← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية. والثاني: أنَّها القراءات، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، وقال حسان يرثي عثمان رضي اللَّه تعالى عنهما: تمنَّى كتابَ اللَّهِ أوَّلَ ليلِهِ... وآخرَهُ (١) لاقى حِمامَ المقابرِ (٢) أي: وما يَعلَمُ هؤلاء السَّفِلةُ حقيقةَ المنزَلِ، وإنَّما يَقرؤون أشياءَ أخذُوها من أحبارهم، وقراءَتُهم على هذا الوجهِ لا ينفي اسمَ الأمِّيِّينَ عنهم؛ لأنَّ الأمِّيَّ مَن لا يكتبُ ولا يَقرأ عن كتابٍ، لا من لا يقرأ أصلًا. والثالث: أنَّها الشَّهوات، قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤]، وقال عزَّ وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ [النساء: ٣٢]؛ أي: لا يعلمون الكتابَ شيئًا إلَّا ما يُمَنِّيهم كبراؤهم وعلماؤهم مِن دخولِهم (٣) الجنَّة بإقامتهم على دينهم. وقال الأخفش: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٤) استثناءٌ منقطع؛ لأنَّه ليس المستثنى مِن جنس

стр. 877

المستثنى منه، وكلُّ موضعٍ يَحسُنُ فيه مكان "إلَّا" "لكن"، فهو استثناءٌ منقطع، وهاهنا يحسُن، تقديره: لا يعلمون الكتاب لكن يَتَّبعونَ الأماني، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] (١). وقوله تعالى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾؛ أي: وما هم إلَّا ظانِّين، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، يعني: ما الكافرون (٢). وصف في الآية الأولى تحريفَ الأحبار، وفي هذه الآية تقليدَ العوام، وإيصالُ (٣) هذه (٤) وتلك بما قبلها أنَّه تعالى وصفَ هؤلاء القومَ أنَّهم غيرُ عالمين بالكتابِ، وتشبُّثُهم بمخترعات (٥) رؤسائِهم كذبًا لا حقيقة لها، فبَعَّد الطَّمَعَ في إيمان هؤلاء بهذا السبب؛ أي: أفتطمعون في إيمان هؤلاء، وهم جاهلون مقلِّدون، وأولئك معاندون. * * * (٧٩) - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: الويلُ: العذاب (٦).

стр. 878

وقال الكلبيُّ: هو الشَّديدُ مِن العذاب (١). وقال الأصمعيُّ: هو تقبيحٌ مِن اللَّه فعلَهم، قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٢). وقيل: هي كلمةُ تحسُّرٍ وتَفجُّعٍ، قال تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾. وروى عثمانُ رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال (٣): "الويلُ جبلٌ في النَّار" (٤). وروى أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁، عن النبيِّ ﵊ قال: "الويلُ وادٍ في جهنَّم، يَهوي فيه الكافرُ أربعين خريفًا قبل أنْ يبلغَ قَعْرَه" (٥). وقال أبو عياض (٦): هو وادٍ من صديد في أصل جهنم (٧). وقيل: هو في اللُّغة: الهلاك، وقيل: الفضيحة، وقيل: حلول الشر. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراةَ مغيَّرًا مبدلًا (٨).

стр. 879

وقوله ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ قيل: هو تأكيدٌ للفعل بحصولِه بما هو مختصٌّ به، وهو كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقولِه: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقيل: هو تحقيقٌ ونفيٌ للمجاز؛ أي: يتولَّونه بأنفسِهم، فقد يقول الإنسان: كتبتُ إلى فلانٍ، إذا أمرَ غيرَهُ أن (١) يكتبَ عنه إليه، وإذا قال: كتبتُ بنفسي، أو بيدي، فقد أخبر أنَّه باشرَهُ بنفسه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: يشيرون إلى الذي (٢) كتبوه وهو مغيَّر أنَّه (٣) منزَّلٌ من عند (٤) اللَّه تعالى. وقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: يكتبون ذلك ليأخذوا به ما الكثيرُ منه قليل؛ لأنَّه فانٍ غيرُ باقٍ؛ فإنَّ المأكولَ يَذهبُ، والملبوسَ يبلى (٥)، والرِّياسةَ تزولُ بالموت. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: مغيَّرًا، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: يُحَصِّلونَ لأنفسِهم مِن حُطام الدُّنيا بهذا الفعل، وقد كَسَبَ كسْبًا، واكتَسَبَ اكتِسابًا. وقيل: إنَّ الاكتسابَ هو اجتلابُ الحظِّ بما هُيِّئَ له من الأسباب. وتبديلُهم كان بتغيير نعتِ النبيِّ ﷺ ، فقد كان في التَّوراة أنَّه أسمرُ، رِبْعَةٌ، فبدَّلوهُ

стр. 880

بأنَّه أبيضُ طويل أعور، وهي من صفات الدَّجَّال، واكتسابُهم كان ببيع (١) المكتوب بالثَّمن، ويأخذون (٢) الرِّشوةِ مِن أغنيائهم (٣). ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ الويلَ في هذه الآية ثلاثَ مرَّاتٍ، وله وجوه: أحدها: أنَّه في حقِّ تضييع حقِّ رسوله المصطفى -صلي اللَّه عليه وسلم- بتبديل نعتِه، واللَّهُ تعالى يبالغ (٤) في وعيدِ مضيِّع حقِّ أحبائه (٥) ما لا يُبالغ في وعيد مضيِّع حقِّه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] وهذا في حقِّ نفسِه، وهو مرَّة، وقال هاهنا في حقِّ مضيِّع حقِّ نبيِّه ثلاثًا، وهو كقوله في حقِّ مَن وصفَ اللَّهَ تعالى بالفقر (٦) ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]، وهذا مرَّة، وقال (٧) في حق من عاب عائشة ﵂: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. والثاني: أنَّ الأوَّل (٨) هو أخذُ الجزية والمذلَّة في الدُّنيا، والثاني هو عذاب القبر. والثالث: وهو (٩) عذاب النار، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]؛ أي: في الدُّنيا والقبر والموقف (١٠) والجحيم.

стр. 881

وقيل: الويلُ الأوَّلُ بقولهم: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، والثَّاني بالتَّحريف، والثَّالثُ في اجتلاب (١) حطام الدنيا به (٢). * * * (٨٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾؛ أي: وقال هؤلاءِ حين أوعِدوا بالتَّحريف والكسب الخبيث: نحن أولادُ الأنبياء، ولن نُعذَّبَ يومَ القيامة إلَّا مدَّة يسيرة. قال ابنُ عبَّاسٍ والضَّحَّاكُ وقَتادة وعكرمةُ والسُّدِّيُّ: هي أربعون يومًا، وهي مدَّة غيبةِ موسى ﵇ عنهم وعبادتِهمُ العجلَ فيها (٣). وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في رواية: هي أربعون سنة (٤). وهي المدَّة التي حُبِسوا فيها في التِّيه. وقال مجاهدٌ والحسن: هي سبعة أيام. وهي في قصَّة نزولِ الآية، وأنَّ (٥) النبيَّ ﷺ دخل المدينة، فوجد اليهودَ يقولون: إنَّ أيَّامَ الدُّنيا سبعةُ آلاف سنة، فنُعذَّب مكان كلِّ ألف سنةٍ يومًا، فنزلت الآية ردًا عليهم (٦).

