← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

و ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: إخراج المال في فكِّ الرِّقاب بإعطاء المكاتَب ما يؤدِّي به مكاتبَتَه. وقال البراء بن عازب ﵁: جاء أعرابيٌّ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دلَّني على عمل يدخلني الجنَّة؟ فقال: "أعتقِ النَّسمَةَ، وفكَّ الرَّقبة"، فقال: يا رسول اللَّه، أليسَتا شيئًا واحدًا؟ قال: "لا، عتق النَّسمة أن تنفردَ بعتقِها، وفكُّ الرَّقبة أن تُعِين في بذلها" (١). يقول: لم ينفق هذا الكافر مالَه فيما أُمِرَ به من وجوه الخير. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: أي: مجاعة، وقد سَغِبَ يَسغَبُ سَغَبًا، فهو ساغب وسَغْبانُ، من حدِّ (علم)، والمسغَبة (٢) للمصدر أيضًا. ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: أي: قرابةٍ، فتجتمع قُرْبتان. ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: أي: فقرٍ شديد، وهي من التُّراب؛ أي: الذي لصِقَ بالتُّراب؛ لقربِه وعدمِ ما يبسطه على الأرض شيئًا (٣). * * * (١٧ - ٢٠) - ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: مع هذا يكون مؤمنًا، فإنَّه لو كان كافرًا، لم يكن لصدقته قَبول ونفع.

стр. 7737

و ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار عنه، لا لترتيب الوجود؛ أي: ثم أُخبرُكم أنَّ هذا لمن كان مؤمنًا، وهو كقول الشَّاعر: إنَّ مَنْ سادَ ثمَّ سادَ أبوه... ثم قد ساد قبلَ ذلكَ جَدُّه (١) وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: عطف على قوله: ﴿آمَنُوا﴾؛ أي: مَن كان من المؤمنين الذين يوصِي بعضُهم بعضًا بالصَّبر على الطَّاعة وعن المعصية في المحنة. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: أي: بالرَّحمة على خلق اللَّه تعالى. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: أي: اليمن والخير والسَّعادة. وقيل: أصحاب اليمين الذين يُعطَون كتبَهم بأيمانهم، ويُسلَك بهم طريق اليمين إلى الجنَّة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: أي: الشُّؤم والشَّرِّ والشَّقاوة. وقيل: هم أصحاب الشَّمال الذين يُعطَون كتبَهم بشمائلهم، ويُسلَكُ بهم شمالًا إلى النَّار. ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: مُطبَقة، فلا يَخلُص إليهم رَوحٌ، ولا يخفَّف عنهم كرب. قرأ حمزة والكسائيُّ وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ بالهمزة، والباقون بغير همز (٢)، وهما لغتان: آصدْتُ الباب وأوصدْتُه، والبابُ إصادٌ ووِصاد. * * *

стр. 7738

سورة الشمس (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلق النفس فسوَّاها، الرحمنِ الذي ألهمها فجورها وتقواها، الرحيمِ الذي وعد بالفلَاح مَن زكَّاها. روى أبيُّ بن كعبٍ رضى اللَّه عنه، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ والشَّمس وضحاها فكأنَّما تصدَّقَ بكلِّ شيءٍ طلعَتْ عليه الشَّمسُ والقمر" (٢). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي سِتَّ عشرة آية، وأربعٌ وخمسون كلمة، ومئتان وخمسون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر الطَّريقين والفريقين؛ قال في تلك السُّورة: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقال في هذه السُّورة: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. * * * (١ - ٨) - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.

стр. 7739

قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ﴾: أقسم اللَّه تعالى بالشَّمس. ﴿وَضُحَاهَا﴾: الضُّحى: ارتفاع النَّهار، وأضاف إلى الشَّمس لأنَّ الضُّحى يكون بارتفاع الشَّمس، فكأنَّه قال: والشمس وما يكون بها من الضُّحى. وقيل: ﴿وَضُحَاهَا﴾ (١)؛ أي: ونهارها، سمَّاه باسم جزء منه، وهو كقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢]؛ لَمَّا قابل الضحى باللَّيل عُرِفَ أنَّه أراد به النَّهار. وقال مقاتل: ﴿وَضُحَاهَا﴾؛ أي: وحرُّها (٢). ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: أي: تبعَها؛ لأنَّه ابتدأ بالقسم بشمس النَّهار، ثم ثنَّى بالقمر الذي ينير باللَّيل. وقيل: تبعها في أخذ النُّور عنها. وقال قتادة: تبعَها في أوَّل ليلة من الشَّهر، تغرب الشَّمس في أوَّل ليلة من الشَّهر (٣) فيُرَى الهلال (٤). ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾: أي: جلَّا الشَّمسَ وأظهرَها؛ لأنَّه بمجيء النَّهار ترتفع الشَّمس وتُرَى. وقيل: إذا غيَّبَها، مأخوذ (٥) من الجلاء عن الوطن بالفتح، لا من جِلاء المرآة بالكسر.

стр. 7740

وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال حين وجبت الشَّمس: "هذا حِيْن جَلاها" (١). وقال الكلبيُّ: ﴿جَلَّاهَا﴾؛ أي: جلَّى الظُّلمة (٢). وقال القتبيُّ: جلَّى الأرض أو الدُّنيا (٣). وهو كناية عن مكنيٍّ معلومٍ غير مذكورٍ، كما في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾: أي: يغطِّي الشَّمس بغروبها. وقال مقاتل: أي: يغشَى الأرض بظلمته (٤). ﴿وَالسَّمَاءِ﴾: أقسم اللَّه بالسَّماء ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾؛ أي: ومَن بناها، وهذا قسم بنفسه ﷻ . وقيل: (ما) مع الفعل مصدر؛ أي: وبنائها. وقيل: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾؛ أي: والذي أبقاها مبنيَّة، وهو القدرة. ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾: أي: بسطها، وهو على الأوجه الثلاثة التي قبلها في قوله: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾، والطحوُ: كالدَّحْوُ. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾: وهي نفسُ الإنسان ومَن سوَّاها؛ أي: هيَّأها بهذه البنيةِ الصَّالحة للتَّكليف ﴿وَمَا﴾ على هذه الوجوه الثَّلاثة أيضًا. ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: أي: عرَّفها وبيَّنَ لها ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: فسادَها وصلاحَها، وهو كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، وكقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ الآية [الإنسان: ٣].

