← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تَراهُ كأنَّ اللَّهَ يَجدعُ أنفَه... وعينيه إنْ مولاهُ ثابَ لَهُ وفرُ (١) أي: ويفقؤ عينيه. وقيل: الفرقان: صحفٌ أنزلت على موسى قبل التَّوراة (٢). وقوله تعالى: (﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾): أي: لتهتدوا بالكتابِ، وهذا بيانُ الحكمةِ دون العلَّة؛ أي: الحكمةُ في إنزالهِ أن يَتدبَّروا فيه، فيعلموا أنَّ اللَّهَ تعالى لم يَفعل ذلك به إلَّا دلالةً (٣) على صحَّة نبوَّتهِ، فيجتهدوا بذلك على اتِّباعِ الرُّشد، وإذا فعلتم ذلك اَمنتُم بمحمَّدٍ ﷺ ، لأنَّه قد أتى مِن المعجزات بما يدلُّكم -إذا تدبَّرتُم- على صحَّة دعواه (٤) النبوَّة. * * * (٥٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ﴾: أصله: يا قومي، فحذفت الياء تخفيفًا لكثرة الاستعمالِ في النِّداء.

стр. 772

وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: ضَررتُم أنفسَكم بإيجاب العقوبة عليها. وقيل: أي: نقصتموها ثوابَ الإقامة (١) على عهد موسى صلوات اللَّه عليه، فإنَّ الظُّلمَ يكون ضررًا، ويكون نقصانًا على ما مرّ. قوله تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتِّخاذه إلهًا وعبادتِه (٢). وقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾: أي: خالقكم. وقد بَرَأَ بَرءًا، من حدِّ: صَنَعَ؛ بفتح باء المصدر؛ أي: خلق، والبَريَّةُ: الخلقُ، وبَرَأ بُرءًا؛ بضمِّ باء المصدر؛ أي: صحَّ مِن مرضِهِ، وبَرِئ بَراءةً (٣)، من حدِّ: علم؛ أي (٤): وقَعت له البراءةُ من الدَّينِ ونحوِه، وبرِئ عنه بمعنى: تبرَّأ. وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: القتلُ: إزهاقُ الرُّوح، والأنفُسُ جمعُ النَّفْسِ، وهي هذه البُنيَةُ الإنسانيَّةُ هاهنا، وهو بيانُ كيفيَّة التَّوبة، وهو قولُ ابن عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبير وأبي العالية وقتادة والزُّهريِّ والسُّدِّيِّ (٥). وقيل: القتلُ معطوفٌ على التَّوبة؛ أي: ارجِعوا إلى اللَّه تعالى بالإيمان، فقد أعرضتُم عنه بالكفرِ، بعبادةِ العجل، واقتلوا أنفسَكم بعد هذه التَّوبة. ومعناه: فليَقتل بعضُكم بعضًا؛ لأنَّ المؤمنين إخوةٌ، وأخو الرَّجلِ كأنَّه نفسُه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]،

стр. 773

وقولِه تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، وقولِه تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. وقيل: معناه: استسلِموا للقَتل، ومكِّنوا القاتلَ مِن أنفُسِكم، وهو في معنى فعلِهِ بنفسِهِ، وهذا قول محمد بن إسحاق (١). ثمَّ كيفيَّةُ هذا القتل ما قال الحسن: برزوا صفَّين، فضربَ بعضُهم بعضًا يومًا إلى الليل، هذا يقول: لمَ عبدتَ؟ وذاك يقولُ: لمَ لمْ تنهَني؟ وقيل: إنَّ السَّبعين الذين اختارَهم موسى صلوات اللَّه عليه همُ (٢) قتلوا عبدةَ العِجل، وبلغَ المقتولون سبعينَ ألفًا وقد (٣) احتبَوا، فما حلُّوا حُبوةً حتى قتلوا، ثلاثةَ أيامٍ. وقيل: إنَّ السبعين قد ارتدُّوا بما قالوا، فلم يكونوا بهذا (٤) الأمرِ مِن غيرهم أولى، فلم يصح هذا القول. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أخذَ موسى ﵇ على بني إسرائيل المواثيقَ ليصبرُنَّ على القتل، فأصبحوا غدًا بأفنيةِ البيوت، كلُّ بني أبٍ على حِدَة، وأتاهم هارونُ ﵇ والاثنا عشر ألفًا من الذين لم يَعبدوا العجلَ، وهم سبطان ونصفُ سبطٍ بأيديهم السيوف، فمشوا في العسكر، فقتلوا مَن لقوا، فكان

стр. 774

الرجلُ يجيءُ إلى قومِه وهم جلوسٌ بأفنية بيوتهم (١) ويقول: إنَّ هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين سُيوفهم (٢)، فاتَّقوا اللَّه واصبروا، فلعنَ اللَّهُ رجلًا حلَّ حبوتَهُ أو قامَ مِن مجلسِه، أو مدَّ طَرْفَه إليهم، أو اتَّقاهم بيدٍ أو رجلٍ. فقالوا: آمين، فجعلوا يقتلونهُم إلى المساء. وقال مقاتلٌ: كان موسى صلوات اللَّه عليه يتقدَّم ويقول: هؤلاء إخوانُكم أتوكُم شاهرين السُّيوف، كما مرَّ، وقتلوهم إلى الضَّحوةِ، حتَّى بلغَ القتلى سبعين ألفًا (٣). وقال الكلبيُّ: وقام موسى صلواتُ اللَّه عليه يدعو ربَّه لِما رأى مِن كثرةِ الدِّماء وشدَّةِ الأصوات، حتَّى نزلَت التَّوبة، وقيل لموسى: ارفع السَّيف، فإنِّي قبلتُ التَّوبةَ منهم جميعًا، مَن قُتِلَ منهم ومن لم يُقتَل (٤)، وجَعلتُ القتلَ لهم شهادةً، وغفرتُ لمَن بقيَ منهم، فنودي بذلك، فتركوا. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾: أي: ذلك القتلُ، والتَّوبةُ، أو القتلُ الذي هو توبةٌ: أنْفَعُ لكم عند اللَّه مِن الامتناعِ الذي هو إصرارٌ وفيه عذابُ النَّار. وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: فعلتُم ذلك، فقَبِل توبتكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: أي: كثيرُ قَبول التَّوبة، وقولُه تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: رحِمَكم، فقَبِلَ توبتَكُم، ففَتَحَ بابَ التَّوبة وقَبِلَها.

