الجنِّ، فمَن يذهبُ معي؟ ". فسكتوا، ثم الثَّانيةَ فسكتوا، ثم الثَّالثة، فقال عبد اللَّه بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول اللَّه. فقال: "أنت تذهب معي"، فانطلق حتى إذا جاء الحَجُون عند شعب أبي دُبّ خَطَّ عليَّ خَطًّا، فقال: "لا تجاوِزْه"، ثم مضى إلى الحَجُون، فانحدروا عليه أمثال الحَجَلِ، يَحدُرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دفوفهم كما تَقرع النِّسوة في دفوفها، حتى غشَوْه فلا أراه، فقمْتُ، فأومَأ إليَّ بيده أن اجلِسْ، فتلا القرآن فلم يزل صوتُه يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، ثم انفتل إليَّ فقال: "أردتَ أن تأتيَني؟ ". فقلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: "ما كان ذلك لك، هؤلاء الجنُّ أتَوا يستمعون القرآن، ثم ولَّوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزَّاد، فزوَّدتهم العظم والبعر، فلا يستطيبنَّ أحدكم (٢) ببعرٍ ولا عظم".

стр. 7422

قاله ابن جريج (١). وأما مجاهد فقد قال: قال ابن مسعود: انطلق بي النَّبيُّ ﷺ حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خطَّ لي خطًا، فأتاه نفرٌ منهم، فقال أصحابنا: كأنَّهم رجال الزُّطِّ، وكأن وجوههم المكاكيُّ. قال مجاهد: قالوا: ما أنت؟ قال: "أنا نبيُّ اللَّه"، قالوا: فمَن يشهدُ لك على ذلك؟ قال: "هذه الشجرة"، فقال: "تعالَي يا شجرة"، فجاءت تجرُّ عروقُها الحجارةَ لها فَقَاقع، حتى انتصحبَتْ بين يديه، فقال: "على ماذا تشهدين؟ "، قالت: أشهد أنَّك رسول اللَّه، قال: "اذهبي"، فرجعَتْ كما جاءَتْ تجر بعروقها الحجارة لها فَقَاقع، حتى عادَتْ حيث كانت، فسألوه الزَّاد، فزوَّدهم العظم والرَّوث (٢). وزعم غير واحد أنَّ النَّبيَّ ﷺ وضعَ رأسَه ليلتئذٍ على فخذ ابنِ مسعودٍ، فرقد ثم استيقظ للصُّبح، فقال: "هل من وضوء؟ "، فقال: لا، إلَّا أنَّ معي إداوة فيها نبيذٌ، فقال: "هل هو إلَّا تمرٌ وماء"، فتوضَّأ به (٣).

стр. 7423

ثم قال (١): فذكرْتُ ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال: هذا مستفيضٌ بالمدينة، أمَّا الجنُّ الذي لقُوه بنخلة فجنُّ نِيْنوى، وأمَّا الذين لقُوه بمكَّة فجنُّ نَصيبين (٢). وقد روى ابن مروان، عن ليث، عن أبي فَزارة، عن أبي زيد مولى عَمرو بن حريث، عن ابن مسعود في هذه السُّورة قال: لَمَّا أتَوا رسولَ اللَّه ﷺ بمكَّة بقومِهم أتتْهُ شجرة من شجر الحرم، فآذنَتْه بهم، فقالت: يا رسول اللَّه، إنَّ نفرًا من الجنِّ بالحَجُون، فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "إنِّي خارجٌ إليهم، فليقُم معي مَن أحبَّ، ولا يخرجَنَّ معي إليهم منكم رجلٌ في قلبه مثقال حبَّة من خردل من شكٍّ". قال: فخرج معه ابنُ مسعود ﵁، فلمَّا أتَوا الحَجُون خَطَّ على ابن مسعود خطًّا، ثم قال: "إيَّاك أن تعدوَ هذا الخطَّ، فإنَّك إنْ فعلْتَ لم ترني ولم أركَ أبدًا"، ثم انطلق رسول اللَّه ﷺ ، ولم أزل قائمًا في ذلك الخطِّ ليلي كلَّه، حتى إذا كان في وجه السَّحَر أتاني، فقال: "ما زلْتَ قائمًا؟ "، قلْتُ: نعم، قال: "فهل معك ماء"، وذكر التَّوضُّؤ بنبيذ التَّمر. ثم نادى: الصَّلاة، فإذا رجلان من الجنِّ قد أجابا النِّداء، فقاما خلفَه وصلَّيا معه، فلمَّا انصرف رسول اللَّه ﷺ من الصَّلاة قال لهما: "ألم اقضِ حاجتكما؟ "، قالا: بلى يا رسول اللَّه، ولكنَّا سمعنا النِّداء بالصَّلاة، فجئنا لنصلِّي معك، فقال لهما رسول اللَّه ﷺ : "قد أفلحْتُما، وأفلح مَن أنتما منه"، أو: "قد أفلحتما، وأفلح قومُكما"، ثم ذكر سؤالهما الزَّاد (٣).

