← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقال مجاهدٌ وعطاءٌ وابنُ زيدٍ: هو الخبز (١). وقال قطرب: الفومُ: كلُّ عقدةٍ مِن البصل، وقطعةٍ مِن اللَّحم، وكلُّ لقمةٍ كبيرةٍ، ويقال: فوَّمتُ الشيءَ، إذا (٢) جعلتَه كذلك. وقال الفرَّاء: يقال: فوموا لنا؛ أي: اختبزوا (٣). وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ والكسائيُّ: هو الثُّوم (٤)، وفي قراءة أبيٍّ وابن مسعودٍ ﵄ بالثاء (٥) وقال أميَّةُ بنُ الصَّلت (٦): كانت منازلُهُمْ إذْ ذاكَ ظَاهِرَةً... فِيها الفَرَادِيسُ والفومانُ (٧) والبَصَلُ (٨)

стр. 807

فمَن قال: هو الثوم، قال: ذِكْرُ البصلِ في الآية يدلُّ على أنَّه هو المرادُ؛ فإنَّه مِن جنسه، ومَن جعلَه بمعنى الخبز أو (١) الحنطة، قال: ذِكْرُ العدسِ يدلُّ على أنَّه هو المراد؛ لأنَّه مِن جنسه. وقوله: ﴿وَعَدَسِهَا﴾ هو حبٌّ معروفٌ، وقوله: ﴿وَبَصَلِهَا﴾ هو معروفٌ أيضًا. وقوله تعالى: (﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾): هذا استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: أتسألون الأردأ بدلًا عن الأعلى، من: دنا يَدنو؛ أي: قَرُب؛ أي: هو أقلُّ قيمةً، يقال: ثوبٌ مقارِبٌ؛ أي: قليلُ القيمة، ومعناه أنَّه إذا كثُر (٢) ثمنُه ارتفعَ، وإذا قلَّ اتَّضَع، والدَّناءة: الرَّداءة، وهو دنيءٌ، أي: رديءٌ خسيس. وبه يَستدِلُّ مَن حملَ الفومَ على الثُّوم أنَّه وَصَفَ بأنَّه دونٌ (٣)، والحنطةُ ليست كذلك، وكذا وَصَفَ بِقلَّةِ القيمة، وليست الحنطةُ كذلك. وأجابَ الآخرون أنَّ الحنطةَ بمقابلة المنِّ والسَّلوى أوضعُ رتبةً، وأقلُّ قيمةً. ووجهٌ آخرُ أنْ يكون معنى (٤) أدنى: أقربَ وأسهلَ وجودًا، وهو ممَّا يُشارككُم في وِجدانِه أكثرُ النَّاس، فيستبدلون (٥) هذا بالرَّفيعِ الجليلِ الذي يَعزُّ (٦) وجودُه وهو ممَّا يَختصُّون به، وهو معنى ما قاله قطرب.

стр. 808

وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ المصرُ: كلُّ كُورةٍ يقام فيها الحدود ويُغزَى فيها الثغورُ، ويُقسَم فيها الأموال من الفيء والصَّدقات مِن غيرِ مؤامرة الخليفة. وقيل: هو مشتقٌّ من القطع، يقال: مَصَرَ الشَّيءَ (١) يَمصِرُهُ؛ أي: قطعَهُ، سُمِّيَ به لانقطاعه عن الفضاء بالعِمارة. ثمَّ اختلفَ أنَّه بلدٌ بعينه، أو بلدٌ من البلاد: قال الحسنُ وأبو العالية والرَّبيعُ: هو مصرُ فرعون الذي خرجوا منه (٢)، قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. وقيل: أراد به بيت المقدس، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، وعلى هذا إنَّما نوَّنهُ هاهنا لأنَّه أرادَ به البلد (٣)، وهو مذكَّرٌ، ولم ينونه في قوله: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ [يوسف: ٩٩]؛ لأَنَّه أراد به البلدة، وهي مؤنَّثةٌ، فلمَّا (٤) اجتمعَ التَّعريفُ والتَّأنيث امتنعَ الصَّرفُ، وفي الأول لم يجتمعا. وقيل: أراد به مِصرًا من الأمصار غيرَ معيَّنٍ (٥)؛ لأنَّ ما سألوهُ مِن البقل ونحوِه لا يكون إلَّا في الأمصار، وهذا قولُ قتادةَ والسُّدِّيِّ ومجاهدٍ وابنِ زيدٍ (٦). ثمَّ معناه عندَ بعضهم: انزلوا بعضَ الأمصار إن كنتُم تريدونَ هذه الأشياء؛

стр. 809

لأنَّكم في البَرِّيَّةِ، فلا يوجدُ فيها ما تَطلبون، وإنَّما يوجدُ ذلك في الأمصار. وقيل: معناه: إذا نزلتُم في بعضِ الأمصار وجدتُم هذه الأشياء، ولم يَكن أمرَ بذلك للحال؛ لأنَّهم كانوا في التِّيهِ وقد كانت ضُرِبَت لهم مدَّةٌ عقوبةً لهم. وقال القائل بهذا القول (١): إنَّهم لم يَخرجوا مِن التِّيه. وقيل: هذا أمرُ تعجيزٍ؛ أي: إن قَدَرتُم على النُّزول (٢) في نزلوا مصرًا تجدوا فيه هذه الأشياء، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً﴾ (٣) [الإسراء: ٥٠]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٤). ذكرَ (٥) القفَّالُ هذه الأقاويل، ثم قال: ويجوزُ أن يكونَ في مسيرِهم في تلك المفازة قرًى غير القرى التي كانوا وُعِدوها لم يُنهَوا عنها، فكان قولُه: ﴿مِصْرًا﴾ إشارةً إلى ذلك، وقد (٦) تسمَّى القريةُ مِصرًا، كما يُسمَّى المصرُ قريةً؛ توسُّعًا، و (٧) لأنَّ الاسمينِ لمُجتمع النَّاس من البنيان. وقال الكلبيُّ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أي: مصرَ فرعون التي خرجتُم منها، فإنَّ فيها هذا، فارجعوا إليها، فكرِهوا ذلك، فضُرِبت عليهم الذِّلَّةُ والمسكنةُ. والأظهرُ أنَّهم لم يُؤمروا بهبوط مصر فرعون؛ فإنه قال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ

стр. 810

الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، فلم يكن لهم الرُّجوعُ إلى مصر فرعون (١)، ويكونُ معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ (٢) أي: أسكنَّاها بني إسرائيل (٣) بعدَ هلاكِ فرعونَ وآلِه، لا أن يكونوا سكنوها، ويكونُ هذا أمرًا بهبوط مصرٍ مِن أمصارِ الأرض المقدَّسة. وقد قيل: إنَّ موسى صلواتُ اللَّه عليه سألَ اللَّهَ تعالى ذلك، فأُجيب بهذا، فكان (٤) قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أمرًا من اللَّه تعالى. وقيل: لم يَسأل ذلك، بل ردَّهم بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ (٥)، ثمَّ قال هو بنفسه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. وقيل: هذا الأمر -وهو قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ - كان بعد موت موسى وهارون ﵉، وانقضاءِ مدَّةِ التِّيه، والهبوطُ: النزول، فيَحتملُ أنَّ التِّيهَ كان في صعودٍ، والمصرَ في هبوطٍ، ويَحتمل أن يكون الهبوطُ مطلقَ النُّزول. وقوله تعالى: (﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾): الذِّلَّةُ: نقيض العزَّة، والمسكنةُ: الفقر. وقيل: هذا موصولٌ بقوله: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾؛ أمرَهم بدخول القُرى لطلب الأشياءِ التي سألوها، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: تذليلُ الأنفسِ في الأعمال المهينة، كالحِراثة ونقلِ العَذِرَة، وذُلِّ الكسب، والأوَّلُ كان يأتيهم مِن غير كسبٍ، وقد

