← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

و (على) لتأكيد الوعيد (١)، لا للوجوب، فليس يجب على اللَّه شيء. وقيل: هو إخبار عن القدرة على حسابهم، وهو كقول القائل: لِأَمْرٍ عليهم أنْ تَتِمَّ صُدُورُهُ... وليسَ عَلَيهم أنْ تَتمَّ عواقبُهْ (٢) وروى جابر ﵁ أن النَّبيَّ صلى اللَّه علية وسلم قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللَّه، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ تعالى"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (٣). * * *

стр. 7702

سورة الفجر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي صبَّ على الكفَّار سوطَ عذاب، الرحمنِ الذي ذكَّر المؤمنين بما ذَكَر من أهوال يوم البعث والحساب، الرحيمِ الذي خاطب النَّفس المطمئنة بألطف خطاب. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورةَ والفجرِ في ليالِ العَشْرِ غَفَرَ اللَّهُ له، ومَن قرأها في سائرِ الأيَّامِ كانت (٢) له نورًا يومَ القيامَةِ" (٣). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي اثنتان وثلاثون آية، ومئة وسبعٌ وثلاثون كلمة، وخمسُ مئة وثمانيةٌ وستُّون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في إهانة الأعداء، وكرامة الأولياء. * * *

стр. 7703

(١ - ٣) - ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾: أقسمَ اللَّهُ تعالى بالفجر، واختُلِف فيه: قيل: هو الصُّبح، وهو كما قال: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]، ثم (١) قيل: هو فجرُ كلِّ يوم. وقيل: فجر أوَّل يوم من المحرَّم. وهو قول ابن عبَّاس ﵄ (٢). وقيل: فجر أوَّل يوم من ذي الحجَّة. وقيل: فجر يوم النَّحر. وقيل: هو صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقيل: هو قَسَم بانفجار المطر من السَّحاب. وقال عكرمة: هو قَسَم بانفجار الماء من الجبال؛ قال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] (٣). وقيل: هو قَسَم بانفجار الماء من حجر موسى ﵇؛ قال تعالى ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]. وقال قتادة: هو قَسَم بانفجار الماء من بين أصابع رسولنا ﵊ (٤).

стр. 7704

وقيل: هو قسم بانفجار الطُّوفان من السَّماء والأرض في زمن نوح ﵇؛ قال تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]. وقال الضحَّاك: أقسم بانفجار الدُّموع من عيون العصاة (١). وقيل: أقسم بانفجار عيون الجنَّة، قال تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]. ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: قيل: هو قسم بعشر عاشوراء، وهي افتتاح السَّنة، وهو قول ابن عبَّاس (٢). وقيل: هو العشر الأواخر من شهر رمضان، وفيها ليلة القدر، وكان (٣) النَّبيُّ ﷺ يجتهد فيها ويقوم في لياليها. وقيل: هي عشر ذي الحجَّة، وفيها الأيَّام الفاضلة والمناسك. قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: قال ابن عبَّاس: الشَّفعُ: الخلْقُ، والوتر: الخالق (٤). وقرأ حمزة والكسائيُّ بكسر الواو، والباقون بفتحها (٥)، وهما لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم. وقال الحسن: الشَّفع: الزَّوج، والوتر: الفرد، من كلِّ عدد (٦).

стр. 7705

وقال ابن عبَّاس وعكرمة والضَّحَّاك: الشَّفع: يوم النَّحر؛ لأنَّ ما بعده للنَّحر أيضًا، والوتر: يوم عرفة (١). وقال ابن الزُّبير: الشَّفع اليومان الأوَّلان من يوم النَّحر، والوتر: اليوم الثَّالث من ذلك (٢). وقال عمران بن الحصين: الصلوات المكتوبات، منها شفع ومنها وتر (٣). وقال عكرمة في رواية: الشَّفع: العيدان، والوتر: يوم عرفة. وقيل: الشَّفع: عشر ذي الحجَّة، والوترُ: أيَّام التَّشريق. وقيل: الشَّفع: أيَّام الدُّنيا، والوتر: يوم القيامة. وقيل: الشَّفع: ليالي الدُّنيا، والوتر: ليلة القبر (٤). وقيل: الشَّفع: كل اللَّيالي، والوتر: ليلة القدر (٥). وقيل: الشَّفع: قران الحج والعمرة، والوتر: الحجُّ وحده، أو (٦) العمرة وحدها. وقيل: الشَّفع: زيارة بيت اللَّه وزيارة حضرة (٧) الرَّسول، والوتر: زيارة بيت اللَّه وحده.

стр. 7706

وقيل: الشَّفع: عرفات والمزدلفة، والوتر: الكعبة. وقيل: الشَّفع: الصَّفا والمروة، والوتر: البيت. وقيل: الشَّفع: مسجد مكَّة ومسجد المدينة، والوتر: مسجد بيت المقدس. وقيل: الشَّفع: الخلفاء الأربعة، والوتر: محمَّد ﷺ . وقيل: الشَّفع أولاد النَّبيِّ ﷺ أربعة بنين وأربع بنات، والوتر: نساؤه التِّسع. وقيل: الشَّفع: الحسن والحسين، والوتر: علي ﵁. وقيل: الشَّفع: ثمانية أبواب الجنَّة، والوتر: سبعة أبواب النَّار. وقيل: الشَّفع: الرُّوح والبدن، والوتر: القلب وحده. وقيل: الشَّفع: جمع القلب بين حبِّ الدُّنيا وحبِّ العُقبى (١)، والوتر: انفراده بحبِّ المولى. وقيل: الشَّفع: النِّيَّة والعمل، والوتر: النِّية وحدَها. وقال عطاء: الشَّفع: السُّنن اثنتا عشرة ركعة، والوتر: الفرائض سبع عشرة ركعة. وقيل: الشَّفع: الإيمان والعمل، والوتر: الإيمان وحدَه (٢). وقال جعفر الصَّادق: الشَّفع: العينان والأذنان واليدان والرِّجلان وكل شفع في البدن، والوتر: القلب وحده. وقال ابن عبَّاس: الوتر آدم، شُفع بحواء (٣). وقال علي: الشَّفع: آدم وحواء، والوتر: ربُّنا تعالى (٤).

