← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

وعن ابن مسعود ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرنا بالمصير (١) إليهم؛ ليقرأ القرآن عليهم. وقيل: إنَّ الجنَّ أتَوا رسولَ اللَّه ﷺ دفعَتين. وروى ابن جريج في "تفسيره" عن رجل عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أتلوَ القرآنَ على الجنِّ، فمَن يذهبُ معي؟ ". فسكتوا، ثم الثَّانيةَ فسكتوا، ثم الثَّالثة، فقال عبد اللَّه بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول اللَّه. فقال: "أنت تذهب معي"، فانطلق حتى إذا جاء الحَجُون عند شعب أبي دُبّ خَطَّ عليَّ خَطًّا، فقال: "لا تجاوِزْه"، ثم مضى إلى الحَجُون، فانحدروا عليه أمثال الحَجَلِ، يَحدُرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دفوفهم كما تَقرع النِّسوة في دفوفها، حتى غشَوْه فلا أراه، فقمْتُ، فأومَأ إليَّ بيده أن اجلِسْ، فتلا القرآن فلم يزل صوتُه يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، ثم انفتل إليَّ فقال: "أردتَ أن تأتيَني؟ ". فقلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: "ما كان ذلك لك، هؤلاء الجنُّ أتَوا يستمعون القرآن، ثم ولَّوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزَّاد، فزوَّدتهم العظم والبعر، فلا يستطيبنَّ أحدكم (٢) ببعرٍ ولا عظم".

стр. 7422

قاله ابن جريج (١). وأما مجاهد فقد قال: قال ابن مسعود: انطلق بي النَّبيُّ ﷺ حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خطَّ لي خطًا، فأتاه نفرٌ منهم، فقال أصحابنا: كأنَّهم رجال الزُّطِّ، وكأن وجوههم المكاكيُّ. قال مجاهد: قالوا: ما أنت؟ قال: "أنا نبيُّ اللَّه"، قالوا: فمَن يشهدُ لك على ذلك؟ قال: "هذه الشجرة"، فقال: "تعالَي يا شجرة"، فجاءت تجرُّ عروقُها الحجارةَ لها فَقَاقع، حتى انتصحبَتْ بين يديه، فقال: "على ماذا تشهدين؟ "، قالت: أشهد أنَّك رسول اللَّه، قال: "اذهبي"، فرجعَتْ كما جاءَتْ تجر بعروقها الحجارة لها فَقَاقع، حتى عادَتْ حيث كانت، فسألوه الزَّاد، فزوَّدهم العظم والرَّوث (٢). وزعم غير واحد أنَّ النَّبيَّ ﷺ وضعَ رأسَه ليلتئذٍ على فخذ ابنِ مسعودٍ، فرقد ثم استيقظ للصُّبح، فقال: "هل من وضوء؟ "، فقال: لا، إلَّا أنَّ معي إداوة فيها نبيذٌ، فقال: "هل هو إلَّا تمرٌ وماء"، فتوضَّأ به (٣).

стр. 7423

ثم قال (١): فذكرْتُ ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال: هذا مستفيضٌ بالمدينة، أمَّا الجنُّ الذي لقُوه بنخلة فجنُّ نِيْنوى، وأمَّا الذين لقُوه بمكَّة فجنُّ نَصيبين (٢). وقد روى ابن مروان، عن ليث، عن أبي فَزارة، عن أبي زيد مولى عَمرو بن حريث، عن ابن مسعود في هذه السُّورة قال: لَمَّا أتَوا رسولَ اللَّه ﷺ بمكَّة بقومِهم أتتْهُ شجرة من شجر الحرم، فآذنَتْه بهم، فقالت: يا رسول اللَّه، إنَّ نفرًا من الجنِّ بالحَجُون، فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "إنِّي خارجٌ إليهم، فليقُم معي مَن أحبَّ، ولا يخرجَنَّ معي إليهم منكم رجلٌ في قلبه مثقال حبَّة من خردل من شكٍّ". قال: فخرج معه ابنُ مسعود ﵁، فلمَّا أتَوا الحَجُون خَطَّ على ابن مسعود خطًّا، ثم قال: "إيَّاك أن تعدوَ هذا الخطَّ، فإنَّك إنْ فعلْتَ لم ترني ولم أركَ أبدًا"، ثم انطلق رسول اللَّه ﷺ ، ولم أزل قائمًا في ذلك الخطِّ ليلي كلَّه، حتى إذا كان في وجه السَّحَر أتاني، فقال: "ما زلْتَ قائمًا؟ "، قلْتُ: نعم، قال: "فهل معك ماء"، وذكر التَّوضُّؤ بنبيذ التَّمر. ثم نادى: الصَّلاة، فإذا رجلان من الجنِّ قد أجابا النِّداء، فقاما خلفَه وصلَّيا معه، فلمَّا انصرف رسول اللَّه ﷺ من الصَّلاة قال لهما: "ألم اقضِ حاجتكما؟ "، قالا: بلى يا رسول اللَّه، ولكنَّا سمعنا النِّداء بالصَّلاة، فجئنا لنصلِّي معك، فقال لهما رسول اللَّه ﷺ : "قد أفلحْتُما، وأفلح مَن أنتما منه"، أو: "قد أفلحتما، وأفلح قومُكما"، ثم ذكر سؤالهما الزَّاد (٣).

стр. 7424

وفي "المشافهات" (١) عن ابن عبَّاس ﵄ قال: إنَّا لقُعودٌ مع رسول اللَّه ﷺ فقال: "إنِّي قد أمرْتُ أن آتي الجنَّ، فمَن يصاحبُني منكم؟ "، فسكتوا، حتَّى قالها ثلاثًا فسكتوا، فقام فذهب وحده حتى بلغ البطحاء، فنظر وراءه، فإذا هو بابن مسعود ﵁، فقام قائمًا حتى جاء، فقال: "مه؟ "، فقال: إنَّه ما حملتني الأرض حتى اتَّبعتُكَ، قال: "إنِّي قد أُمرْتُ وراء هذا الجبل بوادٍ فجٍّ (٢) إذا انحدرْتُ فيه، فإنِّي سأخطُّ لك خطًّا فادخلْهُ ولا تخرجَنَّ منه، فإنْ خرجْتَ منه لم ترني إلى يوم القيامة"، فانحدر (٣) في الوادي، فخطَّ وقال: "ادخلْهُ وأقبِلْ على قراءتك وصلواتك، فإنَّك ترى أشياء، ولا يخلصون إليك حتى تراني"، فصعد في أعلى الوادي (٤)، فاستفتح سورة الجنَّ، واجتمعت الجنُّ حتى امتلأ الوادي والجبال، وقرأ في الصَّلاة، فلمَّا صلَّى ركعتين انصرف، فسلَّموا عليه وقالوا: جئناك لخصومة قتيلٍ بيننا، فقضى فيه، فقالوا: رضينا بقضائك وآمنَّا بك. ثم ذكر حديث نبيذ التَّمر، وحديث الزَّاد، وكانوا جنَّ نصيبين، وأرضُهم بعيدة، وسألوا الزَّاد لذلك (٥). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾؛ أي: قلْ يا محمَّد لأمَّتك: أوحَى اللَّه تعالى إليَّ أنَّه استمع -أي: إلى قراءتي- نفرٌ من الجنِّ.