стр. 882

وقال أبو منصور ﵀: لا معنى لصرف هذه الأيَّام إلى أيَّام عبادة العِجْل؛ لأنَّ هؤلاء لم يعبدوا العجلَ، وإنَّما عبدَ آباؤهم. ولو صُرف ذلك إلى آبائِهم الذين عَبدوا العجل لم يحتمل أيضًا؛ لأنَّهم قد تابوا عن ذلك، وقد (١) قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وتصرفُ الأيَّام المعدودةُ إلى العمر الذي عصَوا فيه، وهم لم يروا التَّعذيب إلَّا على قدر (٢) وقت العصيان أو كانوا لا يرون التخليد في النَّار، أو لأنَّهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فلا نُعذَّب أبدًا، بل نُعذَّبُ تعذيبَ الأبِ ابنَه، أو الحبيبِ حبيبَه في وقتٍ قليلٍ، ثمَّ يَرْضى. وهذا منهم باطلٌ، وعقوبةُ الكفر أبدًا، وثوابُ الإيمان كذلك؛ لأنَّ مَن اعتقدَ دِينًا إنَّما يعتقدُه للأبد، فعلى ذلك (٣) جزاؤه للأبد، فأمَّا مَن ارتكب ذنبًا من المسلمين لشهوةٍ تغلِبُه، فيرتكبُه ثمَّ يتركُه، فإنَّما يعاقبُ إذا عُوقِب بقدرِ ما ارتكبَ في وقت؛ لأنَّه لم يرتكبه للأبد، لذلك افترقا (٤). قوله ﴿مَعْدُودَةً﴾ (٥) هذا للتعليل لا ما دخل في العدد فسريعًا ينفد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وفي سورة آل عمران: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، واليوم مذكر، فإذا جمع صار مؤنَّثًا، فيُقال: معدودة، ثم يجمَعُ الجمعُ على: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُ

стр. 883

مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١]، وهذا مِن صفاتِ الملائكة، مَلَكٌ معقِّب، وملائكة معقِّبَة بالجمع (١) بالهاء، ثمَّ معقِّبات جمعُ الجمعِ. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قل يا محمد لهم: أتَّخذتم هذا؟ ألفُ الاستفهام بمعنى التوبيخ، والألف المجتلبة ذهبت بالإدراج، وهذه الألفُ المقطوعة ألفُ الاستفهام، وهو كقوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، ومعناه: أخذتُم (٢) مِن اللَّه وثيقةً لكم أنَّه لا يُعذِّبكُم أكثرَ مِن هذه المدَّة؟ فلن يخلفَ اللَّهُ وعدَه (٣)، وهو قول قتادة (٤). وقيل: معناه: هل قلتم: لا إله إلَّا اللَّه؟ فلن يخلفَ اللَّه وعده (٥) في حقِّ مَن قال ذلك (٦). والعهدُ بمعنى الوعد، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، ثمَّ قال ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧]. وقال ابنُ عباس ﵄ والضحَّاك: معناه: هل آمنتم باللَّه؟ وقد بيَّنَّا وجوهَ العهد لغةً وشرعًا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لهذا وجهان:

стр. 884

أحدهما: هل عندكم خبرٌ عن اللَّه تعالى أنَّكم لا تُعذَّبون أبدًا، لكن أيَّامًا معدودة؟ فإن كان لكم هذا فهو لا يُخْلِفُ وعدَه. والثاني: أي: ألكم عند اللَّه أعمالٌ صالحةٌ وعدَكم بها الجنَّةَ؟ فهو لا يخلفُ وعدَه (١). وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: بل تَقولون كاذِبين على اللَّه ما لا علمَ لكم به. وقال عكرمة: خاصمتِ اليهودُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: لن نَدخلَ النَّارَ إلَّا أربعينَ ليلةً، وسَيَخْلُفُنا إليها قومٌ آخرون -يعنون النبيَّ ﷺ وأصحابَه- فقال النبيُّ ﷺ : "بل أنتم فيها خالدون مخلَّدون، ولا يخلفكم إليها أحدٌ"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢). وقال الرَّبيعُ بن أنس: إنَّ اليهودَ قالوا: إنَّ اللَّه تعالى عَتَبَ علينا في أمرٍ، فأقسمَ ليعذبنَّنا أربعين ليلةً (٣). وقال السُّدِّيُّ: قالت اليهودُ: إنَّ اللَّه يُدخِلُنا النَّارَ، فنَمكثُ فيها أربعين ليلةً (٤)، حتَّى إذا أكلت النَّار خطايانا، نادى منادٍ أن أخرِجوا كلَّ مختونٍ مِن ولد إسرائيل. لذلك أُمِرنا أن نختتن، فلا يَدَعون في النَّار أحدًا منَّا إلَّا أخرجوه منها. * * *

стр. 885

(٨١) - ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال الفراء: ﴿بَلَى﴾ أصله: بل، وهو ردٌّ لما قبلَه، وإثباتٌ لما بعده، ويُذكَرُ على وجه العطف، يُقال: ما قام زيدٌ بل عمرو، فإذا ذُكِر في الجوابِ على وجه الإفراد، زادوا عليه الياءَ؛ ليصلح (١) الوقفُ عليها (٢). وقوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ السَّيِّئةُ (٣) تأنيثُ السَّيِّئ، وهو فَيْعِلٌ من السُّوء (٤)، وأصله: سَيْوِئ، جُعِلَتِ الواوُ ياءً للياء التي قبلَها، كما في السيِّد والجيِّد، وهو العملُ الفاسدُ (٥)، ولذلك ذُكِرَ في مقابلةِ (٦) العملُ الصالح في الآية التي تليها. واختلف في المراد بها هاهنا: قال مجاهدٌ وجماعة: هي الشِّرك (٧) وتأنيثها على هذا يكون على قصد إرادة الفعلة أو الخصلة أو نحوها. وقال الحسنُ وقتادة: السَّيِّئة: هي الكبيرةُ التي أوعدَ اللَّه تعالى عليها النَّار (٨).