стр. 7707

وقيل: الشَّفع: الزَّوجان، والوتر: العَزب. وقال الحسن ومقاتل بن حيَّان ومجاهد: الشَّفع: الخلق، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]، والوتر: اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] (١). وقال أبو بكر الورَّاق: الشَّفع: تضادُّ أوصاف المخلوقين، العزّ والذُّل، والقدرة والعجز، والقوَّة والضَّعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى، والسَّمع والصَّمم، وما أشبهها، والوتر: انفراد صفات اللَّه تعالى، عزٌّ بلا ذلٍّ، وقدرةٌ بلا عجز، وقوَّة بلا ضعف، وعلمٌ بلا جهل، وحياةٌ بلا موت (٢). * * * (٤ - ٧) - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾: هو قسمٌ بليلة النَّحر؛ لأنَّه يسري فيه الحاجُّ إلى المزدلفة، ومعناه: يُسْرَى فيه، كما يُقال: ليل نائم؛ أي: يُنام فيه. وقيل: ﴿يَسْرِ﴾؛ أي: يمضي. وقيل: هو كلُّ ليلٍ، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾: أي: عقلى، وهو استفهام بمعنى التَّقرير، وجواب هذا القسم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أي: ألم تعلم يا محمَّد علمًا يوازي العيان في الإيقان؟ وهو استفهامٌ بمعنى التَّقرير.

стр. 7708

﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾: قالوا: هما عادان: عاد الأولى وعاد الثَّانية، وعاد الأولى هم إرم. وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ﴾: بدلٌ عنه وترجمة له (١). واختلف في طريقه: قال قتادة: ﴿إِرَمَ﴾: قبيلة من عاد (٢). فكان في معنى: مررْتُ بقريشٍ بني هاشم منهم. وقال مجاهد: ﴿إِرَمَ﴾: أمَّة عاد (٣). وقال السُّدِّي: هو أبوهم الأكبر (٤). وقال معمر: يرجع عاد وثمود إلى إرم، فهو أصلُهم جميعًا (٥). وقال الحسن: عاد وإرم اسمان لواحد. وقال ابن إسحاق: عادُ بن إرَمَ بن عُوصِ بن سَامِ بن نُوح ﵇ (٦). فعلى هذا سُمِّي عاد إرم باسم الأب، كما تقول: مررت ببكر بن وائل؛ أي: ببني بكر بن وائل. ثم إنَّما لم ينوَّن ﴿إِرَمَ﴾ ولم يُصْرَف، وإن كان في الأصل اسمَ رجل؛ لأنَّه صار اسمَ قبيلة، ولذلك أنّث النَّعت (٧) فقال:

стр. 7709

﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: ذا الطَّول (١). يقال: رجل مُعَمَّدٌ؛ أي: طويل. وقال قتادة: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ أي: ذات عُمُد لبيوت الوَبر (٢). وكانوا ينتقلون بها من مكانٍ إلى مكانٍ للانتجاع. وقال ابن زيد: ذات إحكام البنيان (٣). وقال الضَّحَّاك: ذات القوى الشِّداد (٤). وقال الحسن: ذات الأبنية العظام (٥). وقال الواقديُّ: كانوا يعالجون العماد، فينصبونه، ثم يبنون فوقه القصور، وكانت تُرى من أرض بعيدة، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨]. * * * (٨ - ٩) - ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: قيل: هو وصف عاد؛ أي: لم يُخلَق في سائر البلاد مثلُهم في قوَّتهم وطول قامتهم. وكذا قال الحسن (٦) وقتادة، وقال: قَدُّ أحدهم اتنا عشر ذراعًا وأكثر من ذلك (٧).

стр. 7710

وقيل: هو وصف أبنيتهم، والتَّأنيثُ راجع إلى العماد، وهي جمع عَمَد على هذا التَّأويل. وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ﴾: قال مجاهد: أي: قطعوا الجبال بيوتًا (١)؛ كما قال: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]. ﴿بِالْوَادِ﴾: قال الكلبيُّ: بوادي القُرى (٢). وقد جاب يجوب جوبًا، وجاب يَجيب جيبًا؛ أي: قطع. * * * (١٠ - ١٤) - ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾: قال ابن عبَّاس: أي: ذي الجنود الذين كانوا يشدُّون أمره (٣). وقال مجاهد: كان يوتِدُ الأوتاد في أيدي النَّاس (٤). وقيل: هي أوتادٌ نصبَها للعذاب، يشدُّ النَّاس إليها يعذِّب بها، وكذا فعل بامرأته، مدَّها إلى أربعة أوتاد، وجعل على صدرها رحًى. وقال قتادة: هي ملاعبُ كان يَلعب له بها، ويضرب تحتها بالأوتاد (٥). وهو عن ابن عبَّاس في رواية (٦).

стр. 7711

وقيل: هي أوتاد خيام عسكره، وكانت في غاية الكثرة. وقيل ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾؛ أي: ذي المُلْك والرِّجال، قال الشَّاعر: في ظلِّ مَلِكٍ راسخِ الأوتادِ (١) وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾: صفة عاد وثمود وفرعون؛ أي: تمرَّدوا في بلادهم. ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾: الكفر والمعاصيَ وظلم النَّاس. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾: مجاز عن إيقاع العذاب بهم، قال الشَّاعر: وما صَبَّ رِجْلي في حَدِيدِ مجُاشِعٍ... مع القَدْرِ إلَّا حاجَةٌ لي أُرِيْدُها (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ هو كقولهم: طريقُكَ عليَّ، وكقول اللَّه تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. والمرصاد والمَرْصَد: الطَّريق الذي يُرْصَد فيه المارُّ؛ أي: يُرْقَب ويُحْفَظ، ومعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى يحفَظُ كلَّ إنسان وما يعمل، ويجزيه به؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ. وفي ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قولٌ آخر؛ أنَّه اسم مدينة بناها شدَّاد بن عاد، وتقدير الآية على هذا: كيف فعل ربُّك بإرم شدَّاد بن عاد، وهو تسمية شدَّاد باسم أبيه، وذَكَر إرم بدلًا عنه، كقولك: ضربْتُ زيدًا رأسَه.

стр. 7712

ودليله قصَّته، وهي ما أخبر به الشَّيخ الإمام الخطيب أبو محمَّد عطاء [بن] (١) مالك بن عبد الجبَّار النَّحوي ﵀، قال: أخبرنا الشيخ طاهر بن عبد اللَّه الشاشي (٢)، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو القاسم الحسن بن محمَّد بن حبيب قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمَّد بن عبد اللَّه الصفَّار الأصفهاني، قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم الأصفهاني (٣)، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن صالح المصري (٤)، قال: حدثني ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن وهب بن منبِّه، عن عبد اللَّه بن قِلَابة (٥): أنَّه خرج في طلب إبلٍ له شردَتْ، فبينما هو في صحارى عدن يطلبُ إبلَه في تلك الفلوات، إذا هو قد وقع على مدينة في تلك الفَلَوات عليها حصنٌ، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طِوال، فلمَّا دنا منها ظنَّ أنَّ فيها أحدًا يسأله عن

