﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: أي: حفظهم، ومنع عنهم شرَّ ذلك اليوم العبوس القمطرير.
﴿وَلَقَّاهُمْ﴾؛ أي: أعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾؛ أي: نعمةً، وحسنَ لونٍ في الوجوه ﴿وَسُرُورًا﴾: في القلوب.
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾: على الطَّاعة، وعن المعصية. وقيل: على الفقر. وقيل: على الصوم. وقيل: على الجوع.
﴿جَنَّةً﴾: يتنزَّهون فيها ﴿وَحَرِيرًا﴾ يلبسونه.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصب على الحال.
﴿فِيهَا﴾: أي: في الجنَّة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السَّرير في الحَجَلَة (١).
﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا﴾: أي: في الجنَّة ﴿شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾؛ أي: أذى من حرٍّ ولا بردٍ، كما كانوا يتأذَّون بهما في الدُّنيا. والزَّمهريرُ: البرد الشَّديد.
وقيل: أي: لا يرون صيفًا (٢) ولا شتاءً.
وقال ثعلب: ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾: ولا قمرًا، وهي في لغة طيِّئٍ، قال شاعرهم:
وليلةٍ ظلامُها قد اعْتكَرْ... قطعْتُها والزَّمْهَرِيْرُ ما زَهَرْ
أي: والقمر ما طلع (٣).
* * *
(١٤) - ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.
стр. 7527
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي: ظلال الشَّجر؛ أي: شجر الجنَّة قريبة منهم حتَّى صارت بمنزلة المَظَلَّة عليهم، وإنْ كان لا شمسٌ فيها لتظلَّهم منها.
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾: أي: وسُهِّلَ لهم اجتناء ثمرها كيف شاؤوا؛ متَّكئين وقاعدين وقائمين.
وهذا من عجيب الاختصار؛ لأنَّ فيه نزول العنقود إلى الفم والإنسانُ قاعد (١)، وارتفاعَه إليه وهو قائمٌ، وزوالَ امتناعه عليه في كلِّ حالٍ من أحواله ببُعدٍ أو مانعٍ مِن شوكٍ أو غيره.
والقُطُوف: جمع قِطْف، وهو العنقود.
وقال مجاهد: أرض الجنَّة فضَّة، وترابها مِسْكٌ، وأصول شجرها ذهب وفضَّة، وأفنانها الزَّبرجد والياقوت واللُّؤلؤ، والثَّمر تحت ذلك، فمَن أكل منها قائمًا لم يؤذِه، ومَن أكل منها قاعدًا لم يؤذِه، ومَن أكل منها متكأً لم يؤذِه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ (٢).
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾: أي: وتدور الخدم عليهم ﴿بِآنِيَةٍ﴾: جمع إناء، كالأغطية جمع غطاء، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ ممَّا يكون في الآخرة على ما اللَّهُ أعلمُ به مِن وصفها.
стр. 7528
قال ابن عبَّاس ﵄: ليس في الجنَّة ممَّا في الدُّنيا (١) إلَّا الأسماء (٢).
ومن نفيسِ ما يَشرب فيه أهل الدُّنيا آنية الفضَّة، فرُغِّبوا في حسنها في الآخرة، وذكر الذَّهب في سورة أخرى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال ها هنا ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾؛ أي: وبأكوابٍ من فضَّة، وهو جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عُروة له، وإنَّما مُيِّزَتْ بالذِّكْرِ لأنَّه ليس كلُّ إناءٍ كوبًا، كما قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ إذ ليس كلُّ المؤمنين مهاجرين.
﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾: قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالتَّنوين فيهما، وقرأ حمزة وابن عامر بغير التَّنوين ولا ألف (٣) فيهما، وقرأ ابن كثير الأولى بتنوينٍ، والثَّانية بغير تنوين، وقرأ أبو عمرو فيهما بغير تنوين إلَّا أنَّه يقف على الأوَّل بألف (٤).
والقوارير: جمع قارورة، والثَّانية بدل عن الأولى.
والقوارير من فضَّة معناها: أنَّ قواريرَ كلِّ أرض من تربتها، فعلى هذا قوارير الجنَّة من تربة الجنَّة، وهي فضَّة.
стр. 7529
وقيل: هي في بياض الفضَّة وصفاء القوارير، وكان معناها (١) كذلك كانت في علم اللَّه تعالى وسابق قضائه في نعيم أهل الجنَّة.
﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: أي: هي مقدَّرة على مقدار ريِّ الشَّارب، لا يزيد ولا ينقص.
و (قدَّروا) فعلُ الطَّائفين، وصاروا مذكورين بذكر قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، والهاء والألف في ﴿قَدَّرُوهَا﴾ كنايةٌ عن الآنية والأكواب.
وقيل: أي: على مقدار ما يشتهون حتى يستوفَى على الكمال.
وقيل: أي: قدَّروا الآنية على قَدْر أكفِّهم، لا يزيد فيثقُلَ، ولا يُفْرِط في الصِّغر فيُستحقَر.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾.
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾: أي: ويُسقَى الأبرار ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنَّة.
﴿كَأْسًا﴾؛ أي: خمرًا في إناء ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾: وذلك أنَّهم كانوا يستلذُّون من الشَّراب ما يُمزَج بالزَّنجبيل الطَّيِّبةِ رائحتُه.
قال المسيَّبُ بنُ عَلَسٍ يصف فم امرأة:
وكأنَّ طَعْمَ الزَّنجبيلِ بِهِ... إنْ ذُقْتَهُ وسُلافَةَ الخَمْرِ (٢)
ثم لزنجبيل الجنَّة من الفضل على زنجبيل الدُّنيا كفضل سائر ما في الجنَّة على ما في الدُّنيا.
وقيل: الزَّنجبيلُ: عينٌ يُمزَج بها شرابُ الأبرار.
стр. 7530
وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا﴾: قيل: هو بدل عن قوله: ﴿كَأْسًا﴾؛ لأنَّها هي الشَّراب بعينه.
وقيل: أي: من عين؛ أي: هي جارية لا تنقطع ليس كشراب الدُّنيا.
﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عرَّفها اللَّه بهذا الاسم الملائكة وأهل الجنَّة، وللَّه أنْ يسمِّي ما شاء بما شاء، وأكثرُ أهل اللُّغة أنَّ العرب ما كانت تعرفُه ولا اشتقاقَه.
وقال أبو عبيدة: ماءٌ سلسبيلٌ؛ أي: عَذْبٌ طَيِّب.
وقال مجاهد: هي عينٌ سَلِسَةُ السَّبيل؛ أي: ليِّنةٌ منقادةٌ حديدةُ الجِرْية (١).
* * *
(١٩) - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾.
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾؛ أي: يخدمُهم وُصَفاء ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: قال قتادة ﵀: لا يموتون (٢).
وقال الحسن ﵀: يبقون على هيئة الوُصَفاء لا يشيبون (٣).
وقيل: مُسَوَّرون، على لغة حِمْير.
وقال الفرَّاء ﵀: مقرَّطرون (٤).
وقال ابن الأعرابيِّ: مُحَلَّون (٥).
стр. 7531
وقال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ عبد اللَّه بن عمرو كان يقول: ما من أهل الجنَّة من إنسان إلَّا ويسعى عليه ألف غلام، كلُّ غلامٍ على عملٍ غيرِ ما عليه صاحبه (١).
﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾: أي: ظننتهم في حُسنهم وصفاء ألوانهم لؤلؤًا منثورًا؛ أي: مبدَّدًا مصبوبًا، ويكون ذلك دليل كثرتهم أيضًا، ودليل اجتماعهم وتفرُّقهم كاللُّؤلؤ إذا نثر.
وقال الثُّوريُّ: وأحسن ما يكون اللُّؤلؤ إذا نثر (٢).
وقال في صفة الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، والبيض يُتناول دون اللُّؤلؤ، فدلَّ أن الغلمان في الجنَّة ليسوا للتَّناول.
* * *
(٢٠) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾: أي: وراء هذا الفضل نعيمٌ كثيرٌ لا يوصَفُ كثرته وجلاله.
و ﴿ثَمَّ﴾: هنالك، وقيل: أي: ما هنالك.
﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾: قال الحسن ﵀: هو أن يأتي الرَّسولُ من عند اللَّه بالهدية والكرامة، فلا يدخل على وليِّ اللَّه تعالى حتى يستأذِنَ، فيُؤذَن له، فيدخل عليه بثلاثة أشياء:
أحدها: أن يقول له: إنَّ ربَّك يقرأ عليك السَّلام.
стр. 7532
والثَّاني: أن يأتيَه بالهدية من اللَّه تعالى.
والثَّالث: أن يقول له: إنَّ ربَّك راضٍ عنك.
فذلك قوله تعالى: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] (١).
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾؛ يعني: لا يزولُ، ولا يُزال.
وقال الفضيل: أزليًّا أبديًّا.
وقال أبو بكر الورَّاق: هو مُلك لا يعقبه هُلك (٢).
وقال التِّرمذيُّ (٣): هو أنَّ ما شاء في الجنَّة كان في الحال من غير مهلة (٤).
* * *
(٢١) - ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾: قرأ نافع وعاصم وحمزة في رواية: ﴿عَالِيْهِمْ﴾ بتسكين الياء -أي: لباسهم العالي- على الابتداء، وقرأ الباقون: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ بالنَّصب على الظَّرف (٥)؛ أي: فوقهم.
стр. 7533
وقيل: أي: هو لباس الخدم.
وقيل: أي: عالي حجالهم لأرائكهم.
وقيل: هو لباس الأبرار.
والسُّندس: الدِّيباج الرَّقيق الفاخر الحسن.
والإستبرق: الدِّيباج الغليظ الذي له بريق.
أي: يتصرَّفون في فاخر اللِّباس ولذيذ الطَّعام والشَّراب.
﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ قرأهما نافع وحفص عن عاصم بالرَّفع، وقرأ حمزة والكسائيُّ كليهما بالخفض، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿خضرٍ﴾ بالخفض، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ بالرَّفع، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: ﴿خُضْرٌ﴾ بالرَّفع، ﴿وإستبرقٍ﴾ بالكسر (١).
فمَن رفعهما فقد قال: ﴿خُضْرٌ﴾ نعت الثِّياب، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ عطف على ﴿خُضْرٌ﴾ (٢).
ومَن خفضهما فقد قال: ﴿خضرٍ﴾ نعت لـ ﴿سُنْدُسٍ﴾، ﴿وإستبرقٍ﴾ عطف على ﴿سُندُسٍ﴾.
ومَن خفض ﴿خضرٍ﴾ فقد جعله نعتًا لـ ﴿سُندُسٍ﴾، ثم رفع ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ عطفًا على ﴿ثِيَابُ﴾.
ومَن رفع ﴿خُضْرٌ﴾ قد جعله نعتًا لـ ﴿ثِيَابُ﴾، ثم خفَضَ ﴿وإستبرقٍ﴾ عطفًا على ﴿سُندُسٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ قال سعيد بن المسيِّب: ليس من أهل الجنَّة
стр. 7534
أحد إلا وفى يده ثلاثة أسورة: واحد من فضة، وآخر من ذهب، والثَّالث من اللُّؤلؤ، فذلك قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾: قيل: أي: ما يُسقون من عين الكافور وعين الزَّنجبيل شرابٌ طهورٌ؛ أي: نظيفٌ لا قذًى فيه ولا أذًى، ولا شيءَ ممَّا يخالط أشربة الدُّنيا.
وقيل: هو غير تلك الأشربة، وأضافه اللَّه إلى نفسه تشريفًا له وتخصيصًا، وهو بعد سائر الأطعمة والأشربة.
قال إبراهيم: طهَّرهم به من الغلِّ والغِشِّ (٢).
وقال أبو قلابة: إذا أكلوا آلوا بالشَّراب الطَّهور، فيشربون فيطهِّرُهم اللَّهُ، فيصير ما أكلوا جشاءً وريحًا كريح مسكٍ يفيض من جلودهم (٣).
