← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقوله ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تكربها (١) وتُقلِّبُها؛ وقد (٢) أثارَها إثارةً، ولازمُه: ثَار يَثُورُ ثَوَرَانًا، وإثارةُ الأرض سمِّيَت بها لثَوَرانِ تُرابها بها، يقال (٣): ثارَ الدُّخانُ والغبارُ والتُّراب، وثار القطا؛ أي: نهضَ، وثارَ الدَّمُ في وجهه؛ أي: ظهر، وثار الشَّفقُ أيضًا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أي: الزَّرعَ؛ أي: لا يُسقَى عليها للحرث بالسَّواني، ولم تُلَيَّن بإثارةِ الأرض وتقليبها للزِّراعة. وقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي: سالمةٌ مِن العيوب كلِّها. وقيل: أي: مسلَّمةٌ عن العمل؛ لأنَّها وَحشيَّةٌ (٥)، ولو عُمِلَ عليها لم تَخْلُ مِن (٦) عيبٍ بها؛ يعني: لبراءتها مِن العمل هي بريئةٌ مِن العيوب. وقوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: لا لونَ فيها يُخَالِفُ لونَ جميعِ جلدِها، واشتقاقُها مِن وَشْيِ الثَّوبِ، وهو استعمالُ ألوان (٧) الغزل في نسجه. وقال سهلُ بنُ عبد اللَّه التُّستَريُّ: أي: لا علامةَ فيها تشينُها (٨). وتقديرها فِعْلَة، وأصلُها: وِشْيَة، كالصِّفة والزِّنة والعِدَة، أصلُها: وِصْفَة ووِزْنَة ووِعْدَة.

стр. 842

وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآيةُ أنَّ البقرةَ كانت ذكرًا؛ لأنَّ إثارةَ الأرضِ وسقيَ الحرثِ مِن عمل الثيران، وهي حجَّةٌ لأصحابنا رحمةُ اللَّه عليهم في مَن حلفَ لا يَأكلُ لحمَ بقرةٍ أو بقرٍ، أنه (١) يَحْنَثُ بأكلِ لحم الثَّور؛ لأنَّ اللَّهَ ﷻ سمَّى الثَّورَ في هذه الآيةِ (٢) بقرةً؛ لما قُلنا: إنَّه وَصَفهُ بالإثارة والسَّقي، وهما من عملِ الثِّيرانِ عُرْفًا (٣)، فأمَّا الكناياتُ الراجعةُ إليها على التَّأنيث فللفظِها، كما في قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٧٢]، و ﴿قَالَتْ أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. وقال أبو يوسف ﵀: إذا قال (٤): بقرة، فهي للأُنثى خاصَّةً، وإذا قال (٥): بقر، صَلَحَ للذَّكر والأنثى كما في الحمار والحمارة. وأبو حنيفة ﵀ يقول: إنَّها (٦) للتوحيد لا للتأنيث، كما في الحمام والحمامة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إلَّا أن يكون أهلُ ذلك الزَّمان يَحرثون بالأُنثى، كما يحرُث أهلُ هذا الزَّمان بالذَّكر، فحينئذٍ لا يكونُ فيه دليلٌ لما (٧) ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: الآن بَيَّنت (٨) لنا الصِّفةَ التي كنَّا نطلبُ بالصِّدق.

стр. 843

وقيل: أي: الآن تحقَّق لنا وصفُ هذه البقرة فِي سنِّها (١) ولونها وصفتها، وهي عند فلانٍ، عرفناها، فنشتريها منه، ونذبحُها ائتمارًا بأمر اللَّه تعالى. وقيل: أي: الآن تبيَّن (٢) لنا أنَّك جئتَ بالحقِّ والجِدِّ، وما كُنتَ هازئًا (٣)، ومن قال: كفروا بنسبته إلى الهزء، فقد آمنوا بهذا الانقيادِ والقَبول والاعتقاد. وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: اشتروها وذبحوها، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: فعلوا ذلك بعد الاستقصاءِ، حتَّى كاد يقع اليأسُ عن ذلك. وقيل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ خوفًا على أنفسهم أن يَفتَضِحوا بظهورِ القاتل. وقيل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاءِ ثمنها. وقيل: استقصوا في صفة (٤) تلك البقرة، والسُّؤالِ عنها، و (٥) عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربَّما يكون للمدافعة (٦). ثمَّ ذكروا في التفاسير المعروفة أنَّهم لو ذَبحوا بقرةً، أيَّ بقرةٍ كانت، جاز لهم ذلك، فلمَّا بحثوا عنها، وسألوه مرارًا، كان استقصاؤهم سببًا لتغليظِ الأمر عليهم، إلى أن ينتهي الأمرُ إلى بقرةٍ بلغت الثَّمنَ الكثير (٧)، فإنَّهم اشتروها بملئِ

стр. 844

مَسْكها ذهبًا، وكاد يخرج إلى أن لا يأتمروا وهكذا رُويَ أنَّهم شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّدَ اللَّهُ عليهم (١). قالوا: وفيه دليلٌ أيضًا على إمضاءِ الخطاب على العموم، وعلى أنَّ الحكمَ يتعلَّقُ بأقلِّ ما ينطلقُ عليه الاسمُ وعلى وجوبِ العمل بالظَّاهر، وقد كرَّر عليهم قولَه: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ أي: دعوا البحثَ والتَّفتيشَ، لكنَّ الإمامَ أبا منصور ﵀ قال: استدلَّ قومٌ بها على عمومِ الخطاب وقت السماع؛ لأنَّه أمر بذبحِ بقرةٍ، لم يبيِّن لهم كيفيَّتها وقتَ الخطاب، وروي: "لو عمَدوا إلى أدنى بقرةٍ لأجزأتهم (٢)، لكن شدَّدوا على أنفسِهم، فشدد اللَّهُ عليهم" (٣). لكنَّ هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه دعوى على اللَّه حدوثَ شيءٍ في أمرِهِ، وبَدَاءٍ في حُكمِهِ، وذلك كفرٌ لا يقولُه مسلمٌ، فضلًا (٤) أن يقولَه رسولٌ؛ فإنَّه قال: إنَّه يقولُ:

стр. 845

إنَّها كذا فلو كان الأوَّلُ على غير ذلك، لكان قد بدا لهُ فيما عمَّ، وفسَّرَ (١) بما لم يكن أراد، وذلك بمعنى البَداء، بل بمعنى الرُّجوعِ عن الأوَّل فيما أرادوا التفسير له بغيره، وذلك فعلُ مَن يَجهلُ العواقبَ، تعالى اللَّه عن ذلك. ثمَّ معنى سؤالهم موسى أن يدعوَ ربَّه يبيِّنُ (٢) ما أراد بذلكَ: أنَّه جَعَلَ ذلك آيةً لهم، فوقعَ عندهم أن ليس كلُّ بقرةٍ تَصلحُ للآيات، ولذلك (٣) لم يسألوا موسى عن تفسيرِها؛ إذ اللَّهُ تعالى هو الذي يَعلمُ الآيات، فكان الأمرُ بالذَّبح في الابتداء على ما آلَ إليه أمرُها وظَهَر، لكنَّهم أُمِروا بالسُّؤال عنها؛ ليَصلوا إلى المراد فيه، لا أنَّه أحدثَ لهم ذلك بالسُّؤال (٤). ثمَّ قال: وجهُ حكمة (٥) جعلِ البقرةِ آيةً دونَ غيرها من البهائم شيئان: أحدهما: ما رويَ أنَّ رجلًا كان بارًّا بوالديه، محسنًا إليهما، وكانت له بقرةٌ على تلك الصِّفة والشِّيةِ (٦)، فأرادَ اللَّهُ أن يُوصِلَ إليه في الدُّنيا جزاءَ ما كان منه (٧). والثاني: أنَّهم قبل ذلك كانوا يَعبدون البقر (٨) والعجاجيل، وحُبِّبَ إليهم، كما قال: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، ثمَّ تابوا وعادوا إلى عبادةِ اللَّه