стр. 7713

إبله، فإذا لا خارج يخرج من باب حصنها ولا داخل يدخل فيها، فلمَّا رأى ذلك نزل عن ناقته وعَقَلَها، ثم استلَّ سيفَه ودخل من باب الحصن. فلمَّا خلف (١) الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم يُرَ في الدُّنيا شيءٌ أعظم منهما ولا أطول، وإذا خشبُهما محمَّرٌ، وفي ذينك البابين نجوم (٢) من ياقوت أبيض وياقوت أحمر تضيء ذينك البابين فيما بين الحصن والمدينة، فلمَّا رأى ذلك الرَّجل أعجبه وتعاظمه الأمر، ففتح أحد البابين ودخل، فإذا هو بمدينة لم يرَ الرَّاؤون مثلها قطُّ، فإذا هي قصور (٣) كلُّ قصر تحتَه أعمدة من زبرجد وياقوت، ومن فوق كلِّ قصر منها غرف، ومن فوق الغرف غرفٌ مبنيَّة بالذَّهب والفضَّة واللُّؤلؤ والياقوت والزَّبرجد، وكلُّ مصاريع تلك القصور وتلك الغرف مثل مصراعي باب المدينة، محمَّرٌ كلها مفصصةٌ بالياقوت الأبيض والياقوت الأحمر، مقابَل بعضها ببعض، يُنوَّر بعضُها من بعض، مفروشةٌ تلك القصور كلُّها باللُّؤلؤ وبنادق المسك والزَّعفران. فلمَّا عاينَ الرَّجل ذلك، ولم يرَ فيها أحدًا، ولا أَثَرَ أحدٍ، وإنما هو شيءٌ مفروغ منه، لم يسكنه أحد، فهاله ذلك وأفزعه، ثم نظر إلى الأزقَّة، فإذا هو بشجرٍ في كلِّ زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار كلُّها، وإذا تحت الأشجار أنهار مطَّردة يجري ماؤها من قنوات من فضَّة، كلُّ قناة منها أشدُّ بياضًا من الشَّمس، تجري كل (٤) تلك القنوات تحت الأشجار. فقال الرَّجل: والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ، ما خلقَ اللَّهُ تعالى مثل هذه في الدُّنيا،

стр. 7714

وإنَّ هذه الجنَّة التي وصفَها اللَّه تعالى، وما بقي ممَّا وصفه اللَّه تعالى شيء إلَّا وهو في هذه المدينة، وهذه (١) الجنَّة، الحمد للَّه الذي أدخلَنيها، فبينما هو على ذلك يؤامر نفسه [ويتدبَّر رأيه إذ دعته نفسه] (٢) أن يأخذ من لؤلؤها وياقوتها وزبرجدها، ثم يخرج حتى يأتي بلاده، ثم يرجع إليها، ففعل، فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزَّعفران، فلم يقدِرْ أن يقلَعَ من زبرجدها شيئًا ولا من ياقوتها؛ لأنَّها مثبَّتة في أبوابها وجدرانها، وكان ذلك اللّؤلؤ والبنادق والزَّعفران منثورًا في تلك القصور والغُرَف كلِّها، فأخذ ما أرادَ وخرج حتى أتى ناقتَه وحلَّ عقالها وركبها، ثم سار راجعًا يقفو أثر ناقته، حتى رجع إلى اليمن، وأظهر ما كان معه، وأعلم الناس أمرَه وما كان من قصَّته، وباع بعض تلك (٣) اللُّؤلؤ، وكان ذلك اللُّؤلؤ قد اصفارَّ وتغيَّر من طول كرور اللَّيالي والأيَّام (٤) عليها، فلم يزل أمر ذلك الرَّجل ينمي حتَّى بلغ ذلك (٥) أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، فأرسل رسولًا وكتب إلى صاحب صنعاء يأمره ببعث الرَّجل ليسأله عمَّا كان من أمرِه، فخرج به رسول معاوية من اليمن حتى قدم به الشام، وكان قد أمر (٦) صاحبُ صنعاء الرَّجلَ أن يأتي معاوية ويَخرج إليه ببعض ما جاء به من متاع تلك المدينة. فسار الرَّجل ورسول معاوية معه حتى قدم على معاوية، فخلَا به يسائله عمَّا رأى، فقصَّ عليه أمر المدينة وما رأى فيها شيئًا فشيئًا، فأعظم ذلك معاويةُ، وأنكر ما

стр. 7715

حدَّثه به، وقال: ما أظنُّ ما تقول حقًّا، فقال الرَّجل: يا أمير المؤمنين، معي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها، قال: ما هو؟ قال: اللُّؤلؤ وبنادق المسك والزَّعفران، فقال معاوية: هاتِ حتَّى أراه، فأراه لؤلؤًا أصفر من أعظم ما يكون من اللُّؤلؤ، وأراه تلك البنادق، وشمَّها معاوية، فلم يجد لها ريحًا، فأمر ببندقة منها حتى دُقَّت، فسطع ريحها مسكًا وزعفرانًا، فصدَّقه عند ذلك معاوية، وقال: كيف لي أن أعلم ما اسم هذه المدينة؟ ومَن بناها؟ ولمن (١) كانت؟ فواللَّه ما أُعطيَ أحا مثل ما أُعطِيَ سليمان بن داود، وما مَلَك سليمان بن داود مثل هذه المدينة. فقيل له: ما علمُ هذا عند أحدٍ من أهل الدُّنيا في زماننا إلَّا عند كعب الأحبار، ومثلُ هذه المدينة لا يستطيع هذا الرَّجل دخولها إلَّا أن يكون سبق في الكتاب دخولُه إيَّاها، فابعَثْ إلى كعبٍ فإنَّه ليس على وجه الأرض أحدٌ اليوم أعلم منه، ولا شيء مضى في الدَّهر ولا يكون بعد اليوم إلَّا وهو في التَّوراة مفسَّر، فليبعَثْ إليه أمير المؤمنين، فإنَّه سيجد خبرَها عنده. فأرسل معاويةُ إلى كعبٍ ﵀، فلمَّا أتاه قال له: يا أبا إسحاق، إنِّي دعوتُكَ لأمرٍ رجوْتُ أن يكون عندَكَ علمُه، فقال: على الخبير سقطْتَ، فسلني عمَّا بدا لك، فقال: هل بلغَكَ أنَّ في الدُّنيا مدينةٌ مبنيَّةٌ بذهب وفضَّة، وعمدها زبرجدٌ وياقوت، وحصباءُ (٢) قصورها وغرفها اللُّؤلؤ، وأنهارها في الأزقَّة تحت الأشجار؟ فقال: والذي نفسُ كعبٍ (٣) بيدِه، لقد ظننْتُ أنِّي سأتوسَّد يميني قبل أن يسألني أحدٌ عن تلك المدينة، وما فيها، ولمن هي؟ ولكن أخبرُكَ بها، أَمَا إنّها حَقٌّ على ما

