← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾: أي: يَجدُّ ويَحرص في قُرْبك والاستفادة منك. ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾: أي: يخاف اللَّه تعالى. وقيل: أي: يزداد في العلم، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾: أصلُه (١): تتلهَّى؛ أي: تشتغل، وإلى غيره تُقبِل. ﴿كَلَّا﴾: قيل: أي: لا تعدْ إلى مثلِه، وقيل: أي: حقًّا. ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: إنَّ هذه العظةَ. وقال الفرَّاء: أي: هذه السُّورة (٢). وقال الكسائيُّ: يعني: إنَّ هذه الآية ﴿تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: تذكيرٌ ووعظ. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: أي: فمَن شاء من الخَلْق أَمكنه أن يتَّعظ به لوضوحه. وقيل: أي: فمَن شاء اللَّه وفَّقه للاتِّعاظ فاتَّعظ به. وقيل: شاء اللَّه لابن أمِّ مكتوم فذَكَرَه، ولم يشأْ للكافر فأنكرَه. ولم يقل: (ذكرها) والأوَّل مؤنَّث؛ لأنَّه يرجع إلى الوحي، أو إلى القرآن، أو إلى المذكور، أو إلى الوعظ، أو إلى التَّذكير. ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: أي: هذه التَّذكرة مُثْبتةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾: جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه الشَّيء ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾؛ أي: عند الملائكة وعند المؤمنين، وإن كان يستخِفُّ بها الكافر. وقيل: منزَّهة عن الخطأ والباطل. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾: قيل: هي رفيعة المكان لأنَّها في السماء السابعة.

стр. 7597

وقيل: هي رفيعة (١) القَدْر والمنزلة. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾؛ أي: في أيدي الملائكة المطهَّرين. وقيل: لأنَّه لا يحلُّ أن يمسَّها إلَّا المطهَّرون. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾: أي: ملائكةٍ كَتبَة، وقد سَفَر يَسْفِر؛ أي: كتبَ، والسِّفْر -بالكسر-: الكتاب. وقيل: هم سفراء بينَ اللَّه ورسوله بإنزال الوحي. ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾: أي: كرامٍ عند اللَّه مطيعين للَّه تعالى. * * * (١٧ - ١٩) - ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: قيل: هو الإنسان الذي اشتغلَ به النَّبيُّ ﷺ عن ابن أمِّ مكتوم. وقيل: هو جنس الكافر. وقال ابن عبَّاس: هو عتبةُ بن أبي لهبٍ (٢). وقال مجاهد: ﴿قُتِلَ﴾؛ أي: لُعِنَ (٣). وقيل: أُهْلِكَ. وقيل: هو خبر.

стр. 7598

وقيل: هو دعاء، ومعناه: تعليم الخلق بأن يدعو عليه به. ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾: قيل: هو على التَّعجُّب؛ أي: ما أشدَّ كفرَه، وهو من اللَّه تعجيب لخلقه منه. وقيل: هو على الفعل؛ أي: أيُّ شيء حملَه على الكفر، وهو استفهام بمعنى التَّوبيخ. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: بيان لأصله على وجه السُّؤال لِمَا بعده من الجواب، والمراد به التَّقرير. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾: وهو ماء مَهين قذر. قال الحسن: كيف يتكبَّر مَن خرجَ من سبيل البول مرَّتين (١). ﴿فَقَدَّرَهُ﴾؛ أي: فأوجده مقدَّرًا على هذه الهيئة الإنسانيَّة. * * * (٢٠ - ٢٣) - ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ وقتادة والسُّدِّي: هو خروجُه من بطن أمِّه (٢). وقال ابن زيد: هو سبيل الإسلام (٣).

стр. 7599

وقال الحسن: ﴿يَسَّرَهُ﴾؛ أي: بصَّره بطريق الهدى من الضَّلال (١). وقال مجاهد: سبيل السَّعادة والشَّقاوة (٢). قال النَّبيُّ ﷺ : "كلٌّ ميسَّر لِمَا خُلِقَ له" (٣). ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾: أي: جعل له قبرًا. وقيل: أمر الأحياء أن يقبروه، وقد قبرَ الحيُّ الميت يَقْبِرُه، من حدِّ (دخل يدخل)؛ أي: دفنَه، وأقبره اللَّهُ تعالى؛ أي: جعل له ذلك وأمر بذلك. يقول: جعلَه ممَّن يُقبَر لا يُلقَى للسِّباع والطَّير، فيكونُ مكرَّمًا حيًّا ومَيْتًا. ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾: أي: يحييه للوقت الذي يشاء. ﴿كَلَّا﴾: قال الحسن: أي: حقًّا (٤). وقيل: هو متَّصل بأوَّل الآية، وهو قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: أي: لم يقضِ هذا الإنسان ما أمره اللَّه تعالى به من الإيمان والطَّاعة، فيستحقَّ التَّعظيم والتَّقديم. و ﴿لَمَّا﴾ أصله: (لم) (٥)، و (ما) صلة، وأُدغمَت الميم في الميم. وإنْ أُقرَّتْ هذه الآية على نظمها فمعناه: خلقه اللَّه تعالى فقدَّره، والسَّبيل يسَّره، وكذا وكذا؛ ليوحِّده ويعبده، ثمَّ هو لا يقضي ما عليه. وقيل: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾؛ أي: لم يفعل، كما قال: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].