стр. 7741

والإلهام مطلقًا: هو إلقاء الشَّيء في القلب من غير فكرٍ، والمراد هاهنا: الإلقاء في القلب بعد السَّماع والتَّفكُّر. * * * (٩ - ١٠) - ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾: قال قتادة رحمة اللَّه: وقع القسم على هذا (١). وقال النَّحويُّون: تقديره: لقد أفلح؛ لأنَّ جواب القسم باللَّام، وحُذِف لطول الكلام. وقال الزَّجَّاج: صار طول الكلام عوضًا عن اللَّام (٢). وقيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ مُقدَّم في المعنى، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخر ما أقسَمَ به مُؤخَّر عنه، فاستغنى عن اللَّام. وقال الفرَّاء: الجواب محذوف، كأنَّه قال: والشَّمس وكذا وكذا لتحاسَبُنَّ ولتعرَضُنَّ على اللَّه الكريم (٣). ثم معنى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾؛ أي: نجا من كلِّ مرهوب ووصل إلى كلِّ محبوب مَن زكَّى النَّفس؛ أي: طهَّرها وأنماها، ورفعها (٤) في الطَّاعة. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: أي: يئسَ من ذلك كلِّه مَن أهمل النَّفس في المعاصي وأخملَها (٥)، ودسَّى أصله: دسَّس، وهو مبالغة في دسَّ؛ أي: أخفى، قال تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩].

стр. 7742

وقال ابن عبَّاس: أي: قد أفلح مَن زكَّى اللَّهُ نفسَه فهداها، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (١)؛ أي: دسَّى اللَّه نفسَه فأضلَّها. وقال عكرمة: أفلحَتْ نفسٌ زكَّاها اللَّهُ، وخابَتْ نفسٌ أغواها اللَّهُ (٢). وقال ميمون بن مِهْرانَ: سأل رجلٌ ابن عبَّاس عن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ قال: أتقرأ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾؟ قال: نعم، قال: فآمِن بهذه، واعمل بهذه (٣). يعني: في تلك: أنَّ التَّزكية من اللَّه، وفي هذه: أنَّ التَّزكية من العبد، وهو إثبات التَّخليق مِن اللَّه، والفعل من العبد، كما هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة. وقال الرَّبيع بن أنس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾: مَن عمِل خيرًا وزكَّاها بطاعة اللَّه، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: أثَّمها وأفجرها (٤). وقال مقاتل: أي: قد سُعِد مَن أصلحه اللَّهُ تعالى وقَنِطَ مَن أغواه اللَّه تعالى (٥).

стр. 7743

(١١ - ١٥) - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾: أي: وممَّن دسَّى نفسَه قومُ صالح كذَّبوا رسولهم بطغيانهم، وهو مجاوزتُهم حدَّ العبوديَّة. وقال الفرَّاء: الطَّغوى مصدر كالدَّعوى (١). وقيل: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾؛ أي؛ بعذابها المجاوزِ حدَّ مثلِه، وهو كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٤]، وهو اسمٌ لِمَا أُهْلِكوا به من العذاب. ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: أي: نهض وثار أشقى ثمود، وهو عاقر النَّاقة، قُدَار بن سالف. ﴿فَقَالَ لَهُمْ﴾: أي: لثمودَ ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾؛ أي: صالح. ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: نصب على الإغراء؛ أي: خلُّوا بينها وبين شربها، واحذروا خلاف أمر اللَّه تعالى فيها. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: أي: فكذَّبوا صالحًا بما توعَّدهم به من العذاب. ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: أي: قتلوها، وقيل: عَرْقبوها (٢).

стр. 7744

وكان العاقرُ واحدًا، وأضيف إليهم لأنَّه كان برضاهم ومعونتهم، وقال في (سورة القمر): ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وكان هو المباشِرَ. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾: قال الفرَّاء: أرجف بهم (١). وعنه أيضًا: فأهلكهم. وهو قول قطرب وجماعة. وقال أبو سعيد: أي: فصاح بهم. وقال ابن الأنباري: أصل الدَّمدمةِ: الغضبُ (٢). ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾: أي: ما أهلكهم ظالمًا، بل باستحقاقهم ذلك بذنوبهم. ﴿فَسَوَّاهَا﴾: أي: فسوَّى الدَّمدمة عليهم جميعًا، فلم يُفلِتْ منهم أحد. وقيل: فسوَّى الصَّيحة. وقيل: فسوَّى ثمود كلَّهم في الدَّمدمة. وقال الفرَّاء: أي: فسوى بينهم (٣). وقيل: أي: فسوى المنازل في الأرض. ﴿وَلَا يَخَافُ﴾: أي: اللَّه ﴿عُقْبَاهَا﴾؛ أي: عاقبة هذه الفِعلة؛ أي: فعَل ذلك غيرَ خائف أن يلحقه تَبِعة مِن أحدٍ فيها، فإنَّه فعل ذلك في ملكه، وملكُه لا يُسأل عمَّا يَفعل وهم يُسألون.

стр. 7745

وقيل: أي: لا يُخاف أن يعقِّب على عقوبته مَن يرفعها أو يغيِّرها، وهو كما قال: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]. وقيل: لا يخاف صالح عاقبتَها، ورجوعَ ضررٍ به من جهتها، بعد أن كفاه اللَّه أمره (١). وقيل: أي: كان عاقر النَّاقة لا يَخاف عاقبتَها. قاله الكسائيُّ (٢). وقال مقاتل: هو قدار بن سالف بن جدع (٣). رجل أزرق أحمر قصير أشقر، ابن زانية، واسم أمِّه قديرة (٤)، وقد مرَّت القصَّة في (سورة الأعراف). والحمد للَّه ربِّ العالمين * * *

стр. 7746

سورة الليل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلق الذَّكر والأنثى، الرحمنِ الذي يسَّر لليسرى، الرحيمِ الذي له الآخرة والأولى. روى أبيُّ بن كعب رضى اللَّه عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ واللَّيل أعطاهُ اللَّهُ تعالى حتَّى يرضَى وعافاه من العسر" (١). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثُ مئة وثلاثة أحرف. وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر اللَّيل والنَّهار، والمؤمنين والكفَّار. * * * (١ - ٤) - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ﴾: أقسم اللَّه باللَّيل. ﴿إِذَا يَغْشَى﴾: أي: يغطي الأشياء بظُلمته. ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾: أي: أضاء فانكشفَ بضوئه ما كان الليلُ غطاه.

