← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

سورة القيامة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أقسم بيوم القيامة، الرحمنِ الذي يجزي فيه أهلَ الهوان وأهل الكرامة، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين برؤيته في دار (٢) المُقامة. روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورة ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ شهدْتُ له أنا وجبريل أنَّه مؤمن بيوم القيامة" (٣). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي أربعون آية، ومئة وأربعٌ وستُّون كلمة، وستُّ مئة وستون حرفًا. وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه حَثَّ في ختم تلك السُّورة على التَّقوى ليغفر بذلك لهم الذُّنوب والأوزار، وينجِّيهم بذلك يوم القيامة من عذاب النَّار، فأنكَروا القيامة، فأقسم اللَّه تعالى عليه في افتتاح هذه السُّورة. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في بيان التَّوحيد، وبطلان الشِّرك، ووعد المؤمنين، ووعيد الكافرين.

стр. 7492

(١ - ٢) - ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: قال سعيد بن جبير: ﴿لَا﴾ صلة، و ﴿أُقْسِمُ﴾ تأكيد (١). وهو كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: أن تسجد. وقيل: ﴿لَا﴾ ردٌّ كلام الكفار، و ﴿أُقْسِمُ﴾ إثبات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: فيه وجهان أيضًا؛ أي: أقسم بالقيامة تحقيقًا لكونها وتعظيمًا لِمَا يكون فيها، وأقسم بالنَّفس اللَّوامة تنبيهًا على الأعجوبة العظيمة في خلقِها، وما تُعبِّدَت به من الأمانات التي اصبتِ السَّماوات والأرضون والجبال أن يحملْنَها وأشفقْنَ منها. وقيل: هو للتَّنبيه على أنَّها تلوم نفسها يوم القيامة مع إنكارها اليوم ذلك. واختلف في أنَّها نفسُ المؤمن أو نفسُ الكافر: قال الحسن: إنَّ المؤمن لا تراه إلا لائمًا لنفسه، وإن الكافر يمضي قُدمًا لا يعاتِبُ نفسَه (٢). وقال عكرمة: تلوم على الخير والشَّرِّ (٣)؛ أيْ لقلَّة صبرها، واستيلاءِ الجزع عليها، وهو كقوله: ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]. وقال الكلبيُّ: هو كلُّ نفسٍ بَرَّةٍ أو فاجرة، تلوم نفسها يوم القيامة؛ إنْ كانت محسِنة أَلَا ازدادت (٤) إحسانًا للثَّواب، وإنْ كانت مسيئةً لامَتْ نفسها أَلَا أحسنَتْ لدفع العذاب (٥).

стр. 7493

وقال مقاتل: يريد به النَّفس الكافرة، تلوم نفسها في الآخرة، فتقول: يا ليتني قدَّمْتُ لحياتي، ويا حسرتَا على ما فرَّطْتُ في جنب اللَّه. نزلَتْ في عديِّ بن ربيعة بن أبي سلمة الثَّقفي، كفر بالبعث وكان خَتَنًا لأخنس بن شَرِيقٍ (١). * * * (٣ - ٤) - ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾: هاهنا موضع القسَم؛ أي: إنَّكم مبعوثون مجموعةً عظامكم بعدَما صارَتْ رميمًا، ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] بعد ما صارت رميمًا. ثم قال: ﴿بَلَى﴾ وهو ردٌّ عليهم ﴿قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾؛ أي: نجمعُها قادرين على ذلك. وقال الضَّحَّاكُ: يعني بـ ﴿الْإِنْسَانُ﴾: أبا جهل بن هشام (٢). وقيل: هو كلُّ كافرٍ منكرٍ للبعث، مقرٍّ بقدرة اللَّه تعالى على الابتداء. ثمَّ لتسوية البنان وجوه: قيل: يُقِرُّون على أنَّ اللَّه تعالى قادر على أن يسوِّيَ بنان الإنسان في ابتداء خلقِه، فيجعلَ أصابعَ يديه مستويةً كالشَّيء الواحد، فتكون يدُه ورجلُه كخفِّ البعير وحافر الحمار، فيتناول الأشياء بفيه كالبهائم، إلَّا أنَّه مع قدرته على هذا لم يجعل كذلك،

стр. 7494

بل هيَّأها هيئة يقع التَّناول والمناولة بها؛ تحسينًا لخلقِه، وإكمالًا لآلات منافعه، وإن كنتم معترفين بقدرته على هذا لم يُعجِزْه جمعُ العظام المتفرِّقة. وقيل: أي: يقدر على إعادته بغير الخلقة، مصوَّرًا بصورة البهائم، فكيف في صورته الأولى؟! وهو كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠ - ٦١]. وقيل: يقدر على ردِّه على ما كان حيًّا، مستويَ البنان، مستقيمَ الأركان، كما كان. وقيل: أي: قدرَ على أن يعيدَ السُّلاميَّات على صغرها، ويؤلِّفَ بينها، حتَّى يستويَ البنان، ومَن قدر على هذا قدر على جمع العظام الكبار من البدن. * * * (٥ - ٦) - ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: أي: ليس كفره بالبعث لقصور الدَّليل عليه، بل يريد أن يكذِّب بيوم القيامة، وذلك أنَّه إذا كذَّب بها فقد فجَر فيما هو أمامَه؛ أي: في البعث الذي هو قُدَّامَه. وقيل: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ أي: ليركَب رأسَه في الفجور، فيمضيَ قُدُمًا في المعاصي، لا يمنعه تفكُّر في وعيد، والأمامُ: كنايةٌ عن هذا؛ لأنَّ مَن ركب رأسَه مضى أمامَه. وقيل: يريد أن يفجر في مستقبل عمرِه، وفي أوقاتٍ لعلَّه لا يبلغها، ومع ذلك يَعزم على الفجور فيها. وقيل: يتعجَّل المعصية، ويسوِّف التَّوبة. وقال ابن عبَّاس ﵄: يقول: سوف أتوب، سوف أتوب (١).

стр. 7495

وقيل: يطيل الأملَ فينسى الموت والبعث. وقيل: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ أي: قبل يوم القيامة. وقال يمانُ بن رئابٍ: لا تَلْقَى ابنَ آدم إلَّا وهو يمضي في معصية اللَّه قُدمًا قُدمًا، إلَّا مَن عصَمه اللَّه تعالى (١). ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: أي: متى هو؟ على وجه الاستهزاء والتَّكذيب. * * * (٧ - ٩) - ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾: قرأ عاصم في رواية أبانٍ ونافعٌ: ﴿بَرِقَ﴾ بفتح الرَّاء، والباقون بكسرها (٢). وبالفتح؛ أي: شَخَصَ ولمَع، وبالكسر؛ أي: دَهِشَ وفَزِعَ وحارَ. ودليل الأوَّل قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾: أي: ذهب ضوؤه، كما يخسفُ في الدُّنيا ثم ينجلي، ويومئذ لا ينجلي. ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: قيل: جُمع بينهما في إذهاب ضوئهما. قال الفرَّاء: هو كما يُقال: هذا يومٌ يستوي فيه الأعمى والبصير؛ أي: لا يُبصِران فيه جميعًا (٣).