стр. 846

تعالى وطاعتِه، فأرادَ اللَّهُ تعالى أن يمتحِنَهُم بذبحِ ما حُبِّبَ إليهم؛ ليظهرَ (١) منهم حقيقة التَّوبة وانقلاع ما كان منهم في قلوبهم (٢). وقيل: كان أفضلَ قرابينهم حينئذٍ البقرُ، فأُمروا بذبح البقرة؛ ليَحصلَ (٣) التقرُّبُ لهم بما هو أفضلُ عندَهم. * * * (٧٢) - ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. ثمَّ بيَّن اللَّهُ تعالى السَّببَ الذي أُمِروا به بذبحِ البقرةِ بالآيةِ التي بعدَها، وهي (٤) قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ أي: واذكروا أيضًا إذ قَتلَ بعضُ أسلافِكم، وأُضيفَ الفعلُ إليهم لرضاهُم بفعلِ أولئك، ﴿نَفْسًا﴾ هي عاميل بن شراحيل. وقوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ أي: تدافعتُم واختلفتُم، فدَفعَ كلُّ واحدٍ منكم الفعلَ (٥) عن نفسه، وأحالَ على غيرِه، وقد دَرَأ يَدْرَأ دَرْءًا؛ أي: دفعَ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] ودارأه؛ أي: دافعَهُ، وتَدَارأ القومُ؛ أي: تدافعوا، وادَّارؤوا كذلك، وأصلُه: فتَدَارأْتُم (٦)، أُدغِمت التَّاء في الدَّال؛ لأنَّها مِن مخرجِها، فسُكِّنَتْ، وأُدْخِلَت ألفُ الوصل؛ لأنَّه لا يُبتَدَأ بالسَّاكن.

стр. 847

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: مُظهِرٌ أمرَ القتيلِ بحقِّه وصدقِه، وقد بيَّنَّا وجوهَ الخروجِ والإخراجِ فيما مرَّ. وقيل: هذه الآيةُ مقدِّمة في المعنى؛ أي: واذكروا إذ وَقعَت هذه الحادثةُ فيكم، فسألتُم موسى بيانَ (١) أمرها، فقال: إنَّ اللَّهَ يأمرُكُم أن تَذبحوا بقرةً، وتَضربُوهُ ببعضِها، فيَحْيَى، فيُخبرَكم (٢) عمَّن قتلَه، فقلتم له: أتتَّخِذنا هُزُوًا. إلى آخرها. والتَّقديمُ والتَّأخيرُ في الأخبارِ والتِّلاوة إذا لم يُوقِع الخَلَل والتَّناقُضَ جائزٌ، ألَا ترى أنَّ العِدَّة بأربعة أشهرٍ وعشر ناسخةٌ للعدَّة بسنةٍ متاعًا إلى الحول غير إخراج، ثمَّ النَّاسِخُ مقدَّم في التِّلاوةِ، والمنسوخُ متأخِّر. وقيل: كان هذا في وقتين؛ ذكرَ اللَّهُ تعالى أمرَ البقرةِ تسليةً لقلبِ النبيِّ ﷺ أنَّ قومَ موسى صلوات اللَّه عليه نَسبوا موسى إلى الهُزْو، واستَقصَوا بالسُّؤالِ (٣)، فسألَتِ الصَّحابةُ رسولَ اللَّه ﷺ ورضي عنهم: لم كانوا مأمورين بذبح البقرة؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، ودليلُ هذا أنَّ الأوَّلَ خطابُ موسى ﵇ لقومه (٤)، والثَّاني خطابُ اللَّهِ تعالى أولادَ القائلين. ثمَّ اختُلِفَ في الآية الثَّانية؛ أنَّ الخطابَ لأيِّ قومٍ؟ قيل: هو (٥) لبني إسرائيل الذين كانوا في عصرِ موسى ﵇. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: من أمرِ القاتلِ ليظهرَ البريءُ

стр. 848

مِن المجرمِ، وقد ادَّارؤوا فيها، وظنُّوا أنَّه يَنكتِمُ، فأظهرَهُ اللَّهُ تعالى بالأمرِ بذبحِ البقرة وضربِه ببعضها (١). وقيل: هو خطابُ أهل عصر النبيِّ ﷺ ، وكانوا يَكتمونَ هذه القصَّة لما فيها من الشُّنعة والتَّعنُّتِ ووصفِ موسى بالهزء، واللَّهُ تعالى أظهرَها بإنزال هذه الآيات، يدلُّ عليه أنَّه قال: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، ولم يقل: تجحدون. * * * (٧٣) - ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: اضربوا المقتولَ، وإنَّما قال: اضربوهُ، على التَّذكير، وإن تقدَّم ذِكْرُ النَّفسِ؛ لاعتبار المعنى، فإنَّه كان رجلًا، وأَنَّثَ في قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ لأنَّه صرفَ الكناية إلى النفسِ، وهي مؤنَّثة سماعًا، فصَرفَ (٢) إحدى الكنايتين إلى اللفظِ، والأُخرى إلى المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣]. وقيل: قولُه تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ يرجعُ إلى القِتلةِ التي يقتضيها قولُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾، وقوله: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ (٣) أي: بشيءٍ من البقرةِ المذبوحة، واختلفوا في ذلك (٤) البعض.

стр. 849

قال ابنُ عبَّاسٍ وعكرمة: هو الفخذ (١). وقال الفراء: فخذُها الأيمن (٢). وقال السُّدِّيُّ: هو البُضعة التي تكونُ بين الكتفين (٣). وقال أبو العالية والرَّبيعُ بنُ أنس: هو عظم (٤) منها (٥). وقيل: هو الذَّنَبُ. وقيل: هو عَجْبُ الذَّنَب، ومنهُ يُرَكَّبُ الخلقُ، ومنه يبدأ يوم القيامة. قاله معاذُ بن جبل، وهو أوَّلُ ما يُخْلَقُ مِنه، وآخرُ ما يَبْلى. وقيل: اللسان. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يعلم ذلك إلَّا بالخبر عن اللَّه تعالى، لكن نقول: ﴿بِبَعْضِهَا﴾ بقدرِ ما في الكتاب ذكره (٦). ثمَّ هاهنا مضمرٌ؛ أي: فضربوهُ ببعضِها، فأحياهُ اللَّهُ تعالى، ثمَّ إنَّ موسى ﵇ أمرَهم بضربها، وما ضَربَهُ بنفسِه، نفيًا للتُّهَمة، كيلا يُنسَبَ إلى السِّحر أو الحيلة، كما اتهموه عند إحياء العصا، حتى قال فرعون لعنه اللَّه: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، وقالوا ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨].

стр. 850

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: كما أحيا هذا المقتولَ يُحيي الموتى يوم القيامة. وقولُه في هذه السورة: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، معطوفٌ على هذا، وإنَّما جاز وإن بعد (١)؛ لأنَّ القرآنَ كلَّه كتابٌ (٢) واحدٌ متَّصِل بعضُه ببعضٍ، فتتَّصِل المعاني مع (٣) تباعد الآيات، وهو كقوله: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، وجوابُه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية [الفرقان: ٢٠]، وقولِه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وجوابه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] وقولِه تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]، وجوابه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. فإنْ قالوا: إنَّ بني إسرائيل كانوا مُقِرِّينَ بالبعثِ فما معنى إلزامِهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾؟ قلنا: كانوا مُقِرِّين قولًا وتقليدًا، فنبَّههم عليه (٤) عيانًا وإيقانًا، وهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وقال أبو سهل الطالقاني: لم يُرِد به إحياءَ النُّفوسِ في هذه الآية، بل أرادَ إحياءَ ما أماتوا وكتَموا مِن نعتِ النبيِّ ﷺ ، والأحكامِ، كالرَّجم ونحوه؛ أي: يُظهِرُ هذه كما أظهرَ تلك. وقولُه تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: دلائلَه الأُخر (٥)، ولا يَقتصِرُ على إراءةِ هذه الآية.