стр. 7747

﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾: أي: ومَن خلق الذَّكر والأنثى، أقسم بنفسه ﷻ . ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾: القسم على هذا؛ أي: مختلِفٌ متباعِد بعضُه من بعضٍ، لا يستوي سعيُ المؤمن وسعي الكافر، وسعيُ المطيع وسعي العاصي. وحكى ابن الأنباريِّ عن بعض النَّحويين: أنَّ (شتى) جمع شتيت، كالمرضى جمع مريض (١). وقال الإمام القشيريُّ: فواحدٌ سعيُه في طلب دنياه، وآخرُ سعيه في شهوة نفسه واتِّباعِ هواه، وآخر في طلب جاهه ومُناه، وآخرُ سعيُه في قيامه بحسن رضاه، وآخرُ في طلب عُقباه، وآخرُ في تصحيح تقواه، وآخرُ في تصفية ذكراه، وآخرُ في قيامه بحسن رضاه، وآخرُ في طلب مولاه، ومنهم من يجمع بين سعي النَّفس بالطَّاعة، وسعي القلب بالإخلاص، وسعي البدن بالقُرَب، وسعي اللِّسان بالذِّكر، ومنهم مَن سعيه في هلاك نفسه، وما فيه خرابُ دينه (٢). * * * (٥ - ٦) - ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾: وهذا بيان اختلاف سعي الفريقين. والسُّورة نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق رضى اللَّه عنه وفي أميَّة بن خلف، وعطاءِ ذلك وبخلِ هذا، ووعدِ ذاك ووعيدِ هذا. ثم معانيها شاملة لكلِّ النَّاس، وكذا في كلِّ آيةٍ نزلَتْ في قومٍ فعمومُها يشمل الكلَّ.

стр. 7748

قال عروةُ بن الزُّبير ﵁: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: نزلَتْ في أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، وذلك أنَّه أعتق سبعةً (١) كلُّهم يُعذَّب في اللَّه: بلالًا، وعامرَ بن فُهَيرة، وأمَّ كباش النَّهديَّة، وابنتها، وزِنِّيرة، وأمَّ عُبيسٍ، وأَمَةَ بني المؤمِّل. فأمَّا بلال فاشتراه وهو مدفون في الحجارة، فقالوا له: لو أبيْتَ إلَّا أوقيَّة لبعناك، فقال أبو بكر: لو أبيْتُم إلَّا مئة أوقيَّة لابتعْتُه. فأمَّا زِنِّيرة كانت روميَّة لبني عبد الدَّار، فلمَّا أسلمَتْ عميَتْ، فقال المشركون: أعمَتْها اللَّات والعُزَّى، فقالت: كفرْتُ باللَّات والعُزَّى، فردَّ اللَّهُ تعالى بصرَها (٢). وقوله تعالى: ﴿أَعْطَى﴾: يتناول كلَّ وجوه الإنفاق في الخير فرضِها ونفلها. وقيل: يتناول أيضًا أعطاءه من نفسه ما أمره اللَّه تعالى به، كما يُقال: أعطى البيعة، فيقع على الأفعال أيضًا. ﴿وَاتَّقَى﴾: أي: خافَ اللَّهَ، ولم يخالف أمرَه ولا نهيَه. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: قيل: هي الجنَّة، تأنيث الأحسن. وقال قتادة: وصدَّق بموعود اللَّه، فعمل لذلك الموعود (٣).

стр. 7749

وقيل: الحسنى: الثَّواب. وقيل: الخَلَف، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]. وقيل: الحسنى: لا إله إلا اللَّه، وهو شرط قَبول العطيَّة، كما قال في السُّورة التي مرَّت: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]. وقيل: الحسنى: الفرائض؛ أي: قَبِلَ الشَّرائع. * * * (٧ - ١١) - ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾: أي: فسنسهِّل عليه الطَّاعات التي هي سبب اليسر. وقيل: أي: العَود إلى الإعطاء. وقيل: اليسرى تأنيثُها لكونها صفةً للجماعة، وهي الطَّاعات وأعمال الخير. وقيل: هي صفةُ الخلَّة أو الخصلة أو الفِعلة، فصلح للواحدة (١). وقيل: اليسرى: ثواب الطَّاعات؛ أي: فسنسهِّل عليه اكتساب الثَّواب. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾: فلم يعطِ. ﴿وَاسْتَغْنَى﴾: أظهر من نفسِه الغنى عن اللَّه تعالى وعن ثوابه. ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: ذكرنا الأقاويل فيها من قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾: أي: للمعاصي. وقيل: لعقوبات المعاصي؛ أي: ندعه واختيارَها ونسهِّل عليه فعلَها ونخذله فيها؛ قال النَّبيُّ ﷺ : "كُلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له" (٢).

стр. 7750

وهذا في أميَّة بن خلف وبخله. ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾: أي: هلكَ وماتَ، من الرَّدى وهو الهلاك. وقيل: أي: إذا أسقط في النَّار، من قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهي السَّاقطة من الجبل وفي البئر ونحو ذلك. وقيل: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾؛ أي: سقط في قبره. قال الكلبيُّ: نزلَتْ الآيةُ في أبي سفيان بن حرب (١). وقال مقاتل: في الوليد بن المغيرة. وقال مجاهد ومحمَّد بن كعب: هو أبو جهل بن هشام لعنه اللَّه (٢). وقال ابن مسعود: في أميَّة وأبيٍّ ابني خلف (٣). * * * (١٢ - ١٦) - ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾: أي: منَّا البيان والإرشاد، وأيضًا منَّا إعطاء فعل الاهتداء للعباد. ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾: أي: فلا يضرُّنا ضلالُ مَن ضلَّ، ولا ينفعنا اهتداءُ مَن اهتدى.