وقال الحسن ﵀: طهَّرهم به من كلِّ أذًى وغلٍّ وغشٍّ وخيانة.
وقال مقاتل بن حيَّان: طهَّره من أن يتحوَّل أقذارًا كشراب الدُّنيا، بل يستمرُّ لونُه ويظهر منهم عرَق كريح المسك.
وقال يمان بن رئاب: طيَّبهم للجنَّة.
стр. 7535
وقال محمد بن علي التِّرمذيُّ: طهَّر قلوبهم مما يخامرها في الدُّنيا من الشَّحناء والبغضاء والبخل (١).
وقال الحسن بن علوية الدَّامغاني: سئل أبو زيد عن قوله: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾، قال: طهَّرهم به عن محبَّة غيره (٢).
وقيل: إن الملائكة يعرضون عليهم الشَّراب فيأبون قَبوله منهم، ويقولون: لقد طال أخذُنا من الوسائط، فإذا هم بكاسات تلاقي أفواههم بغير أكفٍّ (٣) من غيبٍ إلى عبدٍ.
وقال بعض أهل المعرفة: إنَّه شرابٌ ادَّخرَه اللَّهُ تعالى لأهل معرفتِه، فإذا شربوا طرِبوا، وإذا طرِبوا قاموا، وإذا قاموا هاموا، وإذا هاموا طاشوا، وإذا طاشوا عاشوا، وإذا عاشوا طاروا، وإذا طاروا طلبوا، وإذا طلبوا وجدوا، وإذا وجدوا نزلوا، وإذا نزلوا قربوا، وإذا قربوا كوشفوا، وإذا كوشفوا شاهدوا، وإذا شاهدوا عاينوا، وإذا عاينوا نسوا، وإذا نسوا (٤) أبصروا.
* * *
(٢٢ - ٢٤) - ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾.
﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾: أي: على أعمالكم.
﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾: أي: مقبولًا مَرْضيًّا عندنا.
стр. 7536
هم (١) قالوا للمسكين واليتيم والأسير: لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا، فيقول اللَّه تعالى لهم: إنْ لم تريدوا ذلك منهم فهما لكم منِّي (٢): ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾: بما فيه من الوعيد والوعد.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: لِمَا حَكم به عليك ربُّك مِن تبليغ الرِّسالة واحتمال الأذيَّة.
وقيل: ما حكم به من فعل طاعة، وترك معصية، وتحمُّل بليَّة.
وقيل: فاصبر (٣) لِمَا وعدَك اللَّه تعالى من الحُكْم على قومك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩]؛ أي: انتظره فإنَّه آتيك.
﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾: الإثمُ هو الرُّكون للمعاصي، والكفور: الجحود للنِّعمة، وهما صفة واحدة.
وقيل: أراد به أبا جهل لعنه اللَّه.
وقال الفرَّاء: تقديرُه: لا تطيعَنَّ منهم مَن أثم أو كفر، و ﴿أو﴾ قريب المعنى من الواو، وهو كقولك: لأعطينَّكَ سألْتَ أو سكَتَّ؛ أي: على كلِّ حال (٤).
وقيل: هما غيران، والآثمُ: المنافق، والكفورُ: مُظهِر الكفر.
وقال الكلبيُّ: الآثمُ: هو الوليد بن المغيرة، والكفور: هو عتبة بن ربيعة، وذلك أنَّهما قالا للنَّبيِّ ﷺ : إنْ كان إنَّما بك المال موَّلناك، وإن كان إنَّما بك أن تتزوَّج زوَّجناك (٥).
стр. 7537
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾ معناه: ولا كفورًا.
قال الفرَّاء ﵀: (أو) في الجحد والاستفهام بمعنى: (لا)، قال الشَّاعر:
ولا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ ولا... وَجْدُ عَجُولٍ أضلَّهَا رُبَعُ
أو وَجْدُ شيخٍ أَضَلَّ ناقتَهُ... يومَ توافَى الحجيجُ فاندفَعوا (١)
أي: ولا وجد شيخ (٢).
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾؛ أي: في الصَّلاة له طرفي نهارك وفي غير الصَّلاة بالتَّسبيح ونحوه.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾: أي: وتهجَّد باللَّيل تذلُّلًا له.
﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾؛ أي: صَلِّ للَّهِ أكثرَ ليلِكَ، واجعلْ نومَك في الأقل منه.
وقيل: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: صلاة الفجر والظهر والعصر، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾: نفل اللَّيل.
стр. 7538
(٢٧) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾: أي: إنَّ هؤلاء المشركين المتمرِّدين على اللَّه تعالى بترك الانقياد لك وقَبولِ ما أنزل إليك، يميلون إلى هذه الدُّنيا المعجَّلة.
﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾: أي: أمامَهم، كما قال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]. قاله الأخفش (١).
وقيل: ويذرون الآخرة وراءَهم؛ أي: خلفَهم وراء ظهورهم، فلا يعملون لها، ولا يسعَون فيما فيه نجاتُهم من عقابها.
﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: وهو يوم القيامة؛ لأنَّ شدائدها وأهوالها تثقُل على الكفَّار، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
وقيل: لأنَّ ما فيه من الحساب والعَرْض شاقٌّ ثقيلٌ مَخُوفٌ.
وهو ثقيل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]؛ أي: شاقًّا على البدنِ العملُ بما فيه.
* * *
(٢٨) - ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: هؤلاء ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: قال الفرَّاء ﵀: أي: خلْقَهم (٢).
وقيل: أي: بعد النُّطفة والعلقة والمضغة والعظام والعصب والعروق.
وقال الأخفشُ: يقال للفرس: شديد الأسر؛ أي: شديد الخلق، وكلُّ شيء شددْتَه من قتب وغيره فهو مأسور.
стр. 7539
وقال الخليل: الأسر: قوَّة المفاصل، وشَدَّ اللَّهُ تعالى أسرَه؛ أي: قوَّى خَلْقَه (١).
وقال المبرِّد: الأسرُ: القوى كلُّها، وأصلُها عند العرب: السَّيْرُ الذي يُشَدُّ به القَتَبُ.
