← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

(١ - ٣) - ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾: أي حرِّكت تحريكًا شديدًا، وهو كقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦]. قال مجاهد: هذا في النفخة الأولى لفناء الدنيا، وتحرَّك ثانية عند البعث لإخراج الموتى. وقوله تعالى: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ ذكَر المصدرَ لتأكيد الفعل، ولم يقل: زلزالًا، بل أضافه إليها لأن المعنى أن القضاء سبق للأرض بالزلزال فذاك لا محالة كائنٌ، وأضيف إليها على معنى: زلزلت الأرض الزلزال الذي يخص لها، وهو كقولك: لأعطينَّك عطاءك؛ أي: ما جعلتُ على نفسي أن أعطيك. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: جمع ثِقْلٍ (١). قيل: كنوزَها، فهذا قبل (٢) قيام الساعة. وقيل: أي: مَوتاها، وهذا في النفخة الثانية؛ لأن الأرض تثقل بهم، ويسمى (٣) الإنس والجن: ثَقَلين؛ لذلك. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾: قيل: هو للجنس، ويقع على المؤمنين والكفار، ويقولون ذلك للهيئة والتعجب.

стр. 7807

وقيل: هو الكافر -وهو عن ابن عباس (١) - لأنهم كانوا لا يعتقدون ذلك، وكذا يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. وقال بعض السلف: الكافر أحمقُ الحياة وأحمقُ الموت. * * * (٤ - ٦) - ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: روى أبو هريرة رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية فقال: "أتدرون ما أخبارُها؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم! قال: "فإنَّ أخبارها أن تشهد على كلِّ عبدٍ وأمةٍ بما عمِل على ظهرها، تقول: عمِل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذا أخبارها" (٢). وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: مَن سجَد في موضعٍ عند حجرٍ أو شجرٍ شهد له يومَ القيامة (٣). وقال مقاتل: تخبر بما عُمل عليها، تقول للمؤمن: وحَّدَ اللَّه عليَّ وصلَّى وصام وحجَّ وزكى، وتقول للكافر: كفَر عليَّ وأشرك (٤) وسرق وزنى، حتى ودَّ الكافر أنه سيق إلى النار ولا يسمعُ ذلك (٥).

стр. 7808

وقيل هو على حقيقة الإخبار، فيضع اللَّه فيها تمييزًا ونطقًا فتتكلَّم به كما تنطق الجوارح. وقيل: هو الإخبار بظهور الآثار. ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: قال القُتبي: أي: أمَرَها (١)، وقيل: سخَّرها، و ﴿لَهَا﴾ بمعنى: إليها. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: أي: يرجع الناس متفرِّقين. قيل: هذا (٢) الرجوع من القبور إلى موضع قراءة الكتب ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: في كتبهم التي نُسخت أعمالهم فيها، فيقرؤونها ويجازَون عليها، و ﴿أَشْتَاتًا﴾؛ أي: من أقطار الأرض. وقيل: أي: يرجعون من موقف (٣) الحساب مختلفِين يمينًا وشمالًا إلى الجنة والنار (٤) ليُروا جزاءَ أعمالهم، والجزاءُ مضمر، وقد يسمَّى جزاء العمل باسم العمل؛ يقال لمن عوقب على ذنب: هذا عملك فانظر إليه. وقيل: في الآية تقديم وتأخير: قال السدي: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ثم يَصدرون. وقال الكلبي ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾.

стр. 7809

وقيل: ﴿أَشْتَاتًا﴾؛ أي: فرقًا، أهلُ كلِّ عمل على حِدَةٍ من الطاعة والمعصية، وجمع الأشتات: شتَّى. وقيل: أي: يتفرقون إذا رجعوا عن الموقف ولا يجتمعون بعدُ. * * * (٧ - ٨) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي: وزنَ نملة صغيرة. وقيل: هي ذراتُ الهواء في شعاع الشمس ﴿خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقيل: يَرى ذلك مكتوبًا في كتابه محصًى عليه. وقيل: يرى ثوابه وعقابه. وقيل: ﴿يَرُهُ﴾؛ أي: يُصِبْه (١) جزاءُ عمله، وهو من المجاز، يقول الرجل: رأيت الخيرَ والشر؛ أي: أصاباني وأصبتُهما، ولا يختص برؤية العين. وقال أبو موسى: الشمس فوق الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلُّهم أو تُضْحيهم (٢). وعن أبي أيوب الأنصاري قال: كان رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر ﵁

стр. 7810

يتغديان إذ نزلت عليه هذه الآية، قال: فأمسك رسول اللَّه ﷺ يده عن الطعام ثم قال: "مَن عَمِل منكم خيرًا في الدنيا فجزاؤه (١) في الآخرة، ومَن يعمل منكم شرًّا يرَه في الدنيا مصيباتٍ وأمراضًا، ومَن يكنْ فيه مثقالُ ذرةٍ من خيرٍ يدخلِ الجنة" (٢). وعن الحسن قال: قدم صعصعة جدُّ الفرزدق على النبي ﷺ فسمعه يقرأ هذه الآية، فقال: حسبي حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها (٣). وقال في رواية: انتهت الموعظة (٤). وعن زيد بن أسلم: أن النبي ﷺ أمر رجلًا أن يعلم رجلًا القرآن -وفي رواية: أمر عليًّا ﵁ بذلك- فعلمه سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ فلما بلغ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ أبى أن يتعلم غيرها وقال: علمت القرآن، فقال النبي ﷺ : "دَعْهُ فقد فَقُهَ الرجل" (٥).