стр. 7751

﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾: أي: تتلهَّب. ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾: أي: لا يدخلها فيصلى سعيرها. ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾: أي: الشَّقي، كقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هيِّن، والشَّقيُّ: الكافر. ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾: بآيات اللَّه ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن طاعة اللَّه. وإذا حمل هذا على الكافر فمعنى قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾؛ أي: للخلود فيها. وإن حمل على نفس الدُّخول والتَّعذيب مدَّة فمعنى: ﴿كَذَّبَ﴾؛ أي: قصَّر في الأوامر والنَّواهي، فخالفه عملًا لا عقدًا، وهو المعصية، يُقال: لقي فلان العدوَّ فما كذب؛ أي: ما قصَّر وما جبن. ويدلُّ على دخول الفسَّاق النَّارَ للتَّعذيب مدَّة. * * * (١٧ - ٢١) - ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾: وهو الأكمل تقوى، وهو صفة أبي بكر الصِّدِّيق رضى اللَّه عنه. ودلَّ على فضله على جميع الأمَّة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾: أي: يتطهَّر بذلك ويتزايد خيرًا (١). ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾: أي: لا يُعطي مالَه أحدًا ولا يصطنع بالإعتاق ونحوه لصنيعةٍ عنده لأحد يجزيه بها ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾؛ أي: لكن طلبًا لرضا اللَّه.

стр. 7752

﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾: أي: ولسوف يعطيه اللَّه تعالى من الجزاء والكرامة ما يبلغ رضاه ويزيد، وهو كرامة لا يفوقُها كرامة، وهو كقوله لرسول اللَّه ﷺ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]. وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ بلالًا (١) أحدث على الأصنام، وأَخبرَتْ بذلك المشركين امرأةٌ موكَّلة بحفظِها، وكان بلالٌ عبدًا لعبد اللَّه بن جدعان، فشكوه إليه، فوهبه لهم ومئةً من الإبل ينحرونها لإلهتهم، فأخذوه، وجعلوا يعذِّبونه في الرَّمضاء، وهو يقول: أحدٌ أحدٌ، فمرَّ به النَّبيُّ ﷺ ، فقال: "ينجيك الأحد"، ثم أَخبر رسول اللَّه ﷺ أبا بكر أنَّ بلالًا يُعذَّبُ في اللَّه، فحمل أبو بكر رطلًا من ذهبٍ فابتاعه به (٢). وقال مقاتل: مَرَّ أبو بكر ببلالٍ وسيِّدُه أميَّة بن خلف يعذِّبه، فقال: أتعذِّبُ عبدًا على الإيمان؟ فقال أميَّة: لم يفسده عليَّ إلَّا أنت وصاحبُك، فقال: أتبيعُه؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بعبدٍ مثله، فاشترى أبو بكر عبدًا مشركًا، فدفعه إليه، وأخذ بلالًا. فكره ذلك أبو قحافة والد أبي بكر، وقال: لقد أعتقْتَ عبدًا أسود متقلِّص الشَّفتين، ولو كنْتَ ترغبُ في العتقِ لاعتقْتَ مَن له رواءٌ ومنظر، أَمَا علمتَ أنَّ مولى القوم من أنفسهم (٣)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ الآيات (٤). والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7753

سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي رفع قَدْر المصطفى، الرحمنِ الذي ما ودعَّ رسولَه وما قلى، الرحيمِ الذي قال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. روى أبيُّ بنُ كعبٍ رضى اللَّه عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿وَالضُّحَى﴾ جعلَه اللَّهُ يوم القيامة فيمَن يرضَى لمحمَّدٍ أنْ يشفعَ له، وكتب له عشر حسناتٍ بعددِ كلِّ يتيمٍ وسائلٍ" (١). وهذه السُّورة مكيَّة. وهي إحدى عَشَرَ آية، وأربعون كلمة، ومئة وتسعة وخمسون حرفًا. وانتظام السُّورتين: أنَّ الأولى في القسَم باللَّيل والنَّهار على شرف أفضل الأمم، ووعدِه أنَّه يبلغ غايةَ الرِّضا، وهذه في القَسَم باللَّيل والنَّهار على شرف أفضل النَّسَم، ووعده أنَّه يبلغ غايةَ الرِّضا. وسببُ نزول هذه السُّورة ما قال الضَّحَّاكُ: احتبس جبريلُ ﵇ عن النَّبيِّ ﷺ ، فقال كفَّار قريشٍ: وَدَّعَهُ ربُّه وقلاه، فأتاه جبريلُ فقال: اشتدَّ عليك ما قال

стр. 7754

قومُك لك؟ قال: "نعم"، قال: ما ودَّعَكَ ربُّكَ وما قلاكَ، وإنَّما أنا عبدٌ، أحتَبِس ما حبسني، وأنزل إذا أنزلني، وأطيعه إذا أمرني (١). وقال أنسٌ ﵁: اشتكى رسولُ اللَّه ﷺ شَكاةً، فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، وكان يحبُّ التَّهجُّد، فأتته إحدى عمَّاته فقالت: إنِّي لأرجو أن يكون شيطانُكَ قد تركَكَ، لم أرَه قَرِبَكَ منذ أيَّام، فأنزل اللَّه تعالى هذه السُّورة (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: إنَّ اليهود سألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن ذي القرنين وأصحاب الكهف والرُّوح، فقال: "أجيبُكُم غدًا"، ولم يستثنِ، فاحتبس جبريل عنه خمسة عشر يومًا (٣).

стр. 7755

وقال مقاتل: أربعين يومًا (١). وقال ابن جريج: اثنا عشر يومًا (٢). وقيل: خمسة وعشرون يومًا. وقال مقاتل: لَمَّا نزل جبريل قال له رسول اللَّه ﷺ : ما جئتني حتى اشتقْتُ إليك، فقال جبريل: كنتُ إليك أَشْوَقَ، ولكنِّي عبد مأمور: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية [مريم: ٦٤] (٣). * * * (١ - ٢) - ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾: قال قتادة: أقسَمَ بصدر النَّهار (٤). وقيل: بالنَّهار كلِّه، وهو تسمية الكلِّ باسم الجزء، ودليلُه: أنَّه قابلَه باللَّيل، وهو على كلِّه، فقال ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال أهل اللُّغة: أي: سكَن. وكذا قال قتادة والضَّحَّاك (٥). وهو عند اجتماعُ ظلمَتِه.