стр. 851

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لم يُرد به: ليصيروا عُقَلاء، فقد كانوا كذلك، لكن معناهُ: لتعقِلوا ما يجبُ عليكم مِن أمر دينكُم إذا رأيتُم آياتِ اللَّه في إحياءِ الموتى ونحوِه. وقال القفَّال: هذا كلامٌ مبتدأ؛ أي: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يا معشرَ (١) العرب في محمَّدٍ ﷺ بما يخبركُم به من علمِ الغَيب الذي لا يجوزُ أن يُعرَفَ إلَّا بخبرٍ عن اللَّه تعالى، لكي تنبَّهوا وتَقبلوا ما يَدعوكم إليه، كقولك: أعقِلْ هذا؛ أي: أفهِمه. وقيل (٢): يجوزُ أن يكونَ معطوفًا على ما سبق؛ أي: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ كما أراكم إحياءَ القتيلِ، ويجوزُ أن يكون معناه: ويريكم جميعَ آياتِه مِن أوَّل مبعثِ موسى ﵇ إلى آخره؛ من اليدِ البيضاء، والعصا، والطُّوفان، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ، والدَّمِ، وفلقِ البحرِ، ونجاتِهم مِن الغَرق، وإغراقِ فرعون وقومِه، وكونِهم في التِّيه، ونزولِ المنِّ والسَّلوى، وإحياءِ السَّبعين بعد إحراقهم. وقصَّتُه ما قال الكلبيُّ: إنَّ بني إسرائيلَ قيل لهم في التَّوراة: إذا هبطتُم أرضَ ميراثِكم المقدَّسةَ، التي كتبَ اللَّهُ لكم ميراثًا من أبيكم إبراهيم؛ دمشقَ والأردن وفلسطين، فما دمتم في مسيركِم هذا، فانظروا أيُّما قتيلٍ وُجِدَ بين قريتين، لا يُدرى مَن قتلَهُ، فليُقَس إلى (٣) أقربِهما، فليَأخذوا أهلَ تلك القريةِ جميعًا به، فإن علِموا قاتلَهُ، قتلوه به، وإن لم يَعلموا قاتلَهُ، أخذوا خمسينَ شيخًا (٤) مِن شيوخ أهل القريةِ،

стр. 852

ثمَّ يأخذون بقرةً حمراء حوليَّة، فينطلقون إلى وادٍ، فيذبحونها (١)، ثمَّ ليضع الشُّيوخ الخمسون أيديهم عليها، فيَحلفون باللَّه ربِّ السَّماء القويِّ، إلهِ بني إسرائيل، ما قتلناهُ، وما (٢) علمنا له قاتلًا، فإن حَلَفوا برئوا من دمِه وأخذوا بديته. فعمد رجلان أخوان مِن بني إسرائيل إلى ابن عمٍّ لهما اسمُه عاميل، فقتلاه؛ لكي يرثا مالَه، وكانت بنتُ عمٍّ لهما شابَّةً جميلةً، مثلًا في بني إسرائيل، فخافا أن ينكحَها ابنُ عمِّها (٣)، فلذلك قتلاهُ، ثمَّ حملاهُ فألقياهُ إلى (٤) جانب قريةٍ، فأصبحَ أهلُ القرية والقتيلُ بينهم، لا يَدرون مَن قتلَه، فأخذَ أهلُ القريةِ به، فلمَّا عميَ عليهم شأنُه ومَن قتلَهُ، قالوا لموسى: ادعُ اللَّه أنْ يُطلِعنا على قاتلِه، فدعا موسى، فلمَّا رجعوا إلى موسى قالوا: يا موسى، ماذا أجابك ربُّك؟ قال لهم: إنَّ اللَّهَ يأمرُكم أن تذبحوا بقرةً، فتَضرِبوا الميِّتَ ببعضِها، فيعيشَ، فيُخبرَكُم بمَن قتلَه، فظنُّوا أنَّ موسى ﵇ يَستهزئُ بهم، فقالوا: أتتَّخذنا هزوًا؟ وَذَكَر (٥) سؤالاتِهم وجوابَه لهم، على ما مرَّ في تفسيرِ هذه الآيات، إلى أن قال: فطلَبوا بقرةً على هذه الصِّفة، حتَّى وجدوها عند رجلٍ ليست عندَه غيرُها، بقيَّةَ بقرٍ كُنَّ لآبائِه، فهو يربِّيها لولده (٦)، فلمَّا سألوهُ أن يبيعَها إيَّاهم أبا (٧)، رفعوا له في الثَّمن حتَّى أعطوهُ مِلئَ مَسْكِها ذهبًا، فباعَها منهم، وكانوا أُمِروا أن يَضربوهُ ببعضِها بعد أن

стр. 853

يذبحوها، ففعلوا، فحيَي، وجلسَ وأوداجُهُ تسيلُ دمًا، وقال: قتلني ابنا عمِّي، فأُخِذا وقُتِلا، ولم يُعطَيا من ميراثِه شيئًا، وفي الخبر: لم يُورَّث قاتلٌ بعد صاحبِ البقرة (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابنٌ، وله عِجلٌ، فأتى بالعجلِ إلى غيضةٍ، فقال: اللهمَّ إنِّي أستودعُكَ هذه العجلةَ لابني حتَّى يَكبرَ، وماتَ الرَّجلُ، فلبثَ العجلُ في الغيضةِ حتَّى كبِرَ الصبيُّ، وكبِرتِ العجلةُ، فصارتْ عَوَانًا، وكانت تهربُ مِن كلِّ مَن رامها (٢)، فلمَّا كبِر الصَّبيُّ (٣) أتاها ومعه حبلٌ، فأذعَنت له، ومكَّنتهُ مِن نفسِها، وكانت أحسنَ البقر وأسمَنها، فأتى بها أمَّه، فلمَّا قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وذكرَ القصَّة على ترتيب هذه الآيات، وقال (٤) فعرفوا أنَّها بقرةُ اليتيم، ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، فساوموا بها اليتيم، فقالت له أمُّه: لا تبِعْها حتَّى تشاورَني، فلم يَزالوا يَزيدونَه حتَّى رضَوا بأن يشتروها بمِلئ مَسْكِها ذهبًا (٥). وقال السُّدِّيُّ: طلبوا البقرةَ فلم يجِدوها إلَّا عند غلامٍ من غلمان بني إسرائيل، كان بارًّا بأبيه، وكان من برِّهِ أنَّ إنسانًا أتاهُ بلؤلؤٍ، فابتاعَهُ الغلامُ بخمسين ألفًا، وكان في اللؤلؤ فضلٌ، فقال له الغلام: إنَّ أبي نائمٌ، ومفتاحُ الصُّندوقِ عند رأسِه، فانتظِر حتَّى يستيقظَ فأُعطيكَ الثَّمن، قال: فأيقظ أباك، وأعطني المال، فقال: ما كنتُ لأفعلَ، ولكن أزيدُكَ عشرةَ آلافٍ، فأنظرني حتَّى ينتبهَ أبي، فقال الرجل: وأنا أحطُّ عنك عشرةَ

