← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقوله: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبلٌ بمعنى الماضي أو الحالِ في الماضي، وخاطبَ أهلَ عصرِ النبيِّ ﷺ بهذا، وقد فعلَهُ أسلافُهم؛ لأنَّهم يتولَّونَهم، ويَرضونَ بفعلِهم. * * * (٨٨) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قرأ عامَّةُ القرَّاء بتسكين اللام، وقرأ ابنُ محيصن بالتثقيل (١)، فالتَّخفيفُ: جمع أغلف، وهو الذي غُشِّيَ غِلافًا، وغلامٌ أغلفُ وأقلف: لم يَختتِن، فذلك منه في غلاف، وهو كالأحمَرِ والحُمْر، وقراءةُ الضَّم جمع غِلاف، وهو الغشاءُ والوعاء، وهو كالشِّهاب والشُّهُب، فمعنى التسكين: إنَّ قلوبنا في غشاءٍ وغطاء. ولمَّا خاطبَهم النَّبيُّ ﷺ بقوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ سكتوا، ولم يمكنهم التكذيبُ، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾؛ أي: في غلافٍ، كما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]، فلا نَفهمُ ما تقول، ولا نَفقهُ ما تَحدَّث، يَدَّعون زوالَ الخطابِ عنهم؛ كراهيةً لما سمِعوا، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى، فقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: طردَهم بكفرِهم وعُتوِّهم وعِنادِهم (٢) رسولَ اللَّه ﷺ ؛ لا أنَّ قلوبَهم بمحَلٍّ لا يفهمون ذلك كما يزعمون، ولكنَّ ذلك لتركِ التَّفكُّر والتَّدبُّرِ فيها. وعلى قراءة الضَّمِّ معناه: قلوبُنا أوعيةٌ (٣)؛ تَفهَمُ وتَعِي ما يُقالُ ويُخاطَب به،

стр. 912

لكن لا تَفهمُ ما تقولُ، ولا تَفقهُ (١) ما تُحدِّثُ، فلو كان حقًّا وصِدقًا لفَهِمَت وفَقِهَت، يدَّعون عليه إبطالَ ما يقول، وذلك نحو ما قالوا لشعيبٍ: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. هذه كلماتُ الإمام أبي منصور رحمه اللَّه تعالى (٢). والأوَّل: قولُ الحسن وأبي العالية ومجاهدٍ وقتادةَ والسُّدِّيِّ، فإنَّهم قالوا: معناه: قلوبنا في أكِنَّةٍ (٣). والثاني: قراءةُ ابن عباسٍ ﵄ (٤) وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم (٥) وتفسيرُهم، فتقدير (٦) القراءةِ الأولى: قلوبنا في أوعيةٍ، وتقديرُ القراءةِ الثَّانية: قلوبُنا أوعيةٌ. وقيل: معناه: قلوبنا أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجةَ لنا إلى علمك. والذي ذكرناهُ قبلَه كان تعيينًا (٧) لكلامه، فإنَّه كان لا يُوافِقُ أهواءَهم؛ فإنَّهم كانوا يُحِبُّون النَّهبَ والارتشاءَ، ولذلك (٨) قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾، فأُمِرَ أن يقول: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].

стр. 913

والذي ذكرناه بَدِيًّا كأنَّه تعلُّقٌ منهم بمذهب الجبر؛ أي: قلوبُنا في غلافٍ، وهي ممنوعةٌ عن الفهمِ جبرًا، وكذلك كانوا يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وهو تعلُّق بمذهب الجبريَّة، وفيهم ذلك. فكذَّبهم اللَّهُ تعالى في الوجوه الثلاثة، وذلك قولُه تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: ليس كما قالوا: إنَّهم مجبورون معذورون، بل بعَّدَهُم (١) اللَّهُ عن تفهُّمِها؛ جزاءً لهم على كفرِهم. واللَّعنُ: الطَّردُ والإبعاد لغةً، فقد أثبتَ اللَّعنَ مِن نفسِه، والكفرَ منهم، وهو مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعة، وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّاني: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ؛ فلو كان كلامُك صدقًا حقًّا لفهمناه. قال: بل أنتم ملعونون بكفرِكم، لستم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقبلتم هذا وعملتُم به. وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّالث: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجةَ لنا في علمك. قال: لستم بعلماءَ مستغنين عن هذا، بل أنتم ملعونون مطرودون عنه بشؤمِ كفرِكم. وقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ له خمسةُ أوجه: أحدها: فبقليلٍ ممَّا في (٢) كتابكم تؤمنون، ونصب "قليلًا" بنزع الباء، و ﴿مَا﴾ مع ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مصدر؛ أي: إيمانهم بقليلٍ، وهو معنى قولِ الكلبيِّ: لا يؤمنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم، ويكفرون بما وراءَه.

стр. 914

والثاني: قولُ معمرٍ: فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون (١)، هو (٢) نعتُ مفعولٍ يقعُ عليه فعلُ إيمانِهم، وهو المصدرُ في الحاصل، وهو يَرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وهذا إيمانٌ منهم بهذا، وهم مشركون في غير ذلك. و ﴿ما﴾ صلةٌ زائدة على هذا القول، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) [آل عمران: ١٥٩]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (٤)، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]. والثالث: فقليل مدَّةٍ يؤمنون، نصبه على الظَّرف، وهو يرجعُ إلى قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. والرابع: قولُ قتادة: لا يؤمنُ منهم إلَّا قليلٌ (٥)، وهو عبدُ اللَّه بن سَلَام وأصحابُه. و ﴿ما﴾ في هذا بمعنى "من"، وهو للجمع (٦)، و"ما" بمعنى "من" واردٌ في اللُّغة، ومذكورٌ في القرآن، قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من تعبدون من بعدي، و"قليلًا" نعت مقدَّم على الاسم، فنُصِب على القطع. والخامس: فلا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، و ﴿ما﴾ للجحد هاهنا، وإذا نَفى في (٧)

стр. 915

القليل فقد نفى في الكثير، فذكر في آخرِ هذه الآية الامتناعَ منهم عن الإيمان، وفي الآيةِ التي تَليها الكفرَ بعد الإيمان. * * * (٨٩) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقوله (١) تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هو القرآن، وهو موافقٌ للكتاب الذي معهم، وهو التَّوراة؛ في التَّوحيد والطَّاعة والأخبار. وسببُ نزوله ما رويَ أنَّ معاذَ بن جبلٍ ﵁ قال لأهل الكتاب: إنَّكم فيما سلفَ كنتم تَستنصرونَ برسولِنا محمَّد ﵊ على أعدائِكم، فما لكم أدرَكتموهُ فلم تؤمنوا به؟ فقالوا: ليس هذا بذلك النبيِّ. فنزلت الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ وأبو العالية: أي: يَستنصِرون (٣)، يقال: استفتحَ اللَّه؛ أي: استَنصرَهُ، ففَتح عليه؛ أي: نَصرَه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]. وذكر قتادةُ وأبو العالية والسُّدِّيُّ أنَّه كان إذا اشتدَّت الحربُ بينهم وبين مشركين العرب، أخرجوا التَّوراة ووَضعوا أيديَهم على موضعِ ذكر النَّبي ﷺ ، وقالوا: اللهمَّ

