﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾: قال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة والحسن: هي الرِّياح (١).
وقال الخليل: يُقال: أعصرت الرِّياح فهي معصراتٌ، والإعصار: الرِّيح التي تثير السَّحاب (٢).
وعلى هذا معنى ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾؛ أي: من جهتها وبسببها وإثارتها السَّحاب.
وعن ابن عبَّاس -في رواية- والرَّبيعِ بن أنس: أنَّها السَّحائب (٣).
وبه قال الخليل والفرَّاء ونفطويه والقتبيُّ ﵏، قالوا: هي السَّحاب التي حملَتِ الماء، وقَرُبَ أن تمطرَ، كالجارية التي قاربَتِ المحيض ولم تحضْ بعدُ (٤).
قال الرَّاجز:
تمشي الهُوَينا مائلًا خمارُها... قد أعصرَتْ أو قد دنا إعصارُها (٥)
ويُقال: هي السَّحاب ذات الأعاصير؛ أي: الرِّياح، جمع إعصار.
﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد: أي: منصبًّا ومتتابعًا (٦).
وقد ثجَّ الماءَ يثُجُّه ثَجًّا؛ أي: سيَّلَهُ، وثَجَّ هو ثُجُوجًا؛ أي: سال، لازم ومتعدٍّ.
стр. 7562
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿حَبًّا﴾: وهو واحد الحبوب ﴿وَنَبَاتًا﴾؛ أي: كلأً.
﴿وَجَنَّاتٍ﴾: أي: بساتينَ ﴿أَلْفَافًا﴾: ملتفَّةَ الأشجار والثِّمار.
وقيل: الألفاف: جمع لِفٍّ -بكسر اللَّام- وهو المجتمِع.
وقيل: هو جمع لفيف، من قوله: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤]؛ أي: مختلِطين، وهو كالشَّريف والأشراف، والشَّهيد والأشهاد.
وقال الفرَّاء ﵀: هو جمع الجمع: لفَّاءُ للواحدة، وجمعُها اللُّف، وجمع اللُّفِّ: الألفاف، كالخُفُّ والأخفاف (١).
واللَّفاء: الشَّجرةُ الملتفة الممتلئة المجتمعة، ويُقال: امرأة لفَّاء؛ أي: ضخمة الفخذين مكتنِزة.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾: أي: وقتًا جُعل لهم يُفصَل فيه بين المحقِّ والمبطِل، والمحسِن والمسيء.
وقال السُّدِّي: ﴿مِيقَاتًا﴾؛ أي: مجمعًا للرُّسل والأمم (٢).
стр. 7563
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾: أي: جماعات.
قال قتادة وعكرمة: أي: أممًا، كلُّ أمَّة تتلو التي مضَتْ قبلَها (١).
وقيل: كلُّ أمَّة مع رسولها (٢).
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾: قيل: تفتح لنزول الملائكة. وقيل: تتصدَّع.
﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾: قيل: طرقًا كالأبواب حين تتشقَّقُ (٣) بعد أن كانت شدادًا لا فطورَ فيها.
وهذا أوَّل أحوالها عند قيام السَّاعة، ثم لها أحوال أُخَر بعدها، وهي في آيات: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
* * *
(٢٠ - ٢٣) - ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾.
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾: قال الحسنُ: فصارت خيالًا (٤) كالسَّراب الذي يَتخيَّل لصاحبه شيئًا وليس بشيء (٥).
ولها أحوال أيضًا: تُنسَفُ، ثم تُدَكُّ، ثم تُبَسُّ، ثم تصير كثيبًا مهيلًا، ثم كالعهن
стр. 7564
المنفوش، ثم هباءً منبثًا، ثم تمرُّ مَرَّ السَّحاب، ثم خيالًا كالسَّراب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: أي: طريقًا عليه ممرُّ الخلق، فهي ترصدهم؛ أي: تحفظهم.
﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾: أي: للمتمرِّدين المتجاوِزين القَدْرَ في المعاصي مرجعًا، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآيات [مريم: ٧١].
و ﴿كَانَتْ﴾ على معنى: أنَّها كانت في علم اللَّه تعالى كذلك.
﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: قرأ حمزة: ﴿لَبِثين﴾ بغير ألف (١)، وهما لغتان؛ أي: ماكثين فيها أزمانًا كثيرة.
﴿أَحْقَابًا﴾: جمع حُقْب بضم الحاء، وأمَّا الحِقْب -بالكسر- فجمعُها: الحِقَب.
والاحتقاب: الارتداف، والإحقاب: الإرداف، فالاسم (٢) على هذا للزَّمان المتتابع المترادف.
وقال الخليل: هو زمانٌ من الدَّهر لا قَدْرَ له (٣).
وعلى هذا معناه: لابثين فيها أزمانًا مترادفة، يتبَعُ بعضُها بعضًا من غير انقطاع.
وقال قتادة: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: لا انقطاع لها، كلَّما مضى حُقْبٌ جاء حُقْبٌ (٤).
وقال ابن مسعود ﵁: لا يعلم عدد الأحقاب إلَّا اللَّه تعالى (٥).
стр. 7565
وقال بعض أهل اللُّغة: الحُقْبُ: ثمانون سنة (١).
وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ الحُقْب ثمانون سنة من سني الآخرة (٢).
وقال مجاهد: الأحقاب: ثلاثة وأربعون حُقبًا، كلُّ حُقب سبعون خريفًا، كلُّ خريف سبعُ مئة سنة، كلُّ سنة ثلاثُ مئة وستون يومًا، كلُّ يوم ألف سنة (٣).
وقال ابن جريج: سمعْتُ محمَّد بن عجلان يقول: الحقب بضع وثمانون سنة، والسَّنة ثلاثُ مئة وستُّون يومًا، واليوم ألفُ سنة (٤).
وروى أبو أمامة الباهليُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الحقب ألفُ شهرٍ، كلُّ شهر ثلاثون يومًا، فذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، كلُّ يوم منها كألف سنة" (٥).
стр. 7566
وقيل: ماكثين فيها ما دامت الأحقابُ، وهي لا تنقطع، فكان معناه: لابثين فيها أحقابَ الآخرة وهي لا تنقطع (١)، كما لو قيل: أيَّام الآخرة، لكن ذكر الأحقاب أهولُ.