стр. 854

آلافِ درهمٍ على أن توقظَ أباكَ، فقال الغلام: وأنا أزيدك عشرين ألفًا على أن تنتظر، فلم يزالا يزيدُ الغلامُ، ويحطُّ صاحبُ اللؤلؤ (١)، فلم يوقظ الغلامُ أباهُ، فأعقبَهُ اللَّهُ تعالى ببرِّه أن جعلَ تلك البقرةَ عندَه، فأتَوه، فقالوا: بِعناها، فقال: لا، فأعطوهُ بها بقرتين، فأبى (٢) حتَّى أعطَوه (٣) سبعَ بقراتٍ، فأبى، فأتَوا موسى ﵇، فقالوا: وجدنا صفةَ هذه البقرةِ عند غلامٍ مِن بني إسرائيل، فبعثَ إليه موسى، وقال: بِعهُم، فقال الغلام: أتأخذُها يا موسى غصبًا؟ قال: لا، قال: فهي مالي، أبيعها بما شئتُ، قال موسى: صدق فأرضوه، ثمَّ قال له: فإذا تسأل؟ قال: لا أبيعُها إلَّا بملء مَسْكِها ذهبًا، فلم يجدوا بُدًّا، فأعطوهُ، فأخذوا البقرةَ، فجاؤوا بها إلى موسى فذبحوها (٤). وقال سعيد بن جبير: إنَّ أصحابَ البقرة طلبوها أربعينَ سنةً (٥). وقال عكرمة: وجدوها عند رجلٍ، قال: أبيعُها بمئة دينار، فأبَوا، فرجعوا إلى موسى، فقال: هو أعلمُ، إن شاءَ باعَها، وإن شاء لم يبعها، فعادوا إلى الرَّجلِ، فقالوا: قد أخذناها بمئة دينار، فقال: لا أنقُصُها عن مئتي دينار، فلم يزالوا يعودون إلى موسى وإلى صاحب البقرةِ، فيُضَعَّف عليهم الثَّمنُ، حتى قال: لست أبيعُها إلَّا بمِلء مَسْكِها ذهبًا، فأخذوها به (٦).

стр. 855

وقال السُّدِّيُّ: كان في بني إسرائيل فتى يتيمٌ في حِجْرِ عمِّه، فلمَّا بلغَ الفتى قال: ياعم، أنكِحني ابنتَك، فأبى عليه (١)، فقال الفتى: واللَّه لأقتُلنَّ عمِّي، ولأرِثَنَّ (٢) مالَه، ولأنكِحنَّ ابنتَه، ولآخذنَّ دِيته (٣)، فقال لعمه ليلةً: إنَّ لي حاجةً في سبطٍ من أسباط بني إسرائيل، فانطلقَ بعمِّه، حتى خلا (٤) به، وجاءَهُ بخنجرٍ كانَ أعدَّهُ لقتلِه (٥)، فقتلَهُ، فلمَّا أصبحَ جعلَ يَبكي على عمِّه، فطافَ بالأسباط التي ليس فيها عمُّه عمدًا، ثمَّ دخلَ الذي بها عمُّه (٦)، وقال: إنَّكم قتلتموه، فذهب بهم إلى موسى، فعرضَ عليهم الدِّية، فتدَافعوا فيه أنَّهم لم يقتلوه، فأوحى اللَّه تعالى إليه أن مُرهُم أنْ يَذبحوا بقرةً (٧). وعن ابن سيرين أنَّ رجلًا كان له ذو قرابةٍ هو وارثُه، فقتلَهُ ليرثَه، ثمَّ ذهب به، فألقاهُ على باب قومٍ آخرين، وأصبحَ يَطلبُ بدمِه، فهمُّوا أن يقتتلوا، حتى لبسَ الفريقان السلاح، فقال رجلٌ منهم: أتقتتلون وفيكم نبيُّ اللَّه موسى، فكفَّ بعضُهم عن (٨) بعض، ثمَّ انطلقوا إلى موسى ﵇، فذكروا له ذلك، وذكروا (٩) القصَّة (١٠).

стр. 856

وقال القشيريُّ ﵀: في قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ الذي يَصلُحُ لهذه الطريقة (١): مَن لم يستهوِه نزقُ (٢) الشَّباب وسُكرُهُ، ولم يُعطِّلهُ عجزُ المشيبِ وضعفُه، بل هو صاحٍ استفاقَ مِن سُكْرِه، وبقي له بعدُ (٣) نضارةٌ مِن عمره (٤). وقال بعضُ أهل المعرفة في قوله ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: هذا تنبيهٌ على أنَّ أمدحَ الأحوالِ للعبد أن يكونَ مع اللَّه عنى لونٍ واحدٍ، فلا تتشتَّتُ عليه همومُ الدُّنيا، قال النبيُّ ﷺ : "مَن جعلَ همومَهُ همًّا واحدًا -وهو هم المعاد- كفاهُ اللَّه جميعَ همومِهِ، ومَنْ تَشعَّبت به الهمومُ، لم يُبَالِ اللَّهُ في أيِّ أوديةٍ هلك" (٥). وسَمِعَ بعضُ الفقراء قائلة تقول: كلَّ يومٍ تَتلوَّن... غيرُ هذا بكَ أحسنْ فوقف يستمعُ إليها ويشهقُ ويقول (٦): هذه حالتي (٧) مع اللَّه، فلم يزل هكذا حتَّى شهقَ شهقةً كان حتفُه فيها (٨).

стр. 857

وقال بعضُ أهل المعرفة في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾: إنَّما جعلَ اللَّهُ إحياءَ المقتولِ في ذبح البقرة؛ تنبيهًا لعبده أنَّ مَن أرادَ منهم إحياءَ قلبه، لم يتأت له إلَّا بإماتةِ نفسِه، فمَن أماتَها بأنواع الرِّياضات، أحيى اللَّهُ قلبَه بأنوار (١) المشاهدات. * * * (٧٤) - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ أي: غَلُظَت واشتدَّت، وقد قسا (٢) يقسو قسوةً، فهو قاسٍ وقسي، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (٣) [المائدة: ١٣] وقُرِئ: ﴿قَاسِيَةً﴾ (٤)، وحجرٌ قاسٍ؛ أي: صلب، والقسيَّةُ: اللَّيلةُ الباردةُ، والمقاساةُ معالجةُ الأمر بشدَّةٍ. وقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ قال ابنُ عبَّاس وقتادة: أي: مِن بعد إحياءِ القتيل (٥)، وهو خطابٌ لقاتليه؛ أي: حَيِيَ القتيلُ، فأخبرَ أنَّ ابنَي عمِّه قَتلاه، فأنكَرا معَ ظهور هذه الآيةِ العظيمة.

стр. 858

وقيل: بل معناهُ: ثمَّ قسَت قلوبُكم مِن (١) بعد إحياءِ الميِّت عن الانقيادِ للحقِّ، ولم يزالوا بعدُ (٢) أهلَ حسدٍ وعنادٍ للأنبياء، لا يَقبلون وعظًا. وقيل: بل معناه: قَسَت قلوبُكم بعدَ إحياءِ هذا القتيل وغيره من الآيات، فلم يَخلُوا من (٣) عنادٍ واعتراضٍ على موسى ﵇، في التِّيهِ وغير ذلك، وهذا كلُّه راجعٌ إلى أسلافِهم. وقيل: هو خطابُ أهل عصرِ النَّبيِّ ﷺ مِن الأحبار؛ أي: غَلُظَت قلوبُكم بعد ما جاء أوائلَكم مِن الآيات، والعقوباتِ على الجنايات، والمواثيق المأخوذة عليهم، فطَغيتُم، مع ما عندكم مِن العلم بالآيات التي تَلينُ عندها القلوبُ، ومن وصف المؤمنين ذلك: قال اللَّه تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أ﴾ أي: هذه (٤) القلوبُ مثلُ الحجارةِ -وهي جمعُ الحَجَرِ- في الشِّدَّة والغِلظ. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ذكرنا عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، أنَّ ﴿أَوْ﴾ على وجوهٍ كثيرة، ويَستقيمُ حملُها هاهنا على عدَّةٍ منها: أحدُها: أنَّها بمعنى الواو. ومنها: بمعنى "بل".