стр. 7425

قال القتبيُّ ﵀ ونفطويه: النَّفرُ: الجماعة من الثَّلاثة إلى العشرة (١). وقال أبو زيد: هو الرَّهط ما دون العشرة (٢). ودلَّت الآية أنَّه لم يعلم باستماعهم إلى قراءته حتَّى أُوحي إليه. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾: أي: عجيبًا في نظمِه معجِزًا لا يُقدَر على مثله، وعجيبًا لاشتماله على الأخبار عمَّا كان وعمَّا يكون، وعجيبًا لِمَا فيه من بيان كلِّ شيء مع قلَّة ألفاظه. * * * (٢ - ٣) - ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾: أي: يدلُّ مَن تدبَّره على السَّداد. ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾: أي: صدَّقنا أنَّه من عند اللَّه. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾: من خلقه. ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ هذه الأربعة بالفتح، والباقي بالكسر. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر كذلك، إلَّا قوله: ﴿وإنهُ لمَّا قام عبدُ اللَّه﴾ بالكسر. وقرأ الباقون كلَّ ذلك بالفتح، إلَّا ما جاء بعد قولٍ أو فاءِ جزاء (٣).

стр. 7426

ووجهُ الفتح في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ ومثلِه: وآمنا أنه تعالى جدُّ ربنا، وكذلك ما بعده، أو يُقدَّر فعلٌ يليق به ينتصِب بوقوعه عليه. وقال أبو عبيدة: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾؛ أي: سلطانه وملكه (١). وقال الأخفش: أي: عظمة ربنا (٢). وقال الحسن: غِنَى ربِّنا (٣). وقال الفرَّاء: جلالةُ ربِّنا (٤). وعن أنس ﵁ قال: كان الرَّجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جدَّ فينا؛ أي: عَظُمَ في عيوننا (٥). ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾: أي: زوجة ﴿وَلَا وَلَدًا﴾ كما يقوله المبطلون. * * * (٤ - ٦) - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: جاهلنا؛ أي: الخفيفُ القَدْر والوزن والعقل.

стр. 7427

وقال مجاهد وقتادة: هو إبليس عليه اللَّعنة (١). ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾: أي: قولًا جائرًا (٢) يجور فيه عن الحقِّ والصَّواب، وهو أنَّه لا يَبعث أحدًا، وأنَّ له صاحبة وولدًا وشريكًا (٣)، وكلُّ ما ذكر في السُّورة فإنَّ إبليس يحسِّنه عند أتجاعه ويضيفه على اللَّه تعالى كذبًا. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: كنَّا نظنُّ قبل أن نسمع القرآن أنَّ إبليس وغيره من الجنِّ والإنس لا يَجْترِئون (٤) على الكذب على اللَّه تعالى، وأنَّ سفيهَنا صادقٌ فيما كان يكذب على اللَّه تعالى، إلى أن سمعنا القرآن، فعلمنا أنَّه وسائرَ مَن اتَّبعه وأطاعه كاذبون على اللَّه تعالى، فرجعنا عنه. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: أخبر عن طائفة من العرب أنَّهم كانوا يستجيرون بالجنِّ، يقول: كان رجال من الإنس يلتجئون في أسفارهم إذا نزلوا واديًا مُقْفِرًا موحشًا يخافون فيه على أنفسهم من الجنِّ أن يتخبَّطوهم أو ينالوهم بسوء، فيقولون: نعوذ بسيِّد هذا الوادي من سفهائه (٥). على هذا أكثر المفسِّرين. قال مقاتل: أوَّل مَن تعوَّذ بالجنِّ قومٌ من أهل اليمن، ثم بنو حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب (٦).

стр. 7428

﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾: يعني: أنَّ الإنس زادوا الجنَّ غيًّا لتعوُّذهم بهم. وقيل: ﴿رَهَقًا﴾: فسادًا وجهلًا. وقال الأخفش: سفهًا وطغيانًا (١). وقال القتبيُّ: طغيانًا وإثمًا (٢). وقال الأصمعيُّ: الرَّهق: غشيان المحارم (٣). وقال أبو سعيد: هو مُقارَفة الإثم (٤). وقال قطرب: هو الخفَّة والطَّيش (٥). وذلك أن الجنَّ اجترؤوا عليهم، وتعزَّزوا (٦) في أنفسهم، وقالوا: قد سُدْنا الجنَّ والإنس، فطغَوا بذلك في كفرهم. وقيل: بل معناه: زاد الجنُّ كفَّارَ الإنس بذلك طغيانًا في الكفر، كأنَّهم كانوا إذا عاذوا بهم فأَمِنوا في منزلهم ظنُّوا أن ذلك من الجنَّ، فازدادوا رغبةً في طاعة الشَّياطين وقَبول وساوسهم. وقال مجاهد: زادوا الكافرين به طغيانًا (٧).

стр. 7429

وقيل: زاد الجنُّ الإنسَ (١) رهقًا؛ أي: صاروا سببًا لذلك، وتحقيقُه: أنَّ الإنس ازدادوا كفرًا وطغيانًا بما فعلوه من العَوذ بالجنِّ دون العَوذ باللَّه. * * * (٧ - ٨) - ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾. ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾: يقول اللَّه تعالى: وأنَّ هؤلاء الجنَّ ظنُّوا كما ظننتم معاشر الإنس ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾؛ أي: رسولًا إلى خلقه. وقيل: أي: لن يبعث اللَّه أحدًا بعد الموت للحساب والجزاء. يقول: إنَّ هؤلاء الجنَّ كانوا ينكرون المعادَ كإنكاركم، ثم بسماع القرآن اهتدَوا، فأقرُّوا بالرُّسل وبالمعاد، فاعملوا أنتم معاشرَ العرب كذلك. وقال مقاتل ﵀: لمَّا رجع مؤمنو الجنِّ إلى قومهم منذرين كذَّبوهم، وقال مؤمنو الجنِّ لكفارهم: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ يعنون كفَّار الإنس ﴿ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ يا معشر الجنِّ ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾؛ يعني: محمَّدًا رسولًا بعد عيسى (٢). ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: قيل: أي: التَمَسْناها وطلبناها، وأردناها لاستراقِ السَّمع منها. وقيل: أي: مسِسْنا السَّماء، وفي الخبر: أنَّ الشَّيطان يقفز قفزة فيَلْطأُ بالسَّماء (٣)؛ أي: يلصَق.