стр. 7811

وعن زيد بن أسلم أيضًا: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي اللَّه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؟ فقال: "نعم" قال: فانطلق وهو يقول: واسوأتاه ثلاثًا (١)، فقال النبي ﵇: "قد آمن الرجل" (٢). * * *

стр. 7812

سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أقسم بخيولِ أهل الجهاد، الرحمنِ الذي يحصِّل ما في الصدور يومَ المعاد، الرحيمِ الذي هو خبيرٌ بأفعال العباد. روى أبي بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر عشرَ حسنات بعددِ مَن بات بالمزدلفة وشهد جمعًا" (١). وهذه السورة مكية، وهي إحدى عشرةَ آية، وأربعون كلمة، ومئة وسبعة وستون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في ذكر الإنسان، وجزاءِ الإساءة والإحسان. * * * (١ - ٢) - ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء: أقسم اللَّه تعالى بخيول الغُزاة تشريفًا لهم (٢)، ومعناه: والخيلِ التي تعدو فتَضْبَح ضبحًا، أُضمر الفعلُ ونُصب المصدرُ لتأكيد ذلك الفعل، وهو قول الكوفيين.

стр. 7813

وقال البصريون: والعادياتِ ضابحةً، ناب المصدر عن النعت، ونصبُه على الحال. وقال الخليل: تَضْبَح (١)؛ أي: تَسْمعُ من أفواهها صوتًا ليس بصهيلٍ ولا حَمحمة (٢). وقال أبو سعيد: هو شدة النَّفَس عند العَدْو (٣). وقيل: هو حمحمة الخيل عند العَدْو. وقال ابن عباس: ضُبَاحها أح أح (٤). وقال: ما ضَبَحت دابةُ قط إلا الفرسُ والكلبُ والثعلب (٥). وقوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾: أي: تَقدحُ قدحًا، هي الخيلُ أيضًا تقدح النارَ بحوافرها في شدةِ عَدْوها، يقال (٦): قدحتُ النارَ من الزناد (٧)؛ أي: استخرجتُها، وورت الزَّنْدُ؛ أي: خرجتْ نارُه، وأَوْرَيْتُها أنا. وقيل: هذا مجازٌ عن تهييجها الحرب (٨) بين أصحابها، كما قال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].

стр. 7814

وعن عكرمة: أنه مجاز عن المكر بأهلها (١)، يقول الرجل إذا أراد أن يمكر بصاحبه: أمَا واللَّهِ لأقدحنَّ ثم لأُوْرِيَنَّ. ويقال: قدح فأورَى؛ أي: عمِل فأَدرك. وقيل: هذا المكر يكون بإيقادهم نيرانًا كثيرة ليظنَّ العدو أنهم كثيرٌ، وإضافة هذا إلى الخيل كوَصْفهم الخيلَ بطلب الأدبار (٢)، يعنون بذلك أصحابها. وقيل: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ مجازٌ عن قوله: فالمدركات نُجحًا، وهو من قولهم: ورَتْ بك زنادي؛ أي: أدركتُ بك حاجتي. وقال مجاهد: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ هي أفكار الرجال (٣). وقال عكرمة: هي الألسنة (٤). * * * (٣ - ٥) - ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾: هي الخيل أيضًا تُغِير على عدوِّها صباحًا. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: أي: هيَّجن بالمَغار (٥) -أي: موضعِ الغارة- غبارًا، قاله أبو علي الفسويُّ، وقد صار ذلك مذكورًا بذكر المُغيرات. وقال الكسائي: فأثرن بالعَدْوِ، وقد (٦) صار مذكورًا بذكر العاديات.

стр. 7815

وقيل: بالضَّبح، وهو مذكور. وقيل: بالوادي، وهو مفهوم. وقال أبو عبيدة وقطرب: النَّقْع: الغبار (١). وقيل: الغبار المرتفع. وقال الخليل: الغبار الساطع (٢). ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾: أي: الخيلُ توسَّطن بالمغار و (٣) الوادي جَمْعَ الأعداء بركبانهن؛ أي: اقتحمت بالغزاة في صفوفِ العُداة، بدون الخوف والمبالاة. وقال مقاتل: إن رسول اللَّه ﷺ بعث سريَّةً إلى حيٍّ من كنانة وأمَّر عليهم المنذرَ بن عمرٍو أحدَ النقباء، فغابت ولم يأته خبرها، فقال المنافقون: قُتلوا جميعًا، فأخبره اللَّه تعالى عنها بقوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ يعني: الخيل إذا عدت ضبحت فعَلَتْ أنفاسُها من أفواهها ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ تقدَحْن بحوافرهنَّ في الحجارة نارًا كنار أبي حباحب، وكان شيخًا من مُضر في الجاهلية له نُويرةٌ تَقِدُ مرةً وتَخمد أخرى، فشبَّه اللَّه ضوء وَقْعِ حوافرهن في أرضٍ حصبةٍ بنُويرةِ أبي حباحب، وكان ذلك بشارةً له أنها قد قَهرت العدوَّ وغَنمت وسَلمت (٤). وقال علي وابن مسعود: القسَم بالإبل التي يُحج عليها وهي تغدو من عرفةَ إلى المزدلفة، والضبح صوت مناخرها ومشافرها في تلك الحالة ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ تنسف بمياسمها الحصَى فتخرج منها النار إذا اصطكَّ بعضُها ببعض، ولأن الحاج