стр. 7756

وقال مجاهد ﵀: استوى (١). وقال الحسن: ألبسَ الأشياء ظلامَه (٢). وقال أبو العالية: جَنَّ. وقال أبو روق: اسودَّ. وقال ابن عبَّاس: ذهب (٣). وقال محمد بن كعب: إذا جاء بحنادسه؛ أي: ظلماته. واختلف في المراد باللَّيل والنَّهار أنَّه على العموم أو على الخصوص: قيل: هو على العموم؛ لتعلُّق مصالح الخلق ومنافعهم بهما. وقيل: هو على الخصوص، واختُلف فيه: قال جعفر بن محمَّد الصَّادق: ﴿وَالضُّحَى﴾: السَّاعة التي كلَّم اللَّهُ فيها موسى على الطُّور، ﴿وَاللَّيْلِ﴾: هي ليلة المعراج التي ناجى اللَّه حبيبَه فيها على بساط النُّور (٤). وقيل: هو ضحى الأوَّابين، وليلةُ المتهجِّدين. وقيل: هو نهار دعوة النَّبيِّ ﷺ وليلةُ قيامه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢]؛ أي: بالنَّهار، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]. وقيل: هي ليلة ولادة النَّبيِّ ﷺ ويومُ وفاته. وقيل: هو يوم نزول الوحي إليه من السَّماء، وليلة العروج به إلى السَّماء.

стр. 7757

وقيل: ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾: اسمان من أسماء النَّبيِّ ﷺ ، وقد كان على أوليائه ضحًى منيرًا، وعلى أعدائه ليلًا مظلمًا (١). وقيل: معناه: وربِّ الضُّحى وربِّ (٢) اللَّيل إذا سجى. * * * (٣ - ٤) - ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾: القسم على هذا؛ أي: ما قطع عنك وحيَه قطْعَ التَّارك لك، والوداع والتَّوديع أصله الوَدْع، وهو التَّرْك. ﴿وَمَا قَلَى﴾: أي: وما قلاك، يعني: ما أبغضَكَ، والقلا: البُغْض، من حدِّ (ضرب). وقال الفرَّاء: إنَّما ترك الكاف من (قلاك) لدلالة الكاف الأُولى -وهي: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ - على هذا، وهو كقولك: أكرمتُكَ وأحسنْتُ؛ أي: إليك (٣). ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾: قيل: أي: ما أعدَّ اللَّهُ لك في الآخرة من المقام المحمود، والحوض المورود، والخير الموعود، خيرٌ لك من نعم الدُّنيا وكرامتها، فليس يقطع عنك كرامةً في الدُّنيا ولا في الآخرة. وقال محمَّد بن إسحاق: أي: لَمَا عندي في مرجعك إليَّ خيرٌ لكَ ممَّا عجَّلْتُ لك من الكرامة في الدُّنيا (٤).

стр. 7758

وقيل: أي: وللحالةُ الآخرة خير لك من الحالة الأولى؛ أي: احتباسُ الوحي منك مدَّة بعد تواتُر الوحي خيرٌ لك، فقد قال الأعداء لك ما قالوا، وقلنا في ردِّهم مؤكَّدًا بالقسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. . . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وهذا فوق كلِّ كرامة. * * * (٥ - ٦) - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (١): أي: الثَّوابَ الجزيل في العُقبى. وقيل: هو النَّصر والظَّفر على الأعداء في الدُّنيا. وقيل: هي الشَّفاعة في الآخرة في عصاة الأمة. وقال الضَّحَّاك: أي: لا يخزيك في أمَّتك، ويؤتيك مرادَكَ فيهم. وروي أنَّ النَّبيِّ ﷺ قال: "لا أرضى وواحدٌ من عصاة أمَّتي في النَّار" (٢). وقال جعفر الصَّادق: دخل رسول اللَّه ﷺ على فاطمة ﵂ وعليها

стр. 7759

كساء من وبر الإبل، وهي تطحن بيديها، وترضع ولدها، فدمعَتْ عينا رسولِ اللَّه ﷺ لَمَّا أبصرها، فقال: "يا ابنتاه، تحمَّلي مرارة الدُّنيا لحلاوة الآخرة، فقد أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ " (١). ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾: استفهام بمعنى التَّقرير؛ أي: قد وجدَكَ؛ أي: علِمَكَ ورآك. يبيِّن أنَّه قد تولَّاه وكفاه، وكلَّ خير أعطاه، من مبتدأ أمرِه إلى منتهاه، فكيف يكون وَدَعَه وقلاه؟ وكان يتمُهُ: أنَّ أباه عبد اللَّه بن عبد المطَّلب توفِّي ورسول اللَّه ﷺ في بطن أمِّه، وماتَتْ أمُّه وهو رضيع، ومات عبد المطَّلب جدُّه وهو صبيّ، فآواه اللَّه تعالى بأبي طالب، وكان يَبرُّه ويحسنُ إليه إلى أن أوحى اللَّه إليه، وكان ينصرُه ويذبُّ عنه. * * * (٧ - ٨) - ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾: أي: غير واقفٍ على وظائف العبادة. ﴿فَهَدَى﴾: أي: علَّمك اللَّهُ تعالى، وبيَّنَ الشَّرائع. ولا يجوز أن يُفْهَم من هذه اللَّفظة عدولٌ عن حقٍّ، ووقوع في غيٍّ، وقد كان رسول اللَّه ﷺ من أوَّل حاله إلى نزول الوحي إليه معصومًا عمَّا يفعله المشركون من عبادة الأوثان، وقاذورات أهل الفسق والعصيان.

