← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

وابن عامر: ﴿وَنِصْفِهِ﴾ بالخفض، وكذلك ﴿وَثُلُثَهُ﴾؛ أي: أدنى من ذلك كلِّه. وقرأ الباقون: ﴿وَنِصْفَهُ﴾ بالنَّصب (١)، وكذلك: ﴿وَثُلُثَهُ﴾؛ عطفًا على قوله: ﴿أَدْنَى﴾، وهو منصوب بوقوع ﴿تَقُومُ﴾ عليه. قالت عائشة ﵂: إنَّ اللَّه افترضَ قيام اللَّيل في أوَّل هذه السُّورة، فقام نبيُّ اللَّه وأصحابُه حولًا حتى انتفخَتْ أقدامَهم، وأمسك اللَّه تعالى خاتمة هذه السُّورة اثني عشر شهرًا في السَّماء، ثم أنزل اللَّه التَّخفيف في آخر هذه السُّورة، فصار قيام اللَّيل تطوُّعًا بعد فرضه (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾؛ أي: اللَّيل. ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: أقلَّ من الثُّلثين. ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: على قراءة النَّصب: أي: وتقوم نصفَ اللَّيل وثلثَ اللَّيل. وعلى قراءة الخفض: تقوم أقلَّ من نصفِ اللَّيل، أو أقلَّ من ثلثِ اللَّيل. ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾: أي: من أصحابك يفعلون كذلك، وله وجهان: أحدهما: كانوا ربَّما قاموا كذا، وربما قاموا كذا، وكانوا (٣) لا ينقصون عن ثلث اللَّيل، وقد يزيدون عليه، فقد كانوا أُمِروا في أوَّل السُّورة بذلك على التَّخيير، فامتثلوا لِمَا أُمِروا به في ليال مختلفة، كمَن حنث في أيمان، فكفَّرَ في بعضها بالعتق، وبعضها بالكسوة، وفي بعضها بالإطعام. والثَّاني: أن يكون بعضهم كان يقوم الثُّلث، وبعضهم النِّصف، وبعضهم الثُّلثين، كقومٍ حنثوا في اليمين، فكفَّر كلُّ حالف بنوع.

стр. 7457

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أي: هو يزيد وينقص، وهو العالم بمقاديرهما على الحقيقة، وأنتم تعلمون ذلك بالتحرِّي (١) المؤدِّي إلى الخطأ أحيانًا. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: أي: لن تقدروا على حفظ هذه المقادير. وقيل: أي: لن تطيقوا قيام اللَّيل على الدَّوام، ثم هذا لم يكن تكليفَ ما ليس في الوسع، لكن كان يَشُقُّ عليهم بعضَ المشقَّة. قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: رجع بكم من تثقيلٍ إلى تخفيفٍ، ومن تعسيرٍ إلى تيسيرٍ، بأنْ أزالَ عنكم هذا الفَرْض، وأسقط عنكم مؤنة حفظ التَّقدير، وهو كقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا الإحصاء كالمذكور في قوله ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" (٢)؛ أي: ولن تطيقوا ذلك بحقِّ الواجب فيه إلَّا بمشقَّة، "فسدِّدوا"؛ أي: الزموا السَّداد "وقاربوا" (٣)؛ أي: كونوا قريبًا من طريق الحقِّ ولا تمايلوا عنه. والإحصاء يكون عدًّا ويكون استطاعة.

стр. 7458

وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾: قال الحسن ﵀: أي: فصلُّوا باللَّيل قَدْر ما تيسَّر عليكم (١). والصَّلاة تُسمَّى قرآنًا لِمَا فيها من القراءة؛ قال تعالى: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وهو كما تُسمَّى تسبيحًا، وتُسمَّى سجودًا، وتُسمَّى ركوعًا؛ لِمَا فيها مِن كلِّ واحدٍ منها. وكان الحسن يقول بظاهر هذا: إنَّ قيام اللَّيل واجب ولو قَدْرَ حَلَبِ شاة، وتلا هذه الآية (٢). وهو قول جماعة من أهل العلم. وقال عبد الرَّحمن بن زيد وقتادة وجماعة من أهل العلم: انتسخ (٣) فرض قيام اللَّيل أصلًا، قلَّ أو كثر. وقال الضحَّاك ومقاتل: ارتفع عن الأمَّة لا عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]؛ أي: زيادة لك على ما فرض على أمَّتك من الصَّلوات الخمس. وقيل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ هو على حقيقة القراءة في صلاة الليل.

стр. 7459

وقيل: في كلِّ صلاة، ودلَّ إطلاقه على أنَّ قراءة الفاتحة غير متعيِّنة للفرض كما قال أصحابنا ﵏. وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾: يَشُقُّ عليهم قيام اللَّيل. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: أي: يسافرون للتِّجارات. ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يغزون فيَشقُّ عليهم قيام اللَّيل في السَّفر. وروي عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّه قال: ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل اللَّه أحبَّ إليَّ من أن يأتيَني وأنا ألتمس فضل اللَّه، ثم قرأ هذه الآية (١). وروى علقمة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما مِنْ جالبٍ يجلبُ طعامًا من بلد إلى بلد، فيبيعُه بسعر يومه، إلَّا كانت منزلتُه عندَ اللَّهِ منزلةَ الشُّهداءِ"، ثمَّ قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: قال الحسن: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ بيان فرض قيام اللَّيل، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ هو للتَّطوُّع منه (٣). وهو فائدة التَّكرار، والقليلُ فرض عنده، والزِّيادة عليه نفل. وقيل: معنى التكرار (٤): ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ في الصَّلاة المفروضة في اللَّيل أيضًا.

стр. 7460

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: دوموا على إقامة الصَّلوات الخمس. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: المفروضة؛ فإنَّكم إذا دمتم على ذلك أدركْتُم الفائت من أجر قيام اللَّيل. ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: فتطوَّعوا بما يمكن من وجوه البرِّ بالمال. وقيل: هو جميع وجوه الخير فعلًا وقولًا، وقد فسَّرناه مرَّات (١) في آيات. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾: (ما) كلمة شرط، وهي جازمة، وقد سقطت النُّون كذلك في الشَّرط والجزاء. ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾: ﴿هُوَ﴾ راجع إلى قوله: ﴿تَجِدُوهُ﴾. يقول: كلُّ ما قدَّمْتُم في الدُّنيا زادًا لأنفسكم ليوم معادكم من أنواع الخير من الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والاعتكاف والحجِّ والعمرة والجهاد، نفلًا وفرضًا = وجدتُم ثوابه ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾؛ أي: أكثر نفعًا، ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾؛ أي: أجزل ثوابًا. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: أي: من السَّيئات والتَّقصير في الحسنات. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يستر ذنوبكم، ويرحمكم، ولا يعذِّبكم. واللَّه الموفِّق * * *