стр. 916

إنَّا نسألُك بحقِّ نبيِّك الذي وعدتنا أن تبعثَهُ في آخر الزمان أن تَنصرَنا اليوم على عدوِّنا، فكانوا يُنصَرون. وقال الكلبيُّ: الاستفتاحُ منهم أنَّه كان بينهم وبين جهينةَ وغطفان وبني أسدٍ وعذرةَ عداوةٌ ومحارباتٌ، فكانوا يقولون لهم: يُبعَثُ نبيٌّ له كتابٌ، ونحن كتابيُّون، نؤمنُ به، ونَجعلُ الأيدي يدًا واحدةً، فنقهركم، فكانوا يُخَوِّفونهم بذلك (١). وقال مجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبير وقَتادة: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يَستَخْبِرون مِن المشركين؛ هل وُلد فيكم ولد صفته (٢) كذا وكذا؟ فإنَّه نبيُّ آخرِ الزَّمان، وسيِّدُ الأنبياء. والمتعلِّم يُسمَّى مستفتحًا؛ لاستخباره من المعلِّم، ومنه: استفتحَ الإمامُ، ففَتَح عليه القومُ. وقيل: وكانوا يستفتحون اللَّه؛ أي: يسألونَهُ الحكمَ والقضاءَ ببعث نبيِّ آخرِ الزَّمان، والفتَّاح: الحاكم، وقد فَتَح؛ أي: حكمَ، واستفتح؛ أي: سألَ الحكمَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾؛ أي: الأمرُ الذي عرفوهُ حقًّا في كتابهم. وقيل: "ما" بمعنى: "مَن" كما (٣) في الآية التي قبلها؛ أي: جاءَهم الرسولُ الذي عرفوه. وقوله تعالى: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: جَحَدوه وكذَّبوه، وهذا جواب: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، فأمَّا جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فقد

стр. 917

قال الأخفش: هو مضمرٌ (١)، وهو: ﴿نبذوه﴾ كما ذُكِرَ بعد هذا بآيات. وقال الزَّجَّاج: جوابُ الأول: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ (٢)، لكن لمَّا قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، وقيل: ذُكِرَ جوابُه، اعترض كلامٌ آخرُ تامٌّ، وهو قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أعاد صدرَ الكلام وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: هذا الكتاب كفروا به، إنَّما أعادَ؛ ليُعرَفَ أنَّه جوابُ ذلك، وهو كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [المؤمنون: ٣٥] لمَّا تراخى جوابُ "أنكم"، وطال الكلامُ، أعادَ "أنكم"، ثم قال: ﴿مُخْرَجُونَ﴾، ونظيرُه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]. وقال الفرَّاء: جوابُ صدر الكلام قولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾، وجوابُ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ قوله (٣): ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ (٤). وقيل: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ جوابُهما جميعا. وقوله تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أخبرَ أنَّهم لمَّا كَفروا استحقُّوا اللَّعنةَ مِن اللَّه، وهو الطَّردُ والإبعادُ مِن الرَّحمةِ والكرامة والجنَّة على الإطلاق في حقِّ الكفَّار. وإذا ذُكِرتِ اللَّعنة في حقِّ مذنبٍ مِن المؤمنين، فهي الطَّردُ والإبعادُ عن الكرامة التي وُعِد بها مَن لا يكونُ في ذلك الذَّنْب.

стр. 918

(٩٠) - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ "بئسَ" نقيضُ "نِعْمَ"، وهما في الأصل فعلان ماضيان على وزن: عَلِمَ، جُعِلا للمدحِ والذَّمِّ فمُنِعا تصرُّفَ الأفعال، وغُيِّرا بتسكين الحشو، ولا يليان اسمَ علم، وإنما يَدخلان في اسم نكرةٍ دالٍّ على الجنس، أو اسمٍ معرَّفٍ بالألف واللام يدلُّ على الجنس؛ لأنَّهما يقتضيان استيفاءَ جميعِ المدح (١) والذمِّ، فإذا قلت: نعمَ الرَّجلُ زيدٌ، أخبَرتَ أنَّه مستوفٍ جميعَ المدح (٢) في جنسه. و"بئس" على خلافه، فكان الرجلُ مرفوعًا بفعله، وإذا قلت: بئس رجلًا زيدٌ، أو: نعم رجلًا زيد، نصبتَ رجلًا على التمييز، وفي "نعم" اسم مضمَرٌ على شريطة التفسير، وزيد مميَّزٌ من هذا الممدوح، فإذا قلت: بئس ما، فـ "ما" نكرةٌ، وتقديره: بئس شيئًا اشتَروا به أنفسهم. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدر، وتقديره: كفرُهم، وبسطُه: أي: بئس العِوضُ الذي أخذوه عن أنفسِهم كفرُهم. واشتروا قيل: باعوا، فقد قال أبو معاذ: البيعُ والشِّراءُ والابتياع والاشتراء كلُّها تقعُ على البيع وحدَه، وعلى الشِّراء وحدَه. قال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ (٣): معناه: باعوا (٤)، وله معنيان:

стр. 919

الأوَّل (١): بذلوا أنفسَهم بهذا الثَّمن، فصارت للنَّار، وهو معنى قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢]. والثَّاني: بئسَ ما باعوا به حظَّ أنفسِهم من النَّجاة والكرامة بالثَّمن الذي هو الهلاكُ والإهانة، فيكونُ فيه مضمرٌ، ويكونُ معنى قوله: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: حظَّ أنفسِهم، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (٢)؛ أي: أهل القرية. وقال القفَّال: يجوزُ أن يُحمَلَ على الاشتراءِ الذي هو التَّملُّك، فإنَّ النفسَ مرهونةٌ بعمَلِها، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وافتكاكُها بمنزلةِ اشترائها، إنَّما يجبُ أن يشتريَها بالعمل الصَّالح، فإذا كفرَ فقد أراد افتكاكَها به، وبئس ما افتكَّها به. وقيل: البيعُ والشِّراءُ: معاوضة، وهما بيِّعان (٣) ومتبايعان، فيقعُ الاسمُ على كلِّ واحدٍ منهما على الانفراد، ويكون معناهُ: بئس ما عاوضوا به. وقيل: الاشتراءُ: الاختيار، وتقديره: بئس ما اختاروهُ لأنفسِهم. والباء في ﴿بِهِ﴾ صلةٌ زائدةٌ، ونصب ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بإضمار اللام. وقيل: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ في موضع خفضٍ ردًّا على الهاء التي في ﴿بِهِ﴾، أي: اشترَوا أنفسَهم بالكفر. وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: بالقرآن.

стр. 920

وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا﴾ أي: حسدًا. قال اللِّحيانيُّ (١): أصلُ البغي: الحسدُ، والباغي: هو الظَّالمُ الذي يَفعلُ ذلك عن حسدٍ (٢)، وقد بغى بغيًا؛ أي: ظلمَ وحسدَ، وبغى بُغاءً، بضم الباء؛ أي: طلبَ، وبغت الأمَة بِغاءً، بالكسر؛ أي: فجرَت. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: كفروا للحسد بإنزال اللَّه تعالى القرآنَ على محمَّدٍ، فإنَّهم كانوا يَعتقدون نبيَّ آخرِ الزَّمان، ويتمنَّون خروجَه، وهم يَظنُّون أنَّه مِن ولدِ إسحاق، فلمَّا ظهرَ أنَّه مِن ولدِ إسماعيل حَسَدوه (٣)، وكرهوا أن يَخرُجَ الأمرُ مِن بني إسرائيل فيكونَ لغيرِهم. والفَضْلُ: هو الكتابُ والرِّسالةُ، والبغيُ قيل: هو ظلمُهم أنفسَهم بذلك. وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ قد مرَّ تفسير "باء" في قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: الغضبُ الأوَّلُ بتغيير التَّوراة، والثاني بتكذيبِ محمَّد ﵊ (٤). وقيل: الأوَّلُ بكفرِهم بعيسى ﵇.

