← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ومعنى الآية: مَن كان معاديًا للَّه؛ أي: كافرًا بما جاء منه. وقيل: ﴿لِلَّهِ﴾ ذُكِر تعظيمًا للأمر على مَن يُعادي أحدًا مِن ملائكته، كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وكقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، مع (١) الواو في هذا بمعنى (أو)؛ إذ استحقاقُ العداوة غيرُ موقوفٍ على عداوة جميعهم، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وإنَّما أعاد ذِكْرَ جبريلَ وميكائيلَ مع ذكر الملائكةِ، وهما داخلان فيهم؛ ليكون أنْفى للشُّبهة، وأبعدَ مِنَ التأويل، كي لا يقول اليهود: إنَّهما غيرُ داخلَين أو أحدَهما في جملة الملائكة، أو هو زيادةُ تشريفٍ لهما وتقديمٌ لذكرهما على وجه التخصيص؛ كما قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] بعد ذِكْرِ ﴿النَّبِيِّينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقلْ: فإنَّه، مع سَبْقِ ذكر "اللَّه" صريحًا مرَّةً؛ إخراجًا للكلام عن احتمال التأويل، إذ لو قيل: فإنَّه؛ احتمل أنْ يعودَ إلى جبريل وميكائيل؛ لتقدُّم ذكرهما. وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ أي: مُعَادٍ، وعداوةُ اللَّه تعالى هي إرادةُ العقوبةِ والطَّردِ والتَّبعيدِ عن الخير. وقال: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: (لهم)؛ إظهارًا أنَّهم مع استحقاقِهم لعداوة اللَّه كفَّارٌ بمعاداتهم أولياءَ اللَّه. وقيل: تقدير الآيتين: قل: مَن كان عدوًّا لجبريل فهو كافرٌ، وإِنَّ اللَّهَ عدوٌّ

стр. 947

للكافرين، واعترضَ ذِكْرُ جبريل، وهو قولُه: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ قبل جوابه، فأعاد ذِكْرَ هذه العداوة: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾، وإنَّما ذَكَرَ الرسلَ معهم؛ لأنَّ الملائكةَ والرُّسلَ دعاةُ الخلق إلى اللَّه (١)، فهم متَّفقون، ومعاداةُ أحدهم معاداتُهم، وهو كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وهم ما أدركوا (٢) إلَّا رسولًا واحدًا. وإنَّما قَرَنَ ميكائيل بجبرائيل؛ لأنَّهم كانوا يدَّعون أنَّه حبيبُهم، فأخبرَ أنَّ عدوَّ جبريل عدوُّ ميكائيل. * * * (٩٩) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: القرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. قال (٣) ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الآيات البيِّنات: ما يُخبرهم (٤) عن قَصصِهم وأخبارِهم التي لا معرفةَ لها إلَّا عند أحبارهم، وهي ما (٥) سبق ذِكْرُه في هذه السُّورة إلى هذه الآية (٦).

стр. 948

وقال القَفَّالُ: هي العلاماتُ الواضحاتُ على صِدْق نبوَّته التي لا تَخفى صِحَّتُها على أحدٍ. وقيل: هنَّ جواباتُ سؤالات ابنِ صوريا التي مرَّت في الآية الأولى. وقيل: إنَّ اليهودَ قالوا للنبيِّ ﷺ : ما جئتنا بشيءٍ نَعرفُه، ولا ببيِّنةٍ نتَّبعُها، فنزلت هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: لا يُنكِرها إلَّا الجاحدون (١) الخارجون عن أمر اللَّه. وقيل: أي: الخارجون عن الأديان، وإنْ أظهروا أنَّهم متمسِّكون بها، فإنَّ اليهود خرجوا بتكذيب محمَّدٍ ﵇ مِن شريعة موسى ﵇. وقيل: أي: المتمرِّدون مِنَ اليهود، فأمَّا أهل الإنصاف منهم؛ فقد آمنوا؛ مثل: عبد اللَّه بن سَلَام وأصحابه، ثمَّ (٢) هذا الإنكارُ منهم نقضٌ للعهد (٣)، وأخبرَ بالآية التي بعدها أنَّه ليس بأوَّل نقضٍ منهم. * * * (١٠٠) - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الألفُ ألفُ استفهامٍ بمعنى التوبيخ، دخلت على واو العطف، وهو متَّصلٌ بما قبله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [البقرة: ٨٧] الآية.

стр. 949

وقوله ﴿نَبَذَهُ﴾ قال قتادةُ وابنُ جريج: أي: نقضَهُ (١)، وأصلُه: الطَّرحُ والرَّمي، ومنه قوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦]؛ أي: ألقيتُها في العِجْل، والمنبوذُ: الملفوظ؛ لأنَّه نُبِذ، وقوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] أي: تباعدت، هو من الأوَّل، وظاهرُه: نبذُ العهدِ وراء الظَّهر، ومعناه: النَّقْضُ. والفريقُ: الطَّائفةُ، ويكون للقليل والكثير، وظهر بما بعده أنَّه أراد به الكثير؛ وهو قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقيل: أي: نقضَهُ فريقٌ منهم عنادًا، وأكثرُهم نَقضَهُ جهلًا، فكلُّهم كفَّارٌ؛ بعضُهم بنقض العهدِ، وأكثرُهم بجحودِ الحقِّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نبذوا الكتابَ وخالفوهُ كأنَّهم جهلةٌ به وبالعهد الذي عليهم في التَّوراةِ وغيرها. وقال الشَّعبيُّ: وصفَهم أنَّهم نبذوا ذلك لنبذِهم العملَ به (٢). ثمَّ بيانُ نقضِهم العهودَ مرارًا: أنَّه كان مِنَ المواثيق عليهم أنَّهم إذا جاءهم محمَّدٌ آمنوا به ونصروه، فلم يفعلوا. ومنها: أنَّهم كانوا يستفتحون به، فلمَّا جاءهم؛ كفروا به. ومنها: أنَّهم كانوا هادَنوا النبيَّ ﷺ ، فنَقضوه يومَ الخندق، وطابقوا كفَّار قريشٍ عليه -أي: عاهدوا- حتَّى جرى على بني قريظةَ ما جرى، وكذا على بني النَّضِير. ومنها: أنَّهم عاهدوهُ أنَّه لو أجابَهم عمَّا سألوه آمنوا به، وأجابهم فلم يؤمنوا. * * *

стр. 950

(١٠١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ هو محمَّدٌ ﷺ . وقيل: الرسول بمعنى الرسالة، قال الشاعر: لقد كذبَ الواشون ما بُحْتُ عندَهم... بليلى ولا أَرسلتُهم برسولِ (١) أي: برسالةٍ؛ فمعناه على هذا: ولمَّا جاءَهم كتابٌ. وقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: أُعْطُوا علمَ الكتاب، وهم أحبارُهم، و ﴿الْكِتَابَ﴾ نُصِبَ لأنَّه خبرُ ما لم يسمَّ فاعله. وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مفعولٌ بقوله: ﴿نَبَذَ﴾، ومعنى ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ (٢): خالفوه. وقوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قال الشعبيُّ: نبذوهُ وراءَ ظهورهم وهو بين أيديهم يقرؤونه، لكن نَبذوا العملَ به (٣). وقال سفيان بن عُيَيْنَة: أدرجوه في الحرير والدِّيباج وحلَّوه بالذَّهب والفضَّة، ولم يُحِلُّوا حلالَه، ولم يُحَرِّموا حرامَهُ، فذلك النَّبْذ (٤). وقيل: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾: هو التَّوراة هاهنا، وقيل: هو القرآن، وخلافُهم كان لهما.