стр. 775

وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ لمَن لم يُقْتَل، و ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمَن قُتِل. وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ لمَن عَبدَ العِجل، و ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمَن لم يَعبُد. وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ يَقبَلُ التَّوبةَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ يُمهِل ولا يُعاجِلُ (١) بالعقوبة. وقيل: كان الأمرُ بالقَتل مِن الأغلال التي كانت عليهم، وخفَّفَ اللَّهُ تعالى عن (٢) هذه الأمة، فجعلَ النَّدمَ توبةً، وذلك فضلُ اللَّه يؤتيهِ مَن يشاء. وقال الشيخ القفَّال ﵀: جعلَ ذلك كفَّارةً لهم؛ إذ علم أنَّ المصلحةَ في هذا النَّوع، وقد جعلَ الكفَّارات والعقوبات على مراتبَ؛ بعضُها قتلٌ، وبعضُها جلدٌ (٣)، وبعضُها إخراجُ مالٍ، على ما عَلِمَ اللَّهُ تعالى من مصلحةِ عباده. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: لولا إجماعُ أهل التَّفسيرِ والتَّأويلِ على أنَّ قتلَ أنفسِهم كان على الحقيقة، لم يُمكن صرفُ الأمرِ إلى ذلك؛ لأنَّ هذا الأمرَ (٤) كان بعد توبتِهم ورجوعِهم إلى اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ١٤٩] الآية، ثم قال: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (٥) [الأعراف: ١٥٠]، وقد شَرَع اللَّهُ تعالى على ألسُنِ الرُّسُلِ

стр. 776

قتلَ الكَفَرةِ حتَّى يُسلِموا؛ لأنَّ القتلَ عقوبةُ الكفرِ، لا عقوبةُ الإسلام، وكان (١) ينبغي أن يُصرفَ هذا الأمرُ إلى إجهادِ (٢) أنفُسِهم بالعبادةِ للَّه، والطَّاعةِ له، واحتمالِ الشَّدائدِ لتفريطِهم (٣) في عصيانِ ربِّهم، وذلك جزاءٌ لفرطِهِم أن (٤) يقال: فلانٌ يَقتلُ نفسَهُ في كذا، لا يَعنونَ بهِ حقيقةَ القتل ولكن يَعنونَ به إتعابَهُ إيَّاها. ويجوزُ أن يكونَ الأمرُ بحقيقة القتلِ ابتداءَ محنةٍ (٥) مِن اللَّه تعالى لهم بالقَتْلِ، لا عقوبةً للذَّنب، وللَّهِ تعالى أن يمتحنَ عبادَه بقتلِ أنفسِهم ابتداءً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦) [النساء: ٦٦]. ويجوزُ أيضًا أن يكونَ الأمرُ بقتلِ أنفُسِهم الأمرَ بمجاهدةِ الأعداءِ وإن كان فيها تَلَفُهُم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] (٧). * * * (٥٥) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.

стр. 777

وقوله تعالى: (﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾): أي: واذكروا أيضًا إذ قلتم: يا موسى؛ أي: إذ قال السَّبعون مِن أسلافِكم الذين اختارَهُم موسى حين ذهبوا معه إلى الطُّور. وقوله تعالى: (﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾): أي: لن نُصَدِّقَك، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أي: لن نُصَدِّقَك على أنَّ هذا كتابُ اللَّه ﷻ ، وأنَّك سمعتَ كلامَ اللَّه، وأنَّ اللَّهَ أمرَنا بقَبولِه والعملِ به. وقيل: أي: برسالتِك. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾: أي: حتَّى نرى اللَّه عِيانًا، وهو قولُ قَتادةَ. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: علانِيَةً (١). وبينهما فرقٌ؛ العِيان صفةُ الرَّائي، والعلانيةُ صفةُ المرئيِّ. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ في روايةٍ: إنَّ معناه: وإذ قلتُم جهرةً، على التَّقديمِ والتَّأخير، والجَهرةُ تَرْجِعُ إلى القولِ، وهو كالجَهْرِ بالقراءةِ، وهو إظهارُها، والمجاهرةُ بالمعاصي كذلك. والأوَّل يرجعُ إلى سؤالِ الرُّؤية بلا حجابٍ ظاهرًا، لا في النَّومِ ونحوه. يُقال: جَهَرْتُ الشيء، إذا (٢) كشفتَهُ وأظهرتَهُ، وجهرْتُ (٣) البئر، إذا كان ماؤها قد تَغطَّى بالطِّينِ فنَقَّيتَهُ حتَّى ظَهرَ ماؤُها وصَفا، وصوتٌ جهيرٌ، ورجلٌ جهوريُّ الصَّوت (٤)، إذا كان صوتُه عاليًا ظاهرًا، ووجهٌ جهيرٌ؛ أي: ظاهرُ

стр. 778

الوَضاءة، وجَهرتُ الرَّجُلَ واجتهرته (١)، إذا نظرتَ إليه من غير حجابٍ، قال الأخطل: يومًا بأجْوَدَ منهُ حينَ تَسْألهُ (٢) ... ولا بأجْهَرَ مِنهُ حينَ يَجْتَهِرُ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: وهي كلُّ أمرٍ هائلٍ (٤) مميتٍ، أو مزيلٍ للعقل والفهم، ويكون صوتًا، ويكون نارًا، ويكونُ غيرَ ذلك، واختُلِفَ فيها هاهنا: قال (٥) السُّدِّيُّ: كانت نارًا، نزلَتْ مِن السَّماء فأحرقتهُم. وقال قتادةُ والرَّبيع: هي الموت (٦). وقيل: الصوت، وماتوا به، وهي الرجفة التي ذُكِرت في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وأصلُها الاضطراب. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي: إلى الصَّاعقة، فإنْ كانت نارًا، فقد عاينوها، وإن كان صوتًا هائلًا، فقد ماتَ به بعضُهم أوَّلًا، ورأى الباقون أنَّهم ماتوا، ويُسمَّى هذا رؤيةَ الموت مجازًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]. وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ خطابٌ لأهل عصرِ النبيِّ ﷺ ؛ أي: يُخبِرُكم رسولُ اللَّه

стр. 779

- ﷺ بما كان من (١) أسلافكم، وتَعلمون أنَّه صادقٌ، وتَنظرون إليه فلا تؤمنون. وقيل: معناه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: تَنتظِرون مثلَ ما نزلَ بهم لأنْ (٢) ينزلَ بكم؛ لتكذيبكم محمَّدًا ﵊، وهو كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وقصَّتُه أنَّ السَّبعين الذين اختارَهم موسى ﵇ للانطلاق إلى الجبل (٣) قالوا لموسى بعد ما كلَّمهُ اللَّه وأعطاه الألواحَ: إنَّ لنا عليك حقًّا؛ فإنَّا أصحابُك وخيرتُك، انطلقنا معك إلى الجبل، ولم نَصنع ما صنعَ قومُنا، فأَرِنا اللَّه جهرةً ننظرْ إليهِ كما رأيتَهُ. فقال موسى ﵇: ما رأيتُه، ولقد (٤) سألتُه الرُّؤية، فأبى عليَّ، وتَجلَّى للجبل فجعلهُ دكًّا، وخررتُ مغشيًّا عليَّ، فلمَّا أفقتُ تُبتُ إلى اللَّه مِن مسألَتي، وأيقنتُ أنَّه لا يُرَى في الدُّنيا. فقالوا: واللَّه لا نُصدِّقُك بالرِّسالة حتَّى نَرى اللَّهَ جهرةً، فأخذتهمُ الصَّاعقةُ فاحتَرقوا (٥) فقال موسى ﵇: يا رب، لو شئتَ أهلكتَهُم مِن قبل هذا اليوم مع أصحابِ العِجْل، ثمَّ بعثَهم اللَّهُ تعالى يوم (٦) ماتوا بدعاءِ موسى ﵇، فعاشوا إلى وقتِ آجالهم.

