← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾: هذا تهويل له. ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾: أي: مكتوب، وقيل: مُعلَّم. وقال قتادة: رُقِم لهم فيه بشرٍّ (١)؛ أي: كتب لهم فيه بإيجاب النَّار. * * * (١٠ - ١٣) - ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾: أي: مجاوزٍ للحدِّ. ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: مكتسِب للإثم. قال الكلبيُّ: هو الوليد بن المغيرة (٢)، كما ذكر في سورة (ن). وقيل: غيره، والصَّحيح أنَّه على العموم؛ لكلمة: ﴿كُلُّ﴾. ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أحاديث المتقدِّمين. * * * (١٤ - ١٥) - ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمر كما يقول: إنَّه أساطير الأوَّلين ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي:

стр. 7632

غَطَّى على قلوبهم ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: متقادمُ اعتدائهم وإثمهم، وجمع لأنَّه قال: ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾. وقيل: ﴿رَانَ﴾؛ أي: غلَب. وقيل: أي: طبَع. وروى أبو هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا أَذْنَبَ العبدُ كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تابَ صُقِلَ قلبُه، وإن عادَ زادَتْ، فذلك الرَّان (١) "، ثم قرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾: فإذا كان الكفَّارُ محجوبين عن رؤية اللَّه تعالى كان ذلك دليلَ أنَّ المؤمنين يرونَه ﷻ . وقال الحسين بن الفضل: كما حجبَهم في الدُّنيا عن توحيده حجبَهم في الآخرة عن رؤيته (٣). وسُئل مالك بن أنس عن هذه الآية فقال: لمَّا حجبَ أعداءَه فلم يرَوْه تجلَّى لأوليائِهِ حتى رأوه (٤). وقال الحسن ﵀: لو علم الزَّاهدون والعابدون أنَّهم لا يرون ربَّهم في المعاد لزهقَتْ أنفسُهم في الدُّنيا (٥). * * *

стр. 7633

(١٦ - ٢١) - ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾: أي: لدَّاخلو النَّارِ الموقدة. ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنيا. ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾: أي: المطيعين الذين لا يطفِّفون ويؤمنون بالبعث. ﴿الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: أي: لفي مراتبَ عاليةٍ، والفعِّيل للمبالغة، والجمع بالواو والنُّون تشبيهًا بما يعقِلُ؛ دلالةَ تعظيمِ شأنِها. وقيل: هو عُلُوٌّ على عُلُوٍّ. وقال كعب وقتادة ومجاهد والضَّحَّاك ﵏: هي السَّماء السَّابعة، وفيها أرواح المؤمنين (١). وقال ابن عبَّاس: هي الجنَّة (٢). وقال الضَّحَّاك في رواية: هي سِدرة المنتهَى (٣). وقيل: (عليون): الملائكة، وكأنَّه قال: لفي الملأ الأعلى. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: الصَّادقين في إيمانهم ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾؛ أي: في السَّماء السَّابعة ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ عملُهم مكتوب في لوحٍ من

стр. 7634

زَبَرْجَدةٍ خضراء، مُعلَّقٌ تحت العرش، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ أي: يشهد عملَ الأبرار مقرَّبو كلِّ سماء إذا رُفِع من (١) الأرض (٢). وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾؛ أي: مكتوبٌ لهم في ساق العرش، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ يعني: يشهد ذلك الكتابَ سبعةُ أملاك من مقرَّبي أهلِ كلِّ سماءٍ حتَّى (٣) يُصعَد به إلى السَّماء، من كرامةِ المؤمن على اللَّه تعالى (٤). * * * (٢٢ - ٢٤) - ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾: أي: في نعيم الجنَّة. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: قال ابن عبَّاس: أي: السُّررِ في الحِجال (٥). ﴿يَنْظُرُونَ﴾: إلى ما أعطاهم اللَّه تعالى من الملك والكرامة. وقال مجاهد: الأرائك من اللُّؤلؤ والياقوت (٦). ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾: أي: البِشْرَ (٧) والفرح بما أُعطُوه. * * *

стр. 7635

(٢٥ - ٢٦) - ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾: قال أبو عبيدة: الرَّحيقُ: الخمر الصَّافية (١). وقال الأخفش: ليس فيها غشٌّ (٢). وقال الخليل: هي أجود الخمر (٣). ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: قرأ الكسائيُّ: ﴿خَاتِمُهُ﴾ بالألف قبل التَّاء، والباقون: ﴿خِتَامُهُ﴾ بالتاء قبل الألف (٤). قيل: هذه الخمرة مختومة في الآنية بالمسك بدل الطِّين الذي يُختَم به (٥)، وهو غير الجاري في الأنهار، وهذه أفضل من ذلك. وقال مجاهد وابن زيد: خُتم إنائه بالمسك بدل الطِّين الذي يُختَم به الشَّراب في الدُّنيا (٦). وقيل: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾؛ أي: مقطعُه؛ أي: توجد ريح المسك عند خاتمة شربه. وهذا عن ابن عبَّاس والحسن وقتادة والضَّحَّاك (٧).

стр. 7636

وقالت عائشة ﵂: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾؛ أي: خلاطه (١). وعن الضَّحَّاك قال: يجعل اللَّه فيها من ألوان الطِّيب كلِّه، فآخِر شيء فيه مسك (٢). وقال أبو الدَّرداء ﵁: هو شرابٌ أبيضُ مثل الفضَّة، يختِمون به آخِرَ شرابهم، لو أنَّ رجلًا من أهل الدُّنيا أَدخل فيه يدَه ثم أخرجَها لم يبقَ ذو روحٍ إلَّا وجدَ ريحَ طِيبه (٣). وقال أبو معاذ: بلغَنا أنَّه مختومٌ، ختَم اللَّه عليه يوم خلَقه، فلا يُفَكُّ خاتمه حتى يدخل أهل الجنَّةِ الجنّةَ، فيُفَكُّ هناك لهم، فيشربون منه (٤). قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾؛ أي: فليتبادر المتبادرون (٥). وقال عطاء: أي: فليَسْتبِق المستبِقون (٦). وقال مجاهد: فليعمل العاملون (٧).