стр. 951

وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يفقهون على ما في الكتاب؛ أي: تعمَّدوا الخلافَ مع علمِهم، فالتحقوا بالجُهَّال. وقيل: كأنَّهم لا يعلمون نعتَك. * * * (١٠٢) - ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: نبذوا كتابَ اللَّه واتَّبعوا السِّحرَ، وعلَّموا ذلك أتباعَهم المقلِّدين؛ ليَكتسبوا به الدُّنيا، وقالوا: إنَّ مُلْكَ سليمان ﵇ مع عظمته (١) كان قائمًا به، ويأخذونَ السُّحت به، ويكذبون، فذمَّهم اللَّهُ تعالى بذلك، وبرَّأ سليمان ﵇ من ذلك، وكشفَ عن حقيقتِه أنَّه كان مِنَ الشياطين، لا مِن سليمان. وفيه تنبيهٌ لأهل عصر النبيِّ ﷺ ومَن بعدَهم على بطلان السحر، وأنَّه لا يجوزُ العملُ به. وقال السُّدِّيُّ ﵀: لمَّا نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ عارضوه بالتَّوراة، فاتَّفقا، فنَبذوا التَّوراة، وأخذوا بكتاب

стр. 952

الشيطان وسِحْرِ هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فتعلَّقوا بها، فذلك (١) قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ (٢)؛ أي: كتابَ السِّحر الذي كان فيه؛ تقويةً لهم فيما يُخاصِمون النبيَّ ﷺ ، فأظهرَ (٣) اللَّهُ تعالى لعباده أنَّ ذلك كان سحرًا وكفرًا وباطلًا، لا يجوزُ التعلُّقُ به، وإنَّما يُنَاظَرُ في الدِّين بكتبِ اللَّه، لا بكتب السِّحر التي وَضَعتْها الشياطين، فمن (٤) نبذَ كتاب اللَّه تعالى، وتعلَّقَ بكتب الشَّيطان؛ فهو في نهايةِ الجهلِ والخُذلان. وقال محمَّدُ بن إسحاق: لمَّا ذَكَرَ رسولُ اللَّه ﷺ سليمانَ بنَ داود في المرسلين؛ قال بعضُ أحبارِهم: ألَا تعجبون من محمَّدٍ؟! يَزعمُ أنَّ ابنَ داود كان نبيًّا، واللَّه ما كان إلَّا ساحرًا؛ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) أي: باتِّباعهم السِّحرَ و (٦) عملِهم به. وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: إنَّ اليهود سألوا محمَّدًا ﵊ زمانًا عن أمورٍ من التَّوراة، ولا يسألونَهُ عن شيءٍ مِن ذلك إلَّا أنزَلَ اللَّهُ تعالى ما سألوا عنه، فيَخصِمُهم، فلمَّا رأوا ذلك؛ قالوا: هو أعلمُ منَّا بما أُنْزِل إلينا، فسألوهُ عن السِّحر، وخاصموه أن يغلبَهم به، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، وإنَّ الشياطين عَمدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السِّحر والكهانةَ، فدفنوهُ

стр. 953

تحت مجلسِ سليمان، وكان سليمانُ ﵇ لا يَعلمُ الغيبَ، فلمَّا فارقَ سليمانُ الدُّنيا؛ استخرَجوا ذلك السِّحرَ، وخَدَعوا به النَّاس، وقالوا: هذا عِلْمٌ كان سليمانُ يَكتمُهُ، ويَحسُدُ النَّاسَ عليه، فأخبرَهم ﵊ بهذا الحديث، فرَجَعوا مِن عنده وقد أخزاهُمُ اللَّهُ وأدْحَضَ حُجَّتَهم (١). واجتمعَ لهم بذلك وجوهُ كفرٍ وكبائرَ؛ نبذُ كتاب اللَّه، وتَصويبُ السِّحرِ وإيثارُهُ على كتاب اللَّه، والاستئكالُ بالحرام، وإضلالُ الناس وصدُّهم عن الإيمان، وتوهيمهم أنَّ معجزات الأنبياء لا حقيقةَ لها، وأنَّها مِن جنس السِّحر. وقوله: ﴿مَا تَتْلُو﴾ أي: ما تتلوهُ، فالهاءُ مضمرةٌ، و ﴿تَتْلُو﴾ قيل: أي (٢): تَتَّبعُ؛ وهو قول ابن عباس وأبي رزين (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. وقيل: أي: يقرأ، وهو قولُ مجاهدٍ وعطاء (٤)، مِن قوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣]. وقال أبو عبيدة: أي: ما تتكلَّم وتقول وتتلو (٥). قيل: معناه: تلت على الماضي، وهو كقول الشاعر: ولقد أمرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني... فمَضَيْتُ ثُمَّت قلتُ: لا يعنيني (٦)

стр. 954

أي: ولقد مررتُ، وفي القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]؛ أي: وصدُّوا عن سبيل اللَّه، ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [هود: ١٠٩]، هذه أمور كلُّها ماضيةٌ وَرَدَتْ بصيغة المستقبل. وله وجهٌ آخرُ: وهو أنْ يكون "كان" مضمرًا في ذلك، فيكون بمعنى الحال في الماضي، وهو كقوله (١): ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] على قراءة الرفع (٢)؛ أي: حتَّى كان يقول، وكذا في قوله: ﴿كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ [هود: ١٠٩]. وله وجهٌ آخرُ: وهو أنْ يُحمَل على الحال، فيدلَّ على وجودِه في الماضي وبقائه للحال، وهذا وجهٌ لا يُحتاجُ فيه إلى تغيير بُنيتِه، ولا إلى إدراج زيادة، وكذا يكونُ قولُه: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ قال الزجَّاج: أي: في ملكه وسلطانه (٣)؛ أي: في أيَّامه، وقال أبو النجم: فهي على الأُفق كعين الأحول (٤) أي: في الأفق.

стр. 955

وقيل: أي: على عهده، ومعناه: في أيَّامه، وهو مستعملٌ في العهد، وهذه الكلمةُ في معناه. وقيل: أي: علَّمَتهُ الشياطينُ على قصد إزالة مُلْك سليمان، و ﴿عَلَى﴾ تُستَعملُ لذلك (١). وقيل: أي: على إثر ذهابِ ملك سليمان؛ أي (٢): فعلوا ذلك بعدَ موتِه. وقيل: أي: على ما كذبت الشياطين على سليمان، و"على" (٣) إذا وُصِلَت بالقولِ يُرادُ به الكذب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وإذا قيل: تلا عنه؛ فهو للصِّدق، وإذا قيل: تلا عليه؛ فهو للكذب. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: ما سَحَرَ سليمان، وهو نفيٌ؛ إذ (٤) لم يكفر؛ لأنَّه لم يَسْحَر (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ أي: سَحَروا فكفروا به. وقال الإمام أبو منصور ﵀: القولُ بأنَّ السِّحرَ كفرٌ على الإطلاق خطأٌ، ويجبُ البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك ردُّ ما لَزِم في شرط الإيمان؛ فهو كفرٌ، وإلَّا فلا. ثمَّ السِّحرُ الذي هو كفرٌ يُقتَل عليه الذُّكور لا الإناث، والذي ليس بكفرٍ، وفيه