стр. 7424

وفي "المشافهات" (١) عن ابن عبَّاس ﵄ قال: إنَّا لقُعودٌ مع رسول اللَّه ﷺ فقال: "إنِّي قد أمرْتُ أن آتي الجنَّ، فمَن يصاحبُني منكم؟ "، فسكتوا، حتَّى قالها ثلاثًا فسكتوا، فقام فذهب وحده حتى بلغ البطحاء، فنظر وراءه، فإذا هو بابن مسعود ﵁، فقام قائمًا حتى جاء، فقال: "مه؟ "، فقال: إنَّه ما حملتني الأرض حتى اتَّبعتُكَ، قال: "إنِّي قد أُمرْتُ وراء هذا الجبل بوادٍ فجٍّ (٢) إذا انحدرْتُ فيه، فإنِّي سأخطُّ لك خطًّا فادخلْهُ ولا تخرجَنَّ منه، فإنْ خرجْتَ منه لم ترني إلى يوم القيامة"، فانحدر (٣) في الوادي، فخطَّ وقال: "ادخلْهُ وأقبِلْ على قراءتك وصلواتك، فإنَّك ترى أشياء، ولا يخلصون إليك حتى تراني"، فصعد في أعلى الوادي (٤)، فاستفتح سورة الجنَّ، واجتمعت الجنُّ حتى امتلأ الوادي والجبال، وقرأ في الصَّلاة، فلمَّا صلَّى ركعتين انصرف، فسلَّموا عليه وقالوا: جئناك لخصومة قتيلٍ بيننا، فقضى فيه، فقالوا: رضينا بقضائك وآمنَّا بك. ثم ذكر حديث نبيذ التَّمر، وحديث الزَّاد، وكانوا جنَّ نصيبين، وأرضُهم بعيدة، وسألوا الزَّاد لذلك (٥). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾؛ أي: قلْ يا محمَّد لأمَّتك: أوحَى اللَّه تعالى إليَّ أنَّه استمع -أي: إلى قراءتي- نفرٌ من الجنِّ.

стр. 7425

قال القتبيُّ ﵀ ونفطويه: النَّفرُ: الجماعة من الثَّلاثة إلى العشرة (١). وقال أبو زيد: هو الرَّهط ما دون العشرة (٢). ودلَّت الآية أنَّه لم يعلم باستماعهم إلى قراءته حتَّى أُوحي إليه. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾: أي: عجيبًا في نظمِه معجِزًا لا يُقدَر على مثله، وعجيبًا لاشتماله على الأخبار عمَّا كان وعمَّا يكون، وعجيبًا لِمَا فيه من بيان كلِّ شيء مع قلَّة ألفاظه. * * * (٢ - ٣) - ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: أي: يدلُّ مَن تدبَّره على السَّداد. ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾: أي: صدَّقنا أنَّه من عند اللَّه. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾: من خلقه. ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ هذه الأربعة بالفتح، والباقي بالكسر. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر كذلك، إلَّا قوله: ﴿وإنهُ لمَّا قام عبدُ اللَّه﴾ بالكسر. وقرأ الباقون كلَّ ذلك بالفتح، إلَّا ما جاء بعد قولٍ أو فاءِ جزاء (٣).
следующие страницы →