وزمهريرها، وبنورها وظلامها، وبصحوها وغيومها، وبصفاء أيامها وغبارها، لا تمشي على صورة ناضرة حتَّى ترد نضرتها إلى ذبول كئيب وتحيل إشراق لونها إلى شحوب مفزع. ومع ذلك فأنا مطالب اليوم أن أرفع إلى عينيك وإلى أعين الأجيال الحديثة بعد خمسين سنة، صورة كانت على إبانها صورة حية غربية مذهلة! ومن لي بأن أؤدى ما أنا مطالب بأدائه؟ ولكن لا مناص ولا مهرب.
وهل تدري لماذا أقطع حديثي وأقول لك هذه الكلمات؟ لا أظنك تدري، لأنك لم تكن حيا منذ خمسين سنة، ولو كنت حيا يومئذ، ولم تكن قادرا على استيعاب زمانك استيعابَ يقظة، لا استيعاب لجاجة ودعوى وسفسطة لبقيت أيضًا لا تدري شيئًا، وسأحاول أن أقرب لك الأمر ما استطعت حتَّى تعلم لم قلت لك هذه الكلمات.
أن هذه الصورة الغريبة المذهلة، التي توهجت بألوانها في مصر، ثم في أضيق من ذلك: "في كلية الآداب"، ثم في أضيق من ذلك. في "قسم اللغة العربية" من كلية الآداب، ثم في سنوات قلائل: سنة ١٩٢٥ وما بعدها، لم تكن صورة على رقعة أفردت لها خاصة، بل كانت صورة صغيرة جدا، صغيرة جدًّا لا تكاد ترى من بعد قريب، وهي في حيز رقعة واسعة مترامية الأطراف، ما بين تخوم المغرب الأقصى، إلى النهاية حدود الصين، ومن أعلى حدود تركية إلى أقاصي الأطراف في بلاد أندونسية أي في الرقعة التي يقع عليها اسم "العالم العربي" و"العالم الإسلامي" معا، وليس هذا فحسب، فهناك أبعاد أخرى غير أبعاد المكان وهي أبعاد الزمن أي أقصى تاريخ هذه الرقعة منذ بدأت إلى العصر الجاهلي، إلى عصور الإسلام الَّذي نعيش فيه.
ودعني أسألك كما سألتنى: هل أكون صادقا إذا أنا اقتصرت على أن أرفع لعينيك هذه الصورة الغريبة المذهلة، مقتطعة من جوف هذه الرقعة المترامية الأطراف في الزمان والمكان، لا لشيء إلا لكي أحيي ذكر طه حسين في هذه المناسبة التي حدثتنى عنها، مؤديًا بذلك بعض حقه على؟
وستقول: لا بلا ريب.
стр. 1087
فأقول لك: وإذن فقد شققت عليَّ كل المشقة، ورميت بي في أشد الحرج، حين سألتني عما سميته "دور طه حسين" في حياة هذه الأمة المنساحة في أبعاد الزمان والمكان كما وصفتها لك.
وإذا كان جواب هذا السؤال عسيرا محرجا لي كما ترى، فهل تراه حسنا أن أدفع عن نفسي المشقة والحرج، وأفزع بالهرب منهما إلى ما هو أيسر وأروح، فأتعلق بما انتهى إليه أمر طه حسين من الشهرة في هذا العالم الرحب، فأقول لك كما قال من يحمل العلم: إن ضخامة أثر طه حسين في حياة العالم، خليق أن يجعلنا نسمى الزمن الَّذي عاشه طه حسين بيننا "عصر طه حسين"؟ ليس هذا هزلا محضا! بل هو شر من الهزل المحض؟
ومع ذلك كله فأنا أستعفيك من ركوب هذا المركب الصعب، ولكني لن أخذلك وسأحاول أن أستبقى هذه الصورة الغريبة المذهلة في مكانها، غير مقتطعة من رقعتها المتراحبة، فأبين لك لم توهجت هذه الصورة؟ وكيف كان توهجها في حيزها الصغير جدا؟ ثم أحدثك عن أثر هذا التوهج على الرقعة التي هي جزء منه، ولكني في الحقيقة لا أدري من أين أبدأ، ولكن لا مفر من بدء.