стр. 921

وقيل: الأوَّلُ بقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقولِهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، والآخرُ بما ذَكَرْنا. وأحسنُ ما قيل فيه أنَّ معناه: استَحَقُّوا غضبًا متتابِعًا لا ينقطعُ، كما يقال: فلانٌ يحسنُ إليَّ إحسانًا على إحسان؛ أي: على التتابع. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: مُذِلٌّ بعد عزِّهِم في الدُّنيا. وقيل: المهِينُ هو اللَّهُ تعالى بالعذاب، وأضيفَ إلى العذاب توسُّعًا، لأنه به يَقَعُ، ودلَّ (١) أنَّ عذابَ المؤمنين تأديبٌ وتطهيرٌ، وعذابَ الكفَّار إهانةٌ وتشديد، قال اللَّه تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨]. وقيل: للكافرين عذابٌ مهينٌ في الدُّنيا أيضًا، وما كان للمؤمن فيها فهو تَمحيصٌ وتَكفِير. * * * (٩١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: وإذا قال أصحابُ رسول اللَّه ﷺ لهؤلاء اليهودِ الذين يكفرونَ بالقرآن: آمنوا بالقرآنِ والإنجيل. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: بالتَّوراة التي هي كتابُنا، أُنزِلَ على نبيِّنا موسى صلوات اللَّه عليه، والمنزَلُ على النَّبيِّ منزَلٌ على أمَّتِه معنى؛ لأنَّه يَلزمُهم.

стр. 922

وقوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: سِوَاهُ، والتَّذكير لرجوع الهاء إلى "ما أُنزِل". وقال أبو عبيدة: أي: بما بعدَه (١)، قال النابغة: حَلَفْتُ (٢) فلَمْ أتركْ لنفسِكَ ريبةً... وليس وراءَ اللَّهِ للمرء مَذْهَبُ (٣) أي: بعد اللَّه، و"وراء" في غالب الاستعمال ظرفٌ في معنى: خلف. وقال الأزهريُّ: "وراء" يَصلُحُ لما قبلَه ولما بعدَهُ (٤)؛ لأنَّ معناه: ما توارى عنك؛ أي: استتر وهو موجودٌ فيهما. أي: يقولون: نؤمن بكتابِنا ولا نَتجاوزُه إلى غيره، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾؛ أي: هم بهذا القولِ يكفرون بما وراء التَّوراة. ويجوزُ أن يكون هذا خبرًا عن الكفَّار أنَّهم قالوا: نؤمنُ بكتابِنا، وأخبروا أنَّهم يَكفرون بما سواهُ، فجاز "نؤمن" بالنون حكايةً عنهم أنَّهم قالوا ذلك، وجاز "يكفرون" بالياء على المغايبة؛ إخبارًا أنهم أَخبَروا بذلك، ومثل هذا قول العرب: استحلفتُ عبدَ اللَّه؛ لأقومنَّ، ولتقومنَّ، وليَقومنَّ (٥)؛ الألفُ حكايةٌ عنه أنَّه حلف فقال ذلك، والتَّاء أنِّي خاطبتُه بذلك، والياءُ إخبارٌ عنه على المغايبة، فقد قلتَ في الصَّدر: استحلفتُ عبدَ اللَّه، وهو مغايبة.

стр. 923

وقيل (١): بما وراءه؛ أي: وراءَ التَّوراة، وهو الإنجيلُ والقرآن. وقيل: "ما" بمعنى "من"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ومعناه: بمن وراء موسى، وهو عيسى ومحمَّد ﵉. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ إشارةٌ إلى ما وراءَه، فوحَّد لتوحُّدِ اللَّفظ. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: الإنجيلُ موافقٌ للتَّوراة، والقرآنُ كذلك، وعيسى مصدِّقٌ لموسى، ومحمَّد ﷺ كذلك، وبه يَبطُلُ إيمانُهم بالتَّوراة وبموسى؛ لأنَّ في التوراة الأمرَ بالإيمان بالإنجيل وبالقرآن، وبعيسى ومحمَّدٍ، وموسى كان يَأمرُ بذلك، فمن كفرَ بما وافقَ كتابَه ورسولَه، فقد كفرَ بكتابِه ورسوله. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿لم﴾ أصلُه: "لما"، لامُ التَّعليلِ دخلَت في "ما" التي هي للاستفهام، وسَقطت الألفُ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمالِ في الاستفهام، وهو كقولهم: بم، وعمَّ، وفيم. ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مستقبلٌ في معنى الماضي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٢) [البقرة: ١٠٢]؛ أي: ما تلت، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وقال: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧]، وهو للحال في الماضي، و"كنتم" فيه مضمرٌ؛ أي: فلم كنتم تقتلون أنبياء اللَّه؟ ولذلك قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، فدلَّ (٣) أنَّه ليس لمحضِ الحالِ ولا للاستقبال. وإنَّما وبَّخهم بقتل الأنبياء والخطاب لأهل عصرِ النَّبيِّ ﷺ ، وهم لم

стр. 924

يُباشروا ذلك؛ لأنَّهم أولاد أولئك الذين فَعلوا ذلك، وهم يُوالونَهم، ويَرضون بما فعلوا، فشاركوهُم فيه، وأولئك قَتلوا زكريَّا ويحيى وغيرَهما، وقَصدوا قتلَ عيسى ﵈ (١). وقيل: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ هو (٢) خطابٌ هؤلاء؛ لقصدِهم قتلَ النبيِّ ﷺ مرارًا، وذلك في قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾، وذكرَ أنبياءَ اللَّه هاهنا على الجمع، والمرادُ به نبيُّنا محمَّد ﷺ وحدَه؛ تعظيمًا له، كما قيل في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] هو خطابٌ له وحدَه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما أنزل (٣) عليكم، فلمَ قتلتم أنبياءَ اللَّه؟ وليس فيه إباحةُ قتلهم، بل فيه تحريمُ قتلِهم مطلقًا، وقتلِ غيرهم إلَّا بحقٍّ، وإن كان الخطابُ لأهل عصر النَّبيِّ ﷺ فمعناه: لم تتولَّونهم؟ وذلك حرامٌ في كتابكم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّ النبيَّ ﷺ دعا اليهودَ إلى الإيمان به وبما أُنْزِلَ عليه، فقالوا: إن اللَّهَ عهدَ إلينا ألَّا نؤمنَ لرسولٍ حتَّى يأتينا بالبيِّنات و (٤) بقربانٍ تأكلُه النَّار، فقال لهم (٥): بأمر اللَّه قد كانت الأنبياءُ قبلي يأتون بها

стр. 925

قومَهم، وهم آباؤكم، فلم قتَلَهُم آباؤكم، إن كنتم صادقين (١) أنَّ اللَّه عَهِدَ إلينا (٢) في التَّوراةِ بذلك؟ (٣) * * * (٩٢) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: المعجزات الظَّاهرات. وقيل: هي الآياتُ التسع، وهي: الطُّوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، والعصا، واليدُ البيضاءُ، وفَلْقُ البحرِ، وتفجيرُ الماءِ مِن الحَجر. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا (٤) ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: مِن بعد انطلاقِهِ إلى الجبل. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: واضعون العبادةَ في غيرِ موضعِها، وقد شرحناه بأبلغَ مِن هذا فيما تقدَّم، يَرُدُّ بهذا قولَهم في الآية التي قبلها: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: أنتم مبطلون في هذه الدَّعوى. * * *

