← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

وقال الأخفش: ﴿سِينِينَ﴾: جمع سينينة (١)، وهو شجرةٌ مثمرةٌ، وهو كقوله: طور سيناء، وهو الحسَنُ، وزيدت الياء والنون للجمع، وكأنه قال: وطورِ الأشجار الحسنة. ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وإبراهيم: هو مكة (٢)، ومعناه: ذو الأمن، كما قال: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]. وقال قطرب: هو مأمونٌ؛ أي: يأمنُه أهله، وهو كقولهم: سرٌّ كاتم؛ أي: مكتوم. وقيل: ﴿وَالتِّينِ﴾ أبو بكر الصديق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ عمر الفاروق، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ عثمان ذو النورين ﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ عليٌّ رضوان اللَّه علهم (٣). * * * (٤ - ٥) - ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: القسَم على هذا. وقال الإمام أبو منصور: هذا أمر مشاهَدٌ فلا حاجة (٤) إلى تأكيده بالقسم، إنما حاصل القسم على ما يتمُّ به الكلام، وهو قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ أي: إلى جهنم ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم (٥). و ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ أي: تعديلٍ وتسويةٍ، وهيَّأناه أحسنَ هيئةٍ يَصلح معها التصرُّف

стр. 7772

والعمل في دنياه لإصلاح معاشه، ويصلح للتكليف لكمال حواسِّه، وفيه النطقُ والبيان والتمييز والتدبير. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: قيل: بدَّلناه حالًا بعد حال إلى أن يرجع إلى الهرم ويبلغَ أرذل العمر. وقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: في أعدل خَلْق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلى أرذل العمر (١). وقال عكرمة: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: في أحسن صورةٍ وأعدلها؛ قائمًا منتصبًا على رجليه يأكل بيده، وكلُّ شيء سواه يمشي على أربعٍ ويأكل بفمه (٢). وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني: أحسنَ الخلق ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلى النار ﴿إِلَّا﴾ المؤمنَ. و ﴿الْإِنْسَانَ﴾ في معنى الناس لأنه جنس، فيصحُّ استثناء المؤمنين منهم، وعلى هذا هو أسفلُ سافلين في النار، وعلى الأول هو أسفلُ طبقة الضعفاء والزَّمْنى، والنكرة على معنى أنه أسفلُ مَن سَفَلَ من الناس؛ أي: عجز عن الاحتيال لنفسه والعمل لمصالحه، فهم في سفولٍ وأضدادُهم من الأصحاء والأقوياء في علوٍّ. وقيل: هاهنا مضمر وتقديره: ثم ردَدْنا الناس إلى أسفل سافلين، فزالت عقولهم وضعُفت قواهم، وصاروا بحيث لا يُكتب لهم عمل ولا يَكتسبون أجرًا. * * *

стр. 7773

(٦ - ٨) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: في شبابهم وقوتهم ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: غيرُ منقوص. وقيل: أي: غيرُ مقطوع، روى أبو موسى الأشعريُّ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن العبد المسلم إذا مرض أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يَعمل صحيحًا" (١). وفي بعض الآثار كذلك في حق الهرم (٢). وروى أبو الضحى عن ابن عباس: أن الإنسان هاهنا كَلَدة بن أسيد (٣). وقال مقاتل بن حيان: أبو جهل (٤). وقال عطاء: هو الوليد بن المغيرة (٥). وقال مقاتل بن سليمان: عتبة وشيبة (٦).

стр. 7774

فعلى قول هؤلاء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء منقطع بمعنى: لكن. وقوله تعالى ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾: أي: فما يحملُك أيها الإنسان أن تكذِّب بعد هذا بالحساب والجزاء وقد علمتَ أن اللَّه خلَقك في هذه الهيئة، ونقلَك من حالٍ إلى حال، ومَن قدِر على ذلك قدِر على الإحياء بعد الموت، ومَن خلق على هذه الهيئة لم يُخْلِ العبد عن تكليفه، وإذا خالفه فلا بد من أن يجزيَه على وَفق عمله. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾: أي: بأقضى القاضين، يعذِّب المكذِّبين ويثيب المطيعين (١) المصدِّقين. واللَّه الموفِّق للسداد وعلى فضله الاعتماد * * *

стр. 7775

سورة العلق (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي هو (٢) الأكرم، الرحمنِ الذي علَّم بالقلم، الرحيمِ الذي علَّم الإنسانَ ما لم يعلم. روى أبي بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ المفصَّل كلَّه" (٣). وهذه السورة مكية، وهي ثماني عشرةَ آيةً (٤)، واثنتان وسبعون كلمة، ومئتان وثمانون (٥) حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في بيان خلق الإنسان وجزاءِ الإساءة والإحسان. وهذه أولُ سورة نزلت من القرآن، قالت عائشة رضى اللَّه عنها: أولُ ما بُدئَ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فلَق

стр. 7776

الصبح، ثم حبِّب إليه الخلاء فكان يأتي حراءً فيتحنَّث فيه -وهو التعبُّدُ- الليالي ذواتِ العدد [قبل أن ينزع إلى أهله] ويتزوَّد (١) لذلك، ثم يرجع إلى خديجه فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال رسول اللَّه: "فقلت: ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية ثم الثالثة حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ " قال: فرجع بها يرجُفُ فؤاده حتى دخل على خديجة، فقال: "زمِّلوني زمِّلوني" فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فقال: "يا خديجة! ما لي؟ " وأخبرها الخبر وقال: "قد خشيتُ على نفسي" فقالت: كلا، أبشرْ فواللَّه لا يُخزيك اللَّه أبدًا، إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُق الحديثَ، وتحمل الكَلَّ، وتَقْري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجه حتى أتت ورقةَ بن نوفلِ بنِ أسد بنِ عبد العُزَّى بن قصي، وهو ابنُ عمِّ خديجه أخو أبيها، وكان امرَأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتابَ العربي (٢)، ويكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِي، فقالت له خديجة: أي ابنَ عم! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة بن نوفل: يابن أخي! ما تَرى؟ فأخبره رسول اللَّه ﷺ بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، [يا ليتني فيها جذعًا] يا ليتني أكون فيها حيًا حين يُخرجك قومك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أوَ مُخْرِجِيَّ هم؟! " فقال ورقة: نعم، لم يأت أحدٌ بما جئتَ