стр. 7637

وقال مقاتل: فليتسارعِ المتسارعون (١). وقيل: فليرغب الرَّاغبون، من قولهم: نَفِسْتُ عليه نفاسَةً؛ أي: ضَنِنْتُ به (٢)، من حدِّ (عَلِم). * * * (٢٧ - ٣٢) - ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: أي: ومزاج الرَّحيق من عينٍ في الجنَّة تُسمَّى: تسنيمًا؛ من يتسنَّم الجدار؛ أي: يعلوها. قاله السُّدِّي (٣). وقيل: لأنَّه أعلى أشربة أهل الجنَّة، من السَّنام. قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾: أي: المقرَّبون يشربون التَّسنيم صِرْفًا، والأبرار -وهم أصحاب اليمين وهم دونهم- يشربونه ممزوجًا بالرَّحيق. و ﴿عَيْنًا﴾: نصبٌ على القطع. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: أي: أشركوا ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾: في الدُّنيا استهزاء بهم. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾: أي: يشير بعضهم إلى بعض بالعَيْنِ طعنًا فيهم وعيبًا لهم.

стр. 7638

﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَاكِهِينَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿فَكِهِينَ﴾، والباقون: ﴿فاكهين﴾ (١)، وهما لغتان، ومعناه: ناعمين مُعجَبين بحالهم. ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾: أي: رأوا المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾؛ أي: هم على ضلالٍ، فقد تركوا اللَّذات، وهجروا الشَّهوات، وتحمَّلوا المشاقَّ؛ لِمَا يرجونه في الآخرة من الثَّواب والكرامات، ولا حقيقة لها، فهذا منهم ضلالٌ، وتركُ حقيقةٍ بخيال. * * * (٣٣ - ٣٦) - ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾: أي: وما أُرْسِل الكفَّار رقباء على المؤمنين يحفظون أموالهم (٢) ويَرقبون أعمالَهم، بل أُمِروا بإصلاح أنفسِهم، واشتغالُهم بذلك أولى بهم مِن تتبُّع غيرهم. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾: والمؤمنون في الجنَّة، والكفَّار في النَّار. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: أي: هل جُوزوا على سوء أفعالهم جزاءَ أمثالهم. وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ. وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ الذين أشركوا من أهل مكَّة أبو جهل

стр. 7639

والوليد بن المغيرة وعقبة بن أبي معيط وأميَّة وأُبيٌّ ابنا خلف وزمعة بن الأسود والعاص بن وائل السَّهمي لعنهم اللَّه ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ يعني: العشرة المبشَّرة وخباب بن الأرتِّ والمقداد بن الأسود وعمَّار بن ياسر وصهيب بن سنان وعامر بن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة ﵃، ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾؛ وذلك أنَّه يُقال لأهل النَّار: اخرجوا منها، ويفتح لهم باب الجنَّة (١)، فإذا وصلوا إليه وظنُّوا أنَّهم داخلون سُدَّ الباب دونهم، يفعلون ذلك مرارًا، ويضحك المؤمنون، فذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] (٢). وقال مقاتل: إنَّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ مرَّ في نفرٍ من أصحابه بعبد اللَّه بن أبيٍّ والمنافقين، فتغامزوا فيما بينهم، ونالوا منهم، فإذا كان يوم القيامة دخل عليّ ﵁ وأصحابه الجنَّة، وظهرت بين أهل الجنَّة وأهل النَّار كُوًى ينظرون منها إلى النَّار وأهلِها كيف يُعذَّبون، فيضحكون منهم (٣). الحمد للَّه على ما مضى وأعان بفضله على ما بقي فنِعْم المعين (٤) * * *

стр. 7640

سورة الانشقاق (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي جعل مصيرَ الدُّنيا وأهلِها إلى فناء ومَنون، الرَّحمنِ الذي لم يعاجِلْ بأخذه الذين لا يؤمنون، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين العاملين الصَّالحات بأجرٍ غيرِ ممنون. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أعاذه اللَّهُ أن يعطيَه كتابَه وراءَ ظهرِه" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ثلاث وعشرون آية، ومئة وسبع كلمات، وأربعُ مئة وستَّة وثلاثون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر السَّاعة وما فيها. * * * (١ - ٥) - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾.

стр. 7641

قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾: أي: تصدَّعَتْ؛ قيل: لنزول الملائكة، وقيل: للسُّقوط والانتقاض. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾: قال ابن عبَّاس: أي: سمعَتْ وأطاعَتْ (١). من الأُذُنِ السَّامعة. وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة (٢). أي: لا تمتنع ممَّا أرادَ اللَّهُ تعالى بها من ذلك، وهو كما قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. قوله تعالى: ﴿وَحُقَّتْ﴾: أي: وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع لأمر اللَّه تعالى؛ إذ هي مربوبةٌ مصنوعة للَّه تعالى، يُقال: فلان محقوقٌ بكذا، قال الشَّاعر: لمحقوقةٌ أنْ تستجيبي لِوُدِّهِ وأنْ... تعلَمِي أنَّ المُعانَ مُوفَّق (٣) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾؛ أي: بُسِطَتْ باندكاك جبالها وآكامها، حتى تصيرَ قاعًا صفصفًا. وقيل: أي: زِيْدَ في سعَتِها لوقوف الخلائقِ عليها للحساب. ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾؛ أي: الكنوزَ والمعادن، وهذا عند قرب السَّاعة. وقيل: ألقَتْ الأمواتَ، وهذا عند البعث. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾: فسَّرناه. وقيل: جوابُ هذا كلِّه محذوف، ويجوز أن يكون ذلك: إذا كانت هذه الأشياء عَلِمَ المكذِّبون بالبعث ضلالهم.

стр. 7642

وقيل: فيها تقديم وتأخير، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. . . إلى آخرها. وقيل: جوب ﴿إِذَا﴾: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾، واعترضَ بينهما كلامٌ. وقال الزُّهريُّ: أخبرني علي بن الحسين أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامةِ مَدَّ اللَّهُ الأرضَ مَدَّ الأديم، حتَّى لا يكونُ لأحدٍ مِنَ البشرِ إلَّا موضِعَ قدمِهِ" (١). وقال مقاتل بن سليمان: إنَّ عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال أبا سلمة المخزومي جادلَ أخاه الأسودَ في الإسلام، فأخبره بالبعث، فقال الأسود لأبي سلمة: أكثرْتَ عليَّ ويحَكَ، أتراني مصدِّقًا بأنَّا إذا متنا وكنَّا ترابًا وعظامًا أئنا لمبعوثون، هيهات هيهات لما توعدون. فقال أبو سلمة: إي والذي خلقَكَ والجِبِلَّة الأوَّلين، ليكونَنَّ هذا، ولتركَبَنَّ الطَّبقة، ولتوافيَنَّ العقبةَ. فقال الأسود: فأين السَّماء والأرض يومئذ؟ وما حال النَّاس؟ فأخبره اللَّه تعالى فقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ يعني: انفرجَتْ لنزول الملائكة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾؛ أي: السَّماء سمعَتْ وأطاعَتْ ﴿وَحُقَّتْ﴾: وحُقَّ لها ذلك، ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ

стр. 7643

مُدَّتْ﴾؛ أي: سُوِّيَتْ كمدِّ الأديم كما كانت أوَّل مرَّة، ولا جبل عليها ولا بناء ولا شجر، واستوت ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الموتى ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ (١). * * * (٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾: هو خطابٌ (٢) للجنس. ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: قال نفطويه: أي: كَادٌّ تَعِبٌ. وقيل: أي: ساعٍ سعيًا شديدًا، وعاملٌ في دنياك عملًا تصير به ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ فيحاسبُك به، وهو معنى دخول: ﴿إِلَى﴾، وتقديره: عملًا عاقِبتُه الرُّجوعُ إلى اللَّه به، وهي (٣) صلةُ السَّعي؛ أي: ساع إلى ربِّك بعملك. ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾: أي: ملاقي كدحِكَ؛ أي: جزائه، أو ملاقي ربِّك، كما قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقد سبق ذكر كلِّ واحد منهما؛ أي: فانظر بأيِّ عمل تلقاه؛ أي: فالقَه بعملٍ ينجيك، لا بعمل يُرديك. وقيل: لقاء الكدح هو لقاء الكتاب الذي فيه كَتْبُ ذلك، يدل عليه أنَّه قال بعده: * * * (٧ - ٩) - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: أي: كتاب أعماله. ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾: وهو أن تُعرَض عليه أعماله، حسَنُها وسيِّئُها، فتُقبل منه الحسنات، ويُتجاوز عنه السَّيئات. كذا قاله الحسن (٤).

стр. 7644

وقالت عائشة ﵂: قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ نُوْقِشَ الحسابَ عُذِّبَ"، قلْتُ: فأين قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: "ذلك العَرْضُ" (١). ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: قال الحسن: أي: إلى الحور العين فرِحًا بما أعطاه اللَّه تعالى (٢). وقيل: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾: إلى زوجتِه في الدُّنيا. وقالوا: هذا يدلُّ على سبقِها إلى الجنَّة، وذلك لأنَّه لا كسب على النِّساء، فلا يطول وقوفهُنَّ في القيامة. * * * (١٠ - ١٣) - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾: وقال في (الحاقة): ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] (٣). قال مجاهد: تُجعَل شماله من وراء ظهره (٤). وقال ابن جريج: تُخلَع يدُه فتُجعَل من وراء ظهره، فيقرأ كتابه كذلك (٥).

стр. 7645

وقال الكلبيُّ: تُغَلُّ يمينه إلى عنقه، ثم تلوى يده اليسرى من ورائه، فيُعطَى كتابه (١). قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾: أي: يقول: يا ثبوراه (٢)، يا هلاكاه، وهو هلاك دائم، من المثابرة وهي المداومة. ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾: قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة: ﴿وَيَصْلَى﴾ خفيفةً؛ أي: ويَدْخُل، وقرأ الباقون بالتَّشديد (٣)، من التَّصلية وهي الإدخال. ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: قيل: منعَّمًا مستريحًا عن التَّعب بأداء العبادات، آمنًا عند نفسه من القيامة والعقوبات. وقيل: ﴿مَسْرُورًا﴾ بما عليه من الكفر، ثم (٤) يضحك ممَّن آمن بالبعث والحشر، فعاد هذا السرور إلى حزنٍ لا ينقطع، والمؤمن المحزون صار إلى سرورٍ لا ينقطع. * * * (١٤ - ١٥) - ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: أي: لن يرجعَ إلى ربِّه، ولن يُبعَث. والحور: الرُّجوع، والمحاورة: مراجعة الكلام. ﴿بَلَى﴾: أي: ليحورَنَّ ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾؛ أي: بما كان يعمل في الدُّنيا. وقال ابن عبَّاس: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: نزلَتْ في أبيِّ بن خلف الجُمَحي (٥).

стр. 7646

وقال مقاتل: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾: يعني: المكذِّبَ بالبعث، وهو الأسود ابن عبد الأسد (١). وقال محمد بن كعب: نزلت في الحارث بن عمرو القرشيِّ، وكان كثير الصَّوم، شديد الاجتهاد، وفيه نزلت: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (٢). وقال مقاتل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ يعني: أبا سلمة بن عبد الأسد، وهو أوَّل من هاجر إلى المدينة، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ يعني: أخاه الأسود، تُخلَع يده اليسرى، فتكون من وراء ظهره، فيُعطَى كتابه (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾: هو أن يُسمِعَه خطابَه بلا واسطة، فيخفِّفُ عليه سماعُ خطابه ما يلقاه من لطيف عتابه. وقيل: هو ألَّا يذكِّرَه ذنوبَه، لكن يقول له: ألم أفعل بك كذا؟ ولا يقول له: ألم تفعل كذا؟ يَعُدُّ عليه إحسانه، ولا يذكِّرُه عصيانه (٤). * * * (١٦ - ١٨) - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾: ﴿لا﴾: رَدٌّ لقول الكفَّار، و ﴿أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾؛ أي: الحمرةِ بعد غروب الشَّمس والبياضِ بعدها. هذا قول أكثر المفسرين. وقال عكرمة ومجاهد: الشَّفقُ: النَّهار (٥)؛ لأنَّ الشَّفق أثرُ الشَّمس، والشَّمسُ للنَّهار.

стр. 7647

﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾؛ أي: وما جَمع اللَّيلُ؛ أي: الحيواناتِ كلها، فسكنَتْ باللَّيل. وقيل: أي: ما اشتمل عليه اللَّيل، فيقع على كلِّ ما أدركه اللَّيل. وقال سعيد بن جبير: ما عُمِل فيه (١). فيتناول تهجُّدَ العباد. وقال أبو عبيدة: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جَمَع وضمَّ وعلا، فلم يمتنع فيه شيء، وجلَّلَ كلَّ شيء (٢). وكذا قال الأخفش. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: أي: امتلأ وتمَّ واستوى، وأصله: الاجتماع الذي قلْنا، وسَقْتُه فاستوسَقَ واتَّسق. أقسم بهذه الأشياء لتعلُّق المصالح والمنافع للعباد بها إظهارًا لقَدْرها. * * * (١٩) - ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيُّ بفتح الباء على خطاب الواحد، والباقون بالضَّم على خطاب الجمع (٣)؛ أي: لتركبُنَّ أيُّها النَّاس. والرُّكوبُ: اللُّزوم؛ قال الشَّاعر: وأركبُ ظهْرَ الشَّرِ حتَّى يملَّني... إذا لم أجدْ شيئًا سِوى الشَّرِّ مَرْكبًا (٤)

