وقال الرَّبيع: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ بنار الأخدود في الدُّنيا. فقد روينا عنه أنَّ تلك النَّار عادت عليهم فأحرقَتْهم (١).
وقيل: ﴿الْحَرِيقِ﴾ من أسماء النَّار أيضًا كالسَّعير، فجُعِلَ لهم في الآخرة عذابُ جهنَّم وعذابُ الحريق، فيجوز أن يكونا دركتَيْن فيها، أو مكانَيْن فيها.
أو يقال: ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: عذابٌ بزمهريرها، و ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: عذابٌ بحرِّها، فيردَّدون بين حرٍّ وبين برد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾: وهذا في المؤمنين الذين صبروا على ذلك العذاب.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾: أي: أَخْذَه وانتقامه.
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾: قال الحسن والضَّحَّاك وابن زيد: أي: يَبدأُ الخلقَ، ويعيْدُه بالبعث بعد الموت (٢). وهو معنى المبدئ والمعيد في أسماء اللَّه تعالى.
وقيل: إنَّه هو المبدِئ للعذاب في الدُّنيا، المعيدُ له في العُقْبى (٣). كذا روى العوفيُّ عن ابن عبَّاس: يبدِئُ العذابِ ويعيدُه (٤).
وقال محمد بن كعب: ﴿يُبْدِئُ﴾ من التُّراب ﴿وَيُعِيدُ﴾ إلى التُّراب.
стр. 7667
وقال مجاهد: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ بالسَّعادة والشَّقاوة، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقال ابن كيسان: يُبدؤكم ضعفاء ويعيدكم كذلك.
وقال عبد العزيز بن يحيى: نبدؤكم أفرادًا ونعيدكم كذلك (١).
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾: للمؤمنين التَّائبين.
﴿الْوَدُودُ﴾: المتودِّد إلى عباده بغفرانه، وسائرِ وجوه إحسانه.
وقال الحسنُ: ﴿الْوَدُودُ﴾: الذي يتودَّد إلى خلقِه بما يعطيهم من النَّعيم في دينهم ودنياهم (٢).
وقيل: هو فعول بمعنى الفاعل؛ أي: يَوَدُّ المطيعين.
وقيل: هو في معنى المفعول؛ أي: يَوَدُّهُ عبادُه المؤمنون.
﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: أي: ذو المُلك، وقيل: هو ذو العرش العظيم.
﴿الْمَجِيدُ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿المجيدِ﴾؛ خفضًا نعتًا لـ ﴿الْعَرْشِ﴾.
وقال ابن عبَّاس: هو الكريم (٣).
وقرأ الباقون رفعًا نعتًا لقوله: ﴿ذُو﴾ (٤)، وهو اللَّه تعالى.
стр. 7668
والمجدُ: الرِّفعةُ والعُلُوُّ والشَّرف (١)، فيجوز أن يُوصَف به اللَّه، ويجوز أن يُوصَف به العرش.
* * *
(١٦ - ٢٢) - ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾: لا يمنعُه عنه مانع، ولا يمانعُه فيه ممانِع، يكرم مَن يشاء ويُهين مَن يشاء، ويضلُّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء، ويغفر لمن يشاء ويعذِّب مَن يشاء، له الإرادة والمشيَّة والحكمُ والقضيَّة في كلِّ البريَّة.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾: هو استفهام بمعنى التَّقرير؛ أي: قد أتاك حديث الجنود، وما أحلَلْتُ بهم من نقمتي. ثم ذكر بعضهم وقال:
﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾: وفرعون من المتأخِّرين، وثمود من المتقدِّمين، وذكرُهم (٢) ذِكرُ أمثالهم من الأوَّلين، وهو وعدٌ للنَّبيِّ ﷺ وللمؤمنين، ووعيد للكافرين.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾: أي: ليس كفر هؤلاء لقصور البيان ولخفاء حال الجنود عليهم في ماضي الزَّمان، لكن يكذِّبونك عنادًا.
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾: قيل: أي: واللَّه قادر عليهم، فهم في قبضتِه وقهرِه وقدرته.
وقيل: هو إخبارٌ بدنوِّ إهلاكهم، كما قال: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١]، وقال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢].
وقيل: أي: واللَّه قد أحاط بهم علمًا، ولا يخفَى عليه شيء منهم، وسيجزيهم على وفق عملهم.
стр. 7669
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾: أي: ليس كما يقولون: إنَّه مفترًى، وإنَّه أساطير الأولين، ولكنَّه قرآنٌ عالي القَدْرِ عندَ اللَّه تعالى.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: قرأ نافع: ﴿مَحْفُوظٌ﴾ بالرَّفع نعتًا للقرآن، وقرأ الباقون خفضًا نعتًا للَّوح (١). وكلُّ واحدٍ منهم محفوظٌ عن التَّبديل والتَّغيير.
وقال مقاتل: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ عن الشَّياطين (٢).
وقيل: هو كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٤].
وقال الحسن: اللَّوحُ: شيء يَلُوح للملائكة فيقرؤونه (٣).
وقال ابن عبَّاس: إنَّ اللَّه تعالى خلق لوحًا محفوظًا من درَّة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، وعرضه ما بين السَّماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاثَ مئة وستين نظرة، يحيي ميتًا، ويميت حيًّا، ويغني فقيرًا، ويُفقر غنيًّا، ويعزُّ ذليلًا، ويذلُّ عزيزًا (٤).
وقال أبو روق: أعلاه معقودٌ بالعرشِ، وأسفلُه في حِجْرِ مَلَك كريم، واللَّوح فيه كتابُ كلِّ شيء.
وقال مقاتل: عن يمين العرش (٥). واللَّه تعالى أعلم.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
стр. 7670
سورة الطارق (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أقسم بالسَّماء والطَّارق، الرحمنِ الذي خلق الإنسان من ماءٍ دافق، الرحيمِ الذي يمهل كلَّ كافر وفاسق.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، أعطاه اللَّه تعالى عشرَ حسنات بعددِ كلِّ نجمٍ في السَّماء يوم القيامة" (٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ستَّةَ عشر آيةً، وإحدى وستُّون كلمةً، ومئتان واثنان وأربعون حرفًا.