стр. 811

قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ٩٦]، فحُرِمَ هؤلاء ذلك، وامتُحِنوا بهذا لعصيانهم، وقوله تعالى: (﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾): هذا مبتدأ على هذا القول؛ أي: استحقُّوا غضبَ اللَّه بقتلِ الأنبياء بعد ذلك، وعصيانِهم وعدوانِهم. وقيل: ابتداءُ الكلام الآخر مِن قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾، وانتظامُهُ بما قبله أنَّ موسى ﵇ سأل اللَّهَ لهم ذلك لمَّا أبوا ما اختارَهُ اللَّهُ لهم، فأعطاهم عاجلَ ما سألوا، كما قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، ثم نزل (١) أولادُ هؤلاء البلادَ المقدَّسةَ التي كتبَ اللَّهُ لهم، فلم يزل يفسدون في الأرض، ويَعصون، ويَعتدون، ويَقتلون النَّبيِّين، حتى عاقَبهمُ اللَّه تعالى بتسليطِ طَطوس بن أسبسيانوس (٢) الرُّوميِّ، بعدما سلَّطَ عليهم في الكرَّة الأولى بخت نصَّر، حتَّى خرَّب بيتَ المقدسِ، وسَبى أهلَهُ، وتبدَّدَ نظامُهم، وتشتَّتوا في البلاد، ليس لهم ملكٌ يضمُّهم، ولا رئيسٌ يجمعهم، فضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ والمسكنةُ، فصاروا مستضعَفين محتَقرين مساكينَ، بعدما كانو ا ملوكًا، وورِثوا أرضَ مصرَ، والشَّامَ، وبلاد الجبابرة. ثمَّ قولُهُ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ أي: أُلصِقَت بهم، وأُلزِموها، وأُدِيمَت لهم، يقال للشيء الدائم: هذا ضربةُ لازمٍ ولازبٍ، وضُرِبَ عليهم البعثُ (٣)؛ أي: ألزموه وفُرِضَ (٤) عليهم.

стр. 812

والذِّلَّةُ: فرضُ الجزية عليهم في قول الحسن وقتادة (١). والمسكنةُ: الفاقة، في قول أبي العالية، وفقر النَّفس، في قول السُّدِّيِّ (٢). وقيل: هي التَّعبُ والمشقَّةُ في تحصيلِ هذه الأشياء التي سألوها. وقيل: الذِّلَّةُ: الشُّحُّ، والمسكنةُ: الحرص. وقيل: هذا ما أوعدَهم اللَّهُ تعالى به في قوله تعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وهو نبيُّنا المصطفى ﵇، فأجلى بني النَّضير، وقتلَ بني قريظة، ووقعوا بالشَّام، فضُرِبَت عليهم الجزية (٣). والمسكَنةُ مفعلةٌ مِن السُّكون (٤) هي الفقرُ الذي يَسكنُه عن الحركاتِ في التَّصرُّفات، ويقال: تَسكَّن وتمسكن، كما يُقال: تَدَرَّعَ وتَمَدْرَعَ، وهذا أسكنُ مِن فلانٍ؛ أي: أشدُّ مسكنةً (٥)؛ لأنَّ الميمَ زائدةٌ، فيجوزُ إسقاطُها في الأفعل. وقيل: المسكنةُ: فقرُ النَّفس، ولا يوجدُ يهوديٌّ موسِرٌ أو (٦) معسرٌ غنيَّ النَّفس، تاركًا لما يدلُّ على مسكنتِه وخشوعِه وفقرِ نفسِه. وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قيل (٧): احتملوه، وقيل: انصرفوا عنه، وقيل:

стр. 813

استحقُّوه، وقيل: أقرُّوا به، وقيل: لازموه، وهو الأوجه. يُقَال: بوأتُه منزِلًا، فتبوأَهُ؛ أي: ألزمتَهُ إيَّاهُ فلزِمَهُ (١). وقوله تعالى: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾): أي: ضَرْبُ الذِّلَّةِ والمسكنةِ واستحقادقُ الغضبِ بسبب كفرِهم بآيات (٢) اللَّه، وهي التوراة؛ لاستحلالهم ما حرَّم اللَّهُ فيه. وقوله تعالى: (﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾): زكريا ويحيى وغيرَهما. وقوله تعالى (٣): (﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾): قيَّدهُ بهذا الوصف تأكيدًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]، وقولِه: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقولِه تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وتحقيقُه: كانوا يَقتلون الأنبياءَ، وقتلُ الأنبياءِ قتلٌ يكون بغيرِ حقٍّ على كلِّ (٤) حالٍ. وقال القفَّال: ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بالمعجزاتِ التي أجراها على أيدي الأنبياء، ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ وكانوا يقولون: هذه تمويهاتٌ، وليست من اللَّه تعالى، وهؤلاء كاذبون، ونقتلُهم بهذا السبب، مِن غير أن يُقيموا حجَّةً على كذبهم، وأنَّهم يقتلونهم لذلك (٥). وهذا وجهٌ حسنٌ. وقوله تعالى: (﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾): أي: ذلك الكفرُ بشؤمِ عصيانِهم.

стр. 814

وقوله تعالى: (﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾): أي: بمجاوزتهم الحدَّ (١)، وذلك يكونُ في كلِّ خلافٍ، وقد قال أيضًا: ﴿اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] وذلك بأخذِ الصيدِ في يومِ النَّهي، وعصيانُهم كان من العلماء والعامَّة بما قال: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]،، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]، وقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ (٢) [المائدة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (٣) [مريم: ٥٩]. وقال القشيريُّ ﵀: إنَّ بني إسرائيل لم يَرضوا بحسنِ اختيارِ اللَّه تعالى لهم، ولم يَصبروا على قيامِه بتولي ما كان يُهِمُّهُم مِن كفايةِ مأكولِهم وملبوسِهم، فنزلوا في التَّحيُّر إلى ما جَرَت عليه عادتُهم مِن أكل الخسيس من الطَّعام، والرِّضا بالدُّونِ مِن الحالِ، فردَّهُم إلى مقاساة الهوان، ورَبَطهُم بإقامة الخُذلان، حتى سفكوا دماءَ الأنبياء، وهَتكوا حرمةَ الأمرِ بقلَّة الاستحياء وترك الارعواء (٤)، فعاقَبهم على قبيحِ أفعالهم، وردَّهم إلى ما اختاروهُ لأنفسِهم مِن خسائس أموالهم. وحين لم تَنجَع فيهم النَّصيحةُ أدركتهمُ النِّقمة والفضيحة، وكان بنو إسرائيلَ متفرِّقي الهموم، مُتَشتِّتي القُصُود (٥)، لم يَرضوا لأنفسِهم بطعامٍ واحدٍ، ولم يكتفوا في دينِهم بمعبودٍ واحدٍ، حتى قالوا لموسى حين رأوا قومًا يعبدون الصَّنم: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا

стр. 815

لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وهكذا صفةُ أربابِ التَّفرقةِ، والصَّبرُ معَ الواحد الأحد ليس أمرَ كلِّ أحد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] (١). * * * (٦٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ثمَّ ختمَ هذه الآيةَ بذكرِ الكفر والمعصية، وذكر بعدها آيةً فيها ذِكْرُ الإيمان والطَّاعة، وهي قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود، وسمُّوا به لأنَّهم هادوا عن الحقِّ؛ أي: مالوا، وقيل لقولهم (٢): ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، وقيل: لأنَّهم ولدُ يَهودا، وهو أكبرُ أولادِ يعقوب، وحولت الذال دالًا؛ لتغييرها عن (٣) العبرانيَّة إلى العربيَّة. وقولُه تعالى: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ واحدهم: نصرانيّ، وسمُّوا به لتَناصُرِهم وتعاونِهم فيما بينهم على إقامة ملَّتهم، وقيل: لنصرهم (٤) عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وقال ابنُ جريج وقتادة: سمُّوا به لأنَّهم مِن قريةٍ تُسمَّى ناصرة، كان ينزلُها عيسى ﵇ (٥).