стр. 886

والهاءُ للتَّوحيد على هذين القولين. وقال السُّدِّيُّ: السَّيِّئةُ: الذُّنوبُ التي أوعدَ (١) عليها النَّارَ (٢). وعلى هذا تكونُ الهاءُ للجَمْع. وقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: أطافت به من كل وجه. قال القفَّال: كلُّ ذنبٍ خطأٌ وخطيئةٌ؛ لأنَّه ليس بصوابٍ، وإحاطتُه بالعبدِ أن يكون ذنبًا أحبطَ ثوابَ كلِّ أعمالِه، وليس ذلك إلَّا الشِّركَ. ويجوز أن يكون معناه: من كسب شِركًا، وأحاط به ذلك؛ أي: أقامَ عليه حتَّى مات. ويجوزُ أن يكون (٣) ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: أهلكته، واشتمَلتْ عليه، فلا يَتَخلَّصُ مِنها، من قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١]؛ أي: قد حصرَها لكم واحتَبسَها عليكم، بحيث لا خروجَ لها عن أيديكم متى قصدتُم الاستيلاءَ عليها. ويجوز أن يكون المعنى ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: استولَت عليه وغلَبتهُ، فلم يبقَ لغيرها عليه حكمٌ. ولا حجَّة فيها للخوارج والمعتزلة في تخليدِ صاحب الكبيرة في النَّار أخذًا بظاهرها؛ فإنَّ السَّيِّئةَ اسمٌ للعملِ السَّيِّئ، والخطيئةَ اسمٌ للذَّنب؛ لأنَّا قلنا: إنَّ السَّيِّئة

стр. 887

هي الشِّرك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، وعن ابن عباسٍ والكلبيِّ ومقاتلٍ وجماعةٍ أنَّ معناه: مَن كسبَ شِركًا (١)، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: مات على شركِه، على أنَّ ظاهرَ الآيةِ هو الحجَّةُ القاطعةُ لنا فإنَّه قال: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ وهو أن يكون المشتمِلُ عليه هو الخطيئةُ لا غير، وهو أن لا يكون له شيءٌ غيرُ الذَّنبِ، ومَن كان مؤمنًا فله أعظمُ الطَّاعات، فلا يكونُ الذَّنْبُ محيطًا به، وقراءة (٢) نافعٍ وأبي جعفر (٣): ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ (٤) لأنَّ الإحاطةَ لا تكونُ لشيءٍ واحدٍ، وإنَّما تكونُ لأشياء. ومَن فسَّر السَّيِّئةَ بالشِّرك، والخطيئةَ بالكبائر، فليس اجتماعُهما شرطَ التَّخليدِ في النَّار، بل بالشِّركِ وحدَه يستحقُّ ذلك، لكنَّ الآيةَ ردٌّ لليهود (٥) الذين قالوا ما قالوا، فقال اللَّه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾؛ أي: ليس كما قلتم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، بل مَن كان مثلَكم خُلِّدَ في النَّار، وكانوا مشركينَ مرتكبي كبائرَ، فذكرَهما، ومقتضاهُ أنَّ الكفرَ وحده ممَّا يوجبُ الخلودَ في النَّار، فكيف إذا اجتمعَ إليه الفسقُ بارتكابِ الكبائر؟ وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جَمَعَ هذا وهو راجعٌ إلى قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وهو واحدٌ لفظًا؛ لأنَّ معناه الجمع.

стр. 888

(٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولمَّا أوعدَ (١) الكفَّارَ بالنَّار، أوعد (٢) المؤمنين بالجنَّة. * * * (٨٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: واذكروا أيضًا إذ (٣) أخذنا ميثاقَ بني إسرائيل، وهذا الميثاقُ مشتملٌ (٤) على الإيمان والعمل الصالح المذكورَين قبله، وبه يقعُ الانتظام، ولأنَّه ردَّ قولَهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وأثبتَ استحقاقَهم التَّخليدَ في النَّار بنقضِهم الميثاقَ الذي أخذَ عليهم؛ أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئًا (٥)، ويقولوا في النبيِّ ﷺ حُسْنًا ولا يَكتموا نعتَهُ، فنَقضوا وتَولَّوا وأعرضوا، فاستحقُّوا الخزيَ في الدُّنيا والنارَ في العُقبى. وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٦) قرأ حمزةُ والكسائيُّ والمفضَّلُ عن

стр. 889

عاصم (١) وابنُ كثير بالياء (٢) على المغايبة، وتَرجِعُ إلى بني إسرائيل، وقرأ الباقون (٣) بالتَّاء على خطابِهم به، والعربُ تقول: قل لزيدٍ: لا يَذهب، وقل لزيدٍ: لا تَذهب. ومعنى قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٤) أي: لا تعرفون بالربوبيَّة إلَّا اللَّه (٥) تعالى، والميثاقُ على وجهين؛ عهدِ خلقةٍ وفطرة، وعهدِ رسالةٍ ونبوَّة، وقد مرَّ شرحُه غيرَ مرَّةٍ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تجعلون (٦) الألوهيَّة إلَّا للَّه، ويَحتملُ نفسَ العبادة؛ أي: لا تعبدونَ غير اللَّه من الأصنام وغيرها (٧). ثمَّ قولُه تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ بالنون وهي للرفع لوجوه: أحدهما: ما قال (٨) الكسائيُّ: تقديرُه: أخذنا (٩) ميثاقَ بني إسرائيل بألَّا تعبدوا إلَّا اللَّه، فلمَّا أسقطَ (١٠) "أن" رفعَ الفعلُ؛ لزوال النَّاصب، قال تعالى:

стр. 890

﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقال طرفة: ألَا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوَغى... وأنْ أشهدَ اللَّذاتِ هل أنت مُخْلِدِي (١) يروى: أحضرَ، بالنصب؛ أي: أن أحضرَ الوغى، ولذلك عطفَ عليه: وأن أشهدَ، وكذا قال الأخفشُ والفرَّاءُ وقطرب والزَّجَّاج (٢). والثاني: وهو أحدُ قولي الأخفش وأجازهُ الكسائيُّ والفرَّاءُ والزَّجَّاج: إنَّ (٣) رفعَهُ لأنَّه جوابُ القسم، وهو كقوله: حلَّفتهُ (٤) لا يقوم، وهو حكاية على المعنى (٥). والثالث: قولُ قطرب: إنَّه رفعٌ في موضع الحال في صيغة الفعل، وموضعُه نَصبٌ في الاسم، كقولك (٦): دخلَ عليه يتبسَّم (٧)؛ أي: متبسِّمًا، وتقديرُ هذه الآية: أخذنا ميثاقهم غيرَ عابدين إلَّا اللَّه (٨). والرابع: قول الفرَّاء: إنه مضارعٌ في معنى النهي، جاء على لفظ الخبر، ومثله

стр. 891

في القرآن: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية، على قراءة من يرفع (١)، وفي الخبر: "لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتها" (٢). وقولُه تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ -وهو قولُ الزَّجَّاج-: أضمرَ فيه: ويحسنون بالوالدين إحسانًا (٣)، ودلَّ على إضمار هذا الفعل إظهارُ هذا المصدر، وهو يقتضي الفعل. ومعنى بالوالدين إحسانًا؛ أي: إلى الوالدين، وهذا كقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ أي: إليَّ، ويقال: أحسن به وإليه (٤)، وأساء به وإليه، قال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةً... لدينا ولا مقليَّةً إنْ تَقَلَّتِ (٥) وقيل: المضمرُ: وأوصيناهم، عطفًا على: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾. وقالوا: هذا أوجه؛ لأنَّه تقريرُ الباء التي هي صلةُ الوصيَّة مِن غير تغييرٍ له إلى معنى كلمة "إلى" التي هي صلةُ الإحسان. وقد عظَّم اللَّهُ تعالى حقَّ الوالدين حيث قرنَ حقَّه بحقِّهما في هذه الآية، وفي آياتٍ من كتابه العزيز: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].