стр. 7648

والطبقاتُ: الحالات، و ﴿عَنْ﴾: بمعنى بَعْدَ؛ قال الشَّاعر: ما زلْتُ أقطعُ منهلًا عن منهلٍ... حتَّى نزلْتُ ببابِ عبدِ الواحد (١) ووجهه: أن مَن صار عن شيءٍ إلى شيءٍ صار إليه بعده، فصلح (عن) و (بعد)، وله وجوه: وقال ابن زيد: هما الآخرة بعد الأولى (٢). وقيل: حالًا بعد حالٍ إلى أن يقع (٣) الاستقرار في الجنَّة أو النَّار. وقال عكرمة: أحوال الإنسان: رضيع ثم فطيم وكذا وكذا إلى الموت (٤). وقال الكلبيُّ: حالًا بعد حال، مرَّة يعرفون ومرَّة يجهلون (٥). وقال عطاء: مرَّة فقرٌ، ومرَّة غنى (٦). وقال الحسين بن الفضل: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾؛ أي: شدَّةً بعد شدَّةٍ، يقال: وقع فلان في بنات طبق؛ أي: الدَّواهي، وهي البعث، ثم العرض، ثم كذا وكذا (٧).

стр. 7649

وقال الأقرع بن حابس: إنِّي امرؤٌ قد حلبْتُ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ... وسَاقَنِي طَبَقٌ منهُ إلى طَبَقِ فلسْتُ أصبو إلى خلٍّ يفارقني... ولا تقبضَنْ أحشائي من الفَرَقِ (١) وقال أبو (٢) سعيد: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: كان قوم (٣) في الدُّنيا في الرِّفعة فصاروا في القيامة إلى الضَّعَة، أو قوم كانوا في الضَّعَة فصاروا إلى الرِّفعة (٤). وقال أبو عبيدة والأخفش: لتركبُنَّ سُنَّة الأوَّلين في التَّكذيب والمعاصي (٥). وقال مكحول: في كلِّ عشرين عامًا يُحدِثون أمرًا لم يكونوا عليه (٦). وقيل: هو بشارة للمؤمنين؛ أي: لتصيرُنَّ من حال إلى حال في أمر أعدائكم، ثم يكون لكم النَّصر والظَّفر. ومَن قرأ على خطاب الوحد، فإنَّه يرجع إلى الإنسان المذكور في أول السُّورة: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ ويراد به الجنس.

стр. 7650

وقيل: هو خطاب للنَّبيِّ ﷺ ، وهو بشارة له بالنَّصر والظَّفر في العاقبة. وقال ابن عبَّاس وابن مسعود ﵃؛ أي: لتركبَن يا محمَّد أطباق السَّماء ليلة الإسراء (١). وهذا (٢) بشارة بالمعراج، وقال تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]. * * * (٢٠ - ٢٥) - ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: استفهام بمعنى التَّوبيخ. ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾: كذلك. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾؛ أي: ليس تركهم الإيمان والسُّجودَ لقصور البيان، بل لتقليدهم أباءهم في التَّكذيب. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾: أي: ينطوون عليه، وحقيقته: يجمعون في صدورهم، وقد أوعيْتُ الشَّيء في الوعاء؛ أي: جمعتُه فيه. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: ضع لهم الوعيد مكان البشارة.

стр. 7651

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قيل: أي: غير منقوص. وقيل: أي: غير مقطوع. وقال مقاتل: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾؛ أي: بالبعث والقرآن، نزلت في مسعود وحبيب وربيعة وعبد ياليل بن عمرو بن عمير. وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاهم فعرض عليهم الإسلام، فقال له مسعود: واللَّه لا أكلِّمك أبدًا؛ لَئِنْ كنْتُ صادقًا لأَنْتَ خيرٌ من أن أكلِّمَكَ، ولئن كنْتَ كاذبًا لأنْتَ شَرٌّ من أن أكلِّمَكَ. وقال حبيب: واللَّه لأسرقَنَّ باب (١) الكعبة إن كان اللَّهُ بعثَكَ نبيًّا. وقال ربيعة: أَمَا وجدَ اللَّهُ عبدًا يبعثُه غيرَكَ؟ فأنزل اللَّه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ من التَّكذيب في قلوبهم، فأسلم بعد ذلك ربيعة وعبد ياليل، فأنزل اللَّه فيهما واستثناهما فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي (٢): صدَّقوا بعد التَّكذيب، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: الطَّاعات، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غير منقوصٍ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "الحمد للَّه الذي جعل في أمَّتي مثلَ الرَّجلين الذي ذُكِرا في الكهف، باع أحدُهما آخرته بدنياه فخسر وخسر، وباع الآخر دنياه بآخرته فربح وربح" (٣).

стр. 7652

سورة البروج (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أهلك أصحاب الأخدود، الرحمنِ الذي نبَّهنا بحديث الجنود، الرحيم الذي هو الغفور الودود. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أعطاهُ اللَّهُ تعالى بعددِ كلِّ يومِ جُمُعةٍ وبعدد (٢) كلِّ يومِ عرفَةَ يكونُ في الدُّنيا عَشْرَ حَسَناتٍ" (٣). وهذه السُّورةُ مَكيَّةٌ. وهي اثنتان وعشرون آية، ومئة وتسع كلمات، وأربعُ مئة واثنان (٤) وستُّون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في وعد المؤمنين ووعيد الكافرين.

стр. 7653

(١ - ٢) - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: أقسمَ اللَّه تعالى بالسَّماء ذات البروج، وهي المنازل العالية. وقيل: القصور، وهي البروج الاثنا عشر المعروفة، تسير الشَّمس في كلِّها في كلِّ سنة، والقمر في كلِّ شهر، وقد تعلَّقَتْ بها مصالح ومنافع للعباد، فالقَسَم بها إظهارًا لقَدْرها. ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: أكثرُ المفسِّرين على أنَّه يوم القيامة، وروى ذلك أبو هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ (١)، وهو قول عليٍّ وابنِ عبَّاس والحسن وابن زيد وقتادة والرَّبيع بن أنس (٢). وقيل: هو اليوم الموعود لانشقاق السَّماء، وسقوطِ هذه البروج. * * * (٣) - ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: عن سلف المفسِّرين فيه عشرةُ أقاويل: أحدهما: أنَّ الشَّاهد يوم الجمعة، رُوي ذلك عن أبي هريرة وعن عليٍّ وابن عبَّاس والحسن وقتادة وابن زيد (٣).