стр. 780

وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: تعلَّقتِ المعتزلةُ بظاهر الآية على نفي رؤيةِ اللَّه عزَّ وعلا، وعندنا ليس فيها دليلٌ على نفي الرُّؤية للَّه ، بل فيها إثباتُها، وذلك أنَّ (١) موسى ﵊ لمَّا سألَهُ السَّبعون الرُّؤيةَ، لم ينههُم عن ذلك، وكذلك سألَ هو ربَّه ﷻ الرُّؤيةَ، فلم يَنهه عن ذلك بل قال: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وهذا تعليقٌ بما يُتَصوَّر، وكذلك سألَتِ الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين رسولَ اللَّه ﷺ (٢)، فقالوا: أنرى ربَّنا؟ (٣) فلم يَنهَهُم عن ذلك، إنَّما أخذَ هؤلاء الصاعقة (٤)؛ لأنَّهم لم يسألوا سؤال استرشادٍ، إنَّما سألوا سؤالَ تعنُّتٍ (٥). وقيل: إنَّما عوقبوا بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥] وهذا كفرٌ منهم. ودلَّتِ الآيةُ على صدق النبيِّ ﷺ في دَعوى الرِّسالة، وقد (٦) أخبرَ عمَّا لم يكن عندَهم علمُه، ولا (٧) يُعلَمُ إلَّا بإخبارٍ مِن اللَّه تعالى، وفيها إلزامُ الحُجَّةِ على منكري البعث بعد الموت، وهم مُشركو العرب. * * *

стр. 781

(٥٦) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: أي: أحييناكم بدعاءِ موسى ﵇، والبعثُ في القرآن لمعانٍ: للإحياء، قال تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وللإنباء، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩] (١)، وللإرسال (٢)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] (٣). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لتشكروا نعمةَ الحياةِ بالتَّوحيدِ والطَّاعة. وقيل: لتشكروا العفو عنكم. ثمَّ قولُه ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في هذه الآية، وفي الآية التي قبلَها بآياتٍ قولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] وقد وردَ التَّفسيرُ أنَّ معناه: لتشكروا ولتهتدوا، تعلَّق المعتزلةُ به وبقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أنَّ اللَّهَ أرادَ ذلك دون المعصية والكفر، لكن نقول: معناه: ليَلزمَكم شكري وعبادتي والاهتداءُ إلى ديني؛ إذ لو أرادَ منهم ذلك لفعلوا، فإنَّه لو أرادَ ذلك منهم ولم يَكُن، كان متمنِّيًا، واللَّهُ تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا (٤). وقال الإمام القشيري ﵀: التَّعرُّض لمطالعة الذَّات على غير نعتِ

стр. 782

الهيبة افتضاحٌ (١) بترك الحُرْمة، وذلك من أماراتِ البُعدِ والشِّقوةِ (٢)، والتولِّي بمكاشفات العزَّة مقرونًا بملاطفات القُرْبةِ مِن علاماتِ الوُصْلَة ودلالات السَّعادة، فلا جرمَ لمَّا أطلقوا لسانَ الجهلِ بمعونة (٣) ترك الحشمة، أخذتهم الرَّجفةُ والصَّعقةُ (٤). وقال (٥) أيضًا في الآية الأولى: التَّوبةُ بقتلِ النُّفوسِ غيرُ منسوخةٍ في هذه الأُمَّة، إلَّا أنَّ بني إسرائيل كان لهم قتلُ أنفسهم جهرًا، وهذه الأمَّة توبتُهم بقتلِ أنفسِهم في أنفسهم سرًّا، وأوَّلُ قدَمٍ في (٦) القصد إلى اللَّه الخروجُ مِن النَّفس للَّه. قال: ولقد توهَّمَ النَّاسُ أنَّ توبةَ بني إسرائيل كانت أشقَّ، وليس كما توهَّموا؛ فإنَّ ذلك كان مرَّةً واحدةً، وأهلُ الخصوص مِن هذه الأمَّة قتلهُم (٧) أنفسَهم في كلِّ لحظةٍ، وقد قيل: ليس مَن ماتَ فاسْتَراحَ بميْتٍ... إنَّما الميْتُ ميِّتُ الأحياءِ (٨) وأنشدَ غيرُه:

стр. 783

قُبورُ الوَرى تحتَ التُّرابِ وللهوى... رجالٌ لهم تحتَ (١) الثِّيابِ قبورُ (٢) * * * (٥٧) - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾: أي: جعلناه مظلِّلًا لكم؛ أي: مُلقيًا الظلَّ (٣)، وهو معروفٌ، والظُّلَّةُ: السُّترةُ المُظِلَّةُ، والظِّلُّ الظَّليلُ هو الدَّائمُ، والسُّلطانُ: ظِلُّ اللَّه؛ أي: مأوى الخلق (٤) مِن عند اللَّه، كالظِّلِّ الذي يَأوي إليه مَن أصابَهُ الحَرُّ. والغمامُ: السَّحابُ عند ابن عباسٍ ﵄ (٥)، وهو السَّحابُ الأبيضُ عند السُّدِّيِّ (٦)، سُمِّيَ به لأَنَّهُ يَغُمُّ السَّماءَ؛ أي: يستُرها، والغُمَّةُ: الأمرُ المستور، والغَمُّ: حزنٌ يَسترُ القلبَ، والغَمَمُ: أن يَستر الشَّعرُ القفا والجبهةَ، ورجلٌ أغمُّ وامرأةٌ غمَّاء، من ذلك، وغُمَّ الهلالُ؛ أي: لم يُرَ، أو سَتَرهُ (٧) شيءٌ، وهو الليلة الغَمَّى، والتَّغمغمُ: التكلُّمُ بكلامٍ لا يَبِينُ. أي: فعلنا ذلك بكم في التِّيه.

стр. 784

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هو ما يَسقطُ على الشَّجر فيأكلُهُ النَّاس (١). وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: هو شرابٌ كان ينزلُ عليهم، فكانوا يَمزجونه بالماء فيشربونَهُ. وقال وهبٌ: هو خبزُ (٢) الرُّقاق. وقال السُّدِّيُّ: هو الزَّنجبيل (٣). وقال قتادة: هو التَّرنجبين (٤). وكان ينزلُ كهيئة الثَّلج، مِن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو الأشهرُ الأظهر. ويقال: هو ما منَّ اللَّهُ تعالى به على عباده من غير تعبٍ ولا زرع (٥)، ومنه قول النبيِّ ﷺ : "الكمأةُ مِن المنِّ، وماؤها شفاءٌ للعين" (٦)؛ أي: هو ما منَّ اللَّه تعالى به على خلقه من غير حرثٍ ولا سقيٍ. وقال عكرمة: كان كالرُّبِّ الغليظ (٧).

стр. 785

وقوله تعالى: ﴿وَالسَّلْوَى﴾ قيل: هو السُّمَّانَى. وقال ابن عباسٍ ﵄: طائرٌ أبيضُ يشبهُ السُّمَّانى، كانت تحشرُه عليهم الرِّيحُ الجنوب (١). وقالوا: كانت الريحُ تَقطعُ حلوقَها، وتَشُقُّ بطونَها، وتُمَعِّطُ شعورَها، وكانت الشَّمسُ تُنضِجها، فكانوا يأكلونها مع المنِّ. وقيل: هي طيرٌ سِمانٌ كالحمام يضربُ إلى الحُمرة، ويكونُ بناحيةِ اليمن. وقال الأخفش: واحدتها سلواةٌ (٢). وقيل: الجمعُ والواحدُ فيه سواءٌ. وقال قُطْرُب: قال بعضُ العرب: السَّلوى: الشَّيءُ الطَّيِّبُ. وقيل: هو العسل، واشتقاقه من السُّلُوِّ، كأنَّه يُسْلِي القلبَ الهموم، أو (٣) يُسْلِي مِن (٤) غيرِه (٥).