стр. 7430

﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا﴾: أي: حفَظةً، جمعُ حارس، كالسَّلَف جمع سالف. ﴿شَدِيدًا﴾: أي: شِدادًا، ووحَّد لأنَّ ظاهر لفظه لفظُ الواحد، وهو كقولهم: سلَفٌ صالحٌ؛ أي: أسلافٌ صالحون. وقيل: الحرسُ مصدرٌ، كالطَّلب والجَلَب. وقيل: ﴿شَدِيدًا﴾ نعتُ مصدرٍ محذوف (١)؛ أي: ملئَتْ ملأً شديدًا من الحرس، كما يُقال: ضَربَ شديدًا؛ أي: ضرب ضربًا شديدًا. ﴿وَشُهُبًا﴾: أي: كواكب مضيئة كشهب النَّار تُرجَم بها الشَّياطين. وقيل: هي نار غير (٢) الكواكب، وهي الحرس في قولٍ، والملائكة في قولٍ. * * * (٩ - ١٠) - ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾: أي: من السَّماء قبل هذا ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾؛ أي: لاستماع أخبار السَّماء. ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾؛ أي: يُرِدِ الاستماع ﴿يَجِدْ لَهُ﴾؛ أي: لنفسه ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾؛ أي: معدًّا لرجمه. ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: إذ حُرسَتِ السَّماء من ذلك. ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾: أي: خيرًا وصلاحًا. قيل: هو قول الجنِّ بعضِهم لبعض قبل مجيئهم إلى النَّبيِّ ﷺ وقد حيل بينهم

стр. 7431

وبين خبر (١) السَّماء، ولم يَدْروا سبب ذلك، فقالوا: لا ندري أراد اللَّهُ به عذاب أهل الأرض بكفرهم ومعاصيهم، أو بَعْثَ رسولٍ فيهم. وقيل: قالوا ذلك بعد رؤية النَّبيِّ ﷺ ، ومعناه: لا ندري أيكفر أهل الأرض به فيُعذَّبون، أو يؤمنون به فيَرْشدون. واختلفوا في الرَّمي والرُّجوم (٢) وانقضاضِ الكواكب متى ظهر: قال ابن إسحاق وقتادةُ: ظهر حين قرب نزول الوحي على رسولنا محمَّد ﷺ ؛ لئلَّا يشاكل الوحيَ شيءٌ من خبر السَّماء، فيلتبسَ على أهل الأرض ما جاءهم من اللَّه بخبر الرَّسول ممَّا قال الكُهَّان من قول الشَّياطين ممَّا استرَقُوه من قولِ أهل السَّماء (٣). وقال أبيُّ بن كعب والكلبيُّ وغيرهما: كان ذلك موجودًا قبل عيسى وبعده إلى أن رُفع، فلم يرمَ بعده بالنُّجوم إلى مبعث النَّبيِّ ﷺ (٤). وقالوا: إنَّ شعراء الجاهليَّة يذكرون ذلك في أبياتهم. وقال مَعْمَر: قلْتُ للزُّهريِّ: أكان يُرمى بها في الجاهليَّة؟ قال: نعم، قلت: يقول اللَّه تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ قال: غُلِّظَتْ وشُدِّد أمرها بعد مبعث النَّبيِّ ﷺ (٥). وقال الجاحظ وجماعة: بل لم يكن قبل زمن النَّبيِّ ﷺ (٦).

стр. 7432

وظاهر الآية يدلُّ عليه، أمَّا لو ثبت شيء قبل مبعثه ولكن في زمانه فهو لإيناس (١) أمره، فكان مختصًّا به. * * * (١١ - ١٢) - ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾: أي: قالت الجنُّ: كان منَّا قبل استماع القرآن مؤمنون بالأنبياء المتقدِّمين، صالحون في الإيمان، متقدِّمون في عمل الخير. ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: مؤمنون دون الطَّبقة الأولى. ﴿كُنَّا طَرَائِقَ﴾: طريقة: جماعة (٢). ﴿قِدَدًا﴾: أي: فرقًا قطعًا مختلفين كفَّارًا ومؤمنين، وكاملين في الإيمان ما أحدثنا في إيماننا ما لم يكن في جنسنا. ويدلُّ عليه أنَّه كان في زمن موسى وعيسى منهم مؤمنون، حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠]. وهذا ترغيب منهم لمن رجعوا إليهم منذرين في الإيمان. والقِدَدُ: جمع قِدَّة، وهي القطعة، من قَدَدْتُ السير؛ أي (٣): قطَعْتُه. والمفسِّرون فسَّروا ذلك على اختلاف الأهواء، وبعضهم على اختلاف الملل. ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾: أي: قد علمنا ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لن نفوته في

стр. 7433

الأرض إن أقمنا فيها ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾: ولن نفوته ولو هربنا إلى البحار أو إلى السَّماء، وهو تحريك للأصحاب على الإيمان خوفًا عن المؤاخذة. * * * (١٣ - ١٤) - ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾: أي: القرآنَ الدَّال على الرُّشد ﴿آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: صدَّقنا به. ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾: أي: نقصًا من الثَّواب ﴿وَلَا رَهَقًا﴾؛ أي: فوتَ الثَّواب وبطلانَه أصلًا، فإنَّ الرَّهَق له وجوه، ومنها الفساد. وقيل: ﴿رَهَقًا﴾؛ أي: مؤاخَذةً من غير ذنبٍ، أو بذنبِ غيرِه. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: أي: بعد استماع القرآن. والقاسطون: الكافرون الجائرون عن الحقِّ. ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ﴾ وهو اسم للجنس فصار للجمع ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا﴾؛ أي: قصدوا، وقيل: طلبوا، وقيل: اتَّبعوا. ﴿رَشَدًا﴾: أي: هدًى. * * * (١٥ - ١٧) - ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾: أي: صاروا في حكم اللَّه تعالى وقودًا لجهنَّم، يُلقَون فيها ويُحرَّقون بها.

стр. 7434

﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: انقطع كلام الجنِّ، وهذا ابتداءُ كلام من اللَّه تعالى، يقول: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾: قيل: عذبًا كثيرًا. وقيل: نافعًا كثيرًا. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: أي: لنمتحنهم فيه بالشُّكر؛ أي: لوسَّعنا عليهم في الدُّنيا، وبسطنا لهم في الرِّزق لنتعبَّدهم بالشُّكر فيه. ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾: عن ذكر إنعامه ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾؛ أي: يُدخلْه عذابًا شاقًّا شديدًا، وقد تصعَّد الشَّيء؛ أي: شقَّ. وقيل: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: عن وعظِ ربِّه فلم يقبله. وقيل: أي: عن كتابه فلم يَتَّبِعْه. والصَّعَد: نعتٌ على فَعَلٍ، كقولهم: نيةٌ قَذَفٌ؛ أي: بعيدة (١)، وأمرٌ كَثَبٌ (٢)؛ أي: قريب. وقرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ: ﴿يَسْلُكْهُ﴾ بياء المغايبة ردًّا على قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ والباقون ﴿نَسْلُكْهُ﴾ بالنُّون (٣)؛ خبرًا من اللَّه تعالى عن نفسه بخطاب الملوك جمعًا. وحمل قوله: ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾؛ أي: على الطَّريقة الحقِّ، وهي الإسلام، قول الضَّحَّاك وقتادة وعبيد بن عمير وعطيَّة وسعيد بن المسيب ومقاتل بن سليمان