стр. 816

والنَّصارى في القياس جمع نَصْرَان، كالنشاوى جمع نشوان (١)، والنَّدامى جمع ندمان، وهو قولُ سيبويه (٢)، والمستعمل هو: النصراني، بزيادة ياء التشبيه، والأصل الأول، قال الشاعر: تَراهُ إذا دَارَ (٣) العَشِيُّ مُحَنِّفًا (٤) ... ويُضحِي لديهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ (٥) وقال آخر: فكلتاهما خرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها... كما سَجَدَتْ نَصْرَانَة لم تَحَنَّفِ (٦) وقيل: النَّصارى جمعُ: نصري كالمَهَارى جمعُ مَهْرِيّ، قاله الخليل (٧). وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ يقال: صبأ (٨) صبوءًا، إذا خرجَ مِن دينٍ إلى دين،

стр. 817

سمُّوا به لأنَّهم خرجوا من دينِ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، وخالفوهما (١)، وقد صبأ النَّجمُ، إذا (٢) مال عن جهته، وصبأ نابُ البعيرِ، إذا خرج. ومَن تركَ همزَهُ (٣) فهو (٤) من: صبا يَصْبُو صبوةً، إذا مالَ. وقيل: هم قوم (٥) نجران (٦)، يعبدون النُّجومَ، ويُقِرُّون بالصَّانِع، والمعاد، ويؤمنون ببعض (٧) الأنبياء. وقيل: هم من المانويَّة (٨). وقال قتادة: الصَّابئون: فرقةٌ يَعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة، ويقرؤون الزَّبورَ. وقال السُّدِّيُّ: هم طائفةٌ مِن أهل الكتاب. وقال مجاهدٌ: الصَّابئون بين المجوسِ واليهود، لا تُؤكَلُ ذبائحُهم، ولا تُنكح نساؤهم، وهو قولُ الحسن البصريِّ (٩).

стр. 818

وبه أخذ أبو يوسف ومحمَّدٌ رحمهما اللَّه، وقالوا: هم يعبدون الملائكة و (١) الكواكب، فكانوا كعبدة الأصنام، وقال أبو حنيفة ﵀: إنَّهم (٢) كأهل الكتاب في حلِّ ذبائحِهم، ونكاحِ بناتِهم؛ لأنَّهم يَقرؤون الزَّبورَ، ويُعظِّمونَ الكواكبَ تعظيمَ القِبلة؛ لتوجُّهِهم إليها في صلاتهم (٣). وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: مَن آمنَ منهم؛ أي: مِن اليهود والنَّصارى والصابئين. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: مِن مُشرِكي العرب وغيرِهم، ومن آمن من هؤلاء الفرق الثلاثة باللَّه وبالقيامة؛ أي: صدَّق بكونها (٤). وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مرَّ تفسيره. وقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابُ إيمانِهم وعملِهم الصَّالح، سمَّاه أجرًا؛ لأنَّه جعلَهُ جزاءَ عملهم (٥) بوعدِ (٦) الحقِّ؛ فضلًا منه، فسكَّنَ قلوبَهم لوجودِه لا محالة، كما يجدُ الأجيرُ أجرَه لاستحقاقه ذلك بعملِه، وهذا ينالُه بعملِه بوعد اللَّه، لا باستحقاقه، أخبرَ أنَّ هؤلاء إذا آمنوا وعملوا الصَّالحات، لم يؤاخذوا بمتقدِّمِ (٧) فعلِهم، ولا بفعلِ آبائهم، ولا يُنقَصون مِن ثوابهم.

стр. 819

وقوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا يخافون أن تبطلَ (١) لهم حسنةٌ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بفوتِ ثوابِها. وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في عصر الرَّسول، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ كانوا على دينِ موسى وفي زمانه، وماتوا على ذلك، ولم يُبدِّلوا، ﴿وَالنَّصَارَى﴾ الذين كانوا على دينِ عيسى ﵇، وماتوا ولم يبدِّلوا، ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ على هذا التَّأويل: قومٌ كان لهم دينٌ حقٌّ سوى اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، بأن كانوا على اتِّباعِ رسولٍ وكتاب، من آمن منهم؛ أي: ثبتَ على إيمانِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ على موافقَةِ إيمانِه، فلهم أجرُ إيمانِهم وعملِهم الصَّالح، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن العقوبة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوت الجنة. وقال القتبيُّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بألسنتِهم دون قلوبهم، وهم المنافقون واليهودُ والنَّصارى والصابئون (٢)، ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ أي: من أخلص مِنهم وآمنَ بشرائط الصحة، فله الأجر، وزوال الخوفِ والحزَن، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ذُكر على الوحدان (٣) لظاهر كلمة ﴿مَنْ﴾، وقال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على الجمع؛ لأنَّ معناه معنى الجمعِ، فإنَّه اسمٌ صالحٌ للواحد والجماعة. * * * (٦٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

стр. 820

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور﴾ أي: واذكروا أيضًا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أي: العهدَ بالانقيادِ لموسى ﵇ فيما يخبرُكم به، وقبلتموه، وخرجتُم معه مِن مصرَ، فقرَّبناهُ نجِيًّا، وأعطيناهُ الألواحَ فيها التوراةُ، فأتاكُم بها، فلم تقبلوها، وقلتم: هي شديدةٌ لا نطيقُها، فرفعنا فوقكم الجبل، وهو قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وهو الذي ذكرَهُ في قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧١]. ﴿وَالطُّورِ﴾: الجبل، وقيل: هو يقعُ على كلِّ جبل (١). وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ الطُّورَ هو (٢) الجبل المُنبِتُ (٣). وقيل: هو (٤) جبلٌ فيه أشجار. وقيل: هو جبلٌ بعينِه، واختُلِفَ في ذلك العين (٥): قيل: هو الجبلُ الذي كان موسى ﵇ (٦) عليه حين كلَّمهُ اللَّهُ تعالى وأنزلَ عليه الألواح (٧). وقيل: هو جبلٌ مِن جبالِ فلسطين، انقلعَ مِن أصلِه وقَام على رؤوسِهم مثلَ الظُّلَّةِ (٨)، وكان العسكرُ فرسخًا في فرسخ، والجبلُ كذلك.