стр. 7816

إذا جاؤوا المزدلفة أوقدوا بها النيران فأُضيف إيراءُ النار إليها والمراد بها أصحابها ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾؛ أي: المسرعات صباحًا من المزدلفة إلى منًى، وكانوا يقولون أشرِقْ ثَبِير كيما نُغِير؛ أي: نسرع في الدفع ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾؛ أي: غبارًا بأخفافها في ذلك الموضع ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ هو اسم منى (١). وقال علي رضى اللَّه عنه: هي الإبل؛ أيضًا لكنْ في الغزو لا في الحج، قال (٢): وهذا في غزوة بدر (٣)، ولم يكن يومئذ فرسٌ إلا واحدٌ للمقداد وللناس الإبلُ. * * * (٦ - ٨) - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾: قيل: هو للجنس، والكَنُود: الكَفُور، والأرض الكنود: التي لا تُنبت شيئًا، وأصله: منعُ الحق والخير؛ أي: طُبع عليه. ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾: أي: على نفسه شاهدٌ أنه كذلك مُبِين من نفسه ذلك. وقيل: أي: وإن اللَّه شاهد على ذلك من صفة الإنسان. وقيل: أي: عالم بذلك منه. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: أي: لحب المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: لبخيل، والمتشدِّد (٤): البخيل أيضًا؛ قال طرفة:

стр. 7817

أَرى الموتَ يَعْتامُ الكرامَ ويصطفي... عقيلةَ مال الفاحشِ المتشدِّد (١) قال الفراء: أي: وإنه لشديد الحب للمال (٢). وقيل: وإنه لحُبِّ المال لقوي (٣)؛ أي: يكثُر به نشاط قلبه وقوةُ بدنه. وقال ابن عباس: الكنود بلسان بني مالك وكنانةَ: البخيلُ الذي يَمنع رِفدَه ويُجيع عبدَه ولا يعطي النائبةَ في قومه، وبلسان كندة: الكفورُ للنعمة، وبلسان حضرموتَ: العاصي لربِّه، وبلسان مَعَدٍّ كلِّها: الكفور للنعمة (٤). وقال الحسن: الكفور الذي يَعدُّ المصائبَ وينسى المواهب (٥). وقيل: الكنود: ذكَّارٌ للمِحن نسَّاءٌ للنِّعم.

стр. 7818

وقال ابن سيرين: هو اللوَّام لربه. وقال الفضيل: الكنود: الذي أنسته الخصلةُ الواحدة من الإساءة الخصالَ الكثيرة من الإحسان. وقال الواسطي: الكنود: الذي ينفق نِعَم اللَّه تعالى في معاصي اللَّه تعالى (١). وقال ابن عباس ومقاتل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ نزلت في قُرط بن عبد اللَّه ابن عمرو بن نوفل القرشي (٢). وقال ابن جريج عن عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي (٣). * * * (٩ - ١١) - ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾: أي: هذا الإنسان. ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾: أي: قُلِبَ فاستُخرج ما فيها من الأموات، و ﴿مَا﴾ بمعنى: مَن. ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾: أي: ميِّز فأُبرز ما في القلوب حتى عُلم ذلك علمًا حقيقيًّا؛ كالشيء المحصَّل الذي عرف المقصد فيه. وقال الخليل: الحاصل من كل شيء: ما بقي وثبت وذهب ما سواه (٤).

стр. 7819

وقال الحسن: حصِّل ما في صدور الصُّحف، وهو كتحصيلِ الحساب: يذهب مما كان في صور الطاعات ما لم يكن لوجه اللَّه ويبقَى ما هو لوجهه (١). ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾: العلم (٢) واقع على هذا، وكسر ﴿إِنَّ﴾ لما في جوابه من اللام، يقول: أفلا يعلم الإنسان أن ربهم بهم وبأعمالهم وجزائها خبيرٌ حينئذ. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7820

سورة القارعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خوَّفنا بالقارعة الآتية، الرحمنِ الذي وعد المؤمنين بالعِيشة الراضية، الرحيمِ الذي أَوعد أعداءهم بالنار الحامية. روى أبي بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة القارعة ثقَّل اللَّه بها ميزانه يوم القيامة" (١). وهذه سورة مكية، وهي إحدى عشر آيةً، وستٌّ وثلاثون كلمة، ومئة وستون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في ذكر يوم القيا مة وما فيه لأهل الهوان وأهل الكرامة. * * * (١ - ٤) - ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾. قوله تعالى ﴿الْقَارِعَةُ﴾: أي: تأتيكم (٢) القارعة وهي القيامة، وهي التي تقرع

стр. 7821

القلوبَ بشدةِ المخافة، والحادثةُ العظيمةُ تسمَّى قارعةً، وأصل القرع: الضربُ الشديد، ومنه قرعُ الباب، والمِقْرعة، والقوارع: الدَّواهي. وقوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾: أي: أيُّ شيءٍ القارعةُ، ويذكر هذا للتعجيب والتفخيم، كقوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾: وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾: أي: وما أَعْلمَك بمقدارِ أهوالها حتى تشاهدُها. ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: جمع فراشة، وهي طائر ضعيف يقع في السُّرُج. قاله قتادة. ثم (١) المبثوثُ؛ أي: المفرَّق، من قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٤] وذكِّر لظاهر اللفظ كما في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وقال جرير: إنَّ الفرزدق ما علمتُ وقومَه (٢) ... مثلَ الفراش غَشِينَ نارَ المصطلي (٣) فأنث وجمع على المعنى.