وقيل: إنَّ هذه أحقابٌ منقطعة؛ لأنَّها منكَّرة، ولا تَستغرِق، لكنَّها مدَّةُ ما ذُكِرَ بعدها:
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾.
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾: ثم بعد هذه المدَّة يُعذَّبون بعذاب آخر، وعلى هذا لا وقف عند قوله: ﴿أَحْقَابًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَرْدًا﴾، قيل: بردًا يسكِّن عنهم (٢) حرَّها.
﴿وَلَا شَرَابًا﴾: يزيل عطشهم ﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾؛ أي: لكن ماءً حارًّا ﴿وَغَسَّاقًا﴾: ماءً يسيل من أجساد أهل النَّار.
وقيل: ﴿بَرْدًا﴾؛ أي: راحة، وتبرَّد (٣)؛ أي: استراح.
وقيل: أي: نومًا. قاله شَرِيكٌ ومعمَر والكسائيُّ وقطرب والفرَّاء (٤).
قال الفرَّاءُ: إنَّ النَّوم يُبْرِدُ صاحبَه، وإنَّ العطشان لينام فينتبه وقد زال حرُّ عطشه (٥).
وتقول العرب: منع البردُ البردَ (٦).
стр. 7567
وعن ابن عبَّاس أيضًا ﵄: أنَّه النَّوم (١). قال الشَّاعر:
فإنْ شئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ... وإنْ شِئْتُ لم أطعَمْ نُقاخًا ولا بَردًا (٢)
وقيل: الغسَّاق: الزَّمهرير.
وقيل: المنْتِن.
وقيل: أي: لا يذوقون فيها بردًا إلَّا الغسَّاق، ولا شرابًا إلَّا الحميم.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿وَغَسَّاقًا﴾ بالتَّشديد على النَّعت، وقرأ الباقون بالتَّخفيف على الاسم كالشَّراب (٣).
* * *
(٢٦ - ٢٧) - ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾.
﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾: أي: جزاهم اللَّه بذلك جزاءً وافقَ أعمالهم (٤) وفاقًا.
وقيل: هو اسم كالوَفْق.
وقال مقاتل: وافق عذابُ الكفَّارِ الشِّركَ، فلا ذنبَ أعظمُ من الشِّرك، ولا عذابَ أعظمُ من النَّار (٥).
стр. 7568
وقال الحسن ﵀: أساؤوا العمل فأساء اللَّه لهم الجزاء (١).
وقال شهر بن حوشب: إنَّ في النَّار واديًا يُقال له: الغسَّاق، فيه ثلاثُ مئة وثلاثون (٢) شعبًا، في كل شعب ثلاثُ مئة وثلاثون بيتًا، في كلِّ بيت أربعُ زوايا، في كل زاوية شجاعٌ كأعظم ما خلق اللَّه تعالى من الخلق، في رأس كلِّ شجاع سمٌّ (٣). والشُّجاع: الحيَّة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾: أي: لا يخافون.
وقيل: أي: لم يكونوا مؤمنين يأمَلون حسابًا وثوابًا بعده.
* * *
(٢٨ - ٣٠) - ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾.
﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾: أي: تكذيبًا. قال الفرَّاء والكسائيُّ: هي لغة يمانيَة فصيحة (٤).
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾: أي: حفظناه كتابًا؛ أي: كتبه الملائكة بأمرنا حجَّة عليهم.
﴿فَذُوقُوا﴾: أي: فيُقال لهم: فذوقوا ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾؛ أي: لا يُنقَصون من هذا العذاب، بل يزادون عليه ما هو أشدُّ إيلامًا منه.
стр. 7569
(٣١ - ٣٤) - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾: أي: مخلَصًا.
﴿حَدَائِقَ﴾: أي: بساتين، وهي بدل عن الأول ﴿وَأَعْنَابًا﴾: عطف عليه.
﴿وَكَوَاعِبَ﴾: قال ابن عبَّاس: أي: نواهد (١). وهي صفة الحور العين.
﴿أَتْرَابًا﴾: جمع تِرْبٍ، وهي اللِّدَةُ (٢)؛ أي: هُنَّ على سنٍّ واحد.
وقيل: ذلك ثلاثٌ وثلاثون سنة.
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾: قال قتادة: مترَعةً (٣). أي: مملوءةً.
وقال مجاهد: أي: متتابِعةً على شاربها (٤).
وقال الخليل: أدهقْتُ الكأس: إذا شددْتَ مَلأَها، وأدهقْتُ الحجارة، وهي شِدَّةُ إلزاقها، بإدخال بعضها في بعض (٥).
* * *
(٣٥ - ٣٦) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾.
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾: أي: كلامًا لا فائدة فيه ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾؛ أي: لا يكذِّبُ بعضُهم بعضًا.
و ﴿فِيهَا﴾: ظاهرُه أنَّها كناية عن الحدائق، وقيل: عن الكأس؛ أي: لا يجري في شربهم ما يجري في شربة الدُّنيا من الهَذَيان والصَّخَب والعُدْوان.
بالخفض و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ كذلك؛ وصفًا لقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾، والباقون كلاهما بالرَّفع، على معنى: هو ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما وهو الرَّحمنُ.
وقرأ حمزة والكسائيِّ: ﴿رَبِّ﴾ بالخفض نعتًا للأوَّل، ﴿الرَّحْمنُ﴾ رفعًا؛ لأنَّه تباعَدَ عن الأوَّل، فرفع على تقدير: هو الرَّحمن (١).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: أي: لا يقدِرُ أحدٌ أن يخاطبَه بشفاعةٍ لأحد إلَّا بإذنه (٢).
* * *
(٣٨) - ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾: قال أكثر المفسِّرين: أي: جبريل.
وقال ابن عبَّاس: ﴿الرُّوحُ﴾: خَلْق عظيم (٣).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: يصفُّون ﴿صَفًّا﴾: كصفِّ بني آدم في الصَّلاة.