стр. 821

وقيل: خمسة فراسخَ في خمسةِ فراسخ. وأوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى: إن قَبِلوا التَّوراةَ وإلَّا رميتُهم بهذا الجبلِ فرضختُهم به، فلمَّا رأوا ألَّا مهربَ لهم قبِلوا ما فيها، وسجدوا مِن المهابةِ على أنصافِ وجوههم، لأنَّهم كانوا يُلاحظونَ الجبلَ، وكذلكَ تسجدُ اليهودُ لذلك (١). وقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: جِدٍّ ومواظبةٍ، و ﴿خُذُوا﴾ بمعنى: اقبلوا. وقيل: بقوة؛ أي: باقتدارٍ ونشاطٍ وأداءٍ لما فُرِضَ عليكم. وقيل: أي: أعطيناكُم قوَّة ذلك، وهي سلامةُ الآلات، فخذوهُ بتلك القوَّة. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ قيل (٢): أي: ادرسوهُ لِتَرِقَّ قلوبُكم، ولتذكروا به الوعدَ والوعيدَ. ويَحتملُ ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أي: احفظُوه ولا تَنسوه، ويجوزُ إرادةُ المعنيين جميعًا. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: لتَصيروا متَّقين، وعن النَّارِ متوقِّين. ثمَّ قولُه: ﴿خُذُوا﴾ فيه مضمرٌ؛ أي: وقلنا لهم: خذوا، وهذا اختصارٌ يَدلُّ عليه سياقُ الكلام، ولأنَّ ذكرَ الميثاقِ يَقتضيهِ، كأنَّه قال: واثقناكم أن خذوا. ثمَّ قولُه: ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ وُحِّدَ وإِنْ أُضِيفَ إلى الجمعِ، ولم يقل: مواثيقكم؛ لأنَّ المرادَ ميثاقُ كلِّ واحد؛ أي: أخذنا مِنْ كلِّ واحدٍ منكم ميثاقَهُ، كما قال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]؛ أي: كلَّ واحدٍ.

стр. 822

وقيل: أخذَ على الكلِّ ميثاقًا واحدًا؛ أي: كان ميثاقُ كلِّ واحدٍ ما كان ميثاقَ الآخرين. وقال القفَّال: ويَحتملُ أن يكون أخذُ الميثاقِ مع رفعِ الطور معًا، والواو للجمع، ويَحتملُ أن يكون أخذُ (١) الميثاق مقدَّمًا (٢)، ولمَّا نقضوهُ رَفعَ الطُّور فوقَهم، ودليل الأول قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]، ودليلُ الثَّاني أنَّه يجوزُ أن يكون معناه: بميثاقهم؛ أي: لميثاقهم (٣) الذي نقضُوه؛ أي: بسبب (٤) ذلك رفعنا فوقَهم الطُّورَ. ثمَّ هذه الحادثةُ كانت قبلَ التِّيهِ والأمرِ بدخولِ قرية أريحا، وإنَّما ذُكِرَت بعدَهما لأنَّ القصَّةَ واحدةٌ، وهذا (٥) تعدادُ مِننٍ (٦) كانت للَّه تعالى على أسلافِهم (٧)، ويجوزُ ذلك على التَّرتيب وغيرِ التَّرتيب؛ لأنَّ المرادَ تذكُّرهم بما كان منهم (٨)، وهو حاصلٌ كيفَ ذكره (٩). ثمَّ رفعُ الجبل ليَقبلوا التَّوراةَ لم يكن جبرًا على الإِسلام؛ لأنَّ الجبرَ ما يَسْلُبُ

стр. 823

الاختيارَ، ولا يصحُّ معه الإسلامُ، بل كان إكراهًا، وهو لا يَسلُبُ الاختيار (١)، وهو جائزٌ كالمحاربة مع الكفَّار، فأمَّا قولُه تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقولُه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، فقد كان (٢) ذلك قبلَ الأمرِ بالقتال، ثمَّ نُسِخَ به (٣). * * * (٦٤) - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: أعرضتم عن الدَّوام عليه من بعد القَبول. وقيل: مِن بعد ردِّ الجبلِ. وقيل: من بعد أخذِ الميثاق ورفعِ الطور. وإنَّما وُحِّدَ (٤) ذلك والمذكورُ قبله شيئان، والمدلول (٥) عليه أكثرُ مِن ذلك، وهو قَبولُهم التَّوراةَ وردُّ الجبل؛ لأنَّه أرادَ: مِن بعدِ ما ذكرنَا، فوحَّد لتوحُّدها (٦). وقوله ﴿ذَلِكَ﴾ خطابٌ للنبيِّ ﵇ وحدَهُ بِالكاف، ولو قال: ذلكم (٧)، كان خطابًا لهم جميعًا.

стр. 824

وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ هو زيادةُ الإنعام (١)، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ هي عطفُهُ؛ أي: فلولا فضلُهُ ورحمتُه بردِّ الجبل عنكم، وإمهالِكم إلى أنْ تُبتُم بعدَما تولَّيتُم، لوقعَ الجبلُ عليكم، فمتُّم كافرين خاسرين، وهذا في حق الذين تابوا بعد ما تولَّوا. وقيل: ولولا فضل اللَّه بإعطاءِ التَّوراة (٢)، ورحمتُه بقَبول التَّوبة بعد التولِّي. وقيل: ولولا إيمانُكم باللَّه الذي هو فضلٌ مِن اللَّه، ورحمتُه عليكم بالكتاب. وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ثمَّ (٣) ابتدأ كلامًا يَرجِعُ إلى الأوَّل فقال: ولولا فضلُه (٤) ورحمتُه برفعِ الجبلِ فوقَكم، لدمتُم على إنكارِ الكتاب وردِّه، فكنتم مِن الخاسرين، ولكن تفضَّل اللَّهُ عليكم ورحمَكم حيث رفعَ الطُّور فوقكم حتَّى تبتم، فزال الجبلُ عنكم، ولولا ذلك لسقطَ الجبلُ عليكم وكنتم مِن الخاسرين. وقيل: أي: ولولا فضلُه بإعطاءِ التَّوراة، ورحمتُه بتوفيقِ القَبول. وقيل: أي (٥): ولولا فضلُ اللَّه عليكم بإنجاءِ آبائِكم من العذاب، وردِّ الطور عنكم (٦)، لما توالدتُم أنتم.

стр. 825

وقوله تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الخسرانُ في الأصل: ذهابُ رأس المال، وهو هاهنا هلاكُ النَّفسِ؛ لأنَّها هي الأصل. وقيل: أي: من المغبونين بالو قوع (١) في العذاب وحرمانِ الثَّواب. * * * (٦٥) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ خطابٌ لأهل (٢) عصر النبيِّ ﷺ ، يقول: "لقد علمتم": عرفتم أصحابَ السَّبتِ وما أحللنا بهم مِن النَّكالِ (٣) في الدُّنيا؛ بالمسخِ حين اعتدَوا بالاصطيادِ يومَ السبت، فلم يكن تأخيرُ (٤) العقوبةِ عن أسلافِكم الذين كانوا قبلَكم (٥) على عصيانِهم ونقضِهم ميثاقهم: للعجزِ عن تعجيلِ ذلك، بل فضلًا ورحمةً، ولو شئنا لعاجَلناهم بما عاجَلنا به أصحابَ السَّبت، وكذا أنتم في تمرُّدِكم على محمَّدٍ؛ لو شئنا لأنزلْنا بكم ما أنزلنا بهم (٦). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أي: للذين جاوزوا الحدَّ الذي حُدَّ لهم مِن تركِ الصَّيد يومَ السَّبْتِ مِن أسلافِكم.