стр. 956

إهلاكُ النَّفس؛ ففيه حكمُ قطَّاع الطَّريق، ويَستوي فيه الذُّكورُ والإناث، ولهذا اختلفَ قولُ أبي حنيفة ﵀ في السَّاحرة؛ فلا تُقتَلُ بسحر الكفر، وتُقتَل بسحر السَّعي في الأرض بالفساد، إذا كان سحرُها قاتلًا (١). وعن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "حدُّ الساحر (٢) الضَّربُ بالسَّيف" (٣)، وتُقبَلُ توبتُه إذا تاب، فإنَّ سَحَرَة فرعون -لعنه اللَّه- آمنوا، وصحَّ إيمانهم. ومَن قال: لا تُقبَل؛ فهو غلط، وأحقُّ ما تُقبَل توبةُ السَّاحر؛ إذ هو أبلغُ في تمييز ما هو حجَّة منه ممَّا ليسَ بحُجَّةٍ. وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وقتادةُ وعطيَّة العوفيُّ: كان الشياطينُ قبل عصرِ عيسى ﵇ غيرَ ممنوعين عن صعود السَّماء، وإنَّما مُنِعوا بعد رفعه إلى السَّماء عن السَّماء الخامسة والسَّادسة والسَّابعة، وبعد خروج نبيِّنا ﷺ (٤) عن الكلِّ. فكانوا يَصعَدون ويَسترِقون السَّمعَ، ثمَّ يهبطون فيُحدِّثون بما سِمعوا، وكان الناس يكتبون ذلك، وكان ذلك سحرًا، فسمعَ به سليمانُ ﵇، فأخذَ الكتبَ فدفنَها تحت كرسيِّه؛ ليطلب الباقي، فتُوفِّي سليمانُ صلوات اللَّه عليه، وذهبَ العلماءُ الذين كانوا يَعرفون ذلك، وخَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ، فأخرجها الشياطين لهم، وقالوا: إنَّ سليمان ﵇ كان يضبطُ الجنَّ والإنس والطير بهذا (٥).

стр. 957

وقالوا: هذا كتابُ اللَّه نَزلَ على سليمان، فكتمَ عنكم، فكفر (١) سليمانُ بذلك، فأكذبَهم اللَّهُ تعالى، فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان﴾ (٢). وما (٣) ذُكِر في بعض القصص والتفاسير في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]: أنَّه شيطانٌ قعدَ على كرسيِّه أربعين يومًا، وزال ملك سليمان هذه المدَّة (٤)، وذلك الشيطانُ نسخَ كتبَ السِّحر ودفنَها تحتَ سريره مع الشياطين، وبعد عودِ المُلْك إلى سليمان وبعد وفاته؛ استخرجَها الشياطينُ، ونسبوها إلى سليمان = فذلك كلُّه باطلٌ مردودٌ؛ لأنَّه من المخلصين، ولا ولايةَ لهم عليه (٥)، والوجهُ الأسلمُ الأوفقُ للأصول ما ذكرنا (٦). وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ما غطَّى وما دفن وما كتم سليمان؛ أي: لم يكن المُسْتخرَج مِن موضوعه، بل كان موضوع الشَّياطين. والكفرُ في اللُّغة: هو السِّترُ و (٧) التَّغطيةُ على ما أوضحناه عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦]. ثمَّ (٨) في كثير مِنَ التَّفاسير يُفسَّر السِّحرُ بالتَّخييل والتَّمويه، وبالكلام المزخرف

стр. 958

الذي يقعُ به الآفاتُ بين النَّاس، بدون تحقيق أثرٍ له في محبَّةٍ، أو عداوةٍ، أو علَّةٍ، أو تأخيذٍ (١)؛ تعلُّقًا بالسِّحر المذكورِ في قصَّة فرعون أنَّه كان تخييلًا لا غير، وينسون ما ذكروا أنَّ لبيد بن الأعصم اليهوديَّ سحر النبيَّ ﷺ (٢)، فأعاذَهُ اللَّهُ تعالى بما أنزل مِنَ المعوِّذتين، حتى رُوِي أنَّه قام كأنَّما أُنْشِطَ (٣) مِن عِقالٍ (٤)، وهذا مقالةُ المعتزلة، وهو إنكارُهم إظهارَ (٥) أثرٍ بفعل العبد (٦) لا يتَّصل بآلة فعله، وهي مسألة المتولِّدات. وعند أهل السنة والجماعة: الآثارُ مِن صُنع اللَّه تعالى وتخليقه، وليس ذلك مِن فعلِ العبد، وفعلُه لا يَعدو محلَّ قدرته، ويُضافُ الأثر إلى العبد إذا أجرى اللَّهُ تعالى العادةَ بتخليق تلك الآثارِ عَقيب تلك الأفعال في الضمانِ والوِزرِ ونحو ذلك. وللسِّحر حقيقةٌ بظهورِ آثاره، وما ذكروه فهو يُسمَّى سحرًا مجازًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ أخبر أنَّ الملَكَين لا يعلِّمان السحر أحدًا (٧)، وإنَّما يعلِّم الشياطين ذلك الناسَ (٨). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ له تأويلان:

стр. 959

أحدهما: أنَّ ﴿مَا﴾ كلمةُ نفيٍ، ومعناه: ولم ينزِّل على الملَكَين؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ وأنس (١) وقتادة والشَّعبيِّ، وهو معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾؛ أي: لم يكفر هو، ولم ينزِّل اللَّه السحرَ على الملَكَين، وذلك أنَّ السَّحرةَ واليهودَ كانوا يُضِيْفُون السِّحر إلى سليمان، وإلى الملَكَين فبرَّأهم اللَّه تعالى عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ أي: أحدًا، و ﴿مِنْ﴾ للتَّأكيد؛ كما قال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]؛ أي: ولا يعلِّم الملَكَان أحدًا السِّحر، بل يبالغان في نهيه، ويقولان (٢): ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؛ أي: امتحانٌ واختبار لك، ننهاك عن السحر، فإن قَبِلْتَ نَهْيَنا؛ نجوت، وإنْ لم تقبلْ؛ خَسِرْت. وقوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾؛ أي: فلا تسحَر، فإنَّه كفرٌ. والفتنةُ: ما يتبيَّن لهما (٣) حال الإنسان مِنَ الخير والشر. يقال: فتنتُ الذَّهبَ بالنار؛ إذا جرَّبتَه بها لتَعْلَمَ أنَّه خالصٌ أو منسوبٌ، ومنه الفتَّانة: وهي الحجرُ الذي يُجَرَّب به الذهب والفضَّة. وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ لا يرجع إلى الملَكَين، فقد نَفى التعليمَ منهما على هذا التَّأويل، بل التَّثنيةُ راجِعةٌ إلى الكُفر والسِّحر، فقد ذُكِرَا جميعًا قبله في قوله: ﴿كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ أي: فيتعلَّم اليهودُ مِنَ الكفر والسِّحر مِنَ الشياطين ما يقعُ

стр. 960

به البغضُ بين الزَّوجين فيفترقان؛ لأنَّ الكفرَ مِن أحدهما سببُ الفرقة؛ كالسِّحر يقع به الفرقةُ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي (١): وليس اليهودُ والسَّحرةُ ضارِّين بالسِّحر أحدًا إلَّا بعلم اللَّه، ولا يجوز حملُ الإذن هاهنا على الأمْرِ والإطلاق؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لا يأمرُ بالكفر والإضرار. والتأويلُ الآخرُ: ما قاله قتادةُ والزهريُّ: إنَّ قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ هذا بمعنى "الذي" (٢)؛ واتَّبعوا الذي تتلو الشياطينُ على ملك سليمان، والذي أُنزِل على الملَكَين، وهو إثباتٌ؛ أي: واتَّبعوا أيضًا الذي أنزلَ على الملَكين (٣) مِن بيانِ السِّحرِ وبُطلانه. وقالوا: إنَّ السحر كان كَثُر في ذلك الزمان، وكان الناس يَتوهَّمون أنَّه حقٌّ مثلُ آيات الأنبياء، فأنزلَ اللَّهُ تعالى عليهما بيانَ كيفيَّته ووجوهِه؛ لِيُبَيِّنا للناس في الأرض بُطلانَ السِّحر وضَررَه؛ كي لا يغترَّ به أحدٌ ولا يتعلَّمه، فكانا يَحكُمان في الأرض، وكانا يَنهيانِ عن السِّحر. ويجوز أن يكونَ اللَّهُ تعالى أنزلَ بيانَ السِّحر عليهما بإنزاله على نبيٍّ، ثمَّ أبلغ النبيُّ إليهما ذلك ليَصِفا وجوهَ ذلك لقومِهما، ويَنهَياهم عن استعماله، ويُسمَّى ذلك إنزالًا، وإن كان بواسطةِ نبيٍّ؛ كقول اللَّه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل: ٨٩]، ثم قال في حقِّنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦].