стр. 7496

وقيل: يُجمعان، ويقرنان، ويقرَّبان من النَّاس، فيُلجمهم العرق لشدَّة الحرِّ فيها. * * * (١٠ - ١٢) - ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَر﴾. ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾: أي: يقول هذا الإنسان المنكر يوم القيامة: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾؟ أي: لا فِرار. وقيل: أي: إلى أين الفِرار؟ ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾: أي: ليس كما توهَّموا أنَّ لهم مفرٌّ يهربون إليه، بل ليس لهم ملجأ يأوون إليه. وأصل الوزَر: الجبل، وكانوا إذا نابهم أمرٌ مخُوف تحصَّنوا بالجبال، فأخبر أنَّه لا ملجأ لهم في الآخرة. ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾: أي: إلى حكم اللَّه ينتهي يومئذ الخلق، لا ينازعُه منازعٌ، ولا يغالبُه مغالِبٌ. قال قتادة ﵀: ﴿الْمُسْتَقَرّ﴾: المنتهى (١). وقال ابن مسعود ﵁: ﴿الْمُسْتَقَرُّ﴾؛ أي: المصير، كما قال: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾ [الشورى: ٥٣] (٢). وقال يمان بن رئابٍ: أي: المرجع؛ كما قال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] (٣). وقال ابن زيد: أي: مستقرُّ كلِّ أحدٍ في الآخرة، حيث يجعله اللَّه مأوًى له، فمستقرُّ المؤمن يومَئذ الجنَّة؛ قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾

стр. 7497

[الفرقان: ٢٤]، ومستقرُّ الكافر يومَئذ النَّار؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] (١). وعلى هذا معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: بحُكمه (٢) ذلك؛ كما يقال: هذا الأمر إليَّ؛ أي: بحكمي. * * * (١٣) - ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾: أي: يُخبَّر يومئذ بما قدَّم من أعماله وأخَّر من آثاره، فاستنُّوا به مِن بعدِه. قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ، ومَنْ سَنَّ سُنّة سيِّئةً فعليهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامَةِ" (٣). قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ الآية [يس: ١٢]. وقيل: ما قدَّم: من خيرٍ وشرٍّ، وأخَّر: ترَك من طاعة اللَّه. وقيل: ما قدَّمه: من معصية، وأخَّره: من طاعة. وقيل: ما قدَّم من طاعة اللَّه، وأخَّر من حقوقه التي ضيَّعها. وقيل: ما قدَّم من طاعة فقدَّمه في الفضيلة، وأخَّر؛ أي: جناه (٤) على نفسه فأخَّره عن الفوز والسَّعادة.

стр. 7498

وقيل: ما قدَّم وأخَّر من أيِّ عملٍ في أوَّل ما لزمه التَّكليف، وما عمله في آخر عمره؛ أي: بكل أعماله. وقال زيد بن أسلم: ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من أمواله لنفسه، ﴿وَأَخَّرَ﴾ خلَّف من أمواله لورثته، ونظيره قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] (١). وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾؛ أي: شخَصَ فلا يكاد يَطرُفُ (٢). وذلك إذا أُتي بجهنَّم تُقادُ بسبعين ألفَ زِمام، كلُّ زِمام بيد سبعين ألف مَلَك (٣)، لها زفيرٌ وشهيقٌ، فلا يبقى مَلَك مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسَل إلَّا قال عند ذلك: نفسي، نفسي، لا تهمُّه إلَّا نفسُه، وتبرق أبصارُ الكفَّار بما يعاينون منها، فلا تكاد تطرُفُ. وقال مجاهد ﵀: ﴿لَا وَزَرَ﴾؛ أي: لا جبل يمنعهم، ولا شجر يواريهم (٤). * * * (١٤ - ١٥) - ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: والهاء في ﴿بَصِيرَةٌ﴾ للمبالغة، كما في علَّامة (٥)، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ من عمله، بل لا يحتاج إلى أن ينبِّئه غيره؛ لأنَّه

стр. 7499

على نفسه حجَّة؛ أي: هو في نفسه حجَّة على نفسه؛ لأنَّ جوارحه تشهد عليه، فصار هو حجَّةً على نفسه. والبصيرةُ: الحجَّة؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤]. قال الأخفشُ: جعله بصيرة، كما يُقال للرَّجل: أنت حجَّة على نفسك (١). وعلى هذا التَّاويل له معنى آخر: أنَّ الإنسان يعيبُ غيرَه بكفران النِّعمة وفعل المعصية وكذا وكذا، وهو يفعله، فهو حجَّة على نفسه بما يقوله. وقيل أيضًا: بما فيه من العقل هو (٢) حجَّة على نفسه، لا ينقضي عنها. ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: أي: ولو أتى بالأعذار وجادل عن نفسه؛ أي: وإن كان يقول ذلك في الدُّنيا فهو يشهد على نفسه، بخلافِ ذلك في العُقبى. قال سعيد بن جبير: الإنسان على نفسه شاهدٌ ولو اعتذر (٣). والمعاذيرُ على هذا: جمع مَعذِرة. وقال الزَّجَّاج: هو جمع مِعذار، وهو السِّتر (٤)؛ أي: يشهد على نفسه يوم القيامة بسيِّئاته، وإن كان أرخى ستوره وأغلق أبوابه في الدُّنيا حين عملَها احتجابًا عن الخلق. وقال الضَّحَّاك: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾؛ أي: ستوره، وأهل اليمنِ يسمُّون السِّتر: المعذار (٥).

стр. 7500

وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ألقى عن نفسه في الدُّنيا ما يغطيه للمعصية وقد خلا بها؛ ثقةً بعينيه (١) عن أبصار الخلق، ولا يخفى ذلك منه على الخالق (٢). وقيل: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ هو إحالة بعضِهم على بعض يومئذ، كما قال خبرًا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقولِه: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ الآية [سبأ: ٣١]. وقيل: ﴿بَصِيرَةٌ﴾: تأنيث بصير، والهاء للتَّأنيث هاهنا لمكان الجمع؛ أي: جوارحُه بصيرةٌ بما عمل. وقيل: هو بمعنى بصير، والهاء للمبالغة، كالعلَّامة والنَّسَّابة. * * * (١٦ - ١٨) - ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾: روي أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي حرَّك لسانَه مع أداء جبريل عجلًا به لئلا يفوتَه شيء فينساه، حُبًّا منه للقرآن، وحرصًا على ضبطه، فأُمِرَ بترك ذلك، ووُعِدَ أن يُجمَع القرآنُ في صدره فلا ينساه (٣). وهو كقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤].