стр. 7777

به إلا عُودي (١)، وإن يدركْني يومُك أَنصُرْك نصرًا مؤزَّرًا (٢). ثم لم ينشب (٣) ورقةُ أن توفِّي، وفَتَر الوحي فترةً حتى حزن رسول اللَّه ﷺ فيما بلغَنا حزنًا غدا منه مرارًا حتى يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقيَ نفسَه تبدَّى له جبريل فقال له: يا محمد، إنك لرسول اللَّه حقًّا، فيسكن بذلك جأشه (٤) وتقوَى نفسُه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثلِ ذلك، فكلما أوفى بذروة الجبل تبدَّى له جبريل فقال له مثلَ ذلك (٥). وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان لا يزال يسمع الصوت قبل أن يوحَى إليه، فكان يذعر منه، فيشكو ذلك إلى خديجة فتقول له خديجة: إنه واللَّه لا يصنعُ اللَّه بك إلا خيرًا، قال: فبينما (٦) رسول اللَّه ﷺ قد خرج ذات يوم فبدأ مع (٧) الناس نحو حراءٍ وقد صنعت له خديجةُ طعامًا، فأرسلت في طلبه فلم تجده، وابتغَتْه عند أعمامه وعند أخواله فلم تجده، إذ أتاها رسول اللَّه ﷺ وهو متغيِّرُ الوجه، فظنت خديجة أنه غبارٌ على وجهه، فجعلت تمسح الغبار عن وجهه فلم يذهب، فإذا هو كسوفٌ قالت: ما لكَ يا ابنَ عبد اللَّه؟! فقال لها: "أرأيتَكِ الذي كنتُ أخبرتُك أني أسمعه، فإني واللَّه لقد رأيتُه اليوم" قال: "بينما أنا قائم على حراء إذا أتاني فقال: أبشِرْ يا محمد، أنا

стр. 7778

جبريل وأنت رسول ربِّ العالمين بُعثتَ إلى (١) هذه الأمة، ثم أخرج إليَّ قطعةَ نَمَطٍ (٢) فقال لي: اقرأه، قلت: واللَّه ما قرأتُ كتابًا قطُّ، وما أرى شيئًا أقرؤه (٣)، وإني لأميٌّ، فغتَّني غتَّةً ثم أقلع عني فقال: اقرأه، قلت: واللَّه ما قرأت كتابًا قط، وما أدري شيئًا أقرؤه، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم قال: انزل، فنزل بي عن (٤) الجبل إلى القرار فأجلسني على دُرْنُوك (٥)، ثم ضرب برجله الأرض ضربةً فخرجت عين ماء، فتوضأ منها فقال لي: توضَّأ، فتوضَّأتُ، ثم قام يصلي (٦) وصليتُ معه ركعتين، قال: هكذا الصلاةُ يا محمد"، قال: "وعلى جبريل ثيابٌ خضر، ثم انطلق"، فقالت له خديجة: ألم أُخبِرْك أن ربك لم يصنع بك إلا خيرًا؟ قال: ثم لبستْ ثيابها وانطلقت إلى عدَّاسٍ، فقال لها حين رآها: ما لكِ يا سيدة نساء قريش؟ وكانت تسمى بهذا الاسم، فقالت: يا عداس، نَشدتُك اللَّه (٧) هل سمعتَ فيما سمعتَ بجبريل؟ فقال عداس: مالك وجبريل؟ ولمَ تذكرينه في هذا البلد؛ فذكرت (٨) له، فقال: نعم واللَّه إنه لرسول اللَّه. ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفلِ بن أسد وهو ابن عمِّها (٩)، وقد كان ورقة بن نوفل

стр. 7779

طلب الدِّين وخالف دينَ قومه، ودخل في دين النصرانية قبل أن يُبعث النبي ﷺ ، فسألته عن جبريل، فقال لها: وما ذاك؟ فذكرتْ له الذي كان من أمر النبي ﷺ ، فقال لها: واللَّه لئن كانت رِجْلا جبريلَ ﵇ استقرَّتا على الأرض فقد نزل على خيرِ خلق اللَّه، أرسلي محمدًا إليَّ، فرجعت فأرسلتْه، فأتاه رسول اللَّه فسأله ورقةُ: هل أمرك جبريل بشيء؟ فقال النبي ﷺ : "لا"، قال: هل أمرك أن تدعوَ أحدًا إلى الإسلام؟ قال: "لا"، قال: واللَّه لئن بقيتُ إلى دعوتك لأُبْلينَّ (١) للَّه عذرًا في نصرك، فمات ورقة قبل أن يدعوَ النبي ﷺ إلى الإسلام، ولم يدرِكِ النبي ﷺ . وفشا أمرُ النبي ﷺ ، قال: فبينا رسول اللَّه ﷺ يصلي ذات يوم إذ اطَّلع (٢) عليٌّ رضى اللَّه عنه عليه، وذلك من بعد ثلاثةِ أيام من إسلام خديجة ﵂، فقال: يا محمد! ما هذا؟ قال: "هذا دينُ اللَّه تعالى، هل لك فيه؟ " قال: إن هذا خلافُ دِين أبي، حتى أنظر، فقال له النبي ﷺ : "فانظر واكتم عليَّ"، فمكث عليٌّ بعضَ يومه ذلك ثم أتاه من يومه ذلك فآمن به وصدَّقه. وفشا الخبر بمكة فقالوا: واللَّه لجُنَّ محمدٌ! فنزل في ذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ حتى انتهى إلى آخرِ خمس آيات، وهي الثانية مما نزل، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يصلي ركعتين كما علَّمه جبريل حتى كان قبل خروجه من مكة إلى المدينة بسنةٍ (٣) ثم فرضت الصلوات (٤).