стр. 826

والسَّبتُ آخرُ أيَّامِ الأسبوع، سُمِّيَ به لأنَّه سُبِتَ فيه (١) خَلْقُ كلِّ شيءٌ؛ أي: قُطِعَ وتُمِّمَ، وأصلُ السَّبت القطعُ، والسُّبات: النوم (٢)؛ لأنه يَقطعُ الحركاتِ الاختياريَّة، واليهودُ يَسْبِتون فيه؛ أي: يَقطعون الأعمالَ فيه. وقصَّتُه ما رُوي عنِ ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: كان في زمن داودَ ﵇ في أرضٍ يُقال لها: أيلة، بين المدينة والشَّام، على ساحل بحر قُرزم، وكان مكانًا يَجتمعُ فيه حيتانُ كلِّ أرضٍ مِن السَّنة في شهرٍ، كهيئةِ العيد، تأتيهمُ الحيتان حتَّى لا يُرَى الماءُ، وتأتيهم في غيرِ ذلك الشَّهرِ في كلِّ سبتٍ، كما (٣) كانت تأتيهم في ذلك الشَّهر، فإذا ذهبَ السَّبتُ لم يُحِسُّوا شيئًا منه، وحُرِّمَ عليهم الصَّيدُ في يومِ السَّبت (٤). وقيل: إنَّما خصَّ به ذلك اليوم؛ لأنَّ موسى ﵇ أرادَ أن يجعلَ يومًا للَّه تعالى خالصًا لطاعتِه، وهو يومُ الجمعة، فخالفَه اليهودُ وقالوا: نجعلُ ذلك اليوم (٥) السبت؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يخلق فيه شيئًا، فلمَّا اختاروه لتركِ سائر الأعمال، نُهوا فيه عن الاصطيادِ أيضًا (٦) وصار اختيارُهم وبالًا عليهم، فعَمَد (٧) رجالٌ لأهل (٨)

стр. 827

تلك القريةِ، فحظروا عشيَّة الجمعةِ حظيرة (١) حيث يدخلُ عليهم السَّمكُ، فحَبسوا السَّمك فيها، وأخذوا منه (٢) ليلةَ الأحد ويوم الأحد، فأكلوا، وملَّحوا، وباعوا، فكثُرت أموالُهم، فعملوا بذلك زمانًا، في روايةٍ: أربعين سنةً، وفي روايةٍ: سبعين سنة، لم تنزل فيهم عقوبةٌ، وكانوا يتخوَّفون العقوبةَ، فلمَّا لم يُعاقَبوا استبشروا، وقالوا: إنَّا لنَرى السَّبْتَ قد أُحِلَّ لنا، ثمَّ استنَّ الأبناءُ سنَّة (٣) الآباء، فلو أنَّهم فعلوا ذلك مرَّة أو مرَّتين لم يضرَّهم. فمشى إليهم طوائفُ مِن أهلِ المدينة، نحوًا من اثني عشر ألفًا مِن الذين كرِهوا الصَّيدَ في يوم السَّبت. وأهل القرية كانوا نحوًا من سبعين ألفًا، فنهوهم عن ذلك، وقالوا لهم: يا قوم، إنَّكم عصيتُم ربَّكم وخالفتُم سنَّةَ نبيِّكم، فانتهوا عن هذا العملِ قبلَ أن يَنزلَ بكم العذابُ (٤)، فلم يتَّعظوا، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أي: أبوا أن يرجعوا عن استحلال الصيد، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٥]، فأصبحَ الذين استحلُّوا الصيدَ قردةً خاسئين، فمكثوا بعد ذلك ثلاثةَ أيَّام يَنظرُ إليهم النَّاس، ثمَّ هَلَكوا لم يتوالدوا، ولم يمكُث مسخ غيرَ ثلاثةِ أيَّام. قولُه تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي: للذين اعتدَوا، وقال قبله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وهو خطابُ أهل عصرِ النَّبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي: مسخناهم قردةً. و ﴿كُونُوا﴾ أمرُ تسخيرٍ، وهو إشارةٌ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ

стр. 828

لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أي: لمَّا أردنا ذلك صاروا كما أردنا، مِن غير امتناعٍ ولا لُبْثٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، وقولِه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، وهو من قول القائل منَّا: أمرتُ بكذا، وكان (١) كما أمرتُ به؛ إظهارًا منه لعظَمتِه ونَفاذِ أمرِهِ ومشيئته. والدليلُ على أنَّه تكوينٌ أنَّه قال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ وهو ذلك الأول. والقردةُ جمعُ قردٍ، كالفيلَة جمعُ فيل، والدِّيكةِ جمعُ ديك. وقوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾ أي: صاغرين مبعَدين مطرودين، كالكلب إذا دنا من الناس، قيل له: اخسأ؛ أي: تَباعَد وانطِردْ صاغرًا، وقوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ [الملك: ٤] أي: صاغرًا ممنوعًا عن مُعاودة النَّظر، وقد خسأتُ الكلبَ فخسأ، لازمٌ ومتعدٍّ. وقيل: أي: ساكتين لا يتكلَّمون، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. وقال مجاهد: لم يكن هذا مسخَ الأبدان، بل كان مسخَ القلوب. وفي روايةٍ قال: لم يمسخوا قردةً، وإنَّما هذا مَثَلٌ صوَّرهُ اللَّهُ تعالى (٢) لهم، كما قال: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] (٣). قال القفَّال: ومَن قال بهذا جعلَه كقولِ الرَّجل لرجُلٍ: لا تَنظرْ فِي العلم، ولا تُجالس أهلَه (٤)، اذهب فكن حمارًا؛ أي: شبيهَ حمار، قال الشاعر:

стр. 829

إذا أنتَ لم تَعْشَق ولم تَدْرِ ما الهَوى... فَكُن حَجَرًا مِن يابسِ الصَّخرِ جَلمَدَا (١) ولكنَّ هذا خلافُ ظاهرِ الكلام، وخلافُ الآثار، ومَسْخُ هؤلاءِ مشهورٌ، وكان اليهودُ لعنَهم اللَّهُ إذا سُبُّوا قيل لهم: يا إخوةَ القردةِ والخنازير (٢)، ويخاطبون به في عصرِ النبيِّ ﷺ ، وليس تحويلُ الصُّورة بأعظمَ مِن إنشاءِ العنصر، فمَن آمنَ بابتداعِ الجواهر، فماذا عليه أن يؤمنَ بانقلاب الصورة (٣)؟ ثم قيل: مُسِخوا قردةً، فلم يبقَ في ظاهرهم وباطنِهم معنى الإنسانيَّة. وقيل: بقيَ فيهمُ الفهمُ والعقل، فقد رُويَ أنَّهم لمَّا مُسِخوا ليلًا، فلمَّا أصبحَ النَّاسُ الخارجون منها وأتَوا أبوابَها، فإذا هي مغلقةٌ لا يُسمَعُ منها صوتٌ، ولا يَعلو منها دخانٌ، فتسوَّروا الحيطانَ ودخلُوها (٤)، فرأوهم قد (٥) صاروا قردةً، و (٦) كانوا يعرفون كلَّ واحدٍ بشق (٧) معرفة؛ بقرابةٍ أو صحبةٍ، فكانوا يقولون: ألم ننهكُم عن ذلك؟ فكانوا يشيرون برؤوسهم؛ أي: نعم، والدموعُ تفيضُ مِن أعينِهم، وذلك دلالةُ الفهم والمعرفة. ثمَّ لم يكن ابتداءُ القِردة مِن هؤلاء، بل كانت قبلَهم قردةٌ، وهؤلاء حُوِّلوا إلى

стр. 830

صورتِها لقبحها؛ جزاءً على قبحِ أفعالهم، وماتوا بعد ثلاثةِ إيَّام، والقردةُ التي كانت في الدُّنيا هي نسلُ قردةٍ كانت قبلَهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه نقضُ قولِ المعتزلة، لأنَّهم يقولون: ليسَ في خلقِ اللَّه قبيحٌ، ولو لم يكن في خلقِ اللَّه تعالى قبيحٌ، لم يكن لِتحويلِ صورتِهم مِن صورةِ الإنسانيَّة إلى صورةِ القردةِ معنًى (١). * * * (٦٦) - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي: جعلنا هذه العقوبةَ، كنايةٌ رجعَتْ إلى المعنى دون المذكور. وقيل: أي: جعلنا المسخةَ. وقيل: أي: جعلنا هذه القريةَ التي اعتدى أهلُها، فقد ذكر القريةَ في سُورة أخرى (٢). وقيل: جعلنا هذه الأمَّة. وقيل: هذه الفرقة. وقيل: هذه الفِعلة. وقيل: القردة. وقيل: هذه الجماعة. وقيل أقاويلُ متقاربةٌ (٣).