وانتظامُ ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ تلك في ذكر المحفوظ، وهذه في ذكر الحافظ.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر السَّماء والنُّجوم، والقرآن ونزولِه على النُّجوم، وذكرِ وعيد الكافرين، ووعد المؤمنين.
* * *
стр. 7671
(١ - ٣) - ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾: أقسم اللَّه تعالى بالسَّماء والطَّارق؛ أي: والآتي (١) ليلًا، وهو مُبهَم، ففسَّره، وقال:
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: قال قتادة ﵀: الطَّارقُ: النَّجم؛ لظهوره باللَّيل وخفائِه بالنَّهار (٢).
﴿الثَّاقِبُ﴾: قال الفرَّاء: أي: المضيءُ، والعرب تقول للموقِد: أَثْقِبْ نارَك؛ أي: أَشْعِلْها حتَّى تضيء، وقد ثَقَبَتِ النَّار ثُقوبًا، وأثقَبْتُها أنا إثقابًا.
وقيل: هو زُحَلُ على الخصوص.
وقيل: هو النَّجم المرتفع على سائر النُّجوم، يقال: ثقبَ الطَّير: إذا حلَّق بالسَّماء ارتفاعًا (٣).
قيل: الثَّاقب: النَّجم الذي تُرْمى به الشَّياطين، فيَثْقُبُ الشَّيطانَ؛ أي: يَنفذ فيه ويحرقُه.
وقيل: هو اسمُ لكلِّ نجمٍ.
وقيل: هو الثُّريَّا خاصَّة.
وقيل: هو زُحَل، وسُمِّي به لأنَّ نورَه يثقبُ سبع سماوات.
وقال ابن عبَّاس: نزلت في أبي طالبٍ، وذلك أنَّ ليلةً من اللَّيالي انحطَّ نجمٌ، فامتلأَتْ الآفاقُ نارًا، ففرخَ لذلك أبو طالب، فقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال رسول اللَّه
стр. 7672
- ﷺ : "هذا نجمٌ رُمِيَ به، وهو آيةٌ من آياتِ اللَّهِ"، فعجِبَ أبو طالب، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ الآيات (١).
* * *
(٤) - ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾.
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: القسَمُ واقعٌ على هذا.
وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر: ﴿لَمَّا﴾ مشدَّدة، ومعناه: إلَّا؛ أي: ما كلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظ.
وقيل: ﴿لَمَّا﴾ أصلُه: لمن ما (٢)، واللَّام للتَّأكيد، أو بمعنى إلَّا، و (من) أدغم في (ما).
وقرأ الباقون: ﴿لَمَا﴾ بالتَّخفيف (٣)، وله وجهان:
أحدهما: ﴿إِنْ﴾ للتَّأكيد، والَّلام كذلك.
والثَّاني: ﴿إِنْ﴾ بمعنى: (ما)، والَّلام بمعنى (إلَّا)، وقد مَرَّت نظائره: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]، ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨].
стр. 7673
وتقديره على الوجه الأظهر: ما كُلُّ نفسٍ إلَّا عليها حافظ.
قيل: هو كاتبُ عملِه، كما قال (١): ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠].
وقيل: ﴿حَافِظٌ﴾ يحفظُ عملَها ورزقَها وأجلَها، فإذا استوفى الإنسانُ ذلك كلَّه (٢) قبضَه، وهو كقوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤].
وقيل: حافظ يحفظها عن الآفات، كما قال: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]؛ أي: بأمر اللَّه. وقد شرحناه في تلك الآية.
وقيل: ﴿حَافِظٌ﴾ اللَّه تعالى، وهذا كلُّه بيانُ أنَّ ما خلقَه اللَّهُ ليهملَه، بل هو متعبَّد بما كلَّفه.
* * *
(٥ - ٧) - ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾: أي: فليتدبَّرْ بعقلِه، ولينظر بقلبِه هذا الإنسان المكذِّب بالبعث ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾؛ أي: مماذا خُلِقَ (٣)؟
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾: أي: مَنِيٍّ خارجٍ بسرعةٍ.
والاندفاقُ: السَّير بسرعة (٤)، وأصله: الانصباب، والدَّفْق: الصَّبُّ.
وقال الأخفش وأبو معاذ وجماعة: ﴿دَافِقٍ﴾؛ أي: مدفوق؛ أي: مصبوب.
وقال جماعة (٥): أي: ذو دَفْق.
стр. 7674
وقال الخليل وقطرب وأبو سعيد: هو لازم، ﴿دَافِقٍ﴾ (١)؛ أي: مُنصَبٌّ مُندَفعٌ بشدَّةِ قوتِه (٢).
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾: أي: صُلب الرِّجال وترائب المرأة، وهو موضع الزيادة من صدر المرأة، جمع تَريبة. قاله ابن عبَّاس (٣).
وكذا فسَّره أبو عبيدة والخليل والأخفش ونفطويه (٤).
وقال الفرَّاء: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾؛ أي: من الصُّلب والتَّرائب، وجائز أن يقول: للشَّيئين: ليخرجَنَّ من بين هذين خيرٌ كثيرٌ، ومن هذين خيرٌ كثيرٌ (٥).
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾: قال عكرمة ومجاهد: أي: على رَدِّ الماء في الصُّلب (٦).
وقال الضَّحَّاك: أي: على رَدِّ الإنسانِ ماءً كما كان (٧).
وقيل: على رَدِّ الماء إلى الإحليل.
وقال الحسن وقتادة: أي: على إعادته حيًّا بالبعث بعد الموت (٨). وهو الأصح لأنَّ السِّباق والسِّياق له.
стр. 7675
وقيل: إنَّه قادرٌ على أنْ يَرُدَّ الإنسان من الكِبَرِ إلى الشباب (١)، ومن الشَّباب إلى الصِّبا، ومن الصِّبا إلى النُّطفة، ومن النُّطفة إلى الإحليل، فكيف لا يقدر على إحيائه بعد موته؟!
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾: أي: تُكْشَف الأسرارُ، وأصلُ الابتلاءِ: الاختبارُ، لكن الاختبار يكون للكشف بالابتداء (٢)، وكذا ابتلاءُ اللَّه تعالى عباده بالأمر والنَّهي هو ليكشف ما علم منهم، فأريدَ الكشف بالابتلاء لذلك.