стр. 859

ومنها: أنَّها للتخيير؛ أي: إنْ شئتُم فاجعلوها كالحجارة، فهي مثلها، وإن شئتُم فاجعلوها أشدَّ منها، فإنَّها كذلك، كما يقال: جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين، فإنه (١) للتخيير. ومنها: أنَّها على إبهام (٢) الأمر على العباد، وإن كان اللَّهُ ﷻ عالمًا بذلك، كقول الرَّجل لآخر (٣): أكلتُ خبزًا أو لحمًا، إذا (٤) أردتَ أن تخبرَه أنَّك إنَّما أكلتَ أحدَ هذين الشَّيئين، لا ثالثًا غيرهما (٥)، وأبهمتَ الخبرَ عليه إذا لم يكن بك حاجةٌ إلى التَّعيين، أو لم تُرِد تَعيينه له. ومنها: أنَّه كقولك: ما آكلُ إلا حُلوًا أو حامِضًا؛ أي: طعامي لا يَخرجُ عن هذين، بل يتردَّد عليهما، ومعناه أنَّ قلوبَ جماعتكم، إمَّا كالحجارة، وإمَّا أشدُّ قسوةً منها، وليس فيها ما يخرجُ عن هذين، فتكونَ ألينَ مِن الحجارة. وحقيقتُه أنَّ هؤلاء عند مَن عرفَ شأنَهم منكم على هذه الصورة، أو أشدَّ منها، فأمَّا عند اللَّه، فهو كأحدهما بعينِه لا شكَّ فيه، وأنتم لتقارب الأمرين تشكُّون فيه، وكذا قولُه: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وقولُه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]. وقيل: هذا في فريقين؛ أي: بعضُكم كذا، وبعضكم كذا. وقيل: هذا تأسيسٌ للتَّقريرِ في القلوب، فبَدأ بما يعرفونه في نهاية الشِّدَّة، فشبهها

стр. 860

بالحجارة، ثمَّ بيَّن كمالَ قسوتِها أنَّها أقسى منها، وقد يُبدأ في الإخبار بالأَدنى، ثمَّ بالأعلى، وهذا (١) أوقع في القلب، قال تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ثمَّ قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وقال النبيُّ ﷺ لأصحابه: "إني لأرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّة"، فكبَّروا، ثم قال: "إنِّي لأرجو أن تكونوا نصفَ أهل الجنَّة"، فكبَّروا، ثمَّ قال: "إنِّي لأرجو أن تكونوا ثُلُثَي أهل الجنَّة" (٢). وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ مرفوعٌ لأنَّه معطوفٌ على معنى الكاف في قوله تعالى: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾، فإنَّ معناه: مثلُ الحجارة (٣). وقولُه: ﴿قَسْوَةً﴾ نصب على التفسير، كقوله (٤): هو أحسنُ الناس خلقًا، وأتمُّهم رفقًا.

стр. 861

وقال الإمام أبو منصور ﵀: ضرب اللَّه مثلًا لقلوبهم، فشبَّهها بالحجارةِ؛ لِقَساوتها وشدَّتها، وأنَّها أشدُّ قسوةً مِن الحجارة، وذلك أنَّ مِن الحجارة مع صلابتها وشدَّتِها مع فقد أسبابِ الفهم والعقلِ عنها، وزوالِ الخِطابِ منها، تخضع له وتتصدَّع، قال اللَّه تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقلبُ الكافرِ مع وجودِ أسباب الفهم والعقل (١)، وسَعَةِ هيئةِ القَبول، لا يَخضعُ له ولا يَلين. وكذلك أخبرَ اللَّهُ تعالى عن الجبال أنَّها تَلينُ وتَخضعُ لهول ذلك اليوم بقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، وقلبُ الكافرِ لا يلينُ أبدًا، و (٢) يقال: إنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ مِن الجبالِ منافعَ للخلقِ مع صلابتِها وشِدَّتِها، حتَّى يتفجَّرَ منها الأنهارُ والمياهُ، وقلبُ الكافر -مع احتمال ذلك وإمكانه- لا منفعةَ فيه (٣) لأحدٍ. ثمَّ وجهُ حكمةِ ضربِ قلوبهم مثلًا بالحجارة وتشبيهها بها دونَ غيرِها مِن الأشياءِ الصُّلبة مِن الحديد (٤) والصُّفْرِ وغيرهما، وذلك واللَّه أعلم أنَّ الحديدَ تُلَيِّنُه النَّارُ، وكذا الصُّفر حتَّى يُضرب منها (٥) الأواني، والحجرُ لا تُلَيِّنُهُ نارٌ ولا شيءٌ (٦)، فلذلك شبَّه قلبَ الكافرِ بها.

стр. 862

قال: وهذا -واللَّه أعلم- في قومٍ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يؤمنون بها (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ واللام في ﴿لَمَا﴾ للتَّأكيد، و"ما" خبرُ "إنَّ"، وهو مرفوعٌ ومعناه: الذي؛ أي: الحجرُ الذي يتفجَّرُ منه (٢)، والهاءُ تَرجعُ إلى "ما"، لا إلى الحجارة، وقيل: ترجع إلى "مِن" في قوله: ﴿مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ فإنَّه للتَّبعيضِ، ومعناه: وإنَّ بعضَ الحجارة، وعلى هذا تكونُ "ما" صلةً زائدةً، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، و ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، تقديرُه: وإنَّ بعضَ الحجارةِ ليتفجَّرُ منه الأنهار. و ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ أي: يسيلُ واسعًا كثيرًا. والأنهارُ جمعُ نهرٍ، وهو معروف، ومعناه: المجرى الواسعُ من (٣) مجاري الماء. وقيل: هذا على العموم في جميع الأحجار العظام (٤) التي يخرجُ منها الأنهارُ والأودية. وقيل: هو على الخصوص، وهو حجرُ موسى ﵇ الذي كان يضربُه موسى (٥) بعصاه فينفجر منه اثنتا عشرةَ عينًا لاثني عشر سبطًا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أي: يتصدَّعُ فيخرجُ منه

стр. 863

الماءُ (١) القليلُ، و"يَشَّقَّق" أصله: يَتَشقَّق، أُدغِمت التَّاء في الشِّين، كما في قوله: ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾، و ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، و ﴿يَذَّكَّرُ﴾ (٢)، و ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾. ولهذا وجهان كما في الأول: أنَّ (٣) "ما" بمعنى الذي، و"منه" يرجع إليه، و"مِن" بمعنى بعض، و"ما" (٤) زائدة. وقيل: هذا على العموم في كلِّ حجرٍ يَنشَقُّ (٥) فيخرجُ منه ما دونَ النَّهر. وقيل: هو على الخصوص في قصة داودَ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ في "من" و"ما" وجهان كما مرَّ، والهبوطُ: النُّزول، والخشيةُ: الخوفُ عن العلمِ، وهذا على العموم في كلِّ الأحجار عند بعضهم، وهي الأحجارُ التي تنحطُّ مِن رؤوس الجبال مِن خوف ذي الجلال. وقيل: هذا على الخصوص في جبلِ موسى ﵇ الذي تجلَّى له الرَّبُّ ﷻ ، فجعلَه دكًّا، فقرَّر بذلك أنَّ قلبَ الكافر أقسى من الحجارة التي لها هذه الآثار. فإن قالوا: وصفَ اللَّهُ تعالى الحجارةَ بالخشية، وهي لا توجد إلَّا مِن عاقلٍ مميِّزٍ؟ ولنا (٦) أجوبة:

стр. 864

أحدها: أنَّ معناه -واللَّه تعالى أعلم-: وإنَّ مِن الحجارة لما يتردَّى مِن العلوِّ إلى السفلِ منقادًا لحكم اللَّه تعالى، وهؤلاء مصرُّون على العناد وتركِ الانقياد، فجعل الهبوط مثلًا للانقياد، كما يقال: نزلتُ على حكمِ فلان، وقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: الانقيادُ لأمر اللَّه، والكونُ على ما سخَّرهُ وهو شبية بما يعقلهُ (١) مَن يَخشى اللَّهَ، على معنى أنَّه لو وُجِدَ مثلُه مِن العاقل المختارِ كان به خاشيًا للَّه تعالى، وهو كقوله ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: ظهرَ فيه من الميلانِ المسقوط (٢) ما لو ظهرَ مثلُه في حيٍّ مختارٍ كان مريدًا. والثاني: أنَّ المرادَ به الأحوالُ التي تَحدُثُ من الزَّلازل والآيات التي يُخشَى اللَّهُ عندها؛ أي: ومنَ الحجارةِ ما ينزل (٣) ويتزايل (٤) بعضُه مِن بعض؛ مِن أجل ما يريدُ اللَّه به (٥) من خشيةِ عباده له ورجوعِهم إليه. والثالث: أنَّه لو أُريدَ (٦) حقيقةُ الخشية منها، فهو على أن يَخلقَ اللَّهُ تعالى فيها الحياةَ والتَّمييزَ، وليس شرطُ (٧) خلقِ الحياةِ والتمييزِ في الجسم أن يكون على بُنيةٍ مخصوصةٍ عند أهل السُّنَّةِ والجماعة، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وعلى هذا إنطاقُ جلودِ

стр. 865

الكفَّارِ يوم القيامة، وحنينُ الجِذع (١)، وتسليمُ الأحجارِ على رسول اللَّه ﷺ (٢)، وتسبيحُ الحصا في كفِّه (٣)، وكلام الشَّاة المسمومة (٤)، ومجيءُ الشَّجرتين إلى النبيِّ ﷺ حتَّى تستَّر (٥) بهما وقضى (٦) حاجتَه، ثمَّ رجوعهما إلى مكانهما (٧)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ ابنُ كثير بالياء على المغايبة رجوعًا إليها من المخاطبة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقرأ الباقون بالتَّاء على المخاطبة (٨)، كما في أوَّل الآية، وهذا أبلغُ وعيدٍ (٩)؛ أي: لا يَخفى على اللَّه شيءٌ مِن أعمالكم، فيجازيكم بها. * * *

стр. 866

(٧٥) - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وانتظامُه بما قبلَه أنَّ النبيَّ ﷺ والصَّحابةَ ﵃ لمَّا سَمعوا هذه الآيات، وهي في مخاطبة اليهود، طمعوا أن يؤثِّرَ ذلك في قلوبِهم فيؤمنوا، قال اللَّهُ تعالى: أفترجون -وهذا استفهامٌ بمعنى النهي؛ أي: لا ترجوا، وهو خطابٌ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه- مِن هؤلاء القاسيةِ قلوبُهم أنْ يُصَدِّقوكم؟ وآمَنَ له؛ أي: صدَّقه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، يقول: لا تَطمعوا فيهم (١) أن يصدقوكم بما جاء به محمد ﷺ . وقيل: هو خطابٌ للنبيِّ ﵊ (٢) على الخصوص بكلمة الجمعِ؛ تعظيمًا له، كما قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]؛ قيل: أي: عليه، وإنَّما جمعَ للتعظيم، ثمَّ هذا تأييسٌ مِن إيمانهم، وهم قومٌ بأعيانهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. ثمَّ بيَّن معنى بُعد الطَّمعِ عن ذلك بما بعدَه، وهو قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ أي: وهؤلاء أولادُ قومٍ (٣) سمعوا كلامَ اللَّه، وهم السَّبعون الذين اختارَهم موسى صلوات اللَّه عليه للميقات. وقد ذكر الكلبيُّ أنَّهم سألوا موسى أنْ يَسألَ اللَّهَ تعالى أن يُسمعهم كلامَه، فقال

стр. 867

لهم: اغتسلوا، والبسوا الثِّيابَ النظيفةَ، ففعلوا، فأسمعَهم اللَّهُ كلامَه، فقال: إنِّي أنا ربُّكم لا إله إلا أنا الحيُّ القيُّوم (١). وزاد الضَّحَّاكُ في هذا أنَّه قال: أوصيكم ببرِّ الوالدين، وألَّا تسرقوا (٢)، ولا (٣) تزنوا، ولا يظلمَ بعضُكم بعضًا، ولا تقطعوا السُّبُل (٤)، ولا يشهد بعضُكم على بعضٍ زورًا. لكنَّ الصَّحيحَ أنَّهم لم يسمعوا كلامَ اللَّه بلا واسطة، فإنَّ ذلك كان لموسى ﵇ على الخصوص، لم يشركهُ فيه غيرُه في الدُّنيا، ومعنى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ أي: التوراةَ من موسى بقراءته، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ التَّحريفُ: التغيير، والانحراف: الميلُ، والتَّحرُّفُ كذلك، قال اللَّه تعالى (٥): ﴿مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ وقلم محرَّفٌ: مائلُ الرأس، فتحريفُ الكلام: إمالتُهُ عن وجهِه إلى غير وجهِه.

стр. 868

وأمَّا تفسيرُه فقد قال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: أي: يُحرِّفون التوراة (١). وقال محمد بن إسحاق والربيع: أي: الوحي الذي يسمعونه من موسى ﵇ مِن بعد ما علِموا تأويلَه، وعرفوه (٢) وفهموه (٣). وقيل: هو تحريفُ أحكام الكتاب، فإنَّهم كانوا يُفتون المستفتين مِن الفقراء بما في الكتاب، وإذا استفتاهم الغنيُّ أخذوا الرِّشوة، وغيَّروا حكمَ التَّوراة (٤) على وفق هوى الغنيِّ، كما غيَّروا آيةَ الرَّجم تخفيفًا على الأغنياء بأخذ الرِّشوة، وغيَّروا حكمَ الكتاب، يقول: كيف يؤمِنُ هؤلاء وهم يقلِّدون أولئك الآباء. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أنه من عند اللَّه، ويعلمون أنَّه رسولُ اللَّه، وأنَّه حقٌّ. وقال: معنى الآية أنَّهم مع كثرةِ ما عاينوا من الآياتِ، وشاهَدوا من العجائب في عهد موسى صلوات اللَّه عليه؛ لم يَطمع هو في إيمانهم، فكيف طمعتُم أنتم في إيمان هؤلاء وهم أتباعُهم؟ (٥) وقيل: معناه: كيف ترجون إيمانَ أتباعِ هؤلاء، وفريقٌ مِن هؤلاء سمعوا القرآنَ مِن النبيِّ ﷺ ، ثمَّ حرَّفوا تأويلَهُ بعد ما علموه. وقال القفال: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾؛ أي: يتأوَّلونه على غيرِ تأويلِه، ويَعدِلون به عن

стр. 869

جهتِه مِن بعد ما عقلوا (١) تأويلَهُ عن اللَّه تعالى، وهم يعلمون أنَّهم يحرفونَه باطلًا ويتعمَّدونه حسدًا وبغيًا؛ أو يعلمون (٢) أنَّه يُورِثُ الوِزْرَ والعقوبةَ، وليس قوله: ﴿عَقَلُوهُ﴾ وقوله (٣): ﴿يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا واحدًا. وقال القشيريُّ: آيسَهُم عن إيمانِهم، وذَكَر أنَّهم بعد سماعِ الخطابِ مِن (٤) اللَّه تعالى حرَّفوهُ وقد عقلوه وعرفوه، فكيف يؤمنون لكم، وإنَّما يَسمعون بواسطة الرسالة؟ ومَن لم يبقَ على الإيمان بعد العيان، فكيف يؤمنُ بالبرهان، والذي لم يَصلُح للحقِّ لا يَصلُح لكم، ومن لم يَحتشِم مِن اللَّه كيف (٥) يحتشمُ منكم؟! (٦) * * * (٧٦) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾؛ أي: وإذا لقي المنافقون، وهم الذين كانوا من أهلِ الكتاب، وآمنوا بلسانهم خوفًا من القتل والسَّبي، وهم يُضمِرون الكفرَ، إذا لقوا المؤمنين المخلِصين مِن أصحاب رسولِ اللَّه ﷺ ، ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: نحن مؤمنون مثلَكم مخلصون.