стр. 831

وقوله تعالى: ﴿نَكَالًا﴾ النَّكالُ: الفضيحةُ الشَّاهرةُ (١) الزَّاجرة. وقيل: العقوبةُ التي يُنْكَلُ بها عن الإقدامِ على مثلِ تلك الجناية، يقال: نَكَلَ عن الأمرِ نكولًا؛ أي: امتنعَ، والنِّكْلُ: القيدُ، وجمعه الأنكال؛ لأنَّ فيه منعَ المقيَّد عن الذَّهاب. يقول: فعلنا ذلك؛ لمنع العبادِ عن الفساد، لا كما يفعلُه البشرُ للتَّشفي ونحوِه. وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قيل: من عقوبة الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مِن فضيحة الدُّنيا، فيُذكَرون بها إلى قِيام السَّاعة. وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لما تقدَّم مِن سائر الذُّنوب قبلَ أخذِ السَّمك، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ وما بعدَها مِن أخذِها (٢). وقيل: هما عبارةٌ عن كثرةِ ذُنوبِهم المحيطةِ بهم أوَّلًا وآخرًا. وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أهل زمانهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ إلى يوم القيامة. وقال أبو العالية: فجعلناها عقوبةً لما مَضى مِن ذنوبهم، وعبرةً لمَن بعدهم (٣). وقيل: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مَن يُشاهدها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مَن يسمع بذكرها. وقيل ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ من القُرى. وقال بعضُهم: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لمَن يأتي بعدَهم، كما يُقال: الضَّيْفُ بين يديك؛ أي: يأتيكَ، وقال أسامةُ للنبيِّ ﷺ في مسيرِهِ مِن عرفات: الصلاةَ يا رسول اللَّه!

стр. 832

فقال: "الصلاةُ أمامَك" (١)؛ أي: نفعلها بعد هذا الوقت، فعلى هذا يكونُ قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾؛ أي: لما يأتي بعدَها. وقوله تعالى (٢): ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: لمَنْ تقدَّمها، تقول (٣): هذا الشيءُ صار خلفَنا؛ أي: خلَّفناهُ، وتَجاوزناهُ، فكأنَّه قال: نكالًا للآتينَ والماضين. وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وعظًا (٤) لجميع المؤمنين، أي (٥): الذين يتَّقون عقابَ اللَّه. وقيل: أي: يعظُ المتَّقون بعضُهم بعضًا. وقيل: هذا وعظٌ يَنتفعُ به المتَّقون، وإنْ وُعِظَ به النَّاسُ أجمعون، كما قلنا في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] (٦). وقيل: المتَّقون في هذه الآيةِ اسمٌ لهذه الأمة؛ أي: موعظةٌ لأمَّة محمَّدٍ ﷺ ، سمَّاهم: متَّقين؛ لاتِّقائِهم الشِّركَ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى يقيهم النار. * * * (٦٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

стр. 833

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ أي: واذكروا أيضًا إذ قال موسى لقومِه، وهم أسلافُكم مِن بني إسرائيل، دلَّهم بذكرِ هذه القصَّة على جهلِ أوائلهم (١)، وتشديدِهم على أنفسِهم (٢)، واعتراضِهم على نبيِّهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ليَتبيَّنَ بها أمرُ القتيل الذي كان وقعَ فيهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ الألف ظاهرها للاستخبار، وهو هاهنا للاستنكار، و ﴿هُزُوًا﴾؛ أي: سخريةً، وهو مصدرٌ هاهنا أُريدَ به المفعولُ به، كما يقال: هذا عِلْمُ اللَّه؛ أي: معلومُه، و: اللَّهُ رجاؤنا؛ أي: مرجوُّنا. ظنُّوا أنَّ موسى يَستهزِئ بهم ويُداعبُهم، قالوا: نُخبِرُكَ (٣) أنَّ رجلًا منَّا قُتِلَ، فتقولُ لنا: اذبحوا بقرةً! فيَحتملُ أنَّ موسى ﵇ أمرَهُم بذبحِها، ولم يبيِّن المرادَ والثمرة بها، فلذلك وقعَ هذا القولُ منهم موقعَ الهُزْءِ. ويَحتملُ أن يكون قال لهم: اذبحوا بقرةً (٤)، فإنَّ أمرَ القتيل يَتبيَّنُ لكم بأنْ تَضرِبوه ببعضها، فقالوا: أتتَّخذُنا هزوًا؛ تعجَّبوا أن يَتبيَّن لهم أمرُ القتيل بذلك (٥). وقال بعضُ (٦) العلماء: كفروا بهذا القولِ؛ إذ شكُّوا في خبر نبيِّهم، أو شكُّوا في قدرة ربِّهم على إحياء الميِّت ببعضِ البقرة.

стр. 834

وقال بعضُهم: كان ذلك هفوةً مِنهم وجهالةً، فقد انقَادوا بالطَّاعةِ (١) لذبحها. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا على المجازاة، كأنَّهم (٢) قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى (٣) منَّا مِن عصيانِك وخلافِكَ؟ إذ لم يعلموا أنَّه مِن عند اللَّه بأمر ربه (٤)، وهذا على المجازاةِ جائزٌ، كما قلنا في الاستهزاءِ والمُخادعةِ والمكر، وهو كقول نوح ﵇ ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] (٥). وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بيَّن أنَّ الاستهزاءَ عمل لا يَستجِيزُه مثلُهُ مِن أنبياء اللَّه تعالى، وأنَّه مِن عملِ الجهَّال (٦)، فعلموا أنَّه جِدٌّ، وأنَّه مِن عندِ اللَّه، ودلَّ هذا (٧) أنَّ الاستهزاءَ بأمرِ الدِّينِ كبيرةٌ، وأنَّه ضربٌ مِن الجهالة. * * * (٦٨) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ أي: سلْ لأجلنا ربَّك. وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾ أي: وقل له يبين (٨) لنا، وهو جزمٌ على جوابِ الأمر.