стр. 7822

وقال الفراء: يريد كغوغاء الجراد يركب بعضُه بعضًا، كذلك الناس يجول يومئذٍ بعضُهم في بعضٍ (١). وقال غيره: إنما شبَّههم بالفراش لأن الفراش لا يتَّجه جهةً واحدةً، أراد أنهم إذا بُعثوا فزعوا فاختلفوا (٢) في المقاصد على جهات مختلفة. * * * (٥) - ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾: أي: كالصوف في تفرُّقها وصِغَر (٣) أجزائها. وقال بعضهم: لا يكون عِهْنًا إلا أن يكون مصبوغًا. وقال قطربٌ: العِهْن: الصوف الأبيض والأحمر. وقال الأخفش: واحدها: عُهْنةٌ، مثلَ: صوفة (٤). ﴿الْمَنْفُوشِ﴾؛ أي: المبسوط. وقال الخليل: النَّفْش مَدُّك الصوفَ حتى ينتشر (٥). ووحِّد وذكِّر على اللفظ ومعناه جمعٌ كالفراش؛ لأنَّه مثال الجبال وهي جمع. وقال الكلبي: تتلوَّن الجبال يومئذ فشبِّهت بالصوف الملوَّن (٦).

стр. 7823

(٦ - ٩) - ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: أي: وزنُ حسناته. وقيل: (موازين): جمع موزون؛ أي: رجَحَت حسناته على سيئاته. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾: أي مَرْضيَّة؛ كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: مدفوق. وقال البصريون: ﴿رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذاتِ رضًا، والعِيشة هي العَيش؛ كالخِيفة هو الخوف. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: أي: قلَّت حسناته ورجَحت سيئاته على حسناته. ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: أي: فمصيرُه جهنم، فهي التي تضمُّه كالأم تضمُّ ولدها، ووُصفت جهنم بـ ﴿هَاوِيَةٌ﴾ لأنها تهوي بأهلها من أعلاها إلى أسفلها، وليست من أسمائها (١)، ولو كانت اسمًا لكانت معرَّفةً مؤنَّثةً فلم تنصرف، وهذه منوَّنة فعُلم أنها صفة. وقال عكرمة وقتادة: ﴿فأمه﴾؛ أي: أمُّ رأسه ﴿هَاوِيَةٌ﴾؛ أي: ساقطةٌ في النار (٢). وقيل: ﴿فَأُمُّهُ﴾؛ أي: والدته ﴿هَاوِيَةٌ﴾؛ أي: هالكة، وهو من قول العرب: هوت أمُّه. قال كعب بن سعد الغَنَوي:

стр. 7824

هوت أمُّه ما يبعث الصبحُ غاديا... وماذا يؤدِّي الليلُ حين يؤوب (١) ومن ماتت أمُّه لم يبق له كافلٌ ولا مربٍّ، فهو دعاءُ سوء (٢)، ومعناه: مَن خفَّت موازينُه صار من أهل النار لا راحمَ له ولا شفيق (٣) عليه. * * * (١٠ - ١١) - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾: إن جعلت ﴿هَاوِيَةٌ﴾ صفةً لجهنم فاتِّصال هذا بذلك ظاهر؛ أي: وما يدريك يا محمد ما هي، والهاء الأخيرة هاءُ استراحة (٤)، وهو تهويل لأمرها. وإن حُمل على هُوِيِّ أمِّ رأسه وهلاكِ أمِّه فذاك بسقوطه في النار، فتصير مفهومةً فصحت الكناية عنها. ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾: أي: هي نار أُطيل إحماؤها. قال مرةُ الهمدانيُّ وعطاء بن أبي رباح: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ يعني: أبا سلمةَ بنَ عبدِ الأسد ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ يعني: أخاه الأَسْودُ بن عبد الأسد. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7825

سورة التكاثر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خوَّفنا باليوم العظيم، الرحمنِ الذي أنذرنا إراءةَ الجحيم، الرحيمِ الذي يسألنا عن النعيم. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عفَى اللَّه أن يحاسبه بالنعم التي أنعم بها عليه في دار الدنيا" (٢). وهذه سورةٌ مكية، وهي ثماني آياتٍ وثمان وعشرون كلمةً، ومئة وعشرون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في ذكر القيامة وأهوالها ومختلِف أحوالها. * * * (١ - ٢) - ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: أي: شغلكم وأغفلَكم التباهي بالكثرة (٣) في العدد والأموال، وقد لَهِيَ عن الشيء يَلْهَى من حدِّ علِم؛ أي: اشتغل عنه وغفل.