стр. 892

وقوله تعالى: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: ذي (١) القرابة، وهو عطف على الوالدين؛ أي: وتحسنون إلى القريب أيضًا، وهو واحدٌ بمعنى الجمع؛ لأنَّه اسمُ جنس. وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ هو عطفٌ على الوالدين وذي القربى (٢) في الأمر بالإحسان إليهم، وهو جمعُ يتيم، وهو الصَّغير الذي مات أبوه، ومن الحيوانات: الصغيرُ الذي ماتت أمُّه، وقد قال ﵊: "لا يُتمَ بعد البلوغ" وروي: "بعد (٣) الحلم" (٤). وقد يَتِمَ يَيْتَمُ يُتْمًا، من حدِّ: عَلِمَ، ويُجمع اليتيم على الأيتام (٥) واليتامى. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ عطفٌ على الوالدين أيضًا في ذلك، وهو جمع مسكين، وهو الذي أسكنته الحاجة. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ أي: أخذنا عليهم الميثاقَ بما سبق، وقلنا لهم في هذا الميثاقِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ ويعقوبُ وعاصمٌ في رواية المفضَّل (٦) عنه: ﴿حَسَنًا﴾ بفتح الحاء والسِّين (٧)

стр. 893

على صيغةِ النَّعت، وهو نعتُ القول؛ أي: قولًا (١) حسنًا. وقرأ الباقون ﴿حُسْنًا﴾ بضمِّ الحاء، وهو اسمٌ ومصدر. وقال الأخفش: الحُسن بالضمِّ عامٌّ يقع على جميع معاني الحسن، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] (٢). وقال مقاتل: ومعناه: قولوا يا أهلَ الكتاب حقًّا وصِدْقًا في حقِّ محمَّدٍ ﷺ (٣)، وأخبِروا بأنَّه مذكور في كتابكم أنَّه رسولٌ حقٌّ. وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ هذا اسمٌ للنبيِّ ﵊ في هذه الآية على الخصوص. وقيل: أرادَ به الصَّحابةَ معه؛ أي: قولوا لهم حسنًا، وصدِّقوهم بما يَقولون. وقال سلمان (٤): أراد به إفشاء السلام (٥). وقيل: أرادَ به ملاطفةَ كلِّ النَّاس في الكلام، فأمرَنا (٦) بالإحسان بالمالِ في حقِّ أقوامٍ مخصوصين، وهم الوالدان والأقرباءُ واليتامى والمساكين، ولمَّا كان المالُ لا يَسَعُ الكلَّ، أمرَ بمعاملة النَّاس كلِّهم (٧) بالقول الجميل الذي لا يَعجِزُ عنه العاقلُ.

стр. 894

وقيل: هو أمرٌ بدعاء النَّاس إلى شهادة أن لا إلهَ إلَّا اللَّه. وقيل: كان هذا أمرًا بملاينة أهلِ الشِّركِ في القول في الابتداء، ثمَّ نسخَتها آيةُ السَّيف. قاله قتادة (١). وقيل: هو الأمرُ بالمعروف والنَّهيُ عن المنكر. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَقُولُوا﴾ وقد مرَّ الكلامُ فيهما، وحاصلُه أنَّه أمر بقَبولهما وأدائِهما على شرائطِهما، وإنَّما ذكرهما تنصيصًا مع دُخولهما في العبادة المذكورة في أوَّل الآية؛ تقديمًا لهما وتخصيصًا، كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتم (٢) ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ أي: لم يتوبوا (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾، أي (٤): عن الوفاء بالعهد؛ أي: بالميثاق، وله ثلاثة أوجه: أحدها (٥): تولَّى أسلافُكم عن الوفاءِ بالعهد معرضين، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ هو على الحال (٦)، كما يقال: مرَّ زيدٌ وهو راكب؛ أي: راكبًا، وإنَّما قال:

стр. 895

"أنتم" على الخطاب؛ لأنَّ قولَه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على الخطاب، وظاهرُه خطابُ أهل عصر النبيِّ ﷺ ، ومعناه خطابُ أسلافِهم بما فعلوا، وقد مرَّ بيانُ وجهِه. والثاني: ثمَّ تولَّى أسلافُكم، وأنتم يا أهلَ عصر النبيِّ ﷺ معرضون كإعراضهم، وقد كان لزمَكُم بهذا الميثاقِ ما لزمهم. والثالث: ثمَ تولَّيتم أنتم يا هؤلاء معرضين عن ذلك أيضًا، مع أنَّه لزمَكم أيضًا. قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءُ من ثبت على الحقِّ مِن السَّلف فلم يتول، وهم السِّبْطان والنِّصفُ الذين لم يَعبدوا العجلَ، والسَّبعون المختارون للميقات. أو استثناء مَن أسلمَ في عصر النَّبيِّ ﷺ ، من عبد (١) اللَّه بن سلام وأصحابِه. وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ قد تكون للتَّرتيب مع التراخي؛ أي: بعد مدَّةٍ (٢) تولَّيتُم، ويَحتملُ أن تكون للتَّعجيب، كما في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ أي: تعجَّبوا منهم أنَّهم مع تأكيدنا (٣) الميثاق عليهم تولَّوا. * * * (٨٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾؛ أي: واذكروا أيضًا إذ أخذْنا ميثاقَكُم. وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أي: لا يسفكْ بعضُكم دمَ بعضٍ؛ أي: لا يُصِب.