стр. 7435

وعطاء والحسن، وذلك كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الآية [الأعراف: ٩٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٦]، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] الآيات. وقوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة﴾ [النحل: ٩٧] (١). وقال الحسن: كان أصحابُ رسول اللَّه ﷺ سامعين للَّه مطيعين، ففُتحَت عليهم كنوز كسرى وقيصر (٢). وقال الكلبيُّ والرَّبيع بن أنس وزيد بن أسلم: أي: لو استقاموا على طريقة الكفر لأعطيناهم سَعةً في الدُّنيا لنستدرجهم بذلك ليزدادوا إثمًا وفتنة، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٥٥] الآيات، وقولهِ تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية [الزخرف: ٣٣] (٣). * * * (١٨ - ١٩) - ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾: أي: وأُوحيَ إليَّ أنَّ المساجد، وهي البيوت المبنيَّة للصَّلاة فيها للَّه تعالى، وهو (٤) المستحِقُّ للعبادة فيها.

стр. 7436

﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾: أي: لا تعبدوا. وقيل: أي: لا تدعوا غيره إلهًا. وقيل: أي: لا تدعوا في الحوائج غيره. وعن سعيد بن جبير أنَّ الجنَّ قالوا: يا رسول اللَّه، كيف نأتي المساجد معك ونحن ناؤون عنك؟ فنزلَتْ (١). أي: كلُّ المساجد للَّه، فأخلِصوا العبادة للَّه؛ أي: في أيِّ مسجد قدرتُم عليه. وقال الحسن: من السُّنَّة إذا دخل أحد المسجد أن يقول: لا إله إلَّا اللَّه لا أدعو مع اللَّه أحدًا (٢). وقيل: ﴿الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾؛ أي: السَّجداتِ للَّه، جمع مسجد الذي هو المصدر؛ أي: اللَّه هو المستحِقُّ لسجود الخلق له. وقال الحسن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾؛ أي: الصَّلوات للَّه (٣). وقيل: ﴿الْمَسَاجِدَ﴾؛ أي: الأعضاءَ التي يسجد عليها ﴿لِلَّهِ﴾. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾: أي: أُوحي إليَّ أنَّه لَمَّا قام عبد اللَّه؛ أي: محمَّد رسول اللَّه. ﴿يَدْعُوهُ﴾: أي: يعبد اللَّه ويصلِّي له. ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: أي: قاربَتِ الجنُّ أن يكونوا على رسول اللَّه ﷺ

стр. 7437

متراكبين؛ شهوةً لِمَا سمعوه منه، وحرصًا على التَّمكُّن منه. على هذا أكثر المفسِّرين. وقيل: هو قول الجنِّ حين رجعوا إلى قومهم، قالوا: لَمَّا قام رسولُ اللَّه ﷺ يصلِّي كاد أصحابُه يكونون عليه لبدًا تعظيمًا له. وقال الكسائيُّ: ﴿لِبَدًا﴾؛ أي: ركامًا (١). وقال الأخفش: أي: جماعات. واللِّبْدةُ: الجماعةُ (٢). وقال القتبيُّ: كادوا يلبدون به (٣)؛ أي: يلصقون به. وقيل: أي: ولَمَّا قام عبد اللَّه يدعو إلى اللَّه. * * * (٢٠ - ٢٢) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾: أي: قل يا محمَّد للمشركين: إنَّما أعبد (٤) خالقي ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ مِن خلقِه. وهذه قراءة حمزة (٥) وعاصم، وقرأ الباقون: ﴿قَالَ﴾ (٦)؛ عطفًا على قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾: أي: كفرًا؛ فإنَّه ضارٌّ ﴿وَلَا رَشَدًا﴾؛ أي: إيمانًا، فإنَّه

стр. 7438

هدًى؛ أي: لا أملك إدخالَكم في الكفر أو الإيمان، إنَّما ذلك إلى اللَّه تعالى. وقيل: الضُّرُّ هو عقوبتهم على الكفر في الدُّنيا والآخرة، والرُّشد: ما يزيلُه عنهم من ذلك بإيمانهم. ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾: أي: لن يدفع عنِّي عذابَه أحدٌ ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: ملجأً. وقيل: ﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: مَعْدِلًا أعدِلُ عن اللَّه تعالى إليه. * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾. ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾: أي: لا أجد شيئًا ينجيني منه إلَّا أن أبلِّغ ما يأتيني من اللَّه ومن رسالاته التي أمرني بأدائها. وقيل: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾؛ أي: إلا أن أبلِّغ عن اللَّه وأعملَ برسالاته. وقيل: أي: لا أملك لكم إلا أن أبلِّغَكم ما يأتيني من اللَّه ومن رسالاته. وقال الفرَّاء ﵀: أي: لا أملك لكم إلَّا هذه الرِّسالات التي أرسلني اللَّه تعالى بها إليكم، وإلا أن أبلِّغكم إيَّاها بعد إرسال اللَّه تعالى إيَّاها إليَّ (١). ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: ردَّ أمر اللَّه ورسوله ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وهذا واحدٌ، للفظةِ (مَن) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: وهذا جمع، لمعنى (مَن) لأنَّه جنس. ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: أي: هذه النَّارَ يوم القيامة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ

стр. 7439

أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾؛ أي: أهُم أم المؤمنون؟ أي: الكافر لا ناصر له يومئذ، والمؤمن ينصرُه اللَّه تعالى وملائكته وأنبياؤه. والأنصار يقع على الأعوان، والعَددُ على العشيرة (١). وقال ابن كيسان: أي: فسيعلم الكفَّار يوم القيامة أنَّ الذين نصروهم في الدُّنيا وظاهروهم على رسل اللَّه يخذلونهم، فيتبرَّؤون منهم ويلعنونهم. * * * (٢٥ - ٢٨) - ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾: أي: ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ من إدخال النَّار ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾؛ أي: غايةً بعيدة. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: أي: ربِّي ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ و؛ أي: ما غاب عن الخلق ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾؛ أي: لا يُطْلِع. ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾: أي: إلَّا مَن اختاره اللَّه تعالى لرسالته. ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾: أي: يُدخل بين يدي الرَّسول ومِن خلفه ملائكةٌ حفَظةً له، يحرسونه عن أن يَقْرَبه الشَّيطان عند إنزال الوحي، فيُلقيَ في وحيه غيرَ الوحي. وقيل: يحفظونه عند نزول الوحي من أن يصل إليه الشَّيطان فيسمعَه فيلقيَه إلى الكهنة، فيخبرون به قبل إخبار (٢) الرَّسول.