стр. 7826

ثم قيل: هذا على محضِ الخبر. وقيل: هو على الاستفهام بمعنى التوبيخ؛ أي: ألْهَاكم (١) ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ أي: دام بكم هذا الاشتغال حتى أتاكم الموت وأنتم مصرُّون عليه فـ ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ أي: دخلتم القبور وأنتم على ذلك. وقال قتادة ﵀: قالوا: نحن أكثر من بني فلان، فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلَالًا (٢). وقيل: ألهاكم التكاثر حتى بلغ بكم إلى أن عدَدْتُم الأموات فقلتُم: مات لنا فلان وفلان، فهذه هي زيارة القبور، وقالوا (٣): صاروا إلى المقابر فعدُّوها، فمعنى ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ أي: حتى أتيتم المقابر فعدَدْتُم موتاها لتُظهروا أنكم أكثرُ عددًا، وتقديره: ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد حتى تجاوزتُم ذلك إلى التكاثر بالآباء والأجداد، ثم ترقَّيتم (٤) من ذلك حتى صرتُم من الأحياء إلى الأموات، وهذا ما لا غاية وراءه في التكاثر. وقال مقاتل: إن حيين من قريش من بني عبد منافِ بن قصيِّ وبني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، كان بينهم ملاحاةٌ فافتخروا، فعدُّوا السادةَ والأشراف، وقال بنو عبد مناف لبني سهم: نحن أكثر سيدًا وأعزُّ عزيزًا وأمنعُ جانبًا وأعظم شرفًا وأكثر عددًا، وقال بنو سهم مثلَ ذلك، فذكروا الأحياء فكثَرهم بنو عبد مناف بالأحياء، فقالوا: نعدُّ موتانا، فأتوا القبور فعدُّوها وقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر

стр. 7827

فلان (١)، فكثَرهم بنو سهم بثلاثةٍ من أهل الأبيات، فأنزل اللَّه تعالى في الحيين: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (٢). وقيل: هذا وعيدٌ، والمعنى: حتى تزوروا القبور فترَوا ما ينزل بكم من عذاب اللَّه في القبر (٣). وقال زر بن حبيش: كنتُ أشكُّ في عذاب القبر حتى سمعتُ علي بن أبي طالب يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ نزلت في عذاب القبر (٤). وعن مطرِّف بن عبد اللَّه (٥) بن الشِّخِّير عن أبيه قال: انتهيتُ إلى النبي ﷺ وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فقال: "يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي، وهل لك من مالكَ إلا ما أكلْتَ (٦) فأفنيت، أو لبسْتَ فأَبليت، أو تصدَّقْتَ فأمضيت" (٧). * * * (٣ - ٥) - ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمرُ على ما أنتم عليه

стр. 7828

﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: عند الموت في وقتِ ما يبشَّر به المحتضَر من جنةٍ أو نار. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: ما تلقَونه من العذاب في الآخرة. وقيل: الأول في القبر والثاني في يوم الحشر. ﴿كَلَّا﴾: أعاد الكلمة -وهي للزجر- لأنه (١) عقَّبه في كلِّ موضع بشيءٍ غيرِ ما عقَّبه في الموضع الآخر، كأنه قال: لا تفعلوا كذا فإنكم تستحقُّون به من العذاب كذا، لا تفعلوا كذا فإنكم تستوجبون به ضربًا آخر من العذاب، ثم ثالثًا كذلك. ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: أي: علمًا يقينيًّا، وهو إضافةُ الشيء إلى نفسه كما في قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]؛ أي: أن أمامكم حسابًا وثوابًا وعقابًا (٢) لتركتُم التفاخر بالدنيا، والجواب محذوف وهو أبلغُ؛ لأن النفس تذهب فيه كلَّ مذهبٍ، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٩]، ونظائرها. * * * (٦ - ٨) - ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾: وهذا علمُ اليقين، وهو قبل دخولها؛ كما قال: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: إذا دخلتُموها. وقيل: لتروُنَّها ثم لتَرَوُنَّها، فإذا تكرَّر في غير مرة وقع عينَ اليقين، ولم يُردْ

стр. 7829

به الاقتصار على رؤيتين، وهو كقوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك: ٣ - ٤]، كأنه قال: إن كنتُم شاكِّين فيها اليوم فلترونَّها رؤيةً دائمةً متصلةَ، فزول عنكم الشكوك. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لترتيب الإخبار لا للوجود. ويحتمِل أن يكون هذا على ظاهره، ويكون هذا سؤالَ توبيخ في النار؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، وكقوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، يقول: لتُسألن يومئذ عن النعيم الذي تكاثرتُم به وألهاكم ذلك عن شكره وطاعةِ اللَّه بقوته، وهذا على عمومِ كلِّ النِّعم. وما روي في هذا من التخصيص فهو ذكرُ بعض النِّعم وتنبيهٌ على مثله، ومن ذلك ما روي في الحديث الطويل: أن النبي ﷺ دخل على [أبي] الهيثم بن التِّيهان مع جماعة من أصحابه، فقدم إليهم تمرًا وماء واتخذ لهم شواءً وخبزًا، فقال: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" (١). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحِّح لك جسمك ونَرْوِك من الماء البارد" (٢). وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يعني: عما أنعمَ اللَّه عليكم بمحمد ﷺ (٣).

стр. 7830

وقال عكرمة: عن الصحة والفراغ (١). ونظر وهب إلى رجل أصمَّ أعمى مقعدٍ مجذومٍ مصابٍ، فقيل له: هل بقي على هذا من النعم شيء؟ قال: نعم، أعظمُها: يسوغُ له ما يأكل ويشرب ويسهلُ عليه إذا خرج (٢). وقال سعيد بن المسيب: ولما نزلت هذه الآية قيل: وأيُّ نعيم نُسأل عنه وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟! فقال النبي ﷺ : "ظلال المساكن، والماء البارد في اليوم الحار، والأخبية التي تكنُّكم (٣) من الحر والبرد، وصحة الأبدان" (٤). وقال أنس بن مالك رضى اللَّه عنه: ضاف رسولُ اللَّه ﷺ المقدادَ بن الأسود، فقدم إليه طعامًا فأكله، ثم سقاه ماء باردًا فاستطابه وقال: "ما أبردها (٥) على الكبد! " ثم قال: "إذا شرب أحدكم الماء فليشرب أبردَ ما يقدر عليه" قيل: ولم؟! قال: "لأنه أطفأُ للمِرَّة وأنقعُ للغُلَّة (٦) وأبعثُ على الشكر" (٧).