стр. 7716

بلغَكَ، وأمَّا صاحبُها الذي بناها فشدَّاد بن عاد، وأمَّا المدينة فهي إرم ذات العماد التي وصفَها اللَّه تعالى في كتابه المنزَّل على محمَّد ﷺ : ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. فقال معاوية: حدِّثنا بحديثِها رحمَك اللَّه. فقال: إنَّ عادًا الأولى ليسَ عادَ قومِ هودٍ، ولكنْ عادٌ الأولى إنما هود وقوم هود ولدُ ذلك، وكان عادٌ له ابنان: شديد وشدَّاد، فهلك عادٌ، وبقَيا وتجبَّرا ومَلَكا وقَهَرا العباد عنوة، حتى دان لهما جميع النَّاس، ولم يبقَ في المشرق والمغرب أحدٌ إلَّا وهو في طاعتهما، ثمَّ ماتَ شديدٌ، وبقي شدَّاد، فملَكَ وحدَه، ولم ينازِعْه أحدٌ. وكان مُوْلعًا بقراءة الكتب الأولى الغائبة (١)، وكلَّما مَرَّ فيه بذكر الجنَّة وما سمع ممَّا هو فيها من البنيان والياقوت واللُّؤلؤ دعَتْه نفسُه إلى أن يفعل لنفسه (٢) تلك الصِّفة في الدُّنيا؛ عُتُوًّا على اللَّه، فلمَّا وَقَرَ ذلك في قلبِه أمر بصنعةِ تلك المدينة، فأمَّر على صنعتها مئة قهرمان، مع كل قهرمان ألفٌ (٣) من الأعوان. ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها، واعملوا لي فيها مدينة من ذهبٍ وفضَّة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، تحت المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصورٌ، ومن فوق القصور غرفٌ، واغرِسوا تحت تلك القصور في أزقَّتها أصنافَ الثِّمار كلِّها، وأَجْروا فيها الأنهار حتى تكون تحت الأشجار؛ فإنِّي أسمع في الكتب صفة الجنَّة، وإنِّي أحبُّ أن أجعل مثلها في الدُّنيا، وأتعجَّل سكناها.

стр. 7717

فقال له قهارمتُه (١): فكيف لنا أن نقدر على ما وصفْتَ لنا من الزَّبرجد والياقوت والذَّهب واللُّؤلؤ والفضَّة نبني منه (٢) مدينة من المدائن؟ فقال لهم: ألستم تعلمون أنَّ مُلْكَ الدُّنيا كلَّها بيدي؟ قالوا: بلى. قال: فانطلقوا إلى كلِّ شيء في الدُّنيا من معادن الزَّبَرجد والياقوت، أو بحر فيه لؤلؤ أو معدن ذهبٍ أو فضَّة، ووكِّلوا به من كلِّ قوم رجلًا يُخْرِج لكم ما كان في كلِّ معدن، ثم انطلِقوا فانظروا إلى ما كان (٣) في أيدي النَّاس من ذلك فخذوه، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن، فإنَّ معادن الدنيا أكثر من ذلك. فانطلَقوا وكتبوا (٤) فيه إلى كلِّ ملكٍ في الدُّنيا يأمرُه أن يجمع له ما في بلاده من جواهرها، ويحفظ (٥) معادنها، وبعثوا إلى كلِّ ملك كتابًا. فأخذ كلُّ ملك ما يجدُه في ملكه عشر سنين حتى يبعثَ إلى فَعَلَةِ إرم ذات العماد بما (٦) قِبَله من ذلك، وأخذ الفَعَلَةُ في طلبِهم له مواضعَ كما أرادَ ووصَفَه لهم، وكان تحت يده مئتان وستُّون مَلِكًا. وخرجَ الفَعَلَة والقهارمة فتبدَّدوا في الصحارى ليجدوا ما يوافِقُه، فلم يجدوا ذلك عشر سنين، حتَّى وقفوا على صحراء عظيمة نقيَّة من الجبال والتِّلال، ذات

стр. 7718

عيون (١) مطَّردة، فقالوا: هذه صفة إرم التي أمرنا بها، فعمدوا فأخذوا بقدر الذي أمرهم من العرض والطُّول، ثم جعلوا ذلك حدودًا محدودة، ثم عمدوا إلى مواضع الأزقَّة التي فيها الحدود، فأجروا فيها قنواتٍ لتلك الأنهار، ثم وضعوا [الأساس] (٢) من صخور الجزَع اليماني، وجعلوا طين ذلك الأساس من مسكٍ وزعفران، فلمَّا فرغوا من الأساس، وأجروا من القنوات، أرسل الملوك إليهم بالزَّبرجد والياقوت واللُّؤلؤ والجواهر والذَّهب والفضَّة، وكلُّ مَلِكٍ عمل ما كان في معدنه، فمنهم مَن بعث بالعُمُد مفروغًا منها، ومنهم من بعث بالذَّهب والفضَّة مصوغًا مفروغًا منه، فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها في ثلاث مئة سنة، وكان عمره تسعَ مئة سنة، ولَمَّا أتَوه وأخبروه بفراغهم من بنائها (٣) قال: انطلقوا فاجعلوا عليها حصنًا، واجعلوا حوالي (٤) الحصن ألف قصر، عند كلِّ قصر ألفُ عَلَم، يكون في كلِّ قصر من تلك القصور وزرائي، ويكون فوق كلِّ علَم منها ناطور. قال: فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحُصُن، ثم أتوه وأخبروه بالفراغ ممَّا أمرهم به، فأمر ألف وزير من أهل خاصَّته ومَن يثق به أن يتهيَّؤوا للنّقْلة إلى إرم ذات العماد، فأمر لتلك الأعلام برجال ليَسكنوها ويقيموا فيها ليلهم ونهارهم، وأمر لهم بالعطايا والأرزاق والجهاز إلى تلك الأعلام، وأمر مَن أراد من نسائه وخدمه بالجهاز إلى إرم ذات العماد، وأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، فسار إليها الملك فيمَن أراد، وخلَّف من قومة في عدن أبين والشَّجر أكثر ممَّا سار به.