стр. 896

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾؛ أي: ولا يخرجْ بعضُكم بعضًا من دارِه فيغصبَها، وهو (١) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. وفي كتاب "العين": الدارُ اسمٌ جامعٌ للعَرْصَةِ والبناءِ والمحلَّة، وكلُّ موضعٍ حلَّ به قومٌ فهو دارٌ (٢)، وجمعُها: ديار، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨]. وقال القفَّال في قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ يدخلُ فيه الأمرُ بفداء الأُسارى، فإنَّ تركَهُم في أيدي العدوِّ سببُ قتلِهم وسفكِ دمائهم. ورفع ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ﴾ بإثبات النُّون فيهما للوجوهِ الأربعةِ التي ذكَرْناها في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ من الآية المتقدِّمة على هذه. ولا يقرأ هذا بياءِ المغايَبةِ؛ لما بعدها مِن كاف الخطاب في (٣) قوله: ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ و ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾. ثمَّ إنَّما جعلَ قتلَ بعضِهم بعضًا، وإخراجَ بعضِهم بعضًا من الديار: قتلَ أنفسِهم وإخراجَ أنفسِهم؛ لأنَّ المجتمِعين على دينٍ واحدٍ كالنَّفس الواحدة، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال النبيُّ ﷺ : "مثلُ المؤمنين في تراحمِهم

стр. 897

كمثل (١) الجسد؛ إذا اشتكى بعضُه، تَدَاعى لهُ سائرُه بالحمَّى والسَّهر" (٢)، ولأنَّ مَن قتلَ غيرَهُ قُتِلَ به قصاصًا، وكذا في الإخراج، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾؛ أي: اعترفتُم بحقِّيَّة (٤) الميثاقِ والتَزمتمُوه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسِكم بقَبوله وضمان الوفاء به، والشَّهادةُ تأكيدٌ وقَطْعٌ بصحَّة الشَّيء، يقول الرجل: أشهدُ أنَّ هذا حقٌّ؛ أي: أنا عالِمٌ به، لا شكَّ فيه، ولو كان هذا على غيري لشهِدتُ عليه به. واختلف في المرادِيْنَ بهما: قيل: الخطابُ بالإقرار والشَّهادة للأسلاف. وقيل: هما جميعًا للأسلاف والأخلاف جميعًا؛ لأنَّ هؤلاء أقرُّوا بذلك، وشَهِدوا أيضًا به كأولئك. وقيل: الأوَّلُ للأسلاف، والثَّاني للأخلاف؛ أي: أولئك قبلوا، وهؤلاء شهِدوا على أولئك أنَّهم قَبِلوا ثمَّ نقضوا. وقيل: يَشهَدُ هؤلاء أنَّه في التَّوراة. وقيل: يَشهَدون به على أولئك (٥) يوم القيامة.

стр. 898

وقال أبو العالية والرَّبيع: هما جميعًا للأخلاف؛ أي: أنتم تقرُّون بأنَّ هذا العهد كان مع (١) أسلافِكم، وتَشهدون أنَّه حقٌّ وأنهم نقضوه (٢). * * * (٨٥) - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى الذين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٣) [طه: ١٧]؛ أي: وما التي. وقيل: معناه: يا هؤلاء، حُذِفَ حرفُ النِّداء، كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. وقيل: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ تابعٌ لـ ﴿أَنْتُمْ﴾ كالنَّعت والتَّأكيد له. وقوله: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: أهل ملتكم. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: نقضًا للعهد.

стр. 899

وقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؛ أي: تعاونون، والظَّهير: المعين، والمظاهَرةُ: المعاونة، والتَّظاهُرُ: التَّعاونُ، وأصله الظهر وبه يقعُ الاستنادُ والاعتماد. وقرأ أهلُ الكوفة: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ خفيفةً (١)، وأصلُه: تتظاهرون بتاءين، حُذِفَت إحداهما تخفيفًا، وقرأ الباقون بالتَّشديد، وهو إدغامُ التَّاء في الظَّاء، كما في قوله: ﴿أن يَصَّلحا بينهما صلحًا﴾ (٢) وهذا مضارعٌ بمعنى الحال؛ أي: مُتَظاهرين عليهِم. وقال ابنُ عبَّاس والسُّدِّيُّ: إنَّ قريظةَ والنَّضير كانا أخوين، وأولادُهما تفرَّقوا واقتتلوا، فكان بعضُهم يقتلُ بعضًا، ويخرج بعضهم بعضًا (٣)، وكانت عادةُ بني قريظة (٤) القتلَ، وعادةُ بني النَّضيرِ (٥) الإخراج (٦)، فنهاهُم اللَّه عن ذلك، وأخَذَ عليهم الميثاقَ بذلك، فنقضُوه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾؛ أي: جاؤوكم مأسورين؛ أي: ظهَروا لكم على هذه الحالة، ولم يُرِد به الإتيانَ الاختياريَّ. وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وابنُ عامر: ﴿أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾، وقرأ نافعٌ وعاصمٌ

стр. 900

والكسائيُّ: ﴿أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ بالألف فيهما، وقرأ حمزةُ: ﴿أَسْرى تَفْدُوهم﴾ بغير الألف فيهما (١). والأَسْرى جمعُ أسير، كالجَرحى جمعُ جريح، والمرضى جمعُ مريض، والأُسارى جمعُ الأسرى، كالسُّكارى جمعُ السَّكرى. والأسيرُ: هو المأخوذُ قهرًا، وأصلُ الأسر: الشَّدُّ، ومَن أُخِذَ قهرًا شُدَّ غالبًا، فسّمِّيَ المأخوذ أسيرًا، وإن لم يشدّ، والإسَارُ: ما يُشَدُّ به الأسيرُ. وقال أبو عمرو: الأُسارى: الذين هم في الوَثاق، والأسرى: الذين هم في اليد، وإن لم يكونوا في الوَثاق (٢). وقوله تعالى: ﴿تَفدُوهُمْ﴾؛ أي: تُعطوا فداءَهم، وتشتروهم به للتخليص، والمفاداةُ مفاعلةٌ منه، والفداءُ يَقعُ بين الفادي والأسير، والمفاداةُ تجري بين الفادي وبين قابلِ الفداء. وقال أبو معاذ (٣): المفاداة: المماكسةُ في الفداء بينهما (٤). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّ قولَه: ﴿وَهُوَ﴾ (٥) إشارةٌ إلى الإخراج، ثمَّ أُعيدَ ذكرُه صريحًا توكيدًا.

стр. 901

والثاني: أنَّ قولَه: ﴿وَهُوَ﴾ إشارةٌ إلى الإخراج، لكن لمَّا كان إشارةً إلى ما سبق، وقد مرَّ ذِكْرُ الإخراج والقتل، والتَّظاهر بالإثم (١) والعدوان (٢): احتملَ الوجوهَ، فبَيَّنَ المقصدَ، وعيَّنَ الإخراجَ؛ ليُعلم أنَّ الكنايةَ راجعةٌ إليه. والثالث: أنَّه إشارةٌ إلى الحديث والخبر، كأنه قال: والخبرُ أنَّه محرَّمٌ عليكم إخراجُهم، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقال القفَّال: وقد قيل: إنَّ قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ معناه: إن صار في أيديكم أُسارى، لم تُطلِقوهم، لكن (٣) أخذتُم فداءَهم للإطلاق، والمفاداةُ والفِداءُ يكون من الجانبين. قال: وهذا موضعُ توبيخٍ، وإعطاءُ الفِداء لإطلاقِ الأسير لا يقعُ عليه توبيخٌ، فالظَّاهر أنَّ المرادَ هذا. قال القفَّال: والصَّوابُ هو الحملُ على إعطاء الفداء لإنقاذِ الأسير، وبه جاءت الرِّوايةُ. قال محمَّدُ بنُ إسحاق: حُرِّمَ عليهم في التَّوراة سفكُ دمائِهم، وافتُرِضَ عليهم فيها فداءُ أسرائهم، فكانوا فريقين؛ طائفةٌ منهم بنو قينقاع، وهم (٤) حلفاءُ الخزرج، والأخرى النَّضيرُ وقريظةُ، وهم حلفاءُ الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوسِ والخزرج حربٌ، خَرجَتْ بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النَّضيرِ وقريظة مع الأوسِ، يُظاهِرُ كلُّ فريقٍ (٥). . . . . .