стр. 7780

وقال محمد بن إسحاق ﵀: إن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ في اليوم الذي تبدَّى له فيه: أبشر يا محمد فقد تمت نعمةُ اللَّه عليك وأعطاك اللَّه عشرَ خصال لم يُعطَهُنَّ نبي قط قبلك ولا واحدةً، قال: "ما هن يا جبريل؟ " قال: أن اللَّه تعالى لا يُذكر إلا ذُكرت معه، وأن اللَّه تعالى جعل أمَّتك خيرَ أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وأن الأرض جعلت طهورًا لأمتك، ومَن كان قبلهم من الأمم كان يصيب أحدَهم بولٌ ولا يصيبه ماء فيقطعه بالجلم (١)، وأن أمتك يقرؤون القرآن على ظهور قلوبهم وإن كلَّ أمةٍ لا تقرؤه إلا نظرًا في كتابها، وأن اللَّه وملائكته يصلون عليك إلى يوم القيامة، وأن اللَّه يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأن اللَّه يُظهر دِينك على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون. * * * (١ - ٥) - ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾: قال أبو عبيدة: أي: اقرأ اسم ربك (٢)، والباء زائدة؛ أي: الاسم الذي نزَّله عليك في كتابه وعلى لسان جبريل. وقيل: اقرأ ما يوحَى إليك من القرآن بتسميتك للَّه متبرِّكًا باسمه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يحتمِل خَلْقَ كلِّ شيء، ويحتمل خصوصَ ما ذكر بعده. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقةٍ، وهو الدم الجامد، وجُمع لأن ﴿الْإِنْسَانَ﴾ أريدَ به الجنس وهم أولادُ آدم.

стр. 7781

﴿اقْرَأْ﴾: كرر للمبالغة ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فإن ربك لا أكرم منه. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾: قيل: علَّم الخطَّ بالقلم. وقيل: علَّم بعلم خطِّ القلم العلومَ التي كانت (١) تُكتب وتقرأ. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ بالخط. وقيل: علَّم سوى (٢) الخطِّ علومًا أُخرَ لم يكن يعلمها. وقيل: علَّم آدم ما لم يعلم، وهو قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. * * * (٦ - ٨) - ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾: ذكروا (٣) أن أول هذه السورة إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ نزل أولَ ما أُوحي إلى النبي ﷺ ، ثم باقي السورة في أبي جهلٍ لعنه اللَّه، وكان فرعونَ هذه الأمة، وأمرُه متأخرٌ عن ابتداء الوحي، وكان بعده بزمانٍ ونزولُه متأخرٌ، وكثير من سور القرآن كذلك، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال الحسن: أي: حقًّا (٤)، وكذا قال بعض أهل اللغة. وقال أكثر أهل اللغة: هو ردُّ ما قبله، وتقديره: ما ينبغي للإنسان أن يُنعِم اللَّه عليه بخلقه وتعليمه ثم هو يَطغى بسبب ماله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾؛ أي: يُفْرِط في المعصية ويتمرَّد ويركب رأسه (٥).

стр. 7782

﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾: أي: رأى نفسه قد كثُر ماله فاستغنى به عن غيره. وقيل: استغنى بعشيرته وأنصاره. ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾: أي: الرجوعُ، فهو يحاسبه على طغيانه، ويسأله من أين جمع وفيما أنفق. وقيل: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ لا إلى المال. وقال ابن مسعود ﵁: منهومان لا يشبعان ولا يستويان: طالب علم وطالب دنيا، فأما طالب العلم فيزداد رضا الرحمن، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانًا، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (١). * * * (٩ - ١٤) - ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: وهذا تعجيبٌ من أبي جهل ونهيِه رسولَ اللَّه ﷺ عن الصلاة في الكعبة. ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾: أي: أرأيت يا محمد إن كان المنهيُّ (٢) عن الصلاة مهتديًا بصلاته وتعظيمِه ربَّه (٣) وأمرِ غيره بتقوى اللَّه، أَيَحْسُنُ منعُه عن الصلاة؟ وهذا تعجيبٌ أيضًا.

стр. 7783

قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: وهو (١) تعجيبٌ آخرُ أيضًا: أرأيتَ إن كان الناهي عن الصلاة مكذِّبًا بالحق (٢) متولِّيًا عنه غيرَ قابلٍ له، أيَصْلُح له هذا؟ وهذا (٣) أمر منعكس، وهو أن يأمر ضالٌّ مهتديًا بترك هداه (٤)، فعجَّب اللَّه عباده من أبي جهل في منع رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة من ثلاثةِ أوجهٍ، و ﴿أَرَأَيْتَ﴾ كلمةُ تعجيب. وقيل: معناه: أرأيت مَن فعل هذا، ما يكون حاله عند اللَّه، وما يستحِقُّ على سوء فعله من العذاب؟ ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾: وهذا وعيدٌ لأبي جهل؛ أي: ألم يعلم أن اللَّه يرى فعله ويسمعُ قوله فيجازيه على قوله وفعله. وقيل: لما قال أبو جهل لعنه اللَّه: لأطأن رقبةَ محمد ﷺ إن رأيتُه يصلي، فقال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ أبو جهل ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ يراه حينئذ فيَحُول بينه وبينه. قال أبو هريرة ﵁: قال أبو جهل للمشركين: هل يعفِّر محمد وجهه بين أصحابه، قالوا: نعم، فقال: والذي يُحلف به لئن رأيتُه يصلي لأطأنَّ رقبته، فقيل: هو في المسجد ساجدٌ، فأقبل مسرعًا ليطأ رقبته، فما لَبِثَ إن نكص (٥) على عقبيه، فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من نار! فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات (٦).