стр. 7600

(٢٤ - ٣١) - ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم بفتح الألف، والباقون بالكسر، والكسر للابتداء، والفتح للبناء (١). فيقول: فلينظر الإنسان بقلبه نظرَ تدبُّرٍ إلى طعامه كيف حوَّلنا أحواله، كما ذكرنا تحويل أحوال نفسه في الآية الأولى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾: أي: فتقناها بالنَّبات ﴿شَقًّا﴾؛ أي: فتقًا. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾: هي حبوب الأطعمة. ﴿وَعِنَبًا﴾: وهو ما يكون في الكروم. ﴿وَقَضْبًا﴾: قال أبو عبيدة: رُطَبًا (٢). وقال قطرب: علفًا (٣). وقال القتبيُّ: قتًّا، وهو من القَضْب الذي هو القطع (٤). وقال الخليل: ﴿وَقَضْبًا﴾: هو أغصان الشَّجر يُقطَع للسِّهام (٥). ﴿وَزَيْتُونًا﴾: هو معروف ﴿وَنَخْلًا﴾. ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: أي: بساتين غلاظ الأشجار.

стр. 7601

والأغلَبُ: الرَّجل الغليظ الرَّقبة، والغلباءُ: المرأة الغليظة الرَّقبة، والغُلْبُ: جمعُها. وقال أبو عبيدة: نخلةٌ غَلْباءُ؛ أي: عظيمة (١). ﴿وَفَاكِهَةً﴾: ما يُتفكَّه به من الثِّمار. ﴿وَأَبًّا﴾: قال الفرَّاء: هو ما تأكلُه الأنعام (٢). وقال أبو عبيدة والأخفش وقطرب: هو المرعى (٣). وقال الخليل: الكلأ. وقال نفطويه: الأبُّ للبهائم كالفاكهة للإنسان (٤). وسئل أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ عن الأَبِّ فقال: أيُّ سماء تظلُّني وأيُّ أرض تقلُّني إذا قلْتُ في كتاب اللَّه ما لا أعلم (٥)؟! وقرأ أبيٌّ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال الصَّحابة: ما الأَبُّ؟ قال بعضُهم كذا، وبعضهم كذا، فقال عمر ﵁: آمنَّا به، كُلٌّ من عند ربِّنا (٦).

стр. 7602

وقيل: فلينظر الإنسان إلى طعامه حين يدخل جوفَه وحين يخرج منه، كيف تغيَّرت حاله من الطَّيِّب إلى الخبيث؟ ويجوز أن يكون هذا مَثلًا لتحقير الدُّنيا وما يَتفاخَر به أهل الدُّنيا، وتنبيهًا للإنسان على حاله. وعن ابن عبَّاس: ﴿إِلَى طَعَامِهِ﴾ يعني: إلى رجيعه؛ ليَعتبر به (١)، ونظيره قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. قال الضَّحَّاك: يعني: مخرج الغائط والبول (٢). * * * (٣٢ - ٣٧) - ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: هي الإبل والبقر والغنم. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾: قال الحسن: هي النَّفخة الثَّانية (٣). وقال القتبيُّ: الدَّاهية (٤). وقال الخليل: هي الصَّيحة تصخُّ الآذان؛ أي: تُصمُّها (٥). وقيل: هي يوم القيامة.

стр. 7603

وجواب هذا محذوف؛ لأنَّه معلومُ المراد مكشوف. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ﴾: أي: زوجته ﴿وَبَنِيهِ﴾؛ أي: أولاده. وقيل: يفرُّ حذرًا من مطالبتهم إيَّاه ممَّا بينهم من التَّبعات. وقيل: لئلا يرَوه وما به من الهوان. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾: أي: شأنٌ في نفسه يغنيه عن غيره. وقيل: ﴿يُغْنِيهِ﴾؛ أي: يصدُّه عنهم. قاله القتبيُّ ونفطويه (١). قال النَّابغة: تقولُ له الظَّعينَةُ أَغْنِ عنِّي... بعيرَكَ حينَ ليسَ به غَناءُ (٢) وقال مرة الهمدانيُّ: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾: هابيل من قابيل، ومحمَّدٌ ﷺ عن أمِّه، وإبراهيم ﵇ عن أبيه، ولوط عن امرأته، ونوح عن ابنه (٣). وقالت عائشة ﵂ حين قال النَّبيُّ ﷺ : "يُحشَرُ النَّاس (٤) حفاةً عراةً بهمًا غرلًا"، قالت: وكيف النِّساء؟ قال: "وكذلك"، قالت: واسوأتاه. قال: "يا هذه ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ " (٥).

стр. 7604

(٣٨ - ٤٢) - ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَة الْفَجَرَةُ﴾. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي: مضيئة، وهي وجوه المؤمنين. قال ابن عبَّاس: من قيام اللَّيل. وقال الضَّحَّاك: من آثار الوضوء (١). وعن عطاء قال: من طول ما اغبرَّت في سبيل اللَّه (٢). ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾: أي: أصحاب هذه الوجوه ضاحكون مسرورون. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾: وهي وجوه المشركين. ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾: هي إذا صارت الوحوش (٣) ترابًا ساطعًا غشي ذلك التُّراب وجوه الكفَّار. ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾: أي: سواد. وقيل: ﴿غَبَرَةٌ﴾: ظُلمة، و ﴿قَتَرَةٌ﴾؛ أي: ذلة. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ﴾: أي: أصحابها الكفَّار والأشرار. * * *

стр. 7605

سورة التكوير (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خوَّفنا مجيءَ يوم عظيم، الرحمنِ الذي أكرمَنا ببَعْثِ رسول كريم، الرحيمِ البَرِّ بمن (٢) شاء منَّا أن يستقيم. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أعاذه اللَّه تعالى أن يفضحَه حين تُنْشَرُ صحيفتُه" (٣). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ثمان وعشرون آية، ومئة وأربع كلمات، وأربعُ مئة وخمسة وعشرون حرفًا. وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك السُّورة ببيان اختلاف أوصاف الوجوه يوم القيامة، وافتتاح هذه السُّورة بظهور أمورٍ تكون عند وقوع يوم القيامة. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الملائكة والقرآن، والكفر والإيمان.