стр. 7760

وقال محمَّد بن إسحاق: نشأ رسول اللَّه ﷺ واللَّهُ يكلؤه ويحفظه من أقذار الجاهليَّة ومعايبها؛ لِمَا يريد اللَّه تعالى من كرامته، حتى ما كان اسمُه في قومه إلَّا الأمين؛ لِمَا جمعَ اللَّهُ فيه من الأمور الصَّالحة (١). وروى هو (٢) عن عليٍّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما همَمْتُ بشيءٍ ممَّا كان أهل الجاهليَّة يفعلونه (٣) غير مرَّتين، كلُّ ذلك يحُول اللَّه بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممْتُ بعدَهما بسوء حتَّى أكرمني اللَّه تعالى برسالته، وإنِّي قد قلْتُ ليلةً لغلامٍ من قريش كان يرعى معي بأعلى مكَّة: لو أنَّك أبصرْتَ لي غنمي حتَّى أدخل مكَّة فأَسْمُرَ بها كما يَسمر الشُّبَّان، فقال: أفعل، فخرجْتُ أريد ذلك، حتَّى جئْتُ أوَّل دارٍ من دور مكَّة، فسمعْتُ عزفًا بالدُّفوف والمزامير، فقلْتُ: ما هذا؟ فقالوا: فلان بن فلان تزوَّج بفلانة، فجلسْتُ انظر إليهم، ثم ضرب اللَّهُ على أذني فنمْتُ، فما أيقظني إلَّا مَسُّ الشَّمس، وليلة أخرى كذلك، ثم ما هممْتُ بعدهما بسوء" (٤). وقال سعيد بن المسيِّب: إنَّ رسول اللَّه ﷺ خرج مع عمِّه أبي طالب في قافلة مَيْسَرة غلام خديجة، فبينما هو راكبٌ ذاتَ ليلة ظلماءَ (٥) ناقته، وهو نائم، فجاء إبليس فأخذ بزمام النَّاقة، فعدل به عن الطَّريق، فجاء جبريلُ فنفخَ إبليسَ

стр. 7761

نفخةً وقع منها إلى الحبشة، وردَّه إلى القافلة، فمنَّ اللَّهُ عليه بذلك (١). وقال عبد العزيز بن يحيى الكنانيُّ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾؛ أي: مغمورًا بين قومِكَ، لا يدرون مَن أنت، فهداهم اللَّه تعالى إليك؛ أي: عرَّفهم حالك حتى عرفوك، وعلموا ما مَنَّ اللَّه به عليك (٢). وهو صحيح في اللُّغة، يُقال: ضَلَّ الماءُ في اللَّبن، وقال اللَّه تعالى خبرًا عن الكفَّار: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: غِبْنا وخَفِينا. وقال هشام بن عبد اللَّه: ووجدك لا تدري نفسك مَن أنت، فعرَّفك نفسك وحالك، حتى عرفْتَ أنَّك سيِّد ولد آدم، وخلاصة العالم (٣). وقال مجاهد: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾؛ أي: محبًّا فهداك؛ أي: علَّمك شرائط المحبَّة، وهو كقول أولاد يعقوب: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]؛ أي: محبَّتك القديمة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾: أي: فقيرًا عن المال فأغناك بمال خديجة. وقيل: أي: بالفيء والغنائم. وقيل: أي: بالقناعة. وقيل: أي: عائلًا عن العلم فأغناك بالإكثار منه. وقيل: أي: عن الأمَّة فأغناك بإكثارهم.

стр. 7762

وعن ابن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "سألْتُ ربِّي مسألةً، وذلك أنِّي قلْتُ ليلة المعراج: قد كان قبلي أنبياء، فسخَّرْتَ لبعضهم النَّار، وسخَّرْتَ لبعضهم الرِّيح، وألَنْتَ لبعضهم الحديد، فقال تعالى: ألم أجدْكَ يتيمًا فآويْتُك؟ ألم أجدْكَ ضالًّا فهديْتُك؟ ألم أجدْكَ عائلًا فأغنيْتُك؟ ألم أشرحْ لك صدرَك؟ ألم أضعْ عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذِكْرَك؟ قلْتُ: بلى، ياربِّ" (١). وقال بعضُ أهل الحقيقة في تفسير هذه الآيات في هذا المقام: اليتيمُ من انفردَ عن كلِّ أحد، فمعناه: يا محمَّد كنْتَ بمكَّة بين أصحابك، وببيت المقدس مع الأنبياء، وفي السَّماوات مع الملائكة، والآن انفردْتَ عن الكلِّ في هذا المقام، فآويتك في كنف تخصيصي، ولَمَّا قمْتَ في مقام الهيبة تحيَّرْتَ، فعجزْتَ عن الكلام، فهديْتُكَ، وفتحْتُ عليك باب الثَّناء، حتى قلْتَ: التَّحيَّات للَّه، والصلوات والطَّيبات، وأتيْتَ وأنتَ عائلٌ في حقِّ أمَّتِكَ لقلَّة طاعاتهم، فأغنيْتُك بتضعيف حسناتهم. وقالوا: يتَّمه عن أبيه وأمِّه لتكون خدمته للَّه لا لأبيه، وشفقتُه على أمَّتِه لا على أمِّه، ويقول: يا ربّ، مكان قول غيره: يا أب، ويقول: يا أمَّتاه، مكان قول غيره؟ يا أمَّاه. * * * (٩ - ١١) - ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾: فاذكر يتمَكَ.

стр. 7763

﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾: واذكر عيلَتَكَ، وهذا في حقِّ سائل المال للحاجة. وقيل: وأمَّا السَّائل عن العلم وطالبَ الفائدة فلا تنهر، واذكر أوَّلَ حالِكَ، فقد كنْتَ لا تدري الشَّرائع حتَّى علَّمْتُك. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾: أي: بنعَمِ اللَّهِ كلِّها فحدِّث النَّاس وانشرها بينهم شاكرًا ذاكرًا. والنِّعمةُ جنس فصلحَتْ للجمع؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. وقال مجاهد: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: القرآن ﴿فَحَدِّثْ﴾؛ أي: علِّمْهُ النَّاس (١). وقيل: هي نعمة النُّبوَّة. وقيل: هي نعمة الشَّفاعة. والصَّحيح أنَّه يعمُّ جميع نعم اللَّه. والنَّهر: الانتهار والزَّجر، وهو إغلاظ القول، وتعبيس الوجه. وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهدى إليه عثمان عنقودَ عنبٍ، فجاء سائلٌ فأعطاه، ثم اشتراه عثمانُ بدرهمٍ فقدَّمه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم عاد السَّائل فأعطاه، ففعل ذلك ثلاثًا، فقال النَّبيُّ ﷺ ملاطفًا للسَّائل لا متغضبًا: "أسائل أنت يا فلان أم تاجر"، فنزلت الآية: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (٢). والحمد للَّه رب العالمين (٣)

стр. 7764

سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي شرَح لرسوله صدرَه، الرحمنِ الذي وضع عنه وِزرَه، الرحيمِ الذي رفَع له ذكرَه. روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ أُعطي من الأجر كمَن أحبَّ محمدًا ففرِّج به عنه" (٢). وهذه السورة مكيةٌ، وهي ثمان آيات، وسبعٌ وعشرون كلمةً، ومئةُ حرف وحرفان. وانتظام السورتين: أنهما في تعدادِ نِعَم اللَّه تعالى على رسوله المصطفى. * * * (١) - ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد شرَحْنا لك صدرك، يعني: وسَّعناه بالإيمان والتوحيد؛ قاله مقاتل (٣).