стр. 835

وقوله تعالى: ﴿مَا هِيَ﴾ أي (١): أيُّ بقرةٍ هي؟ وليس بسؤالِ جنسٍ؛ لأنَّه قد بيَّن لهم أنَّها بقرةٌ، لكنَّه سؤالٌ عن سنِّها. وقوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ يعني: موسى، وقوله تعالى (٢): ﴿إِنَّهُ يَقُولُ﴾ أي: اللَّهُ تعالى يقول: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ قيل: لا كبيرةٌ، وقيل: لا هَرِمةٌ، وقيل: لا مُسِنَّةٌ، ومعناها واحدٌ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ أي (٣): فتيةٌ لَم تلِد، وقيل: صغيرةٌ، وقيل: شابَّةٌ، وقيل: هي التي وَلَدَت مرَّةً. وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: نصفٌ، وقيل: أي: فوق البِكْرِ دون (٤) المسنَّة، ويُقال: العَوَانُ لا تُعَلَّمُ الخِمْرَةَ؛ أي: النَّصَفُ مِن النِّساء لا تُعَلَّمُ الاختمارَ فإنَّه (٥) قد علمَتهُ. و: حربٌ عَوَان: ليست (٦) بأولى (٧)، بل هي ثانيةٌ أو ثالثة، والعَوَانُ من النساء: الثَّيِّبُ. والفعلُ من الفارض: فَرَضَت تَفرِضُ فُروضًا، ومن العوان: عَوَّنَت تُعَوِّنُ تَعوينًا، ولم يُسمَع مِن البكرِ فعلٌ.

стр. 836

وإنَّما لم تدخل الهاء (١) في هذه الصِّفاتِ للتأنيث؛ لأنَّها من خصائصِ أوصاف الإناث، فصارت كالطَّالقِ والحائض. ورفعُ هذه الصِّفاتِ عند الأخفش؛ لكونها صفةَ البقرة (٢)، وعند الزَّجَّاج بإضمارِ: "هي" (٣) في أوائلها (٤). وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين البكرِ والفارض، ولم يقل: بين ذينك، على التثنية، وبين يَقتضي شيئين؛ لأنَّ معناه: بين ما ذكَرنا، فينتظِمُها، قال الشَّاعر: لِزُغْبٍ (٥) كأولادِ القَطَا راثَ خلفَها... على عاجِزاتِ النَّهْض (٦) حُمْرٌ حَوَاصِلُهْ (٧) راثَ من الرَّيْث (٨) أي: حواصلُ ما ذكرنا (٩)، ولولاه لقال: حواصلها. وقال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله شعر: فيها خُطُوط مِن سَوَادٍ وَبَلَقْ... كأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيْعُ البَهَقْ (١٠)

стр. 837

إن أردت الخطوط (١)، فقل: كأنَّها، وإنْ أردتَ السَّوادَ والبَلق، فقل: كأنَّهما، فقال: أردت: كأنَّ ذلك المذكور (٢). وقوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ أي: فاذبحوا البقرةَ التي تُؤمَرون بذبحِها، وهو للحالِ دون محضِ الاستقبال؛ فإنَّهم كانوا أمِروا بها وهو قائمٌ للحالِ دون محضِ الاستقبال (٣). * * * (٦٩) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: سَلهُ يبيِّن لنا ما لونُها؟ استكشفوا المبهمَ بزيادةِ السُّؤال، وهو سؤالُ اللَّون، فـ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ هي الصُّفْرَةُ المعروفة التي هي (٤) بين البياضِ والحُمرة. وقال ابنُ عباس وسعيدُ بن جُبير ﵃: كانت صفراءَ الكُلِّ حتَّى القرن والظِّلف (٥).

стр. 838

وقال مجاهد: كانت أظلافُها وقرناها (١) من ذهب؛ أي: كأنَّها ذهبٌ مِن حُسنها وصفاءِ (٢) لونها. وقال الحسن: كانت سوداءَ شديدةَ السَّواد (٣)، والعربُ قد تُسمِّي السَّوادَ صُفْرَةً، قال الأعشى: تلكَ خَيْلِي منهُ وتلكَ رِكابي... هُنَّ صُفْر أولادُها كالزَّبِيْبِ (٤) وكذلك في قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]؛ أي: سود. والصَّحيحُ هو الأوَّل؛ لأنه قال: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، وهو صفةُ الأصفر على الخُلوص، فأمَّا الأسود فإنَّه يُقالُ (٥) في مبالغته: أسودُ حالكٌ (٦) وغِربِيبٌ، ويُقال: أحمرُ قاني، وأبيضُ يقق، وأخضرُ ناضرٌ، وأصفرُ فاقعٌ، ولأنَّ الأصفرَ بمعنى الأسود يكونُ في الإبلِ خاصَّةً؛ لأنَّ سوادَها يعلوهُ صفرةٌ، بخلاف البقر (٧). وقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: شديدٌ صفرتُها، وقد فَقَعَ فُقوْعًا من حدِّ: صنع. وقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: تَروق (٨) هذه البقرةُ مَن نظرَ إليها، وتُعجبُه،

стр. 839

وتُفرِحُ قلبَه؛ لتمام خلقِها، وفقوعِ لونِها، ولطافةِ قرونها وأظلافِها. والمسرَّةُ: لذَّةٌ في القلب عند توقُّع النَّفعِ. * * * (٧٠) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ طلبوا تمامَ الكشفِ ببيان الوصفِ بعد السُّؤال عن السِّنِّ (١) واللَّون. وقوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ البقرُ جمعُ بَقَرة، كالشَّجر جمع شجرة، والهاءُ للتَّوحيد، والحذفُ دلالةُ الجمع باسم الجنس، و ﴿تَشَابَهَ﴾ بمعنى: اشتبهَ وخفيَ، وأراد به: خفيت واشتبهت؛ لأنَّها جمعٌ، وذكَّر ووحَّدَ على ظاهرِ اللَّفظ، ويجوزُ التَّأنيثُ على المعنى في غير القرآن، فأمَّا في الآية فلا وجهَ للتغيير. وقيل: معناه أنَّ جنسَ البقرِ تشابهَ علينا. وقُرِئ: "تَشَابهُ علينا" (٢) برفع الآخِرِ على الاستقبال، وقد سقطت إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]، وقُرِئ "تَشَّابه" بتشديد الشِّين (٣) لإدغامِ إحدى التَّاءين في الأخرى.

стр. 840

وقوله: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ قيل: أي: إنَّا بمشيئةِ اللَّه تعالى نهتدي للبقرة التي أُمِرنا بذبحها إذا اجْتَمعَت (١) لنا أوصافُها التي تتميَّزُ بها عن غيرها. وقيل ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ على هدى في استقصائِنا في المسألة عن أوصاف البقرة؛ أي: نرجو أنَّا لسنا على ضلالةٍ فيما نفعله (٢) مِن البحث والاستقصاء. وقيل: أي: وإنَّا بمشيئة اللَّه نهتدي للقاتلِ، إذا امتثلنا الأمرَ بذبح البقرةِ التي تصفُها لنا، وروي عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لولا أنَّهم استثنَوا، ما اطَّلعوا على قاتلِه" (٣). * * * (٧١) - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: قال موسى: يقول اللَّهُ تعالى: هذه البقرةُ ليست بمُذلَّلةٍ ذلَّلَها العملُ، ودابَّة ذَلُولٌ: بيِّنَةُ الذِّلِّ، بكسر الذَّال، وهو خلاف الصعوبة، ورجلٌ ذَليل (٤) بيِّن الذُّلِّ -بضم الذَّال- والمَذَلَّةِ والذِّلَّة، وهو خلافُ العزيز، وذلَّله؛ أي: ليَّنهُ.