стр. 7606

(١ - ٤) - ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: أي: لُفَّتْ وألقيَتْ وأُذْهِبَ نورُها. قال أبو عبيدة والأخفش: تُلَفُّ كما تُلَفُّ العمامةُ (١). وقال أبو صالح: نُكِّسَتْ (٢). وقال ابن كيسان: سُوِّدَتْ (٣). وقال محمَّد بن جرير: جمع بعضها إلى بعض، ثم لُفَّتْ فرُمِيَ بها، وإذا فُعِلَ ذلك ذهبَ ضوؤها (٤). وروى عبد اللَّه بن عمر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن أرادَ أنْ يَنْظرَ إلى يوم القيامةِ كأنَّه رَأْيَ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ " (٥). ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾: أي: انتثرَتْ (٦)، وقال قطرب: انقضَّتْ (٧). ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾: أي: قُلِعَتْ وبتَّتْ وسُيِّرَتْ (٨) في الهواء.

стр. 7607

﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾: هي جمع عُشَرَاء، كالنِّفاس جمع نُفَسَاء. والعُشَراءُ: النَّاقة التي قد أتى على حملها عشرةُ أشهر، وهي أنفَس الأموال عند العرب، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذه الحالة، ويعطِّلون ما دونها. أخبر أنَّ هذه الحوامل على عزَّتها عند أهلها تُعطَّل وتُهمَل؛ لِشدَّة ما يُرَى (١) من الهول النَّازل بالنَّاس يومئذ، وهي كقوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]. * * * (٥ - ٦) - ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾؛ أي: جُمعَتْ واختلطَتْ بالنَّاس، وبعضها ببعض؛ لهول قيام السَّاعة، وهذا قبل القيامة. وقال ابن عبَّاس: حشرُها: موتُها (٢). وقيل: هو حشرها وبعثها مع النَّاس يوم القيامة، فيُقْتَصُّ للجمَّاء من القرناء كما روي، ثم يُقال لها: موتي، فتموت وتكون ترابًا، وعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿سُجِرَتْ﴾ خفيفة،

стр. 7608

وقرأ الباقون مشدَّدة (١)، فالتَّخفيف على أصل الفعل، والتَّشديد لكثرة المحالّ. والسَّجْر في اللُّغة لشيئين: - لِلْمَلْء؛ قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. - وللإحماءِ؛ يُقال: سجَرْتُ التَّنورَ. وفي الآية على هذا أقاويل: قيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: يبسَتْ وغارَتْ مياهُها، فلم يبقَ فيها شيءٌ، كما أنَّ الجبال تسير فلا يبقى منها على وجه الأرض شيءٌ، فتستوي الأرض كلُّها، فلا تبقى الجبال ولا البحار. والتَّنُّور إذا سُجِرَ نشف (٢) ما فيه من الرُّطوبة، فكأنَّها تُوقَد فتذهبُ مياهُها في الأرض. وقيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: فاضَتْ ومُلِئَتْ بأن رفع اللَّه الحاجز، وهو ما قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠]، فتفجَّرَت المياه فعصَّتِ الأرضَ كلَّها. قاله الكلبيُّ وغيره (٣). وقال الفرَّاء: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: أفضى بعضها إلى بعض (٤). وقيل: ﴿سُجِّرَتْ﴾؛ أي: أُوْقِدَتْ، ووجه ذلك: أنَّ طَبَق جهنَّم يُرفَع، فترتفع النَّار، فتفور المياه، فتمتلئ البحار نارًا. وقيل: يموَّر الشَّمس في البحار فتصير نارًا. قيل: هذه الستَّة قبل قيام السَّاعة.

стр. 7609

(٧ - ٩) - ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: هذا وما بعدها بعد قيام الساعة. قيل: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: هو قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]. وقيل: ﴿زُوِّجَتْ﴾؛ أي: قُرِنَتْ. وقال عمر بن الخطَّاب ﵁: يُقرَن بين الرَّجلين: الرَّجلِ الصَّالح مع الصَّالح في الجنَّة، والرَّجل السُّوء بالرَّجل السُّوء (١) في النَّار (٢). وقيل: زُوِّجَتِ الأجساد بالأرواح. وهو قول عكرمة والسُّدِّي (٣). وقيل: هو أن يُقرَن كلُّ إنسانٍ بمن كان يَلزمُه في الدُّنيا، من مَلَكٍ (٤) أو شيطان، وعلى هذا قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ أي: قرناءهم من الشَّياطين. ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾: أي: المدفونةُ حيَّة، وكانوا يفعلون ذلك في البنات آنفةً منهنَّ، وفرارًا عن تحمُّل مؤنتهنَّ، وخشيةَ الإملاق بسببهنَّ. وسؤال الموؤودة توبيخٌ لقاتلها، وهو أبلغُ من سؤاله؛ لظهور حالها وحاله، وهو كسؤال عيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهو للإلزام للنَّصارى (٥).

стр. 7610

وقيل: ﴿سُئِلَتْ﴾؛ أي: سُئِلَتْ عن سبب قتلها، والمسؤول والدها، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: مطلوبًا به. إليه ذهب أبو عبيدةَ وجماعة. * * * (١٠ - ١١) - ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾. ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾: أي: صحف الأعمال، تُنْشَر (١) فيُعطاها النَّاس منشورة بأيمانهم وشمائلهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿سُجِرَتْ﴾ و ﴿سُعِرَتْ﴾ مخففَّتين، و ﴿نُشِّرَتْ﴾ مشددة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿سُجِّرَتْ﴾، و ﴿سُعِّرَتْ﴾ مشدَّدتين، و ﴿نُشِرَتْ﴾ مخفَّفة. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿سُجِرَتْ﴾ و ﴿نُشِرَتْ﴾ مخفَّفتين، و ﴿سُعِّرَتْ﴾ مشدَّدة (٢). والتَّخفيف على الأصل، والتَّشديد للتَّكثير. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾: قال مقاتل: أي: كُشِفَتْ عمَّن فيها من الملائكة، ثم طُوِيَتْ (٣). وقيل: قُلِعَتْ كما يُقْلَع السَّقف. وقال الخليل: الكَشْطُ: رفعك شيئًا عن شيء قد غطَّاه من فوقه، كما يُكْشَطُ الجلد عن السَّنام وعن المسلوخة (٤). وهو قول الفرَّاء (٥).