وقال الحسن وقتادة: ﴿الرُّوحُ﴾: بنو آدم (٤). وتقديرُه: ذوو الرُّوح؛ أي: الأرواح.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس قال: ﴿الرُّوحُ﴾: خَلْق على صورة بني آدم (٥).
وقال مجاهد: لهم أيدٍ وأرجلٌ ورؤوسٌ، يأكلون الطَّعام وليسوا بالملائكة (٦).
стр. 7572
وقال أبو صالح: يشبِهون النَّاس وليسوا بالنَّاس (١).
وقال ابن مسعود: الروح خلق عظيم أعظم من الجبال في السَّماء الرَّابعة، يسبِّح كلَّ يوم باثني عشر ألف تسبيحة (٢).
وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: الرُّوح مَلَك، له سبعون وجهًا (٣).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾: قيل: صُفوفًا، وقيل: اصطفافًا، يقومون منتصبين ساكتين هيبةً (٤).
﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾: قيل: هذا مُتَّصل بالأوَّل: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ فلا يتكلَّمون بالشَّفاعة إلَّا لمن ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ منهم بالشَّفاعة ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾؛ أي: يشفع لمن يستحقُّه، وهو المؤمن دون الكافر.
وقيل: ﴿صَوَابًا﴾؛ أي: كلمة التَّوحيد في الدنيا؛ أي: لا يكون (٥) الإذن بالشَّفاعة إلَّا للمؤمنين، ولهم شفاعة كما الأنبياء، واعتَرض قولُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾؛ أي: سكوتًا؛ أي: هذا يكون ذلك اليوم.
ولم يكن في الآية ذكر شفاعة الملائكة، وهو في موضعٍ آخر.
وقيل: الآية على ظاهر نظمها، وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ مطلَقٌ بلا
стр. 7573
استثناء، ثم قوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: الروح والملائكة لا يشفعون إلَّا بإذن اللَّه وبقول (١) الصَّواب، وهو الشَّفاعة لمن يستحقُّها.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾: أي: لا باطلَ فيه، فهو يوم العدل والإنصاف.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾: أي: مرجعًا بالعمل الصَّالح، فإنَّ ذلك ممكِنٌ له.
﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ﴾: أيُّها الكفَّار ﴿عَذَابًا قَرِيبًا﴾ في الآخرة، فإنَّ قيام السَّاعة قريب.
﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي: يرى، وقيل: يجد.
وقيل: هو عامٌّ للمؤمن والكافر، ثم الكافرُ يتمنَّى إذا رأى حاله أن يكون ترابًا.
وقيل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾؛ أي: المؤمن.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾: كلُّ كافرٍ:
﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾: لم أُخلَق، فلم أكلَّف وبقيْتُ ترابًا.
وقيل؛ أي: صرْتُ ترابًا الآن، وذلك حين تُحشَر الوحوش فيقادُ لبعضها من بعض، ثم تُجعَل كلُّها ترابًا، فيتمنَّى الكافر أن يكون منها فيصيرَ كذلك.
وقيل: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾؛ أي: إبليس: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾: مخلوقًا من التُّراب كآدم، ليثابَ ثوابَ المؤمنين من أولادِه، لا من النَّار، وهو مخلَّدٌ (٢) في النَّار.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
стр. 7574
سورة النازعات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي قصَّ علينا حديث موسى، الرحمنِ الذي أخرج الماء والمرعى، الرحيمِ الذي وعد الجنَّة مَن خاف مقام ربه ونهى النَّفس عن الهوى.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورة ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ كان حبسُهُ في القبرِ وفي القيامة حتَّى يدخلَ الجنَّةَ كَقَدْرِ صلاةٍ مَكتوبةٍ" (١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ستٌّ وأربعون آية، ومئة وتسع (٢) وسبعون كلمة، وسبعُ مئة وأربعة وسبعون حرفًا.
وختمُ تلك السُّورة وافتتاح هذه السُّورة في ذكر يوم القيامة.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر قيام السَّاعة، وجزاء أهل المعصية وأهل الطَّاعة.
* * *
(١ - ٥) - ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.
стр. 7575
قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾: للَّه تعالى أن يقسِمَ بما شاء من خلقِه؛ تنبيهًا على عِظَم شأن المُقْسَم به.
واختلف في هذه الأشياء:
قال ابن مسعود وابن عبَّاس ﵃: هو قسمٌ بالملائكة (١).
ووُصفوا بصفاتٍ شتَّى، فأمَّا ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: فإنَّها تنزع أرواح بني آدم، فإذا نزعَتْ أرواح الكفَّار، نزعتها بشدَّة.
وهو من قولهم: نزَعَ في القوس فأَغرق (٢)، وتقدير ﴿غَرْقًا﴾: إغراقًا، وطريقُه طريق قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقد بيَّنَّا وجه ذلك في (سورة البقرة)، على أنَّه حكَى قطرب عن يونس: غرق في سهمه.
وأمَّا النَّاشطات: فالملائكة تقبضُ روحَ المؤمن بسهولةٍ، كما يُنْشَطُ العِقالُ مِن يدِ البعير.
قال الفرَّاء: تقول العرب: نَشَطْتُ العقال؛ أي: شدَدْتُه، وأنشطْتُه: خلعْتُه (٣).
وقال الخليل: نَشَطْتُه وأنشطْتُه لغتان (٤).
стр. 7576
وقال القتبيُّ ﵀: نَشَطْتُ العقال: ربطْتُه (١)، لكنَّه خفيف، ونزع روح المؤمن خفيف كذلك.
وقيل: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: نازعات أرواح الكفَّار بشدَّة، كإثبات العقال. قاله ابن جريج (٢).
وأمَّا السَّابحات: فالملائكة تسبح بين السَّماء والأرض إذا نزلَتْ؛ أي: تُسرع كالسَّابح في الماء.
وقال قطرب: السَّابحات: الملائكةُ تقبض أرواح المؤمنين، يسلُّونها سلًّا رويدًا، ثم يدَعونها حتى تستريح، ثم يسلُّونها سلًّا رقيقًا، ثم يدَعونها تستريح. وكذا قاله الكلبيُّ، والسَّابح في الماء كذلك (٣).
وأمَّا السَّابقات سبقًا: فالملائكة تسبق الجنَّ باستماع الوحي.