стр. 7831

وقال الحسين بن الفضل: لتسألُنَّ عن النعيم: عن تخفيف الشرائع وتيسير القرآن. اللهمَّ أَجْزِلْ لنا الثوابَ يوم الحساب آمين والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7832

سورة ﴿وَالْعَصْرِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أقسم بالعصر، الرحمن الذي ذكر خُسر أهل الكفر، الرحيمِ بأهل الحق والصبر. روى أبي بن كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة والعصر ختم اللَّه له بالصبر، وكان من أهل الحق وأصحابه" (١). وهذه السورة مكية، وهي ثلاث آيات، وأربعَ عشرةَ كلمةً، وأحد وسبعون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في الترغيب والترهيب. * * * (١ - ٣) - ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾: قال ابن عباس ﵄ والكلبي ومحمد بن كعب رحمهما اللَّه: أقسم اللَّه بالدهر (٢).

стр. 7833

وقال الحسن وقتادة: أقسم بالعَشيِّ (١). وقال مقاتل ﵀: أقسم اللَّه بصلاة العصر (٢)، وهو قولُ علي بن زيد بن جُدعان. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: القسمُ على هذا، و ﴿الْإِنْسَانَ﴾ اسم جنس ومعناه الجمع، ولهذا صحَّ الاستثناء منهم. وقال محمد بن كعب: إن الناس كلَّهم لفي خسر. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل: هو خسرُ الأعمال وأنهم لا ينتفعون بها. وقيل: هو قوله: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]. وقال الفراء: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: لفي عقوبة بذنوبهم (٣). وقال أبو عبيدة: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: لفي هلَكةٍ ونُقصان (٤). ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: إن (٥) حُمل الإنسان على كلِّ بني آدم فالاستثناءُ متصل به، وإن كان على الكفار فالاستثناءُ منقطع بمعنى: لكن.

стр. 7834

قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: أي: أوصى بعضهم بعضًا باتِّباع الحق. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: على الحق والثبات عليه. وقيل: هو الصبر على طاعة اللَّه، وعن المعصية، وفي المحنة. وقال مقاتل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ هو أبو لهب (١). وقال الضحاك: هو أبو جهل (٢). وقال عكرمة: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ يعني: جميع الكفار ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: أبا بكر الصديق ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: عمر بن الخطاب ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ يعني: عثمان بن عفان ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ يعني علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليهم أجمعين (٣). وروى عطاء عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ يعني: جماعةَ المشركين منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والأسود بن عبد يغوث (٤)، والحارث بن قيس ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ أي: لفي غَبْنٍ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يريد: أبا بكر وعمر وعثمان وعليٍّ، وأبا

стр. 7835

عبيدةَ بنَ الجراح، وطلحة بن عبيد اللَّه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، والمهاجرين والأنصار رضوان اللَّه عليهم أجمعين. * * *

стр. 7836

سورة الهمزة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أَوْعَد مَن جمع مالًا وعدَّده، الرحمنِ الذي خوَّفنا بالنار الموقَدة، الرحيمِ الذي جعلها على غيرِ المؤمنين مُؤْصَدة. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ويل لكلِّ همزة أعطاه اللَّه عشر حسنات بعددِ مَن استهزأ بمحمد وأصحابه" (٢). وهذه السورة مكية، وهي تسع آيات وثلاثٌ وثلاثون كلمةً ومئةٌ وثلاثون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في وعيد الكفار بالعذاب والخَسَار. * * * (١) - ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: الهمزة: الكثيرُ الطعن على غيره بغيرِ حق، العائبُ له بما ليس فيه. واللمزة: المشير إليه بالاستهزاء والضحك.

стр. 7837

وقال ابن عباس: الهمزة: الطعان، واللمزة: المغتاب (١). وقال الكلبي: الهمزة باللسان، واللمزة بالعين. وقال مجاهد: الهمزة بالعين واليدين، واللمزة باللسان (٢). وقال قتادة: الهمزة: الذي يأكل لحوم الناس، واللمزة: الذي يطعن عليهم (٣). وقال أبو العالية: الهمزة: الذي يهمز في الوجه، واللمزة: الذي يَلمز من خلفٍ (٤). والفُعَلة بضم الفاء وفتح العين هو نعتُ المبالغة للفاعل، وبتسكين العين للمفعول؛ كالضُّحَكة والضُّحْكة، واللُّعَبة واللُّعْبة، والهُزَأة والهُزْأة. وعن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عباس: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ مَن هؤلاء الذين هدَّدهم اللَّه تعالى بالويل؟ فقال: هم المشَّاؤون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبة، الباغون البُرآءَ العنت (٥). وعن ابن عباس: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (٦) نزلت في الأخنس بن شَرِيقٍ الثَّقَفيِّ، كان يقع في الناس ويغتابهم مقبلين ومدبرين (٧).

стр. 7838

وقيل: نزلت في جميل بن عامرٍ الجُحمي (١). وقال مجاهد: ليست خاصةً لأحد (٢). * * * (٢) - ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾: قرأ حمزة وابن عامر: ﴿جمَّع﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف (٣). قال الفراء: بالتخفيف بمعنى: حفظ، وبالتشديد بمعنى: أحصى (٤). وقال أبو معاذ: بالتشديد على معنى: أنه جمعه من هاهنا ومن هاهنا، ولم يجمعه في يوم ولا يومين ولا شهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾: أي: أحصاه، والتشديد لكثرة المعدود. وقال السدي: أحصاه (٥). وقال محمد بن كعب: يقول: هذا لي وهذا لي.