стр. 926

(٩٣ - ٩٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ قد مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات (١)، ثمَّ إنما (٢) أعاد حديثَ عبادتِهمُ العجل في الآية المتقدِّمة، وحديثَ أخذِ الميثاقِ ورفعِ الطُّور في هذه الآية، مع أنَّ القصَّة واحدةٌ، والسُّورةَ واحدةٌ، وقد ذكرَهما مرَّة؛ لأنَّ ذِكرهما فيما تقدَّمَ كان مِن تَعدادِ النِّعم، فإنَّه قال: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾، وقال في رفع الطور: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، وذَكَرهما هاهنا توبيخًا لهم في دَعْواهمُ الإيمانَ بما أُنزِلَ عليهم، وهم قد عَبدوا العجلَ، ورَدُّوا الميثاقَ، ولم يذكر بعدَهما عفوًا ولا نحوَه (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: سماعَ قَبولٍ وطاعةٍ، قال تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]؛ أي: لا يَقبلون ولا يَعمَلون به. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ قيل: قالوا: سمعنا قولَكَ، وعصينا أمرَك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قولهم: "وعصينا" لم يكن على إثر قولهم: "سمعنا"، لكن بعدَه بأوقاتٍ؛ لأنَّهم لمَّا أسبوا قَبولَ التَّوراة لما فيها من الشدائدِ (٤)،

стр. 927

رفع اللَّهُ تعالى فوقَهم الجبلَ، فقَبِلوها خوفًا، وقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما زايل الجبلُ وآمنوا، قالوا: عصينا، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]، وكان التولِّي بعد ذلك بأوقات (١). وقيل: قالوا: سمعنا عبارةً، وعَصَينا معاملةً، وهي كقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وهي شهادةُ فعلٍ، لا شهادةُ قول. وقيل: قال آباؤهم: سمعنا، وقال أبناؤهم: عصينا، وبشؤم عصيانِهم تمكَّنَ حبُّ ذلك العجلِ في قلوبهم، فلم يَزُل، وهو قولُه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ يقال: أُشْرِبَ الصَّبغُ في الثَّوب، وشُرِّبَ فيه؛ أي: تمكَّنَ، وهاهنا مضمرٌ وهو (٢) حبُّ العجل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾. يقول: رَسَخ حبُّ العجلِ في قلوبهم بفعلِهم، لا أنَّ غيرَهم فعلَ ذلك بهم، وهذا كما يقال: ذهبَ بي الفكرُ كلَّ مذهبٍ، وقال (٣) تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٣٥]. ويجوز أن يقال: اللَّهُ تعالى أَشربَ في قلوبهم، وذلك (٤) إثباتُ التخليقِ (٥) مِن اللَّه تعالى.

стр. 928

وقوله تعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ إثباتُ فعلِهم واختيارِهم، وهو دليلُ مذهب أهل (١) السُّنَّة والجماعة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهو ردٌّ على هؤلاء ما ادَّعوهُ (٢) أنَّهم يؤمنون بالتَّوراة، معناه: إن كنتم مؤمنين كما تَزعُمون، وإيمانُكم يأمرُكم بقتلِ الأنبياء، وعبادةِ العِجْل، ونقضِ الميثاقِ، وتكذيبِ محمَّدٍ ﵊؛ بئس ما (٣) يأمرُكم به إيمانُكم. وقال مقاتلٌ: أي: إن كان حبُّ عبادةِ العجلِ يَعدِلُ حبَّ عبادةِ خالقِكم؛ فبئسَ الإيمانُ إيمانٌ يأمرُ العباد (٤) بالكفرِ (٥). وحقيقتُه أنَّ هذا ليس بإيمانٍ، فإنَّ الإيمانَ لا يأمرُ بالكفرِ، وإنَّما يأمرُ بالخير والطَّاعة، ثمَّ إضافةُ الأمرِ إلى الإيمان مجازٌ، ومعناه الدلالةُ والإرشادُ بطرقِ التَّسبيبِ، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: هي سببُ الانتهاءِ (٦) عنهما. وقال السُّدِّيُّ وابنُ جُريج: لمَّا رجعَ موسى إلى قومِه أخذَ العجلَ فحَرَقَهُ بالمِبْرَدِ (٧)، ثمَّ ذَرَّاهُ في اليمِّ، فلم يبقَ نهرٌ يجري يومئذٍ إلَّا وقعَ فيه منه شيءٌ، ثمَّ قال

стр. 929

لهم: اشربوا منه، فشربوا، فمَن كان يُحِبُّهُ خرجَ على شاربِهِ الذَّهب، فهؤلاء شَرِبوا الماءَ بأفواهِهم، وأُشرِبَ حبُّ العجلِ في قلوبهم (١). وقال الحسنُ: كان بقيَ منهم طائفةٌ لم يتوبوا مِن عبادتِهمُ العجلَ، ولم يَقبلوا ما (٢) جاءَ عن اللَّه تعالى من التوراة (٣)، فهم الذين بقيَ حبُّ العجلِ في قلوبِهم، وهم الذين قال اللَّهُ تعالى فيهم (٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية (٥). أظهر اللَّهُ سبحانَه في هذه الآيات أفعالَهم وأقوالَهم الفاسدةَ، ثمَّ ردَّ فيما بعد (٦) ما كان لهم مِن علم ذلك مِن الأطماعِ الفاسدة، فإنَّهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي ردِّ هذا ردُّ ما بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾؛ أي: قل لهم يا محمَّدُ: إن كانت الدَّارُ الآخرة -وهي الجنَّةُ- عند اللَّه خالصةً لكم؛ أي: صافيةً، والخُلوصُ: الصَّفوةُ، من حدِّ: دَخَلَ، والإخلاصُ: تصفيةُ السِّرِّ والقول والعملِ للَّه تعالى، واستخلاصُ الشيءِ: استصفاؤهُ لنفسِه، وتخليصُ الممتحَن: تصفيتُه عن المِحنة. و ﴿خَالِصَةً﴾ نُصِبَ لأنَّه خبرُ ﴿كَانَتْ﴾.

стр. 930

ويجوزُ أن يكون قولُه: ﴿لَكُمُ﴾ خبرًا، و ﴿الدَّارُ﴾ اسمًا، و ﴿خَالِصَةً﴾ نصبًا على القطع. ويجوز أن يكون ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرًا، كالعافية، والخائنة، والباقية. ومعناه: خلوصًا؛ أي (١): على الخلوص. وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ أي: من دون محمَّد وأصحابِه، وتُستعمَلُ هذه اللَّفظةُ للاختصاص، يقال: هذا لي مِن دون الناس؛ أي: أنا مختصٌّ به. وقوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: تشهَّوه. قال ابن عباس ﵄: أي: فاسألوا الموتَ (٢). وفي روايةٍ قال: فادعوا بالموت لأيِّ الفريقينِ كان أكذب (٣). وقال قتادةُ وأبو العالية والرَّبيعُ: أي: فتمنَّوا الموتَ لأنفسِكم إن كنتُم صادقين في دعوى البنوَّة، والمحبَّة، والاختصاص بالجنة (٤). وأكثرُ أهل العلم على هذا، ووجهُه: إن كانت لكم عند اللَّه خالصةً (٥) هذه المنزلةُ، ولا يدخلُ غيرُكم الجنَّةَ، فتَمنَّوا الموتَ لتصيروا إليها؛ لأنَّ مَن كان على هذه الصِّفة لا يَكرهُ لقاءَ اللَّه، بل يَحرصُ على التَّعجيل إلى كرامتِه. فإن قالوا: إنَّ المؤمنين أجْمَعوا على أنَّ الجنَّة للمؤمنين دون غيرِهم، ثمَّ