стр. 7501

وقولُهُ تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾؛ أي: لا تحرِّك بالقرآن لسانك مستعجلًا به قبل استتمامه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾؛ أي: في قلبك؛ لتحفظه ولا يفوتَك منه شيء. ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: أي: أن يقرأه عليك جبريل بأمرنا إلى أن تحفظه على مهلٍ، لا يلحقك فيه مشقَّة. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾: أي: قرأه عليك جبريل. ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: أي: قراءته؛ أي: فاستمعه وتَلَقَّه. وقيل: إنَّ علينا جمعَه في صدرك، وإثباته بعد الجمع، حتى يدوم حفظك له فتقرأه متى شئت. وعلى هذا قوله: ﴿قُرْآنَه﴾؛ أي: قراءتَه منك بعد الجمع في صدرك. وقيل: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي: نأمر جبريل أن يقرأه عليك في كلِّ سنة حتى لا تنسى منه شيئًا. وقيل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾؛ أي: جمعَ فرائضه وحدوده وأحكامه حتى تعرفها كلَّها، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي: [وأنْ] (١) يقرأه جبريل عليك بأمرنا فتحفظَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ أي: فاتَّبع ما يحصل منه مقروءًا عليك فاقرأه حينئذ. * * * (١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: أي: بيانَ معانيهِ وأحكامه وشرائعه. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار، لا لترتيب الوجود؛ أي: ثم نخبرك أنَّا نبيِّن معناه لك كما أنزلناه عليك.

стр. 7502

وهذا كله معنى ما قال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير ومجاهد والكلبيُّ وقتادة والحسن ﵃. قال قتادة: كان النَّبيُّ ﷺ يحرِّك لسانه خوف النِّسيان، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ أي: اتَّبع ما فيه، واتَّبع حلاله، واجتنب حرامه، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: بيانَ حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته (١). وقال ابن عبَّاس: نزلت الصَّلوات الخمس قبل خروج النَّبيِّ ﷺ من مكَّة إلى المدينة: الظُّهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا، والفجر ركعتين، ونزلت عليه الزَّكاة، ثم نزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] (٢). قال ابن عبَّاس: فلم ينسَ بعد نزول هذه الآية شيئًا حتى مات (٣). وقيل ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: هو ما استنبطه العلماء من الأحكام، وأعظمُهم في ذلك آثارًا أبو حنيفة ﵁. * * * (٢٠ - ٢٣) - ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمر كما تظنُّون أنَّه لا بعث ولا نشور ولا جزاء ولا حساب. ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾: أي: الدُّنيا؛ ميلًا إلى دواعي الطِّباع. ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾: أي: تَدَعون العمل لها والتَّدبر فيها.

стр. 7503

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾: وهي وجوه المؤمنين يوم القيامة. ﴿نَاضِرَةٌ﴾ قال الفراء: أي: مشرقةٌ بالنَّعيم (١). وقال الأخفش: أي: حسَنة (٢). وقال أبو سعيد الضَّرير: ناعمة متهلِّلة (٣). ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: وهو حجَّة قاطعة على رؤية المؤمنين اللَّه تعالى، وكذا فسَّره أكثر الصَّحابة ومَن بعدهم من أهل العلم. وقال زيد بن أسلم: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: يتجلَّى لهم ربهم فينظرون إليه. وقال عطيَّة العوفي: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ينظرون إلى ربهم يومئذ، فيكرمهم بذلك، والويل لمن حُجِبَ عن اللَّه يومئذ (٤). وعن عمَّار بن ياسر كذلك (٥). وعن الحسن أنَّه سُئل: كيف يرون اللَّه تعالى؟ قال: يرونه بلا كيف. * * * (٢٤ - ٢٧) - ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾.

стр. 7504

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾: أي: عابسةٌ متكرِّهة، وهي وجوه الكفار. ﴿تَظُنُّ﴾: أي: يتيقَّن أربابها ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾؛ أي: داهيةٌ كاسرةٌ للفَقار. ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾: ﴿كَلَّا﴾ له ثلاثة أوجه على ما مرَّ ﴿إِذَا بَلَغَتِ﴾؛ أي: النَّفس، وهي الرُّوح ﴿التَّرَاقِيَ﴾: جمع تَرْقُوَة، وهي العظمُ بين الصَّدر والعنق. يعني: بلغت الحلقومَ. وإضمار النَّفس هاهنا كإضمارها في قوله: ﴿إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وهو حالَ حضور الموت. ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾: قال أبو قلابة والضَّحَّاك وابن قلد وقتادة: مَن الذي يرقيه فيشفيه (١)؟ من الرُّقية، والفعلُ من حدِّ (ضرب). وقال ابن عبَّاس ﵄ وأبو الجوزاء: أي: قالت الملائكة: مَن الذي يصعد بروحه (٢)؟ -من الرُّقي من باب (علم)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] - أي: ملائكة الرَّحمة أم ملائكة العذاب؟ * * * (٢٨ - ٢٩) - ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاق﴾: أي: أيقن هذا المحتضَر أنَّه فراق الرُّوح والجسد، وفراق الأهل والولد. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: قال الشَّعبيُّ وأبو مالك: الْتَوَت (٣) ساقاه عند موته. وقال الحسن: والتفَّت ساقاه في كفنه.

стр. 7505

وقيل: التفَّت؛ أي: اجتمعت الشدة بالشدة. وقال ابن عبَّاس ومجاهد: شدَّة أمر الدنيا بأمر الآخرة. وقال الضَّحَّاك: أهل الدُّنيا يجهِّزون البدن، وأهل الآخرة يجهِّزون الرُّوح. قال الحسن: حالُ الموت بحالِ الحياة (١). والسَّاق عبارة عن الشِّدَّة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، وتقول العرب: قامت الحرب على ساق. وقيل: لم يُرِدْ به شدَّتين، إنما أراد (٢) به اجتماعَ ضروب الشَّدائد، وهو كقولهم: اتَّصل الخير بالخير، والشَّرُّ بالشَّرِّ، والمطر بالمطر؛ يراد به التَّتابع. * * * (٣٠ - ٣٣) - ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾. ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾: أي: إلى حيث أَمر اللَّه تعالى سوقَ هذا الميت. وقيل: أي: إلى حكمه وجزائه. ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: هي في حقِّ أبي جهل، وقد ذُكِر في أوَّل السُّورة أنَّه المراد بها. وقيل: السُّورة في منكري البعث، وأعتاهم أبو جهل؛ أي: ما صدَّق اللَّهَ ورسولَه هذا الملعون، ولا صلَّى للَّه معظِّمًا له. ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾ اللَّه ورسولَه ﴿وَتَوَلَّى﴾: أي: أعرض عن الحقِّ. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: قال مجاهد وقتادة: أي: يتبختر (٣).