стр. 7440

وقيل: الرَّسول في هذا: جبريل ونحوه، إذا أطْلعه اللَّه على غيبه وأمره بتبليغه إلى رسول البشر أصحبَه ملائكة يحفظونه حتى يبلِّغه إلى رسول (١) البشر من غير تغيير، كما رُوي في تشييع الملائكة جبريل في سورة الأنعام. ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾: أي: ليَظْهرَ إبلاغُ الرُّسلِ قومَهم ما أُمروا بإبلاغه محفوظًا عن التَّغيير، والعلم كنايةٌ عن الظُّهور. وقيل: أي: ليَعلم اللَّه ذلك موجودًا حال وجوده، كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنَّه يُوجَد، وقد مرَّت نظائرُه. ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾: على القول الأوَّلى: وليَظهر ما عَلِم اللَّه بما عند الأنبياء من الوفاء بما حمِّلوا ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾: وليظهر أنَّ اللَّه قد علم بعددِ كلِّ ذي علم، ولم يَخْفَ عليه شيء. وقيل: ليعلم الرَّسول أنَّ الملائكة قد بلَّغوا إليه رسالات ربِّهم على الوجه. وقيل: أي: ليعلم رسولُنا محمَّد ﷺ أنَّ سائر الرُّسل قد أبلغوا رسالات ربِّهم إلى أممهم كما بلَّغ هو إلى أمَّته، وقد سبق ذكره على الخصوص في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. وقيل: أي: ليعلم إبليس، وهو غير مذكور صريحًا، لكن دلَّ عليه قوله: ﴿رَصَدًا﴾؛ لأنَّهم يُرصدون عنه؛ أي: ليعلم هو أنَّ رسل اللَّه قد أبلغوا رسالات ربِّهم، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: حرس الرَّبُّ ما عندهم، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾؛ أي: علم كلَّ شيء بوجوهه ومقاديره.

стр. 7441

وقال ابن كيسان: أي: ليَعلم الخلقُ أنَّ الرُّسل صادقةٌ فيما بلَّغت عن اللَّه تعالى. وقال محمَّد بن كعب: إذا بعث اللَّه رسولًا جعل حوله ملائكةً، فإذا جاء الشَّيطان في صورة مَلَك قالوا: هذا شيطانٌ فاحذروه، وإذا جاء مَلَك قالوا: هذا رسولُ ربكم (١). وقيل: إذا بعث اللَّه ملكًا إلى نبيٍّ جعل معه حرسًا من الملائكة يَزجرون (٢) الشَّيطان، فإذا نزل جبريل من السَّماء انحدر معه أهلُ كلِّ سماء إلى التي تليها، إلى أن ينتهي إلى النَّبيِّ ﷺ ، فيحيطون به حتى يفرغ من أدائه، فيرويه النَّبيُّ ﷺ كما سمعَه، ويكون أوَّلَ مَن تكلَّم به. والحمد للَّه ربِّ العالمين * * *

стр. 7442

سورة المزمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي ألقى على رسوله قولًا ثقيلًا، الرَّحمنِ الذي أخذ عدوَّه أخذًا وبيلًا، الرحيمِ الذي يتولَّى مَن اتَّخذ إليه سبيلًا. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سُورةَ المزمِّل دفع اللَّه عنه العسرَ في الدُّنيا والآخرة" (١). وهي مكيَّة إلَّا قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى آخر السُّورة فإنَّها مدنيَّة. وهي ثماني عشر آية، ومئةٌ وتسعٌ وتسعون كلمة، وثمانِ مئةٍ وأربعةٌ وعشرون حرفًا. وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّ آخر تلك في إرسال كلِّ الرُّسل (٢)، وأوَّل هذه في إرسال محمَّد المصطفى ﷺ . وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك في دعوة الجنِّ، ووعِدِ مَن أجاب منهم، ووعيدِ مَن لم يُجِبْ، وهذه في دعوة الإنس، ووعدِ مَن أجاب منهم، ووعيد مَن لم يُجِبْ. * * *

стр. 7443

(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: أصله المتزمِّل، فأُدغِمَتِ التَّاء في الزَّاي، وهو الملتفُّ بثيابه. وقيل: كان نائمًا متزمِّلًا في ثيابه، فأُمِرَ بالقيام للصَّلاة. وقيل: كان قائمًا متهيِّئًا للصَّلاة ملتفًّا بثيابه. وقيل: كان هذا في أوَّل ما أُوحي إليه، لَمَّا سمع صوت الملَك ونظر إليه أخذتْهُ الرِّعدة والحمَّى، فأتى أهلَه وقال: "زمِّلوني دثِّروني". ونَروي الأحاديث فيه في أوَّل (سورة المدثِّر) إن شاء اللَّه تعالى. قالوا: كان نداؤه في أول حاله بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ وبـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فلمَّا تحمَّل المشاقَّ نُودي بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبـ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: يا أيُّها المتحمِّل (١) بلباس الرِّسالة، المتحمِّل (٢) لأعباء الأمانة. * * * (٢ - ٤) - ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾: أي: تهجَّدْ باللَّيل واسهرْ للصَّلاة فيه ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ من اللَّيل تستريح فيه. قيل: هو الثُّلث الأخير، وتقديره: قم ثُلُثي اللَّيل. وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾: يعني: أو قم نصفَه.

стр. 7444

﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾: أي: من النَّصف. ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: أي: على النِّصف، وهو كقولك: أعطني درهمين، درهمًا، نصفَ درهم؛ أي: أعطني أيَّ ذلك شئْتَ، فيُفهَم التَّخيير وإنْ لم تذكر لفظة التَّخيير، فكذا هنا. وقيل: قوله: ﴿نِصْفَهُ﴾ تفسير قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، وتقديره: قم نصف اللَّيل، كقولك: ضربْتُ زيدًا رأسَه، ومعناه: ضربْتُ رأسَ زيد. فكان الأمر أوَّلًا بقيام نصف اللَّيل، ثم قال: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ وهو ما دون النِّصف، ثم قال ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على النِّصف. وكان هذا (١) فرضَ قيام اللَّيل عليه وعلى المؤمنين، وكانوا مخيَّرين في النصف وما دونه وما فوقه، وكان النَّبيُّ ﷺ يَشُقُّ عليه مراعاةُ هذه المقادير، فقام سنةً -في رواية- لم ينم في شيءٍ منها ليلًا، وفي رواية: سنتين، وفي رواية (٢): حتَّى تورَّمَتْ قدماه، فأنزل اللَّه تعالى التَّخفيف له وللمؤمنين: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ الآية، فسقطت عنهم فَرْضيَّة القيام ليلًا، وبقيَتِ الفضيلة (٣)، وروي ذلك عن ابن عبَّاس والحسن والكلبيِّ (٤).