في أعقاب الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨) انتفض هذا العالم الرحب الَّذي حدثتك عنه وهو العالم العربي والعالم الإسلامي، وبدأت أول انتفاضة في مصر في مارس ١٩١٩، وتتابعت الانتفاضات على درجات مختلفة في جميع بلاد العرب والإسلام، وحدثت الدرجة العظمى، بالحرب التركية في سنة ١٩٢٢، على عهد مصطفى كمال، ثم زلزل هذا العالم كله، حين ألغى الخلافة الإسلامية في سنة ١٩٢٤، وبإلغائها صار هذا العالم الَّذي كانت فيه الخلافة تجمعه أو تشده إليها بحبال واهية .. ولكنها حبال على كل حال! صار خلائق مشتتة في يم متلاطم، تمد أيديها إلى شيء تتعلق به طلبا للنجاة وخوفا من الغرق، وكانت مصر خاصة والبلاد العربية عامة، ملتقى أنظار العالم الإسلامي في طلب النجاة والخوف من الغرق، مع أنهم جميعا غرقى في هذا اليم المتلاطم.
وفي هذا الذهول الغامر، ما بين سنة ١٩١٩ إلى ١٩٢٤ نزع العالم العربي
стр. 1088
بفطرته السليمة إلى التشبث بالحبال الباقية التي تربط بعضه ببعض، وهي اللسان العربي الممثل في الشعر والنثر، لأنه لا أمة بلا لغة، وصار مفهوما واضحا عند الجماهير، أن إحياء اللغة العربية هو إحياء الأمة العربية، وإحياء اللغة العربية وإحياء الأمة العربية هو إحياء البلاد الإسلامية. كان هذا واضحا جدا لمن يريد أن يبصر.
ولكن ثورة مصر .. انفرط عقدها بصدور تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢، ويتولى سعد زعلول الوزارة في سنة ١٩٢٤، ولكنها لم تخمد بعد، فكان الجيل الَّذي عاش تلك الأيام يتشبث بلغته، ويقاوم عناصر الهدم الخبيثة التي أطلقتها وزارة الاستعمار البريطاني، وهيئات المبشرين (وهما شيء واحد) ويتولى العمل لها رجال من أهل جلدتنا معروفون بأسمائهم. وفي هذا الجو الَّذي أحببت أن أوجزه لك في هذا الحديث الملهوج أنشئت الجامعة المصرية في سنة ١٩٢٥، وألقى الدكتور طه حسين كلمته "في الشعر الجاهلى" وهاجت الحياة الأدبية كلها في مصر ثم في سائر بلاد العرب والمسلمين. والذي هاج الحياة الأدبية وأثارها هو في الحقيقة ما سماه "المنهج"، والذي ذكر أنَّه أحد مذهبين في البحث بقوله: "نحن بين اثنتين .. أما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء .. وأما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث"، ، ثم يقول هذه الكلمات المفزعة: "والفرق بين المذهبين في البحث عظيم، فهو الفرق بين الإيمان الَّذي يبعث على الإطمئنان والرضى، والشك الَّذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في كثير من الأحيان، إلى الإنكار والجحود. المذهب الأول يدع كل شيء تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا بتبديل، ولا يمسه إلا مسا رفيقا، أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب، وأخشى إن لم يمح أكثره، أن يمحو منه شيئًا كثيرًا"، ثم ما انتهى إليه فيما سماه بحثا، إلى أن: "الشعر الجاهلي" أو كثرة هذا الشعر الجاهلى لا تمثل شيئًا، ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال".
هذا نص كلام الدكتور طه حسين بألفاظه، فوضع علم المتقدمين كله موضع
стр. 1089
البحث والإنكار والجحود، وقلب العلم القديم رأسا على عقب، والانتهاء إلى محو أكثر العلم القديم، وبطلان الشعر الجاهلى وهو عماد اللسان العربي كله بعد القرآن والحديث، كل ذلك أفزع القلوب التي كانت تحس وتسمع وترى وتقرأ ما يكتبه أعوان الاستعمار والتبشير يومئذ، فاختلط الأمر، وصار طه حسين عند عامة الناس، واحدا ممن يمثل هذا الاتجاه الَّذي يتولاه فلان وفلان من خبثاء المبشرين الذين يكتبون بالقلم العربي.
لقد لقى طه حسين يومئذ ما لقى، ونسب إليه ما أقطع بأنه برئ منه، والدليل على براءته عندي هو أنَّه منذ عرفته في سنة ١٩٢٤، إلى أن توفي في ٢٨ أكتوبر ١٩٧٣، كان كما وصفته في أول حديثي؛ محبا للسانه العربي أشد الحب، حريصا على سلامته أشد الحرص، متذوقا لروائعه أحسن التذوق، فهو لم يكن يريد قط باللسان العربي شرا، بل كان من أكبر المدافعين عنه، المنافحين عن تراثه كله إلى آخر حياته. ومحال أن يحشر من هذه خصاله في زمرة الخبثاء ذوى الأحقاد من ضعاف العقول والنفوس، الذين ظهروا في الحياة العربية لذلك العهد، بظهور سطوة "الاستعمار" وسطوة "التبشير" وهما صنوان لا يفترقان.