стр. 7839

وقيل: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾؛ أي: كثَّره؛ يقال: هذا مال له عددٌ؛ أي: كثرةٌ، و: في بني فلان عدد؛ أي: كثرة. وقال أبو معاذ: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾؛ أي: هيَّأه للوجود، هذا لكذا وهذا لكذا من العُدة بمعنى: أعدَّه وأَرصده. وقال الأخفش: وعدَّده للدهور، وأعدَّ وعدَّد واحد، كقولهم: أَجَدَّ وجَدَّدَ، وأَحَدَّ وحدَّد. وهذا كلُّه دلالةُ الإمساك، كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨]. وقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأخنس بن شريقٍ، كان له أربعةُ آلاف دينار يفتخر بها. * * * (٣ - ٧) - ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: أي: أيظن (١) أن ماله هذا قد بقَّاه في الدنيا، وإنما قال: ﴿أَخْلَدَهُ﴾ على الماضي دون المستقبل؛ لأن هذا الجاهلَ كان هذا المالُ عنده للحال موصوفًا بهذا؛ كأن ماله حكم له بالخلود، وكأنه قال: يحسب أن ماله آمنه الموت. ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما يتوهَّمه. ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾: أي: ليُطرحَنَّ حقًّا. ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾: وهي من أسماء جهنم، سُميت بها لأنها تَحْطِمُ كلَّ ما أُلقي فيها؛ أي: تَدقُّه وتكسره.

стр. 7840

وقال الكلبي: ﴿الْحُطَمَةِ﴾: الباب السادس من النار (١). ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾: وهذا تفخيم لشأنها. ﴿نَارُ اللَّهِ﴾: أي: أعدَّها اللَّه تعالى لأهلها ﴿الْمُوقَدَةُ﴾؛ أي: قد أُوقدت منذ سبعة آلاف سنة. ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: أي: تُحرقهم حتى تصل إلى أجوافهم، وتُشرفَ على أفئدتهم وتعلوَ عليها، وينالهم بذلك الألمُ الشديد، ولا يموتون لأنها لا (٢) تخالط أفئدتهم، ويصيرُ المعذَّب كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]. وقال الفراء رحمه اللَّه تعالى: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾؛ أي: يبلغ ألمها الأفئدة، ويقال: متى اطَّلعْت أرضنا؛ أي: متى بلَغْتَها (٣). فالأول مقارَبة وهذا مخالطةٌ. ويقال: تحرق كلَّ الأعضاء حتى تقاربَ القلب فلا تحرقه، ثم تعاد الأعضاء، وإنما لا يحترق القلب لئلا (٤) ينقطِع الألم والعلمُ بالألم، فيدومُ العذاب. قال أبو سعيد: أي: أنها تعلم مقدار ما يستحِقُّ كلٌّ منهم من العذاب لِمَا كان في قلبه، من قولك: اطَّلع فلان على أمرنا؛ أي: وقف عليه وعلِمه؛ أي: جعلها اللَّه تعالى تُحرق كلَّ أحد على استحقاقه، لا تزيد ولا تَنقص؛ كأنها وقفت على مَبلغ استحقاقه (٥).

стр. 7841

قال: ولمَّا جاز وصف النار بالتغيُّظ، وبأنها تدعو مَن أدبر وتولَّى، جاز وصفها بهذا. * * * (٨ - ٩) - ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: إن هذه النارَ على كلِّ همزةٍ لمزةٍ، أو على أصحاب هذه الأفئدة وهم الكفار، مطبَقةٌ لا تنفرج ولا يدخلها رَوحٌ، وبيان القراءة وذكرُ مآخذها مرَّا في سورة البلد. قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿في عُمُد﴾ بضمتين، وكذا عاصم في رواية أبي بكر، والباقون بفتحتين (١)، وهما لغتان في جمع عمادٍ وعَمود، والعماد والعُمُد -بالضم- كالحِمار والحُمُر، وبالفتح كالإهاب والأَهَب، والعمود والعُمُد -بالضم- كالرسول والرسُل، ومعناه: تُطرح العمدُ على أبوابها وتمدُّ عليهم لاستحكام يأسهم. وقال الحسن: لجهنم سرادقٌ كما قال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] وللسُّرادق عمدٌ، فإذا مُدَّت تلك العُمد أُطْبقت جهنم على أهلها. وقيل: ﴿فِي عَمَدٍ﴾؛ أي: بعمدٍ؛ كقولك: فعلت (٢) كذا بموضع كذا وفي موضع كذا؛ أي: أُطبقت بها. * * *

стр. 7842

سورة الفيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أهلك أصحابَ الفيل، الرحمنِ الذي جعل كيدهم في تضليل، الرحيمِ الذي أرسل على قاصدي (١) بيته طيرًا أبابيل. روى أبي عن أبي كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أعاذه (٢) اللَّه تعالى أيامَ حياته من القذف والمسخ" (٣). وهذه السورة مكية، وهي خمسُ آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وثلاثةٌ وسبعون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في عقوبة الكفرة؛ هذه في الدنيا وتلك في الآخرة. وفي هذه السورة تذكيرُ قريش المنةَ في تنحية الحبشة عن بلادهم، ومنعِهم عن هدم الكعبة التي بها فخرُهم وعزُّهم، وفيها حثٌّ على الإيمان بمحمد ﷺ ؛ إذ بسببه جرى ذلك معجزةً له، ودلالةً على مجيء مَن يعظِّم البيت ويُقيم مناسكه. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃: أن أبرهة بن الصباح بنى