стр. 786

وقال ابنُ جريجٍ: كان الرجلُ منهم إن (١) أخذَ من المنِّ والسَّلوى زيادةً على طعام يومٍ (٢) واحدٍ فسدَ، إلَّا يوم الجمعة، فإنَّهم كانوا يأخذون فيه طعامَ يومين؛ لأنَّه كان لا ينزلُ يومَ السبت (٣). وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: فيه مضمرٌ؛ أي: قلنا لهم: كلوا، والطَّيِّباتُ هاهنا تَحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ: الحلالات، والشَّهِيات، والخاليات عن الأدواءِ والمضرَّاتِ. وقصَّتُه أنَّهم لمَّا خَرجوا مِن مصرَ، وجاوزوا البحرَ، وقعوا في صحراءَ لا أبنيةَ فيها، فأنزلَ اللَّهُ تعالى السَّحابَ، فسَترَهُم عن الشَّمسِ بالنَّهار، وكان يضيءُ لهم بالليل. وقيل: كان السَّحابُ يتدلَّى عليهم كالقبابِ والفساطيطِ والأبنية. وقيل: كان يَمشي أمامَهم عمودٌ مِن نورٍ، يُضيءُ (٤) بالليل، فأنزلَ (٥) اللَّه عليهم المنَّ والسَّلوى؛ المنُّ كالخبزِ، والسَّلوى كاللَّحم. وقال الكلبيُّ: كان المنُّ يَنزِلُ عليهم مدَّةً، فقالوا: يا موسى، قَتَلنا هذا المنُّ بحلاوته، فدعا، فأنزلَ اللَّه تعالى عليهم السَّلوى، فخَلطُوا. وهذا كان قبلَ التِّيهِ عند أكثرِهم، وكذا هذا في ترجمة التَّوراة. قاله (٦) القفَّال.

стр. 787

ثمَّ إنَّ اللَّه تعالى أمرهم أن يحاربوا أهل قرية أريحا وأذرعا (١). وقيل: بلقاء، وهي قريةُ العمالقة بقربِ بيت المقدس (٢)، فقبِلوا، فلما قرُبوا منها سمعوا بأنَّ أهلها جبَّارون أشدَّاء؛ قامةُ أحدِهم سبعُ مئة (٣) ذراعٍ ونحوِها (٤)، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] إلى أن قال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] (٥). وكانت اثني عشر فرسخًا في مثلِها، فكانوا يُصْبِحون وَيسيرُون النَّهارَ كلَّه (٦)، فإذا أمسَوا كانوا حيث أصبَحوا، وحُرِموا ما كان لهم في تلك البريَّة، وهو (٧) قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أي: ما ضرُّونا، ولكن ضرُّوا أنفسَهم، حيث حرموا أنفسَهم تلكَ النِّعم. وقيل: بل أعطاهُمُ اللَّهُ تعالى ذلك في التِّيه، فإنَّهم لمَّا عُوقِبوا بذلك ندِموا وتابوا، فلَطَفَ (٨) اللَّه تعالى بهم، وهيَّأ لهم ذلك، وعلى هذا التأويل قولُه تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: أمرناهُم أن يأكُلوا مِن طيِّبات ما رزقناهم، ويشكروا لنا، ولا يَطغَوا فيها (٩) بالادِّخارِ،. . . . . .

стр. 788

فخالفوا وخَنِزَ (١) ذلك الادِّخارُ وفسدَ وانقطع، فكان هذا إضرارًا منهم بأنفسِهم، ولا يلحقنا ضررٌ ولا نقصانٌ من خلافِ مَن يخالفنا. وقيل: ضرُّوا أنفسَهم بالامتناعِ عن الجهادِ بفَوْتِ ثوابِ الجهاد، وما نقصونا شيئًا، وضرُّوا أنفسَهم أيضًا، حيث حُجِبُوا عن دخول الأرض المقدسة. وقال الإمام القشيري ﵀: لما طوَّحهم (٢) اللَّهُ تعالى في متاهاتِ الغُربةِ، لم يَرْضَ إلَّا بأن ظلَّلهُم، وبِلِبسةِ الكفايات جلَّلهم (٣)، وعن تكلُّفِ التَّكسُّبِ أغناهم، وبجميلِ صنعِه فيما (٤) احتاجوا إليه تولَّاهم، فلا شُعورُهم كانت تَطولُ، ولا أظفارُهم كانت تنبتُ، ولا ثيابهم كانت تتَّسِخُ، ولا شعاعُ الشَّمسِ كان يَنبسطُ (٥)، وكذلك سنَّتُه بمَن حالَ بينَه وبين اختياره، يكونُ ما اختارَهُ له خيرًا له ممَّا يختارُه العبدُ بنفسِه (٦). * * * (٥٨) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: قال قتادةُ والضَّحَّاكُ والرَّبيعُ بنُ أنسٍ: أي: بيتَ المقدس (٧).

стр. 789

وقال السُّدِّيُّ ومجاهدٌ ومقاتل: أي: البلدةَ التي فيها بيتُ المقدس، وهي إيلياء (١). وقال أبو زيد: أي: أريحا، وهي بقرب بيتِ المقدس (٢). والدُّخولُ: الانتقال من العورة (٣) إلى الحصن، ونقيضُه الخروج. والقريةُ: الأبنيةُ التي هي مجتمعُ النَّاس، مِن قولِكَ: قَرَيْتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعتُه، قريًا، والمِقْراةُ: الحوض، والجَفنةُ الكبيرةُ التي يُجعَلُ فيها طعامُ الأضياف، وقَرَيْتُ الضَّيفَ قِرًى من ذلك، وقَرَى البعيرُ جِرَّتَهُ؛ أي: جمعَها في شِدْقِهِ، والقرى: الظَّهر (٤)، وهو مجتمَع القوى (٥). ومعناه: واذكروا أيضًا إذ قلنا لأسلافِكم: ادخلوا هذه القريةَ لتسكنُوها، فقد قال في سورة الأعراف: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١]. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: أي: أبحناها لكم، ووسَّعناها عليكم، فتعيشوا فيها أين شئتم، بلا تضييقٍ ولا منعٍ، وهو تمليكٌ لهم بطريق الغنيمة، وذَكَرَ الأكلَ لأنَّه معظمُ المقصود. وقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: قيل: هو بابٌ بعينه. وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: هو بابُ حطَّةٍ، وهو البابُ الثَّامن مِن بيت المقدس (٦).

стр. 790

وقيل: هو بابُ القبَّة التي كان يتعبَّدُ فيها موسى وهارون ﵉. وقيل: هو البابُ الأعظمُ للقرية. وقيل: ﴿الْبَابَ﴾ وجهٌ من وجوه القرية عُيِّن لهم، كأنَّه قال لهم (١): ادخلوا مِن هذا الوجه. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: رُكَّعًا (٢). وقيل: ساجدين قبلَ الدُّخول سجدةَ الشُّكر على قتلِ الجبَّارين، أو فتحِ القرية. وقيل: أي: مطأطئين رؤوسَكم، خاضعين خاشعين. وقيل (٣): مصلِّينَ صلاةً قبل الدُّخول. وقولُه تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: قال عكرمة، وهو قولٌ اختارهُ الأخفش: قولوا (٤) لا إله إلا اللَّه (٥). وعن عليٍّ ﵁: هو بسم اللَّه الرحمن الرحيم. وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: هو (٦) أستَغْفِرُ اللَّه (٧).