وقيل: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾؛ أي: أوثقنا عليهم الميثاق، ويُسمَّى الميثاق عقدًا (٢)، والأسر قريب منه؛ لأنَّه الرَّبط، ومنه الأسير.
﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾: قيل: بدلنا أمثالهم في الخلق أضدادًا لهم.
وقيل: ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ﴾؛ أي: أهلكناهم، وخلقنا أمثالهم في الكفر والتَّمرُّد، ثم لا يزيد (٣) ذلك ولا ينقص من ملكنا.
* * *
(٢٩ - ٣١) - ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أي: هذه السُّورة عظة وتذكير؛ أي: مَن فعَل فعلهم أُثِيْبَ ثوابهم.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أي: فمَن شاء أن يتَّخذ إلى طاعة ربِّه سبيلًا -أي: طريقًا- فهو ممكَّن لا مانع له منه (٤)، ولا شبهةَ تَعْرِض له، مع هذا التَّذكير البليغ.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي: وما تشاؤون اتِّخاذ السبيل إلى اللَّه تعالى إلَّا
стр. 7540
بمشيئة اللَّه، وإنَّما يشاء اللَّه ذلك ممَّن علم منه اختياره (١).
وقيل: هو لعموم المشيئة في كلِّ شيءٍ؛ من الطَّاعة والمعصية، والإيمان والكفر، وهو حجَّة لنا على المعتزلة.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: عالمًا بمصالح عباده، وبما يكون منهم من اختيار كلِّ شيء، وعمل كلِّ شيء، ﴿حَكِيمًا﴾: مصيبًا في أفعاله وأقواله.
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: قيل: في جنَّته؛ لأنَّها برحمته تعالى تُنال.
وقيل: هي كلُّ نعمة يعطيها اللَّه تعالى المؤمنين في الآخرة.
وأشار إلى أنَّ أهل مشيئته لإدخالهم في جنَّته هم المؤمنون، فقد قال: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: الكافرين الواضعين العبادةَ في غير موضعِها، الظَّالمين أنفسَهم بإيرادها النَّار.
﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ نُصِبَ لوجهين:
أحدهما: أنَّه على إرادة اللَّام؛ أي: وللظَّالمين، وعرَّف ذلك بقوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾.
والثَّاني: أنَّهم خارجون عن الوصف، والعذاب واقعٌ بهم، فنُصِبوا على أنَّهم مفعولون؛ لأنَّهم معذَّبون (٢).
* * *
стр. 7541
سورة المرسلات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعلَ الويلَ للمكذِّبين، الرحمنِ الذي أعدَّ الجنَّة للمتَّقين، الرحيمِ الذي يجزي المحسنين.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ والمرسلات كُتِبَ أنَّه ليس من المشركين" (١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي خمسون آية، ومئة وإحدى وثمانون كلمة، وثمانُ مئة وأحد وعشرون حرفًا.
وختمُ تلك السُّورةِ بوعيد الظَّالمين، وافتتاحُ هذه السُّورة بالقسَم على وقوع ذلك الوعيد في يوم الدِّين.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في بيان خلق الإنسان، وما خُلِقَ له في الدُّنيا، وما يراه في العُقبى، وفي ذكر المؤمنين والكفَّار، والجنَّة والنَّار.
* * *
стр. 7542
(١ - ٦) - ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾: قال ابنُ مسعود وابن عبَّاس ﵄ ومجاهد وقتادة وأبو صالح: أقسم اللَّه تعالى بالرِّياح أرسلها لواقحَ (١).
قوله ﴿عُرْفًا﴾؛ أي: جاريات بعضُها في أثَرِ بعضٍ، كَعُرْفِ الفرس.
قوله تعالى: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾: الرِّياح أيضًا، والعُصُوفُ: شدَّة الهبوب.
والفاء لاتِّصال الهبوب بالإرسال.
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾: الرِّياح أيضًا، تنشر السَّحاب للغيث، وتبسطه في الهواء.
وقيل: تنشر النَّبات.
وذُكر بالواو دون الفاء؛ لأنَّ النَّشر لا يتَّصل بالإرسال لا محالة، بل يكون الإرسال لغير النَّشر.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾: الرِّياح أيضًا، قد تُرْسَل لتعذيب الكفَّار، فتفرِّق بين الحقِّ والباطل.
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: الرِّياح أيضًا، قد تُرْسَل لتعذيب الكفَّار للوعظ (٢) لمن تدبَّر فيها.
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: أي: إذا أُرسلَتْ بالرَّحمة كانت إعذارًا، وإنْ أُرسلَتْ بالعذاب كانت إنذارًا.
стр. 7543
وفي روايةٍ عن ابن عبَّاس وابن مسعود وأبي صالح ومقاتل: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾؛ أي: الملائكة أُرْسلَتْ بالمعروفِ والخير والوحي (١).
وقيل: هو على الخصوص في المرسلين بالرَّحمة، فأمَّا المرسلون للعذاب فمنهم مَن قال: هو للعرف أيضًا؛ لأنَّه مقتضى الحكْمة (٢).
وقيل: ﴿عُرْفًا﴾؛ أي: تتابعًا كَعُرْف الفرس.
والإرسال لمعانٍ: لإنزال الوحي، وإيصال الأرزاق، وكتابة الأعمال، وحفظ العباد، ودفع الشَّياطين، وزيارة البيت وكذا وكذا، ويومَ القيامة لأمورٍ أُخر.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾، وعصوفُها شدَّة سيرها في نزولها وعروجها، كما في الآيات.
قال الخليل: ناقةٌ عَصُوف، وهي التي تعصف براكبها، فتمضي به كأنَّها ريح في السُّرعة (٣).
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾؛ أي: الملائكة أيضًا تنشر كتب أعمال بني آدم يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾: الملائكة أيضًا تنزل بالفَرْق بين الحقِّ والباطل.
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: الملائكة أيضًا تلقي الوحي على الأنبياء من اللَّه تعالى؛
стр. 7544
قال اللَّه تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، وقال: ﴿أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦].
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: للبشر.