стр. 870

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: صاروا على الخَلْوَة مع رؤسائهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ووهب بن يهودا. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: قال هؤلاء الرؤساء مِن اليهود لهؤلاء المنافقين: أتحدِّثونَهم هذا (١) استفهامٌ بمعنى النَّهي؛ أي: لا تُحَدِّثوا (٢) العربَ بما فتح اللَّهُ تعالى عليكم؛ أي: أنزلَ اللَّهُ تعالى عليكم، وهو ما في التَّوراة من نعتِ النَّبيِّ ﷺ ، وحقِّيَّةِ (٣) رسالتِه ودينِه وكتابِه، وهذا كما في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: لأنزلنا. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وأبو العالية والحسنُ وقتادة: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِن باب العلمِ بصفاتِ (٤) النبيِّ ﷺ المبشر به (٥). وقيل: بما علَّمكمُ اللَّهُ مِن ذلك، وهو مِن قولِك: استفتَحتُه، ففتحَ عليَّ؛ أي: سألتُهُ فعلَّمني، ويقال: افتح عليَّ في أمري؛ أي: عرِّفني وجههَ وطريقه. وقيل: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أوجبَ عليكم وحكمَ عليكم؛ مِن أخذِ الميثاق في كتبكم؛ ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾

стр. 871

[آل عمران: ٨١]، وهو من قولهم للحاكم: فتَّاح، وقال تعالى (١): ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ أي: احكم. وقال مجاهد: أي: بما حكم عليكم، كما (٢) جعلَ منكم القردةَ والخنازير، فلا تُقرُّوا به عندهم فيعرفوا (٣) به عنادَكم وعنادَ آبائكم. وقيل: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: نصرَكُم حين استفتحتُم برسول اللَّه ﷺ آخرَ الزمان في مغازيكم؛ أي: استنصرتُم به. وقوله تعالى: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان المنافقون يُحَدِّثون العربَ بما عُذِّبوا به، فيقول لهم رؤساؤهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِن العذاب ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي (٤): ليقولوا: نحنُ أكرمُ على اللَّه مِنكم، وأحبُّ إليه منكم (٥). وقال مقاتلُ بن سليمان: نزلت في اليهود، وذلك أنَّ الرجلَ المسلمَ كان يرى مِن اليهود رضيعَه أو حليفه، فيسأله: أتجدون محمَّدًا في كتابكم؟ فيقولون: نعم، هو حقٌّ نعرفُه، فسمع كعبُ بنُ الأشرف ومالكُ بن الصَّيف وأصحابُهما، وقالوا لليهود في السِّرِّ: أتحدثون أصحابَ محمَّدٍ بما فتحَ اللَّهُ عليكم مِن نعتِ محمَّدٍ ليُحاجُّوكم به عند ربِّكم، باعترافكم بأنَّه نبيٌّ، ثمَّ لا تتابعونه (٦).

стр. 872

قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: في القيامة، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]. وقيل: أي: يكون لهم (٢) حجَّةٌ عند اللَّه في الدُّنيا والآخرة. وقال الحسن: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: في ربكم، فيكونوا هم أولى به منكم إذا قامت حجَّته (٣) عليكم (٤). وقيل: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: في حكم ربِّكم، وهو كقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وقولِه : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥) [التوبة: ٣٦]؛ أي: ليحتجُّوا به عليكم، بإقراركم أنَّ اللَّهَ تعالى حكمَ عليكم فيما أخذ عليكم من الميثاق الذي بيَّنَّا: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرُه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بما نزَّلَ عليكم (٦) مِن عندِ ربكم ليُحاجُّوكم به. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هو متَّصِل بكلامهم أيضًا؛ أي: أفلا تعقلون أنَّكم إنْ فعلتُم ذلك عادتِ الحُجَّةُ عليكم؟ وفيه عيبُكم وعيبُ سَلَفِكم. وقال الحسن: هذا متَّصلٌ بقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ في إيمانِ مَن هذا (٧) صفتُه، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّه لا يكون.

стр. 873

(٧٧) - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: هؤلاء المنافقون، أو هؤلاء اليهود. قوله تعالى (١): ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: ما يُخفون وما يُظهرون مِن القول والعمل. وقيل: ما يُسرُّون مِن الاعتقاد، ويعلنون من الإقرار. وقيل: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ مِن الحقِّ، وهو نعتُ محمَّدٍ ﷺ ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مِن الكذب والباطل. وقيل: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ من قولهم (٢) النِّفاقَ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الشَّهادة باللِّسان. وقيل: ﴿مَا يُسِرُّون﴾ قولِهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من قولهم: هو نبيٌّ حقٌّ، وهو في كتابنا مذكور. وقوله تعالى (٣): ﴿أَوَلَا﴾ (٤) استفهامٌ بمعنى التَّقرير، وهو تعجيبٌ للصَّحابة منهم؛ أي: ألا تَتعجَّبون مِن عنودهم وإِنكارِهم لنعتِ (٥) محمَّدٍ ﷺ في كتبهم، ويعلمون أنَّ اللَّهَ يَعلمُ ما يسرُّون وما يعلنون. ويجوز أن يكونوا لا يعلمون ذلك، ويكون قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ تحريضًا على

стр. 874

تَعرُّفِ ما يُفيدُهم العلمَ، كقولك للرجل: ألَا تفعلُ كذا؟ وهو لا يفعلُه (١)؛ تحرضه (٢) على أن (٣) يفعلَه. والإسرارُ: الإخفاء، والاستسرار (٤): الاختفاء، والإعلان: الإظهار، والعُلُون والعلانيةُ والاستعلان: الظهور، والعَلَنُ نقيضُ السِّرِّ. * * * (٧٨) - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: ومن اليهود أمِّيُّون؛ أي: قومٌ لا يَكتبون ولا يقرؤون مِن كتابٍ، سُمِّيَ الأُمِّيُّ به؛ لأنَّه على الخِلقةِ التي ولدتهُ الأمُّ عليها، وهي عدمُ الكتابة والقراءة مِن الكتاب. وقيل: هو منسوبٌ إلى الأم، والأمُّ مِن النساء، والغالبُ فيهنَّ عدمُ الكتابة والقراءة منها. وقيل (٥): منسوبٌ إلى الأمِّ الذي هو الأصل، والأصلُ هذا أيضًا، فإنَّ الكتابة تكون بالتعلُّم لا بالخلقة. وقيل (٦): منسوبٌ إلى الأُمَّة، وهي جمهور العامَّة، والأصلُ فيهم هذا أيضًا. فأمَّا تسميةُ العرب أمِّيِّين فلأنَّ الأصلَ فيهم عدمُ الكتابة، وهي في بعضهم