стр. 791

وعن الحسن: هو أنْ يُقَال: حُطَّ عنا ذنوبَنا، فإنَّا انحطَطْنا لوجْهِك (١). وقال الضَّحَّاك: أي: قولوا: أخطأنا، واعترفنا يا ربَّنا خطايانا (٢)، فاغفرها لنا. وقال القتبيُّ: أي: قولوا مقالةً هي حطة لخطاياكم (٣). وقال الزَّجَّاجُ: قولوا: مسألتُنا حطة (٤). وقيل: أي: سجودُنا عندَ الدُّخولِ حِطَّةٌ لذنوبنا. وقيل: معناه: نحن نزولٌ تحت حكمك، مُسَلِّمون لأمرك. وأصلُ الحَطِّ: إنزالُ الشيءِ مِن علوٍّ إلى سفلٍ (٥)، وقد حَطَطتُ الرَّحْلَ والسَّرجَ ونحوَ ذلك، وحطُّ الذَّنْبِ إسقاطُه وَهو كإلقاء الحِمْلِ عن الرَّأس والظَّهر، وحطَّ حطًّا متعدٍّ، وحطَّ حُطوطًا لازمٌ. وقيل: أمروا أن (٦) يتكلَّموا بهذهِ الكلمةِ وحدَها تعبُّدًا ليحُطَّ بها أوزارَهم، فغيَّروها (٧) بنو إسرائيل، وقالوا: حنطةٌ، كذا قال (٨) ابنُ قتيبة (٩).

стр. 792

ثمَّ مِن عظيمِ فضلِ اللَّه جلَّ وعلا أن هيَّأ لهم الأسبابَ، وفتحَ عليهم مِن النِّعَمِ الكثيرةِ الأبواب قبل أنْ يُكلِّفَهُم شيئًا بالخطاب، ثمَّ أمرهم بشيئين؛ بعملٍ يسيرٍ، وقولٍ قصيرٍ، فالعملُ: الانحناءُ عند الدُّخول، والقولُ: التَّكلُّم بالكلام المنقول (١)، ثمَّ وعدَ عليها (٢) غفرانَ السيِّئاتِ، والزِّيادةَ في الحسنات. وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الغَفْرُ والغُفرانُ والمغفرةُ: سترُ الذُّنوب، والغِفَارةُ والمِغْفَرُ مأخوذان (٣) من ذلك، وكذا غَفْرُ الثوب، وهو زِئْبَرُهُ (٤) الذي يَسترُ نَسجَهُ، والجمُّ الغَفير: الجمعُ الكثير السَّاترُ المكانَ (٥). والخطايا جمع الخطيَّة، كالبلايا جمعُ البَلِيَّة، والخطأُ ضدُّ الصَّواب، والخِطأ -بكسر الخاء- والخطيئة: الاثم، وخطئ؛ أي: أثِمَ متعمِّدًا، وأخطأ، إذا لم يتعمَّد (٦)، والخطيئاتُ جمعُ سلامةٍ للخطيئة. وَعَدَ غفرانَ كلِّ الخطيئات مِن غير قصرٍ على عددٍ، وقَصَرَ العملَ على أقصرِ العدد. وقوله: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: سنزيدُ المحسنين منكم بطاعتِه في أمرنا هذا إحسانًا آنفًا إلى سالف إحساننا عنده، فنزيدُه في سَعَة دُنياهُ وثوابِ عُقباه. وقيل: وسنزيدُ المحسنين منكم فيما بعدُ في المغفرة وثواب الآخرة.

стр. 793

وقيل: سنزيدُ المحسنين (١) الذين كانوا أسلَموا قبلَ ذلك. وقيل: أي: الذين لم يدَّخِروا المنَّ والسَّلوى لغدٍ. وقيل: هو على التَّفصيل: مَن كان خاطئًا غَفرنا له خطاياه، ومن كان مُحسِنًا زدنا له في عطاياه. * * * (٥٩) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: غيَّروا، فلم يَقولوا: حطَّة، بل قالوا: حنطة. وقيل: قالوا: (هنطا سُمقاثا) (٢)، وهي بلسانِهم: حنطةٌ حمراءُ (٣)؛ استهزاءً، وهذا كان من بعضهم، وفعل المحسنون (٤) ما أُمِروا به، ولهذا لم يقل: فبدلوا، بل قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وظاهرُه يَدلُّ على أنَّهم بدَّلوا القولَ وحدَه دون العملِ به (٥)، وبه قال جماعةٌ. وقيل: بل بدَّلوا القول والعمل جميعًا، ومعنى قوله: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾

стр. 794

أي: أمرًا غيرَ الذي أُمِروا به؛ فإنَّ أمرَ اللَّه تعالى قولٌ، وهو تغيير جميع ما أمروا به، وقد رَوَى أبو هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّهم دخلوا البابَ يَزحفون (١). وقال ابن عباسٍ ﵄: دخلوا مستلقين على أقفيتهم. وقيل: منحرفين على شقِّ وجوههم. وقيل: على أستاهِهم (٢). ولمَّا امتنعُوا عن السُّجود وأن يقولوا ما أمِروا به، أمرَ اللَّهُ تعالى الجبلَ أنْ يَقعَ عليهم، فرأوه، فسقطوا على شقِّ وجوهِهم يَنظرون إليه بالشِّقِّ الآخر، فرحمهم اللَّه تعالى، وردَّه عنهم، فقالوا: ما سجدةٌ أحبُّ إلى اللَّه تعالى مِن سجدةٍ (٣) كُشِفَ بها عنَّا العذاب، فلذلك يسجدون كذلك. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: الذين بدَّلوا (٤) ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: عذابًا. وقيل: هو يقعُ على كلِّ عذابٍ، يقولُ اللَّه (٥) تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (٦) [الأعراف: ١٣٣]، ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، ثمَّ قال: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ سمَّى ذلك كلَّه رِجزًا.

стр. 795

وقال أبو سعيد الضرير: هو العذابُ المفسِدُ للمعاشِ (١). وقيل: هو العذابُ المزلزل. وقد ارتجز؛ أي: ارتعشَ، واختلف في هذا الرِّجز الذي أُنزِلَ عليهم: قيل: كان ذلك نارًا فأحرقتهم. وقيل: كان طاعونًا، فمات به في ساعةٍ واحدةٍ أربعةٌ وعشرون ألف إنسانٍ، ودام فيهم حتَّى بلغوا سبعين ألفًا. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: عذَّبناهم بهذا لخروجِهم (٢) عن طاعتنا. ثمَّ قال: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل: عليهم؛ على الاختصار، وقد سبقَ ذِكرُ الذين ظلموا؛ لأنَّه سبقَ ذِكْرُ المحسنين أيضًا، فلو أطلق لوقعَ احتمالُ دخولِ الكلِّ فيه، ولمَّا قال في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾، قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢]؛ ليتميَّزَ هؤلاءِ مِن غيرِهم، على أنَّ إعادةَ المكنيِّ صريحًا وكنايةً سائغةٌ، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ ثمَّ قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقال عديُّ بنُ زيد: لا أَرى الموْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شيءٌ... نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيرا (٣) وقالوا: ذكر هاهنا ﴿خَطَايَاكُمْ﴾، وقال في سورة الأعراف: ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾، وقال هاهنا: ﴿ادْخُلُوا﴾، وقال هناك: ﴿اسْكُنُوا﴾ [الأعراف: ١٦١]، وقال هاهنا: ﴿فَأَنْزَلْنَا﴾،