стр. 7461

سورة المدثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أَمر بإنذارِ مَن عصى، الرحمنِ الذي جُودُه لا يُحصَى (١)، الرحيمِ الذي هو أهل المغفرة والتَّقوى. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "مَن قرأ سورة المدَّثر أعطاه اللَّه تعالى عشر حسنات بعددِ مَن صدَّق بمحمَّد ﷺ وكذَّب به بمكَّة" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي خمس وخمسون آية، ومئتان وستٌّ وخمسون كلمة، وألف وخمسة أحرف. وانتظامُ ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك بالأمر (٣) بالاستغفار، وهو يكون عن السَّيئات، وعن التَّقصير في الطَّاعات، وافتتاحُ هذه بالأمر بالإنذار، وهو على السَّيئات والتَّقصير في الطَّاعات. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الإيمان وأعمال البرِّ والإحسان، ووعيد أهل

стр. 7462

الكفر والكفران، والختم بذكر الغفران، وهذه السُّورة وتلك السُّورة على ذلك كلِّه آتيتان. * * * (١ - ٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: أي: يا أيُّها المتلفِّف بالدِّثار، قُم إلى الكفَّار، وأنذرهم بالنَّار. أَمر في السُّورة الأولى رسولَه محمَّدًا ﷺ بالقيام في اللَّيل بالعبادة، وأمر في هذه السُّورة بالقيام في النَّهار بالدَّعوة، كأنَّه قال له: أمضِ ليلك في خدمةِ الحق (١)، ونهارَكَ في الشَّفقة على الخَلْق، فإنَّ الدُّنيا اليومَ مملوءةٌ من الكفَّار، وداعيهم واحدٌ وهو أنت، وعرَصاتُ القيامة غدًا تكون مملوءةً من العصاة، وشافعهم واحدٌ وهو أنت، ومَن كان في قلبه هذان المهمَّان لم يتفرَّغ للاستراحة ليلًا ولا نهارًا، فقم بالنَّهار منذرًا كي يَقبلَ المدبِرون بدعوتك، وقم باللَّيل متنفِّلًا كي ينجوَ الهالكون غدًا بشفاعتك؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقيل: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾؛ أي: يا أيُّها المتزيِّن بلباس (٢) النُّبوَّة. وقال عكرمة: دُثِّرْتَ هذا الأمرَ فقُمْ به (٣). وقيل: كان هذا في ابتداء الوحي، خاف أن يكون قد اعتراه الشَّيطان بشيء

стр. 7463

فاستوحش لذلك، فوجد رِعدةً في بدنه، فجاء إلى خديجة وقال لها: "دثريني، دثريني"، فدثَّرته (١)، فجاءه الوحي بإزالةِ ما كان استوحَش له، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فإنَّك رسول اللَّه، أرسلك اللَّه نذيرًا للنَّاس، فامضِ لِمَا أُرسلْتَ له. قال يحيى بن أبي كثير: سألتُ أبا سلمةَ: أيُّ القرآن أُنزل أوَّلًا؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، فقلْتُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي﴾؟ [فقال أبو سلمة: سألتُ جابرَ بن عبد اللَّه: أيُّ القرآن أُنزل أولُ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾؛ فقلتُ: أنبئتُ أنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فقال: لا أخبرك إلَّا بما حدَّثني النَّبيُّ ﷺ ؟ قال: "جاورْتُ في حراءٍ، فلمَّا قضيْتُ جِواري هبطْتُ فاستبطنْتُ الوادي، فنُودِيْتُ، فنظرْتُ فوق رأسي، فإذا هو جالس على كرسيٍّ بين السَّماء والأرض، فخشيْتُ منه، فلقيْتُ خديجةَ، فقلْتُ: دثِّروني دثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، فأُنزِلَ عليَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ " (٢). وعن جابر قال وهو يحدِّث عن فترة الوحي: قال النبي ﷺ : "فبينا أنا أمشي سمعْتُ صوتًا من السَّماء، فرفعْتُ بصري فإذا الملَك الذي جاءني بحراءٍ (٣) جالسًا على كرسيٍّ بين السَّماء والأرض، فرُعبْتُ منه، فرجعْتُ فقلْتُ: زمِّلوني، دثِّروني، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٤)، ثمَّ حمي الوحي وتتابع" (٥). وعن جابر: أنَّ المشركين اجتمعوا في دار النَّدوة، فقالوا: سَمُّوا هذا الرَّجل

стр. 7464

اسمًا يصدر (١) النَّاس عنه، فقال بعضهم: هو شاعر، وقال بعضهم: هو مجنون، وقال بعضهم: هو كاهن، فقالوا: ليس كذلك، ولكنَّه ساحر يفرِّق بين الحبيب وحبيبه، فبلَغ ذلك النَّبيَّ ﷺ فاشتدَّ عليه، فتزمَّل بثيابه وتدثَّر، فأتاه جبريل صلوات اللَّه عليهما فقال له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٢). وقال الواقديُّ: كان ممَّن نزل فيه القرآن من أولئك النَّفر الذي آذوا رسول اللَّه ﷺ : أبو لهب، وأبو سفيان، والوليد بن المغيرة، والنَّضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل، ومُطْعِم بن عديٍّ، فقام الوليد بن المغيرة فأدخلهم دارَ النَّدوة، وقد اجتمعت وفود العرب بمكَّة أيَّام الحجِّ يسألون قريشًا عن أمر محمَّد ﷺ . فلمَّا دخلوا دار النَّدوة قال الوليد بن المغيرة: يا معاشر العرب، إنَّكم قد اختلفتُم، واختلف عليكم أنَّ الرَّجل من العرب يأتيكم فيسألكم عن محمَّد، فيلقاه الرَّجل فيخبره أنَّه مجنون، ويلقاه الآخر فيقول: إنَّه كاهن، ويلقاه الآخر فيقول: إنَّه ساحر، فتعلَم العربُ أنَّ هذا في رجلٍ لم تجتمع قطُّ، فسمُّوا محمَّدًا اسمًا تجتمِعون عليه [و] تسميه العرب [به]. فقام رجل منهم فقال: شاعر، فقال الوليد بن المغيرة: سمعْتُم كلام عَبيد بن الأبرص، وكلام أميَّة بن أبي الصَّلت، ما يشبَّه كلامه بكلام واحدٍ منهما.