стр. 7784

وقال سعيد بن المسيب: قال أبو جهل: لئن رأيتُ ابنَ أبي كبشة يصلي في مسجدنا لأطأنَّ عنقه، فأتى جبريل رسول اللَّه ﷺ فقال: إنه قال كذا فانطلِقْ فادخلِ المسجد فاقرأ باسم ربك الذي خلق، فإذا فرغت فخِرَّ ساجدًا حتى يأتيَك، فانطلق رسول اللَّه ﷺ ففعل ما قال، فقيل لأبي جهل: فها هو ذا ساجدٌ في الحِجر، فقام مسرعًا حتى أتى الحجر، ثم نكص راجعًا فقالوا له: ما لك لا تتقدم؟ فقال: إن بيني وبينه فحلًا فاغرًا فاهُ لو تقدَّمتُ لالْتَقمني، ثم دخل على أهله فزِعًا، فأتى أعرابيٌّ المشركين وهم في المسجد فقال: أَعْدُوني (١) على أبي جهل فلقد ابتاع مني جملًا وليس يؤدي إليَّ حقِّي، فقالوا له: عليك بذاك الفتى، يعنون النبيَّ ﷺ على جهة السخرية، فأتى الأعرابيُّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: أَعْدِني على أبي جهل، فلقد ابتاع مني جملًا وحبس عني ثمنه، فقام معه رسول اللَّه ﷺ فأتى باب أبي جهل فقرعه، فخرج إليه مرتاعًا فزعًا، فقال: "هل ابْتَعْتَ من هذا الأعرابيِّ شيئًا؟ " فقال: نعم، جملًا! فقال: "وفِّر عليه ثمنه" فوفره عليه، فدخل الأعرابي المسجد مع ثمن الجمل، فظنوا أن أبا جهل أسلم، فقاموا إليه فقالوا: صبأتَ يا أبا الحكم؟! قال: لا واللَّه، قالوا: فما لك أطعْتَه فيما قال؟ فقال: لو لم أفعل لانهدم عليَّ البيت. * * * (١٥ - ١٩) - ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما يقول أبو جهل أنه يقدر على أن يطأ رقبته. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عن هذا القول ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾؛ أي: لنأخذنَّ بناصيته فنَجُرَّنَّه (٢) إلى

стр. 7785

النار؛ أي: تفعل ذلك ملائكتنا بأمرنا، وهو كقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. وقال يزيدُ النحويُّ (١): فأُخِذَ بناصيته يوم بدرٍ فأُلقي بين يدي رسول اللَّه صلى عليه وسلم قتيلًا. وقيل: أي: لنسوِّدنَّ وجهه، والناصية: شعر مقدَّم الرأس، وكُني به عن الوجه على هذا القول الثاني. وقيل: السفع: الضرب. وقيل: هو الاختطاف. وقيل: هو اللَّفْح. وقيل: هو اللَّطْم. وقيل: أراد به الوَسْمَ هاهنا. ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾: بدلٌ عن الأول، وإنما نكَّر ذا والأولُ (٢) معرفة لأنها ترجمةٌ عن وصفها لا عنها في نفسها، والوصف بالكاذبة الخاطئة راجعٌ إلى صاحبها؛ كقوله: ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ونظائرِها. قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾: أي: أهلَ مجلسه، والنَّدِيُّ والنادي: المجلس. ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾: أي: ملائكةَ العذاب. وقال ابن عباس: لما نهى أبو جهلٍ رسولَ اللَّه ﷺ عن الصلاة انتهره رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو جهل: أتهددني؟! فواللَّه لأملأنَّ عليك هذا الوادي أهل النادي، فنزلت، قال عكرمة: قال ابن عباس: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو فعل أبو جهلٍ لأخذته الملائكة عيانًا" (٣).

стр. 7786

وقيل على هذا: كان هذا في الدنيا، وقد فُعل به ذلك يوم بدر. وقيل: هو في الآخرة، وهو على التقديم والتأخير: سنَدْعُ الزَّبَانيَة فليَدْعُ نادِيَه لدفعهم، وهو معنى قول الحسن. وقال الخليل: النادي: المجلس إذا كان فيه أهله (١). وأما ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ فقد قال مجاهد والحسن والضحاك وقتادة والعوفي عن ابن عباس: هم الملائكة (٢). وقال ابن أبي نجيح: الزبانية: الملائكة الغلاظُ الشداد (٣). وقال ابن جريج: بلغني أن النبي ﷺ قال: "إن الزبانية رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض" (٤). وقال شمر بن عطية: الزبانية في الملائكة كالشُّرَط فيكم (٥).

стр. 7787

وقال خارجة: سُمُّوا زبانيةً لأنهم يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم (١)، والزَّبْن: الرفع. وقال أبو عبيدة: الزبانية جمع واحدها: زِبْنِيَة (٢). وقيل: زِبْنيّ، وقيل: لا واحد له. قوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما يقول أبو جهل أنه يقدر على قهرك. ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ فيما يأمرك به من ترك الصلاة. ﴿وَاسْجُدْ﴾ للَّه تعالى ﴿وَاقْتَرِبْ﴾؛ أي: تقرَّبْ إلى اللَّه تعالى (٣) بما يمكنك من الطاعة. وقيل: أي: اقترب إلى كرامة اللَّه تعالى بالسجود. وقال ﷺ : "أقربُ ما يكونُ العبد من ربِّه إذا سجد" (٤). وقيل: اسجد بنفسك واقترب بقلبك. وقيل: اسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل منه لإيذائه تَرَ جزاءك، وهو وعيد. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7788

سورة القدر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي أنزل القرآنَ في ليلةِ القَدْر، الرحمنِ الذي جعلها خيرًا من ألفِ شهر، الرحيمِ الذي يُنزِل الملائكة فيها للسلام على أهل الإسلام إلى مطلَعِ الفجر. روى أبيُّ بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أُعطي من الأجر كمَن صام رمضان وأدرك ليلة القدر" (٢). وقال قتادة: هي مكية (٣). وقال الواقدي: هي أولُ سورة نزلت بالمدينة (٤).

стр. 7789

وقال آخرون: هي مدنية. بلا تقييد. وهي ستُّ آيات، وثلاثون كلمةً، ومئةٌ وثلاثةَ عشر حرفًا. ونظم السورتين: أن تلك في ذكر القرآن، وهذه في ذكر الليلة التي فيها أنزل القرآن. * * * (١) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: القرآن وهو كناية عن معلوم غيرِ مذكور؛ كقوله (١) تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. وكان إنزال القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلةَ القدر، وهي في شهر رمضان. وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، والتنزيل: التفصيل، ولا تنافيَ بين الآيات، فإن إنزالَ القرآن جملةً إلى السماء الدنيا كان في ليلة القدر، وتلك الليلة في شهر رمضان، وتفصيلَه في ثلاثٍ وعشرين سنةً من لدُنْ مبعثِ النبي ﷺ إلى أن مضى لسبيله ﷺ . ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وليلةُ القدر (٢): ليلةُ التقدير، وهو تقدير الأعمال والأرزاق والآجال، وهو إظهار مقاديرها وإثباتُها في نُسخٍ ودفعُها إلى جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﵈، وهو قوله تعالى (٣): ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.