стр. 931

ليس أحدٌ منهم يتمنَّى الموتَ إذا قيل له: تمنَّ الموتَ، فكيف وجهُ الاحتجاج على اليهودِ بذلك؟ قلنا: إنَّ المؤمنين لم يجعلوا لأنفسِهم مِن الفضل والمرتبةِ (١) عند اللَّه ما جَعلت اليهود ذلك لأنفسِهم؛ لأَنَّهم ادَّعَوا أنَّهم أبناءُ اللَّه وأحباؤه، وأنَّ الجنَّةَ خالصةٌ لهم، و (٢) الإنسانُ لا يكرهُ القدومَ على أبيه (٣) وحبيبه، ولا يَخافُ انتقامَه بالمصير إليه، بل يرجو وصولَهُ إلى محابِّه (٤)، فقيل لهم: تمنَّوا ذلك، فلمَّا لم يتمنَّوهُ ظهرَ كذبُهم في دعاويهم. ولأنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن تمنِّي الموت، قال: "لا يَتمنَّى أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزلَ به، ولكن ليقل: اللهمَّ أحيِني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا (٥) كانت الوفاةُ خيرًا لي" (٦). وقال خبابُ بنُ الأرتِّ رضي اللَّه تعالى عنه: لولا أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به (٧). وقال قائلٌ (٨): لولا بناتِي وسيِّئاتِي... لذُبْتُ شَوْقًا إلى الممات (٩)

стр. 932

فلا يلزمُهم ما يَلزمُ اليهودَ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قالوا: لو تمنَّوا (١)، أليس فيه كان انقضاء عمرهم (٢) بدون الأجل الذي جُعِلَ لهم؟ وفي ذلك تقديمُ الآجال على الوقت الذي كان (٣) أجلًا، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. قيل لهم: إذْ عَلِم اللَّهُ تعالى منهم في سابقِ علمه وأزليَّته أنَّهم لا يتمنَّون (٤)، جعل أجلهم ذلك، ولو علمَ منهم أنَّهم يتمنَّون الموتَ لكان يَجعلُ أجلَهم (٥) ذلك في الابتداء، وكذا هذا فيما روي أنَّ صلةَ الرَّحم تزيدُ في العمر (٦)؛ أنَّه كذلك يُجعَل في الابتداء، لا أن يُجعَلَ أجلُه إلى وقتٍ، ثمَّ إذا وصلَ رحمَه يزيدُ (٧) على ذلك الأجل أو يَنقُص بتمنِّي الموت عن الأجلِ المضروب له (٨). * * * (٩٥) - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ أي: لن يتشهَّوا الموتَ أبدًا، ولن يسألوه،

стр. 933

وهذا (١) فيه إثباتُ رسالةِ محمَّد ﷺ أنَّه أخبرَ أنَّهم لن يتمنَّوه أبدًا، فكان كما قال، فدلَّ على أنَّه مِن عند اللَّه. قال ابنُ عباسٍ ﵄: كأنَّ اللَّه حتمَ (٢) أنَّه لا يتمنَّى أحدٌ مِن بني إسرائيل ممَّن قرأ التَّوراةَ، وشهد بما فيها، وأنَّها (٣) مِن عندِ اللَّه، ثمَّ كفرَ بما فيها؛ إلَّا ماتَ (٤) مِن ساعتِه. وفي روايةٍ قال: لو تمنوا الموت لشرقوا به، وماتوا جميعًا (٥). وقال القفَّال: لم يخلُ ذلك من أحدِ أمرَين: إمَّا أن علِموا صِدقَهُ، وأنَّهم لو تمنَّوه لم يُمهَلوا وماتوا، وفي ذلك دليل أنَّهم عرفوا نبوَّته فعاندوه. وإما أن لم يَعلموا ذلك، ومنعَهم اللَّهُ عن هذا التمنِّي، وصرَفَهم عنه، وأحدثَ فيهم ما أزالَ تمنِّيهُ عن قلوبهم، وفي ذلك بيانُ صدقِه؛ لأنَّ هذا أمرٌ خارجٌ عن العادات لا يفعلُه اللَّهُ إلَّا لإيراد معجزةٍ تَدُلُّ على نبوَّة نبيٍّ. وعن نافعٍ قال: جلس إلينا يهوديٌّ يخاصمُنا، فقال: إنَّ في كتابكم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وأنا ذا أتمنَّى الموت، فما لي لا أموت؟ فسمع ذلك ابنُ عمر ﵄، فدخل بيتَه، فأخذ السيفَ ثمَّ خرج، ففرَّ اليهوديُّ حين رآه، فقال ابنُ عمر ﵄: أمَا واللَّه لو أدركتُه لضربتُ عنقَه، توهَّم هذا الجاهلُ أنَّ

стр. 934

هذا لليهودِ في كلِّ وقت، إنَّما هو لأولئك الذين كانوا يعاندونَهُ ويَجحدون نبوَّته بعد أن عرفوه. فإن قالوا: إنَّ التمنِّيَ يكون بالقلب، ولا يَظهَرُ ذلك لنا أنَّهم تمنَّوه أو لم يتمنَّوه. قلنا: ذُكِر هذا على وجه المحاجَّة، فيُطلَب (١) منهم إظهارُ التَّمنِّي باللسان، كما إذا قال الرجلُ لامرأتِه: أنت طالقٌ إن شئت أو أحببتِ، فإنَّه يتعلَّق بالإخبارِ دون الإضمار. وقوله: إنَّ (٢) هذا للتأبيد، ثمَّ ذكر أنَّهم يتمنَّون في النار فيقولون: يا مالك؛ ليقض علينا ربُّك، ويقولون: يا ليتها كانت القاضية؛ أي: الموت، ولكنَّا نقولُ: هذا للتأبيد في الدُّنيا؛ كما في قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما عمِلوا (٣) بأنفسِهم، والعربُ تضيفُ فعلَ كلِّ النَّفس إلى اليد؛ لحصول الفعل مِنَ اليدين في الغالب، وعلى متعارَفهم نزلَ القرآنُ، قال تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، وفي أمثال العرب: يداكَ أوكَتا، وفُوكَ نفخ (٤). ومعنى قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ قيل: بقتلِهم الأنبياءَ. وقال ابنُ عباس وابنُ جريح: أي: بتغييرهم نعتَ النبيِّ ﷺ وتكذيبِه (٥)، وقصدِهم إطفاءَ نورِ اللَّه بأفواهِهم.

стр. 935

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: بعقوبةِ هؤلاء وهم ظالمون بهذه الأفعال، وخصَّهم بذلك وإن كان اللَّهُ تعالى عالمًا بهم وبغيرِهم؛ لأنَّه أرادَ به تخصيصَهُم بالتَّهديد، وهو أبلغُ وعيدٍ، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وقيل: عليمٌ بالظالمين، يَفضحُهم بردِّ دعواهم الكاذبةِ بالحُججِ الصَّادقة، فإنَّه عالم بأفعالهم، غيرُ غافلٍ عن أحوالهم. وقيل: عليمٌ أنَّهم لا يتمنَّون؛ لإبطالِهم فيما ادَّعوا. * * * (٩٦) - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. وقيل: لا يتمنَّون لحرصِهم على الحياة، ولذلك وصلَ بهذه الآية ما فيه بيانُ شدَّةِ حرصِهم، وهو (١) قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ اللامُ للتَّأكيد، وكذلك النُّون المشدَّدة في آخره؛ أي: يا محمَّد؛ ستجدُ هؤلاء اليهود لا يتمنَّون الموت؛ لأنهم أشدُّ الناسِ حرصًا على الحياة؛ أي: ولوعًا بها، وقد حَرَص يَحْرِصُ حِرْصًا، فهو حريصٌ، والجمع حِراصٌ. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرصَ مِن الذين أشركوا باللَّه، قال ابنُ عبَّاسٍ وأبو العالية والكلبيُّ والرَّبيعُ: هم المجوس (٢).