стр. 7465

قالوا: هو كاهن، قال: وكيف يكون أمر الكهانة؟ قالوا: يقول فيصدُق ويكذِب، قال الوليد: ما كذبَ محمَّد قطُّ. فقام آخر فقال: مجنون، فقال: وما يكون من الجنون؟ قال: الذي يُخنق، قال الوليد: وما خُنق محمَّدٌ قط. ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال النَّاسُ: صبأ الوليد بن المغيرة، قال: فدخل عليه أبو جهل لعنه اللَّه، فقال: ما لكَ يا أبا عبد شمسٍ؟ هذه قريش تجمع لك شيئًا تعطيكَه، زعموا أنَّك قد احتجْتَ وصبأْتَ، فقال الوليد: ما لي إلى ذلك حاجةٌ، ولكنِّي فكَّرْتُ (١) في محمَّد، فقلْتُ: ما يكون من السَّاحر؟ قالوا: يفرِّق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، والمرأة وزوجها. ثم هاب بنو (٢) عبد مناف أن تقول: محمد (٣) ساحر. قال: فآثره عن غيره، قال: فخرجوا فصرَّحوا بمكَّة والنَّاس متوكِّفون (٤) ينظرونهم، فقالوا: ما صاحبُكم؟ قالوا: ساحر (٥)، فارتجَّ النَّاس بصيحة واحدة يقولون: ساحر. قال: فرجع رسول اللَّه ﷺ إلى بيته محزونًا فتدثَّر قطيفة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، يقول: لا يشقُّ عليك ما يقولون (٦).

стр. 7466

وقال مقاتل: إنَّ كفَّار مكَّة لَمَّا آذَوا رسولَ اللَّه ﷺ ، فانطلق إلى حراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي إذ سمع مناديًا فوق رأسه: يا محمَّد، فنظر يمينًا وشمالًا فلم يرَ شيئًا، ثم نُودي ثانيًا: يا محمَّد، فنظر خلفَه فلم يرَ شيئًا، ففزع لذلك، فقال: "لعلَّ هذا شيطان"، فمضى، ثم نودي ثالثًا: يا محمَّد، فنظر إلى السَّماء، فرأى شيئًا مثل السَّرير، عليه جبريل مثلَ النُّور المتوقِّد يتلألأ، فغُشِي عليه ثلاث (١) ساعات، ثم أفاق وله رِعدة، ورجلاه تصطكَّان، حتَّى أتى خديجة، فدعا بماء فَصُبَّ عليه، فقال: "دثِّروني"، فدُثِّر بقطيفة، فلمَّا أفاق قال: "لقد أشفقْتُ على نفسي"، فقالت له خديجة: فأبشرْ، فإنَّ اللَّه لا يريد بك (٢) إلَّا خيرًا، إنَّك لتَقْري الضَّيف، وتفكُّ العانيَ، وتعطي في النَّوائب. فأتاه جبريل وهو متدثِّر في قطيفة فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بالثِّياب ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كفَّار قريش ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾؛ أي: قل: اللَّه أكبر، فقال: "اللَّه أكبر"، فكبَّرَتْ خديجةُ وفرحَتْ، وأيقنَتْ أنَّه الوحي (٣). وقال قتادة: أنذر عذابَ ربِّك ووقائعَه في الأمم، ونقمتَه إذا انتقم. * * * (٣ - ٤) - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾؛ أي: ربَّك الذي هو مقيم بمصالحك فعظِّمه، ولا تشرك به شيئًا (٤) ممَّا ليس لك بربٍّ، بل هو مربوبٌ لربِّك.

стр. 7467

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: قال ابن عبَّاس: ونفسك فطهِّر من الإثم، ألا ترى أنَّه يُقال: إنَّه نقيُّ الثِّياب (١). وقال عكرمة عن ابن عبَّاس: لم يأمرْهُ أنْ ينضحها بالماء، ولكن قال: لا تلبسها على معصية، ولا على غَدرةٍ، أما سمعْتَ قول غيلان: إنِّي بحمد اللَّه لا ثوبَ غادر... لبسْتُ ولا مِنْ غَدْرَةٍ أتقنَّعُ (٢) وقال الحسن البصريُّ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ أي: خُلقَكَ فحسِّنْ (٣). وقال مجاهد: لسْتَ بكاهنٍ ولا ساحرٍ، فأعرض عمَّا قالوا (٤). وقال يَعْلَى بن عطاء: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ممَّا كنْتَ تفكِّر فيه، ولا يَكثرَنَّ (٥) عليك ما أوذِيْتَ به، فإنَّه قليل في جنب (٦) ما يريد اللَّه أن يثيبَكَ (٧). وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّر﴾؛ أي: المتجمِّلُ بثياب (٨) النُّبوَّة، نقِّه طاهرًا عن الجزع والضَّجر والتَّخلُّق بأخلاق المشركين، وعمَّا فيه شينُ الدِّين، فإنَّه لا يليق بلباسك. وظاهرُه أمرٌ بتطهير الثِّياب، وهو من شرائط جواز الصَّلاة. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾: إشارة إلى ما قلنا من تطهير لباس النُّبوة عن الجزع والضَّجر.

стр. 7468

وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ أي: لا تكن ثيابُك التي تَلْبَس من كسبٍ غيرِ طيب (١). وقال عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يتطهَّرون، فأُمِرَ أن يتطهَّر ويطهِّر ثيابَه (٢). وقال الحسن ﵀: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ من القَذَر (٣). وقال ابن سيرين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ أي: اغسلها بالماء (٤). وعن زيد بن مرثد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُلقِيَ عليه سَلَا شاةٍ، فنزلَتْ هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. وقال طاوس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ أي: فقصِّر ولا تطوِّل؛ فتتلوَّثَ بنجاسات الأرض (٥). وقيل: وأهلك فطهِّر بالوعظ والتَّاديب. والأهل يُسمَّى لباسًا وإزارًا ونحو ذلك. * * * (٥ - ٦) - ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد وقتادة والزهري وابن زيد والكسائي ﵏: أي: الأصنام (٦).

стр. 7469

وقال إبراهيم والضَّحَّاك والكلبيُّ: أي: الإثم (١). وقال نفطويه: أي: عبادة الأصنام. وقال الكسائيُّ: الرُّجز بالضَّم: الوثن، وبالكسر: العذاب؛ أي: اهجر ما يؤدِّي إلى العذاب. وقال الحسن ﵀: الرُّجز: كلُّ معصية (٢). وقيل: هو وسوسة الشيطان. وقال القتبيُّ: الرِّجزُ: العذاب، وقال تعالى خبرًا: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]؛ أي: العذاب، ثم يُسمَّى كيد الشَّيطان رِجزًا لأنَّه سببُ العذاب، قال تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]، والوثن يُسمَّى رجزًا؛ لأنَّ عبادته سببُ العذاب (٣). وقيل: الرُّجز: اسم للقبيح المستقذَر كالرِّجس، فيكون نهيًا عن كلِّ فعلٍ قبيح مستشنع. ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾: بالرَّفع؛ لأنَّه حالٌ لا جزاء. وقال الحسن: ولا تمنُنْ على ربِّك بحسناتك لتستكثرَها (٤). * * *

стр. 7470

(٧) - ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾: أي: على ما فُرِضَ عليك، وعلى ما يقول المشركون. وقيل: لا تمنُنْ على النَّاس مستكثرًا لِمَا تعلِّمهم من أمر الدِّين، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾؛ أي: واجعل صبرك على التَّبليغ والتَّعليم واحتمالِ الأذى منهم احتسابًا لك عند اللَّه وطلبًا لمرضاته. وقيل: أي: لا تضعُفْ عن الخير أنْ تستكثرَ منه، بل استكثِرْ (١) ما أمكنَك، واصبر على ذلك متقرِّبًا إلى اللَّه تعالى، مبتغيًا به رضاه. وهو من قولهم: حبلٌ مَنِينٌ؛ أي: ضعيف. وهذا قول مجاهد، ولفظه: لا تضعُفْ أن تستكثرَ من الخير (٢). وحذفُ (أنْ) هاهنا كالحذف في قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. وفي مصحف عبد اللَّه: (ولا تمنُنْ أنْ تستكثرَ) (٣). وقال كثير من المفسرين: ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾؛ أي: لا تعطِ (٤) لتأخذَ أكثر مما أعطيْتَ؛ قال تعالى: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]؛ أي: أعطِ، و ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾؛ أي: تطلب كثرة المال بذلك.