стр. 961

وإنَّما خصَّهما بالذِّكر وإن كان الأمرُ به للعامَّة؛ لأنهم كانوا تَبَعًا لهما وهذا كما قال اللَّه تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه: ٤٣]، وكانا أُرْسِلَا إلى فرعونَ ورعَايَاه (١)، ولكن خصَّ فرعون بالذِّكر؛ لأنَّه أبلغُ في استدعائه واستدعاء رعيَّته إلى الإيمان؛ إذ الرعيَّة أتباعٌ للراعي. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: اختُلِف في هاروت وماروت، هل كانَا مَلَكَين أم لا (٢)؟ فقال الحسن البصريُّ ﵀: لم يكونا ملَكَين، ولكنَّهما كانا فاسقَين متمرِّدَين مِنَ الإنس؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى وصفَ ملائكتَه بالطَّاعة له، والائتمار بأمره؛ بقوله عزَّ وعلا: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٣) [التحريم: ٦]، وبقولِه تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. وكذلك يقولُ هو في إبليس: إنَّه (٤) لم يكن مِنَ الملائكة (٥)، وقد مرَّ الكلام في ذلك في قصَّة آدم ﵇. وعلى هذا التأويل قُرِئ: (عَلَى المَلِكَين) بكسر اللام (٦).

стр. 962

وقيل: كانا ملَكَين مِنَ الملائكة، فلمَّا ركَّب اللَّه تعالى فيهما الشهوة؛ خرجا مِن أنْ يكونَا ملَكَين (١)؛ كما في حقِّ إبليس. وهما اسمان أعجميَّان ولا اشتقاق لهما؛ إذ لم يكونا مِنَ العربيَّة. وقصَّتهما على الاختصار: ما رُوِيَ أنَّ الملائكةَ في السماءِ نَظروا إلى بني آدم ومعاصيهِم، فقالوا: يا ربَّنا؛ خلقتَ البشرَ، ورزَقْتَهم، وهم يَعصونَك! ولو كنَّا (٢) مكانَهم ما عصيناك. فقال اللَّه تعالى لهم: اختاروا ملَكَين منكم، فاختاروا جبريل وميكائيل، فتضرَّعَا إلى اللَّه تعالى واستعفَيا، فعفا عنهما، واختاروا بعدهما آخَرَين؛ وهما هاروت وماروت، فركَّب اللَّه فيهما شهوةَ الأكل والشرب والنِّساء، وأرسلَهما إلى الدُّنيا؛ ليحكمَا بين الناس، ولا يفعلَا شيئًا مِنَ المعاصي، فنزلَا وفعلَا كذلك مدَّةً، وكانا يصعدان بالليل إلى السماء، ثمَّ ينزلان بالنهار. حتى إذا جاءت امرأةٌ ذاتُ جمالٍ وحسنٍ يومًا، اسمها زُهْرة بالعربيَّة وبِيدُخْت بالنبطيَّة، وقيل: ناهيد، ناشرةٌ شعرَها، قد أرخَت ذوائبَها، عليها قميصُ حريرٍ، وهي تُخاصِمُ زوجَها، فلمَّا نظرَا إليها وقعَ حبُّها في قلوبهما، فكَتَما ذلك، ولم يُظهِرْ كلُّ واحد منهما ذلك لصاحبِه؛ حياءً منه، حتَّى عيل صبرُهما فراوداها عن نفسِها، فأبَت، حتَّى يعلِّماها اسمَ اللَّه الأعظم الذي به كانا يصعدان إلى السماء، فعلَّماها فدخلَت بيتًا وتطهَّرت، ودَعَت اللَّه باسمه الأعظم، فمسخَها اللَّهُ كوكبًا، فصعِدَت إلى السَّماء (٣).

стр. 963

قالوا: أمَّا مسخُها كوكبًا فغيرُ مستنكرٍ؛ لأنَّ اللَّه تعالى مسخَ أقوامًا، ولكن صيرورتُها زهرةَ المشهورةَ في السَّماء ضعيفٌ؛ لأنَّ زهرة في السماء مذ خلقَها اللَّهُ تعالى وخلق فيها الكواكب، فيجوز أن يكون كوكبًا آخرَ يُشبهها. وقيل: هي تعذَّب في السماء. وقيل: بل صارت إلى النَّار، كسائر ما مُسِخ. ثمَّ بعثَ اللَّهُ ملكًا. وقيل: كان معه جبريل (١)، ومُنِع هاروتُ وماروتُ الصُّعود إلى السماء بعصيانهما؛ وهو مراودتُهما زُهرة، ولا يَثبت الزِّنى بها منهما، ولا شربُ الخمرِ، ولا قتلُ النَّفْسِ، وإنْ ذُكِر ذلك في بعض الرِّوايات. فقال جبريل صلوات اللَّه عليه لهما: إنَّ اللَّه تعالى يُخَيِّركما بين عذابِ الدُّنيا، وتكونان في الآخرة في المشيئةِ؛ إنْ شاءَ عذَّبكُما، وإنْ شاءَ رحمَكُما، وبينَ أن يؤخِّرَ عنكما العذابَ، فاستشارَا جبريلَ صلواتُ اللَّه عليه، فأشار عليهما (٢) أن يختارا عذابَ الدُّنيا، فهما يعذَّبان ببابلَ، معلَّقين هناك. وقيل: بابل هو الذي يُعرَف بقرب الكوفة. وقيل: هو بدما وند دون بابل الكوفة. وبابلُ لا ينصرفُ؛ لأنَّه أعجميٌّ، وهو معرفة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فمعناه

стр. 964

على التَّأويل الثَّاني: ولا يعلِّمان أحدًا كيفيَّة السحر إلَّا بعد أن يقولا: إنَّما نحن فتنة؛ أي: اختبارٌ لكم، ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي: لا تتعلَّمِ السِّحرَ، ولا تَعمل به؛ فإنَّه كفرٌ، ثمَّ يبيِّنان وجهَ السِّحر ويقولان: إنَّ السحر يكون كذا وكذا، وينفذُ من جهة كذا وكذا (١)، فاتَّقِ اللَّهَ ولا تستعملْهُ، فيَقعُ هذا الإعلامُ (٢) منهما على وجه التحذير، ويَقعُ عند المستمع على وجه التَّعليم؛ كالفقيه يقول لآخر: مَن أخذ درهمين بدرهم (٣) فقد أربى، ومَن وطئ امرأةَ الغير فقد زنى، فيقع ذلك مِنَ الفقيه (٤) على وجه التَّحذير، ومِن المستمع على وجه التعليم (٥). وإنَّما جاز بيانُ السِّحر؛ لأنَّه لا يُتَوصَّل إلى احتياله (٦) إلَّا بعد معرفته. وقد قيل: عَرَفْتُ الشَّرَّ لا للشَّرْ... رِ لكنْ لِتَوقِّيهِ ومَن لا يعرفُ الشَّرَّ... مِن النَّاسِ يَقَعْ فيهِ (٧) والتعليمُ بمعنى: الإعلام، ومن سأل آخرَ عن الزِّنى فبيَّن؛ كان إعلامًا ولم يكن حرامًا، وليس هذا على التَّعليم الذي هو تلقينُ الشيء والحملُ عليه،