стр. 7506

وهو من المَطَا، وهو الظَّهر. وقيل: هو من المطِّ، وهو المدُّ، ويتمطَّى أصله: يتمطَّط؛ أي: يتمدَّد، قُلِبَتْ إحدى الطَّائين ياء، كما في التَّقصِّي والتَّقضِّي. * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: هي كلمةُ تهديد وتذكير مفردًا ومكرَّرًا (١)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١]. قال زهير: أولى لكم ثمَّ أولى أنْ تصيبَكُمُ... منِّي نواقِرُ لا تبقي ولا تَذَرُ (٢) وقيل: معناه: وَليَكَ الشَّرُّ؛ أي: قرُب منك. وقيل: هي أفعلُ من الويل، وأصله: أَوْيَلُ، ثم قلبت فصار: أولى، وتقديره: ويل لك، ثم ويل لك، ثم ويل لك (٣). وقيل: قال ذلك رسول اللَّه ﷺ له حين رآه، فذكر اللَّهُ ما كان منه. وقيل: بل هذا من اللَّه تعالى وعيدًا له. وقيل: أمَرَ اللَّه تعالى محمَّدًا ﷺ أن يقول له ذلك: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾؛ أي: ويل لك يوم تموت، وويل لك في القبر، وويل لك حين تبعث، وويل لك في النَّار. وقال الحسن: أوحى اللَّه إلى نبيِّه وأمره أن يلقَى أبا جهل فيبلِّغه عن اللَّه تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، فلقيه رسول اللَّه ﷺ ، وقال له: "إنَّ اللَّه أمرني أنْ أبلِّغَك: ﴿أَوْلَى لَكَ

стр. 7507

فَأَوْلَى﴾ "، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: أتخوِّفني، وما بين لابَتَيْها أعزُّ ولا أكرمُ منِّي؟! فنزل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] (١). وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فرعون، وفرعون هذه الأمَّة أبو جهل بن هشام"، فأخذه النَّبيُّ ﷺ وقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، فقال أبو جهل: ما تستطيع أنت يا محمَّد ولا ربُّك بي شيئًا؛ لأنِّي أعزُّ مَن بينَ جبليها (٢)، فلمَّا كان يوم بدر أشرفَ على الكفَّار فقال: لا يُعبَد اللَّه -تعالى- بعد هذا اليوم. فضُرِبَ عنقُه، وقتلَه اللَّهُ شرَّ قتلة (٣). * * * (٣٦ - ٤٠) - ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ هو أبو جهل ها هنا، ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾؛ أي: مهملًا لا يُؤمَر ولا يُنهَى، ولا يُثاب ولا يُعاقب، وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ. ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بياء التَّذكير صفةً للمنِّي، والباقون بتاء التَّأنيث صفةً للنُّطفة (٤).

стр. 7508

والنُّطفة: هي ماءٌ قليلٌ منها يكون الولد. ﴿مِنْ مَنِيٍّ﴾ وهو الماء الدَّافق، ﴿تُمْنَى﴾؛ أي: تُلقَى في الرَّحم. ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾: أي: دمًا منعقدًا شديدَ الحمرة. ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾: أي: فخلق اللَّه منه بشرًا سويًّا مهيّئًا صالحًا للتَّكليف. ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾: أي: من المنيِّ. ﴿الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾: والذي فعَل هذا لم يفعله ليُهمَل ويعطَّل، بل ليَتعبَّدَ ويُكلَّف ويُجزى على الإحسان والإساءة، وذلك يكون في الدَّار الآخرة. ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾: ومَن قدر على إنشائه ابتداءً من غير شيء قدرَ على جمع العظام بعدما صار رميمًا، فرجع آخرُ السُّورة إلى أوَّلها. وروى أبو هريرة وجابر ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا قرأ أحدُكُم ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقلْ: بلى" (١). وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقول إذا قرأها: "سبحانه وبلى" (٢). وعن ابن عبَّاس ﵄: سبحانك اللَّهم وبلى (٣).

стр. 7509

سورة الإنسان (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلق الإنسان من نطفة أمشاجٍ يبتليه، الرحمن الذي وعد المؤمنين بملكٍ كبير يعطيه، الرحيمِ الذي بشَّره بشراب طهور يسقيه. وروى أبي بن كعب ﵁ عن النَّبيّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سُورةَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ كانَ جزاؤُه على اللَّه جنَّةً وحريرًا" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي إحدى وثلاثون آية، ومئتان وثلاثة وأربعون كلمة، وألفٌ وثلاثُ مئة وخمسون حرفًا. وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّهما في ذكر خلق الإنسان وأصله وحكمته. وانتظام السُّورتين: أنَّهما جميعًا في ذكر البدء والإعادة، ومصير أهل الشَّقاوة والسَّعادة.

стр. 7510

(١) - ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾: قال الفرَّاءُ: هو استفهام على وجه التَّقرير، بمعنى: قد أتى، كقولك لآخر: هل وعظْتُك؟ هل أعنْتُك (١)؟ وكذا قال الكسائيُّ والأخفش (٢). ويدلُّ عليه قول أبي بكر الصِّدِّيق ﵁: ليتَها كانت تمَّتْ فلم نُبْتَلَ (٣). واختُلف في هذا الإنسان، وفي الإنسان المذكور في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان: ٢]: قال أكثرهم: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾: هو آدم ﵇، أتى عليه زمان من الدَّهر لم يكن شيئًا مذكورًا يُذكَر؛ لأنَّه كان طينًا مخلوقًا، يمرُّ به الزَّمان وهو لا يُعرَف ولا يُذكَر، ثم نُفِخَ فيه الرُّوح، فقد كان شيئًا موجودًا ولم يكن مذكورًا، ولو كان غيره موجودًا لم يُوصَف بأنَّه قد أتى عليه حين من الدَّهر. والحينُ: أربعون سنة في هذه الآية، وقيل: أكثر من ذلك. قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؛ يعني: آدم ﵇

стр. 7511

﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ في السَّماء ولا في الأرض، وذلك أن آدم كان من طين أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، ثم من حمأ مسنونٍ أربعين سنة، فتمَّ خلقُه بعدَ مئة وعشرين سنة (١). وعن ابن مسعودٍ أنَّ آدمَ خُلِقَ من ترابٍ، فأقام أربعين سنة، ثم من طين أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، فتمَّ خلقُه بعد مئة وستِّين سنة (٢). وقال مقاتل ﵀: هو آدم، و ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ هو ما كان قبل وجود آدم من الزَّمان؛ لأنَّه آخِرُ ما خلق اللَّه تعالى من أهل الأرض من أصناف الخليقة (٣). و ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ على هذا معناه: لم يكن هو شيئًا؛ لأنَّه لم يكن موجودًا، وإنَّما قيل: أتى عليه حينٌ، وهو غير موجود، على مجازِ قولك للرَّجل: قد كان وقتٌ لم تكن أنت شيئًا، فيكون قولك: (أنت) إشارة إلى الحاضر للتَّعريف له، ويكون المعنى أنَّ هذا الشَّخص الذي هو الآن موجود قد كان وقتًا غيرَ موجود، وكذا قوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ إشارة إلى آدم؛ أي: هذا الموجود كان قبل ذلك في زمان كثير غير موجود. ولا يُستَنكَر هذا المجاز؛ فإنَّ القول الأوَّل فيه المجاز أيضًا؛ لأنَّه كان طينًا، ثم أخبر اللَّه تعالى أنَّه أتى عليه حين من الدَّهر، فإذا جاز أن يُقال: أتى على الإنسان حين من الدَّهر وهو حينئذ ليس بإنسان، مجازًا، جازَ أن يُقال: أتى عليه الدَّهر وهو حينئذ ليس بشيء مجازًا.