стр. 7719

فلمَّا استقلَّ وسار اليها ليسكنها وبلغها إلَّا مسيرةَ يوم وليلة، بعثَ اللَّهُ تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من السَّماء فأهلكتهم جميعًا، ولم يبقَ منهم أحدٌ، ولم يدخل هو إرمَ ولا مَن كان معه، ولم يقدر على [أن يدخلها] (١) أحد منهم حتى السَّاعة. فهذه صفة إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك هذا يا أمير المؤمنين، ويَرى ما فيها، ويحدِّثُ بما فيها، ولا يُصدَّق. قال: نعم يا أبا إسحاق، وهل تصفُه لنا؟ قال: نعم، هو رجل أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يخرج ذلك الرَّجل في طلب إبل له في تلك الصَّحارى، فيقع على إرم ذات العماد، فيدخلها ويحمل ممَّا (٢) فيها، والرَّجل جالسٌ عندك يا أمير المؤمنين، فالتفَتَ فرأى الرَّجل. فقال: هذا ذاك الرَّجل، قد دخلَها، فسَلْه عمَّا حدَّثتك به. فقال معاوية ﵁: يا أبا إسحاق، إنَّ هذا من خدمي ولم يبارحني. فقال: قد دخلَها، وإلَّا فسيدخُلها، وسيدخلها أهل هذا الدِّين في آخر الزَّمان. فقال معاوية: لقد فضلَكَ اللَّهُ يا أبا إسحاق على غيرك من العلماء، ولقد أُعطيْتَ من علم الأوَّلين والآخرين مالم يُعْطَ أحدٌ. قال كعب ﵁: والذي نفسُ كعبٍ بيده، ما خلقَ اللَّه شيئًا إلَّا فسَّره في التَّوراة لعبده موسى ﵇ مفسَّرًا (٣).

стр. 7720

وفي بعض التَّفاسير: أنَّ شدَّاد بن عاد مات من الجوع؛ لأنَّه اعتلَّ بعلَّة منعَتْه من الأكل والشُّرب حتى مات. * * * (١٥ - ١٨) - ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾: قال ابنُ جريج: هو أميَّة بن خلف، قتله بلال يوم بدر. ﴿ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾؛ أي: امتحنه بالإنعام عليه والتَّوسعة في دنياه؛ ليتعبَّده بالشُّكر. ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾: بالأموال والأولاد ﴿وَنَعَّمَهُ﴾: ربَّاه ناعمًا. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾: أي: إنَّ لي عنده منزلةً، ولديه كرامة، فلهذا أفضل (١) عليَّ. ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾: امتحنه بالضِّيق ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾؛ أي: ضَيَّقَ عليه ليتعبَّده بالصَّبر. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: أي: هنْتُ على ربِّي فلذلك أذلَّني بالفقر. أي: هذا حالُ الإنسان الذي لا يَعرف إلَّا الدُّنيا، فيرى الكرامة في وجودِها، والهوانَ في عدمِها. ﴿كَلَّا﴾: ليس كما يقول، بل الكرامة في الطَّاعة، والهوان في المعصية. ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾: قال الحسن: كلَّا، لم أُهِنْكَ أنْ قَدَرْتُ عليك رزقَكَ، ولكنْ أهنْتُكَ بأنَّك كنْتَ في الدُّنيا لا تكرم اليتيم (٢). وهو للجنس.

стр. 7721

﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: أي: لا تحثُّون، ولا تحرِّضون على إطعام المساكين، و ﴿الْمِسْكِينِ﴾ جنس. * * * (١٩ - ٢١) - ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾: أي: الميراث (١)، وأصله: الوُرَاث، صُيِّرَت الواو تاءً، كما في التُّجَاه والتُّكَأة والتُّهَمة. ومعناه: يأكلون تراث اليتيم الذي يَلُونه، والمراد من الأكل: إتلافُه في وجوه الحوائج، وخصَّ الأكل لأنَّه هو المقصود الأعظم بالمال. ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾؛ أي: شديدًا، وقيل: أي: كثيرًا. وأصله الضَّمُّ والجمع؛ أي: يجمعون كلَّه في الأكل. وقال قطرب: أي: لفًّا. ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾: أي: كثيرًا، وهو نعت الحبِّ. وقيل: هو حال ﴿الْمَالَ﴾؛ أي: حالَ (٢) كثرته. وقر أ أبو عمرو: ﴿يكرمون﴾، ﴿ويحضُّون﴾، ﴿ويأكلون﴾، ﴿ويحبون﴾ كلَّهنَّ بياء المغايبة ردًّا إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ﴾، وهو جنس أريد به الجمع. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي كلهنَّ بتاء المخاطبة للمشركين.

стр. 7722

وقرأ عاصم بالتَّاء أيضًا على الخطاب، و ﴿تَحَاضُّونَ﴾ بالألف (١)؛ أي: لا يحضُّ بعضُكم بعضًا على ذلك. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ما ينبغي أن يكون هكذا. قوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾: أي: دُقَّتْ. وقيل: أي: سُوِّيَتْ، من قولهم: ناقة دَكَّاءُ؛ أي: مستوية الظَّهر. ﴿دَكًّا دَكًّا﴾: التَّكرار للتَّأكيد والتَّقرير. وقيل: أي: دكًّا بعدَ دَكٍّ، وهو كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]. وقيل: معناه: تزلزلت (٢)؛ لأنَّ الدَّقَّ والتَّسوية يقع بها، وقد قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١]. * * * (٢٢ - ٢٤) - ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: أي: ملائكة ربك بأمره (٣)، وقيل: أي: عذابُ ربك. ﴿وَالْمَلَكُ﴾: أي: الملائكة. ﴿صَفًّا صَفًّا﴾: أي: صفًّا بعد صفٍّ، أهلُ كلِّ سماءٍ صفٌّ على حِدَة.

стр. 7723

﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾: قال أبو سعيد الخدريُّ: لَمَّا نزلَتِ الآية تغيَّر لونُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وعُرِفَ في وجهِهِ حتَّى اشتدَّ على أصحابه ما رأَوا من حالِه، فانطلقوا إلى عليٍّ ﵁، وقالوا له: قد حدث أمرٌ قد رأيناه في نبيِّ اللَّه ﷺ ، فجاء عليٌّ ﵁، فاحتضنَه من خلفِه، ثم قبَّل ما بين عاتِقَيْه، وقال: بأبي أنت وأمي، ما الذي حدث اليوم؟ فقال: "جاء جبريل فأقرأني هذه الآية: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ (١) "، قال: فكيف يُجاءُ بها؟ قال: "يجِيءُ بها سبعون ألف مَلَكٍ، يقودونها بسبعين ألف زمام، فتَشْرُدُ شَرْدَةً لو تُرِكَتْ لأحرَقَتْ أهلَ الجَمْعِ، ثم تَعْرِضُ لي جهنَّم فتقول: يا محمَّد، لقد حرَّم اللَّه لحمك عليَّ (٢)، فلا يبقى أحدٌ إلَّا يقول: نفسي نفسي، وإنَّ محمَّدًا يقول: أمَتي أمَتي" (٣). ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ﴾: أي: يتَّعظُ هذا ﴿الْإِنْسَانُ﴾ الذي كان همُّه الدُّنيا. ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾: أي: ومن أينَ له نفعُ الاتِّعاظ؟

стр. 7724

وقال الحسن: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾؛ أي: يتوب (١)، وفي رواية عنه قال: يؤمن (٢). وقال مقاتل: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾: هو أميَّة بن خلف (٣). ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾: أي: يا ليتني قدمت في (٤) الدُّنيا التي كانت حياتي فيها منقطعةً فانيةً لحياتي هذه التي هي باقيةٌ دائمة؛ أي: قدَّمْتُ عملًا صالحًا يُنالُ به الثَّواب، ويُخلَص به من العذاب. وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية قال: هناك حياة طويلة فاعملوا لها (٥). * * * (٢٥ - ٣٠) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾: قرأ الكسائيُّ: ﴿يُعَذِّبُ﴾ بفتح الذَّال ﴿وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ بفتح الثَّاء، والباقون بكسرها (٦). ومعنى قراءة الفتح: ﴿لَا يُعَذِّبُ﴾ أحدٌ في الآخرة كعذاب أميَّة بن خلف، ويجوز أن يكون مخصوصًا بعذابٍ لا يكون ذلك لغيره، ﴿وَلَا يُوْثَقُ﴾ أحدٌ؛ أي: لا يُشَدُّ بالسَّلاسل والأغلال كما يُشَدُّ هو.