و ﴿السَّرَائِرُ﴾: جميعُ ما كان يسترُه العبد من الخلق من طاعة ومعصية، وخير وشرٍّ.
﴿فَمَا لَهُ﴾: أي: لهذا الإنسان ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ على دفع ما حلَّ به من العذاب، و ﴿مِنْ﴾ لعموم النَّفي.
﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾: يعينُه ويمنعُه من (٣) اللَّه إن أراد تعذيبَه.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾.
قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: أقسمَ بالسَّماء ذات الرَّجع.
قال قطرب والخليل: ﴿الرَّجْعِ﴾: المطر (٤)، والجمع: الرُّجعان. قال الشَّاعر:
أبيضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا... ما ثاخَ في مُحتَفَلٍ يَخْتلِي (٥)
стр. 7676
وقال الفرَّاء ﵀: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾؛ أي: تبتدئ بالمطر، ثم ترجع به في كلِّ عام (١).
وقال أبو عبيدة والأخفش: ذات الماء (٢).
وحقيقته: أنَّ الرَّجع ليس باسم للماء، ولا للمطر، لكن أراد به السَّماءَ ذات إعادة النَّفع بالمطر مرَّة بعد مرَّة.
والرَّجع متعدٍّ، والرُّجوع لازم.
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: أي: الانشقاق بالنَّبات والأشجار.
وقيل: أي: ذات الطُّرق المشقوقة فيها للسُّلوك.
* * *
(١٣ - ١٧) - ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾: أي: ما أخبرتُكُم به من البعث بعد الموت وكذا وكذا في هذه السُّورة فصلٌ؛ أي: قاطع للمِراء والتَّنازع، ومنه فصلُ الخصومات.
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾: أي: باللَّعب، نقيض الجِد.
стр. 7677
وقال أبو عبيدة والأخفش: فصلٌ: جِدٌّ.
وقيل: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾؛ أي: فاصل (١) بين الحقِّ والباطل، كما يسمَّى (٢) هو فرقانًا؛ لأنَّه فارقٌ بينَ الحقِّ والباطل.
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾: أي: إنَّ هؤلاء المشركين المكذِّبين بالبعث يحتالون لدفع ما أتيتَهم به يا محمَّد من الحقِّ بالتَّمويه على الضَّعَفة، ويمكرون بك، ويقصدون إهلاكَكَ.
وقال عطاء: هم الذين اقتسموا طُرُقَ مكَّة. على ما مَرَّ في آخر (سورة الحجر).
﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾: أي: وأنا اللَّهُ أنقضُ عليهم كيدَهم، وأُبطِلُ احتيالهم، ويكون هذا جزاءً لهم على فعلِهم.
ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على اللَّه تعالى إلَّا على وجه الجزاء (٣)، وهو كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ونظائره.
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: فلا تَعْجَل في طلب هلاكِهم.
﴿أَمْهِلْهُمْ﴾: أي: انتظر انتقامي منهم، وإعلائي إيَّاك عليهم.
﴿رُوَيْدًا﴾: أي: مدَّةً قليلة، فعن قريبٍ ترى ذلك بهم، وحُقِّقَ ذلك يومَ بدر.
و ﴿رُوَيْدًا﴾: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ (٤)؛ أي: إمهالًا رويدًا، وهو تصغير رُود
стр. 7678
بالضَّم، وهو المَهَل، وأريد بالتَّصغير التَّقليل، وهو جمع بين اللُّغتين (١): الإمهال والتَّمهيل؛ توسُّعًا في الكلام، وجمعًا بين الأقسام.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
стр. 7679
سورة الأعلى (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي قدَّر فهدى، الرحمنِ الذي يعلم الجهر وما يخفى، الرحيمِ الذي وعد بالفلاح مَن تزكَّى وذكر اسم ربِّه فصلَّى.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سُورةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أعطاه اللَّهُ عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ حرفٍ أنزلَه اللَّهُ تعالى على إبراهيم وموسى ومحمَّد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين" (٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي تسعَ عشرةَ آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومئتان وستَّة وثمانون حرفًا.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختْمَ تلكَ في وعيد الكفَّار الذين يَصِفون اللَّهَ بما لا يليقُ به، وافتتاح هذه بالأمر بمدحِ اللَّهِ تعالى ووصفِه بما يليقُ به.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر البدء والإعادة، وجزاءِ أهل السَّعادة وأهل الشَّقاوة.
стр. 7680
(١) - ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: وهذا أمرٌ للنَّبيِّ ﷺ .
قيل: معناه: نزِّه اسمَ ربِّك عن أن يُسمَّى به غيرُه.
وقيل: نزِّه اسمَ ربِّك عن تأويله على غير وجهه.
وقيل: أي: مَجِّدِ اللَّه تعالى بأسمائه التي أنزلها عليك، وعلَّمَكَ إيَّاها.
وقيل: أي: صَلِّ لربِّكَ ذاكرًا اسمَه.
وقيل: الاسمُ صلةٌ، ومعناه: سبِّح ربَّك الأعلى؛ أي: نزِّهْه.
وقيل: هو أمرٌ بأن يسبِّحِ اللَّهَ تعالى بهذا الاسم، فيقولَ: سبحان ربِّي الأعلى.
قال عقبةُ بن عامرٍ: لَمَّا نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال ﵊: "اجعلوها (١) في ركوعكم"، ولَمَّا نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم" (٢).
ذكرَ في تلك الآية: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وفي هذه الآية: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
قال الفرَّاء: هما سواء (٣)، كقولك: علمْتُ بأنَّك صادقٌ، وعلمْتُ أنَّك صادقٌ، ونشدْتُكَ باللَّه، ونشدْتُكَ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿الْأَعْلَى﴾؛ أي: العالي على كلِّ شيءٍ بمُلْكِه وسُلْطانِه وقدرته.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.
стр. 7681
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾: أي: صنع الأشياء على ما أرادَ من الحكمة وحسن التَّدبير، فلا تفاوُتَ فيه.
وقيل: أي: هيَّأ كلَّ شيءٍ على مقداره الذي يَصلح له.