стр. 965

وقال (١) تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٦]، هذا في معنى الإعلام، فكذا هذا. و (٢) قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ أي: مِن هاروت وماروت، ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي: العُوْذَةُ التي يَقعُ فيها الفرقةُ بالبُغضِ ونحوه. وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: المتعلِّمين السِّحرَ لا يَضُرُّون أحدًا بالسحر إلَّا بعلم اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ منهما (٣) ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يتعلَّمون لنفعِهم، فيضرُّهم ولا ينفعُهم. وقيل: أي: ما يَضُرُّهم في الدُّنيا، ولا ينفعهم في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: أهلَ الكتاب الذين نَبذوا (٤) الكتاب (٥)، واتَّبعوا السِّحر، ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ أي: لَمَنِ (٦) اختارَ السِّحرَ على كتاب اللَّه تعالى. وقوله (٧): ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب خير. وقوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ اللامُ للتَّأكيد، وهو في معنى القَسَم، وجواب القَسَم: ﴿مَا

стр. 966

لَهُ﴾، فكان ينبغي أن تكون اللامُ في ذلك الموضع؛ أي: لما له (١)، ومع ذلك دخل في قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الأول -وهو في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ - لمَّا دخلَ في الصَّدر، أشبه القَسَم؛ فأجيب بجوابه. وقال الزجَّاج: الأوَّلُ دخل إعلامًا أنَّ (٢) الجملةَ بكمالِها معقودةٌ بالقَسَم؛ لأنَّ الجزاء وإن كان للمقسم عليه (٣) فقد صار للشرط فيه حظٌّ؛ فلذلك دخله (٤). وقيل: لام ﴿وَلَقَدْ﴾ تؤكِّد علمَهم بذلك في التوراة، ولام ﴿لَمَنِ﴾ تؤكِّد الشَّرطَ والجزاء. وقيل: موضع اللام في الشَّرط، إلَّا أنَّه سبقَ ذكره فأُعِيد في موضعه؛ كما في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى﴾ (٥) [الحديد: ٢٩]؛ أي: ليعلمَ، فلمَّا سبق ذكر "لا" الذي موضعه ﴿يَقْدِرُونَ﴾، أُعَيد في موضعه، وكقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، سبق ذكر ﴿أَنَّكُمْ﴾، فأعيدَ في موضعه. وقوله تعالى: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ للتأكيد، والخلاقُ مِنَ الخلق؛ وهو التَّقدير؛ أي: نصيب قُدِّر له. وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ذكرنا حقيقةَ هذه الكلمة في قوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]. وقوله: ﴿بِهِ﴾ يرجعُ إلى السِّحر وكتاب الشَّيطان.

стр. 967

وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو علموا ما علموا، فقد أثبتَ علمَهم بقوله (١): ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ (٢)، فلم يكن هذا نفيَ العلم، بل كان نفيَ الانتفاع بالعلم. وقيل: أي: لو كانوا يَعلمون وبالَهُ في الآخرة. وقيل: لو كانوا يَعلمون أنَّه يضرُّهم ولا يَنفعُهم. * * * (١٠٣) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو أنَّ أهلَ الكتاب والسَّحرةَ آمنوا بالقرآن والنَّبيِّ، واتَّقوا الشِّركَ والسِّحرَ (٣) ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: لثوابُ اللَّه لهم على إيمانِهم وتَقواهم خيرٌ لهم من كُفرِهم وسِحْرِهم. واللام في ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ جوابُ ﴿لَوْ﴾، ومَثُوبَة: مَفْعَلةٌ مِن الثَّواب، وثاب يثوب؛ أي: رجع، سُمِّي ثوابًا؛ لأنَّه عِوَضُ عملِه يَرجِعُ إليه. وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يَعملون بعلمِهم. * * * (١٠٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

стр. 968

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الحسن: كلُّ شيءٍ في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنَّه نزلَ بالمدينة (١). وقوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ روى أبو صالحٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: إنَّ المسلمين كانوا يأتون رسولَ اللَّه ﷺ ، فيقولون له: يا رسول اللَّه؛ راعِنا سمعَك، وكان هذا مِن كلام العرب فيما بينهم، وكان "راعنا" بلسان اليهود السَّبَّ القبيحَ، فلمَّا سَمِعَتِ اليهودُ مِن المؤمنينَ يقولونها لرسولِ اللَّه ﷺ ؛ أعجبَهم ذلك، وقالوا فيما بينهم: كنَّا نسبُّ محمدًا في السرِّ، فالآن فأعلِنوا له بالشَّتم، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمَّد، ويضحكون، فسمعَها منهم سعدُ بن معاذ الأنصاريُّ، وكان يَعرِفُ لغتَهم، فقال: يا أعداء اللَّه، عليكم لعنةُ اللَّه، والذي نفسي بيده؛ لئن سمعتُها مِن رجلٍ منكم يقولُها لرسول اللَّه بعد هذا المجلس؛ لأضرِبنَّ عنقَه، فقالوا: أولستم تقولونها له (٢)؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، ونَهى المؤمنينَ عن هذه المقالة؛ لئلَّا يتطرَّقَ اليهودُ بسببها إلى ما يريدونَه من السَّبِّ. وقيل: كانت الصَّحابةُ الأربعةُ وأجلَّاءُ الصَّحابةِ رضوانُ اللَّه عليهم ربَّما يتأخَّرُ مجيئهم عن خروجِ رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد، وكان يفوتُهم بعضُ كلامه، فكانوا يقولون: يا رسول اللَّه؛ راعنا؛ وهو سؤالُ الرِّعاية والعناية (٣) في حقِّهم بانتظارهم؛ لئلَّا يفوتهم فوائده، واليهودُ سمعوا ذلك فقالوا: نذكر ذلك لمحمَّدٍ على إرادةِ الشتم.

стр. 969

وقيل: لبيان ذلك الشَّتمِ وجهان: أحدهما: أنَّهم كانوا يريدون به: راعينا، على اختلاس الياء، وهي نسبتُه إلى أنَّه من الرعاة، فإنَّهم كانوا يقولون للعرب: إنَّهم (١) عالةٌ رِعاءُ غنمٍ، فكأنَّهم قالوا: أنت راعينا. والثاني: أنَّهم أرادوا بذلك: راعنًا؛ أي: فاعلًا من الرُّعونة؛ أي: جاهلًا (٢)، ويجوز (٣) ذلك. وفي قراءة الحسن البصريِّ: (رَاعِنًا) بالتنوين؛ وهي قراءةُ حفصة (٤). وقيل في تفسير (رَاعِنًا) بالتَّنوين: أي: لا تقولوا قولًا راعِنًا؛ أي: سفهًا وجهلًا وحُمقًا. والأرعنُ: الأهوج الأحمق، وقد رَعُنَ يَرْعُنُ رعونةً، مِن حد: شَرُف. والرَّعْنُ: الأنفُ النَّادِرُ مِن الجبلِ، الخارجُ عنه، والرَّعناء: المرأةُ المتبرِّجة، وجيشٌ أرعن: له فضول كرُعونِ الجبال، ورجلٌ أرعنُ: مُستَرخٍ، وَرَعَنَتْهُ الشَّمس؛ إذا آلَمَتْ دماغَهُ، قال الشاعر: كأنَّه مِن أُوَارِ الشَّمْسِ مَرْعونُ (٥)

стр. 970

والأوار: الحَرُّ. ولا يُدرى إلى أيِّ هذه الوجوه كانوا يَصرِفون هذه الكلمة؟ وقيل: الكلمةُ مِن المراعاة، ونهى المسلمين عن ذلك، ومعناه: لا تجعلوا لأنفسِكُم رتبةً أن تطالبوا بها مراعاةَ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال الزجَّاجُ: هي من المكافأة؛ أي: المساواة (١)؛ أي: لا تطالبوا (٢) بالمساواة في المعاملة والمخاطبة، وهو أمرٌ بتعظيمه (٣)، وقد قال تعالى: عنه والرعنا المرأة المتبرجة وجيش أرعن له فضول كرعون الجبال ورجل أرعن مسترخ ورعنته الشمس إذا ألمت دماغه قال الشاعر: كأنه من أُوار الشمس مرعون والأوار: الحر ولا يدري إلى أي هذه الوجوه كانوا يصرفون هذه الكلمة وقيل