стр. 7725

وقيل: أي: لا يقوم مقامَه أحدٌ في التَّعذيب والتَّقييد فداءً عنه. وقراءة الكسر: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ﴾ أحدٌ أحدًا عذابَ اللَّهِ؛ أي: لا يكون التَّعذيب إلَّا منه، وقد انقطعَتْ تصرُّفات ملوك الدُّنيا، والأمر يومئذ للَّه. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: ثم ذكر حالَ مَن يخالف حال المذكور أوَّلًا، وهي النَّفس المطمئنة المنقادة لأمر ربِّها الواثقةُ بوعده. وقيل: هو أمرٌ بصيغة إخبار بحقيقته، كقولهم: "إذا لم تستحيِ فاصنعْ ما شئْتَ" (١)، وفي القرآن: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]، ومعناه: أنَّ النَّفس المطمئنة يكون حالها كذا. وقيل: هو على حقيقته، ومعناه: أنَّه يُقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾: أي: إلى ثواب ربِّك. ﴿رَاضِيَةً﴾: من اللَّه بما أُعْطِيْتِ. ﴿مَرْضِيَّةً﴾: عند اللَّه بما عمِلْتِ. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾: قال أبو عبيدة: أي: مع عبادي، وبين عبادي (٢)، وهم خواصِّي (٣)، كما قال خبرًا: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].

стр. 7726

وقرأ ابن عبَّاس: (فادخلي في عَبْدِي) (١)؛ أي: يا أيَّتها الرُّوح ادخلي في جسد عبدي ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. وقال مجاهد: ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: المخبتة الموقنة بلقاء اللَّه تعالى (٢). وقال قتادة: هي التي أعطاها اللَّه تعالى كتابَها بيمينها، وبيَّضَ وجهَها، فاطمأنَّتْ بذلك وآمنَتْ (٣). وقيل: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بذكر اللَّه تعالى، كما قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقيل: هذا خطاب للرُّوح عند الموت، يخاطبها اللَّه تعالى بذلك، فتخرج على سهولة وراحة. وروى صالح بن حيَّان عن بريدة قال: يعني نفسَ حمزة بن عبد المطَّلب يوم أُحُد حين استُشهد، فلم تزل عند ربِّ العالمين في كرامة حتى يردَّها إلى جسد حمزة يوم القيامة (٤). والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7727

سورة البلد (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خوَّفنا العقبة، الرحمنِ الذي حثَّنا على فكِّ الرَّقبة، الرحيمِ بأهل المتربة والمقرَبة (٢). روى أبيُّ بن كعبٍ رضى اللَّه عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورة لا أقسم بهذا البلد أعطاه اللَّه تعالى الأمانَ من عقوبةِ يوم القيامة" (٣). وهذه السُّورة مكيَّة، وقيل: مدنيَّة. وهي عشرون آية، واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثُ مئة وسبعة وثلاثون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الإنسان، وجزاء أهل الإساءة وأهل الإحسان. * * * (١ - ٢) - ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. وقولة تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: ﴿لَا﴾ ردٌ؛ أي: ليس هو كما يتوهَّمُه هذا

стр. 7728

الإنسان أنَّه لا يقدر عليه أحدٌ، ﴿أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ الذي أنت فيه يا محمَّد، وهو مكَّة. ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: قال مجاهد: أي: لا تؤاخذ بما عملْتَ فيه، وليس عليك فيه ما على النَّاس، ولعلَّه إشارةٌ إلى ما قاله النَّبيُّ ﷺ : "وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً مِن نهارٍ" (١). وقال شُرَحْبِيلُ بن سعد: أي: ومع حرمة هذا البلد، ومع أنَّ أهلَها لا يستحلُّون فيه شيئًا، يستحلُّون قتلَكَ وإخراجَكَ عنها وأنت حِلٌّ عندهم فيه (٢). وقيل: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾؛ أي: حالٌّ نازلٌ فيه، يعني: حرمتُه بسببِ حلولِكَ فيه. وقال ابن عبَّاس: أي: تَقتل بمكَّة مَن شئْتَ من الكفَّار (٣). وقال مقاتل: فقتل يوم فتح مكَّة عبد اللَّه بن أسد بن خَطَل ومِقْيَس بن صبَابةَ وغيرهما (٤). وقال الضحَّاك: يعني: إن شئْتَ فاقتلْ وإنْ شئْتَ فأمسك (٥). وقال ابن كيسان: أحلَّ اللَّهُ له فيها ما احتاج إليه من صيدها وشجرها.

стр. 7729

وقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾؛ أي: أنت بَرٌّ تقيٌّ غيرُ آثمٍ (١). وقال الحسن: يقول اللَّه تعالى: أنت فيه محسِنٌ، وأنا عنك راضٍ، وأنت حِلٌّ من أن تكون عاصيًا لي فيه (٢). وقالوا: تحقيقه: أنَّ الحِلَّ نعت كالحالِّ، وهو كالحِرْم نعتٌ كالمُحْرِم، والمحرم: مَن يرتكبُ الحرمة، والحِلُّ مَن لا يرتكبها. * * * (٣ - ٤) - ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾: قال الفرَّاء: أي: ومَن ولد؛ كقوله: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومَن بناها، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] (٣). وهو قسم بآدمَ وكلِّ أولاده، وقد كرَّمهم اللَّه تعالى وفضَّلهم على كلِّ خلقه. وقيل: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: هم المؤمنون من أولادِه، والكفَّار سُمُّوا أنعامًا فخرجوا منهم. وقيل: ﴿وَوَالِدٍ﴾: هو إبراهيم، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: ذرِّيته. وقيل: المؤمنون من ذريته. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: على هذا وقع القَسَم. وقيل: هو للجنس. وقيل: هو إنسان بعينه (٤).