стр. 875

نادرةٌ، ولأنَّهم مِن أمِّ القرى، وهي مكَّة، والنبيُّ ﷺ سُمِّيَ أمِّيًّا؛ لأنَّه مِن العرب، ولأنَّه مِن أمِّ القُرى، ولأنَّه كان -أي: النبيَّ ﷺ (١) - لا يكتبُ ولا يقرأُ مِن كتاب. وعين (٢) هذه الصِّفة ليست بمدحٍ ولا ذمٍّ، وهي في حقِّه ﵊ كانت دلالةَ صحَّة دعواه؛ لما (٣) قال اللَّه تعالى في هذه الآية: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾؛ أي: ظنوا أنَّه يأخذُها مِن كتابٍ يكتبُه. وفي هذه الآية ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ هذا ذمٌّ لهم؛ لعدم العلم، وتقليدِهم رؤساءَهم في الباطل. وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٤) هو جمع أمنيَّة، كالأثافيّ جمع أُثفِيَّة، وللأماني ثلاثة تفاسير: أحدها: أنها الأكاذيب، قال عثمان بن عفان: ﵁: ما تمنَّيت منذ أسلمت، ولا مَسِستُ فرجي بيميني منذ بايعتُ بها (٥) النبيَّ ﷺ ، ولا أكلتُ الكرَّاثَ ونحوهُ منذ قرأتُ القرآن (٦). وبه قال ابن عباس ومجاهد ﵃: إنَّها الأحاديث المختلقة (٧)؛ أي: أخذوها مِن علمائهم تقليدًا، وهو كقوله

стр. 876

تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية. والثاني: أنَّها القراءات، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، وقال حسان يرثي عثمان رضي اللَّه تعالى عنهما: تمنَّى كتابَ اللَّهِ أوَّلَ ليلِهِ... وآخرَهُ (١) لاقى حِمامَ المقابرِ (٢) أي: وما يَعلَمُ هؤلاء السَّفِلةُ حقيقةَ المنزَلِ، وإنَّما يَقرؤون أشياءَ أخذُوها من أحبارهم، وقراءَتُهم على هذا الوجهِ لا ينفي اسمَ الأمِّيِّينَ عنهم؛ لأنَّ الأمِّيَّ مَن لا يكتبُ ولا يَقرأ عن كتابٍ، لا من لا يقرأ أصلًا. والثالث: أنَّها الشَّهوات، قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤]، وقال عزَّ وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ [النساء: ٣٢]؛ أي: لا يعلمون الكتابَ شيئًا إلَّا ما يُمَنِّيهم كبراؤهم وعلماؤهم مِن دخولِهم (٣) الجنَّة بإقامتهم على دينهم. وقال الأخفش: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٤) استثناءٌ منقطع؛ لأنَّه ليس المستثنى مِن جنس

стр. 877

المستثنى منه، وكلُّ موضعٍ يَحسُنُ فيه مكان "إلَّا" "لكن"، فهو استثناءٌ منقطع، وهاهنا يحسُن، تقديره: لا يعلمون الكتاب لكن يَتَّبعونَ الأماني، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] (١). وقوله تعالى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾؛ أي: وما هم إلَّا ظانِّين، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، يعني: ما الكافرون (٢). وصف في الآية الأولى تحريفَ الأحبار، وفي هذه الآية تقليدَ العوام، وإيصالُ (٣) هذه (٤) وتلك بما قبلها أنَّه تعالى وصفَ هؤلاء القومَ أنَّهم غيرُ عالمين بالكتابِ، وتشبُّثُهم بمخترعات (٥) رؤسائِهم كذبًا لا حقيقة لها، فبَعَّد الطَّمَعَ في إيمان هؤلاء بهذا السبب؛ أي: أفتطمعون في إيمان هؤلاء، وهم جاهلون مقلِّدون، وأولئك معاندون. * * * (٧٩) - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: الويلُ: العذاب (٦).

стр. 878

وقال الكلبيُّ: هو الشَّديدُ مِن العذاب (١). وقال الأصمعيُّ: هو تقبيحٌ مِن اللَّه فعلَهم، قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٢). وقيل: هي كلمةُ تحسُّرٍ وتَفجُّعٍ، قال تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾. وروى عثمانُ رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال (٣): "الويلُ جبلٌ في النَّار" (٤). وروى أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁، عن النبيِّ ﵊ قال: "الويلُ وادٍ في جهنَّم، يَهوي فيه الكافرُ أربعين خريفًا قبل أنْ يبلغَ قَعْرَه" (٥). وقال أبو عياض (٦): هو وادٍ من صديد في أصل جهنم (٧). وقيل: هو في اللُّغة: الهلاك، وقيل: الفضيحة، وقيل: حلول الشر. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراةَ مغيَّرًا مبدلًا (٨).

стр. 879

وقوله ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ قيل: هو تأكيدٌ للفعل بحصولِه بما هو مختصٌّ به، وهو كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقولِه: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقيل: هو تحقيقٌ ونفيٌ للمجاز؛ أي: يتولَّونه بأنفسِهم، فقد يقول الإنسان: كتبتُ إلى فلانٍ، إذا أمرَ غيرَهُ أن (١) يكتبَ عنه إليه، وإذا قال: كتبتُ بنفسي، أو بيدي، فقد أخبر أنَّه باشرَهُ بنفسه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: يشيرون إلى الذي (٢) كتبوه وهو مغيَّر أنَّه (٣) منزَّلٌ من عند (٤) اللَّه تعالى. وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: يكتبون ذلك ليأخذوا به ما الكثيرُ منه قليل؛ لأنَّه فانٍ غيرُ باقٍ؛ فإنَّ المأكولَ يَذهبُ، والملبوسَ يبلى (٥)، والرِّياسةَ تزولُ بالموت. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: مغيَّرًا، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: يُحَصِّلونَ لأنفسِهم مِن حُطام الدُّنيا بهذا الفعل، وقد كَسَبَ كسْبًا، واكتَسَبَ اكتِسابًا. وقيل: إنَّ الاكتسابَ هو اجتلابُ الحظِّ بما هُيِّئَ له من الأسباب. وتبديلُهم كان بتغيير نعتِ النبيِّ ﷺ ، فقد كان في التَّوراة أنَّه أسمرُ، رِبْعَةٌ، فبدَّلوهُ

стр. 880

بأنَّه أبيضُ طويل أعور، وهي من صفات الدَّجَّال، واكتسابُهم كان ببيع (١) المكتوب بالثَّمن، ويأخذون (٢) الرِّشوةِ مِن أغنيائهم (٣). ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ الويلَ في هذه الآية ثلاثَ مرَّاتٍ، وله وجوه: أحدها: أنَّه في حقِّ تضييع حقِّ رسوله المصطفى -صلي اللَّه عليه وسلم- بتبديل نعتِه، واللَّهُ تعالى يبالغ (٤) في وعيدِ مضيِّع حقِّ أحبائه (٥) ما لا يُبالغ في وعيد مضيِّع حقِّه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] وهذا في حقِّ نفسِه، وهو مرَّة، وقال هاهنا في حقِّ مضيِّع حقِّ نبيِّه ثلاثًا، وهو كقوله في حقِّ مَن وصفَ اللَّهَ تعالى بالفقر (٦) ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]، وهذا مرَّة، وقال (٧) في حق من عاب عائشة ﵂: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. والثاني: أنَّ الأوَّل (٨) هو أخذُ الجزية والمذلَّة في الدُّنيا، والثاني هو عذاب القبر. والثالث: وهو (٩) عذاب النار، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]؛ أي: في الدُّنيا والقبر والموقف (١٠) والجحيم.
следующие страницы →