стр. 7654

والثَّاني: أنَّه يوم الأضحى، وهو عن ابن عمر وابن الزُّبير والنَّخعي والثَّوري (١). والثَّالث: أنَّه يوم عرفة، عن مجاهد عن ابن عبَّاس (٢). والرَّابع: يوم القيامة، عن الكلبي عن أبي صالح عن جابر (٣). والخامس: هو اللَّه تعالى، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (٤). والسَّادس: محمَّد ﷺ ، عن عكرمة والحسن بن علي وابن المسيِّب والسُّدِّي، وعن ابن عبَّاس أيضًا (٥). والسَّابع: آدم ﵇ وذرِّيته، عن جويبر عن الضحَّاك (٦). والثَّامن: أنه عيسى ﵇، عن مجاهد (٧). والتَّاسع: الملائكة، عن عطاء الخراساني (٨).

стр. 7655

والعاشر: أنه الإنسان، عن كريب عن ابن عبَّاس، وعن عكرمة، وعن مجاهد: أنَّه ابن آدم (١). وقيل: الشَّاهد أعضاء بني آدم تشهد عليهم يوم القيامة. وقيل: الشَّاهد هو الحجر الأسود، والمشهود الحاجُّ. قال عليٌّ ﵁: إنَّ اللَّهَ تعالى لَمَّا أخذ الميثاق على بني آدم وأشهدهم على أنفسهم كتب بذلك كتابًا، وألقمَه الحجرَ، فإذا كان يوم القيامة جعل اللَّه له صورة تشهد لمن استلمَه (٢). وقال الحسن: الشَّاهد: اليومُ واللَّيل، يقول كلَّ يومٍ: أنا خلقٌ جديدٌ، وأنا على ما تعملُ فيَّ شهيدٌ (٣). وقال محمد بن علي التِّرمذيُّ: الشَّاهدُ: الحفَظة، والمشهودُ: ابن آدم (٤).

стр. 7656

وقيل: الشَّاهدُ: الأنبياء، والمشهودُ محمَّد ﷺ ، وهو في آية (١) أخذ ميثاق على الأنبياء: ﴿فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. وقيل: الشَّاهد هو اللَّه تعالى والملائكة وأولو العلم، من قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]. وقال بعض أهل المعرفة: كلُّ جزءٍ من العالم شاهدٌ لمن تدبَّره على أنَّ له خالقًا خلقَه، قال الشَّاعر: فيا عجبًا كيفَ يُعصَى الإله... أمْ كيفَ يجحدُهُ الجاحِدُ وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ... تَدلُّ على أنَّه واحِدُ وللَّهِ في كلِّ تحريكةٍ... علينا وتسكينةٍ شاهِدُ (٢) وقيل في المشهود: هو يوم القيامة. وقيل: يوم عرفة. وقيل: يوم الجمعة. وقيل: يوم النَّحر. وقيل: هو الإنسان.

стр. 7657

وممَّا يَصلح دليلًا لبعض هذه الأقاويل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وهو يوم (١) القيامة. وعن أبي الدَّرداء عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أكثِروا عليَّ الصَّلاة يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم مشهودٌ، تشهده الملائكة" (٢). وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]، وهذا في أيَّام الحجِّ؛ يوم التَّروية ويوم النَّحر ويوم عرفة. وقال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وهو النَّبيُّ ﷺ . وقال: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، فيكون الإنسانُ مشهودًا؛ أي: مشهودًا عليه، كما قال: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] أي: مسؤولًا عنه. وقال ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فهذا يدلُّ على أنَّ الإنسان شاهدٌ. واختلف في جواب هذا القسم: قيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ وقيل: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. وقيل: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ مقدَّم، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ مؤخَّر والقسم عليه. * * *

стр. 7658

(٤) - ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: وهو الشَّقُّ العظيم. وفي قصَّتهم حثُّ المؤمنين على الصَّبر وتحمُّلِ أذى الكفَّار، فقد كان في الزَّمن الماضي كذلك، وكان المشركون يعذِّبون بلالًا وعمارًا وآخرين، فَنبّهوا (١) أنَّ شرط الإيمان هو الصَّبر في اللَّه، وانتظار الفرج في الدُّنيا، والثَّواب في الآخرة. والرِّواياتُ مختلفة في ذلك جدًّا: روى صهيب ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "كان ملكٌ فيمَنْ كان قبلَكُم، وكان له ساحرٌ، فلمَّا كَبِرَ قال للملِكِ: إنِّي قد كَبِرْتُ، فابعث إليَّ غلامًا أعلِّمُه السِّحْرَ، فبعثَ إليه غلامًا فعلَّمَه، وكان في طريقِهِ راهبٌ يقعُد إليه الغلامُ ويسمَعُ كلامَه، فأعجبَه، وكان إذا أتى السَّاحرَ ضربَه، وإذا رجع من عند السَّاحر قَعَدَ إلى الرَّاهب ويسمَعُ كلامَه، فإذا أتى أهلَه ضربوه، فشكا ذلك إلى الرَّاهب، فقال له: إذا خشيْتَ (٢) السَّاحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيْتَ (٣) أهلَكَ فقل: حبسني السَّاحر. فبينما هو كذلك إذ (٤) أتى على دابَّة عظيمة قد حبسَتِ النَّاس، فقال: اليومَ أعلمُ أنَّ الرَّاهِبَ أفضلُ أم السَّاحر، فأخذ حجرًا ثم قال: اللَّهم إن كان أمرُ الرَّاهب أحبَّ إليك من أمر السَّاحر فاقتل هذه الدَّابة حتى يمضيَ النَّاس، فرماها فقتلَها، ومضى النَّاسُ، فأتى الرَّاهبَ فأخبرَه، فقال له الرَّاهبُ: يا بنيَّ أنت اليوم أفضل منِّي، قد بلغ من أمرِكَ ما أرى، وإنَّك ستُبْتلى، وإنِ ابتُليْتَ فلا تدلَّنَّ عليَّ.