стр. 7471

وقيل: تستكثرُ الأنصار بذلك؛ أي: لا يكن عطاؤك للنَّاس استنصارًا بهم واستتباعًا لهم، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾؛ أي: فاجعل إعطاءك للنَّاس للَّه تعالى وفي رضاه. * * * (٨ - ١٠) - ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾. ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾: أي: نُفخ في الصُّور، وفي "ديوان الأدب": النَّقر: الصَّفير (١). ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: حينئذ. ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾: أي: صعب في نفسِه؛ لِمَا فيه من الشَّدائد والأهوال ومَخُوفِ الأحوال. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير﴾: لأنَّهم يُناقَشون في الحساب، وتُسودُّ وجوههم، وتزرقُّ أعينهم، وتتكلَّم جوارحهم، وتظهر على رؤوس الأشهاد فضائحُهم. ثم قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ بعد قوله: ﴿عَسِيرٌ﴾ له وجهان: أحدهما: أنَّه وصَفَه أوَّلًا بالعسر، فاحتمَل أن يكون عسرُه عامًّا للكلِّ، فميَّز الكفَّار باختصاصهم بعُسره. والثَّاني: أن يكون وصَفَه أوَّلًا بالعسر لأنَّه في نفسه كذلك للجميع، وقد رُوي أن الأنبياء يومئذ يفزعون، والولدان يشيبون، ثم لَمَّا كان عسرُه على المؤمنين ينكشف عنهم ويبقى على الكافرين، بل يزداد، خُصُّوا بالذِّكر، فقيل: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾. وعلى الوجهين جميعًا يحسُنُ الوقوف على قوله: ﴿يَوْمٌ عَسِير﴾. ويحتمِل وجهًا ثالثًا: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذا متَّصِل، على

стр. 7472

أنَّ المعنى: أنَّ العسر للكفَّار خاصَّة، كما قال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]، ثم قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تأكيد له بغير لفظه، كقولك: أنا لك وادٌّ غيرُ مبغضٍ، ووليٌّ غيرُ عدوٍّ. وعلى هذا لا وقف على قوله: ﴿عَسِيرٌ﴾. وحكي أنَّ علي بن الفضيل بن عياض صلَّى خلف إمام في الفجر، فقرأ الإمام هذه الآية، فغلب الخوف عل قلب عليٍّ فسقط ميتًا (١). * * * (١١) - ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ و: وهذا وعيدٌ للوليد بن المغيرة، وتطييبٌ لقلب النَّبيِّ ﷺ ، يقول: كِلْ إليَّ يا محمَّد أمرَ الوليد المشرك، الذي خلقتُه وأخرجتُه من بطن أمه فردًا وحيدًا، لا مال له، ولا ولد له. وهو تفسير مجاهد وقتادة: أنَّ الوحيد صفة للوليد (٢). ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾؛ أي: بعد ذلك. وقال الحسن: ﴿وَحِيدًا﴾؛ أي: عاريًا (٣).

стр. 7473

وقال بعضهم: ﴿وَحِيدًا﴾؛ أي: خلقتُه منفردًا بخَلْقِه، لم يَشْرَكني فيه أحد. ويكون ﴿وَحِيدًا﴾ صفةً للَّه تعالى على هذا القول، وقد حمله الكسائيُّ والفرَّاء على الوجهين جميعًا (١). وقال أبو سعيد الضَّرير: ﴿وَحِيدًا﴾؛ أي: لا أبَ له، وهو في معنى قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾؛ أي: دَعِي. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾: أي: كثيرًا له مدَدٌ. وقال مجاهد وسعيد رحمهما اللَّه: كان له ألفُ دينار. وقيل: أربعة آلاف دينار. وهو قول سفيان. وقال النُّعمان بن سالم: كان له أراضٍ مغلَّةٌ. وقال عطاء عن عمر: كان له غلَّةُ شهرٍ بشهرٍ (٢). ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾: أي: حضورًا، وقال الواقديُّ ﵀: كانوا سبعة (٣). وقال مجاهد: عشرة، وكانوا لا يغيبون عنه (٤)؛ لاستغنائهم بأموالهم وحشَمهم، وهو من نعم الدُّنيا أن يكون للمرء أولادًا لا يُمتحَن بغيبتهم، ويتمتَّع بخدمتهم. * * *

стр. 7474

(١٤ - ١٦) - ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾: أي: بسَطْتُ له في العيش، ومكَّنْتُ له في البلد الذي هو فيه مقبولَ القول، فيُرجَع إلى رأيه، ويُصدَر عنه أمره. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾: أي: في ماله وولده وجاهه ونعمته، من غير شكر. ﴿كَلَّا﴾: أي: لا يكون هذا. وقال الحسن: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾؛ أي: أُدخلَه الجنَّة فأعطيَه مالًا وولدًا، كما قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]: هو في حقِّه (١). وقيل: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾؛ أي: أتركَ ذلك في عقبه، وذلك أنه كان يقول: إنَّ محمَّدًا أبترُ ينقطع ذِكرُهُ بموتِه، ويبقى ذكري بأولادي، فاسمه اللَّه تعالى عن ذلك بقوله: ﴿كَلَّا﴾. ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾: أي: معاندًا مخالفًا، ﴿كَانَ﴾ إخبارٌ عن قديم معاندته. * * * (١٧) - ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾: قال أهل اللُّغة: ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾؛ أي: سأُغشيهِ مشقَّةً من العذاب. وقال أهل التَّفسير: هو عقَبةٌ في النَّار يكلَّف صعودها. وفي الخبر: أنَّه جبل في النَّار، يُؤمرون (٢) بارتقائه في جهنَّم، فإذا وضع الكافر يده عليه ذابَتْ، فإذا رفعها عادَتْ، وكذلك رجلُه (٣).

стр. 7475

وروي: أنَّه جبلٌ من صخرة ملساء في النَّار، يُكلَّف صعودَه، فيصعدُ حتَّى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، يُجذَب من أمامه بسلاسل الحديد، ويُضرَب من خلفه بمقامع الحديد، ولا يُترَك حتَّى يتنفس، فإذا بلغ أعلاه انحدر إلى أسفله، ثم يُكلَّف صعوده، فذلك دأبُه أبدًا (١). وقال سعيد بن جبير: لم يزل الوليد بن المغيرة بعدَ نزول هذه الآيات في إدبارٍ من الدُّنيا، ومن ماله وولده، وكان أولاده ثلاثة عشر، فنفَق ماله (٢) ومات فقيرًا (٣).