стр. 7445

قال الحسنُ: إنَّ اللَّه تعالى افترضَ على النَّبيِّ ﷺ والمؤمنين (١) قيام اللَّيل، فكان قيامُ ثلث اللَّيل فريضةً عليهم، فكانوا كذلك سنةً حتى انتفخت أقدامُهم، وعلموا أنَّهم لا يطيقون ذلك، فرحمهم اللَّه تعالى ووضعه عنهم، فأنزل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: أي: في صلاة اللَّيل. قال الفرَّاء: أي: اقرأه على هِيْنَتك (٣). وقال أبو سعيد: أي: فصِّلْه، وهو أن يسكت على الآية، فيتأمَّلَها. وقيل: التَّرتيل: أداء الحروف وحفظُ الوقوف. وقال قطربٌ: أي: ليِّنه، وهو خفض الصوت وتحزين القراءة، والرَّتل: اللِّين. والأقاويل المتقدِّمة من قولهم: ثَغْرٌ رَتَلٌ ورَتِل؛ أي: مُفَلَّج مُبَيَّن حَسَنُ النَّظْم. * * * (٥) - ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: قيل: هو افتراض قيام اللَّيل؛ فإنَّه يَصْعب على الأنفس العمل به لأنَّه للنَّوم والاستراحة عادةً. وقيل: معناه: إنَّا سنوحي إليك قرآنًا يَثقل العملُ بشرائعه وأحكامه. وقيل: أي: قرآنًا ثقيلًا على الكفَّار، لِمَا فيه من الاحتجاج عليهم وبيانِ (٤) ضلالتهم، وسبِّ آلهتهم، وتسفيهِ أحلامهم، وعلى أهل الكتاب لبيان تحريفهم.

стр. 7446

وقيل: أي: قرآنًا ذا قَدْرٍ ووزنٍ؛ لِحُسْنِ نَظْمه ومعانيه، ليس بالسَّخيف ولا بالضَّعيف. وقيل: قرآنا ثقيلًا عليك ظهورُ آثار وحيه. وقال زيد بن ثابت: كنْتُ أكتبُ لرسول اللَّه ﷺ : (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللَّه)، فجاء ابنُ أمِّ مكتوم، فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ بي مِن الضُّرِّ ما ترى. قال زيد: فثقلَتْ فخذُ رسولِ اللَّه ﷺ على فخذي حتَّى خشيْتُ أنْ ترضَّها، فنزلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (١). وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرَانها، فما تستطيع أن تتحرَّك (٢). وقالت عائشة ﵂: لقد رأيْتُه في اليوم الشَّديد البردِ أُنزل عليه الوحي وإنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا (٣). * * * (٦) - ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: أي: ساعاتِ اللَّيل التي تنشأُ شيئًا بعد شيء؛ أي: تُقْبِل وتبتدي، وقد أنشأها اللَّه تعالى فنشأتْ، وهي نعتٌ. وهذا قول الأخفش والقتبيُّ (٤).

стр. 7447

وقيل: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: قيامَ اللَّيل، فاعلةٌ بمعنى المصدر، كالخاطئة والكاذبة، وهي ما نشأ منك؛ أي: حدَث من القيام. قال ابن عبَّاس وابن مسعود وغيرهما: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: قيام الليل (١). وقال الخليل والكسائيُّ: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: أوَّل اللَّيل، والنَّاشئ: المبتدي (٢). وقوله تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: قرأ أبو عمرو وابن عامر (٣): ﴿وِطَاءً﴾ بكسر الواو ومدِّ الألف، من المواطأة، وهي الموافَقة، وقد واطأتُه مواطأةً ووِطاءً، كما يقال: مارَيتُه مماراةً ومِراء. وقرأ الباقون: ﴿وَطْئًا﴾ بفتحِ الواوِ وقصرِ الألف (٤)، مِن الوَطْء بالقدم؛ أي: قيامُ اللَّيل للصَّلاة أشدُّ ثقلًا على الإنسان، وهو أعظم للثَّواب، وهو من قولهم: اشتدَّتْ وطأة السُّلطان على الرَّعيَّة: إذا ثَقُلَ عليهم ما يحمِّلهم من المؤن. وقيل: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أي: أشدُّ ثباتًا من النَّهار، ولأنَّه يخلو باللَّيل عن الاشتغال فيتفرَّغ لهذا من بين سائر الأعمال. وقال الفرَّاء ﵀: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أي: أثبتُ قيامًا (٥). وقال أبو سعيد الضَّرير: أي: أثبتُ لقَدمه في الصَّلاة. ولهذا وجهان:

стр. 7448

أدوم لمن أراد الاستكثار من الصَّلاة. وأثبتُ ممَّا يصلِّي بالنَّهار لانقطاع الشَّواغل عنه. وقيل: أي: ساعاتُ اللَّيل أشدُّ وطأً للقائم (١) فيها؛ أي: تطؤه فتسكِّنه، فلا يتحرَّك ولا يلتفِتُ ولا يتمايل. وعلى قولهم: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أوَّلَ اللَّيل، فهي أشدُّ وطأً لأنَّه قبل أن يغلبَه النَّوم، ولو قام بعدما نام فعسى يكون خاثر النَّفس، وهو في أوَّل اللَّيل أثبتُ قدمًا وأصبر (٢) قيامًا. وأمَّا على قراءة كسر الواو والمدِّ في آخره فمعناه: إنَّ ساعات اللَّيل أوفقُ للقيام، وأشدُّ موافقةً له؛ لفراغ قلب المصلي. وقيل: هو أشدُّ موافقةً للقلب مع اللِّسان، فيقرأ عن تدبُّر؛ لانقطاع الأشغال (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أي: القراءةُ باللَّيل أقومُ من القراءة بالنَّهار؛ أي: أشدُّ استقامةً واستمرارًا على الصَّواب؛ لأنَّ الأصوات هادئةٌ، والحركاتِ منقطعةٌ، والشَّواغلَ زائلة. * * * (٧ - ٨) - ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾: أي: تصرُّفًا كثيرًا، أو تقلُّبًا في حوائجك وأمور دنياك، ففرِّغ نفسك باللَّيل لعبادة ربِّك.

стр. 7449

والسَّبْحُ: الممرُّ السَّهل في الأمر، كالسِّباحة في الماء. وقيل: هو الجري والدَّوران من السِّباحة، وفرس سابح: حسنُ مدِّ اليدين في الجري، كالسَّابح في الماء. وقال الخليل: إنَّ لك في النَّهار نومًا بدلَ نوم اللَّيل للاستراحة (١). وأصله: التَّمدُّد؛ كالسِّباحة في الماء. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: أي: وصلِّ لربِّك باللَّيل والنَّهار، كما قال: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]. وقيل: أي: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ للشُّروع (٢) في الصَّلاة. وقيل: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: وادْعُ بأسمائه في الدَّعوات. وقيل: أي: ولتكنْ أسماءُ اللَّه من قلبك على ذُكرٍ لا تنساها. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾: أي: وانقطِعْ بعبادتك وعملك وطاعاتك وآمالك إليه وحده. ﴿تَبْتِيلًا﴾: بناه على: بتِّل نفسَك تبتيلًا، لموافقةِ الفواصل. * * * (٩ - ١٠) - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ربِّ المشرقِ﴾ بالخفض (٣) وصفًا لقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.