стр. 7512

وعلى القول الثَّاني: يقع الاسم على آدم وعلى أولاده أيضًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: معناه: ما أتى على الإنسان حين من الدَّهر لم يكن شيئًا مذكورًا، بل كان (١) مذكورًا لي، كأنَّه يقول: هل غفلْتُ ساعة من حفظِك؟ هل خلَّيتُكَ قَطُّ ونفسَك؟ هل أخليْتُكَ لحظةً من رعاية جديدة، وحماية مزيدة (٢)؟ * * * (٢) - ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾: هذا على ولد آدم. وقيل: الأوَّل هو على ولد آدم أيضًا، وهما واحد، ومعناه: قد أتى على ولد آدم حين من الدَّهر من حين يقع ماء الرَّجل في رحم المرأة؛ أي: إلى أن يُنفَخ فيه الرُّوح، وإلى أن يُولَد لم يكن مذكورًا للنَّاس. ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: هذا الإنسان ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ تخرج من بين الصُّلب والتَّرائب. ﴿أَمْشَاجٍ﴾: نعت النُّطفة. وهي جمع مَشِيْجٍ، ومعناه: الأخلاط، والمَشَجُ بالفتح: الخَلْط، وهو مصدر، وبالكسر (٣): الخِلْط، وهو اسم. ومعنى وصفها بالأخلاط: أنَّها مجموعُ طبائعَ أربعٍ، وهي: الحرارة والبرودة واليبوسة والرُّطوبة.

стр. 7513

وقال ابن عبَّاس ﵄ والحسن والرَّبيع بن أنس ومجاهد: هو اختلاط ماء الرَّجل وماء المرأة (١). وقال قتادة: الأمشاج: هي الأطوار؛ يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم يَتمُّ إنسانًا (٢). وقال مجاهد: هو ألوان النُّطفة؛ نطفة الرَّجل بيضاء، ونطفة المرأة صفراء (٣). وقيل: النُّطفة من عروق مختلفة. وقوله تعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾؛ أي: لنبتليَه ونتعبَّده، لا لنهملَه ونعطله، كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢]. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: أي يسمع الأصوات ويرى الذَّوات، فيستدلُّ بالمخلوقات على الخالق. وقيل: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾؛ أي: مميِّزًا عاقلًا، ممكَّنًا من قَبول الابتلاء. وقيل في قوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِر﴾ [مريم: ٤٢]: هو نفي التَّمييز والعقل. قال الفرَّاء: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، معناه: فجعلناه سميعًا بصيرًا نبتليه؛ أي: لنبتليه (٤). وقيل: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: تعدادٌ لنعمة السمع والبصر، واستبداءٌ لشكرهما. * * *

стр. 7514

(٣) - ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: أي: بيَّنا له الطَّريقة التي يلزمُه سلوكُها، والطَّريقة التي يجب عليه العدول عنها، كما قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. ووحَّد ﴿السَّبِيلَ﴾ هاهنا لأنَّه جنس، فيصلح اسمًا لهما، ولذلك قال بعده: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾: إمَّا سالكًا طريقة أهل الهدى، وإمَّا سالكًا طريقة أهل الضَّلال. وقيل: أراد بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ هو سبيل الرَّشاد، وهو المستحِقُّ لهذا الاسم، وببيانه يتبيَّن الطَّريق الذي لا ينبغي سلوكه. ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾: أي: إمَّا مؤمنًا سعيدًا، وإمَّا كافرًا شقيًّا (١). وقال الفرَّاء: هو على سبيل الجزاء (٢)؛ أي: إن شكر أو كفر فقد عرَّفناه عاقبة ذلك (٣). وقال الأخفشُ: إنَّا هديناه السَّبيل شاكرًا أو كفورًا، نصب على الحال، ومعناه: هديناه السَّبيل في الحالين (٤). وقال الكسائيُّ: كان شاكرًا أو كفورًا (٥).

стр. 7515

وقيل: ليكون إمَّا شاكرًا وإما كفورا (١)؛ أي: ليَظهر شكرُه مِن كفرِه؛ كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وقيل: هو على التَّهديد، وتقديره: إنَّا هديناه السَّبيل؛ فإنْ شاء فليكفُرْ، وإنْ شاء فليشْكُرْ؛ فإنَّا أعتدنا للكفَّار كذا، وللأبرار كذا، وطريقُه طريقُ قوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآية [الكهف: ٢٩]. * * * (٤ - ٥) - ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾. ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾: أي: في جهنَّم يُوثَقون بها. ﴿وَأَغْلَالًا﴾: تُشَدُّ بها أيديهم إلى أعناقهم. ﴿وَسَعِيرًا﴾: أي: نارًا مُوقَدة عليهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿سلاسل﴾ بغير تنوين، والباقون ﴿سلاسلًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: لَمَّا خلق اللَّه تعالى الخَلْقَ للابتلاء ظهرَ منهم الكفَّار فذكر وعيدَهم، والأبرار فذكر مواعيدهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: جمع بَرٍّ. قال ابن عبَّاس ﵄: يعني: الصَّادقين في الإيمان (٣).

стр. 7516

وقال الحسنُ ﵀: البَرُّ الذي لا يؤذي الذَّرَّ، ولا يضمِرُ الشَّرَّ (١). وقال الثَّوري ﵀: هم الذين برُّوا آباءهم وأولادهم (٢). وقال مقاتل ﵀: هم الذين يطيعون اللَّه بالتَّوحيد (٣). وقال شهر بن حوشب ﵀: هم الذين برُّوا النَّاس وأشفقوا عليهم. وقال مجاهد ﵀: هم الذين صَدَقوا اللَّهَ في السِّرِّ والعلانية. وقال عبد الواحد بن زيد: هم الذين برُّوا أنفسهم بترك المعاصي. وقال الورَّاق: الأبرار: الذين لا يخالفون معبودهم في أقضيته عليهم. وقال بعض أهل المعرفة: الأبرار: الذين سمَتْ همَّتهم عن المستحقَرات، وظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، فأنفوا من (٤) مساكنة الدُّنيا. وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: قال الزَّجَّاج: لا تُسمَّى كأسًا إلا إذا كان فيها شراب (٥)؛ أي: إنَّ أهل الطَّاعة يدخلون الجنَّة، ويُنعَّمون فيها بأنواع النِّعم، منها

стр. 7517

أنَّهم يُسقَون من كأس ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾؛ أي: مزاج ما فيها من الشَّراب كافورٌ. قيل: أي: له رائحة تُستلذُّ وتستطاب رائحته، ويُشمُّ منه ريحُ الكافور من غير أن يكون فيه كافور؛ يعني: أنَّ له طعمًا ككافور الدُّنيا. وقيل: بل يمزج بالكافور نفسه، وكافورُ الجنَّة لا يغيِّر الشَّراب، كما أنَّ خمر الجنَّة لا يُسْكِر. و (كان) زائدة في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾. وقيل: أي: كان في علم اللَّه أنَّ مزاجه لأهل الجنَّة يكون كافورًا. * * * (٦) - ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: أي: هذا الشَّراب من عينٍ في الجنَّة يشربُ بها عبادُ اللَّه. قيل: أي: يشربها، والباء زائدة، كقولهم: تكلَّم كلامًا حسنًا، وبكلامٍ حسنٍ. وأنشد الفرَّاء وغيره لعنترة: شربْتُ بماء الدُّحْرُضَيْنِ فأصبَحَتْ... زوراءَ تَنْفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيْلَمِ (١) وقيل: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؛ أي: يُروَى بها.