стр. 902

حلفاءَه على إخوانه (١)، حتَّى يتسافكوا الدماءَ، وبأيديهمُ التَّوراة، يَعرفون (٢) فيها ما (٣) عليهم وما لهم، والأوسُ والخزرجُ أهلُ شركٍ، يَعبدونَ الأوثانَ، لا يَعرفون القيامةَ، والجنَّةَ والنَّارَ، والحلالَ والحرامَ، فإذا وضعتِ الحربُ أوزارَها افتدَوا أُساراهم؛ تصديقًا لما في التَّوراة، افتدَى بنو قينقاع ما كان مِن أُساراهم في أيْدِي الأوسِ منهم، وافتدى النَّضير وقريظةُ ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويُبطِلون الدِّماءَ (٤). فكانت العربُ تُعَيِّرُهُم بذلك، ويَقولون: كيف تُقاتلونَهم، وتفدونهم، فقالوا: إنَّا أُمِرنا أن نَفديَهم، وحُرِّمَ علينا قتالُهم، قالوا: فلِمَ تقاتلونَهُم؟ قالوا: إنَّا نستحيي أن يُستَذلَّ حلفاؤنا (٥). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ اللَّهَ تعالى أخذَ على بني إسرائيلَ في التَّوراة ألَّا يَقتلَ بعضُهم بعضًا، وأيُّما عبدٍ أو أمَةٍ وجدتموهُ مِن بني إسرائيلَ، فاشتروه بما قام (٦) ثمنُه، فأعتقوه (٧). وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرها: وإذ أخذنا ميثاقكم ألَّا تسفكوا

стр. 903

دماءَكم، ولا تُخرِجوا أنفسَكم مِن ديارِكم، وذلك محرَّمٌ عليكم؛ أي: الإخراج، وإن يَأتوكُم أُسارى تفادوهم، كان العهدُ بهذه الأشياء الثلاثة تركَ القتل، وتركَ الإخراجِ، ومفاداةَ الأسارى (١)، فقَتلوا، وأَخرجوا، وهما بخلافِ العهدِ، وفدوا الأسارى، وهو من العهد، فوبِّخوا بما هو بخلاف العهدِ، لا بها كلِّها. وقيل: كان كلُّ فريقٍ يَفدي أسيرًا كان (٢) من عشيرتِه، ولا يَفدي أسيرَ غيرِ عشيرتِه، وكانوا أُمِروا بفداءِ كلِّ أسير. وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار والتَّوبيخ والتَّهديد؛ أي: تَفدون أُساراكم دون أُسارى غيرِكم. وقيل: بل كانوا يَفدون كلَّ الأُسارى، لكن كانوا لا يَتركون القتلَ والإخراجَ، فهُدِّدوا لذلك. ويدلُّ عليه أنَّه قال في الآية: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَتُخْرِجُونَ﴾، ولم يقل: ولا تَفْدون، فكان توبيخُهم على التَّفريقِ بين أحكام اللَّه تعالى، وهذا كالتَّفريق بين رسل اللَّه، فهم بذلك يؤمنون ببعضٍ، إلا أنَّه لمَّا كان إيمانُهم بهم باطلًا بتكذيبِهم غيرَهُم، صحَّ التوبيخُ عليه. وقوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ الخزيُ: الفضيحة، وقد خَزِيَ (٣) خزيًا، فهو خِزيٌ، والخزايةُ: الاستحياءُ وقد خَزِيَ خَزَايةً، فهو خَزْيان؛ أي: ليس جزاءُ مَن فعلَ ذلك إلَّا ما يَفتَضِحُ به في الدُّنيا، فيَستحيي مِن ذلك، ثمَّ يَرجعُ في الآخرة إلى أشدِّ العذاب،

стр. 904

وهو التَّعذيبُ في جهنَّم (١)، وهو أشدُّ مِن خِزيهِم في الدُّنيا، وأشدُّ مِن كلِّ عذابٍ كان قبلَه، فإنَّه كان يَنقطعُ، وهذا لا ينقطع. واختلف في المراد بالخزي هاهنا: قيل: هو إجلاءُ بني النَّضيرِ من ديارهم لأوَّل الحشرِ، كما كانت عادتهم، وقتلُ بني قريظة وسبيُ ذراريهم، كما كانت عادتهم (٢). وقيل: هو أخذُ الجزيةِ عن صَغارٍ، ومع ما (٣) كان لهم هذا في الدُّنيا (٤)، فعذابُ الآخرةِ باقٍ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: جزاؤهم الخزيُ في الدُّنيا، لكن لا يُعَاقَبون في الدُّنيا، وإن استوجَبوا ذلك، بل يُرَدُّون إلى أشدِّ العذابِ في الآخرة، وهذا كقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (٥)، وقولِه تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٦) مرَّ تفسيره مرَّةً (٧). وقد قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وخلف (٨). . . . . . .

стр. 905

ويعقوب (١) وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ وحمَّادٍ (٢) بالياء على المغايبة (٣)، بناءً على قوله: ﴿يردون﴾ (٤)، وقرأ الباقون بالتَّاء على المخاطبةِ بناء على قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. * * * (٨٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بالحياةِ الآخرة، وقد مرَّ تفسيره في قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، ومعناه هاهنا: أَخَذوا قليلَ الدُّنيا بدلًا عن كثيرِ الآخرة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: لا يُهَوَّن. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا يعانون يومئذٍ. وقيل: أي: لا يمنَعون مِن العذاب. وقيل: أي: ولا يكونون (٥) لهم نَصَرةً في الدُّنيا؛ لأنَّ المبطِلَ وإن غَلَبَ صورةً، فهو مخذولٌ حقيقةً.

стр. 906

(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ انتظامُها بما قبلها أنَّ اللَّهَ تعالى أخبرَ أنَّه أعطى بني إسرائيل شيئين؛ الكتابَ، والرُّسلَ، ثمَّ بيَّن معامَلَتهم في حقِّ الكتاب، فقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وبيَّن معاملَتهم في حقِّ الرُّسل، فقال تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. ووجهٌ آخر: أنَّه ذَكَرَ نقضَهُم الميثاقَ، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك لم يكن لعدم العلمِ (١)، فقد كنتُ بَعثتُ الرُّسلَ وبيَّنوا لهم. * * * (٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؛ أي: ولقد أعطينا موسى التوراة. وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ أي: أَتْبَعنا وأَردَفنا، يقال: قفاهُ يَقفُوهُ قَفْوًا؛ أي: تَبِعَهُ، وقَفَّاهُ غيره يُقَفِّيه تقفيةً؛ أي: أتبعَهُ، وقد قفَوتُ أثرَهُ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ومنه: القَفا، والقافية، والمقفِّي مِن أسماءِ النبي ﷺ (٢).