стр. 7476

وروي: أنَّ الصَّعود طوله مسيرةُ سنة، يُصعد به فيه على وجهه، فإذا بلغ أعلاه انحطَّ إلى أسفله، يُكلَّف ذلك مرَّةً بعد أخرى (١)، ويُخرِج اللَّه له من تلك الصَّخرة ريحًا باردةً من فوقها ومن تحتها، تقطع تلك الرِّيحُ لحمَه وجلده أبدَ الآبدين، فكلَّما صعد انحطَّ، فإذا انحطَّ شرب من غير آنية. * * * (١٨ - ٢٠) - ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾: أي: في أمر النَّبيِّ ﷺ . ﴿وَقَدَّرَ﴾: في نفسه أنَّه يَظفَر بحجَّة يردُّ بها ما جاء به. ﴿فَقُتِلَ﴾: أي: فلزمَتْه الحجَّة، وضاق عليه الاحتيال، وقيل: خُزِيَ ولُعِنَ. وقال الحسن: هو شتمٌ من اللَّه تعالى لهذا الكافر. ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾: وذلك لأنَّه إذا قَدَّرَ أن يقول: هو شِعرٌ، وجدَه مخالفًا للشِّعر، وإذا قَدَّرَ أن يقولَ: هو كَهانة (٢)، وجده مخالفًا لها (٣)، ولم يتهيَّا له الصَّدُّ عنه من حيث قدَّر. ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾: ثم أعاد النَّظر عسى أن يتضح له ما لم يتفح أوَّلًا، فيستقيمَ له ذلك، فلم يتهيَّأ، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾؛ أي: فخُذل أيضًا في هذه المرَّة، وخُزِيَ ولُعِنَ ولزمَتْه الحُجَّة. وقيل: ﴿فَقُتِلَ﴾؛ أي: استحقَّ عقابًا مستأصِلًا، وإنَّما كرَّر لأنَّ عقاب التَّقدير الثَّاني غيرُ عقاب التَّقدير الأوَّل.

стр. 7477

(٢١ - ٢٥) - ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾: أي: أعاد النَّظر ثالثةً استفراغًا لمجهوده. وقيل: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ فإذا هو لا يحصل من تقديره على شيء. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾؛ أي: قبَض وجهه. ﴿وَبَسَرَ﴾: أي: كرَّه وجهَه إذ لم يحصل له بالتَّفكُّر ما يريد. ﴿ثُمَّ أَدْبَر﴾: أي: عمَّا جاء به محمَّد. ﴿وَاسْتَكْبَر﴾: أي: تَعظَّم عن الانقياد له معانذا بعد لزوم الحجَّة وعجزه عن المعارضة. وقيل: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ في وجه محمَّد، ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾؛ أي: تغيَّر وجهه لرؤيته، ﴿وَبَسَرَ﴾؛ أي: نظر إليه بكراهة، ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ عن محمَّد، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ عن الانقياد له، ثم بَسَر. ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾: أي: يُتعلَّم وُيؤخَذ عن الغير، كما قال: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]. قال الفرَّاء: أي: تعلَّمه من مسيلمةَ الكذَّاب، وقيل: من سحَرة بابل (١). وقيل: أي: يأثُره محمَّد ﷺ عن غيره؛ أي: ينقله عنه، وليس هو من سحره بنفسه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾: أي: ما هذا إلَّا كلام الخلق. وقال الحسن: يعني: عبدَ ابن الحضرمي (٢).

стр. 7478

وعنى بالسِّحر أنَّه كلام تُختَدَع به القلوب. وقيل: إنَّما قال: ﴿يُؤْثَرُ﴾ لأنَّه خاف بني هاشم أن يغضبوا بقوله: محمَّد ﷺ ساحر، ويقولوا: إنَّما السِّحر في الأعاجم، فقال: ﴿سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾؛ أي: يأثُره عن غيره. وقيل: عنى بقوله: ﴿سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾؛ أي: كان قبلَه رجال يدَّعون النُّبوَّة، ويضيفون كلامًا إلى اللَّه تعالى، فهذا كلام منقولٌ، وكلُّه باطل، وهو كقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. وقال أبو سعيد الضَّرير: ﴿يُؤْثَرُ﴾؛ أي: يُورَث (١). وروي عنه أنَّه قال: أليس يسار أبو فكيهةَ هو الذي يأتيه من مسيلمة الكذَّاب، وذكرنا قصَّة تسميته بذلك في أوَّل هذه السُّورة، وطريقًا آخر في أوَّل (سورة حم السَّجدة). * * * (٢٦ - ٣٠) - ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾: أي: سأدخلُه سقر، وهي درَكةٌ من درَكات النَّار، ولا تُصْرَف (٢)؛ لأنَّها من أسماء جهنَّم وجمعَت التَّعريف والتَّأنيث، واشتقاقها من: سقرتْهُ الشَّمسُ: إذا آلمَتْ دماغه. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾: مبالغةٌ في وصفها، وتنبيهٌ على شدَّة عذابها.

стр. 7479

﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾: قال الحسن: لا تُبقي شيئًا من اللَّحم والدَّم والشَّعر والبَشَر (١) إلَّا أحرقته، ولا تذر شيئًا من العذاب إلَّا عذَّبتهم به (٢). وقيل: ﴿لَا تُبْقِي﴾ أحدًا من مستحقِّي العذاب إلَّا أخذته ﴿وَلَا تَذَرُ﴾ شيئًا من أبدانهم إلَّا أحرقته. وقال مجاهد: لا تحيي ولا تميت (٣). وقال السُّدِّيُّ: لا تبقي لهم لحمًا، ولا تَذَر لهم عظمًا (٤). وقيل: لا تبقي مَن فيها حيًّا ولا تذره ميتًا (٥). ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾: أي: هي محرِّقة لأبشارهم؛ أي: لجلودهم إحراقًا يسوِّدها. وقال الفرَّاء ﵀: تسوِّد البشرة بإحراقها (٦). وقال الأخفش: أي: مغيِّرةٌ، يقال: لاحَتْه الشَّمس ولوَّحته؛ أي: غيَّرَتْ لونَه (٧). والبشَر: جمع بشرة.