وقيل: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾: الأمطار تنشر النَّبات والزُّروع والأشجار تخرج وتبرز؛ أي: تَحيَى وتَظهر.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾: قال قتادة: آيات القرآن تفرِّق بين الحقِّ والباطل (١).
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: قال الرَّبيع بن أنس: آيات القرآن.
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: (أو) بمعنى الواو، ومعناه: إعذارًا وإنذارًا.
وقال الفرَّاء: أي: لإعذارٍ وإنذارٍ، وهما مصدران يثقَّلان ويخفَّفان (٢).
وقرأ أبو عَمرو وعاصم في رواية حفص خفيفين، وغيرهما مثقَّلين (٣).
قال المبرد: هما جمع عَذير ونَذير، وتقديرُه: معذِرين ومنذِرين (٤). قال حاتم الطَّائيُّ:
أماوِيَّ قَدْ طالَ التَّجَنُّبُ والهَجْرُ (٥) ... وقَدْ عَذَرَتْنِي في طِلابكُمُ العُذْرُ (٦)
стр. 7545
فأنَّثَ الفعل لأنَّ العُذْرَ جمع.
وإدخالُ الألف والتَّاء في صفة الملائكة على إرادة جمع الجمع: مَلَكٌ مرسَلٌ، وطائفة منهم مرسَلَةٌ، وطوائفُ مُرْسَلات.
* * *
(٧ - ١٥) - ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾: القسم لهذا؛ أي: الذي توعدون به كائن لا محالة.
ثمَّ بيَّن وقت وقوعه فقال:
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أي: مُحِيَتْ آثارُها؛ أي: أُذْهِبَتْ أنوارُها.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾: أي: جُعِلَ لها فروج؛ أي: شُقوق بعدَ أن كان لا فُروج لها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾: أي: قُلعَتْ من أصولها؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥].
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾: قرأ أبو عَمرو بالواو والباقون بالألف (١).
أي: جُمِعَتْ لميقاتها الذي ضُرِبَ لها في إنزال العقوبة بمن كذَّبهم وجحدهم، وسُئِلَتْ عمَّا أُجيبوا به (٢)، وسُئِلَ الأممُ أيضًا؛ قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
стр. 7546
وقيل: ﴿أُقِّتَتْ﴾؛ أي: أُجِّلَتْ لوقتِ فواتها، ويدلُّ عليه ما بعده.
والهمزة إبدال عن الواو لوقوعها طرفًا، كما في الوشاح والإشاح.
﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: وهو تعجيبٌ مِن هذا اليوم، وتعظيمٌ لأمره؛ أي: أُجِّلَتِ الرُّسل لإحلال العذاب بمن كذَّبهم.
﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: أي: ليوم القيامة الذي يفصل فيه الحكم، ويفصل فيه بين المحقِّ والمبطل في الجزاء.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: تعجيبٌ آخر، وتعظيمٌ آخر لأمره.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: شدَّة عذابٍ، ووادٍ في جهنَّم للمكذِّبين باللَّه ورسله.
* * *
(١٦ - ٢٤) - ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: قد أهلكنا الأوَّلين ممَّن فعلوا فعلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾: وهم هؤلاء إنْ أصرُّوا على كفرهم وتكذيبهم.
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: أي: كذلك سُنَّتُنا في الذين يكتسبون سبب ذلك.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: قال ابن عبَّاس والضَّحَّاك وسفيان وعطاء وأبو العالية: ﴿وَيْلٌ﴾: وادٍ في جهنَّم يسيل فيها الصَّديد والقيح (١).
стр. 7547
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵁ عنهما: أي: ضعيف (١).
وقيل: حقير، وهو النُّطفة.
﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾: أي: الماء ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: وهو رحم المرأة؛ أي: مقرٍّ يتمكَّن فيه الماء.
﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي: مقدارٍ علمه اللَّه (٢) لكونه فيه.
﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ يعني: قدَّرنا -بالتَّشديد- فنِعْمَ المقدِّرون.
بالتَّشديد قرأ نافع وابن عامر (٣)، وهو جمع بين اللُّغتين، حيث قال: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، وأريد به: تقديرُ خلقه، وجوارحه، ومدَّةِ حمله وحياته.
وقيل: ﴿فَقَدَرْنَا﴾ بالتَّخفيف: مِن القُدْرة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: فملَكْنا فنِعْمَ المالكون (٤).
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
* * *
(٢٥ - ٢٨) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
стр. 7548
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾؛ أي: ضِمامًا ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾: نصب بوقوع فعل الكَفْت -وهو الضَّمُّ- عليه؛ أي: تَضُمُّ الأحياءَ في المنازل، والأمواتَ في القبور.
فمن أهل اللُّغة من جعل الكِفات مصدرًا بمعنى النَّعت.
وأبو عبيدة والأخفش وقطربٌ جعلوا الكِفات جمع الكَفْت، وهو الوعاء (١).
وبعضُهم جعله اسمًا لِمَا يقع به الضَّمُّ، كالسِّداد اسم لِمَا يقع به السَّدُّ.
وفي الحديث: "اكفِتُوا صبيانَكُم باللَّيل؛ فإنَّ للشَّياطين انتشارًا" (٢)؛ أي: ضُمُّوهم إليكم، واحتبسوهم في البيوت.
وقال الكسائيُّ: يُقال: انكفَتوا إلى منازلهم؛ أي: انقلَبوا، ومعنى الآية: أنَّهم يتقلَّبون فيها، ويُدفنون فيها.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كِفَاتًا﴾؛ أي: منقلَبًا (٣).
وقال الرَّازيُّ: ابن (٤) آدم خلق من الأرض فهي أمه، وفيها ينشأ فهي عيشه (٥)، وإليها يعود فهي كفاتُه، فهي ممر الخلق إلى الجنة أو إلى النار.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا ثوابت.
﴿شَامِخَاتٍ﴾: أي: عاليات هي أوتاد الأرض وفيها المنابت والمعادن.
﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾: أي: جعلنا لكم سقيًا صافيًا عذبًا.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: يومَ الفصل.