стр. 971

الكلمة من المراعاة ونهى المسلمين عن ذلك ومعناه لا تجعلوا لأنفسكم رتبة أن تطالبوا مراعاة رسول اللَّه ﷺ قال الزجاج: هي من المكافأة أي المساواة أي لا تطلبوا بالمساواة في المعاملة والمخاطبة وهو أمر بتعظيمه وقد قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: انتظرنا؛ كما في قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، والغرضُ يَحصلُ به، ولا يَتطرَّق إليه اليهود بما أرادوا؛ ولأنَّ طلبَ الانتظار أقربُ إلى التَّواضُعِ والاحترام مِن طلب المراعاة التي هي طلبُ المساواة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿انْظُرْنَا﴾ على معنى: مكِّنَّا من الفهم، أو خاطبنا بالذي تحتمله أفهامنا (١)، أو (٢) أمهلنا في القيام على ما أمرتنا به؛ لنقومَ عليه بالتَّعظيم والتَّفهُّم (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: انظرنا على معنا مكنا من الفهم أو خاطبنا بالذي تحتمله أفهامنا أو أمهلنا في القيام على ما أمرتنا به لنقوم عليه بالتعظيم والتفهم. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: ما تُؤمَرون به، واقبلوهُ، واعمَلوا به. وقال الضَّحَّاكُ: أي: اسمعوا كتابَ اللَّه، وما يأمرُكم به رسولُ اللَّه ﷺ .

стр. 972

وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: للكفَّار مِنَ اليهود وغيرِهم في الآخرة لعنادهم عذابٌ وجيعٌ. وقيل: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لليهودِ الذين يقولون لرسول اللَّه ﷺ هذا عذابٌ مؤلمٌ، وهذه الآيةُ فيها ذمُّ اليهود أيضًا (١)؛ كما في الآيات التي قبلها، وبه ينتظم، ثمَّ ذكر في ذمِّهم أيضًا أنَّهم يَحسُدون المؤمنين على ما نالوا. * * * (١٠٥) - ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي ما يحب الكفار من اليهود والنصارى ومن المشركين هم عبدة الأصنام أن ينزل عليكم أي على نبيكم لأن المنزل عليه منزل على أمته من خير من ربكم أي القرآن وفيه كل خير ومن لتأكيد النفي في قوله: أي: ما يحبُّ الكفَّار مِنَ اليهود والنَّصارى، ومن المشركين، وهم عبدة الأصنام ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: على نبيِّكم؛ لأنَّ المنزَّل عليه منزَّل على أمَّته، ﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: القرآن، وفيه كلُّ خير. و ﴿مِنْ﴾ لتأكيد النفي في قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾، وللتنويع في قوله: وللتفريع في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ولابتداء الغاية في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فهي ثلاثةٌ في هذه الآية.

стр. 973

جمع بين أهلِ الكتاب وبين عَبَدةِ الأصنام؛ لأنهم مجتمعون اليوم على الكفر، ويُجمَعون (١) غدًا في النَّار، قال اللَّه تعالى: فهي ثلاثة في هذه الآية جمع بين أهل الكتاب وبين عبدة الأصنام لأنهم يجتمعون اليوم على الكفر ومجتمعون غدا في النار قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: ٦]. وأهلُ الكتاب إنَّما لم يَودُّوا ذلك عند بعضهم؛ لأنهم كانوا يَظنُّون أنَّ نبيَّ آخِرِ الزمان يكونُ مِن أولاد (٢) إسحاق، كما كان (٣) أنبياءُ بني إسرائيل، فلمَّا كان من ولدِ (٤) إسماعيل، لم يَرضَوا به، وعادَوا العرب لذلك. وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّهم كانوا قرؤوا في التَّوراة أنَّه من العرب، قال اللَّه تعالى: كما كان من أنبياء بني إسرائيل فلما كان من ولد إسماعيل لم يرضوا به وعادوا العرب لذلك وهذا لا يصلح لأنهم كانوا قرؤوا في التوراة أنه من العرب قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ (٥) [الأعراف: ١٥٧]. والأُمِّيُّ: هو المكِّيُّ العربيُّ، فالصَّحيحُ أنَّهم إنَّما أبغضوهُ؛ لفوت (٦). . . . . .

стр. 974

العزِّ والرِّئاسة و (١) الرِّشوة عنهم بسببه لو آمنوا، ولهَتْكِ أستارِهم بإخباره أنَّهم يُحَرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه. وأمَّا المشركون؛ فإنَّما كرهوا ذلك؛ لأنَّهم كانوا يتمنَّون أن تكون النبوَّة في أحد الرجلين (٢)؛ نعيم بن مسعودٍ الثقفيُّ (٣) بالطَّائف، والوليد بن المغيرة بمكَّة، كما أخبر اللَّه تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وكانوا يَعلمون أنَّهما يتَّبعان أهواءَهم، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية. كانوا يتمنون أن تكون النبوة في أحد الرجلين نعيم بن مسعود الثقفي بالطائف والوليد بن المغيرة بمكة كما أخبر اللَّه تعالى عنهم وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وكانوا يعلمون أنهما يتبعان أهوائهم فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بنبوَّته ووحيه ودينِه مَن يشاء، لا مَن تشاؤون، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: على من يَختارهُ بالنبوَّة والوحي، ودلَّت الآية على أنَّ العبد لا يستحقُّ على اللَّه شيئًا، فإنَّ مؤدِّي الواجب لا يكون متفضِّلًا.

стр. 975

وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ ومن المشركين، فكان للبعض لا للكلِّ، فإنَّه كان يَكرهُ رؤساؤُهم ذلك لا كلُّهم؛ وكراهتهُم لشيئين: أحدهما: ما كان فيه من تسفيهِهم وتضليلِهم مع سَلَفِهم، وكان (١) يشتدُّ عليهم ذلك. والثاني: أنَّهم كانوا مستكبرين؛ لا ينقادون لغيرهم، ويَطمعون أنْ تكون الرِّسالةُ لهم، قال اللَّه تعالى: أي على من يختاره بالنبوة والوحي ودلت الآية على أن العبد لا يستحق على اللَّه شيئًا فإن مؤدي الواجب لا يكون متفضلًا وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله المشركين معطوف على قوله من أهل الكتاب ومن للتبعيض لا للكل فإنه كان يكره رؤسائهم ذلك لا كلهم وكراهتهم لشيئين أحدهما ما كان فيه من تسفيههم وتضليلهم مع سلفهم وكان يشتد عليهم ذلك والثاني أنهم كانوا مستكبرين لا ينقادون لغيرهم ويطمعون أن تكون الرسالة لهم قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]، وقال تعالى خبرًا عنهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) وانتظامُها بما قبلها في ثلاثة أوجه:

стр. 976

أحدها (١): أنَّه قال: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، ومن فضله نسخُ الآية بخيرٍ منها أو مثلها؛ مَرْحمةً على هذه الأمَّة. والثَّاني: أنَّ اليهود قالوا: إنَّ محمدًا لا يَثبتُ على شيءٍ، بل يَأمر بشيءٍ ثمَّ ينهى عنه، ويَنهى عن شيءٍ ثمَّ يأمرُ به، وكذا التَّحريم والتَّحليل، فأخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّه لا يفعلُ ذلك مِن جهةِ نفسه، بل اللَّه تعالى يَنسخُ ويُبَدِّلُ. والثَّالث: أنَّهم كانوا (٢) لا يَرون النَّسخَ، ويُسَمُّونه بَداء، ويُنكِرون نسخَ شريعةٍ (٣) موسى بغيرها، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ ردًّا عليهم. والنَّسخُ في اللُّغة: هو النَّقل والتَّحويل، ومنه: انتساخُ الكتاب: هو النَّقلُ (٤) مِن نسخةٍ إلى نسخة، و: نسَخَتِ الشَّمسُ الظِّلَّ، هو كذلك، وتناسخُ المواريث مِن ذلك. ويكون بمعنى الإبطال أيضًا، و: نسَخَتِ الشَّمسُ الظلَّ (٥)؛ بمعنى: أذهبَتهُ، و: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثرَ، كذلك. وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ ﴿مَا﴾ كلمة شرطٍ، ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ مجزومٌ بها، وقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٦) مجزومٌ أيضًا؛ لأنَّه عطفٌ على الأوَّل، وجزمُه بحذفِ

стр. 977

الياء منه، وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ غير الباقية: ﴿ننسأها﴾ بالهمز (١) مجزومًا، وهو كذلك (٢). وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ مجزومٌ؛ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، وجزمُه بحذف الياء منه. ومعنى النَّسخِ في الشَّرع: هو بيانُ مدَّة الحكم، ويُسمَّى نسخًا؛ لأنَّه في الظَّاهر نقلُ الحكمِ مِن شيءٍ إلى شيءٍ، كأمرِ القِبْلة، أو تغييرٌ وإبطالٌ وإسقاط له أصلًا، كنسخ فرض الصَّدقة قبلَ مناجاة النَّبيِّ ﷺ ، وكلُّ ذلك في الحقيقة بيانٌ أنَّ ذلك الحكمَ المتقدِّم كان مشروعًا إلى هذه المدَّة، وقد انتهى. وفي قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٣) الآية وجوهٌ: أحدها: ما نرفع مِن حكمِ آيةٍ من القرآن مع بقاء تلاوتها، ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٤) أي: نجعلْها منسيَّةً على القلوب برفعِ حكمِها، وتلاوتها. وقد نسيَ القلبُ يَنسى نسيانًا (٥)؛ فهو ناسٍ، وأنساهُ اللَّه ذلك. وعن قتادة ﵀ أنَّه قال: كانت الآيةُ تُنسَخ بالآية، ويُنْسِي اللَّهُ تعالى نبيَّه مِن ذلك ما يشاء (٦). وروى أبو أمامة [بن] (٧) سهلِ بن حُنَيف: أنَّ رجلًا كانت معه سورةٌ، فقام من

стр. 978

الليل ليقرأَها، فلم يَقدِر، وقامَ آخرُ ليقرأَها، فلم يقدر، فلمَّا أصبحوا؛ ذكروا ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ فقال: "إنَّها نُسِخَت البارحة" (١). ومَن قرأها: ﴿نَنْسَأْها﴾ بالهمز والفتح في النون؛ فمعنى ذلك: نؤخِّرها، ومنه: النَّسيءُ، والنَّسِيئةُ، والنَّسَاء، وأنسأ اللَّه أجله، ونسأ في أجله، وللتَّأخير هاهنا معنيان: أحدهما: أو نؤخِّرها ونبقها غيرَ منسوخةٍ. والثَّاني: على التَّقديم والتَّأخير: ما ننسخ من آيةٍ، نأت بخيرٍ منها أو مثلها، أو نؤخِّرها فنتركْها منسوخةً كما هي، فلا نأت بخيرٍ منها أو مثلها. وقال مجاهدٌ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٢)؛ أي: ما نمحُ من حكمِ آيةٍ وتلاوتها، ﴿أو ننسأها﴾؛ أي: نثبت تلاوتَها، ونرفع حكمَها؛ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣). وقال عطاءٌ: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾؛ أي: ما نكتب مِنَ اللوح فننزل، ﴿أَو نَنْسَأهَا﴾ أي: نؤخِّرها في اللوح فلا نُنْزِل (٤). فيكونُ هذا من الانتساخ على هذا القول. وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ قيل: ليس هذا للتفضيلِ على معنى: بأحسن منها، فإنَّ الآيات كلَّها كلامُ اللَّه تعالى، فلا تتفاضلُ في أنفسها، بل معناه على التقديم والتأخير: نأت بخيرٍ منها؛ أي: بصلاحٍ وخيريَّة، لكن لا يتَّضح هذا التأويل، فإنَّه قال: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾، وإذا حمل على ذلك؛ لم يكن لهذه الزيادة معنًى.

стр. 979

والصَّحيحُ أنَّه للتفضيل، ولا يَرجعُ ذلك إلى نفس الآية، بل إلى ما يحصل (١) به للعبد، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أي: بما هو أنفع لكم وأرفق (٢)، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ للابتلاء والامتحان؛ ليظهر متَّبع أمر اللَّه مِن متَّبع هواه. وقيل: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾؛ أي: بأخفَّ وأسهل. وقيل: بأكثر ثوابًا. وقيل: بأصلحَ في العاقبة، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في السُّهولة والصَّلاح والثَّواب. والحاصلُ أنَّ النسخ قد يكون بأخفَّ مِنَ الأول، كنسخ الاعتداد بحولٍ، ونقلِه إلى الاعتداد بأربعة أشهرٍ وعشر، وكنسخ فرض قيامِ اللَّيلِ إلى التخيير. وقد يكون بمثله، كنسخ (٣) التوجُّه إلى بيت المقدسِ بالتوجُّه إلى الكعبة. وقد يكونُ بأشقَّ منه على البدن، كنسخ (٤) تركِ القتال بإيجابِه. وكلُّ ذلك خيرٌ للعبد من حيث الثَّوابُ أو الصَّلاح، وقد أخبر اللَّه تعالى في القتال أنَّه كُرهٌ لكم، وأخبرَ أنَّه خيرٌ، وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وكلُّ ذلك إنعامٌ منه عليه، وإحسانٌ إليه، وله الحمدُ. ثمَّ الحكمةُ في النَّسخِ الابتلاءُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 980

وقرأ ابنُ عامر في رواية ابن ذكوان: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ﴾ بضمِّ النُّون وكسر السِّين (١)؛ مِن الإنساخ، وله معنيان: أحدهما: ما قالهُ أبو عبيدة: ما نُنْسِخْك يا محمَّد (٢)؛ أي: نأمرْكَ بأن تُبيِّنَ نسخَها، وقد نَسختُ الشَّيءَ بنفسي، وأنْسَختُه غيري؛ أي: حَملتُهُ عليه، كما يقال: كتبتُ بنفسي، وأكتَبتُ غيري. والثاني: أنْسَختُه؛ أي: جَعلتُهُ ذا نَسْخٍ، كما يقال: أقبرتُه وقَبرتُه: دفنته. وهذا كلُّه على تأويل مَن جَعلَ الآيةَ مِن آيات القرآن. ثمَّ الآيةُ معناها الكلامُ المجموع، يقال: خرجَ أحدُ القوم بآيتهِم؛ أي: بجماعتِهم، فالحرفُ الواحدُ والكلمة الواحدة: لا يُنبِئ عن معنى مجموع، فإذا اجتمعَت كلماتٌ صارت آيةً، وفوق الآية سورة؛ أي: درجةٌ مرتفعةٌ، قال النابغة: ألم ترَ أنَّ اللَّهَ أعطاك سُورةً... تَرى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتذبْذَبُ (٣) ومنه قولُه تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ أي: عَلَوهُ، فالسُّورةُ هي المشتملةُ من المعاني على ما زاد على الآية وارتفع عليها، كالقَصصِ ينتظمُها السُّورةُ الواحدة. * * * (١٠٦) - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقيل: معنى هذه الآية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾؛ أي: ما نَرفع مِن حُجَّةٍ فنُغَيِّبُها