стр. 7480

وقال الحسن ﵀: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾؛ أي: تلوِّح لخلق اللَّه تعالى أجمعين حتى يرَوها (١). وهو كقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]. ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: أي: وُكِّلَ بسقرَ تسعةَ عشر ملكًا على بابها، يُلقون فيها أهلها. قال مجاهد: يسوق أحدهم الأمَّة من الأمم، يحمل جبلًا على رقبته، فيطرحهم في النَّار، ويطرح الجبل فوقهم (٢). وقال عمرو بن دينار: إن الواحد منهم يدفع بالدَّفعة الواحدة في جهنَّم أكثر من ربيعة ومضر (٣). وقيل: هؤلاء رؤوس خزنة النَّار، ثم لكلِّ واحد من الأتباع ما لا يُحصَى كثرةً. وقال الضَّحَّاك: قال أبو الأشدَّين: أنا أكفيكم منهم سبعةَ عشر، عشرةً على ظهري، وسبعةً على بطني، فاكْفُوني أنتم اثنين (٤). وقيل: هو كَلَدة، وكان من شجعان العرب وأقويائهم، وكان إذا قام على أديم واجتمع جماعة على إزالة رجليه عنه لم يقدروا عليه، فكانوا يمدُّون حتى ينقطع الأديم قطعًا قطعًا، ورجلاه على حالتهما. * * * (٣١) - ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم

стр. 7481

مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّار﴾: خزنتَها ﴿إِلَّا مَلَائِكَةً﴾؛ أي: لا تُطيقهم البشر لشدَّة أمرهم واستحكام قوَّتهم. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾: أي: عددَهم هذا وذكرَهم لهؤلاء ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ابتلاءً واختبارًا لينظروا ويتفكَّروا، ويردُّوا الأمر في ذلك إلى أنَّ اللَّه لم يفعل ذلك إلَّا لمعنًى، وضرب تدبير (١)، فيقرُّوا بنفسه؛ أي (٢): بأصله، ويَكِلوا تفسيره إلى اللَّه الحكيم، الذي لا يفعل شيئًا عبثًا. وقيل: وما جعلنا عدد خزنة جهنَّم -وهو قليل عند النَّاس- إلَّا تشديدًا في التعبُّد؛ ليستدلُّوا ويعرفوا أنَّ اللَّه قادر على أن يقوِّي هؤلاء التِّسعة عشر على ما لا يقدر عليه من العذاب غيرُهم، وهم كثير، ولا يستخفُّوا بذكرهم لقلَّة عددهم. وقيل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾؛ أي: وقوعًا في الكفر والتَّشديد والتَّكذيب والاستهزاء؛ عقوبةً لهم على اختيارهم الكفر والعناد بعدَ وضوح الحجَّة. ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أي: ليستيقنوا بنبوَّة محمَّد ﷺ وصِدْقِه، لموافقة كتبهم في ذكرهم أنَّهم بهذا العدد، وذلك لا يُعلَم إلَّا بوحي. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾: أي: الذين آمنوا بمحمَّد ﷺ من قريش وسائرِ العرب يصدِّقون به كما صدَّقوا بما قبله، ويَكِلوا حكمةَ ذلك إلى اللَّه تعالى.

стр. 7482

وقيل: يزدادون يقينًا؛ لموافقة كتابهم كتابَ أولئك. قاله السُّدِّيُّ (١). ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: ولئلَّا يرتاب؛ أي: لا تبقى لهم ريبةٌ؛ أي: شكّ في صحَّة نبوَّة محمَّد ﷺ لوضوحِ الدِّلالة عليها. ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: المنافقون ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾؛ أي: المشركون: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: أي: وصفًا بأنْ جعلهم بهذا العدد استهزاء منهم. ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: كما أضلَّ هؤلاء المنافقين والمشركين حتَّى قالوا ما قالوا استهزاءً، فكذا يضلُّ اللَّه مَن يشاء من عباده، وهو الذي علِم منه اختيار الضَّلالة. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: كما هدى هؤلاء المؤمنين لتصديق هذا ورؤيةِ الحكمة في ذلك، كذلك يهدي مَن يشاء من عباده، وهو الذي علِم منه اختيار الهدى والاهتداء. ودلَّت الآية على خَلْق الأفعال، وعلى وصف اللَّه بالهداية والإضلال. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: فيهم كثرةٌ لا يحصيها غير اللَّه، فليس قصرُهم على هذا العدد لقلَّة جنوده. ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَر﴾: أي: وما الجنود إلَّا وعظًا وتذكيرًا للخلق ليتأمَّلوا فيتَّقوا، ولا حاجة بي إليهم، وأنا قادر على تعذيبهم بدونهم. وقيل: وما سقرُ إلَّا تذكيرًا للبشر، أو وما النَّار، فقد ذُكِرَتْ في قوله: ﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾. * * *

стр. 7483

(٣٢ - ٣٦) - ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. وقوله ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾: قال أبو حاتم السِّجستانيُّ: ﴿كَلَّا﴾ هاهنا بمعنى: أَلَا، للتَّنبيه (١). وقيل: هو رَدٌّ؛ أي: ليس الأمر كما ظنُّوا أنَّهم يقاومون هؤلاء الخزنة ﴿وَالْقَمَرِ﴾ أقسم به تنبيهًا على منافعه ومصالحه. ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾: قرأ نافع وعاصمٌ في رواية حفصٍ وحمزةُ: ﴿إِذْ﴾ بغير ألف ﴿أَدْبَرَ﴾ بزيادة الألف، وقرأ الباقون: ﴿إِذْ﴾ بألف ﴿دبر﴾ بغير ألف (٢). قال الفرَّاء: كلاهما لغتان، ومعناهما: ولَّى وذهب (٣). ومنه: أمسُ الدَّابِرُ، وعام القابِلُ. وقيل: أدبرَ: ولَّى ومضى (٤)، ودَبَرَ: جاء بعد النَّهار؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَة﴾ [الفرقان: ٦٢]. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾: أي: أضاء. ﴿إِنَّهَا﴾: أي: سقرَ والنَّارَ ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾: جمع الكبرى؛ أي: الدَّواهي والعظائم. وقيل: لإحدى الدَّركات السَّبع العظمى: وقيل: أي: هذه الآية لإحدى الآيات الكبرى.

стр. 7484

﴿نَذِيرًا لِلْبَشَر﴾: أي: إنذارًا. وقيل: أريد به النَّعت، ولم يؤنَّث لأنَّه بمنزلةِ الاسم دون النَّعت، كالوكيل والوصيِّ، ونُصب على القطع؛ لأنَّه نكرة نُعِتَ به معرفةٌ. وقيل: ﴿نَذِيرًا﴾ وصفٌ للَّه تعالى؛ أي: وما جعلنا أصحاب النَّار إلَّا ملائكة منذِرًا بذلك للبشر. * * * (٣٧) - ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾: بدل قوله: ﴿لِلْبَشَرِ﴾، كقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾: أنْ (١) يفعل شيئًا أو يتركه. وحُكي أنَّ يزيد كتب إلى مروان وقد تلكَّأ عن بيعته: أمَّا بعد، فإنِّي أراك تقدِّم رجلًا وتؤخِّر أخرى، فاعتمِد على أيِّتهما شئْتَ، والسَّلام (٢). يشير إلى ما قلنا. وقيل: أنْ يتقدَّم بالإيمان، ويتأخَّر بالكفر، فمن آمن تقدَّم بالدَّرجات، ومَن كفر تأخَّر عن الكرامات (٣). وقيل: ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ إلى سقرَ بمعاصيه، ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ عنها بطاعته. وقيل: ﴿يَتَقَدَّمَ﴾ إلى الجنَّة، ﴿أَوْ يَتَأَخَّر﴾ إلى النَّار.