стр. 796

وقال هناك: ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾، وقال هاهنا: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وقال هناك: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ (١) [البقرة: ٥٧] ليُعلَمَ أنَّ المراعَى اتِّفاقُ المعاني، وأنَّها لا تَتغيَّرُ باختلاف الكلمات. * * * (٦٠) - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وقوله تعالى: (﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾): تقديرُه: وإذ استسقانا، والاستسقاءُ: سؤالُ السَّقيِ وطلبُه، وهو (٢) بالدُّعاء هاهنا، وقد سَقيتُه سَقيًا بفتح السِّين؛ أي: أعطيتُه ما يشربُه، وسقيتُ الأرضَ ونحوها بفعلي، وأسقيتُ فلانًا؛ أي: جعلتُ له سُقْيًا يَشربُ (٣) منه، ويَسقي به الزَّرعَ. وقال في "ديوان الأدب": سقاهُ اللَّهُ وأسقاه بمعنى (٤)، وقد جمعَهُما لبيدٌ فقال (٥): سقى قومي بني نَجْدٍ وأسْقَى... نُمَيْرًا والقبائلَ مِن هِلالِ (٦) ويقال: سَقَيْتُهُ، لِشَفَتِهِ، وأسْقَيتُهُ، لماشيتِه وأرضِه، وأسقيتُهُ (٧)؛ أي: دعوتُ له بالسُّقيا، قال ذو الرُّمة:

стр. 797

وأُسْقِيهِ حتَّى كادَ ممَّا أبثُّهُ... تُكَلِّمنِي أحجارُهُ وملاعبُهْ (١) وأسْقِني إهابَك؛ أي: اجعلهُ لي سقاءً (٢). والسِّقْيُ بكسر السين: الحظُّ مِن الشِّرْب، والسِّقاءُ: القِرْبةُ للماء واللَّبن، والسِّقايةُ: الموضعُ الذي يُتَّخذُ فيه الشَّرابُ (٣) في المواسم وغيرها، والسِّقايةُ في سورة يوسف ﵇: الصُّواعُ الذي كان يَشربُ منه الملك. والمِسقاة: ما يُتَّخَذُ للجِرار (٤) تُعلَّقُ عليه، والاستقاءُ من البئر ونحوها: الأخذُ منها. وقوله تعالى: ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ هم بنو إسرائيل، ومعناه: واذكروا أيضًا إذ سألَ موسى ربَّه أن يَسقِيَهم في البرِّيَّةِ قبل التِّيه، وقيل: في التِّيه. وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَر﴾ وكان عصاهُ مِن آسِ الجنَّة، وكان عشرةَ أذرعٍ بذراع موسى، وهي التي كانت معجزته، وهي التي كانت تَنقلِبُ حيَّةً. فأمَّا الحجرُ فقد قيل: أمرَهُ اللَّهُ تعالى أن يأخذَ حجرًا خفيفًا مثلَ رأسِ الإنسان، فيضعَهُ في المِخلاة. وقيل: مثلَ رأس الهرة. وقيل: مثل رأس الثَّور. وقال مقاتلٌ: كان حجرًا مربَّعًا (٥).

стр. 798

وقال الضَّحَّاك والسُّدِّيُّ: كان ذراعًا في ذراعٍ. وقال الكلبيُّ: كان مدوَّرًا مثل رأسِ الإنسان، عليه اثنا عشر ثديًا، مثلَ ثدي المرأة، وكان موسى ﵇ رفعَهُ مِن الطُّور. وقال سعيدُ بنُ جُبير: هو الحجرُ الذي ذهبَ بثيابِ موسى لمَّا قال قومُه: إنَّه آدرُ (١)، فأمرَ اللَّهُ تعالى موسى أن يحملَه (٢). وقيل (٣): لم يكن حجرًا معيَّنًا، وكان (٤) يضربُ أيَّ حجر وجد. والصَّحيحُ أنَّه كان معيَّنًا؛ فقد عرَّفهُ بالألف واللام. وقوله تعالى: (﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾): قال القفَّال: أي: مِن الضَّرب، فدلَّ ذلك على الضَّرب، وبه انفجرَت العيون. وقيل: هاهنا مضمرٌ؛ أي: فضَربَ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، والإضمارُ جائزٌ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: فأفطر فعدَّةٌ من أيَّامٍ أخر. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ على هذا يكونُ كنايةً عن الحجر؛ أي: من الحجر، وحُذِف لعلمِنا أنَّ موسى صلوات اللَّه عليه لا يخالِفُ الأمرَ، ولأنَّ الظَّاهرَ يدلُّ

стр. 799

عليه، وهو كقوله (١): أمرتُهُ بالتِّجارة، فاكتسب الأموال. والانفجارُ: الانشقاقُ الواسع، والانبجاسُ: الانشقاقُ الضيِّق. وقيل: الانفجارُ: الخروجُ بكثرةٍ، والانبجاسُ: قليلًا قليلًا (٢). وقيل: الانفجارُ: الخروجُ من اللَّيِّن، والانبجاسُ: الخروجُ (٣) من الصُّلب. وقيل: هما واحدٌ، وهو قول الأخفش. وقيل: الانبجاسُ: الانصباب، والانفجارُ: النُّبُوع. وقيل: أُخِذَ الانفجارُ مِن انفجارِ الفَجْرِ، وهو انشقاقُهُ، وهو انشقاقُ الظُّلمة عن الضِّياء. وقيل: أصلُه: المفارقة، والفجور هو مفارقة البر، قاله قطرب. وقد ذكر في هذه الآية: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ وفي "الأعراف": ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾، والقصَّةُ واحدةٌ، فمَن سوَّى بينهما استمرَّ قولُهُ، ومَن قال: لم يكن الحجرُ معيَّنًا، بل كان يضربُ أيَّ حجرٍ وُجِد عند الحاجةِ، فإنَّه يقولُ: كان إذا أخذ حجرًا صغيرًا فضربَهُ؛ انبجسَ، وإن أخذَ حجرًا كبيرًا فضربَهُ؛ انفجرَ، ومَن قال: كان حجرًا صغيرًا واحدًا يُحْمَلُ في المِخلاة؛ وقيل: كان يُحمَلُ على حمارٍ؛ فالانبجاسُ أولُ خروجِه (٤) مِن الحجَر، والانفجارُ بعد سيلانِه.

стр. 800

وقيل: كان ينبجسُ، ثمَّ يجري ويدومُ ويَكثرُ (١)، فيكون انفجارًا. وقيل: كان ينبجسُ عند قلَّةِ الحاجةِ، وينفجِرُ عند الحاجة إلى الكثير (٢). وقوله تعالى: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ التاءُ لعددِ المؤنَّث، والعشرةُ فيها لغتان في عدد المؤنث بعدما زاد على العشرة؛ بتسكين الشِّين وكسرِها (٣). والعينُ: الينبوع، وهي مؤنَّثةٌ سماعًا، ونُصِبَ على التفسير، وهي مشتقَّةٌ مِن العين الباصرة؛ لأنَّها أشرفُ ما في الرَّأس، وهذه أشرفُ ما في الأرض، ولأنَّ الماءَ يخرجُ مِن هذه كالدَّمع يخرجُ مِن تلك. وإنَّما جُعِلَت على هذا العدد؛ لأنَّ بني إسرائيلَ كانوا اثني عشرَ سبطًا، وكانوا لا يأتلفون، فجُعل لكلِّ سِبْطٍ مشربٌ على حدةٍ مِن عينٍ على حدةٍ؛ لئلَّا يتنازعوا (٤). وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أي: موضعَ شربِهم. قال قتادة: كان كلُّ سِبْطٍ يَعرفُ عينَ نفسِه، فيجيء فيأخذُ مقدارَ حاجتِه، ثمَّ ينقطعُ الماء. وقيل: كان يَسيلُ وهم نازلون، فإذا ارتَحلُوا انقطعَ ماؤها، وحُمِلَ الحجرُ في الجَوَالِق. وقال أبو رَوْقٍ: كان فيه اثنتا عشرة حفرةً، فكانوا إذا نَزَلوا وَضَعوا الحجرَ، وجاءَ كلُّ سِبْطٍ إلى حفرتهم، فحفروا الجداول إلى أهلها، فشربوا ما شاءوا،