стр. 7450

والباقون بالرَّفع على الابتداء (١). وهو من أسماء اللَّه تعالى التي قال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾: أي: قائمًا بأمورك كافيًا لمهِمِّك. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي: واصبرْ يا محمَّد على ما يقول هؤلاء المشركون في اللَّه. وقيل (٢): ولا تمتنع من دعائهم إلى اللَّه تعالى. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: قيل: أي: أَظْهِر عليهم أنَّك واجدٌ عليهم، لكنْ لا تخاصمهم ولا تُسمعهم القبيحَ ولا تَدَعْ دعاءهم إلى اللَّه. * * * (١١ - ١٢) - ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: كِلْ هؤلاء المكذِّبين إليَّ. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾: أي: التنعُّمِ في الدُّنيا. ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾: أي: أَنْظِرهم. قالت عائشة ﵂: ما كان بين نزول هذه الآية ونزول العذاب بهم إلَّا قليلًا، أصابَ اللَّه قريشًا يوم بدر (٣). وقيل: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ في حقِّ كلِّ الكفَّار مدَّةَ الدُّنيا.

стр. 7451

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾: أي: عندنا في الآخرة قيودًا سودًا من النَّار. كذا قاله المفسِّرون في الأنكال. وقال أهل اللُّغة: هي جمع نِكْلٍ، وهو ما منع به الإنسان من الحركة من قيدٍ وغيره. وقال قطرب: النِّكل: هو الغُلُّ والقيد واللِّجام. وقوله تعالى: ﴿وَجَحِيمًا﴾: أي: نارًا مستعرة. * * * (١٣ - ١٤) - ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: يَغُصُّ به آكلُه، يَنْشَبُ في حلقه فلا يَسُوغ. وقال الحسن: أمَا واللَّه ما قيَّدهم لأنَّهم أعجزوه، ولكن ليُرسيَهم في النَّار (١). وقال الضَّحَّاك: ذكر لنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ قُرئ بين يديه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ فصَعِقَ (٢).

стр. 7452

وقال ابن عبَّاس ﵄ ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾؛ أي: إنَّ في الآخرة أغلالًا يُغلُّون أيمانُهم إلى أعناقهم في الحديد والسَّلاسل، ﴿وَجَحِيمًا﴾: معظم النَّار، ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾: الزَّقوم والضريع والغسلين، يستمسك في الحلق فلا يكادون يَسُوغونه (١). وقال عطاءٌ الخراساني: يُجيعهم حتى يستغيثوا من الجوع، فيُطعَمون الزَّقُّوم والضريع والغِسلين، فيغصُّون بها، فيسألون الشَّراب، فيُسْقَون الحميم (٢). وهذا كلُّه في حقِّ الذين قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾. وقال مقاتل بن حيَّان: هم المطعِمون يوم بدر (٣). وهم عشرة من قريش ذكرناهم في سورة الأنفال (٤). ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: أي: هذا العذاب لهم يوم تتحرَّك الأرض والجبال باضطراب شديد، وهي الزَّلزلة. وقال الأخفش: أي: يقلع أصولها. ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾: أي: رملًا مجتمعًا، ويُقال للشَّيء المجموع: كُثْبَة.

стр. 7453

وقال الخليلُ: كَثبْتُ التُّراب؛ أي: نثرته، فانكثَبَ؛ أي: انتثرَ، والكثيبُ: الرَّمل المكثوب؛ أي: المنثور بعضُه على بعضٍ لرخاوته (١). ﴿مَهِيلًا﴾ قال قطرب: هال الدَّقيقَ ونحوَه يَهيلُ هَيلًا؛ أي: أسالَ، والمفعول منه: مَهِيلًا؛ أي: تصير الجبال رملًا (٢) إذا حُرِّكَ أسفلُه يُحرَّك أعلاه فهو لا يتماسك، بعد أن كانت أوتادَ الأرض. * * * (١٥ - ١٦) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾: وهو محمَّدٌ ﷺ . ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾: أي: يوم القيامة بإجابةِ مَن أجاب وتكذيب مَن كذَّب. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾: وهو موسى ﵇. ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾: أي: الذي جعلناه رسولًا إليه، والنَّكرة إذا أُعيدَتْ تعرَّفت. ومعنى عصاه: ردَّ أمرَه فلم يقبلْه. ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾: أي: أخذنا فرعون؛ أي: عاقبناه. ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾: أي: عقوبةً شديدةً، وهو الغرق. والوبيل: الثَّقيل الشَّديد. وقيل: الوخيم. وقيل: الغليظ. وقيل: الكريه. وقد وَبُلَ المرتَعُ يَوْبُلُ وَبالًا، فهو وَبيلٌ، من حدِّ (شَرُفَ). يقول: فاحذروا أن تشاركوهم في المعصية، فتشاركونهم في استحقاق العقوبة.

стр. 7454

(١٧) - ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾: قال الحسنُ: أي: إن لم تتَّقوا اليوم في الدُّنيا فكيف تتَّقون يومًا يجعل الولدان شيبًا؛ أي: إن لم تتَّقوا اليوم لن ينفعكم الاتِّقاء يوم القيامة. وقيل: هو استفهامٌ بمعنى التَّقريع؛ أي: كيف تَقُون أنفسكم عذابَ يوم القيامة إن كفرتم باللَّه. والاتِّقاء: افتعال من الوقاية، وهو التَّوقِّي. قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ صفة اليوم. والشِّيبُ: جمع أشيب، والشَّيبُ: بياض الشَّعر. وقيل: هو على حقيقته، تَشيب الولدانُ من هيبته، وذلك إذا قيل لآدم: ابعث بعثَك إلى النَّار، فيقول: كم من كم؟ فيقال: مِن كلِّ ألفٍ تسعُ مئة وتسعةٌ وتسعون، فحينئذ تَشيب الولدان شيبًا (١). وقيل: هو مبالغةٌ في وصف شدائد ذلك اليوم، يُقال: هذا أمر يُشيب الوليد، قال الشَّاعر: دهتْنا أمورٌ تُشيْبُ الوليد... ويَخذِلُ فيها الصَّديقَ الصَّديق (٢)

стр. 7455

(١٨ - ١٩) - ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾؛ أي: منشقٌّ بسبب ذلك اليوم، كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وقال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]. وظاهر لفظه لفظُ المذكَّر، ولذلك قال: ﴿مُنْفَطِرٌ﴾، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ فأنَّث لأنَّها مؤنَّثة سماعًا. ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾: أي: كان ما وعَد اللَّه من كون هذا اليوم على ما فيه من الشَّدائد ممَّا يفعله اللَّه ويحققه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أي: إنَّ هذه السُّورة تذكير وعظة. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أي: فقد سَهُل التَّذكير واتَّضح (١) سبيلُ الآخرة، فمَن شاء أَمْكَنه أن يتَّخذ لنفسه سبيلًا إلى نيل رضا اللَّه وثوابه. * * * (٢٠) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: قرأ نافع وأبو عمرو