стр. 7611

وفي "ديوان الأدب": كشطُ البعيرِ: نزعُ الجلدِ عنه، وكشطُ الطَّبق: رفعُه، وكشطُ الجُلِّ عن الفرس: سَرْوُهُ عنه (١). وقيل: ﴿كُشِطَتْ﴾: نُزِعَتْ عن أماكنها. * * * (١٢ - ١٦) - ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾؛ أي: أُوْقِدَتْ وزِيدَ في إحمائها. وقيل: أي: أُتِمَّ إيقادُها. وفي الخبر: "أُوقِدَ على النَّار ألفُ سنةٍ حتَّى احمرَّتْ، ثم ألفُ سنةٍ حتَّى ابيضَّتْ، ثم ألفُ سنة حتَّى اسودَّتْ، فهي سوداء مظلمة" (٢). ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾: أي: أُدنيَتْ. وقال الحسن: أي: أُدْنُوا منها، لا أنَّها تُزال عن موضعِها (٣). ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ هذا جوابُ كلِّ ما تقدَّم؛ أي: علمَ كلُّ إنسانٍ ما أحضرَ هناك من الأعمال خيرِها وشرِّها، وذكَر ما كان نسيه، قال اللَّه تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: له ثلاثة أوجهٍ ذكرناها في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].

стр. 7612

قوله: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: قسمٌ بالنُّجوم الخمسة، وهي المريخ وزُحَل وعُطَارِد والمُشْتري والزُّهَرة. والخنَّسُ: جمع خانس، وقد خَنَسَ يَخْنُسُ خُنوسًا، من حدِّ (دخل)؛ أي: تأخَّر. والكنَّسُ: جمع كانس، وقد كَنَسَ يَكْنِسُ كنوسًا، من حدِّ (ضرب)؛ أي: استتر. سُمِّيَتْ بها لأنَّها ترجع في مجاريها وتستتر فيها. وقيل: هي بالنَّهار خُنَّس كُنَّس؛ لأنَّها متواريةٌ فيه، مستترةٌ في الفلك وفي بيوتها منه. وقيل: تَخْنُس؛ أي: تتأخَّر عن مطالعها في كلِّ عام في بعض الأوقات. وهو قول عليٍّ والحسن وقتادة ومجاهد: أنَّها النُّجوم، والقسَم بها لمنافع العباد تعلَّقَتْ بها (١). وقال ابن مسعود وإبراهيم: هي بقر الوحش (٢). وقال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير والضَّحَّاك: هي الظِّباء (٣). إذا رأيْنَ الإنس خنسْنَ؛ أي: انقبضْنَ (٤) وتأخَّرْنَ، وإذا أتين كِناسَهُنَّ كَنَسْنَ؛ أي: دخلْنَ واستترْنَ، وهي خلقٌ من خلق اللَّه تعالى، أقسمَ بها كما أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. والأوَّل أولى؛ لأنَّ النُّجوم أشبه باللَّيل، وقد ذُكِرَ ذلك بعدَه فقال:

стр. 7613

(١٧ - ١٩) - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: قيل: أي: أدبر. وقيل: أي: أقبل ظلامُه. الأوَّل: قول عليٍّ وابن عبَّاس ومجاهد والضَّحَّاك وقتادة وابن زيد (١)، ومن أهل اللُّغة الأخفش والكسائيُّ (٢). والثَّاني: قول الحسن ومجاهد -في رواية- والفضيل عن عطيَّة (٣)، ومن أهل اللُّغة الخليل وقطرب ونفطويه (٤). وقال محمَّد بن جرير: عسعس اللَّيل وسعسع: إذا أدبر فلم يبقَ منه إلَّا اليسير (٥). ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾: أي: انبلج (٦). ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: أي: الذي ذكره محمَّد من أمر السَّاعة لقولُ رسولٍ كريمٍ، وهو جبريل، أضاف القولَ بالقرآن إليه لأنَّه هو الذي نزَلَ به من عند اللَّه بأمره. وقيل: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: القرآن، كنَى عن معلومٍ لا مذكورٍ، كما في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١]. وجبريل كريمٌ على اللَّه لجِدِّه في طاعته ومضيِّه على أمره.

стр. 7614

(٢٠ - ٢٢) - ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾. ﴿ذِي قُوَّة﴾؛ أي: ذي قدرةٍ على ما (١) تكلَّف، لا عجز له ولا ضعف، كما قال: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾: أي: وجيه، والمكانةُ: الجاه والمنزلة. ﴿مُطَاعٍ﴾: أي: تطيعه ملائكة السَّماوات؛ لعلمهم بمنزلته عند اللَّه. ﴿ثَمَّ﴾: أي: هناك، يعني: في السَّماوات. ﴿أَمِينٍ﴾: أي: مُؤتَمَنٍ على وحي اللَّه تعالى. ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾: أي: محمَّد ﷺ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾: بل هو أعقل العقلاء. قال عطيَّة: سألَ رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ أن يراه في صورته التي يكون عليها في السَّماء، فقال: ما أقدر على ذلك، وما ذاك إليَّ، فاستأذَنَ له (٢)، فأُذِنَ له، فأتاه قد سَدَّ الأفق، فلمَّا نظر النَّبيُّ ﷺ خَرَّ مغشيًّا عليه، فقال المشركون: مجنون، فنزل قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إلى آخر السُّورة (٣). * * * (٢٣ - ٢٥) - ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾: أي: محمَّدٌ ﷺ رأى جبريلَ على صورته، فتيقَّن أنَّه رسولُ اللَّه إليه، وأنَّه بُعِثَ إلى الخلق رسولًا.