стр. 7765

ويقال: فتَحناه، ويقال: نوَّرْناه. وقال الكلبي: أتاه جبريل ﵇ فشقَّ بطنه وأبدى عن قلبه، ثم جاء بدلوٍ من ماء زمزمَ فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطستٍ من ذهب قد مُلئ علمًا وإيمانًا فوضعه فيه. يُذكر هذا حين جاء جبريل بالبراق ليلة المعراج (١)، ويذكر حين كان عند حليمةَ في السنةِ التي أعاده اللَّه تعالى فيها إلى عبد المطلب (٢). وقيل: أي: وسَّعنا لك صدرك لتحملَ أثقال النبوة، فقد كان محتاجًا إلى تبليغ الوحي إلى الجن والإنس، وإلى مُناصبةِ كلِّ أهل الأرض، وفيه ما يَضيقُ به الصدر، فشرح صدره حتى اعتنق ذلك كلَّه على سهولة. * * * (٢ - ٤) - ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾: وهو قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وهو زلةٌ لا نعرفها نحن بعينها، وهي تركُ الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتَبون بمثلها لعلوِّ مقامهم. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: أي: أثقله حتى جعله نِقْضًا -بالكسر-؛ أي: مهزولًا. وقيل: حتى سُمع نقيضُه؛ أي: صوتُ مفاصله، وزلَّاتُ الأنبياء لا تكون بهذه

стр. 7766

الدرجة، لكن اهتمامَهم بذلك وخجلَهم بورود العتاب عليهم في ذلك يُورد عليهم هذه المشقَّة. وقيل: معناه: عصمناك من الوِزر الذي لولا عصمتُنا ووقعْتَ فيه لأَنقض ظهرك. وقيل: معنى ﴿وضعنا عنك وزرك﴾؛ أي: حِمْلك، وهو الهمُّ الذي أصاب قلبه -وذلك حملٌ ثقيل- بالخروج من مكة. وقيل: هو همُّ (١) تبليغ الوحي إلى كلِّ الخلق، ووضعُه: رفعه عن قلبه وتسهيلُه على طبعه. وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: أي: ذكَرناك للرسل في كتبهم، ولك المقامُ المحمود ودرجةُ الوسيلةِ والفضيلة على كلِّ البرية. وقيل: أي: قَرنتُ ذكرَك بذكري، فلا أُذْكر إلا ذُكِرْتَ معي في الشهادة والأذان والإقامة والتشهُّد والخطبة، وقد كُتب ذلك مجموعًا على ساق العرش، وجبهةِ الشمس والقمر، وأبوابِ الجنة وأوراقِ أشجارها وملابسِ أهلها، وكذا وكذا. * * * (٥ - ٦) - ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: عرَّف العسرَ بالألف واللام، وكرَّر قوله: ﴿يُسْرًا﴾ منكَّرًا فدلَّ أنهما يسران؛ إذ لو كان الثاني هو الأولَ لعرَّفه؛ لأن النكرة إذا أُعيدت عرِّفت، قال اللَّه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ [النور: ١٣].

стр. 7767

وقال ابن عباس وابن مسعود رضى اللَّه عنهم في هذا: لن يَغْلِب عسرٌ يُسرين (١). وعلى هذا أهل النحو من أهل الكوفة وأهل البصرة. وعن النبي ﷺ : أنه خرج على أصحابه ذات يوم فرِحًا مستبشرًا وهو يضحك ويقول: "لن يَغلبَ عسرٌ يُسرينِ، لن يغلبَ عسرٌ يُسرين ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ " (٢). وعلى هذا معناه في حق النبيِّ ﷺ : لك يا محمدُ مع عسرِ الزلَّةِ يُسران: سترُها بغير تعيين، وغفرُها بغيرِ تعيين (٣). وقيل: ذلك مع عسرِ الخروج من مكة يسران: الحفظُ في الطريق عن قصدهم، والرجوع إلى مكة وفتحُها على رغمهم. وقيل: لك يا محمد مع عسرِ أداء الوحي يسران: النصرُ على الأعداء في الدنيا، والشفاعةُ في العصاة من العُقبى. وقيل: لك مع عسر الفقر يُسران: المغانم في الدنيا، والدرجات في العقبى. وقيل: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ أي: بعد العسر. وقيل: بل يجيء اليُسر ويزيل العسرَ فيلاقيه. * * *

стр. 7768

(٧ - ٨) - ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال قتاده: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من الفرائض ﴿فَانْصَبْ﴾؛ أي: فاتعب في النوافل ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ أي: ادعُه بحوائجك (١). وقال مجاهد: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من أمور (٢) نفسك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في سؤال حوائجك (٣). وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من دعوة الخَلْق إلينا ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادتنا ولا تطلبْ راحةَ نفسك ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾: سَلْ حوائجك منا. وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من مُهمَّاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في دعوة الخَلْق ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في طلب التوفيق لذلك. وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من الصلاة ﴿فَانْصَبْ﴾ في الذكر والقراءة ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في طلب مراداتك. وقيل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من التعليم ﴿فَانْصَبْ﴾ في العمل ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في بلوغ الأمل. واللَّه الموفق

стр. 7769

سورة ﴿وَالتِّينِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي عرَّفنا قَدْرَ التين والزيتون، الرحمنِ الذي شرَّف محلَّ طور سيناء والبلدِ المأمون، الرحيمِ الذي جعل للمؤمن المصلِح أجرًا غيرَ ممنون. روى أبيُّ بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿وَالتِّينِ﴾ أعطاه اللَّه تعالى خَصلتين: العافيةَ واليقين ما دام يَعقِلُ صلاته، فإنْ خَرِف كتب اللَّه له بعددِ مَن قرأ هذه السورةَ صيامَ يوم" (١). وهذه السورةُ مكية، وهي ثماني آياتٍ، وأربعٌ وثلاثون كلمةً، ومئة وتسعة وخمسون حرفًا. وانتظام السورتين: أن تلك في ذكر فضائل النبي ومعانيه (٢)، وهذه السورة في ذكرِ مُواليه ومُعاديه. * * * (١ - ٣) - ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾.