وقال أبو روق: سبقَتْ بني آدم إلى العمل الصَّالح (٤).
وقال الحسنُ: سبقَتْ بالإيمان والتَّصديق (٥).
стр. 7577
وأمَّا المدبِّرات أمرًا: فلأنَّ اللَّه تعالى أقامَهم بتدبير أمورٍ في الرِّياح والأمطار والأرزاق والأعمال.
وقال السُّدِّي: النَّازعات والنَّاشطات أرواح الكفَّار، والسَّابحات والسَّابقات أرواح المؤمنين، تكاد تسبح لتخرج فرحًا بما بشِّرَتْ به من كرامة اللَّه تعالى، وتكاد تَسبق إلى ذلك قبل حينه (١).
وقال الحسن وقتادة: هي النُّجوم تَنزع من أفقٍ إلى أفقٍ طلوعًا وغروبًا، وتَنْشِط؛ أي: تسير من موضع إلى موضع.
وكذلك قال أبو عبيدة والأخفش (٢).
والثَّور الوحشيُّ ناشطٌ لأخذه في الوجوه، والحمار النَّاشط يَنْشِط من بلد إلى بلد، وطريق ناشطٌ: ينشِط من الطَّريق الأعظم يمنةً ويسرة.
وقال الشَّاعر:
معتزمًا للطُّرُقِ النَّواشِطِ (٣)
стр. 7578
ويسبَحُ؛ أي: يسير؛ قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
ويسبق بعضها بعضًا في الطُّلوع والغروب والسَّير.
وليس عن المتقدِّمين في المدبِّرات أنَّها النُّجوم، وحمَلها بعضُ المتأخرين عليها، على معنى السَّببيَّة، وأنَّ التَّدابير متعلِّقة بسيرها، من اللَّيل والنَّهار، وفصول السَّنة، والحرِّ والبرد، ونحو ذلك.
وقيل: (النَّازعاتُ غرقًا): القِسِيُّ؛ قاله عطاء، و (النَّاشطاتُ): الأوهاق (١)، و (السابحاتُ): السُّفن، و (السَّابقاتُ): الخيل. و (المدبِّراتُ): الملائكةُ. رواها واصل بن السَّائب عن عطاء (٢).
وكأنَّها قسمٌ بالمجاهدين في سبيل اللَّه، فهذه آلاتهم.
وقال سعيد بن المسيِّب: (النَّاشطاتُ) كلاب النَّار، تَنشِط أكفُّها وأظفارُها في أرواح الكفَّار، و (السَّابقاتُ): الملائكةُ يسبقون بأرواح الكفَّار إلى النَّار (٣).
واختلف في الذي يقع عليه القسم:
قال الفرَّاء: هو محذوفٌ، وهو: لتبعثُنَّ ولتحاسبُنَّ، بدلالة ما بعده (٤).
стр. 7579
وقال غيره: هو قوله (١): ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦].
وقيل: هو قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ لأنَّه بمعنى: قد أتاك.
وقيل: القسم على قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾: وهو مقدَّم تقديرًا، فجاز من غير كلمات القسم (٢).
* * *
(٦ - ٩) - ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾: أي: يوم يُنفَخ في الصُّور النَّفخة الأولى، فتضطرب لها الدُّنيا وتُزلزَل حتَّى يموت كلُّ من عليها.
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾؛ أي: النَّفخةُ الثَّانية، فتُبعَث النَّاس للحساب.
و ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: اسم للزَّلزلة الأولى، و ﴿الرَّادِفَةُ﴾ (٣): الزَّلزلة الثَّانية تَردُفُها؛ أي: تتبعُها.
стр. 7580
وقيل: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: الأرضُ المتزلزلة أوَّلًا، و ﴿الرَّادِفَةُ﴾: هي الأرض أيضًا في الكرَّة الثَّانية، تضطربُ لنشور الموتى، كما اضطربَتْ أوَّلًا لموت الأحياء.
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾: أي: شديدةُ الاضطراب، ووجيفُ الفرس والنَّاقة: اضطرابُهما في العَدْو. وهي قلوب أهل النَّار.
﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾: أي: أبصارُ أصحابِ هذه القلوب خاشعةٌ؛ أي: ذليلةٌ بما علاها من التَّغيُّر والتَّحيُّر (١).
قال عبد اللَّه بن عمرو: ينفخ في الصُّور النفخةُ الأولى من باب إيلياء الشرقي، والنفخة الثانية من بابها الغربي (٢).
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾.
﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار (٣)؛ أي: أفنُرَدُّ بعد موتنا إلى أوَّل الأمر، فنعودَ أحياء كما كنَّا؟
قال الفرَّاء: تقول العرب: أتيْتُ فلانًا، ثم رجعْتُ إلى حافرتي؛ أي: إلى حيثُ جئْتُ منه، ويُقال: النَّقدُ عند الحافرة؛ أي: عند أوَّل العقد (٤).
وقال الشَّاعر:
أحافرةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ... معاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعَارِ (٥)
стр. 7581
أي: أرجوعًا إلى أوَّل حال الشَّباب.
وقال ابن عبَّاس: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الدُّنيا (١).
وحكى الفرَّاء عن بعضهم: الحافرةُ: الأرضُ التي تُحفَرُ فيها قبورُهم، ومعناه: المحفورة، كالماء الدَّافق، بمعنى: المدفوق (٢).
﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾: أي: أنردُّ إلى الحياة بعدَ أن صرنا عظامًا بالية.
قرأ حمزة، والكسائيُّ في رواية، وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿نَخِرَةً﴾، والباقون: ﴿نَخِرَةً﴾ (٣).
قيل: هما لُغتان، كقوله: لَبِثين ولابثين، فَكِهين وفاكهين.
وقيل: النَّخرة: البالية، والنَّاخرة: العظم الذي تمرُّ فيه الرِّيح فيَنْخِرُ، -من حد (ضرب) - نخيرًا؛ أي: يصوِّت.
* * *
(١٢ - ١٤) - ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.
стр. 7582
﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: أي: رجعةٌ فيها خَسَار، وهو الهلاك والمصير إلى النَّار.