стр. 7615

﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: أي: بناحية مطلع الشَّمس، وهو مبين؛ أي: من جهته تُرَى الأشياء وتَظهر، فكان البيان واقعًا من جهتِه، فكان مُبِينًا. ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: على الوحي ﴿بِضَنِينٍ﴾. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: أي: القرآن، وما أخبر به في هذه السُّورة. ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظَّاء؛ أي: بمتَّهم، والظِنَّةُ: التُّهمة، وهي من الظَّنِّ. وروَتْ عائشةُ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قرأ بالظَّاء (١). وقرأ الباقون: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضَّاد (٢)؛ أي: ببخيلٍ فيكتمَه عنكم، وهو نعت محمَّد ﷺ على قول المفسِّرين، ويصلح أن يكون نعتًا لجبريل، وقد سبق ذكرهما. وقال مقاتل بن حيَّان: رأى رسول اللَّه ﷺ جبريل من قبل المشرق بأجياد وهو بمكَّة قد ملأ الأفقَ بكلكله، رجلاه في الأرض، ورأسه في السَّماء، جناحٌ له بالمشرق، وجناحٌ له بالمغرب، فغُشِيَ عليه فتحوَّل جبريل في صورة بني آدم، فقيل لرسول اللَّه ﷺ لَمَّا رجع: ما رأيناك منذ بُعِثْتَ أحسنَ منك اليوم، فقال: "جاءني جبريل في صورته، فعَلِقني (٣) هذا من حسنه" (٤). وروى ابن شهاب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سأل جبريل ﵇ أن يتراءى له في

стр. 7616

صورته، فقال له جبريل: إنَّك لا تطيق ذلك، فقال: "إنِّي أحُّب أن تفعلَ"، قال: نعم، قال: "فاخرُجْ إلى بقيع الغرقد"، قال جبريل: لا يسعني ذلك المكان، قال: "فاخرُجْ إلى مكانِ كذا" فسمَّاه الرَّاوي، قال: لا يسعني ذلك، فخرج رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته، فخرَّ مغشيًّا عليه (١) حين رآه، ثم أفاق وجبريل مُسنده واضعٌ إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "سبحان اللَّه! ما كنْتُ أرى أنَّ شيئًا من الخلق هكذا"، فقال جبريل صلوات الرَّحمن عليه: فكيف لو رأيْتَ إسرافيل، إن له لاثني عشر جناحًا، منها جناح في المشرق وجناح في المغرب، وإنَّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل الأحيان لعظمة اللَّه تعالى، حتى يصير كالوصَع (٢) حتى ما يحمل عرشه إلَّا عظمته (٣). * * * (٢٦ - ٢٩) - ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: أي: معرِضين عن هذا البيان بعد (٤) بلوغ الغاية. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: أي: ليس القرآن إلَّا ذكرًا لِمَا به الحاجة إليه لكلِّ الإنس والجنِّ.

стр. 7617

وقيل: أي: إلَّا عِظة لهم، فيتَّعظون بما ذُكِّروا أن يتَّعظوا به (١). ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾: أي: نَفْعُ هذا الذِّكر لمن أراد (٢) أن يستقيم من اعوجاج الكفر. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾: أي: الاستقامة (٣). ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: قال عكرمة: قال أبو جهل لعنه اللَّه: الأمر إلينا؛ إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فنزلَتِ الآية (٤). * * *

стр. 7618

سورة الانفطار (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلق الإنسان فعدَلَه، الرحمنِ الذي وعد البِرَّ بنعيمٍ أُعِدَّ له، الرحيمِ الذي له الحكم والأمر، فما أعلمَه وما أعدلَه (٢)! وروى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورةَ إذا السَّماء انفطرت كُتِبَ له بعددِ كلِّ قطرةٍ من ماءٍ حسنةٌ، وبعدد كلِّ قبرٍ حسنةٌ، وأصلحَ له شأنَه" (٣). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي تسعَ عشرةَ آية، وثمانون كلمة، وثلاثُ مئة وأربعةٌ وعشرون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الأمور التي تكون عند قيام السَّاعة، والجزاء الذي يكون فيها لأهل المعصية ولأهل الطَّاعة. * * *

стр. 7619

(١ - ٥) - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾: أي: انشقَّتْ. ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾: أي: تساقطَتْ. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾: أي: سُيِّلَ بعضها في بعضٍ؛ لتزَلْزُل الأرض وتصدُّعِها. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾: أي: جُعِلَ أعلاها أسفلَها، وظاهرُها باطنَها، وأخرجَتْ أمواتها. وقيل: هو إخراج كنوزها. قاله الفرَّاء (١). ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾: قال ابن عبَّاس وقتادة: أي: قدَّمَتْ من طاعةٍ وتركَتْ (٢). وقال محمَّد بن كعب القُرظيُّ: أي: ما قدَّمَتْ من عملها وما أخَّرَتْ من سنَّةٍ سَنَّها (٣). وقيل: ما عملَتْ في أوَّل عمره وآخره، وقد انتهى ذلك، فلا عملَ بعدَه. وقال قتادة: علمَتْ نفسٌ ما قدَّمَتْ من المعاصي، وسوَّفَتْ من التَّوبة. وقال عبد العزيز: ما قدَّمت من المال لنفسِه، وما خلَّفَتْ منه لورثته (٤). * * *