وقيل: أي: خلق الإنسان فسوَّى أعضاءه.
وقيل: أي: فهيَّأه للتَّكليف.
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾: أي: قدَّر الخلق على الهيئات التي أراد أن يكون عليها، وقدَّر أرزاق العباد وآجالهم وأفعالهم.
﴿فَهَدَى﴾: أي: أرشدَ إلى توحيده وعبادته، ودلَّ بذلك على قدرته وإلاهيَّته ووحدانيَّته.
وقيل: أي: خلق كلَّ حيوان وهداه لمصالحه التي بها قِوامُه في مدَّته المقدَّرة له، فكأنَّه قدَّر حياته في الدُّنيا إلى مدَّة، فهداه لِمَا يَتمُّ به بقاؤه إلى مدَّته.
وقيل: هدى الذُّكور إلى إتيان الإناث، حتى يَتمَّ التَّدبيرُ في التَّناسل إلى حين أراد اللَّه تعالى.
وقال مجاهد: هدى الإنسانَ للعبادة، وهدى الأنعام إلى مراتعها (١).
وقرأ الكسائيُّ: ﴿قَدَرَ﴾ مخففًا وهو كالمشدَّدة (٢).
وقيل: ﴿قَدَرَ﴾ بالتَّخفيف؛ أي: مَلَكَ، ﴿فَهَدَى﴾؛ أي: فسخَّر ما ليس بمكلَّف لِمَا خلَقَه له.
* * *
стр. 7682
(٤ - ٦) - ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾.
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾: النَّباتَ والزُّروع والثِّمار ممَّا يأكل النَّاس والأنعام.
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾؛ أي: جعلَه بعد اهتزازه وخضرته ونضرته يابسًا هشيمًا.
﴿أَحْوَى﴾: أي: أسود لاحتراقه، والحُوَّة: السَّواد، والأحوى: الأسود، من حدِّ (علم)، وقد يحملُه السَّيل فيسودُّ بعد اليَبْس، وهذا على تقرير النَّظم على حاله.
وقال الفرَّاء: الأحوى: الأسودُ لشدَّة خضرته، كما قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]؛ أي: مسوادَّتان لشدَّة خضرتهما.
وعلى هذا القول فيه تقديمٌ وتأخيرٌ: والذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء (١).
وهو كقوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]؛ أي: أنزل على عبدِه الكتابَ قيِّمًا، ولم يجعل له عِوجًا، على التَّقديم والتَّأخير.
﴿سَنُقْرِئُكَ﴾: أي: سنجعلُكَ قارئًا للقرآن بإثزال جبريل عليك بالوحي وقراءته عليك.
﴿فَلَا تَنْسَى﴾: أي: تذكُرُه ولا تنساه بحفظِه في قلبِكَ.
* * *
(٧) - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: له وجوهٌ:
أحدُها: ﴿فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن تنساه ممَّا يُنسخُ فيُرفَعُ (٢) فرضُ قراءته
стр. 7683
عنك وعن أمَّتك، فيزول حفظُه عن القلوب، وإذا (١) نُسِخَ العملُ به وقراءتُه لم يقرؤوه مدَّة فنسوه.
ووجه آخر: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾؛ أي: فلا تتركُ العملَ به ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فيُنسَخُ العملُ به فيُتْرَكُ لنسخِه.
ووجه آخر: قاله الفرَّاء: لم يشأ اللَّه أن تنسى شيئًا، وهو كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، وهو لا يشاءُ، وهو كقولك: لأعطينَّكَ كلَّ ما سألْتَ إلَّا أن أشاء أن أمنعَك (٢)، وأنت لا تريدُ أن تمنعَه (٣).
ووجه آخر: فلا تنسى إلَّا أن يريدَ اللَّهُ إنساءَكَ، فإنَّه قادرٌ على ما يشاء، ثم هو لا ينسيْكَ وإنْ كان قادرًا على إنسائِكَ، كما قال: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، ونحوِ ذلك، وهو لا يشاءُ، وذكرُ هذا تذكيرُه قدرةَ ربِّه، وأنَّه إذا لم ينسَ فإنَّما ذلك بفضل اللَّه ومَنِّه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾: أي: رفعَ الصَّوت بالقراءة وإخفاءَ الصَّوت فيها، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك.
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾.
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾: أي: نوفِّقُكَ للطَّاعات.
وقيل: أي: نيسِّر لك دخول الجنَّة، وهو بشارةٌ له بها.
стр. 7684
فعلى الأوَّل: اليسرى: هي الطَّاعاتُ المؤدِّية إلى اليسرى والعاقبةِ المحمودة، وعلى الثَّاني: اسم للجنَّة التي فيها كلُّ راحة ويُسر.
﴿فَذَكِّرْ﴾: أي: عِظْ بالقرآن ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: وكان فيمَن يذكِّرهم مَن لا تنفعُه الذِّكرى، فكان الطَّمع منقطِعًا عن تذكيرهم، فقيل له: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، وهو كما يقال: ادعُ فلانًا إن أجابَكَ، ومعناه: ولا (١) أراه يجيبُكَ، فكان هذا أمرًا بتذكير مَن تنفعُه الذِّكرى ومَن لا تنفعُه.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾: أي: سيتَّعظ بوعظك ﴿مَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: مَن يخافُ اللَّه تعالى، فإنَّما ينتفعُ به ذلك.
وقيل: ﴿مَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: مَن يعلم باللَّه، فهو الذي يخشاه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقيل: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: مَن يخافُ العواقب، ويتأمَّل في العقوبات الَّتي ذكرناها ممَّا يكون في جهنَّم ممَّا لا يقاومُه أحدٌ.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾: أي: يتجنَّب الذِّكرى فلا يقبَلُها ﴿الْأَشْقَى﴾؛ أي: الشَّقيُّ، كما قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هيِّن عليه.
وقيل: أي: المُفْرط في الشَّقاوة، فإنَّ الأشقياء متفاوتون.
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ﴾: أي: يدخلها.
стр. 7685
﴿الْكُبْرَى﴾: قال الحسن: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾: هي نار جهنَّم، والنَّار الصُّغرى: هي نار الدُّنيا (١).