стр. 981

عن الأبصار، نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها؛ أي: أقوى منها في إلزام الحُجَّةِ، أو مثلِها في القوَّة. وهذا كلام الإمام أبي منصورٍ ﵀، قال: يَحتملُ ذلك (١)، معَ ما قرَّرَ مِن المقالاتِ المُتقدِّمة. ثمَّ المنسوخاتُ على ثلاثة أوجه: ما نُسِخَ حكمُه وتلاوتُه، كقول عائشة ﵂: كان ممَّا يُتلَى عشرُ رَضَعاتٍ، ثم نسخ بخمس رضعات يُحَرمنَ (٢). وما نُسِخت تلاوتُه وبَقيَ حكمُه، وهو المرويُّ عن عمرَ ﵁: (الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زنيا فارْجموهُما البتَّة نكالًا من اللَّه، واللَّه عزيز حكيم) (٣). وما نُسِخَ حكمُه وبَقِيت تلاوتُه وهي الآياتُ التي فيها الأمرُ بتركِ القتال، نُسِخَت بآية السَّيف، وبَقيت تلاوتُها، وفائدةُ البقاءِ حصولُ الثَّواب بقراءتِها. * * * (١٠٧) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قيل: هو خطابُ محمَّدٍ ﵇ ردًّا على اليهودِ لعنةُ اللَّه عليهم أجمعين، كما قالوا في قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ

стр. 982

لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] هذا خطابٌ لعيسى صلوات اللَّه عليه يومَ القيامة ردًّا على النَّصارى. وقيل: هو خطابُ مَن كان يُجادِلُ رسولَ اللَّه ﷺ في النَّسخِ، ويَدلُّ عليه أنَّه قال بعده: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وهذا خطابُ اليهود. والصَّحيحُ أنَّه خطابُ المؤمنين، فإنَّه يَتضمَّنُ الوعدَ لهم بالولاية والنُّصْرة. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ هذا استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد عَلِمتَ، كقولك لصاحبِك: ألم أُعطِك كذا؛ أي: قد أعطيتُكَ. وقيل: هو استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: اعلم، كقولك لصاحبك: ألم تَعلَم أنَّ زيدًا قَدِمَ؛ أي: اعلم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ أي: انتَهُوا. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يَقدِرُ على أنْ يَتَعبَّدَ عباده بما شاء مِن العبادات المختلفة، ويَنقُلَهم من عبادةٍ إلى غيرِها، على حسب ما يَعلمُهُ صلاحًا لهم. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وله وجهان أيضًا كما للأوَّل؛ أي: قد عَلِمتَ، أو: اعلم، وهذا تفسيرُ قولِه: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فالملكُ تمامُ القدرةِ واستحكامُها؛ أي: قد علمتُم أنَّه مالكُ السَّماوات والأرضِ وقادرٌ عليها، وأنَّه مالككُم فله الخَلْقُ والأمر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وكلمةُ ﴿مِنْ﴾ لتأكيد الجَحْدِ، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ عطفٌ على الجَحدِ، ولو لم تدخل "لا" لوَقعتِ الشُّبهةُ أنَّه ليس لهم هذان جميعًا؛ الوليُّ والنَّصير، إنَّما لهم أحدهما، فقال: ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ نفيًا لكلِّ واحدٍ منهما قصدًا.

стр. 983

والوليُّ: القيِّم بالأمر، من: ولَّيتُ الشَّيء إليه. والنَّصيرُ: المعينُ والمانعُ. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: سوى اللَّه، وفي هذه الجملة ثلاثُ معانٍ: أحدها: التَّحذيرُ مِن سَخَطِ اللَّه وعقابِه، إذ لا أحدَ يَمتنعُ منه. والثاني: التَّسكينُ لقلوبِهم بأنَّ اللَّهَ تعالى وليُّهم وناصرُهم دونَ غيرِه. والثالث: التَّفريقُ بين حالِهم وبين حالِ عبدةِ الأوثان؛ مدحًا لهم، وذمًّا لأولئك. * * * (١٠٨) - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال الزَّجَّاجُ كلمة "أم" إذا لم تكن للعطفِ على ألف الاستفهام، كانت بمعنى "بل"، فتقديرُه: بل أتريدون أن تسألوا رسولكم؟ (١) وهذا استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ. ونزولُ الآية في شأن اليهود لعنَهم اللَّهُ؛ فإنَّهم قالوا: ائتنا بكتابِ اللَّه جملةً واحدةً، كما جاء موسى بالتَّوراة جملةً (٢). وقولُه تعالى: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ هو ما ذُكِرَ في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿جَهْرَةً﴾. وقيل: نَزَلت في المشركين، منهم: عبدُ اللَّه بن [أبي] أميَّة المخزوميُّ (٣)، حين

стр. 984

قال: يا محمَّد، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات [الإسراء: ٩٠]، فأخبر اللَّهُ تعالى أنَّهم سَلكوا في اقتراحِهم على نبيِّهم طريقةَ اليهود في اقتراحِهم على موسى بما ذكَرنا (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ التَّبديلُ والاستبدالُ أخذُ الشَّيء بدلًا عن الشَّيء، وأرادَ اختيارَ الكفرِ بمحمَّد ﷺ على الإيمان به. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ وسطَ الطَّريقِ السَّويِّ الذي هو بين الغُلُوِّ والتَّقصير، وهو الحقُّ؛ يقال: احتجمَ فلان على سواءِ رأسه؛ أي: وسطه، وقال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]؛ أي: وسط الجحيم. * * * (١٠٩) - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾؛ أي: أحبَّ كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ؛ اليهودِ، وتمنَّوا أن يصرفوكم بعد الإيمانِ إلى الكفرِ، وهذا بيانُ شِدَّةِ عداوتهم وحَسدِهم للمؤمنين. وقال الزُّهريُّ وقتادة: هو كعبُ بن الأشرف وأصحابه.

стр. 985

وقال ابنُ عباس ﵄ هو حيي بن أحطب وأمثالهما (١). وقال مقاتل: إنَّ نفرًا من اليهود، منهم فنحاص بن عازورا وزيد بن قيس، دعَوا حذيفةَ بنَ اليمانِ وعمَّارَ بنَ ياسرٍ إلى دينهم بعد قتالِ أحد، فقالوا لهما: إنَّكما لم تصيبا خيرًا؛ للذي أصابَهم يومَ أُحُدٍ مِن البلاء، وإنَّ دينَنا أفضلُ من دينِكم، ونحنُ أهدى منكم سبيلًا، فقال لهم عمَّار: كيفَ نقضُ العهدِ فيكم؟ قالوا: شديدٌ، فقال: إنِّي عاهدتُ ربِّي ألَّا أكفرَ بمحمَّدٍ، ولا أتَّبعَ دينًا غيرَ دينِه، فقالوا: أما عمار فقد صبأ وضلَّ عن الهُدى بعد إذْ أبصرَه، فكيف أنت يا حذيفة، ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: اللَّهُ ربِّي، ومحمَّد نبيِّي، والقرآنُ إمامي، أطيعُ ربِّي، وأقتدي برسوله حتَّى يأتيني اليقين، فقالوا: وإلهِ موسى، لقد أُشْرِبَت قلوبُكما حبَّ محمَّدٍ (٢). فأخبرا النبيَّ ﷺ بما قِيل لهما وبما ردَّا عليهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أصبتُما إذًا الخيرَ، وأفلحتُما"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية (٣). ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾، ونظيرُه ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية [آل عمران: ٦٩]، وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ الحسد: الأسفُ على مَن له خيرٌ بخيرِه، والتمنِّي أنْ يزولَ عنه إليه. و ﴿حَسَدًا﴾ نصبُه لوجهين: أحدهما: أنَّه مفعولٌ له؛ أي: يفعلون ذلك لأجلِ حسدِهم.
следующие страницы →