стр. 7518

وقال القتبيُّ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾؛ أي: منها (١). ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾؛ أي: المؤمنون القائمون بشروط العبادة والعبوديَّة. ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾: أي: يُسِيلونها. وقال مجاهد: يقودونها حيث شاؤوا (٢). * * * (٧) - ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾: صفة الأبرار، وقيل: صفة عباد اللَّه، وتقديره: الذين يوفون بعهد اللَّه. وقال الفرَّاء: كانوا يوفون بالنَّذر في الدُّنيا (٣). وهو شامل لكلِّ ما التزمه (٤) العبدُ بأيمانه وبعقوده (٥) على نفسه في أيمانه، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ١٤٠]، وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهي تتناول الفرائض والعهود والنُّذور، وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. وقيل: هي مناسك الحج. ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: أي: كان في حكم اللَّه أنَّ شرَّه يكون منتشرًا؛ أي: شدائده، وسمَّاها شرًّا لكراهتها على الأنفس، مع أنَّها كلَّها حكمة وصوابٌ،

стр. 7519

وهو معاملة اللَّه تعالى عبادَه، وانتشاره: ظهوره في حقِّ الكلِّ، وطيران الطَّائر: انتشارُه. وقيل: ﴿مُسْتَطِيرًا﴾: في حقِّ العصاة والفجَّار، فأمَّا الأبرار فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. * * * (٨) - ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾: يجوز أن يكون الإطعام عبارةً عن وجوه المواساة بأيِّ شيءٍ كان، والتَّخصيصُ به لِمَا أنَّه أعظم وجوهها، كإنفاق المال في أيِّ وجهٍ كان يُسمَّى أكلَ الطَّعام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]؛ لِمَا أنَّه أعظم وجوه الانتفاع بالمال. قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾: قيل: على حبِّ الطَّعام. وقيل: على حبِّ الإطعام. وقيل: على حبِّ اللَّه وتعظيم أمر اللَّه به. ﴿مِسْكِينًا﴾: عاجزًا عن الاكتساب لزمانةٍ به قد أسكنته عنه. ﴿وَيَتِيمًا﴾: صغيرًا مات أبوه محتاجًا. ﴿وَأَسِيرًا﴾؛ أي: مأسورًا. وقيل: مملوكًا؛ قال السُّدِّيُّ: الأسير عندهم: المملوك، ما كان يومئذ أسيرٌ (١).

стр. 7520

وقيل: هو الأسير من المشركين (١)، يُؤخَذ مثهم طعامه فيكون في بيت مال المسلمين وفي صدقات المسلمين. وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير: هو المحبوس من أهل القِبلة (٢). والاسم يتناول كلَّ ذلك؛ لأنَّ الأسر هو الشَّدُّ والإيثاق. * * * (٩) - ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قوله تعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقولون ذلك. وقيل: هو قول باللِّسان. وقيل: هو قول بالنَّفس؛ أي: يقولون في أنفسهم. قال سعيد بن جبير: أمَا واللَّه ما قالوه بألسنتهم، لكنَّ اللَّه علم ما في قلوبهم فأثنى به عليهم (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾؛ أي: للتَّوجُّه إلى اللَّه تعالى والتَّقرُّب به إليه. ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾: بالمال ولا بالنَّفس ﴿وَلَا شُكُورًا﴾: باللِّسان. قال ابن عبَّاس: لا نريد منكم هديَّة ولا ثناء (٤).

стр. 7521

ومَن حمله على القول باللِّسان قال: إنما قالوا ذلك لمن أطعموه ليُفْرِغوا قلبَه عن توهُّمِه أنَّهم يريدون منه ذلك. * * * (١٠) - ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾: أي: نخاف يوم القيامة أن يعاقبَنا اللَّه فيه. ﴿عَبُوسًا﴾؛ أي: شديدًا هائلًا تَعبِسُ فيه وجوه الكفَّار، وهو كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: تعصِفُ فيه الرِّيح. وقيل: هو مجاز؛ لأنَّ السُّلطان إذا عبَسَ خِيْفَ، فيكون اليوم العَبوس هو اليوم المَخُوف. ﴿قَمْطَرِيرًا﴾؛ أي: شديدًا، ويُقال: وجهٌ قمطريرٌ؛ أي: منقبِضٌ من العُبُوس. وقال الأخفشُ: هو أشدُّ ما يكون من الأيَّام، وأطولُه في البلاء (١). وقال نفطويه: ﴿عَبُوسًا﴾؛ أي: كريهًا، و ﴿قَمْطَرِيرًا﴾؛ أي: منقبضًا لا فسحة فيه ولا انبساط. وقال الخليل: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾؛ أي: شديدًا فاشيَ الشَّرِّ (٢). واختلف النَّاس فيمَن نزلَتْ فيهم الآية، فأجراها أكثرهم على العموم في كلِّ بَرِّ موصوف بهذه الصِّفات الثَّلاث: ﴿يُوفُونَ﴾، ﴿وَيُطْعِمُونَ﴾، ﴿وَيَخَافُونَ﴾. وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في رجل من الأنصارِ، أطعم في يومٍ واحد مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا (٣).