وقيل: أرادوا أنَّها باطلة، خسر مَن أمَّلها، فهو معنى قول الحسن: ﴿خَاسِرَةٌ﴾: كاذبة غير كائنة (١).
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: أي: صيحة واحدة؛ أي: لا يلحَقُ اللَّهُ تعالى في إحيائهم تعبٌ، إنَّما هو أن يُنفَخ في الصُّور.
﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أحياء ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾: قال الخليل ﵀: أي: بوجه الأرض بعد أن كانوا في بطنِها (٢).
وهو قول الأخفش وأبي عبيدة وقطرب وجميع أهل اللُّغة (٣).
وقال الفرَّاء: سُمِّيَتْ بها لأنَّ فيها الحيوان ونومَهم وسهرهم (٤)، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبرد.
وعن قطرب: أنَّها ظهرُ الفلاة، ومعناها: ذات سهرٍ؛ لأنَّه يُسهر فيها خوفًا منها (٥).
وقال أبو سعيد: السَّاهرة: صحراء (٦) على شفير جهنَّم.
стр. 7583
وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: السَّاهرةُ: أرضٌ من فضَّة بيضاء (١)، لم يُعْصَ اللَّه عليها، خلقَها يومَئذ.
وقال ابن كيسان: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: بالنَّفخة ذات السَّهر (٢)؛ أي: لا نوم معها.
* * *
(١٥ - ٢٠) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ وهذا تسلية للنَّبيِّ ﷺ فيما يعامله به قومُه من الجحود وإنكار البعث، ويقول: إنَّ قوم موسى فعلوا كذلك، وقد أهلكْتُهم وهم أشدُّ من قومِكَ شوكةً وعددًا وعُدَّة، فكذلك أفعل بهؤلاء: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ فإن كان أتاه قبل ذلك فمعناه: أليس قد أتاك؟ وإن كان لم يأته فمعناه: ما أتاك وأنا أُخبرك به.
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: أي: المباركِ المطهَّر.
﴿طُوًى﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بغير تنوين على أنَّه اسم للبقعة، والباقون منوَّنًا على أنَّه اسمٌ للوادي (٣).
وقال ابن عبَّاس: ﴿طُوًى﴾ بالعبرانيَّة معناه: يا رجل (٤).
стр. 7584
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾؛ أي: قال: اذهب، أُضمِرَ لدلالة النِّداء عليه.
﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾: وهذا (١) القول اللَّين الذي أُمرَ به في (سورة طه)، وهو على صيغة (٢) العرض دون الأمر، والتَّرغيبِ دون التَّرهيب؛ أي: هل لك ميلٌ إلى أن تتطهَّر من دنس الكفر بالإيمان والزَّكاة والطُّهر.
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾: أي: أدلَّك على ما فيه رضاء ربِّك ﴿فَتَخْشَى﴾؛ أي: تخاف عقابه.
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾: أي: المعجزة العظمى، وهي العصا صارت حيَّة، وأمَّا اليد فكانت مجموعة إليها، فكانت آية.
* * *
(٢١ - ٢٥) - ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.
﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾: فلم يصدِّق أنَّها من عند اللَّه، وخالَف أمره.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾: أي: أعرض عمَّا دعاه إليه موسى بجدٍّ فيه.
وقيل: فأدبر حين رأى العصا حيَّة يعدو خوفًا منها.
﴿فَحَشَرَ﴾: أي: فجمع قومَه ﴿فَنَادَى﴾ فيهم.
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: كلُّ ربٍّ هو دوني، وكان لهم أصنامٌ يعبدونها.
﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: أي: عاقبه اللَّه تعالى نكالًا له بخطيئته الآخرة، وهو قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وبخطيئته الأولى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
стр. 7585
[القصص: ٣٨]. وهو قول ابن عبَّاس والشعبي ومجاهد وابن أبي نَجيح والقُرَظي وعكرمةَ والضَّحَّاك (١).
وكان بين الكلامين عشرون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة.
وقيل: الأولى: تكذيبه موسى، والآخرة: قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
وقيل: الآخرة: عذاب الآخرة (٢)، والأولى: الإغراق في اليم.
* * *
(٢٦ - ٢٩) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: والعبرة للكلِّ، وإنَّما خصَّ به مَن يخشى لأنَّه هو المنتفِع بها، كما عُرِفَ في نظائره.
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، وهو خطاب لمنكري البعث، ولا شكَّ أنَّ مَن يتفاوت عليه مقدوره أنَّ السَّماء إذا كانت أعظم جثَّة وأوثق تأليفًا (٣) فخلقها أشدُّ، وخلقُ الآدميِّ وهو صغير الجثَّة ضعيف البنية دونه في الوهم، فمَن قدر على خلق السَّماء من غير شيءٍ فهو على خلقكم بعد موتكم أقدَرُ.
ثم قال: ﴿بَنَاهَا﴾: أي: رفع السَّماء فوقكم كالبناء المسقَّف.
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾: أي: أعلى سقفَها ﴿فَسَوَّاهَا﴾: فلا تفاوت فيها، وقيل: فلا فطور فيها، وقيل: هيَّاها.
стр. 7586
وقيل: فلا ارتفاع ولا انخفاض فيها، وبه يحتجُّ مَن يقول: إنَّها مسطحة.
﴿وَأَغْطَشَ﴾: أي: أظلمَ، وهو متعدٍّ هاهنا، وقد يجيء لازمًا.
﴿لَيْلَهَا﴾: أي: ليلَ السَّماء، وأضافه إليها لأنَّه يكون بغروب الشَّمس، وهي تضاف إلى السَّماء.
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: بإبراز (١) النَّهار، وأضاف الضُّحى إلى السَّماء لأنه يكون بطلوع شمسها.
* * *
(٣٠ - ٣٣) - ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾: أي: مَدَّها وبسطها، وقد دَحا يَدْحُو دَحوًا، ودَحَى يَدْحِي دحيًا، بالواو والياء.
وقال الكلبيُّ ﵀: دُحِيَتِ الأرض من مكَّة بعد خلق السَّماء بألفي عام (٢).