стр. 7730

والكبدُ: الشِّدَّة والمشقَّة. قال قتادة: خُلِقَ الإنسانُ حين خُلِقَ في مشقَّةٍ، لا تَلْقَى ابنَ آدمَ إلَّا يكابد عمل الدُّنيا والآخرة (١)؛ أي: يقاسي. وقال ابن عبَّاس: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: حملُه ووِلادُه ونباتُ أسنانه، ورضاعُه وفطامُه، وحياته وموته (٢). وقال أبو العالية: يكابد مضائق الدُّنيا وشدائد الآخرة (٣). وقال يمان بن رئاب: لم يَخلق اللَّه تعالى خلقًا يكابد ما يكابد ابنُ آدم (٤). وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: لا يُدرك هواه، ولا يَبلغ مُناه (٥). وقال عبد العزيز بن يحيى: محاربًا للشَّياطين. وقال ذو النُّون: مربوطًا بحبل القضاء، مدعوًّا إلى الائتمار والانتهاء (٦). وقال مقاتل: ﴿فِي كَبَدٍ﴾؛ أي: قائمًا على رجلِه، وخَلَق الدَّوابَّ مكبَّةً (٧). وقيل: ﴿فِي كَبَدٍ﴾؛ أي: لكَبَدٍ، وهي مشقَّة العبادات التي يُتعبَّد بها (٨)، وأمورُ المعاش التي لا بُدَّ منها.

стр. 7731

وقال الحسن: يكابد الشُّكر على السَّراء، والصَّبر على الضَّرَّاء، لا يكون أبدًا إلَّا كذلك (١). وقيل: يكابد في الدَّارين الأطوار إلى أن يستقرَّ في الجنَّة أو في النَّار. وروى أبو صالح عن ابن عبَّاس: يكابد أمور الدُّنيا وأحوال الآخرة (٢). وهو كلَدةُ بن أَسيد بنِ خلف أبو الأشدَّين، كان يضع الأديم العكاظيَّ تحت قدمَيْه ويقول: مَن أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يُطاق أن يُنزَعَ من تحت قدمَيْه (٣). وروى أبو الضُّحى عن ابن عبَّاس: أنَّه نزل في الوليد بن المغيرة (٤). * * * (٥ - ٧) - ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ﴾: الإنسان (٥) ﴿أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾؛ أي: أيظنُّ أنْ لن يقهرَه قاهر، ولن يغلبَه غالبٌ، مع علمِه أنَّه خُلِقَ في كبدٍ، لا يمكنه دفع ضيق الحال وتعبِ العيش عن نفسه، فهو مسخَّر مربوبٌ، بل يقهرُه اللَّه الواحد القهَّار.

стр. 7732

وقيل: أي: أيظنُّ مع ما (١) خُلق للامتحان أن لن يقدر على مجازاته بسوء أعماله أحد؟! بل يقدر على ذلك مَن خلقَه، وبالأمر والنَّهي تعبَّده. ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾: أي: كثيرًا، تلبَّد بعضُه على بعض؛ أي: تراكب، وليس بمعدول، بل هو نعت كالحُطَم والزُّفَر (٢). وقيل: معناه: يتبجَّح ويقول: أهلكْتُ مالًا كثيرًا في قضاء أوطاري، ودفعْتُ عنِّي أعدائي، فلم يقدر عليَّ أحدٌ من أضدادي، وكذا أنفقُه في قمع مَن يقصد مَساءتي من محمَّد وأصحابِه، فلا يصلُون إليَّ. ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾: حين فعل ذلك، بل رآه اللَّه تعالى، وسيجزيه على ما فعل إذا أنفقَه في الشَّرِّ دون الخير. وقيل: أظهر أنَّه أنفق الكثير في عداوة رسول اللَّه ﷺ ، وتكثَّر به عند المشركين كاذبًا، فأكذبه اللَّه تعالى بهذا. * * * (٨ - ١١) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾؛ أي: لهذا الإنسان، استفهام بمعنى التَّقرير. ﴿عَيْنَيْنِ﴾: يبصر بهما ﴿وَلِسَانًا﴾: ينطق به ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾: يستعين بهما على الإبانة باللِّسان وينتفع بهما في غير ذلك. ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: أي: بيَّنا له الطَّريقين؛ روى أبو هريرة رضى اللَّه عنه، عن

стр. 7733

النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "هما النَّجدان، نجد الخير، ونجد الشَّرِّ، فلا يكون نجدُ الشَّرِّ أحبَّ إلى أحدكم من نجد الخير" (١). وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقيل: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾؛ أي: الثَّديين يرضعهما. والنَّجدُ: الطَّريق المرتفع. يقول: قد أزحنا العلَّة، وأنلنا الكفاية، وأقمنا الحجَّة، وأظهرنا (٢) النِّعمة.

стр. 7734

﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: أي: لم يعمل ما به يَتجاوَزُ العقبة. وقيل: أي: أفلا (١) اقتحم العقبة؛ أي: هلَّا أنفَق مالَه فيما فيه اقتحامُ العقبة؟ وحذف حرف الاستفهام، كما قال امرؤ القيس: تروحُ مِنَ الحيِّ أمْ تَبْتَكِرْ... وماذا عليْكَ بأنْ تَنْتَظِرْ (٢) قال الحسن: عقبةٌ واللَّهِ شديدةٌ، يريد الرَّجل أن يجاهد نفسَه وهواه والشَّيطان (٣). وقال ابن عبَّاس ﵄: هي عقبة بين الجنَّة والنَّار (٤). وقال كعب الأحبار: هي سبعون دركًا في جهنَّم (٥). وقال مجاهد: ﴿الْعَقَبَةَ﴾: عقاب جهنم (٦). وقال الضَّحَّاك: هو الصِّراط (٧). وقيل: هو كقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].

стр. 7735

وقيل: هو عقبة القيامة؛ أي: مشقَّة ورودها. وقال الكلبيُّ: هو الصِّراط يُضرَبُ على جهنَّم كحدِّ السَّيف مسيرةَ ثلاثة آلاف سنة صعودًا وهبوطًا وسهلًا، وإنَّ بجنبيه لحسكًا وكلاليب، فمِن النَّاس مَن يمرُّ عليه كالبرق الخاطف، ومنهم مَن يمرُّ عليه كالفارس (١) الموضع، ومنهم مَن يمرُّ عليه كالرَّجل يعدو، ومنهم مَن يمرُّ عليه كالرَّجل يسير، ومنهم مَن يزحف زحفًا، ومنهم مَن يُكردَس في النَّار (٢)، واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشي (٣). * * * (١٢ - ١٦) - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾: أي: ما اقتحامُ العقبة؟ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ﴿فَكَّ﴾ و ﴿أطعَمَ﴾ على الفعل الماضي، كما ذكر فيما قبله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾، وفيما بعده: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ﴾. وقرأ الباقون: ﴿فَكُّ﴾ بالرَّفع، ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ بالألف والرَّفع (٤)؛ تفسيرًا لقوله: ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾؛ أي: ما اقتحامها؟ هو بهذين الفعلين. والاقتحام لازم الإقحام، وهو الإلقاء من العُلوِّ في نهر أو وهدةٍ أو نحوِ ذلك بسرعة.