стр. 7485

ثم قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ يجوز أن تكون المشيئة للبشر، ويجوز أن تكون المشيئة للَّه تعالى؛ أي: لمن شاء اللَّه منه أن يتقدَّم أو يتأخَّر إلى ما قلنا وبما قلنا، وقد سبق ذكره: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. * * * (٣٨ - ٤٢) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾: أي: كلُّ خَلْقٍ محتبَسٌ يوم القيامة بالحساب على أعماله، فيتخلَّصُ مَن تَثقلُ موازينُ طاعاته، ويَعلق مَن خفَّتْ موازينُه. ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾: فإنَّهم في الجنَّات (١) غير محاسَبين. وقيل: كلُّ خلقٍ مكلَّفٍ هو مرهون في النَّار ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنَّهم في الجنان. وأجملَ أولئك لأنَّهم أكثر، واستثنى منهم المؤمنين الذين يُؤتَون كتبَهم بأيمانهم ويُمضَى بهم إلى اليمين إلى الجنَّة. وقيل: أي: كلُّ نفس من جنس هؤلاء المشركين مرتهَنةٌ بالنَّار إلَّا أصحاب اليمين. وهذا استثناء منقطع بمعنى: لكن. و ﴿رَهِينَةٌ﴾: اسم كالضَّحيَّة والنَّسيكة، ولو كان نعتًا لقال: رهينٌ؛ لأنَّ الفعيل الذي هو بمعنى: مفعول، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث (٢)، كالجريح والأسير والقَتيل. ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: أي: هم مشرفون في جنات، والمجرمون في السُّفل في جهنَّم.

стр. 7486

﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾: أي: ما أدخلَكم. وهذا توبيخٌ، كقول الملائكة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. * * * (٤٣ - ٤٧) - ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾: كما يصلِّي المؤمنون. ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾: كما يطعم المسلمون. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾: أي: نقول الباطل والزُّورَ في آيات اللَّه، ونتَّبعُ كلَّ مَن فعل ذلك. والخوضُ: الشُّروع في الباطل والقبيح. ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: أي: لا نصدِّق بيوم الحساب والجزاء. ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾: أي: الموت على هذه الحالة، وهو كقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]؛ أي: الموت، وسمِّي به لأنَّه يزول به ما كان من الشُّكوك في أمور الآخرة لِمَن كان يشكُّ فيها. * * * (٤٨ - ٥٠) - ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾. ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾: لأنَّها للمؤمنين ممَّن دون الكافرين. وفيها دليلٌ بنَبوت الشَّفاعة للمؤمنين، قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ مِن أمَّتِي مَن يدخُلُ الجنَّة بشفاعتِهِ أكثرُ مِن ربيعةَ ومُضَرَ" (١).

стр. 7487

﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾: أي: فما لهؤلاءِ المشركين يُعرضون عن التَّذكرة بالقرآن. وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ. ونصب ﴿مُعْرِضِينَ﴾ كنصب قولك: مالك واقفًا؟ وهو نصب على التَّمام. ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾: قرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء على معنى أنَّها مُنفَّرَة، والاستنفار على هذا متعدٍّ. وقرأ الباقون بكسر الفاء (١)، على معنى أنَّها نافرة، والاستنفار على هذا لازم. يقول: كأنَّهم ليسوا ببشرٍ ذوي عقول، لكنَّهم حُمُرٌ لا عقولَ لها، فتَنفِر وتهرب راكبةً رؤوسَها، لا فكرَ لها، وعسى يلقاها ما هو أضرُّ لها ممَّا تَفِرُّ عنها، وكذلك هؤلاء المشركون. * * *

стр. 7488

(٥١ - ٥٢) - ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾: قال أبو عبيدة: أي: من أَسَدٍ (١)؛ لأنَّه يَقْسِرُ السِّباع؛ أي: يقهَرُها. وقال الخليل: القسورة: الرَّامي. ويقال: الصياد. ويقال: الرُّماة (٢). وقال أبو هريرة: القسورة: الأسد (٣). وقال سعيد بن جبير: هم القُنَّاص (٤). وقال قتادة: هي النَّبْل (٥)؛ أي: السِّهام. وقيل: هي حِسُّ النَّاس وأصواتهم. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾: أي: يتمنَّى كلُّ واحد منهم أن ينزَّل عليه كتابٌ من السَّماء فيه أنَّ محمَّدًا حقٌّ، ودعواه النُّبوَّةَ صدقٌ. وهذا جهلٌ منهم وتحكُّم. وقيل: يتمنَّى أن يأتيه كتابٌ من اللَّه يخبرُه فيه أنَّ له عنده كلَّ ما يحبُّ. وقيل: يتمنَّى أن يأتيَه كتابٌ فيه جُرمه وتوبته، وكانوا يقولون: إنَّ بني إسرائيل

стр. 7489

إذا أذنب أحدهم ذنبًا وجد عند رأسه كتابًا فيه ذلك، فإنْ كنْتَ يا محمَّدُ حقًّا فأتنا بذلك. هذا معنى قول الكلبيِّ والفرَّاء (١). وقيل: نزلَتْ في عبد اللَّه بن أميَّة حين قال: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] (٢). * * * (٥٣ - ٥٦) - ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. ﴿كَلَّا﴾: قيل: حقًّا، وقيل: أَلَا، وقيل: لا يُعطَون ما يريدون لأنهم لا يخافون الآخرةَ، وقيل: لا يؤمنون لو أوتوا صُحُفًا منشَّرة، ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾: بل لا يؤمنون بالآخرة. ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾: على هذه الوجوه الثَّلاثة. وقيل: أي: ليس كما قالوا: إنَّه سحر يؤثَر، بل هو تذكرة ووعظ. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: أي: هو ممكَّن (٣) من ذلك. ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: وهو مَن علِم منه اختيارَ التَّذكُّر. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾: أي: هو أهلٌ أن يَتَّقي عبادُه محارمَه.

стр. 7490

﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾: أي: أهلٌ أن يغفرَ لمن اتَّقاه. وعن النَّبيِّ ﷺ في تفسيره يقول اللَّه تعالى: "أنا أهلٌ أنْ أُتَّقى أنْ يُجعل معي إله، وأهلٌ أنْ أغفرَ لمنِ اتَّقاني (١) فلم يَجعل معي إلهًا" (٢). * * *

стр. 7491

سورة القيامة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أقسم بيوم القيامة، الرحمنِ الذي يجزي فيه أهلَ الهوان وأهل الكرامة، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين برؤيته في دار (٢) المُقامة. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورة ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ شهدْتُ له أنا وجبريل أنَّه مؤمن بيوم القيامة" (٣). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي أربعون آية، ومئة وأربعٌ وستُّون كلمة، وستُّ مئة وستون حرفًا. وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه حَثَّ في ختم تلك السُّورة على التَّقوى ليغفر بذلك لهم الذُّنوب والأوزار، وينجِّيهم بذلك يوم القيامة من عذاب النَّار، فأنكَروا القيامة، فأقسم اللَّه تعالى عليه في افتتاح هذه السُّورة. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في بيان التَّوحيد، وبطلان الشِّرك، ووعد المؤمنين، ووعيد الكافرين.