وقال الكلبيُّ: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾: نار الدَّرك الأسفل، وكلُّ دركٍ أشدُّ عذابًا من الذي فوقَه (٢).
* * *
(١٣ - ١٥) - ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾: فيستريحَ ﴿وَلَا يَحْيَى﴾: فينتفعَ بحياته.
وقيل: إن روح أحدهم في النَّار تصير في حلقةٍ، فلا تخرجُ فيموتَ، ولا ترجعُ إلى موضعها من الجسم فيَحيَى.
وقال الحسن: لا تُسَلَّطُ النَّارُ على الفؤاد فلذلك لا يموت، وليس (٣) ينتفع بحياته، للعذاب الذي هو فيه (٤).
وقال مقاتل: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: نزلت في ابن أمِّ مكتوم، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وأميَّة بن خلف لعنهم اللَّه (٥).
стр. 7686
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾: قال ابن عبَّاس: أي: صار زاكيًا وعملَ صالحًا (١).
وقال قتادة: أي: أدَّى زكاة ماله (٢).
وقيل: أي: تطهَّر بالإسلام.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾: أي: لافتتاح الصلاة ﴿فَصَلَّى﴾: والفاء للتَّعقيب، فدلَّ أنَّ تكبيرة الإحرام (٣) ليست من أركان الصلاة، ودلَّ أنَّه غير مختصٍّ بلفظة التَّكبير، كما قال أبو حنيفة ﵀، ويصحُّ الشُّروع بكل ذِكْرٍ.
وروى كثير بن عبد اللَّه المزني عن أبيه عن جدِّه عن النَّبيّ ﷺ أنَّ هذا في صدقة الفطر وصلاة العيد (٤).
وقيل على هذا: الذِّكْرُ هو التَكبير في الطَّريق، وهذا عن ابن عبَّاس (٥).
وقد قال هو وأبو سعيد الخدري وأبو العالية والحكم وإبراهيم وعكرمة ومجاهد وعمر بن عبد العزيز والشَّعبي وسعيد بن المسيَّب: إنَّ هذا في زكاة الفطر (٦).
стр. 7687
وقال قتادة: تزكَّى رجلٌ من ماله، وتزكَّى رجلٌ من خلقه (١).
وقال ابن جريج: ﴿تَزَكَّى﴾: من ماله وعمله.
* * *
(١٦ - ١٩) - ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: قرأ أبو عمرو بياء المغايبة، ردًّا إلى قوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾، وهو جنس فيصلح للجمع. وقرأ الباقون بتاء المخاطبة، خطابًا للمشركين (٢).
و ﴿بَلْ﴾ لردِّ ما قبله؛ أي: لا تطلبون الفلاح في الآخرة، بل تختارون الدُّنيا على الآخرة.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾: أي: أنفع ﴿وَأَبْقَى﴾؛ أي: أَدْوَمُ.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: جمع صحيفة.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾: بدلٌ عن ﴿الصُّحُفِ الْأُولَى﴾؛ أي: ما ذكرنا من التَّرغيب
стр. 7688
والتَّرهيب في هذه السورة فقد ذكرنا ذلك في صحف الأنبياء المتقدِّمين، وهو كقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣].
وقيل: هذا المذكور مذكور في تلك الصُّحف، وهو دليل صحَّة قول أبي حنيفة ﵀: أنَّ قراءة القرآن بالفارسيَّة في الصَّلاة صحيحة، وهو قرآن بأيِّ لسان قرئ (١)؛ لأنَّه جعل هذا المذكور مذكورًا في تلك الصُّحف، وكذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، ولا شكَّ أنَّه لم يكن فيها بهذا النَّظم وبهذه اللُّغة، وكان قرآنًا (٢).
وقيل: صحف موسى: هي الألواح التي كتب فيها التَّوراة.
وقيل: هي صحفٌ أُنزلَتْ عليه قبل ذلك.
وصحف إبراهيم: كتابٌ أنزل على إبراهيم.
وقيل: كان في صحف إبراهيم: ينبغي للعاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقلِه أن يكون حافظًا للسانه، عارفًا بزمانه، مقبلًا على شانه.
وعن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أُنْزِلَتْ صُحُفُ إبراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ من شهر رمضان، وأُنْزِلَتِ التَّوراةُ لِسِتٍّ من شهر رمضان، وأُنْزِلَ الزَّبورُ في ثنتي عشرة من شهر
стр. 7689
رمضان، وأُنزل الإنجيل في ثمانية عشرة (١) من شهر رمضان، وأنزل القرآن في ليلةِ سبعٍ وعشرين من شهر رمضان" (٢).
وقيل: الكتب المنزَلة من السماء على الأنبياء مئة وأربعة: صُحُف شيث، وهي ستُّون، وصحف إبر اهيم، وهي ثلاثون، وصحف موسى قبل التَّوراة، وهي عشرة، والتَّوراة، والإنجيل، والزَّبور، والفرقان.
ومعاني كلِّ الكتب مجموعةٌ في القرآن، ومعاني كلِّ القرآن مجموعةٌ في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في التَّسمية، ومعاني التسمية مجموعة في باء التَّسمية (٣).
ومعناها: بي كان ما كان، وبي يكون ما يكون، واللَّه أعلم.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
стр. 7690
سورة الغاشية (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي ذكَّرنا الغاشية، الرحمنِ الذي خوَّفنا بالنَّار الحامية، الرحيمِ الذي شوَّقنا إلى الجنَّة العالية.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢) حاسبَه اللَّهُ حسابًا يسيرًا" (٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ستٌّ وعشرون آية، واثنتان وتسعون كلمة، وثلاثُ مئة وأحدٌ وسبعون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر المؤمنين والكفَّار، ومصير هؤلاء إلى الجنَّة، ومصير هؤلاء إلى النَّار.
* * *
стр. 7691
(١ - ٦) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: قد أتاكَ خبرُ القيامة (١) التي تَغْشَى النَّاس بالأهوال؛ أي: تجلِّلُهم، يعني: تَعمُّهم.
وقيل: أي: تأتيهم.
وقيل: ﴿الْغَاشِيَةِ﴾: النَّار بهذه الصِّفة؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
وقيل: ﴿الْغَاشِيَةِ﴾: أهلُ النَّار الذين يغشونها؛ أي: يأتونها، والهاء للجماعة.