стр. 7620

(٦ - ٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: أي: يا أيُّها الإنسان المنكِر للبعث الذي ذكرناه، ما الذي صَيَّركَ مغترًّا بربِّك مع إقرارك بأنَّه هو ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾؛ أي: قوَّم أعضاءَك ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: سوَّى مزاجك. وقرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ خفيفة، والباقون مشدَّدة (١). وقيل: هما لغتان بمعنًى واحد، وهو قول قطربٍ والأخفش (٢). وقال الحسين بن واقد: بالتَّشديد: جَمَّلك وحَسَّنك، وبالتَّخفيف: سوَّى خلقَكَ. وقال الفرَّاء: بالتَّشديد: جعلك معتدلًا، وبالتَّخفيف: صرَّفك إلى أيِّ صورة شاء (٣). وقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾؛ أي: مِن حُسنٍ ودَمامةٍ، وطولٍ وقصرٍ، وأنوثةٍ وذكورةٍ، ونحو ذلك. وقال مجاهد: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: من شَبَهِ أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ (٤). * * * (٩ - ١٢) - ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.

стр. 7621

﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما تقولون: لا بعثَ ولا حسابَ ولا جزاء. وقيل: ليس كما تقولون: إنَّكم محقُّون في عبادة الأصنام. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾: أي: بالحساب، وقيل: بالجزاء يومَ القيامة. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾: أي: ملائكةً يحفظون أعمالكم ويكتبونها، فتُخرج لكم يوم القيامة، فتحاسبون عليها وتجازَون بها. ﴿كِرَامًا﴾: أي: كرامًا على اللَّه بطاعته ﴿كَاتِبِينَ﴾؛ أي: أعمالكم. ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾: أي: لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم، فيُثْبتونها، واللَّه تعالى أجرى أموره مع عباده على ما يعاملون به فيما بينهم؛ لأنَّ ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم، فيُخرج لهم يوم القيامة كتابَ أعمالهم، وتشهد عليهم الملائكة بها، ثم جوارحهم، فيُقضَى عليهم بذلك إظهارًا للعدل. وروى أبو صالح عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الآية نزلت في أبي الأشدَّين (١): ﴿مَا غَرَّكَ﴾: في كفرك ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: المتجاوِز عنك ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾: من نطفةٍ فسوَّى خلْقَكَ في بطن أمِّك ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: جعلَكَ معتدلَ القامة. وقال الضَّحَّاك: إن كلدة ضرب النَّبيَّ ﷺ فلم يعاقبه اللَّه تعالى، فبلغ ذلك حمزة فأسلم حميَّة لذلك، ثم أراد كلدة أن يعود لضرب النَّبيِّ ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أراد به: أنَّه لم يعاقبه ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ ولم تكُ شيئًا ﴿فَسَوَّاكَ﴾؛ أي: فسوَّى أعضاءك ﴿فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: عدل خلقَكَ في العينين والأذنين والرِّجلين واليدين، ولم يجعله عضوًا واحدًا (٢).

стр. 7622

وعن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قرأ هذه الآية فقال: "غرَّهُ جهلُهُ" (١). وقال عمر: غرَّه حمقُه (٢). وقال الحسن: غرَّه شيطانُه الخبيث (٣). وقال قتادة: غرَّه إمهاله (٤). وقيل للفضيل: لو قيل لك يوم القيامة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ما كنْتَ تقول؟ قال: أقول: غرَّتني ستورك المرخاة (٥). وقال مقاتل: غرَّه عفو اللَّه تعالى (٦). وقال السَّرِيُّ بن مغلِّس: غرَّه رفق اللَّه به (٧). وقال يحيى بن معاذ الرَّازي: لو خُوطِبْتُ به قلْتُ: غرَّني برُّكَ بي سالفًا وآنفًا (٨). وقال أبو بكر الورَّاق: أقول: غرَّني كرمُكَ (٩).

стр. 7623

قال: ولو قال: ما غرَّك بربِّك الجبَّار، أو (١): القهَّار؟ لكان فيه إخطار، فلمَّا قال: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فذلك تلقين الجواب (٢). وأنشدوا لبعضهم (٣): يا كاسبَ الذَّنب أَمَا تستحي... فاللَّهُ في الخلوة ثانيكا غرَّكَ من ربِّك إمهالُه... وسَتْرَهُ طُوْلَ مَساويكا (٤) وقال آخر: يقولُ مَولايَ أَمَا تستحي... ممَّا أرى مِنْ سُوْءِ أفعالِكْ فقلْتُ يا مولايَ رِفْقًا فقد... جَرَّأني كَثْرَةُ أفضالِكْ (٥) * * *

стр. 7624

(١٣ - ١٩) - ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾: أي: إنَّ المطيعين في نعيم الجنَّة. ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾: أي: الكفَّار ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾؛ أي: النَّار الموقدة. ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾: أي: يدخلونها يوم القيامة الذي هو يوم الجزاء ويوم الحساب ويوم القضاء. ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾: أي: بخارجين، بل هم حاضروها مخلَّدين. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: وهذا تهويل وتعظيم لأمره. ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: مبالغة وتأكيد له. ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾: أي: يوم لا يملك فيه أحدٌ لأحدٍ شيئًا يدفع عنه ما يريد اللَّه إنزاله من عذابه. ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: أي: هو القاضي فيه دون غيره، وقد كان أعطى في الدُّنيا لخلقه ممالك وأقضيةً وتصرُّفات، وقد قطع يومئذ كلَّ ذلك، فالأمر أمرُه، والحكم حكمُه، والملك ملكُه، لا يقضي بشيء غيرُه، . * * *

стр. 7625

سورة المطففين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي جعل الويل للمطفِّفين، الرحمنِ الذي يرفع الأبرار في عليِّيِّن، الرحيمِ الذي يعطيهم الجنَّة ونعيمها يوم الدِّين. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ المطفِّفين سقاه اللَّه تعالى من رحيقٍ مختومٍ" (١). وهذه السُّورة مكيَّة، وقيل: مدنيَّة. قال مقاتل والواقديُّ: تعدُّ مكِّيَّة، ونزلت بعد خروج النَّبيِّ ﷺ من مكَّة قبل دخول المدينة (٢). وقال السُّدِّيُّ: هي مدنيَّة (٣). وقال ابن عبَّاس: نزلت بين مكَّة والمدينة في مهاجره، فأضيفت إلى المدينة (٤).