وقال ابن عبَّاس: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: مع ذلك. وقد بيَّنا في (سورة البقرة) و (سورة حم السجدة) اختلافَ النَّاس في خلق السَّماء والأرض أيُّهما كان أوَّلًا، مع دلائلهم في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض ﴿مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ قال القتبيُّ ﵀: انظر كيف دلَّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا
стр. 7587
للأنام ومتاعًا للأنعام، من العشب والشَّجر والحَبِّ والثَّمر والعصف والحطب واللِّباس؛ لأنَّ النَّار من العيدان وهي من الماء، والملح من الماء (١).
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: وقال: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤].
* * *
(٣٤ - ٣٦) - ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ قال ابن عبَّاس: أي: القيامة (٢).
وقال الحسن: أي: النَّفخة الثَّانية (٣).
وقال الفرَّاء: هي تَطُمُّ على كلِّ شيء وتَطِمُّ؛ بالضَّم والكسر (٤).
وفي "ديوان الأدب": طَمَّ السَّيل الرَّكيَّة؛ أي: دفنَها وسوَّاها، وكلُّ شيء كثر حتى يعلو فقد طمَّ، و ﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾؛ أي: الهائلة العظمى التي تفوق كلَّ هائلة (٥).
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾: أي: مجيء الطَّامَّة يكون في اليوم الذي يتذكَّر الإنسان فيه ما عمل في الدُّنيا من خيرٍ وشرٍّ بما وجده في كتابه.
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: أي: أُظْهِرَتْ ﴿لِمَنْ يَرَى﴾؛ أي: لكلِّ ذي بصرٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ الكلَّ يرونها، ثمَّ الكفَّار يُعذَّبَون بها.
стр. 7588
وقيل: ﴿لِمَنْ يَرَى﴾؛ أي: لمن يدخلها فيراها، أمَّا مَن مَرَّ عليها ناجيًا فقد توقَّى رؤيتها وهيبتها (١).
* * *
(٣٧ - ٤١) - ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾: هذا جواب قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾.
﴿طَغَى﴾: جاوزَ الحدَّ فتمرَّد وكذَّب وجحد.
﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي: اختارَها، وأغفل الآخرة فلم يَعمل لها.
﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾: أي: مأواه.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾: أي: علم أنَّ له مقامًا يوم القيامة لحساب ربِّه قبلَ ذلك وخافه.
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾: أي: منع نفسه من اتِّباع هواها.
﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾: أي: مأواه، والألف واللَّام بدل الإضافة في ﴿الْمَأْوَى﴾، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ نزلَتْ في النَّضر بن الحارث وأبيه الحارث ابن علقمة (٢).
стр. 7589
وقال عطاء عن ابن عبَّاس: هي في أبي عويمر عامر بن عمير بن هشام بن عبد الدَّار، وكان أُسِرَ يوم بدر فأخذتْهُ الأنصار ليلًا، فقالوا له: من أنت؟ فقال: أنا أخو مصعب بن عمير. فأكرموه، فلمَّا أصبحوا أخبروا مصعبًا بأنَّه عندهم، فقال: ما هو لي بأخٍ، ولا كرامة له، أوثقوه فإنَّ أمَّه أكثر أهل البطحاء مالًا، فأوثقوه حتَّى أرسلَتْ أمُّه في فدائه، وقتله أخوه مصعب بن عمير يوم بدر، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ هو أخوه مصعب بن عمير، خاف مقام ربِّه، فأسلم وهاجر وحضر بدرًا ومعه راية النَّبيِّ ﷺ ، وشهد أحدًا، ووقَى النَّبيَّ ﷺ بنفسه حين انهزم المسلمون (١) حتى نفذت السِّهام في جوفه، فلمَّا رآه النَّبيُّ ﷺ متشحِّطًا بدمه قال: " [عند اللَّه] أحتسِبُك"، وقال لأصحابه: "قد رأيته بمكَّة وعليه بردان ما تُعرف قيمتهما، وإنَّ شراك نعليه ذهب" (٢).
وكان النَّبيُّ ﷺ إذا أهديَتْ له هديَّة خبأها لمصعب (٣).
ووجَّهه النَّبيُّ ﷺ يوم العقبة قبل الهجرة إلى المدينة يعلِّمهم القرآن، وهو أوَّل مَن جمَّع بهم الصَّلاة، ولَمَّا استشهد يوم أحد وجاءت صفيَّة بثوبين لحمزة ومصعب، صار أقصرهما لمصعب، فكان إذا غُطِّي رأسُه بدَتْ رجلاه، وإذا غُطِّيَتْ رجلاه بدت رأسه، فقال ﷺ : "غطُّوا رأسَه، واجعلوا على رجليه الإذخر" (٤).
стр. 7590
وفيه نزلت: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١).
* * *
(٤٢ - ٤٦) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾: أي: يسألك هؤلاء المشركون عن السَّاعة التي فيها الطَّامة الكبرى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؛ أي: متى قيامُها؟.
والمرسَى: مصدرٌ كالإرساء -وهو الإثباتُ- أو وقتٌ له، وفي قيامِها إثباتها.
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾: كانوا يلحُّون في السُّؤال عن وقتها، ويسأل النَّبيُّ ﷺ اللَّهَ تعالى عن ذلك، فكان هذا منعًا لهم وله عن السُّؤال؛ أي: فلسْتَ أنت مِن ذكراها وعلمها في شيء، فلا يسألُنَّكَ ولا تسألَنِّي.
قالت عائشة ﵂: لم يزل رسول اللَّه ﷺ يسألُ عن السَّاعة حتى نزل هذا، فانتهى (٢).
стр. 7591
﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾؛ أي: ينتهي إلى اللَّه تعالى علمُ وقتها.
وقيل: مبتدأُ أمرِها: ذكرُها ووصفُها والإنذارُ بها، ومنتهاها: إقامتُها، وهي إلى اللَّه وللَّه تعالى.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾: خَصَّ مَن يخشى به لأنَّه هو المنتفع بالإنذار، وقد مرَّتْ نظائره.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾: أي: السَّاعة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾؛ أي: في الدُّنيا.
﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾: ضحى تلك العشيَّة، أو بعضَ يومٍ، وهو كقوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وهو استقلالُ مدَّة الدُّنيا، لفناء لذَّاتها وبقاء تَبِعاتها.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
стр. 7592
سورة عبس (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي له الإنشاء والإنشار، الرحمنِ الذي من عنده الأطعمة والثِّمار، الرحيمِ الذي بوعده الضَّحك في الآخرة والاستبشار.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورة عبس وتولَّى كان وجهُه يوم القيامة ضاحكًا مستبشرًا" (٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي أربعون آية، ومئة وثلاث وثلاثون كلمة، وخمسُ مئة وخمسة وثلاثون حرفًا.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك بعتاب النَّبيِّ ﷺ على السُّؤال عن قيام السَّاعة لسؤال الكفَّار، وافتتاحَ هذه بعتابه على تولِّيه عن ابن أمِّ مكتوم باستمالة الكفَّار.
وانتظام السُّورتَيْن: أنَّهما في ذكر الدُّنيا وما أعطانا اللَّه تعالى فيها، وذكر الآخرة وما يكون للأولياء والأعداء فيها.
стр. 7593
وافتتاحها بذكر قصَّة ابن أمِّ مكتوم، وذكر ذلك على وجوه:
منها ما رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّ رسول اللَّه ﷺ جلس إليه العبَّاس بن عبد المطَّلب وأميَّة بن خلف الجمحي، فهو يناجيهما، ويرجو أنْ يُسْلِما، فأتاه عبدُ اللَّه بن أمِّ مكتومٍ الأعمى، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، علِّمْني ممَّا علَّمَكَ اللَّهُ، فأعرضَ عنه وعبسَ في وجهِهِ، فنزل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فخرج النَّبيُّ ﷺ في طلبِه وهو يقول: "من رأى الأعمى"، فلمَّا لقيَه عانقَه وقال: "لن تزال في عيال محمَّدٍ ما بقيْتَ"، واستخلفه على المدينة مرَّتين (١).
وفي رواية عروة بن الزَّبير: جاء ابن أمِّ مكتوم إلى النَّبيِّ ﷺ وعنده عتبة بن ربيعة ورجال من قريش القصَّة (٢).
وقال مقاتل: ﴿عَبَسَ﴾؛ أي: كلحَ في وجه عَمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم ابن رواحة بن حجر بن عامر بن لؤي بن فهر بن مالك القرشي، وهو ابن أمِّ مكتوم، وأمُّه عاتكة بنت عامر بن عمرو بن مخزوم، وكان ضرير البصر، أتاه فقال: علِّمني ممَّا علمَكَ اللَّه، يعني: الإسلام والقرآن، فأعرض عنه وكلح في وجهه، وأقبل على العَّباس وأميَّة بن خلف، فنزلت الآية (٣).
стр. 7594
وقال عطاء: كان عند رسول اللَّه ﷺ عيينة بن حصن بن بدر الفزاريُّ، وهو في الحِجْر، فدخل عليه ابن أمِّ مكتوم. . . القصَّة.
وقال الحكم بن عتيبة: ما عبس رسول اللَّه ﷺ بعد نزول هذه الآية في وجه فقيرٍ، وما تصدَّى لغنيٍّ حتى لقي اللَّه (١).
وروي أنَّه كان يبسط لابن مكتومٍ رداءَه إذا جاءَه، ويقول: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربِّي" (٢).
وقالوا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان قصدُه من ذلك إعزازَ الدِّين واستمالةَ قلوب المشركين، وكان الأعمى يقطع عليه كلامه، وهو نوعُ سوءِ أدبٍ، فكان العبوس في موضع التَّأديب، ولكن لَمَّا كان يقع عند الضُّعفاء ظاهرًا أنَّه تقديم الغنيِّ على الفقير، والصَّحيحِ على الضَّرير، فتنكسرُ بذلك قلوبُهم، عاتبَه اللَّه تعالى في ذلك؛ تقويةً للضُّعفاء، وتطييبًا لقلوب الفقراء.
* * *
(١ - ٧) - ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾.
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ﴾؛ أي: كلحَ محمَّدٌ ﴿وَتَوَلَّى﴾؛ أي: أعرضَ.
وهذا تشريفٌ للنَّبيِّ ﷺ في ذكرِه على صيغة المغايبة، وهي فوق المخاطبة.
стр. 7595
﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾؛ أي: بأنْ جاءَه (١) الضَّرير.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾: ثم خاطبَه فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يا محمَّد ﴿لَعَلَّهُ﴾؛ أي: لعلَّ الأعمى ﴿يَزَّكَّى﴾ أصلُه: يتزكَّى، أدغمَت التَّاء في الزَّاي، كما في المزَّمِّل.
و ﴿يَزَّكَّى﴾ معناه: يزداد طهارة بما يتعلَّم منك، ويزول عنه دنس الجهل.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾: أي: يتَّعظ، وأصله: يتذكر، أُدغمَت التَّاء في الذَّال.
﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾: قرأ عاصم: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ نصبًا على جواب (لعلَّ)، والباقون رفعًا عطفًا على ﴿يَذَّكَّرُ﴾ (٢).
وذكر (لعلَّ) ليس للتَّشكيك، بل للتَّرقيق، كما في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾: أي: مَن كان غنيًّا بالمال، وجيهًا في الحال.
﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾: أي: تتعرَّض، من الصَّدد، وهو القرب، ومنه يُقال: داري صَدَدُ دارِه؛ أي: قُبَالتها، وأصله: يتصدَّد، فقُلِبَتِ إحدى الدَّالات ياء، كما في التَّمطي والتَّقصي.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾: يعني: لا يتزكَّى؛ أي: ليس عليك شيءٌ بألَّا يتطهَّر بالإيمان، ويبقى على نجاسة الكفر.
* * *
(٨ - ١٦) - ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
стр. 7596
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾: أي: يَجدُّ ويَحرص في قُرْبك والاستفادة منك.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾: أي: يخاف اللَّه تعالى.
وقيل: أي: يزداد في العلم، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾: أصلُه (١): تتلهَّى؛ أي: تشتغل، وإلى غيره تُقبِل.
﴿كَلَّا﴾: قيل: أي: لا تعدْ إلى مثلِه، وقيل: أي: حقًّا.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: إنَّ هذه العظةَ.