стр. 7770

وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ أقسم اللَّه تعالى بالتين والزيتون. قال ابن عباس: هو تينُكم هذا وزيتونُكم هذا (١). يعني: الفاكهتين المأكولتين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي ﵏: هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي منه الزيت (٢). وقال الحسن والضحاك: هما جبلان بالشام يَنبُت بأحدهما التينُ والآخرِ الزيتون (٣). وعن ابن عباس ﵄ في روايةٍ: التين: مسجد نوحِ ﵇ على الجوديِّ، وفيه شجرُ التين، والزيتون: مسجد بيت المقدس وفيه شجرُ الزيتون (٤). وقال كعبُ الأحبارِ: التين مسجدُ أصحاب الكهف، والزيتون مسجدً إيلياءَ (٥). قوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: قال عطاء بن أبي رباح: جبل ذو أشجار (٦). وقال مقاتل: جبل فيه شجر مثمرٌ، وهو بالنَّبَطية (٧). وقيل: هو جبلُ دمشق. وقيل: هو الجبل الذي كلَّم اللَّه عليه موسى ﵇.

стр. 7771

وقال الأخفش: ﴿سِينِينَ﴾: جمع سينينة (١)، وهو شجرةٌ مثمرةٌ، وهو كقوله: طور سيناء، وهو الحسَنُ، وزيدت الياء والنون للجمع، وكأنه قال: وطورِ الأشجار الحسنة. ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وإبراهيم: هو مكة (٢)، ومعناه: ذو الأمن، كما قال: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]. وقال قطرب: هو مأمونٌ؛ أي: يأمنُه أهله، وهو كقولهم: سرٌّ كاتم؛ أي: مكتوم. وقيل: ﴿وَالتِّينِ﴾ أبو بكر الصديق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ عمر الفاروق، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ عثمان ذو النورين ﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ عليٌّ رضوان اللَّه علهم (٣). * * * (٤ - ٥) - ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: القسَم على هذا. وقال الإمام أبو منصور: هذا أمر مشاهَدٌ فلا حاجة (٤) إلى تأكيده بالقسم، إنما حاصل القسم على ما يتمُّ به الكلام، وهو قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ أي: إلى جهنم ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم (٥). و ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ أي: تعديلٍ وتسويةٍ، وهيَّأناه أحسنَ هيئةٍ يَصلح معها التصرُّف

стр. 7772

والعمل في دنياه لإصلاح معاشه، ويصلح للتكليف لكمال حواسِّه، وفيه النطقُ والبيان والتمييز والتدبير. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: قيل: بدَّلناه حالًا بعد حال إلى أن يرجع إلى الهرم ويبلغَ أرذل العمر. وقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: في أعدل خَلْق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلى أرذل العمر (١). وقال عكرمة: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: في أحسن صورةٍ وأعدلها؛ قائمًا منتصبًا على رجليه يأكل بيده، وكلُّ شيء سواه يمشي على أربعٍ ويأكل بفمه (٢). وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: أحسنَ الخلق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلى النار ﴿إِلَّا﴾ المؤمنَ. و ﴿الْإِنْسَانَ﴾ في معنى الناس لأنه جنس، فيصحُّ استثناء المؤمنين منهم، وعلى هذا هو أسفلُ سافلين في النار، وعلى الأول هو أسفلُ طبقة الضعفاء والزَّمْنى، والنكرة على معنى أنه أسفلُ مَن سَفَلَ من الناس؛ أي: عجز عن الاحتيال لنفسه والعمل لمصالحه، فهم في سفولٍ وأضدادُهم من الأصحاء والأقوياء في علوٍّ. وقيل: هاهنا مضمر وتقديره: ثم ردَدْنا الناس إلى أسفل سافلين، فزالت عقولهم وضعُفت قواهم، وصاروا بحيث لا يُكتب لهم عمل ولا يَكتسبون أجرًا. * * *

стр. 7773

(٦ - ٨) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: في شبابهم وقوتهم ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غيرُ منقوص. وقيل: أي: غيرُ مقطوع، روى أبو موسى الأشعريُّ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن العبد المسلم إذا مرض أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يَعمل صحيحًا" (١). وفي بعض الآثار كذلك في حق الهرم (٢). وروى أبو الضحى عن ابن عباس: أن الإنسان هاهنا كَلَدة بن أسيد (٣). وقال مقاتل بن حيان: أبو جهل (٤). وقال عطاء: هو الوليد بن المغيرة (٥). وقال مقاتل بن سليمان: عتبة وشيبة (٦).

стр. 7774

فعلى قول هؤلاء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء منقطع بمعنى: لكن. وقوله تعالى ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾: أي: فما يحملُك أيها الإنسان أن تكذِّب بعد هذا بالحساب والجزاء وقد علمتَ أن اللَّه خلَقك في هذه الهيئة، ونقلَك من حالٍ إلى حال، ومَن قدِر على ذلك قدِر على الإحياء بعد الموت، ومَن خلق على هذه الهيئة لم يُخْلِ العبد عن تكليفه، وإذا خالفه فلا بد من أن يجزيَه على وَفق عمله. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾: أي: بأقضى القاضين، يعذِّب المكذِّبين ويثيب المطيعين (١) المصدِّقين. واللَّه الموفِّق للسداد وعلى فضله الاعتماد * * *

стр. 7775

سورة العلق (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي هو (٢) الأكرم، الرحمنِ الذي علَّم بالقلم، الرحيمِ الذي علَّم الإنسانَ ما لم يعلم. روى أبي بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ المفصَّل كلَّه" (٣). وهذه السورة مكية، وهي ثماني عشرةَ آيةً (٤)، واثنتان وسبعون كلمة، ومئتان وثمانون (٥) حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في بيان خلق الإنسان وجزاءِ الإساءة والإحسان. وهذه أولُ سورة نزلت من القرآن، قالت عائشة رضى اللَّه عنها: أولُ ما بُدئَ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فلَق
следующие страницы →