стр. 7659

وكان الغلام يبرئ الأكمَهَ والأبرص، ويداوي النَّاس من سائر الأدواء، فسمعَ جليسُ الملِكِ وكان قد عَمِيَ، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: هذه لك أجمَعُ إنْ أنتَ (١) شفيتني، فقال: أنا لا أشفي أحدًا، إنَّما يشفي اللَّه تعالى، فإنْ آمنت باللَّه دعوْتُ اللَّهَ تعالى فشفاكَ، فآمَنَ باللَّه فشفاه، فأتى الملِكَ يمشي، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال الملِكُ: مَن رَدَّ عليك بصرَكَ؟ قال: ربِّي، قال: وَلَكَ رَبٌّ غيري؟ قال: ربِّي وربُّك اللَّه، قال: فأخذه فلم يزلْ (٢) يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ على الغلام، فجِيْءَ بالغلامِ، فقال له الملِكُ: يا بنيَّ، قد بلغَ مِنْ سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأكمَهَ والأبرَصَ، وتفعلُ وتفعلُ! قال: أنا لا أَشْفِي أحدًا، إنَّما يشفِي اللَّهُ. قال: فأخذَهُ فلم يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ على الرَّاهبِ، فجِيْءَ بالرَّاهِبِ، فقيل له: ارجِعْ عن دينِكَ، فأبى، فدعا بالمنشارِ فوضَعَهُ في مَفْرِقِ رأسِه، فشقَّه به (٣) حتَّى وقعَ شِقَّاه، ثم جِيْءَ بجليس الملِكِ، فقيل له: ارجع عن دينِكَ، فأبى فوُضِعَ المنشار في مَفْرِقِ رأسِهِ، فشقَّه به حتَّى وقعَ شِقَّاه. ثم جِيْءَ بالغلام فقِيْلَ له: ارجعْ عن دينِكَ فأبى، فدفعَه إلى نفرٍ من أصحابِه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا (٤)، واصعَدُوا به الجبلَ، فإذا بلغْتُم ذروتَه فإنْ رَجَعَ عن دينِهِ وإلَّا فاطرَحُوْهُ، فذهبوا به إلى الجبلِ فقال: اللَّهمَّ اكْفِنِيْهِم بما شِئْتَ، فرَجَفَ بهِمِ الجبلُ فسقَطوا، وجاء يمشي إلى الملِكِ، فقال له الملِكُ: ما فعلَ أصحابُكَ؟ قال: كفانِيْهِمُ اللَّهُ (٥).

стр. 7660

فدفعَهُ إلى نفرٍ مِنْ أصحابِهِ، فقال: اذهبوا به في قُرْقُوْرٍ (١) -وهي السَّفينة- فلجوا به البحرَ (٢)، فإنْ رجعَ عن دينِه وإلَّا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللَّهمَّ اكْفِنِيْهِمْ بما شِئْتَ، فانكفَأَتْ بهِمِ السَّفينةَ، ثمَّ عادَ الغلامُ إلى الملِكِ (٣). ثمَّ قال للملِكِ: إنَّكَ لسْتَ بقاتلي حتَّى تفعلَ ما آمرُكَ به، قال: وما هو؟ قال: تجمَعُ النَّاسَ في صعيدٍ واحدٍ وتصلُبُني على جذعٍ، ثم تأخذُ سهمًا من كِنانتي، ثم قُلْ: بسمِ اللَّهِ ربِّ الغُلامِ، ثمَّ ارمِنِي بِهِ، فإنَّكَ إذا فعلْتَ ذلك قتلتَنِي، فجمَعَ النَّاسَ في صعيدٍ واحدٍ، ثمَّ صلبَهُ على جِذْعٍ، ثم أخذَ سَهمًا مِن كنانَتِهِ، ثم وضعَ السَّهمَ في كبدِ قَوْسِهِ، ثمَّ قال: بسمِ اللَّهِ رَبِّ الغلام، ثمَّ رماهُ، فوقع السَّهمُ في صُدْغِهِ، فوضعَ يدَه عليه فمات، فقال النَّاسُ: آمنَّا بربِّ الغلام. فقيل للملِكِ: قد واللَّهِ نزلَ بِكَ ما كنْتَ تحذَرُ، وقد آمَنَ النَّاسُ، فأمَرَ بالأُخْدُودِ في أفواهِ السِّكَكِ، فخُدَّتْ، وأُضْرِمَ فيها النَّارُ، وقال: مَن لم يرجعْ فأقحِموه فيها، ففعلوا، حتى جاءَتِ امرأةٌ معها صبيّ لها، فتقاعَسَتْ -أي: تأخَّرَتْ- أنْ تقعَ فيها، فقال لها الصَّبِيُّ: يا أمَّاه، اصبري فإنَّكَ على الحقِّ" (٤). وتروى هذه القصَّة عن ابن عبَّاس ﵄ مع زوائد، قال: كان بنجرانَ ملِكٌ من ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نُوَاسِ بنِ شَرَاحيل، في الفترة (٥) قبلَ مولِد النَّبيِّ ﷺ بسبعين سنة.

стр. 7661

وكان في بلادِه غلام يُقال له: عبد اللَّه بن ثامر، وكان أبوه سلَّمه إلى معلِّم يعلِّمُه السِّحر، فكره الغلام ذلك، ولم يجد بُدًّا من ذلك، فجعل يختلف إليه، وكان في طريقه راهِبٌ. . . وذكر مثل الأوَّل، وذكر مكان الدَّابة على الطريق الحيَّةَ، وذكر أنَّ المكفوف كان ابنَ عمِّ ذلك الملِكَ، وذكر بعد صَلْبِه أنَّ النَّاس قالوا: لا إله إلَّا إلهَ عبدِ اللَّهِ بن ثامر، ولا دينَ إلَّا دينُه. وذكر في آخر قصَّة الأخدود أنَّ تلك المرأة كان لها ثلاثةُ أولادٍ أحدُهم رضيع، فقال لها الملكُ: ارجعي عن دينِكِ وإلَّا ألقيْتُكِ وأولادَك في النَّار، فأبَتْ، فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النَّار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبَتْ، فألقى الثَّاني في النَّار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبَتْ، فأخذ الصَّبيَّ منها ليلقيَه في النَّار، فهمَّتِ المرأةُ بالرُّجوع، فقال الصَّبيُّ: يا أمَّاه، لا ترجعي عن الإسلام، فإنَّك على الحقِّ، ولا بأسَ عليكِ، فأُلقِيَ الصَّبيُّ في النَّارِ وأُلقِيَتْ أمُّه على أثره، فذلك قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ (١). وعن عكرمة قال: تكلَّم في المهد أربعة: عييسى، ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الأخدود (٢). وقال عطاء: خمسة، هؤلاء وابن ماشطة بنت فرعون (٣). وقال الضَّحَّاك: ستَّة، هؤلاء وشاهد يوسف (٤).