وقال الفرَّاء: أي: هذه السُّورة (٢).
وقال الكسائيُّ: يعني: إنَّ هذه الآية ﴿تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: تذكيرٌ ووعظ.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: أي: فمَن شاء من الخَلْق أَمكنه أن يتَّعظ به لوضوحه.
وقيل: أي: فمَن شاء اللَّه وفَّقه للاتِّعاظ فاتَّعظ به.
وقيل: شاء اللَّه لابن أمِّ مكتوم فذَكَرَه، ولم يشأْ للكافر فأنكرَه.
ولم يقل: (ذكرها) والأوَّل مؤنَّث؛ لأنَّه يرجع إلى الوحي، أو إلى القرآن، أو إلى المذكور، أو إلى الوعظ، أو إلى التَّذكير.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: أي: هذه التَّذكرة مُثْبتةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾: جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه الشَّيء ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾؛ أي: عند الملائكة وعند المؤمنين، وإن كان يستخِفُّ بها الكافر.
وقيل: منزَّهة عن الخطأ والباطل.
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾: قيل: هي رفيعة المكان لأنَّها في السماء السابعة.
стр. 7597
وقيل: هي رفيعة (١) القَدْر والمنزلة.
﴿مُطَهَّرَةٍ﴾؛ أي: في أيدي الملائكة المطهَّرين.
وقيل: لأنَّه لا يحلُّ أن يمسَّها إلَّا المطهَّرون.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾: أي: ملائكةٍ كَتبَة، وقد سَفَر يَسْفِر؛ أي: كتبَ، والسِّفْر -بالكسر-: الكتاب.
وقيل: هم سفراء بينَ اللَّه ورسوله بإنزال الوحي.
﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾: أي: كرامٍ عند اللَّه مطيعين للَّه تعالى.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: قيل: هو الإنسان الذي اشتغلَ به النَّبيُّ ﷺ عن ابن أمِّ مكتوم.
وقيل: هو جنس الكافر.
وقال ابن عبَّاس: هو عتبةُ بن أبي لهبٍ (٢).
وقال مجاهد: ﴿قُتِلَ﴾؛ أي: لُعِنَ (٣).
وقيل: أُهْلِكَ.
وقيل: هو خبر.
стр. 7598
وقيل: هو دعاء، ومعناه: تعليم الخلق بأن يدعو عليه به.
﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾: قيل: هو على التَّعجُّب؛ أي: ما أشدَّ كفرَه، وهو من اللَّه تعجيب لخلقه منه.
وقيل: هو على الفعل؛ أي: أيُّ شيء حملَه على الكفر، وهو استفهام بمعنى التَّوبيخ.
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: بيان لأصله على وجه السُّؤال لِمَا بعده من الجواب، والمراد به التَّقرير.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾: وهو ماء مَهين قذر.
قال الحسن: كيف يتكبَّر مَن خرجَ من سبيل البول مرَّتين (١).
﴿فَقَدَّرَهُ﴾؛ أي: فأوجده مقدَّرًا على هذه الهيئة الإنسانيَّة.
* * *
(٢٠ - ٢٣) - ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ وقتادة والسُّدِّي: هو خروجُه من بطن أمِّه (٢).
وقال ابن زيد: هو سبيل الإسلام (٣).
стр. 7599
وقال الحسن: ﴿يَسَّرَهُ﴾؛ أي: بصَّره بطريق الهدى من الضَّلال (١).
وقال مجاهد: سبيل السَّعادة والشَّقاوة (٢).
قال النَّبيُّ ﷺ : "كلٌّ ميسَّر لِمَا خُلِقَ له" (٣).
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾: أي: جعل له قبرًا.
وقيل: أمر الأحياء أن يقبروه، وقد قبرَ الحيُّ الميت يَقْبِرُه، من حدِّ (دخل يدخل)؛ أي: دفنَه، وأقبره اللَّهُ تعالى؛ أي: جعل له ذلك وأمر بذلك.
يقول: جعلَه ممَّن يُقبَر لا يُلقَى للسِّباع والطَّير، فيكونُ مكرَّمًا حيًّا ومَيْتًا.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾: أي: يحييه للوقت الذي يشاء.
﴿كَلَّا﴾: قال الحسن: أي: حقًّا (٤).
وقيل: هو متَّصل بأوَّل الآية، وهو قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾.
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: أي: لم يقضِ هذا الإنسان ما أمره اللَّه تعالى به من الإيمان والطَّاعة، فيستحقَّ التَّعظيم والتَّقديم.
و ﴿لَمَّا﴾ أصله: (لم) (٥)، و (ما) صلة، وأُدغمَت الميم في الميم.
وإنْ أُقرَّتْ هذه الآية على نظمها فمعناه: خلقه اللَّه تعالى فقدَّره، والسَّبيل يسَّره، وكذا وكذا؛ ليوحِّده ويعبده، ثمَّ هو لا يقضي ما عليه.
وقيل: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾؛ أي: لم يفعل، كما قال: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].
стр. 7600
(٢٤ - ٣١) - ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم بفتح الألف، والباقون بالكسر، والكسر للابتداء، والفتح للبناء (١).
فيقول: فلينظر الإنسان بقلبه نظرَ تدبُّرٍ إلى طعامه كيف حوَّلنا أحواله، كما ذكرنا تحويل أحوال نفسه في الآية الأولى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾: أي: فتقناها بالنَّبات ﴿شَقًّا﴾؛ أي: فتقًا.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾: هي حبوب الأطعمة.
﴿وَعِنَبًا﴾: وهو ما يكون في الكروم.
﴿وَقَضْبًا﴾: قال أبو عبيدة: رُطَبًا (٢).
وقال قطرب: علفًا (٣).
وقال القتبيُّ: قتًّا، وهو من القَضْب الذي هو القطع (٤).
وقال الخليل: ﴿وَقَضْبًا﴾: هو أغصان الشَّجر يُقطَع للسِّهام (٥).
﴿وَزَيْتُونًا﴾: هو معروف ﴿وَنَخْلًا﴾.
﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: أي: بساتين غلاظ الأشجار.