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾؛ أي: ذليلةٌ لِمَا اعترى أصحابها من الخزي والهوان، خافضةٌ أبصارها، قال تعالى: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقال: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧].
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: قال الحسنُ: أخشعَها اللَّهُ، وأعمَلَها وأنصبَها بمعالجة السَّلاسل والأغلال في النَّار، وهم قبلَ ذلك أيضًا قيام على أرجلِهم في عَرَصَات القيامة، عُراة ظمأى (٢).
وقيل: ﴿خَاشِعَةٌ﴾ يومَئذ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ في الدُّنيا؛ أي: تعِبة.
وقيل: عملَتْ فلم تَنتَفع بعملها يوم القيامة، وتقديرُه: كانت عاملةً ناصبةً في الدُّنيا.
стр. 7692
وقيل: إنَّما لم يَذكر (كانت) لأنَّهم يُسمَّون به يومئذ (١)، فيُقال: هم (٢) عاملة ناصبة؛ أي: هم قوم عملوا في الدُّنيا فلم يحصل لهم من ذلك إلَّا نَصَبٌ.
﴿تَصْلَى﴾: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿تُصْلَى﴾ برفع التَّاء، من الإصلاء، وهو الإدخال، والباقون بفتحها (٣)، من الصَّلي وهو الدُّخول، ولهم الوصفان جميعًا، والملائكةُ يُدخلونهم فيَدخلونها.
﴿نَارًا حَامِيَةً﴾: أي: قد أُحْمِيَتْ مُددًا طويلة، فلا حرَّ يعدِلُ حرَّها.
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: أي: من عينِ ماءٍ (٤) قد انتهى حرُّها، فهذا شرابُهم.
والتَّأنيث في هذه الصِّفات والأفعال راجعةٌ إلى الوجوه، والمراد أصحابُها، ولذلك قال بعده:
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ﴾: بالهاء والميم اللَّتين هما لجمع العقلاء.
﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾: إذا دخلوا النَّار وقد اشتدَّ جوعُهم وعطشُهم لطول الموقف وشدَّة الأمر سألوا طعامًا وشرابًا، فيُسْقَون من الحميم الذي يشوي الوجوه، ويقطِّع الأمعاء، ومن الضَّريع الذي يغصُّون به، ويقاسون الشِّدة والعناء.
قال الضَّحَّاك: ﴿ضَرِيعٍ﴾: شجرة في النَّار يأكلون منها (٥).
وقال سعيدٌ: هو الحجارة (٦).
стр. 7693
وعنه: أنَّه الزَّقوم (١).
وقال الحسن: هو المُضرِع (٢). كالسَّميع بمعنى المسمِع؛ أي: الموقِع في الضَّراعة؛ أي: الذِّلة والتَّضرُّع والمسكنة.
وقال الفرَّاء: هو نبت يُقال لرَطْبه: الشِّبْرِق، وإذا يبسَ: فهو ضريع، وهو سمٌّ (٣).
وفي حديث ابن عبَّاس: أنَّه كأظفار الهرِّ (٤).
* * *
(٧ - ١١) - ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾؛ لأنَّ ضريع الدُّنيا الذي هو مرعًى للسَّوائم لا يُسْمِن ولا يُشْبع، فكيف ضريعُ جهنَّم؟!
ولا يعارض هذه الآيةَ قولُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥ - ٣٦]، فإنَّ في (٥) جهنَّم دَرَكَات، وتمضي عليهم أوقاتٌ، ويختصُّ كلُّ وقتٍ وكلُّ موضع بشيء، فالضَّريع يكون في وقتٍ وموضع، والغسلين في وقت آخر وموضع آخر.
стр. 7694
وعن أبي الدَّرداء ﵁ قال: يُرْسَل على أهل النَّار الجوع حتى يزيدَ على كلِّ عذاب، فيستغيثون فيُغاثون بالضَّريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غُصَّة، فيذكرون أنَّهم كانوا يسيغون الغَصَصَ في الدُّنيا بالشَّراب، فيُدفع إليهم بكلاليب الحديد، فإذا دنا من وجوههم شواها، ودخل بطونهم فقطَّع ما فيها، فيقولون: كلِّموا خزنة النَّار، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ الآية [غافر: ٤٩ - ٥٠] (١).
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾: ذكر صفة وجوه الكفَّار أوَّلًا، ثم ذكر صفة وجوه المؤمنين، ولم يقل: (ووجوه)؛ لأنَّ الكلام الأوَّل قد طال وانقطع، وصار هذا كالمبتدأ.
ومعناه: وأقوام يومَئذ ناعمون في الجنَّة.
﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾: أي: لمساعيهم في الدُّنيا حامدون في الجنَّة؛ لِمَا نالوا (٢) من ثوابها.
وقيل: أي: راضون بثواب سعيهم.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: أي: رفيعةِ المنازلِ، درجاتُها بعضُها فوقَ بعضٍ.
وقيل: أي: عاليةِ القَدْر، بتكامل ما فيها من النَّعيم.
﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء التَّذكير مضمومةً (٣)، ﴿لاغيةٌ﴾ بالرَّفع، والتَّذكيرُ لتقدُّم الفعل والحائل.
стр. 7695
وقرأ نافع: ﴿لا تُسْمَعُ﴾ بتاء التَّأنيث وبضم التَّاء، ﴿لاغيةٌ﴾ وبالرَّفع، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه.
والباقون بفتح تاء التَّأنيث، ﴿لَاغِيَةً﴾ بالنَّصب (١)، على أنَّ الفعل للوجوه ظاهرًا، ولأصحابها معنًى.
واللَّاغيةُ: اللَّغو، كالخائنة هي الخيانة، والكاذبة هي (٢) الكذب، وهو كلُّ كلام لا فائدة فيه.
يقول: الجنَّةُ منزَّهةٌ عن جريان اللَّغو فيها بين أهلها؛ لأنَّهم نالوها بالجدِّ والحقِّ، لا باللَّغو والباطل، وكلُّ مجلسٍ من مجالس الدُّنيا يُصان عن هذا، فله جلالُه على غيره.