стр. 7843

كنيسةً بصنعاء يقال له: القُلَّيْس، وكتب إلى النجاشي: إني لست منتهيًا حتى أصرفَ إليها حجَّ العرب، فسمع بذلك رجل من بني كنانة، فخرج إلى القلَّيس، ودخلها ليلًا فأَحْدَث فيها، فبلغ ذلك أبرهةَ فحلف باللَّه ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، فجمع الأحابيش وجنَّد الأجناد فأكبرت (١) العرب ذلك، فخرج ملك يقال له: ذو نفرٍ، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر أسيرًا (٢)، فلما دنا من بلاد خثعم خرج نُفيل بن حبيبٍ بقومه فقاتلوه، فهزمه أبرهة (٣) وأخذ النفيل، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتبٍ (٤) الثقفي فقال: أيها الملك، ليس ليننا ولينك خلاف، ونحن نبعثُ معك مَن يدلُّك، فبعثوا (٥) رجلًا يقال له: أبو رِغالٍ، فمات أبو رغالٍ. وبعث أبرهة من المغمّس (٦) -وهو موضع بظهر مكة- رجلًا يقال له: الأسود ابن مقصود، على مقدِّمة خيله، فجمع إليه أموال الحرم وأصابَ لعبد المطلب جدِّ رسول اللَّه ﷺ مئتي بعيرٍ. ثم إن أبرهة بعث حُنَاطةَ الحميريَّ إلى أهل مكة فقال: سل عن شريفها ثم أبلغه ما أُرسلك به، وقل له: إني لم آتِ لقتال، إنما جئت لأهدم الكعبة (٧)، فانطلق حناطةُ حتى أتى مكة، فلقي عبد المطلب فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت

стр. 7844

لقتال إنما جاء ليهدم هذا البيت ثم ينصرفَ عنكم، فقال له: ما له عندنا قتالٌ وما لنا به يد، سنخلِّي بينه وبين ما جاء له، فإن خلَّى اللَّه بينه وبين ما أراد فهو بيتُه، قال: فانطلِقْ معي، فأردفه بغلته حتى قدم به المعسكر. وكان ذو نفرٍ صديقًا لعبد المطلب، فأتاه فقال (١): يا ذا نفر، هل عندكم من غَناءٍ فيما نزل بنا (٢)؟ فقال ذو نفر: ما غناءُ مَن لا يأمَنُ أن يُقتل كلَّ؟! ولكني سأبعثُ لك إلى أنيسٍ سائق (٣) الفيل وأسأله أن يُعِينك عند الملك ويُعْظِم خطرك عنده، فأرسل إلى أنيس وقال: أتاك سيد قريش وصاحبُ عِير مكة الذي يُطعم الناس، فاستأذن له على الملك ونبِّهْه على شأنه وشرفه. وكان عبد المطلب جسيمًا وسيمًا قسيمًا تأخذه العين، فلما رآه أبرهةُ عظَّمه وكرَّمه، فقال له عبد المطلب: أيها الملك، إنك قد أصبتَ مالًا لي فاردُدْه عليَّ، فقال له الملك: لقد كنتَ أعجَبْتَني حين رأيتُك، ولقد زهدْتُ فيك الآن، قال: ولم؟ قال: جئتُ لأهدم بيتًا هو دِينك ودِين آبائك فلم تكلِّمني فيه وكلَّمتني في مئتي بعير؟! فقال عبد المطلب: أما الأبل فأنا ربُّها، وللبيت ربٌّ سيمنعُه، قال أبرهة: ما كان ليمنعَه مني، فقال عبد المطلب: لقد طلبه تبعٌ وسيفُ ذي يزنَ وكسرى فلم يقدروا عليه، فأنت وذاك، فرد إبله عليه. ثم خرج عبد المطلب وأخبر قريشًا وأهلَ مكة الخبر، وأمرهم (٤) أن يتحرَّزوا،

стр. 7845

فتحرَّزوا (١) في رؤوس الجبال، وأتى عبد المطلب الكعبةَ فأخذ بحَلْقة الباب وجعل يقول (٢): يا رب إن المرء يمـ... نعُ رحله فامنَعْ حِلَالَك لا يغلبَنَّ صليبُهم... ومحالُهم أبدًا مِحَالك إن كنتَ تاركَهم وكعْـ... بتنا فأمرٌ ما بدا لك وكان أبرهة نصرانيًا، فتهيأ لدخول مكة وعبَّأ جيشَه، وقرب فيله وكان يقال له: محمود. وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانيةً (٣). وقال مقاتل: كان معهم فيلٌ واحد (٤). فأقبل نفيلٌ (٥) حتى أخذ بأذن الفيل ثم قال له: ابرك يا محمودُ وارجِعْ راشدًا من حيث جئتَ فإنك في بلد اللَّه وفي حرمه، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت أقدامه ومرافقه فأبى، فوجَّهوه نحو اليمن فقام يُهرول، فوجهوه نحو الشام فقام يُهرول، فصرفوه نحو الحرم فبرك وأبى أن يقوم، فلحق نفيلٌ بجبل من تلك الجبال.
следующие страницы →