стр. 7662

وقال مقاتلٌ: إنَّ رجلين مسلمين ممَّن كان يقرأ الإنجيل؛ أحدهما بأرض تهامة، والآخر بنجران اليمن، فآجر أحدهما نفسَه في عملٍ يعمله، وجعل يقرأ الإنجيل، فسمعَتْه ابنةُ المستأجر، فأعجبها ذلك، فذكرتْهُ لأبيها، فلم يزل أبوها بالرَّجل حتى أخبره بالإسلام، فأسلم وتابعه على الإسلام سبعة وثمانون نفرًا، وكان هذا بعدما رُفِعَ عيسى ﵇، فسمع بذلك ملكهم يوسف ذو نُوَاسِ بن شراحيل بن تُبَّعِ بن أبي سراح (١) الحميريُّ، فخدَّ لهم في الأرض، وأوقد فيها النَّار، ثم عرضهم على الكفر، فمَن أبى منهم أن يكفر قذفه في النَّار، ومَن كفرَ تركَه، فذلك قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ (٢). وفي رواية وهب: أحرق ذو رُعَينٍ اثنا عشر ألفًا بنجران في ذلك (٣). وقيل: ذو رُعينٍ شدَّاد بن عادٍ، وإن (رُعين) اسم أول نسوره. وقال الكلبيُّ: كانوا نصارى، وذلك أن ملكًا بنجران أخذ بها قومًا مؤمنين، فخَدَّ لهم في الأرض سبعة أخاديد، طول كلِّ واحد (٤) أربعون ذراعًا، وعرضه اثنا عشر ذراعًا، ثم طرح فيها النِّفط والحطب، ثم عرضهم عليها، فمَن أبى قذفوه في النَّار، فبدأ برجل يُقال له: عَمرو بن زيد، فسأله ملكُهم فقال: مَن علَّمك هذا؟ يعني: التَّوحيد، فأبى أن يخبرَه، فأتى الملِكَ الذي علَّمَه التَّوحيد، فقال: أيُّها الملِكُ، أنَّا

стр. 7663

علَّمْتُه، واسمه عبد اللَّه بن شمر، فقذفه في النَّار، ثم عرَضَ على النَّار واحدًا واحدًا، حتى إذا أراد أن يُتْبعَ بقيَّة المؤمنين صنع (١) ملكُهم صنمًا من ذهب، ثم أمَّرَ على كلِّ عشرة من المؤمنين رجلًا يقول لهم: إذا سمعْتُم صوت المزامير فاسجدوا للصَّنم، فمَن لم يسجد ألقوه في النَّار، فلمَّا سمع النَّصارى بذلك سجدوا للصَّنم، وأمَّا المؤمنون فأبوا، فخدَّ أخدودًا (٢) لهم وألقاهم فيها، فارتفعَتْ النَّار فوقَهم اثني عشر ذراعًا (٣). وروى عبد خير (٤) عن عليٍّ ﵁: أنَّه سُئِلَ عن المجوس، فقال: كانوا أهل كتابٍ، وحرِّم عليهم في كتابهم الأخوات والبنات، فسكر ملكهم ذات ليلةٍ فتناول أخته، فلمَّا صحا ندم، وقال: كيف المخرج؟ فقالت أختُه: المخرج أن تخطب النَّاس وتقول: إنَّ اللَّه قد أحلَّ الأخوات، ففعل (٥)، فأبى النَّاس ذلك، فخدَّ لهم الأخدود، وألقاهم في النَّار، فمَن تابعَه خلَّى عنه، ومَن أبى أحرقه، حتى أتى على امرأةٍ معها صبيٌّ رضيع، فكأنَّها نافقَتْ، فقال الصَّبيُّ: يا أمَّاه، امضي ولا تنافقي، فاقتحمَتِ النَّار، فواللَّه ما كانت إلَّا هُنيهةً حتى أفضَوا إلى رحمة اللَّه تعالى (٦).

стр. 7664

وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ قيل: أي: لُعِنَ، كما مَرَّ في مثله. وقال الرَّبيع بن أنس والواقديُّ: قُتِلَ بالنَّار أصحابُ الأخدود، وهم الجبابرة الذي أرادوا قتلَ المؤمنين بالنَّار، فعادَتْ عليهم فقتلَتْهم النَّار (١). * * * (٥ - ٦) - ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. قوله تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾: بدل عن ﴿الْأُخْدُودِ﴾، وتقديره: قُتِلَ أصحابُ ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾؛ أي: الحطبِ، وذكرُه دليلٌ على كثرة حطبها. ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: قيل: أي: الكفَّارُ قعودٌ على شفيرها، وأنَّث لِذكْرِ النَّار. وقيل: أي: عندها، كما قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤]؛ أي: عندي. وقعودُهم كان لأمر أتباعهم بإلقاء المؤمنين في النَّار. وقيل: ﴿إِذْ هُمْ﴾؛ أي: المؤمنون على النَّار قعودٌ؛ أي: فيها يُحرَّقون بها قد طُرحوا فيها. وقيل: أي: المؤمنون قعودٌ حوالي الأخدود، يُعْرضون على المحنة. * * * (٧ - ٩) - ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾: أي: والكفَّار حضورٌ، وهم الجبابرة يرَوْن ما تفعل أتباعُهم بالمؤمنين، لا تأخذُهم رقَّة، وهو غاية القسوة والمبالغة في السَّطوة.

стр. 7665

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾: أي: وما عابَ وما كره الكافرون من المؤمنين إلَّا إيمانُهم باللَّهِ. وذكْرُ المستقبلِ مع وجود الإيمان منهم في الماضي؛ لإرادةِ معنى الدَّوام عليه، فإنَّهم ما عذَّبوهم لإيمانهم الماضي، بل لدوامهم عليه. ﴿الْعَزِيزِ﴾: صفة لـ ﴿للَّه﴾ تعالى، وهو المنيعُ الذي لا يُغْلَب، ﴿الْحَمِيدِ﴾ بحمدِ المؤمنين (١)، وفي (٢) عقول جميع المكلَّفين، والمستحِقُّ للحمد على الحقيقة. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: وأشار بهذا كلِّه إلى أنَّه لو شاءَ لمنعَهم عن ذلك، لكن لم يمنع محنةً لأوليائه. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: لا يخفى عليه شيءٌ، فهو يجازي كلًّا على وفقِ عملِه. * * * (١٠ - ١١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: أحرقوهم، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾: ماتوا مصرِّين على ذلك، وفيه بيانُ سَعة رحمة اللَّه، أنَّهم لو تابوا لعفا عنهم. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: قال الزَّجَّاج: لهم عذابٌ في جهنَّم لكفرهم، وعذاب بإحراقهم المؤمنين في الأخدود (٣).