стр. 7492

(١ - ٢) - ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: قال سعيد بن جبير: ﴿لَا﴾ صلة، و ﴿أُقْسِمُ﴾ تأكيد (١). وهو كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: أن تسجد. وقيل: ﴿لَا﴾ ردٌّ كلام الكفار، و ﴿أُقْسِمُ﴾ إثبات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: فيه وجهان أيضًا؛ أي: أقسم بالقيامة تحقيقًا لكونها وتعظيمًا لِمَا يكون فيها، وأقسم بالنَّفس اللَّوامة تنبيهًا على الأعجوبة العظيمة في خلقِها، وما تُعبِّدَت به من الأمانات التي اصبتِ السَّماوات والأرضون والجبال أن يحملْنَها وأشفقْنَ منها. وقيل: هو للتَّنبيه على أنَّها تلوم نفسها يوم القيامة مع إنكارها اليوم ذلك. واختلف في أنَّها نفسُ المؤمن أو نفسُ الكافر: قال الحسن: إنَّ المؤمن لا تراه إلا لائمًا لنفسه، وإن الكافر يمضي قُدمًا لا يعاتِبُ نفسَه (٢). وقال عكرمة: تلوم على الخير والشَّرِّ (٣)؛ أيْ لقلَّة صبرها، واستيلاءِ الجزع عليها، وهو كقوله: ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]. وقال الكلبيُّ: هو كلُّ نفسٍ بَرَّةٍ أو فاجرة، تلوم نفسها يوم القيامة؛ إنْ كانت محسِنة أَلَا ازدادت (٤) إحسانًا للثَّواب، وإنْ كانت مسيئةً لامَتْ نفسها أَلَا أحسنَتْ لدفع العذاب (٥).

стр. 7493

وقال مقاتل: يريد به النَّفس الكافرة، تلوم نفسها في الآخرة، فتقول: يا ليتني قدَّمْتُ لحياتي، ويا حسرتَا على ما فرَّطْتُ في جنب اللَّه. نزلَتْ في عديِّ بن ربيعة بن أبي سلمة الثَّقفي، كفر بالبعث وكان خَتَنًا لأخنس بن شَرِيقٍ (١). * * * (٣ - ٤) - ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾: هاهنا موضع القسَم؛ أي: إنَّكم مبعوثون مجموعةً عظامكم بعدَما صارَتْ رميمًا، ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] بعد ما صارت رميمًا. ثم قال: ﴿بَلَى﴾ وهو ردٌّ عليهم ﴿قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾؛ أي: نجمعُها قادرين على ذلك. وقال الضَّحَّاكُ: يعني بـ ﴿الْإِنْسَانُ﴾: أبا جهل بن هشام (٢). وقيل: هو كلُّ كافرٍ منكرٍ للبعث، مقرٍّ بقدرة اللَّه تعالى على الابتداء. ثمَّ لتسوية البنان وجوه: قيل: يُقِرُّون على أنَّ اللَّه تعالى قادر على أن يسوِّيَ بنان الإنسان في ابتداء خلقِه، فيجعلَ أصابعَ يديه مستويةً كالشَّيء الواحد، فتكون يدُه ورجلُه كخفِّ البعير وحافر الحمار، فيتناول الأشياء بفيه كالبهائم، إلَّا أنَّه مع قدرته على هذا لم يجعل كذلك،

стр. 7494

بل هيَّأها هيئة يقع التَّناول والمناولة بها؛ تحسينًا لخلقِه، وإكمالًا لآلات منافعه، وإن كنتم معترفين بقدرته على هذا لم يُعجِزْه جمعُ العظام المتفرِّقة. وقيل: أي: يقدر على إعادته بغير الخلقة، مصوَّرًا بصورة البهائم، فكيف في صورته الأولى؟! وهو كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠ - ٦١]. وقيل: يقدر على ردِّه على ما كان حيًّا، مستويَ البنان، مستقيمَ الأركان، كما كان. وقيل: أي: قدرَ على أن يعيدَ السُّلاميَّات على صغرها، ويؤلِّفَ بينها، حتَّى يستويَ البنان، ومَن قدر على هذا قدر على جمع العظام الكبار من البدن. * * * (٥ - ٦) - ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: أي: ليس كفره بالبعث لقصور الدَّليل عليه، بل يريد أن يكذِّب بيوم القيامة، وذلك أنَّه إذا كذَّب بها فقد فجَر فيما هو أمامَه؛ أي: في البعث الذي هو قُدَّامَه. وقيل: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ أي: ليركَب رأسَه في الفجور، فيمضيَ قُدُمًا في المعاصي، لا يمنعه تفكُّر في وعيد، والأمامُ: كنايةٌ عن هذا؛ لأنَّ مَن ركب رأسَه مضى أمامَه. وقيل: يريد أن يفجر في مستقبل عمرِه، وفي أوقاتٍ لعلَّه لا يبلغها، ومع ذلك يَعزم على الفجور فيها. وقيل: يتعجَّل المعصية، ويسوِّف التَّوبة. وقال ابن عبَّاس ﵄: يقول: سوف أتوب، سوف أتوب (١).

стр. 7495

وقيل: يطيل الأملَ فينسى الموت والبعث. وقيل: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ أي: قبل يوم القيامة. وقال يمانُ بن رئابٍ: لا تَلْقَى ابنَ آدم إلَّا وهو يمضي في معصية اللَّه قُدمًا قُدمًا، إلَّا مَن عصَمه اللَّه تعالى (١). ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: أي: متى هو؟ على وجه الاستهزاء والتَّكذيب. * * * (٧ - ٩) - ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾: قرأ عاصم في رواية أبانٍ ونافعٌ: ﴿بَرِقَ﴾ بفتح الرَّاء، والباقون بكسرها (٢). وبالفتح؛ أي: شَخَصَ ولمَع، وبالكسر؛ أي: دَهِشَ وفَزِعَ وحارَ. ودليل الأوَّل قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾: أي: ذهب ضوؤه، كما يخسفُ في الدُّنيا ثم ينجلي، ويومئذ لا ينجلي. ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: قيل: جُمع بينهما في إذهاب ضوئهما. قال الفرَّاء: هو كما يُقال: هذا يومٌ يستوي فيه الأعمى والبصير؛ أي: لا يُبصِران فيه جميعًا (٣).
следующие страницы →