стр. 7626

وهي ستٌّ وثلاثون آية، ومئة وتسع وستون كلمة، وسبع مئة وتسعة وثلاثون حرفًا. وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه: أنَّهما في الوعيد. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في الوعيد والمواعيد لأهل الكفر وأهل التَّوحيد. * * * (١) - ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾: روى عكرمة عن ابن عبَّاس قال: لَمَّا قدم رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة كانوا من أخبث النَّاس كيلًا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسَنوا الكيل بعد ذلك (١). وقال محمَّد بن كعب: كان بالمدينة يهود تجَّار يطفِّفون، ففيهم نزلَتْ (٢). وروي أنَّها أوَّل سورة نزلَتْ بالمدينة (٣). ولما نزل النَّبيّ ﷺ المدينة احتاج إلى ابتداء سياستهم، فحملهم على التَّناصف في المعاملات، وكان مدارُ ذلك على الأخذ والإعطاء بالمكيال والميزان، فنزل هذا تقويمًا لهم. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ﴾ قال أبو هريرة: هو وادٍ في جهنَّم (٤).

стр. 7627

وقال الضَّحَّاك: هو الشِّدة من العذاب (١). وقال ابن كيسان: هو كلامُ كلِّ مكروب (٢). ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾؛ أي: المنقِصين الكيلَ، يُقال: إناء طُفاف: إذا كان ناقصًا عن الامتلاء، ويُقال: هذ (٣) طفُّ المكيالِ وطِفَافُه: إذا قارب مَلْأه ولم يُملأ. والمطفِّف: الذي يبلغ الطِّفَاف ولا يملأ. والطَّفيف: القليل. * * * (٢ - ٦) - ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾: أي: إذا اكتالوا لأنفسهم على النَّاس؛ أي: ما كان لهم على النَّاس. وقال الفرَّاء: أي: من النَّاس (٤). ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾؛ أي: يستكملون؛ أي: يقبضون على التَّمام. ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾: أي: كالوا لهم ﴿أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾؛ أي: وزنوا لهم ﴿يُخْسِرُونَ﴾؛ أي: ينقصون.

стр. 7628

وقال الفرَّاء: هو كلام أهل الحجاز وقيس: كِلْتُه ووزنْتُه؛ أي: كلْتُ له ووزنْتُ له (١). وعلى هذا: صدَقْتُه وصدقْتُ له، وكسَبْتُه وكسَبْتُ له، ووهَبْتُه ووهَبْتُ له. وفي مصحف حفصة ﵂: (وإذا كالوا لهم) (٢). وكان يجعل عيسى بنُ عمر: (كالوا) كلمة، ثم (هم) كلمة كنايةً عن الفاعل، ولا وجهَ له؛ لأنَّه ليس في المصحف بينهما ألف الفصل، فثبت أنَّه على الوصل (٣). ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾: أي: ألا يوقن ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: المطففون ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾: يوم القيامة ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾: منتصبين ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: في موضع الحساب. قال كعب: يقومون ثلاث مئة سنة (٤). وروى ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ في الآية قال: "يقومُ أحدُهم في رَشْحِهِ إلى أنصافِ أُذُنيْهِ" (٥). وقال نافع: كان ابن عمرَ يمرُّ بالبائع فيقول: اتِّقِ اللَّهَ، وأوفِ الكيل والوزن؛ فإنَّ

стр. 7629

المطفِّفين يوقَفون يوم القيامة لعظمةِ الرحمن حتى إن العرق يُلجمهم (١) إلى أنصاف آذانهم (٢). * * * (٧ - ٩) - ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾: هو فعِّيل من السَّجن، وهو للمبالغة، ولبيان أنَّ السِّجن فيه للخلود. وقال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة والضَّحَّاك: هو في الأرض السَّابعة (٣). وفي الخبر: أنَّه جبٌّ في جهنَّم (٤). وقيل: صخرة في الأرض السَّابعة. يقول: إنَّ أعمال هؤلاء الفجَّار المطفِّفين المنكرين للبعث مُثْبتةٌ في كتاب هو محفوظ عليهم إلى أن يُبعثوا فيُخرَجَ لهم، وهو موضوع في أسفل موضعٍ وأشدِّه عذابًا؛ إعلامًا بسوء حال أصحابه وخساستهم. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: عمَل الكفَّار مكتوب في صخرة تحت الأرض السَّابعة، خضراءَ خُضرةُ السَّماوات منها (٥).