стр. 7549
(٢٩ - ٣١) - ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾.
﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أي: تقول الملائكة للمكذِّبين يوم القيامة انطلقوا إلى النار التي كنتم بها تكذبون؛ أي: سيروا (١).
﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ﴾: هو دخانُ جهنَّم.
﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: ثلاث فِرَقٍ، وذلكَ إذا انتهى بهم إلى النَّار خرجَ من النَّار لسانٌ فأحاطَ بهم، ككفَّة الميزانِ، حتَّى يكون عليهم سرادقًا، ثم يخرجُ من ذلك السُّرادِق ثلاث فِرَق، حتى يُظلِّل ذلك السُّرادِقُ عليهم، ويصيبهم من غمِّه وكربه (٢).
وقيل: الظِّل عين النَّار، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وتتشعَّب أيضًا ثلاث شعب: شعبة فوقه، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن شماله، فتحيط به.
وقال القتبيُّ: إنَّ الشَّمس تدنو من رؤوس الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباسٌ، ولا لهم كِنان، فتلفحُهم الشَّمس وتَسْفَعُهم وتأخذُ أنفاسَهم كُرَبُ ذلك اليوم، ثمَّ ينجِّي اللَّه برحمته مَن يشاءُ إلى ظِلٍّ ظَليلٍ، فهنالك يقولون: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧].
стр. 7550
ويُقال للمكذِّبين: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ من عذاب اللَّه تعالى، انطلقوا من ذلك الموضع إلى ظِلٍّ من دخان نار جهنَّم قد سطع ثم افترق ثلاث فِرَق، وكذلك شأن الدُّخان العظيم إذا ارتفع تشعَّب، فيُقال لهم: كونوا فيه إلى يُفرَغ من الحساب، ثم يُؤمَر بكلِّ فريقٍ إلى مستقرِّه من الجنَّة أو النَّار (١).
وقوله تعالى: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾؛ أي: مُظِلَّ من حرِّ ذلك اليوم، وحرِّ النَّار.
﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾: ولا يسترُ ولا يُكِنُّ مِن لهبِ جهنَّم.
وقيل: ﴿مِنَ اللَّهَبِ﴾؛ أي: من العطش، قال قطرب: لَهِبَ يَلْهَبُ لهبًا: إذا عطش.
ورجلٌ لهبانُ، وامرأة لَهْبَى.
* * *
(٣٢ - ٣٤) - ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿إِنَّهَا تَرْمِي﴾: أي: النَّارُ ﴿بِشَرَرٍ﴾: في العِظَم ﴿كَالْقَصْرِ﴾ (٢) المبنيِّ من القصور. وهذا عن ابن عبَّاس ومجاهد (٣).
وعن ابن عبَّاس في رواية أخرى (٤) وقتادة والضَّحَّاك: أنَّ القَصْرَ أصولُ النَّخل، جمع قَصْرَة، كالجَمْرِ جمع جَمْرَة (٥).
стр. 7551
وعن ابن عبَّاس أنه قرأ: (كالقَصَرِ) بفتح الصَّاد (١)، جمع قَصَرَة بفتحها، وهي أعناق النَّخل (٢).
﴿كَأَنَّهُ﴾: أي: كأنَّ الشَّرَر ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿جِمَالَتٌ﴾ وهي جمع جَمَل، وقرأ الباقون: ﴿جمالات﴾ وهي جمع الجمع (٣).
قوله: ﴿صُفْرٌ﴾ قال أكثر أهل اللُّغة: أي: سُوْدٌ، وكذا رُوي عن الحسن وقتادة (٤).
وسواد الإبل يضرب إلى الصُّفرة، وأنشدوا:
تِلْكَ خَيْلِيْ مِنْهُ وتلْكَ رِكابي... هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيْبِ (٥)
أي: سُوْدٌ.
قالوا: معناه: إنَّ الشَّررَ يرتفِعُ فوقَهم كهيئة القُصور ثمَّ ينحطُّ عليهم كالإبل السُّود.
وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: (جُمالات) بضم الجيم (٦). وهي الحبال الغِلاظ.
وعن علي ﵁ أنه قال: هي قطعة النُّحاس (٧).
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
стр. 7552
(٣٥ - ٣٧) - ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾: وسئل ابنُ عبَّاسٍ عن هذه الآية، وعن قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]، قال: في ذلك اليوم مواقف، في بعضها يختصمون، وفي بعضها لا ينطقون (١).
وقال الحسن: لا ينطقون بحجَّة، وقد ينطقون (٢).
وقيل: لا ينطقون إذا قيل لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ولا يعتذرون إذا قيل لهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: ٧].
وقيل: أي: لا يكون لهم عُذْرٌ، ولو كان لَأُذِنَ لهم فيه.
وقال الحسن: يتكلَّمون بما يكون عذرًا عندهم، وهو حجَّة عليهم: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]، ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ولم يقل: (فيعتذروا)، كما قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]؛ لأنَّ ذلك جوابٌ، وهذا عطف؛ على قوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ وليس بجواب.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
стр. 7553
(٣٨ - ٤٠) - ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: أي: يومٌ يُفْصَل فيه بين المبطل والمحقِّ والمحسن والمسيء بالجزاء.
﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾: معاشر الكفَّار ﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ الذين كانوا قبلكم.
﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾: فإنْ كان لكم احتيالٌ في التَّخلُّص من عذابي فاحتالوا؛ أي: ولا حيلة.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بذلك.
* * *
(٤١ - ٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: وهم الذين يخالفون هذا، فإنَّهم اتَّقَوا الكُفْرَ والمعاصي.
﴿فِي ظِلَالٍ﴾: جمع ظِلٍّ، وهو الظِّلُّ الظَّليل في الجنَّة، بخلاف ﴿ظلٍّ ذي ثلاث شعب﴾ للكفَّار.
﴿وَعُيُونٍ﴾: جاريةٍ في الجنَّة.
﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: لا يتناولونها عن جوعٍ، ولا عن امتلاء، بل عن شهوة.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا؛ أي: يُقال لهم ذلك.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: فأحسِنوا تُجزَوا بهذا ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
* * *
стр. 7554
(٤٦ - ٥٠) - ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾: خطاب للكفَّار بصيغة الأمر على جهة (١) التَّهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]؛ أي: إن تمتَّعتم -وهو قليل- فإنَّ عاقبتَه النَّار.
﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾: وقد قال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾: أي: صلُّوا ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾؛ أي: لا يصلُّون.
قال ابن عبَّاس: نزلت في ثقيف حين أمرهم رسولُ اللَّه ﷺ بالصَّلاة، فقالوا: لا نجبِّي -أي: لا ننحني للرُّكوع والسُّجود- فتعلوا أستاهنا، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا خير في دين لا يكون فيه ركوع ولا سجود" (٢).
стр. 7555
وقيل: إذا قيل لهم: اخضعوا للحقِّ، لا يخضعون، وهو يعمُّ الصَّلاة وغيرها.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: بالآمرين بالصَّلاة.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: إذا كان هؤلاء لا يؤمنون بهذا الحديث الذي هو القرآن مع إعجازه ووضوحه فبأي حديث بعد القرآن يريدون أن يؤمنوا (١)؟.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
стр. 7556
سورة النبإ (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعل للخَلْق بَعثًا وحسابًا، الرحمنِ الذي لا يملكون منه خطابًا، الرحيمِ الذي هدَى مَن (٢) اتَّخذ إليه مآبًا.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من قرأ سورةَ عَمَّ يتساءلون سَقاه اللَّه من بَرْدِ شرابِ الجنَّة" (٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي أربعون آية، ومئة وثلاث وسبعون كلمة، وسبعُ مئة وسبعون (٤) حرفًا.
وانتظام ختم تلك بافتتاح هذه: أنَّهما في ذكر اسم القرآن الحديث، والنَّبأ العظيم.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر تهيئة أسباب المعاش، وتمشية أحوال العباد (٥).
стр. 7557
(١ - ٢) - ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَمَّ﴾: أصلُه (عَنْ مَا) أُدغمَت النُّون في الميم، وحذفت الألف تخفيفًا في الاستفهام بكثرة الاستعمال، وهو كقولهم: بِمَ، ولمَ، وفِيْمَ، ومِمَّ، وإلامَ، وعَلامَ.
وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
قوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: أي: يسألُ بعضُهم بعضًا؛ يعني: المشركين.
﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ له ثلاثة أوجه:
أحدها: هو إثباتٌ وبيانٌ للنَّبيِّ ﷺ لِمَا عنه يتساءلون، يقول: يتساءلون عن النَّبأ العظيم، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]: هذا استفهامٌ ثم قوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]: إخبارٌ وإثباتٌ.
والثَّاني: أنَّه استفهام آخر، بتقدير ألف الاستفهام فيه؛ أي: أَعَنِ النَّبأ العظيم، وهو كقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤].
والثَّالث: أنَّه متَّصل بالأوَّل. وهو قول الفرَّاء، قال: معناه (١): عَمَّ تتحدَّثُ قريشٌ في القرآن، و ﴿عَمَّ﴾ في معنى: لأيِّ شيءٍ (٢).
وقوله تعالى: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾:
قال مجاهدٌ: أي: القرآن، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧] (٣).
стр. 7558
وقال قتادة: هو البعث بعد الموت، صاروا فيه مختلفين؛ مصدِّقين ومكذِّبين (١).
وقال الحسن: هو النُّبوَّة، قال: لَمَّا بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ جعلوا يتساءلون بينهم: ما هذا الذي حدث؟ فنزل: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢).
يقول: عمَّاذا يسألُ بعضُ المشركين بعضًا، فيقول الواحد لصاحبه: ما هذا الذي حدث ممَّا يدَّعيه محمَّدٌ ﷺ من أنَّ اللَّه تعالى بعثَه، وأوجب علينا الانقياد له، وألَّا نعبدَ الأصنام؟!
وهو نبأٌ عظيم في نفسِه؛ لِمَا فيه من خلع الأنداد، وثبوت التَّوحيد بالاعتقاد، والتَّنبيه على سبيل الرَّشاد، ومصالح المعاش والمعاد.
* * *
(٣ - ٥) - ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾:
ففي القرآن: قال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو كَهانة، وقال بعضهم: هو مفترًى، وقال بعضهم: هو أساطير الأولين، وكذا وكذا.
وفي البعث: منهم مَن جحدَه، ومنهم مَن شكَّ فيه، ومنهم مَن قال: تشفع لنا فيه الآلهة، ومنهم مَن قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠].
وفي النَّبيِّ ﷺ : قال بعضهم: هو مجنون، وقال بعضهم: هو ساحر، وشاعر، وكاهنٌ، وكاذبٌ.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: أي: ليس كما يقولون: إنَّه باطل، بل هو حقٌّ، وسيعلمون ذلك.
стр. 7559
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: التَّكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير.
وقيل: التَّساؤل كان بين الكفَّار والمؤمنين في وقت القيامة.
فعلى هذا قال الضَّحَّاك: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: المؤمنون، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: الكفَّار (١).
وقيل: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: أنَّ اللَّهَ باعثُهم، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: ما اللَّه فاعلٌ بهم.
وقيل: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بنزول العذاب في الدُّنيا، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بعذاب الآخرة (٢).
وقيل: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بنزول عذاب الآخرة، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بدوامه.
* * *
(٦ - ٨) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقرير، وهو تعدادٌ للنِّعَمِ، واستبداءٌ للشُّكر، واستدعاءٌ إلى الإيمان.
يقول: قد خلقنا لكم الأرض بساطًا تتقلَّبون عليها كما يتقلَّب الرَّجل على بساطه.
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾: أي: للأرض لئلَّا تميد بكم.
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أي: أصنافًا وضروبًا، ذكورًا وإناثًا، أغنياء وفقراء، أصحَّاء ومرضى، أقوياء وضعفاء، حِسانًا وقباحًا، طوالًا وقصارًا، ونحو ذلك؛ لتختلف الأحوال، فيقعَ بهم الاعتبار، ويصحَّ الامتحانُ بالشُّكر والصَّبر، ويُعرَف كلُّ شيءٍ بضدِّه.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾: قال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة والحسن: هي الرِّياح (١).