стр. 7736

و ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: إخراج المال في فكِّ الرِّقاب بإعطاء المكاتَب ما يؤدِّي به مكاتبَتَه. وقال البراء بن عازب ﵁: جاء أعرابيٌّ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دلَّني على عمل يدخلني الجنَّة؟ فقال: "أعتقِ النَّسمَةَ، وفكَّ الرَّقبة"، فقال: يا رسول اللَّه، أليسَتا شيئًا واحدًا؟ قال: "لا، عتق النَّسمة أن تنفردَ بعتقِها، وفكُّ الرَّقبة أن تُعِين في بذلها" (١). يقول: لم ينفق هذا الكافر مالَه فيما أُمِرَ به من وجوه الخير. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: أي: مجاعة، وقد سَغِبَ يَسغَبُ سَغَبًا، فهو ساغب وسَغْبانُ، من حدِّ (علم)، والمسغَبة (٢) للمصدر أيضًا. ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: أي: قرابةٍ، فتجتمع قُرْبتان. ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: أي: فقرٍ شديد، وهي من التُّراب؛ أي: الذي لصِقَ بالتُّراب؛ لقربِه وعدمِ ما يبسطه على الأرض شيئًا (٣). * * * (١٧ - ٢٠) - ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: مع هذا يكون مؤمنًا، فإنَّه لو كان كافرًا، لم يكن لصدقته قَبول ونفع.

стр. 7737

و ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار عنه، لا لترتيب الوجود؛ أي: ثم أُخبرُكم أنَّ هذا لمن كان مؤمنًا، وهو كقول الشَّاعر: إنَّ مَنْ سادَ ثمَّ سادَ أبوه... ثم قد ساد قبلَ ذلكَ جَدُّه (١) وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: عطف على قوله: ﴿آمَنُوا﴾؛ أي: مَن كان من المؤمنين الذين يوصِي بعضُهم بعضًا بالصَّبر على الطَّاعة وعن المعصية في المحنة. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: أي: بالرَّحمة على خلق اللَّه تعالى. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: أي: اليمن والخير والسَّعادة. وقيل: أصحاب اليمين الذين يُعطَون كتبَهم بأيمانهم، ويُسلَك بهم طريق اليمين إلى الجنَّة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: أي: الشُّؤم والشَّرِّ والشَّقاوة. وقيل: هم أصحاب الشَّمال الذين يُعطَون كتبَهم بشمائلهم، ويُسلَكُ بهم شمالًا إلى النَّار. ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: مُطبَقة، فلا يَخلُص إليهم رَوحٌ، ولا يخفَّف عنهم كرب. قرأ حمزة والكسائيُّ وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ بالهمزة، والباقون بغير همز (٢)، وهما لغتان: آصدْتُ الباب وأوصدْتُه، والبابُ إصادٌ ووِصاد. * * *

стр. 7738

سورة الشمس (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلق النفس فسوَّاها، الرحمنِ الذي ألهمها فجورها وتقواها، الرحيمِ الذي وعد بالفلَاح مَن زكَّاها. روى أبيُّ بن كعبٍ رضى اللَّه عنه، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ والشَّمس وضحاها فكأنَّما تصدَّقَ بكلِّ شيءٍ طلعَتْ عليه الشَّمسُ والقمر" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي سِتَّ عشرة آية، وأربعٌ وخمسون كلمة، ومئتان وخمسون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الطَّريقين والفريقين؛ قال في تلك السُّورة: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقال في هذه السُّورة: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. * * * (١ - ٨) - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.

стр. 7739

قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ﴾: أقسم اللَّه تعالى بالشَّمس. ﴿وَضُحَاهَا﴾: الضُّحى: ارتفاع النَّهار، وأضاف إلى الشَّمس لأنَّ الضُّحى يكون بارتفاع الشَّمس، فكأنَّه قال: والشمس وما يكون بها من الضُّحى. وقيل: ﴿وَضُحَاهَا﴾ (١)؛ أي: ونهارها، سمَّاه باسم جزء منه، وهو كقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢]؛ لَمَّا قابل الضحى باللَّيل عُرِفَ أنَّه أراد به النَّهار. وقال مقاتل: ﴿وَضُحَاهَا﴾؛ أي: وحرُّها (٢). ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: أي: تبعَها؛ لأنَّه ابتدأ بالقسم بشمس النَّهار، ثم ثنَّى بالقمر الذي ينير باللَّيل. وقيل: تبعها في أخذ النُّور عنها. وقال قتادة: تبعَها في أوَّل ليلة من الشَّهر، تغرب الشَّمس في أوَّل ليلة من الشَّهر (٣) فيُرَى الهلال (٤). ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾: أي: جلَّا الشَّمسَ وأظهرَها؛ لأنَّه بمجيء النَّهار ترتفع الشَّمس وتُرَى. وقيل: إذا غيَّبَها، مأخوذ (٥) من الجلاء عن الوطن بالفتح، لا من جِلاء المرآة بالكسر.

стр. 7740

وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال حين وجبت الشَّمس: "هذا حِيْن جَلاها" (١). وقال الكلبيُّ: ﴿جَلَّاهَا﴾؛ أي: جلَّى الظُّلمة (٢). وقال القتبيُّ: جلَّى الأرض أو الدُّنيا (٣). وهو كناية عن مكنيٍّ معلومٍ غير مذكورٍ، كما في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾: أي: يغطِّي الشَّمس بغروبها. وقال مقاتل: أي: يغشَى الأرض بظلمته (٤). ﴿وَالسَّمَاءِ﴾: أقسم اللَّه بالسَّماء ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾؛ أي: ومَن بناها، وهذا قسم بنفسه ﷻ . وقيل: (ما) مع الفعل مصدر؛ أي: وبنائها. وقيل: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾؛ أي: والذي أبقاها مبنيَّة، وهو القدرة. ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾: أي: بسطها، وهو على الأوجه الثلاثة التي قبلها في قوله: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾، والطحوُ: كالدَّحْوُ. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾: وهي نفسُ الإنسان ومَن سوَّاها؛ أي: هيَّأها بهذه البنيةِ الصَّالحة للتَّكليف ﴿وَمَا﴾ على هذه الوجوه الثَّلاثة أيضًا. ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: أي: عرَّفها وبيَّنَ لها ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: فسادَها وصلاحَها، وهو كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وكقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ الآية [الإنسان: ٣].
следующие страницы →