стр. 7522

وروى مجاهد عن ابن عبَّاس: أنَّها نزلَتْ في عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ وجارية لهم يقال لها: فضَّة. قال ابن عبَّاس ﵄: مرضَ الحسنُ والحسينُ، فعادَهما رسولُ ﷺ وعادَهُما عامَّةُ العربِ، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرْتَ على ولديك نذرًا، فقال عليٌّ ﵁: إنْ بَرِئا صمْتُ للَّهِ تعالى ثلاثةَ أيَّامٍ شكرًا، وقالت فاطمة ﵂ كذلك، وقالت جاريةٌ لهم نويبَّة يُقال لها: فضَّة كذلك. فعافاهما اللَّه تعالى، وليس عندَ آل محمَّدٍ قليلٌ ولا كثيرٌ، فانطلقَ عليٌّ ﵁ إلى شمعون اليهوديِّ الخيبري، فاستقرضَ منه ثلاثةَ أصوُعٍ من شعيرٍ، فجاء به فوضعَه في ناحية البيت، فقامت فاطمة ﵂ إلى صاعٍ منها فطحنته واختبزَتْه، وصلَّى عليٌّ ﵁ مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ أتى المنزلَ، فوُضِع الطَّعام بين يديه، فأتى مسكينٌ فوقف بالباب، فقال: السَّلام عليكم يا أهل بيت محمَّد، مسكين من أولاد المسلمين، أطعموني أطعمَكُم اللَّهُ على موائد الجنَّة. فسمعه عليٌّ ﵁ فأنشأ يقول: فاطمُ ذاتِ الخيرِ واليقين... يا بنتَ خيرِ النَّاسِ أجمعينْ أَمَا تَرَيْنَ ذا البائِسَ المسكينْ... قد قامَ بالبابِ له حنينْ يشكو إلى اللَّهِ ويستكينْ... يشكو إلينا جائِعٌ حزينْ كلُّ امرئٍ بكسبِهِ رَهِيْنْ فأنشأَتْ فاطمةُ تقول: أمرُكَ سَمْعٌ لي نِعْمَ وطاعَةْ... ما بيَ مِنْ لومٍ ولا وَضاعَةْ

стр. 7523

أطعِمُهُ ولا أبالي السَّاعَةْ... أرجو لَئِنْ أُشبعُ مِن مجاعةْ أنْ ألحقَ الأخيارَ والجماعةْ... وأدخلَ الجنَّةَ في شفاعةْ قال: فأعطَوه الطَّعام، ومكثوا يومَهم وليلَتهم لم يذوقوا إلَّا الماء. فلَمَّا كان اليومُ الثَّاني قامَتْ فاطمةُ ﵂ إلى صاعٍ، فطحنَتْه واختبزَتْه، وصلَّى عليٌّ ﵁ مع النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ أتى المنزلَ، فوُضِعَ الطَّعام بين يديه، فأتاهم يتيمٌ وقال: السَّلام عليكم أهلَ بيت الرَّحمة، يتيمٌ مِن أولاد المهاجرين، استُشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمَكُم اللَّه. فسمعَه عليٌّ ﵁ فأنشأ يقول: فاطمَ بنتَ السَّيِّد الكريمْ... بنتَ نبيِّ اللَّهِ ليس بالذَّميمْ قد جاءنا اللَّه بذا اليتيمْ... مَن يرحم اليومَ فهو رحيمْ قد حرَّم الخُلْد على اللَّئيمْ... يزلُّ في النَّار إلى الجحيمْ شرابُه الصَّديد والحميمْ فقالت فاطمة ﵂: أطعمُه الآنَ ولا أبالي... وأوثِرُ اللَّهَ على عيالي أمسَوا جياعًا وهم أشبالي... يكفيني الرَّحمن ذو الجلال قال: فأطعموه الطَّعام، فمكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلَّا الماء. فلمَّا كان في اليوم الثَّالث قامَتْ فاطمةُ ﵂ إلى الصَّاع الثَّالث، فطحنته واختبزَتْه، وصلَّى عليٌّ ﵁ مع النَّبيِّ ﷺ ، ثم أتى المنزل، فوُضِعَ الطَّعام بين يدَيْه، فأتاهم أسيرٌ فوقف بالباب وقال: السَّلام عليكم يا أهل بيت النُّبوَّة، تأسروننا وتشدُّوننا ولا تطعموننا! أطعموني أطعمكم اللَّه. فأنشأ عليٌّ يقول:

стр. 7524

فاطمُ يا بنْتَ النَّبيِّ الأحمدْ... بنتَ نبيٍّ سيِّدٍ مسوَّدْ هذا أسيرٌ للنَّبيِّ المهتدْ... مثقَّلٌ في غِلِّهِ مُقيَّدْ يشكو إلينا الجوعَ قد تمدَّدْ... مَنْ يُطْعِمُ اليومَ يجدْهُ في غَدْ عندَ العليِّ الواحِدِ الموحَّدْ... ما يزرعُ الزَّارعُ سوفَ يحصُدْ فقالت فاطمةُ ﵂: لم يبقَ ممَّا جئْتَ غيرُ صاعِ... قد دَمِيَتْ كفِّي مع الذِّراعِ ابنايَ واللَّهِ مِنَ الجياعِ... يا ربِّ لا تتركْهُما ضياعِ أبوهما في المكرمات ساعِ... يصطنِعُ المعروفَ بانتزاعِ عَبْلُ الذِّراعَيْنِ شديدُ الباعِ قال: فأعطَوه الطَّعام، ومكثوا ثلاثة أيَّام ولياليها لم يذوقوا إلَّا الماء، فلمَّا كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرَهم، أخذَ عليٌّ ﵁ الحسنَ بيمينه والحسينَ بيساره رضوان اللَّه عليهم، وأقبلَ نحو رسول اللَّه ﷺ وهم يرتعشون كالفِراخِ مِن شدَّة الجوعِ، فلمَّا بصرَ به النَّبيُّ ﷺ قال: "يا أبا الحسن، ما أشدَّ ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق إلى فاطمة". فانطلقوا وهي في محرابها، فلمَّا بصر بها النَّبيُّ ﷺ قد لصقَ بطنُها بظهرها من شدَّة الجوع، وغارَتْ عيناها، فلمَّا رآها النَّبيُّ ﷺ قال: "واغوثاه باللَّه، إنَّ أهلَ بيت محمَّدٍ يموتون جوعًا". فهبط جبريل ﵇ فقال: يا محمَّد خذ ما هنَّأكَ اللَّهُ في أهل بيتِكَ، فقرأ عليه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ إلى آخر السُّورة (١).

стр. 7525

وروى ابنُ جريج عن عطاء عن ابن عبَّاس ﵄ قال: أجَّر عليّ ﵁ نفسَه ليلةً يسقي الماء على شيء من الشَّعير معلوم، فلمَّا أصبح أتى به فاطمة ﵂، فحمَلَتْ ثُلُثَهُ، واتَّخذَتْ منه طعامًا يُقال له: الخزيرة (١)، فلمَّا أدرك الطَّعامُ وأرادوا أكلَه أتاهم مسكينٌ فأعطوه الطَّعام، ثم حملت فاطمة ثُلُثًا آخر، فاتخذَتْ خزيرةً، فلَمَّا أدرك وأرادوا أكلَه أتاهم يتيمٌ فسألهم، فأعطوه الطَّعام، ثم حملت فاطمة الثُّلُث الآخر، فصنعَتْ طعامًا، فلمَّا أدرك وأرادوا أكله أتاهم أسيرٌ يشكو الجوع، فأعطوه، فأثنى اللَّه عليهم فأنزل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ إلى آخر السُّورة (٢). * * * (١١ - ١٣) - ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾.