стр. 7456

وابن عامر: ﴿وَنِصْفِهِ﴾ بالخفض، وكذلك ﴿وَثُلُثَهُ﴾؛ أي: أدنى من ذلك كلِّه. وقرأ الباقون: ﴿وَنِصْفَهُ﴾ بالنَّصب (١)، وكذلك: ﴿وَثُلُثَهُ﴾؛ عطفًا على قوله: ﴿أَدْنَى﴾، وهو منصوب بوقوع ﴿تَقُومُ﴾ عليه. قالت عائشة ﵂: إنَّ اللَّه افترضَ قيام اللَّيل في أوَّل هذه السُّورة، فقام نبيُّ اللَّه وأصحابُه حولًا حتى انتفخَتْ أقدامَهم، وأمسك اللَّه تعالى خاتمة هذه السُّورة اثني عشر شهرًا في السَّماء، ثم أنزل اللَّه التَّخفيف في آخر هذه السُّورة، فصار قيام اللَّيل تطوُّعًا بعد فرضه (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾؛ أي: اللَّيل. ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: أقلَّ من الثُّلثين. ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: على قراءة النَّصب: أي: وتقوم نصفَ اللَّيل وثلثَ اللَّيل. وعلى قراءة الخفض: تقوم أقلَّ من نصفِ اللَّيل، أو أقلَّ من ثلثِ اللَّيل. ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾: أي: من أصحابك يفعلون كذلك، وله وجهان: أحدهما: كانوا ربَّما قاموا كذا، وربما قاموا كذا، وكانوا (٣) لا ينقصون عن ثلث اللَّيل، وقد يزيدون عليه، فقد كانوا أُمِروا في أوَّل السُّورة بذلك على التَّخيير، فامتثلوا لِمَا أُمِروا به في ليال مختلفة، كمَن حنث في أيمان، فكفَّرَ في بعضها بالعتق، وبعضها بالكسوة، وفي بعضها بالإطعام. والثَّاني: أن يكون بعضهم كان يقوم الثُّلث، وبعضهم النِّصف، وبعضهم الثُّلثين، كقومٍ حنثوا في اليمين، فكفَّر كلُّ حالف بنوع.

стр. 7457

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أي: هو يزيد وينقص، وهو العالم بمقاديرهما على الحقيقة، وأنتم تعلمون ذلك بالتحرِّي (١) المؤدِّي إلى الخطأ أحيانًا. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: أي: لن تقدروا على حفظ هذه المقادير. وقيل: أي: لن تطيقوا قيام اللَّيل على الدَّوام، ثم هذا لم يكن تكليفَ ما ليس في الوسع، لكن كان يَشُقُّ عليهم بعضَ المشقَّة. قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: رجع بكم من تثقيلٍ إلى تخفيفٍ، ومن تعسيرٍ إلى تيسيرٍ، بأنْ أزالَ عنكم هذا الفَرْض، وأسقط عنكم مؤنة حفظ التَّقدير، وهو كقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا الإحصاء كالمذكور في قوله ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" (٢)؛ أي: ولن تطيقوا ذلك بحقِّ الواجب فيه إلَّا بمشقَّة، "فسدِّدوا"؛ أي: الزموا السَّداد "وقاربوا" (٣)؛ أي: كونوا قريبًا من طريق الحقِّ ولا تمايلوا عنه. والإحصاء يكون عدًّا ويكون استطاعة.

стр. 7458

وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾: قال الحسن ﵀: أي: فصلُّوا باللَّيل قَدْر ما تيسَّر عليكم (١). والصَّلاة تُسمَّى قرآنًا لِمَا فيها من القراءة؛ قال تعالى: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وهو كما تُسمَّى تسبيحًا، وتُسمَّى سجودًا، وتُسمَّى ركوعًا؛ لِمَا فيها مِن كلِّ واحدٍ منها. وكان الحسن يقول بظاهر هذا: إنَّ قيام اللَّيل واجب ولو قَدْرَ حَلَبِ شاة، وتلا هذه الآية (٢). وهو قول جماعة من أهل العلم. وقال عبد الرَّحمن بن زيد وقتادة وجماعة من أهل العلم: انتسخ (٣) فرض قيام اللَّيل أصلًا، قلَّ أو كثر. وقال الضحَّاك ومقاتل: ارتفع عن الأمَّة لا عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]؛ أي: زيادة لك على ما فرض على أمَّتك من الصَّلوات الخمس. وقيل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ هو على حقيقة القراءة في صلاة الليل.

стр. 7459

وقيل: في كلِّ صلاة، ودلَّ إطلاقه على أنَّ قراءة الفاتحة غير متعيِّنة للفرض كما قال أصحابنا ﵏. وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾: يَشُقُّ عليهم قيام اللَّيل. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: أي: يسافرون للتِّجارات. ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يغزون فيَشقُّ عليهم قيام اللَّيل في السَّفر. وروي عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّه قال: ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل اللَّه أحبَّ إليَّ من أن يأتيَني وأنا ألتمس فضل اللَّه، ثم قرأ هذه الآية (١). وروى علقمة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما مِنْ جالبٍ يجلبُ طعامًا من بلد إلى بلد، فيبيعُه بسعر يومه، إلَّا كانت منزلتُه عندَ اللَّهِ منزلةَ الشُّهداءِ"، ثمَّ قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: قال الحسن: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ بيان فرض قيام اللَّيل، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ هو للتَّطوُّع منه (٣). وهو فائدة التَّكرار، والقليلُ فرض عنده، والزِّيادة عليه نفل. وقيل: معنى التكرار (٤): ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ في الصَّلاة المفروضة في اللَّيل أيضًا.

стр. 7460

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: دوموا على إقامة الصَّلوات الخمس. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: المفروضة؛ فإنَّكم إذا دمتم على ذلك أدركْتُم الفائت من أجر قيام اللَّيل. ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: فتطوَّعوا بما يمكن من وجوه البرِّ بالمال. وقيل: هو جميع وجوه الخير فعلًا وقولًا، وقد فسَّرناه مرَّات (١) في آيات. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾: (ما) كلمة شرط، وهي جازمة، وقد سقطت النُّون كذلك في الشَّرط والجزاء. ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾: ﴿هُوَ﴾ راجع إلى قوله: ﴿تَجِدُوهُ﴾. يقول: كلُّ ما قدَّمْتُم في الدُّنيا زادًا لأنفسكم ليوم معادكم من أنواع الخير من الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والاعتكاف والحجِّ والعمرة والجهاد، نفلًا وفرضًا = وجدتُم ثوابه ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾؛ أي: أكثر نفعًا، ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾؛ أي: أجزل ثوابًا. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: أي: من السَّيئات والتَّقصير في الحسنات. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يستر ذنوبكم، ويرحمكم، ولا يعذِّبكم. واللَّه الموفِّق * * *
следующие страницы →