стр. 936

وقال الحسنُ ومقاتل (١): هم مشركو العرب (٢). وإنَّما كان اليهودُ أحرصَ على الحياة، مع أنَّهم مُقِرُّون بالقيامة، من المجوس والمشركين (٣)، وهم ينكرون البعث؛ لما قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ اليهودَ عرفوا ما لهم في الآخرة مِنَ الخزي (٤) بما صنعوا مِنَ الظلم، وضيَّعوا من العلم (٥). وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي: يحبُّ أحدُ هؤلاء المشركين، وقد وَدَّ يَوَدُّ وُدًّا ومَوَدَّةً ووِدَادًا، مِن حد: علم، ومعنى الودِّ هاهنا: التمنِّي؛ ولذا قال بعده: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، و (لو) كلمةُ تمني (٦)، قال (٧): ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أي: يتمنَّى أن يُعطَى العُمُرَ والبقاءَ ألف سنة، وإنَّما خصَّ هذا العدد؛ لأنَّ مَن تحيتهم: زِه هزار سال (٨). وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ الزحزحةُ: التَّبعيدُ، والتَّزحزحُ: التَّباعدُ، والتَّحزحُزُ كذلك على القلب، وهو مكرَّرُ: زحَّ يَزُحُّ زحًّا؛ أي: دفع؛ كقولك: كبكب، مِن كبَّ.

стр. 937

وقيل: هو مِن: زاحَ يَزوحُ ويَزيحُ؛ أي: بَعُد، وأزاح يُزيح؛ أي: أبعدَ، وكُرِّر على هذا الوجه؛ كما فعلوا ذلك بقولهم: خاض وخَضْخض. وفي مصحف عبد اللَّه ابن مسعود ﵁: (وما هو بمنزحه) (١)، وهو كذلك مِن قولهم: نزح نزوحًا؛ إذا بَعُد. قوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ له ثلاثةُ أوجه: أحدها: وما أحدهم، فقد ذكر قبله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، وذاك راجعٌ إلى اليهود في قول، وفي قولٍ إلى الذين أشركوا، وهم المجوس، وهذا أظهر؛ أي: وما أحدُهم بمنجِّيه مِنَ العذاب تعميرُه، و ﴿أَنْ﴾ مع الفعل بمنزلة المصدر. وقيل: ﴿وَمَا هُوَ﴾ يرجعُ إلى التَّعميرِ المذكورِ قبلَه: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾، ثمَّ أُعِيد: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ في آخرِه؛ إيضاحًا، و ﴿وَمَا هُوَ﴾ (٢) عماد؛ لأنَّ الواو تَطلُبُ الاسم، فلمَّا تأخَّر الاسمُ دخل ﴿هُوَ﴾ عمادًا، ثمَّ فسَّر هذا بقوله: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ في آخره، وهو مصدرٌ على التقدير، ورفعُ تعميره بطريقين: أحدهما: كونُه فاعلًا بفعل الزَّحزحة؛ أي: لا يُزَحزِحُه مِن النَّار (٣) تعميرُه. والثاني: بالابتداء (٤)؛ أي: وما تعميرُه بمزحزِحِه. وقيل: قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ مجازٌ عن قوله: لَتَعرِفنَّهم، وهو كقول الرجل (٥): وجدتُ فلانًا فقيهًا.

стр. 938

وقيل في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وجهان آخران سوى ما ذكرنا بديًّا: أحدهما: أنَّ قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ موصولٌ بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾؛ أي: تَجدُ هؤلاء اليهود، وتجِدُ أيضًا مِن الذين أشركوا؛ أي: بعض المشركين، فإنَّ "مِن" كلمة تبعيض؛ وهو تسويةٌ بينهم وبين المشركين في حرصِ الحياة، وهو ذمٌّ لهم، وتسويةٌ بين مَن يُقِرُّ بالبعث وبين مَن لا يُقِرُّ به في هذه الصفةِ المذمومة. والثاني: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مبتدأٌ، وجوابُه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: مَن يَودُّ، وكلمةُ "مَن" مضمرة؛ كما في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾ أي: مَن يحرِّفون، وقولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي: مَن ليؤمننَّ به، وقال الشاعر: فظلُّوا ومِنْهُم دمْعُهُ سابقٌ لهُ... وآخرُ يُجْرِي دمعةَ العينِ بالمَهْلِ (١) أي: ومنهم مَن دمعُهُ. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يَرى أعمالَهم مِنَ الكفرِ والمعاصي، لا يَخفى عليه شيءٌ، فيُجازيهم بالخِزْيِ والذُّلِّ في الدُّنيا، والعقوبةِ في العُقبى. وقراءة العامَّة بياءِ المغايبة، وقرأ يعقوبُ بتاء المخاطبة (٢). * * * (٩٧) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 939

وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ في (جبريل) سبعُ لغاتٍ؛ قُرِئَ بأربعٍ منها: ﴿جَبرَئيل﴾ بفتح الجيم والرَّاء مهموزًا ممدودًا؛ وهو في قراءة حمزةَ، والكسائيِّ، وخلفٍ، وعاصمٍ غير حفصٍ ويحيى عن أبي بكر. و ﴿جَبْرِيل﴾ بفتح الجيم خفيفًا بغير همزٍ، وهو في قراءةِ ابن كثير. و ﴿جَبْرَئِل﴾ (١) على وزن: جبرعل (٢)؛ وهو روايةُ يحيى عن أبي بكرٍ عن عاصمٍ. و ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ بكسر الجيم والرَّاء بلا همزٍ؛ وهو في قراءة الباقين (٣). و"جبرائيل" بالمدِّ والهمز، وبياءين في الكتابة. و"جبرائلّ" بالهمز وتشديد اللَّام وياءٍ واحدةٍ في الكتابة. و"جبرين" بالنُّون مكان اللَّام. هو (٤) اسمٌ ليس بعربيٍّ، عرَّبته العربُ على هذه الوجوه (٥)، ومعناه: عبدُ اللَّه، فإنَّ "جبر" هو العبد، و"إيل" هو اللَّه، قاله ابن عبَّاسٍ ﵄ (٦). والآيةُ في شأنِ اليهود أيضًا وذمِّهم وردِّ مقالاتهم، وقصَّة نزوله (٧): ما روى

стр. 940

أبو صالحٍ عن ابن عبَّاس ﵄ قال: لمَّا قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ؛ أتاه ابن صوريا؛ وهو رجلٌ من اليهود يسكن فَدَك، فقال: يا محمد؟ كيف نومُك؟ فإنَّا أُخْبِرْنا عن نومِ النبيِّ الذي يجيء في آخر الزَّمان. فقال النبيُّ ﷺ : "تنامُ عيناي وقلبي يقظان". قال: صدقتَ يا محمَّد، فأخْبِرْنِي عن الولد؛ أمِن الرَّجل يكون أم من المرأة؟ قال: "أمَّا العظمُ والعَصب والعروق؛ فمن الرَّجل، وأمَّا الدَّمُ واللَّحمُ والظُّفْر والشَّعر؛ فمن المرأة". قال: صدقت يا محمَّد، قال: فما بالُ الولدِ يُشبِهُ أعمامَه، ليس من شبه أخواله فيه شيءٌ، أو يشبه أخواله، ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال: "أيُّهما علا ماؤه ماءَ صاحبِه؛ كان الشَّبهُ له". قال: صدقت يا محمَّد، وسأله عن الطعام الذي حَرَّم إسرائيلُ على نفسه. قال: "إنَّ يعقوبَ مَرِضَ مرضًا شديدًا، فنذر إنْ شفاه اللَّه تعالى؛ حرَّم على نفسه (١) أحبَّ الطَّعام وأحبَّ الشَّراب، وكان (٢) أحبَّ الطَّعام إليه لحمُ الإبل، وأحبَّ الشراب إليه ألبانُها، فحرَّمها (٣) على نفسه". وسأله (٤) عن أوَّل نُزُلِ أهل الجنة (٥).