стр. 7790

وقيل: ليلة (١) القدر؛ أي: ليلة العظمة" قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عظَّموه حقَّ عظمته، وهي ليلةٌ جليلةُ القَدْر عظيمةُ الأمر، فهي خير من ألف شهر. * * * (٢ - ٣) - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾: أي: أيُّ ليلة هي في عِظَمها وقَدْرها وفضلها وعجائبِ ما فيها. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: قيل: العمل فيها بطاعة اللَّه أفضلُ من العمل في ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر. وعن (٢) ابن عباس: يعني: إحياءُ ليلة القدر في الطاعة خيرٌ لك ولأمَّتك من مُلك ألف شهر. وفي بعض التفاسير: أن مُلك سليمان كان خمسَ مئة شهر، ومُلك ذي القرنين كذلك، وليلةُ القَدْر لهذه الأمة خيرٌ من مُلك ألف شهر (٣). وقال الحسن بن علي: إن رسول اللَّه ﷺ أُري في منامه أن بني أمية يطؤون منبره واحدًا بعد واحدٍ -وفي رواية: يَنْزُون على منبره نَزْوَ القردة- فشقَّ ذلك عليه، فأنزل اللَّه عليه هذه السورة (٤).

стр. 7791

يقول (١): ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يعني ملك بني أمية فإنه كان ألف شهر. وقيل: وإنما خصَّ ألف شهرٍ بالذكر لأنه لم يكن في السلف يبلغ أحدهم اسمَ العابد ولا يصير مستجابَ الدعوة إلا بعد عبادة ألفِ شهر، وهي ثلاثٌ وثمانون سنة وأربعةُ أشهر، فجعل اللَّه تعالى هذه الليلة لهذه الأمة أفضلَ من ألف شهر للأولين. وعن ابن عباس قال: ذُكر لرسول اللَّه ﷺ رجلٌ من بني اسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل اللَّه ألفَ شهر، فعجب رسول اللَّه ﷺ من ذلك عجبًا شديدًا، وتمنى أن يكون ذلك من أمته، فدعا ربه فقال: "يا رب جعلتَ أمتي أقصر الأمم أعمارًا وأقلَّهم أعمالًا"، فأعطاه اللَّه تعالى ليلةَ القدر فقال: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٢). وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: شكت الصحابة إلى رسول اللَّه ﷺ قصر

стр. 7792

أعمارهم وقلة أعمالهم، فأبدلهم اللَّه تعالى بقصر أعمارهم كلَّ سنة ليلةَ القدر بثمانين سنةً وثلاثِ سنين وأربعةِ أشهر، وبقلة طاعاتهم التضعيفَ من عشرة إلى سبع مئةِ ضعفٍ (١) إلى ما لا يُحصى، ولم يكن الإضعافُ إلا لهذه الأمة. وقيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. و قيل: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: جبريل. وقيل: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: السلامَ على أهل الإسلام. * * * (٤ - ٥) - ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. قوله تعالى:: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: إلى الدنيا، وقيل: إلى سماء الدنيا. ﴿وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ قيل: أي: جبريل، كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. وفي حديث ابن عباس: أن جبريل ينزل في ليلة القدر في كبكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر يَرْكزه فوق الكعبة ثم تتفرق الملائكة في الناس حتى يسلِّموا على كلِّ قائم وقاعد، وذاكرٍ وراكع وساجد، إلى أن يطلع الفجر (٢). وقيل: الروح صنفٌ من الملائكة جُعلوا حفظةً على سائرهم، وإن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة. وقيل: الروح خلقٌ تُشبِهُ وجوهُهم وجوهَ بني آدم، وسائرُهم يشبه الملائكة.

стр. 7793

وذكر علي بن اسحاق في "تفسيره" (١) عن ابن عباس: تنزل الملائكة ليلةَ القدر إلى (٢) الأرض يَقْدمهم جبريلُ وله أربعةُ أجنحة: جناحان أبيضان وجناحان أخضران، فأما الأخضران فلا ينشرهما إلا في كلِّ سنة مرةً في ليلة القدر، إذا نزل نشرهما على أهل الأرض فيهما الرحمةُ والبرُّ والسلامة والبركة للمؤمنين والمؤمنات إلى طلوع الفجر، وينزل الروح في تلك الليلة وهو ملكٌ من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض (٣) السابعة، ورأسُه من (٤) تحت عرش الجبار، وله ألفُ رأس كلُّ رأس أعظمُ من الدنيا، وفي كلِّ رأسٍ ألفُ وجه، وفي كلِّ وجه ألفُ فم، وفي كلِّ فم ألفُ لسان، يسبح اللَّهَ تعالى بكلِّ لسانٍ ألفَ نوع من التسبيح والتحميد والتمجيد، لكل لسان ألفُ لغةٍ، كلُّ (٥) لغة لا تشبه الأخرى، فإذا فتح أفواهه بالتسبيح والتحميد والتمجيد خرَّت ملائكة أهل سبع سماوات سُجَّدًا مخافةَ أن يحرقهم نورُ أفواهه، وإنما يسبح اللَّه غدوة وعشية، فينزل تلك الليلة فيستغفر للصائمين والصائمات من أمة محمد بتلك الأفواه كلِّها إلى طلوع الفجر. قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي: بأمر ربهم (٦).