стр. 841

وقوله ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تكربها (١) وتُقلِّبُها؛ وقد (٢) أثارَها إثارةً، ولازمُه: ثَار يَثُورُ ثَوَرَانًا، وإثارةُ الأرض سمِّيَت بها لثَوَرانِ تُرابها بها، يقال (٣): ثارَ الدُّخانُ والغبارُ والتُّراب، وثار القطا؛ أي: نهضَ، وثارَ الدَّمُ في وجهه؛ أي: ظهر، وثار الشَّفقُ أيضًا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أي: الزَّرعَ؛ أي: لا يُسقَى عليها للحرث بالسَّواني، ولم تُلَيَّن بإثارةِ الأرض وتقليبها للزِّراعة. وقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي: سالمةٌ مِن العيوب كلِّها. وقيل: أي: مسلَّمةٌ عن العمل؛ لأنَّها وَحشيَّةٌ (٥)، ولو عُمِلَ عليها لم تَخْلُ مِن (٦) عيبٍ بها؛ يعني: لبراءتها مِن العمل هي بريئةٌ مِن العيوب. وقوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: لا لونَ فيها يُخَالِفُ لونَ جميعِ جلدِها، واشتقاقُها مِن وَشْيِ الثَّوبِ، وهو استعمالُ ألوان (٧) الغزل في نسجه. وقال سهلُ بنُ عبد اللَّه التُّستَريُّ: أي: لا علامةَ فيها تشينُها (٨). وتقديرها فِعْلَة، وأصلُها: وِشْيَة، كالصِّفة والزِّنة والعِدَة، أصلُها: وِصْفَة ووِزْنَة ووِعْدَة.

стр. 842

وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآيةُ أنَّ البقرةَ كانت ذكرًا؛ لأنَّ إثارةَ الأرضِ وسقيَ الحرثِ مِن عمل الثيران، وهي حجَّةٌ لأصحابنا رحمةُ اللَّه عليهم في مَن حلفَ لا يَأكلُ لحمَ بقرةٍ أو بقرٍ، أنه (١) يَحْنَثُ بأكلِ لحم الثَّور؛ لأنَّ اللَّهَ ﷻ سمَّى الثَّورَ في هذه الآيةِ (٢) بقرةً؛ لما قُلنا: إنَّه وَصَفهُ بالإثارة والسَّقي، وهما من عملِ الثِّيرانِ عُرْفًا (٣)، فأمَّا الكناياتُ الراجعةُ إليها على التَّأنيث فللفظِها، كما في قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٧٢]، و ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. وقال أبو يوسف ﵀: إذا قال (٤): بقرة، فهي للأُنثى خاصَّةً، وإذا قال (٥): بقر، صَلَحَ للذَّكر والأنثى كما في الحمار والحمارة. وأبو حنيفة ﵀ يقول: إنَّها (٦) للتوحيد لا للتأنيث، كما في الحمام والحمامة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إلَّا أن يكون أهلُ ذلك الزَّمان يَحرثون بالأُنثى، كما يحرُث أهلُ هذا الزَّمان بالذَّكر، فحينئذٍ لا يكونُ فيه دليلٌ لما (٧) ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: الآن بَيَّنت (٨) لنا الصِّفةَ التي كنَّا نطلبُ بالصِّدق.

стр. 843

وقيل: أي: الآن تحقَّق لنا وصفُ هذه البقرة فِي سنِّها (١) ولونها وصفتها، وهي عند فلانٍ، عرفناها، فنشتريها منه، ونذبحُها ائتمارًا بأمر اللَّه تعالى. وقيل: أي: الآن تبيَّن (٢) لنا أنَّك جئتَ بالحقِّ والجِدِّ، وما كُنتَ هازئًا (٣)، ومن قال: كفروا بنسبته إلى الهزء، فقد آمنوا بهذا الانقيادِ والقَبول والاعتقاد. وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: اشتروها وذبحوها، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: فعلوا ذلك بعد الاستقصاءِ، حتَّى كاد يقع اليأسُ عن ذلك. وقيل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ خوفًا على أنفسهم أن يَفتَضِحوا بظهورِ القاتل. وقيل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاءِ ثمنها. وقيل: استقصوا في صفة (٤) تلك البقرة، والسُّؤالِ عنها، و (٥) عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربَّما يكون للمدافعة (٦). ثمَّ ذكروا في التفاسير المعروفة أنَّهم لو ذَبحوا بقرةً، أيَّ بقرةٍ كانت، جاز لهم ذلك، فلمَّا بحثوا عنها، وسألوه مرارًا، كان استقصاؤهم سببًا لتغليظِ الأمر عليهم، إلى أن ينتهي الأمرُ إلى بقرةٍ بلغت الثَّمنَ الكثير (٧)، فإنَّهم اشتروها بملئِ

стр. 844

مَسْكها ذهبًا، وكاد يخرج إلى أن لا يأتمروا وهكذا رُويَ أنَّهم شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّدَ اللَّهُ عليهم (١). قالوا: وفيه دليلٌ أيضًا على إمضاءِ الخطاب على العموم، وعلى أنَّ الحكمَ يتعلَّقُ بأقلِّ ما ينطلقُ عليه الاسمُ وعلى وجوبِ العمل بالظَّاهر، وقد كرَّر عليهم قولَه: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ أي: دعوا البحثَ والتَّفتيشَ، لكنَّ الإمامَ أبا منصور ﵀ قال: استدلَّ قومٌ بها على عمومِ الخطاب وقت السماع؛ لأنَّه أمر بذبحِ بقرةٍ، لم يبيِّن لهم كيفيَّتها وقتَ الخطاب، وروي: "لو عمَدوا إلى أدنى بقرةٍ لأجزأتهم (٢)، لكن شدَّدوا على أنفسِهم، فشدد اللَّهُ عليهم" (٣). لكنَّ هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه دعوى على اللَّه حدوثَ شيءٍ في أمرِهِ، وبَدَاءٍ في حُكمِهِ، وذلك كفرٌ لا يقولُه مسلمٌ، فضلًا (٤) أن يقولَه رسولٌ؛ فإنَّه قال: إنَّه يقولُ:

стр. 845

إنَّها كذا فلو كان الأوَّلُ على غير ذلك، لكان قد بدا لهُ فيما عمَّ، وفسَّرَ (١) بما لم يكن أراد، وذلك بمعنى البَداء، بل بمعنى الرُّجوعِ عن الأوَّل فيما أرادوا التفسير له بغيره، وذلك فعلُ مَن يَجهلُ العواقبَ، تعالى اللَّه عن ذلك. ثمَّ معنى سؤالهم موسى أن يدعوَ ربَّه يبيِّنُ (٢) ما أراد بذلكَ: أنَّه جَعَلَ ذلك آيةً لهم، فوقعَ عندهم أن ليس كلُّ بقرةٍ تَصلحُ للآيات، ولذلك (٣) لم يسألوا موسى عن تفسيرِها؛ إذ اللَّهُ تعالى هو الذي يَعلمُ الآيات، فكان الأمرُ بالذَّبح في الابتداء على ما آلَ إليه أمرُها وظَهَر، لكنَّهم أُمِروا بالسُّؤال عنها؛ ليَصلوا إلى المراد فيه، لا أنَّه أحدثَ لهم ذلك بالسُّؤال (٤). ثمَّ قال: وجهُ حكمة (٥) جعلِ البقرةِ آيةً دونَ غيرها من البهائم شيئان: أحدهما: ما رويَ أنَّ رجلًا كان بارًّا بوالديه، محسنًا إليهما، وكانت له بقرةٌ على تلك الصِّفة والشِّيةِ (٦)، فأرادَ اللَّهُ أن يُوصِلَ إليه في الدُّنيا جزاءَ ما كان منه (٧). والثاني: أنَّهم قبل ذلك كانوا يَعبدون البقر (٨) والعجاجيل، وحُبِّبَ إليهم، كما قال: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، ثمَّ تابوا وعادوا إلى عبادةِ اللَّه
следующие страницы →