стр. 801

فإذا أرادوا أن يَحملوهُ ضربَهَ موسى فذهب الماءُ، وكان يَستَقِي منه ستُّ مئة ألفٍ وزيادةٌ (١). وقيل: كان الحجر رخامًا. وقيل: كان كرأسِ شاةٍ. وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ وهاهنا مضمرٌ أيضًا؛ أي: قلنا لهم: كلوا مِن المَنِّ والسَّلوى، واشربوا من ماء (٢) عيون الحَجر، وهما ممَّا رزقَكم اللَّهُ تعالى؛ أي: أعطاكم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ العثِيُّ: أشدُّ الفساد. وقيل: المبالغة في الإفساد، وهذا من: عَثِيَ يَعْثَى، من باب عَلِمَ، وفيه لغتان أُخرَيان: عَثَى يَعْثُو، من حدِّ: دَخَل، وعاثَ يَعِيثُ، من حدِّ: ضَرَب (٣). وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في التِّيهِ. وقيل (٤): في الدُّنيا. و ﴿مُفْسِدِينَ﴾ نُصِبَ (٥) على الحال؛ أي: لا تبالغوا في الإفساد حالةَ الإفساد، ويَحتملُ التَّكريرَ للمبالغة، كما يقال: لا تظلِم زيدًا جائرًا عليه، والجورُ هو الظُّلم، فكذا العثِيُّ هو الإفسادُ. والأوَّلُ أوجه؛ لأنه أكثر معنى، ثمَّ معناه: كلوا واشربوا مِن رزقِنا، ولا تفسدوا في الأرضِ بظلم النَّاس بغصبِ أموالِهم ونحوِ ذلك.

стр. 802

وقيل: أي (١): قابلوا نعمَنا بالشُّكر، ولا تَكفروا، ولا تَدْعوا غيرَكم إلى الكفر؛ فإنَّه أبلغُ فسادٍ في الأرض. وقيل: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وهو صلاحُ البدن، ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ وهو صلاحُ الدِّين؛ هيَّأ الأسبابَ، ثمَّ وجَّهَ الخطاب. وقال القشيريُّ: أراد الحقُّ ﷻ أن يكونَ كلُّ قومٍ ملازمًا لحدِّه، غيرَ مزاحمٍ لصاحبِه، فأفردَ لكلِّ سِبْطٍ علامةً يَعرفون بها مشربَهم، فهؤلاء لا يَرِدونَ مشربَ الآخرين، والآخرونَ لا يردونَ مشربَ الأوَّلين. وحين كفاهم (٢) ما طلبوا (٣)، أمرَهُم بالشُّكرِ وحِفظِ الأمرِ، وترك (٤) احتقابِ (٥) الوزرِ. والمناهلُ مختلفةٌ، والمشاربُ متفاوِتةٌ، وكلٌّ يَرِدُ مشربَه، فمشربٌ عذبٌ فراتٌ، ومشربٌ ملحٌ أجاجٌ، ومشربٌ صافٍ زُلالٍ، ومشربٌ رَتْقٌ (٦) أوشال (٧)، وسائقُ كلِّ قومٍ يَقودُهم، ورائدُ كلِّ طائفةٍ يَسوقُهم (٨)؛ فالنُّفوسُ تَرِدُ مناهلَ المُنى

стр. 803

والشهوات، والقلوبُ تَرِدُ مشاربَ التُّقى والطَّاعات، والأرواحُ تَرِدُ مناهلَ الكشفِ والمشاهدات، والسَّرائرُ تَرِدُ مناهلَ الحقائقِ بفناء الصفات (١). وأفادت الآيةُ إباحةَ الخروج إلى الاستسقاء، ودلَّت على فضيلةِ أمَّة محمَّدٍ ﷺ ؛ فإنَّ بني إسرائيلَ احتاجوا إلى الماء، فرجعوا إلى موسى ليسألَ، واحتاجوا إلى البَقْل والقثاء وسائرِ المأكولات، ففعلوا كذلك (٢)، وهذه الأمَّة أُطلِقَ لهم أن يَسألوا اللَّهَ تعالى كلَّما احتاجوا إليه، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وفيها بشارةٌ عظيمةٌ، سألَ موسى ربَّه الماءَ لقومه بقولِهم، وسأل عيسى ربَّه المائدةَ لقومه بقولِهم، وسأل نبيُّنا ﷺ المغفرةَ لنا بأمرِ اللَّه تعالى، قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، فلمَّا أجابَ اللَّهُ تعالى لهما فيما سألَاه بطلبِ القوم، فلأَن يُجيبَ نبيَّنا (٣) فيما سألَهُ لنا بأمرِه (٤) أولى. * * * (٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.

стр. 804

وقوله تعالى: (﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾): أي (١): واذكروا أيضًا إذ قلتم: يا موسى لن نصبر؛ أي: لن نقدرَ على حبسِ أنفُسنا على نوعٍ واحدٍ من الطَّعام، وهو المنُّ والسَّلوى. وإنما قالوا: ﴿عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وهما اثنان؛ لأنَّهم كانوا يأكلونَ أحدَهما بالآخر، كما يُؤكَلُ الخبزُ باللَّحم. وقيل: كان ينزلُ عليهم المنُّ وحدَهُ (٢) أوَّلًا، ثمَّ ملُّوهُ، فأرسلت عليهم السَّلوى، فيجوز (٣) أن يكونَ هذا الكلامُ منهم قبل نزولِ السَّلوى، يقولون: قد مللنا هذا وعزَفَت عنه نفوسُنا. وقوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ أي: سلْهُ، وقولُه: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ كلمة "مِن" في قوله: ﴿مِمَّا﴾ صلةٌ عند الأخفش (٤)، ويجوز أن تكون للتبعيض، و"من" في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ هو للتجنيس، وهو بعضُ الأجناسِ أيضًا (٥). ثمَّ جزم قوله: ﴿يُخْرِجْ﴾ لوجهين (٦): أحدهما: على تقدير الجزاء، ومعناه: ادعُ لنا ربَّك، فإنَّك إنْ تَدعُ يُخْرجْ. والثَّاني: ادعُ لنا ربَّك، وقل له: أخرج يخرجْ، وهو كقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ

стр. 805

يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]. وقوله: ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾ البقلُ: كلُّ ما يُؤكَلُ مِن الطَّعامِ مِن الخُضَر، وهو في الأصل كلُّ نبتٍ اخضرَّت به الأرضُ، قال الشاعر: قومٌ إذا نَبَتَ الرَّبيعُ لَهُمْ... نَبَتَتْ عَدَواتُهُمْ مَعَ البَقْلِ (١) وقوله تعالى: ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ هو الخيار، وبضم القاف لغةٌ (٢)، وهو قراءة يحيى بنِ وثَّابٍ (٣) وطلحة والأشهب (٤). وقوله: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وقتادةُ والسُّدِّيُّ: هو الحنطة (٥)، قال أُحيحةُ بن الجلاح: قد كنتُ أغنى النَّاسِ شخصًا واحدًا... وَرَدَ المدينةَ عَن زراعةِ فوم (٦)