стр. 7794

﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾: أي: بكلِّ أمر؛ كما قال: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]؛ أي: بأمر اللَّه؛ أي: تنزل الملائكة بكلِّ ما يقضي اللَّه تعالى من أمور العالم في تلك السنة؛ من عملٍ ورزقٍ وحياةٍ وموتٍ، وهو كقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. ثم قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾: أي: ليلةُ القدر سلامةٌ من الشرور والبلايا والآفات، وهو كقوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ١]. وقيل: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾؛ أي: في كلِّ الليلةٍ سلامٌ على المؤمنين، وهو كما يقال: إنما فلانٌ حجٌّ وغزوٌ؛ أي؛ هو أبدًا مشغول بهما، فكذا: الليلة سلامٌ؛ أي: هي مستغرَقةٌ بسلام (١) الملائكة على المسلمين (٢). وقيل: هي متصلة بما قبلها: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ﴾؛ أي: من كلِّ أمر مَخُوفٍ سلامةٌ هي. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: أي: إلى مطلع الفجر نزولُ الملائكة والسلامُ على أهل الإسلام والسلامةُ من الآفات. وقرأ الكسائي: ﴿مَطْلِعِ الفجر﴾ بكسر اللام والباقون بفتحها (٣)، وهما لغتان. واختلفوا في ليلة القدر: قال بعضهم: رُفعت بعد وفاة النبي ﷺ ، وهذا قولٌ مردود. وعن محمد بن الحنفية: أنها في كلِّ سبع سنين مرةً. وفي ثبوت هذه الرواية عنه نظر.

стр. 7795

وقال أبو رزين العقيلي: هي أول ليلةٍ من شهر رمضان (١). وعن الحسن وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: هي ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وهي ليلةٌ صبيحتُها يومُ بدر (٢). وقال ابن مسعود في رواية: هي ليلة تسع عشرة منه. وقال أبو سعيد الخدري: هي ليلة إحدى وعشرين منه (٣). وقال عبد اللَّه بن أنيس وعوف بن مالك الأشجعي وأنس في رواية: هي ليلة ثلاث وعشرين (٤)، وكذا قالت عائشة وبلال وابن عباس في رواية (٥). وقال الحسن بن علي: قبض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى اللَّه عنه ليلةَ القدر ليلةَ ثلاثٍ وعشرين من رمضان. وقال أنس وابن عباس في رواية: إنها ليلة أربع وعشرين (٦).

стр. 7796

وقال عمر والعباس وابن عباس رضى اللَّه عنهم في أشهر رواياته وأبيُّ بن كعب: هي ليلة سبع وعشرين (١)، وأكثرهم على هذا. وروى عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "التَمِسوها في العشر الأواخر فإنها وترٌ، في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخِر ليلةٍ، مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" (٢). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عمر ﵁ جمع المهاجرين والأنصار فسألهم عن ليلة القدر، قال ابن عباس: فدخلت فيهم، فقال الزبير بن العوام: يا أمير المؤمنين، دعوتَ أبناء المهاجرين فندعوَ بأبنائنا؟ قال: لا، وإنما قلتُ لمكان هذا الغلام، ولعله أعلم بالذي أريدُ أن أسأل عنه منكم، قال: فسألهم عن ليلة القدر، قال (٣): هل عندكم أيُّ ليلة هي؟ فاجتمع رأيهم على أنها في العشر الأواخر في الوتر منها، فقال: يا ابن عباس، هل عندك علمٌ بليلة القدر شيءٌ سمعتَه أو رأيٌ تراه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللَّه تعالى وترٌ يحبُّ الوتر، وأَحَبُّ الوترِ إلى اللَّه تعالى السبعُ، قال: كيف ذاك للَّه أبوك؟ قال: خلق اللَّه السماوات سبعًا، وخلق الأرضين

стр. 7797

سبعًا، وخلق الأيام سبعةً، وخلق الإنسان من سبعٍ، وخلق (١) رزقه من سبعٍ، قال: قد علمتُ أن اللَّه تعالى خلق السماوات سبعًا والأرضينَ سبعًا، فكيف خلق الإنسان من سبع؟ فقرأ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، قال: فكيف خلق رزقه من سبع؟ فقرأ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] إلى قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فهذا سبعٌ، وأبًّا لأنعامكم فهي (٢) الكلأ فهي سابعةُ السبع، فقال عمر: حسبك (٣). وقد زاد أهل العلم من نظائرها فقالوا: الأقاليم سبعة، والأبحر سبعة، والطواف سبعة، والسعي سبعة، والرمي سبع جمار، والأعضاء سبعة، والسجود على سبعة أعظُمٍ، وسبعٌ من النسب يحرُمنَ، وسبع من السبب، وأبواب الجحيم سبعة، وأصحاب الكهف سبعة. وفي قصة يوسف: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ و ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ و ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، ولبث في السجن سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وكذلك أيوب ﵇ بقي في بلائه كذلك. وخطرُ أبي بكر الصديق ﵁ كان سبع سنين (٤). وأمان أهل السماوات سبعة أنجم. و (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه) سبع كلمات.

стр. 7798

وأُنزل القرآن على سبعة أحرف، وهو سبعة أسباعٍ، والفاتحة سبع آيات، وليس فيها سبعة أحرف: التاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء. وأولوا العزم سبع: إبراهيم وإسماعيل وأيوب ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى. والملائكة سبعة أصناف: حملة العرش والمقربون والكَرُوبيون والروحانيون والسَّفَرة والكتبة والبرَرة. والحيوانات سبعة: الملائكة والجن والإنس والشياطين والبهائم والسباع والطيور والهوام. ومن أهل العلم مَن قال: إن اللَّه تعالى ذكر ليلة القدر في هذه السورة ثلاثَ مرات، ومبلغُ عدد حروفها سبع وعشرين. وقال أبو بكر الورَّاق: السورة ثلاثون كلمةً، وشهر رمضان ثلاثون يومًا، والكلمة السابعة والعشرون منها ﴿هِيَ﴾ وتلك إشارة إليها. وقال بعض أهل العلم: قال تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، من أول تلك السورة إلى قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ سبعة وعشرون حرفًا، فدل أنها هي. وقال السَّلاميُّ: إن عدد اسمها وتر وهي (قدر)، وهي في الشهر التاسع من السنة وهو وتر، وهي في السورة السابعة والتسعين من القرآن وهي وتر، وبعدها سبع عشرة سورة وهي وتر، ولأن النبي ﷺ قال: "التمِسوها في العشر الأواخر في الوتر" (١)، والأوتار في العشر خمسةٌ، والسابعة يتقدَّمها وتر وهي ثلاثة، ويتأخر عنها