وقال الخليل: يُقال: أعصرت الرِّياح فهي معصراتٌ، والإعصار: الرِّيح التي تثير السَّحاب (٢).
وعلى هذا معنى ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾؛ أي: من جهتها وبسببها وإثارتها السَّحاب.
وعن ابن عبَّاس -في رواية- والرَّبيعِ بن أنس: أنَّها السَّحائب (٣).
وبه قال الخليل والفرَّاء ونفطويه والقتبيُّ ﵏، قالوا: هي السَّحاب التي حملَتِ الماء، وقَرُبَ أن تمطرَ، كالجارية التي قاربَتِ المحيض ولم تحضْ بعدُ (٤).
قال الرَّاجز:
تمشي الهُوَينا مائلًا خمارُها... قد أعصرَتْ أو قد دنا إعصارُها (٥)
ويُقال: هي السَّحاب ذات الأعاصير؛ أي: الرِّياح، جمع إعصار.
﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد: أي: منصبًّا ومتتابعًا (٦).
وقد ثجَّ الماءَ يثُجُّه ثَجًّا؛ أي: سيَّلَهُ، وثَجَّ هو ثُجُوجًا؛ أي: سال، لازم ومتعدٍّ.
стр. 7562
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿حَبًّا﴾: وهو واحد الحبوب ﴿وَنَبَاتًا﴾؛ أي: كلأً.
﴿وَجَنَّاتٍ﴾: أي: بساتينَ ﴿أَلْفَافًا﴾: ملتفَّةَ الأشجار والثِّمار.
وقيل: الألفاف: جمع لِفٍّ -بكسر اللَّام- وهو المجتمِع.
وقيل: هو جمع لفيف، من قوله: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤]؛ أي: مختلِطين، وهو كالشَّريف والأشراف، والشَّهيد والأشهاد.
وقال الفرَّاء ﵀: هو جمع الجمع: لفَّاءُ للواحدة، وجمعُها اللُّف، وجمع اللُّفِّ: الألفاف، كالخُفُّ والأخفاف (١).
واللَّفاء: الشَّجرةُ الملتفة الممتلئة المجتمعة، ويُقال: امرأة لفَّاء؛ أي: ضخمة الفخذين مكتنِزة.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾: أي: وقتًا جُعل لهم يُفصَل فيه بين المحقِّ والمبطِل، والمحسِن والمسيء.
وقال السُّدِّي: ﴿مِيقَاتًا﴾؛ أي: مجمعًا للرُّسل والأمم (٢).
стр. 7563
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾: أي: جماعات.
قال قتادة وعكرمة: أي: أممًا، كلُّ أمَّة تتلو التي مضَتْ قبلَها (١).
وقيل: كلُّ أمَّة مع رسولها (٢).
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾: قيل: تفتح لنزول الملائكة. وقيل: تتصدَّع.
﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾: قيل: طرقًا كالأبواب حين تتشقَّقُ (٣) بعد أن كانت شدادًا لا فطورَ فيها.
وهذا أوَّل أحوالها عند قيام السَّاعة، ثم لها أحوال أُخَر بعدها، وهي في آيات: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
* * *
(٢٠ - ٢٣) - ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾.
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾: قال الحسنُ: فصارت خيالًا (٤) كالسَّراب الذي يَتخيَّل لصاحبه شيئًا وليس بشيء (٥).
ولها أحوال أيضًا: تُنسَفُ، ثم تُدَكُّ، ثم تُبَسُّ، ثم تصير كثيبًا مهيلًا، ثم كالعهن
стр. 7564
المنفوش، ثم هباءً منبثًا، ثم تمرُّ مَرَّ السَّحاب، ثم خيالًا كالسَّراب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: أي: طريقًا عليه ممرُّ الخلق، فهي ترصدهم؛ أي: تحفظهم.
﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾: أي: للمتمرِّدين المتجاوِزين القَدْرَ في المعاصي مرجعًا، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآيات [مريم: ٧١].
و ﴿كَانَتْ﴾ على معنى: أنَّها كانت في علم اللَّه تعالى كذلك.
﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: قرأ حمزة: ﴿لَبِثين﴾ بغير ألف (١)، وهما لغتان؛ أي: ماكثين فيها أزمانًا كثيرة.
﴿أَحْقَابًا﴾: جمع حُقْب بضم الحاء، وأمَّا الحِقْب -بالكسر- فجمعُها: الحِقَب.
والاحتقاب: الارتداف، والإحقاب: الإرداف، فالاسم (٢) على هذا للزَّمان المتتابع المترادف.
وقال الخليل: هو زمانٌ من الدَّهر لا قَدْرَ له (٣).
وعلى هذا معناه: لابثين فيها أزمانًا مترادفة، يتبَعُ بعضُها بعضًا من غير انقطاع.
وقال قتادة: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: لا انقطاع لها، كلَّما مضى حُقْبٌ جاء حُقْبٌ (٤).
وقال ابن مسعود ﵁: لا يعلم عدد الأحقاب إلَّا اللَّه تعالى (٥).
стр. 7565
وقال بعض أهل اللُّغة: الحُقْبُ: ثمانون سنة (١).
وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ الحُقْب ثمانون سنة من سني الآخرة (٢).
وقال مجاهد: الأحقاب: ثلاثة وأربعون حُقبًا، كلُّ حُقب سبعون خريفًا، كلُّ خريف سبعُ مئة سنة، كلُّ سنة ثلاثُ مئة وستون يومًا، كلُّ يوم ألف سنة (٣).
وقال ابن جريج: سمعْتُ محمَّد بن عجلان يقول: الحقب بضع وثمانون سنة، والسَّنة ثلاثُ مئة وستُّون يومًا، واليوم ألفُ سنة (٤).
وروى أبو أمامة الباهليُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الحقب ألفُ شهرٍ، كلُّ شهر ثلاثون يومًا، فذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، كلُّ يوم منها كألف سنة" (٥).