стр. 907

أي: وَاتَرْنا الرُّسُلَ مِن بعده، فقد روي أنَّ اللَّهَ تعالى بعثَ بعد موسى إلى عصر سيِّدنا عيسى أربعةَ آلاف نبي. وقيل: سبعين ألف نبي. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ موسى وعيسى ومريم أسماءٌ أعجميَّةٌ، ولذلك لا ينصرف حين اجتمعَتِ العُجمَةُ والتَّعريف. ومعنى موسى أنَّ "مو" في لسانهم: الماء، و"شى": الشجر، وهم يقولون: موسى، ومعناه أنَّه أُخِذَ مِن بين الماء والشجر؛ أي: من (١) تابوتٍ جُعِلَ هو فيه، ثمَّ جُعِلَ التَّابوتُ في الماء، فأُخِذ في دارِ فرعون -عليه لعائن اللَّه تترى-، ونُقِلَت الشِّين إلى السِّين في العربيَّة. وعيسى في لسانهم: عيشى بالشين، فهو (٢) من العيش الذي هو الحياة، وكان يُحيي اللَّهُ تعالى بدعائِه الموتى، ونُقِلَت إلى السِّين في العربيَّة، وإن جعل في الأصل بالسِّين فهو من العَيَس الذي هو البياض. ومريم قيل معنا ها بالسُّريانية: الخادم، وقد جعلَتها أمُّها محرَّرةً لخدمةِ المسجد. و ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآيات الظَّاهرات، مِن قولك: بان؛ أي: ظهرَ، وأَبانَ كذلك، ويكونُ أَبانَ بمعنى أظهر أيضًا، واختُلِف في المراد بها هاهنا: قيل: هي (٣) الإنجيل. وقال ابنُ عباس ﵄: هي المعجزاتُ وهي إذهابُ البَرَصِ، وإبراءُ

стр. 908

الأكمَهِ، وإحياءُ الموتى، والإخبارُ بما يَأكلون وما يدَّخِرون في بيوتِهم وشفاءُ المرضى (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قوَّيناهُ، والأَيْدُ: القُوَّةُ، والتَّأييدُ: التقويةُ. قوله تعالى (٢): ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قيل: هو جبريلُ، قال اللَّه تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، وهو جبريلُ ﵇، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (٣) [النحل: ١٠٢]، وبه قال الضَّحَّاك والرَّبيعُ وقتادة (٤). و ﴿الْقُدُسِ﴾: الطُّهر؛ أضيفَ الرُّوح إلى صفتِه، وهو كذكر نعته (٥)، ومعناهُ: أي: جبريلُ الطَّاهرُ. ﴿الْقُدُسِ﴾: البركةُ أيضًا، ومعناه؛ أي (٦): جبريلُ المباركُ، بالطَّريق الأوَّل (٧). ومعنى تقويته به أنَّه عصمَهُ به مِن أوَّلِ حالِهِ إلى كِبرِه، فلم يَدْنُ منه شيطانٌ عند الولادةِ، ورفعَهُ هو (٨) إلى السماء حين قصدَ اليهودُ قتلَهُ.

стр. 909

وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيد: هو الإنجيل (١). سُمِّيَ الإنجيلُ روحًا، كما سُمِّيَ القرآنُ روحًا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسُمِّيَ الكتابُ روحًا؛ لأنَّه سببٌ لحياة القلوب، كالرُّوح به حياةُ الأبدان، وسُمِّيَ جبريلُ روحًا؛ لأنَّ حياةَ الخلقِ بالقرآن والدِّينِ وإنزالِ القرآن، وبيانُ الدِّين كان منه، قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الرُّوح: اسمُ اللَّه الأعظم الذي به كان يُحيي الموتى، ويُبْرِئ المرضى (٢). وقيل: هو الرُّوحُ الذي به حياةُ البدن. وخصَّ روحَه بوصفه (٣) بالقُدُس -وهو الطَّهارة-؛ لأنَّه لم يتضمَّنه أصلابُ الفُحولَة، ولا اشتملَ (٤) عليه أرحامُ الطَّوامث (٥). وقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ الألف للاستفهام، ومعناهُ الاستنكار. وقوله تعالى: ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ أي: بما لا تُحِبُّ. وقد هَوِيَ يَهوى (٦) من حد: عَلِمَ؛ أي: أحبَّ، ومعناه: بما لا تَهواهُ، ولمَّا حُذِفَت الهاءُ كان الفعلُ واقعًا على

стр. 910

﴿مَا﴾، هو بمعنى الذي؛ أي: كلَّ وقتٍ -وهو نصب على الظَّرف- جاء (١) رسولٌ بشيءٍ لا يوافقُ أهواءكم. والباء في ﴿بِمَا﴾ لتعديةِ فعل المجيء الذي هو لازمٌ. وقوله تعالى: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي: استعظمتُم، فلم تقبلوه، ولم تَعملوا به. وقوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ أي: كذَّبتُم طائفةً مِن الرُّسل، وهم الذين لم تقدروا على قتلهم، كعيسى ونحوه. وقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتُم طائفةً، وهم مَن قدرتُم على قتلهِم، كزكريا ويحيى ونحوهِما. ورويَ أنَّهم قَتلوا في يومٍ واحدٍ ثلاثَ مئة نبيٍّ، ولما كانت العشيَّةُ قامَت لهم سوقُ بَقلِهم؛ أي: لم يهتمُّوا لذلك. وهذا ردٌّ على من قال: إنَّ الكفَّار لا تَثبتُ لهم على قتلِ الرَّسولِ (٢) قدرةٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى وَعَدَهُم بالنُّصرةِ (٣) بقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١]، لكنَّا نقول: أرادَ به النُّصرةَ بالحُجَّةِ وبيانِ الحقِّ، بدليل أنَّه عطفَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٨٢]، وقد يقتلون، ولكنَّ المرادَ به النُّصرةُ بالحُجَّةِ، وقد نصَّ هاهنا على قتلِهم الرُّسُل، فقد قال في صدر الآية: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣].