стр. 7799

وتر وهو واحد؛ كالصلوات الخمس هي في الأصل وتر، والوترُ من الصلوات صلاة المغرب، ويتقدمها وتر، وهي ثلاث، ويتأخر عنها وتر (١) واحد، فهذا (٢) كذلك. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7800

سورة البينة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أقام البيِّنة الجليَّة، الرحمنِ الذي شَرَع الملَّةَ الرضيَّة، الرحيمِ الذي جعل أهلها خيرَ البَرِيَّة. روى أبي بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ كان له من الأجر كالذي يكون يوم القيامة مع خيرِ البريَّة" (٢). وهذه السورة مدنيةٌ، وهي تسع آيات وأربعٌ وتسعون كلمةً وثلاثُ مئة وثمانيةٌ وتسعون حرفًا. وانتظام السورتين: أن تلك السورة في ذكر الليلة التي أُنزل فيه القرآن، وفي هذه السورة ذكرُ المصدِّقين والمكذِّبين بالقرآن. * * * (١) - ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: اليهودُ والنصارى ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ومِن عبَدةِ الأوثان، و ﴿مِنْ﴾ ليس للتبعيض بل للتجنيس.

стр. 7801

﴿مُنْفَكِّينَ﴾: قال ابن عباس: أي: غيرَ منتهِينَ عن الكفر (١). ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ﴾: أي: حتى أتَتْهم، مستقبلٌ بمعنى الماضي. ﴿الْبَيِّنَةُ﴾: الحجةُ الظاهرة، والمراد بها: الرسول ﵇ هاهنا، فقد قال بعده: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو بدلٌ عن ﴿الْبَيِّنَةُ﴾؛ أي: فلما جاءهم اهتدَوا به. وقيل: أسلم بعضٌ وثبَت على الكفر بعضٌ. وقال القتبي: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾؛ أي: زائلين، والانفكاك: الزوال (٢). وقيل: الانفصال، والفكُّ: الفصل (٣). وقيل: أي: لم يكونوا ليُترَكوا خالينَ عن حُجج اللَّه تعالى حتى تأتيَهم البينةُ التي تقوم بها الحجة. وقال الفراء: قال قوم: أي: لم يكن أهل الكتاب ومَن يُرجع إليهم من المشركين تاركين صفة محمد ﵇ كما هو في التوراة حتى بُعث، فلما بُعث تفرَّقوا واختلفوا فيه (٤)، وهو كقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الآية. قال: وقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾؛ أي: متفرِّقين في أمر محمدٍ حتى جاءهم، وانفكاكُ (٥) أحد الشيئين من الآخر [من] هذا (٦).

стр. 7802

وقيل: لم يكونوا منتهينَ عن كفرهم؛ أي: كان لا يُطمع في إيمانهم بدون رسولٍ يأتيهم، فأتاهم رسول اللَّه، فمَن وفَّقه اللَّه تعالى للإيمان آمَن، ومَن خذله لم يؤمن ولزمتْه الحجة. وقيل: لم يكونوا منفكِّين؛ أي: خارجين من الدنيا حتى تبيَّن لهم الحق. * * * (٢ - ٣) - ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾: ترجمةٌ عن البينة، وهو نكرة استُؤنفت على النعت، كقوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٥ - ١٦]، وتقديره: هو رسولٌ من اللَّه. ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾: هي التي عند اللَّه في أم الكتاب الذي نُسخ منه ما أُنزل على الأنبياء من الكتب، وقد قال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]، ومعنى المطهرة ما مر في تلك السورة. ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: أي: مستقيمة، وهي كتب الأنبياء، والقرآنُ مصدِّقٌ لها كلِّها فكأنها فيه، ولأن كلَّ نوع من البيان فيه كأنه كتابٌ، وكأن كلَّه كتب. وقيل: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾؛ أي: أحكام عادلة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١]؛ أي: حكَم. * * * (٤ - ٥) - ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾: للحسد والبغي، لا لقصورِ البيان والوحي.

стр. 7803

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: أن يعبدوا اللَّه؛ كما قال: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]؛ أي: إلا أن يوحدوا اللَّه ويطيعوه. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾: أي: مستقيمين مائلين عن الباطل إلى الحق. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: قيل: دينُ الملَّة القيِّمة. وقيل: دين الشريعة القيِّمة، وكأنه إضافةُ الشيء إلى نفسه؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، و: مسجد الجامع. وقال ابن عباس: وذلك دينُ الملائكة القيِّمة (١). وقيل: أي: دين الكتب القيمة، وقد سبق ذكرها في هذه السورة. وقال الخليل: الهاء للجمع؛ أي: دين القائمين للَّه بالتوحيد (٢). * * * (٦ - ٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾: وقرأ ابن عامر: ﴿البريئة﴾ بالهمز، من قولهم: برأ اللَّه الخلقَ يَبرأ بَرءًا، وقرأ الباقون بغير همزٍ (٣)، من بَرَيتُ القلمَ بريًا؛ أي: قدَّرتُه.