стр. 7666

وقال الرَّبيع: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ بنار الأخدود في الدُّنيا. فقد روينا عنه أنَّ تلك النَّار عادت عليهم فأحرقَتْهم (١). وقيل: ﴿الْحَرِيقِ﴾ من أسماء النَّار أيضًا كالسَّعير، فجُعِلَ لهم في الآخرة عذابُ جهنَّم وعذابُ الحريق، فيجوز أن يكونا دركتَيْن فيها، أو مكانَيْن فيها. أو يقال: ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: عذابٌ بزمهريرها، و ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: عذابٌ بحرِّها، فيردَّدون بين حرٍّ وبين برد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾: وهذا في المؤمنين الذين صبروا على ذلك العذاب. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾: أي: أَخْذَه وانتقامه. ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾: قال الحسن والضَّحَّاك وابن زيد: أي: يَبدأُ الخلقَ، ويعيْدُه بالبعث بعد الموت (٢). وهو معنى المبدئ والمعيد في أسماء اللَّه تعالى. وقيل: إنَّه هو المبدِئ للعذاب في الدُّنيا، المعيدُ له في العُقْبى (٣). كذا روى العوفيُّ عن ابن عبَّاس: يبدِئُ العذابِ ويعيدُه (٤). وقال محمد بن كعب: ﴿يُبْدِئُ﴾ من التُّراب ﴿وَيُعِيدُ﴾ إلى التُّراب.

стр. 7667

وقال مجاهد: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ بالسَّعادة والشَّقاوة، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. وقال ابن كيسان: يُبدؤكم ضعفاء ويعيدكم كذلك. وقال عبد العزيز بن يحيى: نبدؤكم أفرادًا ونعيدكم كذلك (١). * * * (١٤ - ١٥) - ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾: للمؤمنين التَّائبين. ﴿الْوَدُودُ﴾: المتودِّد إلى عباده بغفرانه، وسائرِ وجوه إحسانه. وقال الحسنُ: ﴿الْوَدُودُ﴾: الذي يتودَّد إلى خلقِه بما يعطيهم من النَّعيم في دينهم ودنياهم (٢). وقيل: هو فعول بمعنى الفاعل؛ أي: يَوَدُّ المطيعين. وقيل: هو في معنى المفعول؛ أي: يَوَدُّهُ عبادُه المؤمنون. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: أي: ذو المُلك، وقيل: هو ذو العرش العظيم. ﴿الْمَجِيدُ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿المجيدِ﴾؛ خفضًا نعتًا لـ ﴿الْعَرْشِ﴾. وقال ابن عبَّاس: هو الكريم (٣). وقرأ الباقون رفعًا نعتًا لقوله: ﴿ذُو﴾ (٤)، وهو اللَّه تعالى.

стр. 7668

والمجدُ: الرِّفعةُ والعُلُوُّ والشَّرف (١)، فيجوز أن يُوصَف به اللَّه، ويجوز أن يُوصَف به العرش. * * * (١٦ - ٢٢) - ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾: لا يمنعُه عنه مانع، ولا يمانعُه فيه ممانِع، يكرم مَن يشاء ويُهين مَن يشاء، ويضلُّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء، ويغفر لمن يشاء ويعذِّب مَن يشاء، له الإرادة والمشيَّة والحكمُ والقضيَّة في كلِّ البريَّة. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾: هو استفهام بمعنى التَّقرير؛ أي: قد أتاك حديث الجنود، وما أحلَلْتُ بهم من نقمتي. ثم ذكر بعضهم وقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾: وفرعون من المتأخِّرين، وثمود من المتقدِّمين، وذكرُهم (٢) ذِكرُ أمثالهم من الأوَّلين، وهو وعدٌ للنَّبيِّ ﷺ وللمؤمنين، ووعيد للكافرين. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾: أي: ليس كفر هؤلاء لقصور البيان ولخفاء حال الجنود عليهم في ماضي الزَّمان، لكن يكذِّبونك عنادًا. ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾: قيل: أي: واللَّه قادر عليهم، فهم في قبضتِه وقهرِه وقدرته. وقيل: هو إخبارٌ بدنوِّ إهلاكهم، كما قال: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١]، وقال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. وقيل: أي: واللَّه قد أحاط بهم علمًا، ولا يخفَى عليه شيء منهم، وسيجزيهم على وفق عملهم.

стр. 7669

﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾: أي: ليس كما يقولون: إنَّه مفترًى، وإنَّه أساطير الأولين، ولكنَّه قرآنٌ عالي القَدْرِ عندَ اللَّه تعالى. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: قرأ نافع: ﴿مَحْفُوظٌ﴾ بالرَّفع نعتًا للقرآن، وقرأ الباقون خفضًا نعتًا للَّوح (١). وكلُّ واحدٍ منهم محفوظٌ عن التَّبديل والتَّغيير. وقال مقاتل: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ عن الشَّياطين (٢). وقيل: هو كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٤]. وقال الحسن: اللَّوحُ: شيء يَلُوح للملائكة فيقرؤونه (٣). وقال ابن عبَّاس: إنَّ اللَّه تعالى خلق لوحًا محفوظًا من درَّة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، وعرضه ما بين السَّماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاثَ مئة وستين نظرة، يحيي ميتًا، ويميت حيًّا، ويغني فقيرًا، ويُفقر غنيًّا، ويعزُّ ذليلًا، ويذلُّ عزيزًا (٤). وقال أبو روق: أعلاه معقودٌ بالعرشِ، وأسفلُه في حِجْرِ مَلَك كريم، واللَّوح فيه كتابُ كلِّ شيء. وقال مقاتل: عن يمين العرش (٥). واللَّه تعالى أعلم. والحمد للَّه ربِّ العالمين * * *

стр. 7670

سورة الطارق (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أقسم بالسَّماء والطَّارق، الرحمنِ الذي خلق الإنسان من ماءٍ دافق، الرحيمِ الذي يمهل كلَّ كافر وفاسق. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، أعطاه اللَّه تعالى عشرَ حسنات بعددِ كلِّ نجمٍ في السَّماء يوم القيامة" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي ستَّةَ عشر آيةً، وإحدى وستُّون كلمةً، ومئتان واثنان وأربعون حرفًا. وانتظامُ ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ تلك في ذكر المحفوظ، وهذه في ذكر الحافظ. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر السَّماء والنُّجوم، والقرآن ونزولِه على النُّجوم، وذكرِ وعيد الكافرين، ووعد المؤمنين. * * *
следующие страницы →