стр. 911

وقوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبلٌ بمعنى الماضي أو الحالِ في الماضي، وخاطبَ أهلَ عصرِ النبيِّ ﷺ بهذا، وقد فعلَهُ أسلافُهم؛ لأنَّهم يتولَّونَهم، ويَرضونَ بفعلِهم. * * * (٨٨) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قرأ عامَّةُ القرَّاء بتسكين اللام، وقرأ ابنُ محيصن بالتثقيل (١)، فالتَّخفيفُ: جمع أغلف، وهو الذي غُشِّيَ غِلافًا، وغلامٌ أغلفُ وأقلف: لم يَختتِن، فذلك منه في غلاف، وهو كالأحمَرِ والحُمْر، وقراءةُ الضَّم جمع غِلاف، وهو الغشاءُ والوعاء، وهو كالشِّهاب والشُّهُب، فمعنى التسكين: إنَّ قلوبنا في غشاءٍ وغطاء. ولمَّا خاطبَهم النَّبيُّ ﷺ بقوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ سكتوا، ولم يمكنهم التكذيبُ، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾؛ أي: في غلافٍ، كما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]، فلا نَفهمُ ما تقول، ولا نَفقهُ ما تَحدَّث، يَدَّعون زوالَ الخطابِ عنهم؛ كراهيةً لما سمِعوا، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى، فقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: طردَهم بكفرِهم وعُتوِّهم وعِنادِهم (٢) رسولَ اللَّه ﷺ ؛ لا أنَّ قلوبَهم بمحَلٍّ لا يفهمون ذلك كما يزعمون، ولكنَّ ذلك لتركِ التَّفكُّر والتَّدبُّرِ فيها. وعلى قراءة الضَّمِّ معناه: قلوبُنا أوعيةٌ (٣)؛ تَفهَمُ وتَعِي ما يُقالُ ويُخاطَب به،

стр. 912

لكن لا تَفهمُ ما تقولُ، ولا تَفقهُ (١) ما تُحدِّثُ، فلو كان حقًّا وصِدقًا لفَهِمَت وفَقِهَت، يدَّعون عليه إبطالَ ما يقول، وذلك نحو ما قالوا لشعيبٍ: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. هذه كلماتُ الإمام أبي منصور رحمه اللَّه تعالى (٢). والأوَّل: قولُ الحسن وأبي العالية ومجاهدٍ وقتادةَ والسُّدِّيِّ، فإنَّهم قالوا: معناه: قلوبنا في أكِنَّةٍ (٣). والثاني: قراءةُ ابن عباسٍ ﵄ (٤) وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم (٥) وتفسيرُهم، فتقدير (٦) القراءةِ الأولى: قلوبنا في أوعيةٍ، وتقديرُ القراءةِ الثَّانية: قلوبُنا أوعيةٌ. وقيل: معناه: قلوبنا أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجةَ لنا إلى علمك. والذي ذكرناهُ قبلَه كان تعيينًا (٧) لكلامه، فإنَّه كان لا يُوافِقُ أهواءَهم؛ فإنَّهم كانوا يُحِبُّون النَّهبَ والارتشاءَ، ولذلك (٨) قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾، فأُمِرَ أن يقول: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].

стр. 913

والذي ذكرناه بَدِيًّا كأنَّه تعلُّقٌ منهم بمذهب الجبر؛ أي: قلوبُنا في غلافٍ، وهي ممنوعةٌ عن الفهمِ جبرًا، وكذلك كانوا يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وهو تعلُّق بمذهب الجبريَّة، وفيهم ذلك. فكذَّبهم اللَّهُ تعالى في الوجوه الثلاثة، وذلك قولُه تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: ليس كما قالوا: إنَّهم مجبورون معذورون، بل بعَّدَهُم (١) اللَّهُ عن تفهُّمِها؛ جزاءً لهم على كفرِهم. واللَّعنُ: الطَّردُ والإبعاد لغةً، فقد أثبتَ اللَّعنَ مِن نفسِه، والكفرَ منهم، وهو مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعة، وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّاني: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ؛ فلو كان كلامُك صدقًا حقًّا لفهمناه. قال: بل أنتم ملعونون بكفرِكم، لستم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقبلتم هذا وعملتُم به. وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّالث: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجةَ لنا في علمك. قال: لستم بعلماءَ مستغنين عن هذا، بل أنتم ملعونون مطرودون عنه بشؤمِ كفرِكم. وقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ له خمسةُ أوجه: أحدها: فبقليلٍ ممَّا في (٢) كتابكم تؤمنون، ونصب "قليلًا" بنزع الباء، و ﴿مَا﴾ مع ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مصدر؛ أي: إيمانهم بقليلٍ، وهو معنى قولِ الكلبيِّ: لا يؤمنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم، ويكفرون بما وراءَه.

стр. 914

والثاني: قولُ معمرٍ: فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون (١)، هو (٢) نعتُ مفعولٍ يقعُ عليه فعلُ إيمانِهم، وهو المصدرُ في الحاصل، وهو يَرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وهذا إيمانٌ منهم بهذا، وهم مشركون في غير ذلك. و ﴿ما﴾ صلةٌ زائدة على هذا القول، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) [آل عمران: ١٥٩]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٤)، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]. والثالث: فقليل مدَّةٍ يؤمنون، نصبه على الظَّرف، وهو يرجعُ إلى قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. والرابع: قولُ قتادة: لا يؤمنُ منهم إلَّا قليلٌ (٥)، وهو عبدُ اللَّه بن سَلَام وأصحابُه. و ﴿ما﴾ في هذا بمعنى "من"، وهو للجمع (٦)، و"ما" بمعنى "من" واردٌ في اللُّغة، ومذكورٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من تعبدون من بعدي، و"قليلًا" نعت مقدَّم على الاسم، فنُصِب على القطع. والخامس: فلا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، و ﴿ما﴾ للجحد هاهنا، وإذا نَفى في (٧)

стр. 915

القليل فقد نفى في الكثير، فذكر في آخرِ هذه الآية الامتناعَ منهم عن الإيمان، وفي الآيةِ التي تَليها الكفرَ بعد الإيمان. * * * (٨٩) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقوله (١) تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هو القرآن، وهو موافقٌ للكتاب الذي معهم، وهو التَّوراة؛ في التَّوحيد والطَّاعة والأخبار. وسببُ نزوله ما رويَ أنَّ معاذَ بن جبلٍ ﵁ قال لأهل الكتاب: إنَّكم فيما سلفَ كنتم تَستنصرونَ برسولِنا محمَّد ﵊ على أعدائِكم، فما لكم أدرَكتموهُ فلم تؤمنوا به؟ فقالوا: ليس هذا بذلك النبيِّ. فنزلت الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ وأبو العالية: أي: يَستنصِرون (٣)، يقال: استفتحَ اللَّه؛ أي: استَنصرَهُ، ففَتح عليه؛ أي: نَصرَه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]. وذكر قتادةُ وأبو العالية والسُّدِّيُّ أنَّه كان إذا اشتدَّت الحربُ بينهم وبين مشركين العرب، أخرجوا التَّوراة ووَضعوا أيديَهم على موضعِ ذكر النَّبي ﷺ ، وقالوا: اللهمَّ
следующие страницы →