стр. 941

قال: "الحوتُ والثَّور". قال: صدقتَ يا محمَّد، ثمَّ قال: بَقِيَت خَصلةٌ، إن قلتَها آمنتُ بك واتَّبعتك، أيُّ مَلَكٍ يأتيك بما تقول من اللَّه؟ قال: "جبريل". قال: ذلك عدوُّنا، ينزل بالقتالِ والشِّدَّة، ورسولُنا ميكائيل، يأتي بالبِشْرِ (١) والرَّخاء، فلو كان ميكائيل، لآمنَّا بك وصدَّقناك. فقال له عمر: ما بدءُ عداوته لكم (٢)؟ قال: عادانا مرارًا كثيرةً، وكان مِن أشدِّ عداوته لنا أنَّ اللَّه تعالى أنزلَ على نبيِّنا موسى صلوات اللَّه عليه أنَّ بيتَ المقدس سيَخْرَبُ في زمان رجلٍ يقال له: بختنصَّر، وأخْبَرَنا بالحين الذي يَخربُ فيه، فلمَّا بلغ الحين الذي يخربُ فيه (٣) بيتُ المقدس؛ بعَثْنا رجلًا مِن أقوياء بني إسرائيل في طلبه ليقتلَه، فانطلقَ في طلبِه حتَّى لقيَه ببابلَ غلامًا مسكينًا ليست له قوَّةٌ، فأخَذَهُ ليَقتُلَه، فدفعَ عنه جبريل، وقال لصاحبنا: إنَّ ربَّكم إنْ هو أَمَرَه بهلاككم، لا تُسلَّطُ (٤) عليه، إن كان الذي تريدُه هذا، فإنَّك لا تَقدِرُ على قتله (٥)، وإنْ لم يكنْ هذا؛ فعلى أيِّ حقٍّ تقتلُه؟ فصدَّقَهُ صاحبُنا، فتركَه، وكبِر بختنصَّر وقوي، فملَكَ، ثمَّ غزانا، فخرَّب بيتَ المقدس وقتلَنا، فلهذا نتَّخِذُه (٦) عدوًّا، وميكائيلُ عدوُّ جبريل.

стр. 942

فقال عمر: فإنِّي أشهد: مَن كان عدوًّا لجبريل؛ فإنَّه عدوٌّ لميكائيل، ومَنْ كان عدوًّا لميكائيل؛ فإنَّه عدوٌّ لجبريل. فقال: يا عمر، لا تقولنَّ هذا، فنزلت الآيةُ كما قال عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: فإنَّ جبريل نزَّل القرآن، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ (٢) وعامَّةِ أهل التَّفسير والتَّأويل، وقد تقدَّم ذكرُ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَصَلَح صرفُ قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾، إليه. وقولُه: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: أوحاهُ إليكَ وقذفَهُ (٣) في قلبِك. وقيل: أي: عليك؛ لتحفَظه بقلبك. وقيل: أي (٤): تثبيتًا لقلبك. وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بأمرِ اللَّه. وقال القفَّال: قوله: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: أخبِرهُم أنَّه نزَّله على قلبِك، ولو قال: على قلبي، جاز على حكاية اللَّفظ الذي يَقولُ لهم، وهو كقولك: قلْ لفلانٍ: إنَّ الخبر عندي كذا، ويجوز: عندك كذا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: تقول الباطنيَّة: إنَّ القرآن لم ينزل على رسول اللَّه ﷺ بالأحرفِ التي نقرؤها، لكنَّه إلهامٌ نزلَ على قلبه، ثمَّ صوَّره بهذه الأحرف.

стр. 943

وهو باطلٌ؛ لأنَّه لو كان كذلك لزالَ موضعُ الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]؛ إذ كان لهم أن يقولوا: أُنْزِل على لسان العجم، لكنَّه غيَّر ذلك بلسانه، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]؛ أي: مخافةَ النِّسيان والذَّهاب، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، فدلَّت هذه الآيات على بُطلانِ قولِهم، وفسادِ مذهبهم، وبعدهم عن دين اللَّه المستقيم (١). وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: موافقًا لما قبلَه من كتب الأنبياء، قاله ابن عبَّاسٍ ﵄ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾ أي: هاديًا للمؤمنين، على معنى أنَّ النفع يقعُ لهم؛ كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وقيل: أي: للكلِّ على العموم، ومعناه: أنَّه دالٌّ مرشِدٌ لهم. وقوله تعالى: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: مبشِّرًا للمؤمنين على الخصوص، وهما مصدران بمعنى الفاعل، وإعرابُهما النَّصبُ عطفًا على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وكلُّه نصب؛ لأنَّه حالٌ، أو مفعولٌ ثانٍ لقوله تعالى: ﴿نَزَّلَهُ﴾. وقيل: ذَكَر اليهود أنَّهم يُبغِضُون جبريل؛ لأنَّه كان مأمورًا بإنزال الوحيِ على أولاد إسرائيل، فأنزلَهُ في أولاد إسماعيل. وقال ابنُ عبَّاسٍ وشهرُ بن حَوْشب والشَّعبيُّ وقتادةُ: إنَّهم قالوا: إنَّ جبريلَ لا

стр. 944

ينزلُ بخيرٍ قطُّ، بل هو مَلَكُ العذاب؛ ينزل بالعذابِ والحربِ وكسر السُّفن والشَّدائد؛ فلذلك نُبغِضُه، وأمَّا ميكائيل، فإنَّه يَنْزِلُ بالغيث والرَّحمة؛ فلذلك نحبُّه (١). فقد ذكَروا (٢) أنَّهم يبغضونه لثلاثة معانٍ؛ لأنَّه لا يأتي بخيرٍ، ولأنَّه نقلَ الوحي إلى غير مَن أُمِر به، ولأنَّه دفعَ مَن أراد قتلَ بُختنصَّر، فردَّ اللَّه عليهم كلَّ ذلك بهذه الآية، واللَّه أعلم، فإنَّه قال: نَزَل بالوحي على محمَّدٍ بأمرِنا، وهو رأسُ كلِّ خيرٍ، وهو يبلِّغ (٣) إلى مَن كان له به الأمرُ، وهو أيضًا لا يدفعُ عن أحدٍ إلَّا بأمرٍ، فإنَّه عبدٌ مطِيعٌ، لا يعملُ إلَّا ما أُمِرَ به. وقيل على هذا: إنَّ قوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ صفةٌ لجبريل، لا للقرآن؛ أي (٤): يقولون: إنَّه ينزل بالشدائد، فقل: إنَّه ينزل بها بأَمْر اللَّه، وفي ذلك هدًى للمؤمنين؛ لإيمانهم بأنَّه من عند اللَّه، وهو بشرى لهم؛ لأنَّهم بالصَّبر عليه، والعمل به، ينالون الثَّوابَ في العُقبى، والنَّصرَ في الدُّنيا. * * * (٩٨) - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ قُرِئ: (ميكائيل) على خمسة أوجهٍ:

стр. 945

قرأ أبو عمرٍو وسهلٌ (١) ويعقوبُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿وَمِيكَالَ﴾ على وزن ميعاد (٢). وقرأ نافعٌ وأبو جعفرٍ: ﴿مِيكَائلَ﴾ على وزن: مِيكاعِل (٣)، مهموزًا بغير ياء. والباقون: ﴿ميكائيل﴾ مع الهمزةِ والياء (٤) بعدها (٥). وعن الأعرج (٦): (ميكئل) على وزن: مِيْكعِل (٧). وعن الأعمش: (مِيْكَييل) على وزن: مِيْكَعيل (٨). ومعناه: عبدُ اللَّه، وهو كجبريل في أنَّ العرب عرَّبته، وتكلَّمت به على وجوهٍ.