стр. 7630

وقال مجاهد: عملهم في الأرض السَّابعة، لا يصعَدُ ولا يُقْبَلُ (١). وقال عطاء بن أبي مسلم: السِّجِّينُ: الأرض السَّابعة، وفيها إبليس وذرِّيته لعنهم اللَّه (٢). وقال سعيد بن جبير ومقاتل: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾؛ يعني: تحت خدِّ إبليس لعنه اللَّه (٣). وقال عبد اللَّه بن عمرو: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾: أرواح الكفَّار وأعمالهم (٤). وقال وهب: إذا قَبضوا روح الكافر دفعوها إلى ملائكة العذاب، فأرَوه ما شاء اللَّه أن يُرُوه من الشَّرِّ، ثم هُبِطَ به إلى الأرض السُّفلى، وهو السِّجين، وهو آخر سلطان إبليس، فأَثبتوا فيها كتابه (٥). وروى ضمرة بن حبيب عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الملائكةَ يرفعونَ عملَ العبدِ مِن عبادِ اللَّه تعالى، فيكثِّرونه ويزكُّونه، حتى ينتهوا به إلى حيث شاء اللَّه من سلطانه، فيوحي اللَّه إليهم: إنَّكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيب به على ما في نفسه، وإنَّ عبدي هذا لم يخلِص لي عملَه هذا، فاجعلوه في سجِّين" (٦).

стр. 7631

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾: هذا تهويل له. ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾: أي: مكتوب، وقيل: مُعلَّم. وقال قتادة: رُقِم لهم فيه بشرٍّ (١)؛ أي: كتب لهم فيه بإيجاب النَّار. * * * (١٠ - ١٣) - ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾: أي: مجاوزٍ للحدِّ. ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: مكتسِب للإثم. قال الكلبيُّ: هو الوليد بن المغيرة (٢)، كما ذكر في سورة (ن). وقيل: غيره، والصَّحيح أنَّه على العموم؛ لكلمة: ﴿كُلُّ﴾. ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أحاديث المتقدِّمين. * * * (١٤ - ١٥) - ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمر كما يقول: إنَّه أساطير الأوَّلين ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي:

стр. 7632

غَطَّى على قلوبهم ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: متقادمُ اعتدائهم وإثمهم، وجمع لأنَّه قال: ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾. وقيل: ﴿رَانَ﴾؛ أي: غلَب. وقيل: أي: طبَع. وروى أبو هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا أَذْنَبَ العبدُ كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تابَ صُقِلَ قلبُه، وإن عادَ زادَتْ، فذلك الرَّان (١) "، ثم قرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾: فإذا كان الكفَّارُ محجوبين عن رؤية اللَّه تعالى كان ذلك دليلَ أنَّ المؤمنين يرونَه ﷻ . وقال الحسين بن الفضل: كما حجبَهم في الدُّنيا عن توحيده حجبَهم في الآخرة عن رؤيته (٣). وسُئل مالك بن أنس عن هذه الآية فقال: لمَّا حجبَ أعداءَه فلم يرَوْه تجلَّى لأوليائِهِ حتى رأوه (٤). وقال الحسن ﵀: لو علم الزَّاهدون والعابدون أنَّهم لا يرون ربَّهم في المعاد لزهقَتْ أنفسُهم في الدُّنيا (٥). * * *

стр. 7633

(١٦ - ٢١) - ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾: أي: لدَّاخلو النَّارِ الموقدة. ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنيا. ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾: أي: المطيعين الذين لا يطفِّفون ويؤمنون بالبعث. ﴿الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: أي: لفي مراتبَ عاليةٍ، والفعِّيل للمبالغة، والجمع بالواو والنُّون تشبيهًا بما يعقِلُ؛ دلالةَ تعظيمِ شأنِها. وقيل: هو عُلُوٌّ على عُلُوٍّ. وقال كعب وقتادة ومجاهد والضَّحَّاك ﵏: هي السَّماء السَّابعة، وفيها أرواح المؤمنين (١). وقال ابن عبَّاس: هي الجنَّة (٢). وقال الضَّحَّاك في رواية: هي سِدرة المنتهَى (٣). وقيل: (عليون): الملائكة، وكأنَّه قال: لفي الملأ الأعلى. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: الصَّادقين في إيمانهم ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾؛ أي: في السَّماء السَّابعة ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ عملُهم مكتوب في لوحٍ من

стр. 7634

زَبَرْجَدةٍ خضراء، مُعلَّقٌ تحت العرش، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ أي: يشهد عملَ الأبرار مقرَّبو كلِّ سماء إذا رُفِع من (١) الأرض (٢). وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾؛ أي: مكتوبٌ لهم في ساق العرش، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ يعني: يشهد ذلك الكتابَ سبعةُ أملاك من مقرَّبي أهلِ كلِّ سماءٍ حتَّى (٣) يُصعَد به إلى السَّماء، من كرامةِ المؤمن على اللَّه تعالى (٤). * * * (٢٢ - ٢٤) - ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾: أي: في نعيم الجنَّة. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: قال ابن عبَّاس: أي: السُّررِ في الحِجال (٥). ﴿يَنْظُرُونَ﴾: إلى ما أعطاهم اللَّه تعالى من الملك والكرامة. وقال مجاهد: الأرائك من اللُّؤلؤ والياقوت (٦). ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾: أي: البِشْرَ (٧) والفرح بما أُعطُوه. * * *

стр. 7635

(٢٥ - ٢٦) - ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾: قال أبو عبيدة: الرَّحيقُ: الخمر الصَّافية (١). وقال الأخفش: ليس فيها غشٌّ (٢). وقال الخليل: هي أجود الخمر (٣). ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: قرأ الكسائيُّ: ﴿خَاتِمُهُ﴾ بالألف قبل التَّاء، والباقون: ﴿خِتَامُهُ﴾ بالتاء قبل الألف (٤). قيل: هذه الخمرة مختومة في الآنية بالمسك بدل الطِّين الذي يُختَم به (٥)، وهو غير الجاري في الأنهار، وهذه أفضل من ذلك. وقال مجاهد وابن زيد: خُتم إنائه بالمسك بدل الطِّين الذي يُختَم به الشَّراب في الدُّنيا (٦). وقيل: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾؛ أي: مقطعُه؛ أي: توجد ريح المسك عند خاتمة شربه. وهذا عن ابن عبَّاس والحسن وقتادة والضَّحَّاك (٧).
следующие страницы →