وقال القتبيُّ ونفطويه: ﴿لَاغِيَةً﴾؛ أي: قائلةَ لغوٍ (٣).
وقال الأخفش: كلمة لغو (٤).
وقال أبو عبيدة: أي: لغو (٥).
وقال مجاهد: أي: شتم (٦).
وقال قتادة: أي: باطل (٧).
стр. 7696
وقال محمَّد بن كعب القُرظيُّ: إثم (١).
وجملته: كلُّ كلامٍ لا فائدةَ فيه، ولا (٢) منفعة فيه.
* * *
(١٢ - ١٦) - ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾: أي: عين الشَّراب جاريةٌ على وجه الأرض من غير أخدود، تجري لهم حيث أرادوا إجراءها.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾: أي: في الهواء عاليةً، ليرى المؤمنُ إذا جلسَ عليها جميعَ ما أعطاه ربُّه في الجنَّة من المُلْك والنَّعيم.
وقال خارجة بن مصعب: بلغَنَا أنَّ بعضَها فوقَ بعضٍ، فترتفع ما شاء اللَّه تعالى، فإذا أراد وليُّ اللَّهِ أن يجلسَ (٣) عليها تطامنَتْ له، فإذا استوى عليها ارتفعَتْ إلى حيث شاء اللَّه (٤).
﴿وَأَكوَابٌ﴾: هي كِيْزانٌ لا عُرى لها، جمع كوب.
﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: أي: معدَّةٌ لأهلِها، كالرَّجل يلتمسُ من الرَّجل شيئًا، فيقول: هو هاهنا موضوع؛ أي: مُعَدّ.
وقيل: موضوعةٌ على حافة العين الجارية، كلَّما أراد الشُّرب وجدها ملأى من الشَّراب.
стр. 7697
وقيل: أي: موضوعةٌ بين أيديهم لاستحسانها والتَّلذُّذ بالشُّرب منها.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾: قال قتادة: أي: وسائد (١).
وقيل: المرافق المصفوفة: الموضوعةُ بعضُها بجنب بعض، كالشَّيء يُجعَل صفًّا، وكالقوم يقومون صفًّا، يتَّكئون عليها.
وواحدتها نُمْرُقة ونمْرِقة بالضَّم والكسر.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾؛ أي: طنافس متفرِّقة، وهي عبارة عن الكثرة. قاله الفرَّاء (٢).
وقال أبو عبيدة: هي البُسُط (٣). وقال نفطويه كلاهما.
وهي جمع زِرْبِيَة وزِرْبِي (٤).
ذكر أنَّ لهم وسائدَ يتَّكؤون عليها، وطنافسَ وبُسطًا يمشون عليها ويجلسون عليها إذا أحبُّوا، ثم فيها زينة مجالسهم يتلذَّذون بالنَّظر إليها.
* * *
(١٧ - ٢٠) - ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾: أي: بُسِطَتْ.
стр. 7698
لَمَّا أنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيات في صفة الجنَّة: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، وفسَّرها النَّبيّ ﷺ بأن السَّرير يكون ارتفاعُه مسيرة مئة سنة، والأكوابَ الموضوعة تكون كثيرةً ولا تدخل في حساب الخَلْق، والنَّمارقَ يكون طولها كذا، ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يكون عرضُها كذا، فوصف طولًا عظيمًا، وعرضًا عظيمًا، أنكره الكفَّار، وقالوا: إذا أراد الإنسانُ أن يصعدَ السَّرير كيف يفعل؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النَّمارق هذا الطُّول، وتُبْسَط الزَّرابيُّ هذا الانبساط، ولسنا نشاهد ذلك في الدُّنيا؟! = فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيات (١):
فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ طويلةً، ثم تبرُك فتُرْكَب ويُحْمَل عليها، ثم تقومُ، فكذلك السُّرر (٢).
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ثم نجومُها تكثر هذه الكثرةَ، فلا تدخل في حساب الخَلْق، فكذلك الأكواب.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ تطول هذا الطُّول، فكذلك النَّمارق.
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾: فهي كلُّها بساطٌ واحدٌ يُبسَطُ من الأفق إلى الأفق، فكذلك الزَّرابيُّ.
وقيل: هي تنبيهٌ على البعث بعد الموت، ومحاجَّةٌ بها مع منكري البعث (٣).
يقول: مَن قدر على خلق هذه الأشياء العجيبة (٤) العظيمة قدرَ على الإعادة بعد الإماتة.
стр. 7699
ثم معنى تقديم الإبل على السَّماء والأرض والجبال، وقَصْرِ التَّنبيه على هذه الأشياء الأربعة: أنَّ هذا خطابٌ للعرب، وحَثٌّ على الاستدلال، والمرءُ إنما يستدلُّ بما هو أكثر له مشاهدة، وأوقف على معانيه، والعرب في الغالب تكون في البوادي، وأعزُّ أموالهم إليهم الإبل، وهم لها أكثر استعمالًا منهم لسائر الحيوانات؛ لأن جملتها ترجع إلى الأكولة والحلوبة والركوبة والحمولة، وهي كلُّها تجتمع في الإبل دون غيرها، فإنَّه يُختصُّ سائرُها ببعض ذلك دون بعض، وليس جيل في الدُّنيا تكلَّف في وصف هذا الحيوان ما تكلَّفوه، ولا عرفَ من ظاهرها وباطنها ما عرفوه، ومن أحبَّ ذلك فلينظر في الكتب المؤلَّفة في صفات الإبل وأعراقها وأجناسها وأسنانها ولقاحها ونتاجها وألوانها ووجوه سيرها وأدوائها ومعالجاتها، فإذا كان استعمالهم في الصَّحارى لها، ونظرهم فيها إلى السَّماء والأرض والجبال = حُرِّكوا على تأمُّلها والاستدلال بها على قدرة خالقها ووحدانيَّته وعلمه وحكمته.
ثم من عجائب الإبل بروكُها ونهوضُها بالحمل الثَّقيل، وتناولُها الشَّوك وإدرارها اللَّبن الخالص الغزير، وعظمُ جثتها وانقيادُها للصبيِّ الصغير.