стр. 7526

﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: أي: حفظهم، ومنع عنهم شرَّ ذلك اليوم العبوس القمطرير. ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾؛ أي: أعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾؛ أي: نعمةً، وحسنَ لونٍ في الوجوه ﴿وَسُرُورًا﴾: في القلوب. ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾: على الطَّاعة، وعن المعصية. وقيل: على الفقر. وقيل: على الصوم. وقيل: على الجوع. ﴿جَنَّةً﴾: يتنزَّهون فيها ﴿وَحَرِيرًا﴾ يلبسونه. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصب على الحال. ﴿فِيهَا﴾: أي: في الجنَّة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السَّرير في الحَجَلَة (١). ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا﴾: أي: في الجنَّة ﴿شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾؛ أي: أذى من حرٍّ ولا بردٍ، كما كانوا يتأذَّون بهما في الدُّنيا. والزَّمهريرُ: البرد الشَّديد. وقيل: أي: لا يرون صيفًا (٢) ولا شتاءً. وقال ثعلب: ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾: ولا قمرًا، وهي في لغة طيِّئٍ، قال شاعرهم: وليلةٍ ظلامُها قد اعْتكَرْ... قطعْتُها والزَّمْهَرِيْرُ ما زَهَرْ أي: والقمر ما طلع (٣). * * * (١٤) - ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.

стр. 7527

﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي: ظلال الشَّجر؛ أي: شجر الجنَّة قريبة منهم حتَّى صارت بمنزلة المَظَلَّة عليهم، وإنْ كان لا شمسٌ فيها لتظلَّهم منها. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾: أي: وسُهِّلَ لهم اجتناء ثمرها كيف شاؤوا؛ متَّكئين وقاعدين وقائمين. وهذا من عجيب الاختصار؛ لأنَّ فيه نزول العنقود إلى الفم والإنسانُ قاعد (١)، وارتفاعَه إليه وهو قائمٌ، وزوالَ امتناعه عليه في كلِّ حالٍ من أحواله ببُعدٍ أو مانعٍ مِن شوكٍ أو غيره. والقُطُوف: جمع قِطْف، وهو العنقود. وقال مجاهد: أرض الجنَّة فضَّة، وترابها مِسْكٌ، وأصول شجرها ذهب وفضَّة، وأفنانها الزَّبرجد والياقوت واللُّؤلؤ، والثَّمر تحت ذلك، فمَن أكل منها قائمًا لم يؤذِه، ومَن أكل منها قاعدًا لم يؤذِه، ومَن أكل منها متكأً لم يؤذِه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ (٢). * * * (١٥ - ١٦) - ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾: أي: وتدور الخدم عليهم ﴿بِآنِيَةٍ﴾: جمع إناء، كالأغطية جمع غطاء، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ ممَّا يكون في الآخرة على ما اللَّهُ أعلمُ به مِن وصفها.

стр. 7528

قال ابن عبَّاس ﵄: ليس في الجنَّة ممَّا في الدُّنيا (١) إلَّا الأسماء (٢). ومن نفيسِ ما يَشرب فيه أهل الدُّنيا آنية الفضَّة، فرُغِّبوا في حسنها في الآخرة، وذكر الذَّهب في سورة أخرى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال ها هنا ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾؛ أي: وبأكوابٍ من فضَّة، وهو جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عُروة له، وإنَّما مُيِّزَتْ بالذِّكْرِ لأنَّه ليس كلُّ إناءٍ كوبًا، كما قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ إذ ليس كلُّ المؤمنين مهاجرين. ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالتَّنوين فيهما، وقرأ حمزة وابن عامر بغير التَّنوين ولا ألف (٣) فيهما، وقرأ ابن كثير الأولى بتنوينٍ، والثَّانية بغير تنوين، وقرأ أبو عمرو فيهما بغير تنوين إلَّا أنَّه يقف على الأوَّل بألف (٤). والقوارير: جمع قارورة، والثَّانية بدل عن الأولى. والقوارير من فضَّة معناها: أنَّ قواريرَ كلِّ أرض من تربتها، فعلى هذا قوارير الجنَّة من تربة الجنَّة، وهي فضَّة.

стр. 7529

وقيل: هي في بياض الفضَّة وصفاء القوارير، وكان معناها (١) كذلك كانت في علم اللَّه تعالى وسابق قضائه في نعيم أهل الجنَّة. ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: أي: هي مقدَّرة على مقدار ريِّ الشَّارب، لا يزيد ولا ينقص. و (قدَّروا) فعلُ الطَّائفين، وصاروا مذكورين بذكر قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، والهاء والألف في ﴿قَدَّرُوهَا﴾ كنايةٌ عن الآنية والأكواب. وقيل: أي: على مقدار ما يشتهون حتى يستوفَى على الكمال. وقيل: أي: قدَّروا الآنية على قَدْر أكفِّهم، لا يزيد فيثقُلَ، ولا يُفْرِط في الصِّغر فيُستحقَر. * * * (١٧ - ١٨) - ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾: أي: ويُسقَى الأبرار ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنَّة. ﴿كَأْسًا﴾؛ أي: خمرًا في إناء ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾: وذلك أنَّهم كانوا يستلذُّون من الشَّراب ما يُمزَج بالزَّنجبيل الطَّيِّبةِ رائحتُه. قال المسيَّبُ بنُ عَلَسٍ يصف فم امرأة: وكأنَّ طَعْمَ الزَّنجبيلِ بِهِ... إنْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ (٢) ثم لزنجبيل الجنَّة من الفضل على زنجبيل الدُّنيا كفضل سائر ما في الجنَّة على ما في الدُّنيا. وقيل: الزَّنجبيلُ: عينٌ يُمزَج بها شرابُ الأبرار.

стр. 7530

وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا﴾: قيل: هو بدل عن قوله: ﴿كَأْسًا﴾؛ لأنَّها هي الشَّراب بعينه. وقيل: أي: من عين؛ أي: هي جارية لا تنقطع ليس كشراب الدُّنيا. ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عرَّفها اللَّه بهذا الاسم الملائكة وأهل الجنَّة، وللَّه أنْ يسمِّي ما شاء بما شاء، وأكثرُ أهل اللُّغة أنَّ العرب ما كانت تعرفُه ولا اشتقاقَه. وقال أبو عبيدة: ماءٌ سلسبيلٌ؛ أي: عَذْبٌ طَيِّب. وقال مجاهد: هي عينٌ سَلِسَةُ السَّبيل؛ أي: ليِّنةٌ منقادةٌ حديدةُ الجِرْية (١). * * * (١٩) - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾؛ أي: يخدمُهم وُصَفاء ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: قال قتادة ﵀: لا يموتون (٢). وقال الحسن ﵀: يبقون على هيئة الوُصَفاء لا يشيبون (٣). وقيل: مُسَوَّرون، على لغة حِمْير. وقال الفرَّاء ﵀: مقرَّطرون (٤). وقال ابن الأعرابيِّ: مُحَلَّون (٥).
следующие страницы →