стр. 946

ومعنى الآية: مَن كان معاديًا للَّه؛ أي: كافرًا بما جاء منه. وقيل: ﴿لِلَّهِ﴾ ذُكِر تعظيمًا للأمر على مَن يُعادي أحدًا مِن ملائكته، كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وكقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، مع (١) الواو في هذا بمعنى (أو)؛ إذ استحقاقُ العداوة غيرُ موقوفٍ على عداوة جميعهم، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وإنَّما أعاد ذِكْرَ جبريلَ وميكائيلَ مع ذكر الملائكةِ، وهما داخلان فيهم؛ ليكون أنْفى للشُّبهة، وأبعدَ مِنَ التأويل، كي لا يقول اليهود: إنَّهما غيرُ داخلَين أو أحدَهما في جملة الملائكة، أو هو زيادةُ تشريفٍ لهما وتقديمٌ لذكرهما على وجه التخصيص؛ كما قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] بعد ذِكْرِ ﴿النَّبِيِّينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقلْ: فإنَّه، مع سَبْقِ ذكر "اللَّه" صريحًا مرَّةً؛ إخراجًا للكلام عن احتمال التأويل، إذ لو قيل: فإنَّه؛ احتمل أنْ يعودَ إلى جبريل وميكائيل؛ لتقدُّم ذكرهما. وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ أي: مُعَادٍ، وعداوةُ اللَّه تعالى هي إرادةُ العقوبةِ والطَّردِ والتَّبعيدِ عن الخير. وقال: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: (لهم)؛ إظهارًا أنَّهم مع استحقاقِهم لعداوة اللَّه كفَّارٌ بمعاداتهم أولياءَ اللَّه. وقيل: تقدير الآيتين: قل: مَن كان عدوًّا لجبريل فهو كافرٌ، وإِنَّ اللَّهَ عدوٌّ

стр. 947

للكافرين، واعترضَ ذِكْرُ جبريل، وهو قولُه: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ قبل جوابه، فأعاد ذِكْرَ هذه العداوة: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾، وإنَّما ذَكَرَ الرسلَ معهم؛ لأنَّ الملائكةَ والرُّسلَ دعاةُ الخلق إلى اللَّه (١)، فهم متَّفقون، ومعاداةُ أحدهم معاداتُهم، وهو كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وهم ما أدركوا (٢) إلَّا رسولًا واحدًا. وإنَّما قَرَنَ ميكائيل بجبرائيل؛ لأنَّهم كانوا يدَّعون أنَّه حبيبُهم، فأخبرَ أنَّ عدوَّ جبريل عدوُّ ميكائيل. * * * (٩٩) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. قال (٣) ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الآيات البيِّنات: ما يُخبرهم (٤) عن قَصصِهم وأخبارِهم التي لا معرفةَ لها إلَّا عند أحبارهم، وهي ما (٥) سبق ذِكْرُه في هذه السُّورة إلى هذه الآية (٦).

стр. 948

وقال القَفَّالُ: هي العلاماتُ الواضحاتُ على صِدْق نبوَّته التي لا تَخفى صِحَّتُها على أحدٍ. وقيل: هنَّ جواباتُ سؤالات ابنِ صوريا التي مرَّت في الآية الأولى. وقيل: إنَّ اليهودَ قالوا للنبيِّ ﷺ : ما جئتنا بشيءٍ نَعرفُه، ولا ببيِّنةٍ نتَّبعُها، فنزلت هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: لا يُنكِرها إلَّا الجاحدون (١) الخارجون عن أمر اللَّه. وقيل: أي: الخارجون عن الأديان، وإنْ أظهروا أنَّهم متمسِّكون بها، فإنَّ اليهود خرجوا بتكذيب محمَّدٍ ﵇ مِن شريعة موسى ﵇. وقيل: أي: المتمرِّدون مِنَ اليهود، فأمَّا أهل الإنصاف منهم؛ فقد آمنوا؛ مثل: عبد اللَّه بن سَلَام وأصحابه، ثمَّ (٢) هذا الإنكارُ منهم نقضٌ للعهد (٣)، وأخبرَ بالآية التي بعدها أنَّه ليس بأوَّل نقضٍ منهم. * * * (١٠٠) - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الألفُ ألفُ استفهامٍ بمعنى التوبيخ، دخلت على واو العطف، وهو متَّصلٌ بما قبله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [البقرة: ٨٧] الآية.

стр. 949

وقوله ﴿نَبَذَهُ﴾ قال قتادةُ وابنُ جريج: أي: نقضَهُ (١)، وأصلُه: الطَّرحُ والرَّمي، ومنه قوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦]؛ أي: ألقيتُها في العِجْل، والمنبوذُ: الملفوظ؛ لأنَّه نُبِذ، وقوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] أي: تباعدت، هو من الأوَّل، وظاهرُه: نبذُ العهدِ وراء الظَّهر، ومعناه: النَّقْضُ. والفريقُ: الطَّائفةُ، ويكون للقليل والكثير، وظهر بما بعده أنَّه أراد به الكثير؛ وهو قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقيل: أي: نقضَهُ فريقٌ منهم عنادًا، وأكثرُهم نَقضَهُ جهلًا، فكلُّهم كفَّارٌ؛ بعضُهم بنقض العهدِ، وأكثرُهم بجحودِ الحقِّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نبذوا الكتابَ وخالفوهُ كأنَّهم جهلةٌ به وبالعهد الذي عليهم في التَّوراةِ وغيرها. وقال الشَّعبيُّ: وصفَهم أنَّهم نبذوا ذلك لنبذِهم العملَ به (٢). ثمَّ بيانُ نقضِهم العهودَ مرارًا: أنَّه كان مِنَ المواثيق عليهم أنَّهم إذا جاءهم محمَّدٌ آمنوا به ونصروه، فلم يفعلوا. ومنها: أنَّهم كانوا يستفتحون به، فلمَّا جاءهم؛ كفروا به. ومنها: أنَّهم كانوا هادَنوا النبيَّ ﷺ ، فنَقضوه يومَ الخندق، وطابقوا كفَّار قريشٍ عليه -أي: عاهدوا- حتَّى جرى على بني قريظةَ ما جرى، وكذا على بني النَّضِير. ومنها: أنَّهم عاهدوهُ أنَّه لو أجابَهم عمَّا سألوه آمنوا به، وأجابهم فلم يؤمنوا. * * *

стр. 950

(١٠١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هو محمَّدٌ ﷺ . وقيل: الرسول بمعنى الرسالة، قال الشاعر: لقد كذبَ الواشون ما بُحْتُ عندَهم... بليلى ولا أَرسلتُهم برسولِ (١) أي: برسالةٍ؛ فمعناه على هذا: ولمَّا جاءَهم كتابٌ. وقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: أُعْطُوا علمَ الكتاب، وهم أحبارُهم، و ﴿الْكِتَابَ﴾ نُصِبَ لأنَّه خبرُ ما لم يسمَّ فاعله. وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مفعولٌ بقوله: ﴿نَبَذَ﴾، ومعنى ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ (٢): خالفوه. وقوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قال الشعبيُّ: نبذوهُ وراءَ ظهورهم وهو بين أيديهم يقرؤونه، لكن نَبذوا العملَ به (٣). وقال سفيان بن عُيَيْنَة: أدرجوه في الحرير والدِّيباج وحلَّوه بالذَّهب والفضَّة، ولم يُحِلُّوا حلالَه، ولم يُحَرِّموا حرامَهُ، فذلك النَّبْذ (٤). وقيل: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾: هو التَّوراة هاهنا، وقيل: هو القرآن، وخلافُهم كان لهما.
следующие страницы →