* * *
(٢١ - ٢٤) - ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ أي: عِظْ يا محمَّد هؤلاء المكذِّبين بالبعث بما توردُه عليهم من الحُجج، ولا يضيقَنَّ صدرُك بإصرارهم على إنكارهم.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾: أي: إنَّما اختارك اللَّه تعالى لهذا، فاصبر عليه ودُمْ على ما اختارك له.
стр. 7700
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾: أي: بمسلَّطٍ (١) تحملهم على الإيمان جبرًا، وتدخله في قلوبهم كرهًا، إنَّما عليك التَّذكير والإرشاد والتَّبصير.
وقيل: لست الآن مسلَّطًا عليهم تقاتلهم. وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أُمِر به.
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾: قيل: أي: إلَّا مَن أعرض عن إجابتك، وكفر بربِّك، فتكون مسلَّطًا عليه بما يؤذَنُ لك في قتاله وسَبْيه وقتله.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾: بك، وعلى يدك، وبما يصيِّره إلى عذاب النَّار.
وقيل: الاستثناء من قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ أي: فعظ إلَّا مَن لا تطمع في إجابته.
وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى: لكن، ومعناه: لست بمسلَّط على أحد في إدخال الإيمان في قلبِه، ولكن مَن تولى وكفر فاللَّه يعذِّبه العذاب الأكبر، وهو عذاب الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١].
وقيل: هو في العذاب في الدَّرك الأسفل من النَّار.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾: أي: فنحن نعذِّبه، فإنَّ إلينا رجوعهم في الآخرة؛ أي: إلى حكمنا وجزائنا.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾: أي: وإذا رجعوا إلينا حاسبناهم على أعمالهم، وجزيناهم بها جزاء أمثالهم.
стр. 7701
و (على) لتأكيد الوعيد (١)، لا للوجوب، فليس يجب على اللَّه شيء.
وقيل: هو إخبار عن القدرة على حسابهم، وهو كقول القائل:
لِأَمْرٍ عليهم أنْ تَتِمَّ صُدُورُهُ... وليسَ عَلَيهم أنْ تَتمَّ عواقبُهْ (٢)
وروى جابر ﵁ أن النَّبيَّ صلى اللَّه علية وسلم قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللَّه، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ تعالى"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (٣).
* * *
стр. 7702
سورة الفجر (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي صبَّ على الكفَّار سوطَ عذاب، الرحمنِ الذي ذكَّر المؤمنين بما ذَكَر من أهوال يوم البعث والحساب، الرحيمِ الذي خاطب النَّفس المطمئنة بألطف خطاب.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورةَ والفجرِ في ليالِ العَشْرِ غَفَرَ اللَّهُ له، ومَن قرأها في سائرِ الأيَّامِ كانت (٢) له نورًا يومَ القيامَةِ" (٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي اثنتان وثلاثون آية، ومئة وسبعٌ وثلاثون كلمة، وخمسُ مئة وثمانيةٌ وستُّون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في إهانة الأعداء، وكرامة الأولياء.
* * *
стр. 7703
(١ - ٣) - ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾: أقسمَ اللَّهُ تعالى بالفجر، واختُلِف فيه:
قيل: هو الصُّبح، وهو كما قال: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]، ثم (١) قيل: هو فجرُ كلِّ يوم.
وقيل: فجر أوَّل يوم من المحرَّم. وهو قول ابن عبَّاس ﵄ (٢).
وقيل: فجر أوَّل يوم من ذي الحجَّة.
وقيل: فجر يوم النَّحر.
وقيل: هو صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقيل: هو قَسَم بانفجار المطر من السَّحاب.
وقال عكرمة: هو قَسَم بانفجار الماء من الجبال؛ قال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] (٣).
وقيل: هو قَسَم بانفجار الماء من حجر موسى ﵇؛ قال تعالى ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
وقال قتادة: هو قَسَم بانفجار الماء من بين أصابع رسولنا ﵊ (٤).
стр. 7704
وقيل: هو قسم بانفجار الطُّوفان من السَّماء والأرض في زمن نوح ﵇؛ قال تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢].
وقال الضحَّاك: أقسم بانفجار الدُّموع من عيون العصاة (١).
وقيل: أقسم بانفجار عيون الجنَّة، قال تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦].
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: قيل: هو قسم بعشر عاشوراء، وهي افتتاح السَّنة، وهو قول ابن عبَّاس (٢).
وقيل: هو العشر الأواخر من شهر رمضان، وفيها ليلة القدر، وكان (٣) النَّبيُّ ﷺ يجتهد فيها ويقوم في لياليها.
وقيل: هي عشر ذي الحجَّة، وفيها الأيَّام الفاضلة والمناسك.
قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: قال ابن عبَّاس: الشَّفعُ: الخلْقُ، والوتر: الخالق (٤).
وقرأ حمزة والكسائيُّ بكسر الواو، والباقون بفتحها (٥)، وهما لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم.
وقال الحسن: الشَّفع: الزَّوج، والوتر: الفرد، من كلِّ عدد (٦).
стр. 7705
وقال ابن عبَّاس وعكرمة والضَّحَّاك: الشَّفع: يوم النَّحر؛ لأنَّ ما بعده للنَّحر أيضًا، والوتر: يوم عرفة (١).
وقال ابن الزُّبير: الشَّفع اليومان الأوَّلان من يوم النَّحر، والوتر: اليوم الثَّالث من ذلك (٢).
وقال عمران بن الحصين: الصلوات المكتوبات، منها شفع ومنها وتر (٣).
وقال عكرمة في رواية: الشَّفع: العيدان، والوتر: يوم عرفة.
وقيل: الشَّفع: عشر ذي الحجَّة، والوترُ: أيَّام التَّشريق.
وقيل: الشَّفع: أيَّام الدُّنيا، والوتر: يوم القيامة.
وقيل: الشَّفع: ليالي الدُّنيا، والوتر: ليلة القبر (٤).
وقيل: الشَّفع: كل اللَّيالي، والوتر: ليلة القدر (٥).
وقيل: الشَّفع: قران الحج والعمرة، والوتر: الحجُّ وحده، أو (٦) العمرة وحدها.
وقيل: الشَّفع: زيارة بيت اللَّه وزيارة حضرة (٧) الرَّسول، والوتر: زيارة بيت اللَّه وحده.