стр. 7804

وقيل: من البَرَى وهو التراب. وقيل: أصله همزٌ ثم تُرك تخفيفًا كما في الدَّرِيَّة والخابِيَة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾: أي: الخليقة، ودلت الآية على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة. ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: بساتينُ إقامة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: لا يموتون فيها ولا يُخرجون عنها. ﴿﵃﴾: فقبِلَ أعمالهم وأحسنَ جزاءهم. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: إذ آتاهم أفضلَ مما كان منهم. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾: أي: خافه ولم يُعْجَب بعمله، ولم يَمْنُنْ (١) به على ربه، وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. * * *

стр. 7805

سورة الزلزلة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي خوَّفنا بزلزلة الأرض يومَ المحشر، الرحمنِ الذي جعل على التفاوُت يومئذٍ صدورَ كلِّ مَعْشر، الرحيمِ الذي يجزي على مثاقيلِ الذرِّ من الخير والشر. روى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة إذا زلزلت أُعطي من الأجر كأنما قرأ سورة البقرة" (٢). وهذه السورة مكية في قول ابن عباس ومجاهد والواقديِّ، مدنيةٌ في قول الآخرين (٣). وهي ثماني آيات، وستٌّ وثلاثون كلمةً، ومئةٌ وخمسةٌ وخمسون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في الخِيَار والشِّرار، والمؤمنين والكفار. * * *

стр. 7806

(١ - ٣) - ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾: أي حرِّكت تحريكًا شديدًا، وهو كقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦]. قال مجاهد: هذا في النفخة الأولى لفناء الدنيا، وتحرَّك ثانية عند البعث لإخراج الموتى. وقوله تعالى: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ ذكَر المصدرَ لتأكيد الفعل، ولم يقل: زلزالًا، بل أضافه إليها لأن المعنى أن القضاء سبق للأرض بالزلزال فذاك لا محالة كائنٌ، وأضيف إليها على معنى: زلزلت الأرض الزلزال الذي يخص لها، وهو كقولك: لأعطينَّك عطاءك؛ أي: ما جعلتُ على نفسي أن أعطيك. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: جمع ثِقْلٍ (١). قيل: كنوزَها، فهذا قبل (٢) قيام الساعة. وقيل: أي: مَوتاها، وهذا في النفخة الثانية؛ لأن الأرض تثقل بهم، ويسمى (٣) الإنس والجن: ثَقَلين؛ لذلك. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾: قيل: هو للجنس، ويقع على المؤمنين والكفار، ويقولون ذلك للهيئة والتعجب.

стр. 7807

وقيل: هو الكافر -وهو عن ابن عباس (١) - لأنهم كانوا لا يعتقدون ذلك، وكذا يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. وقال بعض السلف: الكافر أحمقُ الحياة وأحمقُ الموت. * * * (٤ - ٦) - ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: روى أبو هريرة رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية فقال: "أتدرون ما أخبارُها؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم! قال: "فإنَّ أخبارها أن تشهد على كلِّ عبدٍ وأمةٍ بما عمِل على ظهرها، تقول: عمِل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذا أخبارها" (٢). وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: مَن سجَد في موضعٍ عند حجرٍ أو شجرٍ شهد له يومَ القيامة (٣). وقال مقاتل: تخبر بما عُمل عليها، تقول للمؤمن: وحَّدَ اللَّه عليَّ وصلَّى وصام وحجَّ وزكى، وتقول للكافر: كفَر عليَّ وأشرك (٤) وسرق وزنى، حتى ودَّ الكافر أنه سيق إلى النار ولا يسمعُ ذلك (٥).

стр. 7808

وقيل هو على حقيقة الإخبار، فيضع اللَّه فيها تمييزًا ونطقًا فتتكلَّم به كما تنطق الجوارح. وقيل: هو الإخبار بظهور الآثار. ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: قال القُتبي: أي: أمَرَها (١)، وقيل: سخَّرها، و ﴿لَهَا﴾ بمعنى: إليها. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: أي: يرجع الناس متفرِّقين. قيل: هذا (٢) الرجوع من القبور إلى موضع قراءة الكتب ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: في كتبهم التي نُسخت أعمالهم فيها، فيقرؤونها ويجازَون عليها، و ﴿أَشْتَاتًا﴾؛ أي: من أقطار الأرض. وقيل: أي: يرجعون من موقف (٣) الحساب مختلفِين يمينًا وشمالًا إلى الجنة والنار (٤) ليُروا جزاءَ أعمالهم، والجزاءُ مضمر، وقد يسمَّى جزاء العمل باسم العمل؛ يقال لمن عوقب على ذنب: هذا عملك فانظر إليه. وقيل: في الآية تقديم وتأخير: قال السدي: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ثم يَصدرون. وقال الكلبي ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾.

стр. 7809

وقيل: ﴿أَشْتَاتًا﴾؛ أي: فرقًا، أهلُ كلِّ عمل على حِدَةٍ من الطاعة والمعصية، وجمع الأشتات: شتَّى. وقيل: أي: يتفرقون إذا رجعوا عن الموقف ولا يجتمعون بعدُ. * * * (٧ - ٨) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي: وزنَ نملة صغيرة. وقيل: هي ذراتُ الهواء في شعاع الشمس ﴿خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقيل: يَرى ذلك مكتوبًا في كتابه محصًى عليه. وقيل: يرى ثوابه وعقابه. وقيل: ﴿يَرُهُ﴾؛ أي: يُصِبْه (١) جزاءُ عمله، وهو من المجاز، يقول الرجل: رأيت الخيرَ والشر؛ أي: أصاباني وأصبتُهما، ولا يختص برؤية العين. وقال أبو موسى: الشمس فوق الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلُّهم أو تُضْحيهم (٢). وعن أبي أيوب الأنصاري قال: كان رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر ﵁

стр. 7810

يتغديان إذ نزلت عليه هذه الآية، قال: فأمسك رسول اللَّه ﷺ يده عن الطعام ثم قال: "مَن عَمِل منكم خيرًا في الدنيا فجزاؤه (١) في الآخرة، ومَن يعمل منكم شرًّا يرَه في الدنيا مصيباتٍ وأمراضًا، ومَن يكنْ فيه مثقالُ ذرةٍ من خيرٍ يدخلِ الجنة" (٢). وعن الحسن قال: قدم صعصعة جدُّ الفرزدق على النبي ﷺ فسمعه يقرأ هذه الآية، فقال: حسبي حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها (٣). وقال في رواية: انتهت الموعظة (٤). وعن زيد بن أسلم: أن النبي ﷺ أمر رجلًا أن يعلم رجلًا القرآن -وفي رواية: أمر عليًّا ﵁ بذلك- فعلمه سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ فلما بلغ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ أبى أن يتعلم غيرها وقال: علمت القرآن، فقال النبي ﷺ : "دَعْهُ فقد فَقُهَ الرجل" (٥).
следующие страницы →