стр. 806

وقال مجاهدٌ وعطاءٌ وابنُ زيدٍ: هو الخبز (١). وقال قطرب: الفومُ: كلُّ عقدةٍ مِن البصل، وقطعةٍ مِن اللَّحم، وكلُّ لقمةٍ كبيرةٍ، ويقال: فوَّمتُ الشيءَ، إذا (٢) جعلتَه كذلك. وقال الفرَّاء: يقال: فوموا لنا؛ أي: اختبزوا (٣). وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ والكسائيُّ: هو الثُّوم (٤)، وفي قراءة أبيٍّ وابن مسعودٍ ﵄ بالثاء (٥) وقال أميَّةُ بنُ الصَّلت (٦): كانت منازلُهُمْ إذْ ذاكَ ظَاهِرَةً... فِيها الفَرَادِيسُ والفومانُ (٧) والبَصَلُ (٨)

стр. 807

فمَن قال: هو الثوم، قال: ذِكْرُ البصلِ في الآية يدلُّ على أنَّه هو المرادُ؛ فإنَّه مِن جنسه، ومَن جعلَه بمعنى الخبز أو (١) الحنطة، قال: ذِكْرُ العدسِ يدلُّ على أنَّه هو المراد؛ لأنَّه مِن جنسه. وقوله: ﴿وَعَدَسِهَا﴾ هو حبٌّ معروفٌ، وقوله: ﴿وَبَصَلِهَا﴾ هو معروفٌ أيضًا. وقوله تعالى: (﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾): هذا استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: أتسألون الأردأ بدلًا عن الأعلى، من: دنا يَدنو؛ أي: قَرُب؛ أي: هو أقلُّ قيمةً، يقال: ثوبٌ مقارِبٌ؛ أي: قليلُ القيمة، ومعناه أنَّه إذا كثُر (٢) ثمنُه ارتفعَ، وإذا قلَّ اتَّضَع، والدَّناءة: الرَّداءة، وهو دنيءٌ، أي: رديءٌ خسيس. وبه يَستدِلُّ مَن حملَ الفومَ على الثُّوم أنَّه وَصَفَ بأنَّه دونٌ (٣)، والحنطةُ ليست كذلك، وكذا وَصَفَ بِقلَّةِ القيمة، وليست الحنطةُ كذلك. وأجابَ الآخرون أنَّ الحنطةَ بمقابلة المنِّ والسَّلوى أوضعُ رتبةً، وأقلُّ قيمةً. ووجهٌ آخرُ أنْ يكون معنى (٤) أدنى: أقربَ وأسهلَ وجودًا، وهو ممَّا يُشارككُم في وِجدانِه أكثرُ النَّاس، فيستبدلون (٥) هذا بالرَّفيعِ الجليلِ الذي يَعزُّ (٦) وجودُه وهو ممَّا يَختصُّون به، وهو معنى ما قاله قطرب.

стр. 808

وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ المصرُ: كلُّ كُورةٍ يقام فيها الحدود ويُغزَى فيها الثغورُ، ويُقسَم فيها الأموال من الفيء والصَّدقات مِن غيرِ مؤامرة الخليفة. وقيل: هو مشتقٌّ من القطع، يقال: مَصَرَ الشَّيءَ (١) يَمصِرُهُ؛ أي: قطعَهُ، سُمِّيَ به لانقطاعه عن الفضاء بالعِمارة. ثمَّ اختلفَ أنَّه بلدٌ بعينه، أو بلدٌ من البلاد: قال الحسنُ وأبو العالية والرَّبيعُ: هو مصرُ فرعون الذي خرجوا منه (٢)، قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. وقيل: أراد به بيت المقدس، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وعلى هذا إنَّما نوَّنهُ هاهنا لأنَّه أرادَ به البلد (٣)، وهو مذكَّرٌ، ولم ينونه في قوله: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ [يوسف: ٩٩]؛ لأَنَّه أراد به البلدة، وهي مؤنَّثةٌ، فلمَّا (٤) اجتمعَ التَّعريفُ والتَّأنيث امتنعَ الصَّرفُ، وفي الأول لم يجتمعا. وقيل: أراد به مِصرًا من الأمصار غيرَ معيَّنٍ (٥)؛ لأنَّ ما سألوهُ مِن البقل ونحوِه لا يكون إلَّا في الأمصار، وهذا قولُ قتادةَ والسُّدِّيِّ ومجاهدٍ وابنِ زيدٍ (٦). ثمَّ معناه عندَ بعضهم: انزلوا بعضَ الأمصار إن كنتُم تريدونَ هذه الأشياء؛

стр. 809

لأنَّكم في البَرِّيَّةِ، فلا يوجدُ فيها ما تَطلبون، وإنَّما يوجدُ ذلك في الأمصار. وقيل: معناه: إذا نزلتُم في بعضِ الأمصار وجدتُم هذه الأشياء، ولم يَكن أمرَ بذلك للحال؛ لأنَّهم كانوا في التِّيهِ وقد كانت ضُرِبَت لهم مدَّةٌ عقوبةً لهم. وقال القائل بهذا القول (١): إنَّهم لم يَخرجوا مِن التِّيه. وقيل: هذا أمرُ تعجيزٍ؛ أي: إن قَدَرتُم على النُّزول (٢) في نزلوا مصرًا تجدوا فيه هذه الأشياء، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً﴾ (٣) [الإسراء: ٥٠]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٤). ذكرَ (٥) القفَّالُ هذه الأقاويل، ثم قال: ويجوزُ أن يكونَ في مسيرِهم في تلك المفازة قرًى غير القرى التي كانوا وُعِدوها لم يُنهَوا عنها، فكان قولُه: ﴿مِصْرًا﴾ إشارةً إلى ذلك، وقد (٦) تسمَّى القريةُ مِصرًا، كما يُسمَّى المصرُ قريةً؛ توسُّعًا، و (٧) لأنَّ الاسمينِ لمُجتمع النَّاس من البنيان. وقال الكلبيُّ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي: مصرَ فرعون التي خرجتُم منها، فإنَّ فيها هذا، فارجعوا إليها، فكرِهوا ذلك، فضُرِبت عليهم الذِّلَّةُ والمسكنةُ. والأظهرُ أنَّهم لم يُؤمروا بهبوط مصر فرعون؛ فإنه قال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ

стр. 810

الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، فلم يكن لهم الرُّجوعُ إلى مصر فرعون (١)، ويكونُ معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ (٢) أي: أسكنَّاها بني إسرائيل (٣) بعدَ هلاكِ فرعونَ وآلِه، لا أن يكونوا سكنوها، ويكونُ هذا أمرًا بهبوط مصرٍ مِن أمصارِ الأرض المقدَّسة. وقد قيل: إنَّ موسى صلواتُ اللَّه عليه سألَ اللَّهَ تعالى ذلك، فأُجيب بهذا، فكان (٤) قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أمرًا من اللَّه تعالى. وقيل: لم يَسأل ذلك، بل ردَّهم بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ (٥)، ثمَّ قال هو بنفسه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. وقيل: هذا الأمر -وهو قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ - كان بعد موت موسى وهارون ﵉، وانقضاءِ مدَّةِ التِّيه، والهبوطُ: النزول، فيَحتملُ أنَّ التِّيهَ كان في صعودٍ، والمصرَ في هبوطٍ، ويَحتمل أن يكون الهبوطُ مطلقَ النُّزول. وقوله تعالى: (﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾): الذِّلَّةُ: نقيض العزَّة، والمسكنةُ: الفقر. وقيل: هذا موصولٌ بقوله: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾؛ أمرَهم بدخول القُرى لطلب الأشياءِ التي سألوها، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: تذليلُ الأنفسِ في الأعمال المهينة، كالحِراثة ونقلِ العَذِرَة، وذُلِّ الكسب، والأوَّلُ كان يأتيهم مِن غير كسبٍ، وقد
следующие страницы →