ودليل آخر، وذلك أنَّه حين انجلى غبار ما أثاره طه حسين بكتابيه: "في الشعر الجاهلى" في سنة ١٩٢٦ و"مستقبل الثقافة في مصر" سنة ١٩٣٩، وهما كتابان لا قيمة لهما من الوجهة العلمية، انجلت بعد ذلك نفسه، وناقض به ما كتبه وما قاله كل ما في هذين الكتابين من فساد. ومرد ذلك إلى هذه الخصال التي كادت تكون في نفسه، وفي حبه للعربية وحرصه على سلامتها، وما هداه الله إليه من حسن التذوق لروائع البيان.
ولهذه الخصال الثلاثة، ولمكانه في "الجامعة"، ولمجيئه في تلك الحقبة من حياة الأمة العربية والإسلامية، وللمخاوف التي أثارها بما قاله في الجامعة، يعود الفضل كله في شهرة طه حسين، وفي ارتباط حياته بحياة هذه الأمة العظيمة من العرب والمسلمين، وفي توهج هذه الصورة الغربية المذهلة التي وصفتها لك.
стр. 1090
ولكن يبقى شيء واحد ينبغي أن أختم به هذا الحديث. وهو هذا التوهج الَّذي كان في تلك الحقبة من الزمان، وأثره على سائر الرقعة التي وقع فيها.
لم تكد تمضي عشر سنوات على ظهور كتاب "في الشعر الجاهلي" أي في سنة ١٩٣٥ حتَّى أدرك طه حسين إدراكا واضحا جدا أن اللسان العربي قد صار في محنة، لا في نفسه، بل في هذه الأعداد الهائلة من المثقفين الذين رفضوا الأدب العربي كله، ورفضوا القديم كله شعره ونثره، لا في مصر وحدها، بل في كثير من البلاد العربية، وأن أعدادهم إلى تكاثر كلما تقدمت الأيام، فأخذ يعبر عن ذلك بألفاظ محزنة باكية، وحاول أن يتألف هؤلاء النافرين ويردهم إلى الطريق القديم، وإلى أدبهم القديم "لكي يظل قواما للثقافة، وغذاء للعقول، لأنه أساس الثقافة العربية. فهو إذن مقوم لشخصيتنا محقق لقوميتنا، عاصم "لنا من الفناء في الأجنبى، معين لنا على أن نعرف أنفسنا".
هذه بعض كلماته ﵀. ومعنى ذلك أن طه حسين في تلك السنوات، قد فزع فزعا شديدا لانصراف الناس عنه وعن عربيته التي يحبها، وعن لغته التي يحرص على سلامتها، وعن بيانها الَّذي يعتز به، ومعنى ذلك أيضًا أن الدكتور طه حسين في سنة ١٩٣٥، عَلِمَ عِلْمَ اليقين أن الَّذي أثاره بألفاظه المفزعة سنة ١٩٢٥، قد خرب البنيان الَّذي كان يظن يومئذ أنَّه سوف يبنيه بعد أعوام قلائل، وبلا مجاز ولا تشبيه. أدرك طه حسين أن الَّذي قاله في سنة ١٩٢٥ مفض إلى ضعف اللغة العربية، وإلى أن تصير الأمة العربية أمة لا لسان لها إلا العامية السوقية، بلا تاريخ، وبلا علم، وبلا ماض.
ثم شهد الدكتور طه حسين بعد ذلك في أواخر أيامه تقوض القديم كله، مع تكاثر أعداد المثقفين، فكان يقول الكلمة بعد الكلمة معبرا عن حزنه وعن لوعته، بل قل مكفّرا عن خطه العظيم، الَّذي قدر الله أن يقوله في ساعة عظيمة من حياة هذه الأمم فكان له أثر عظيم في تدمير أمانيه وأماني كل مخلص لأمته.
стр. 1091
مواقف . .!
قبل كل شيء، ولكى أكون واضحا؛ وحتى لا يختلط الأمر على قارئ، أحب أن أقص القصة على وجهها. كنا في ذوات الثلاثين، نكتب معا في مجلة الرسالة في أول عهدها، فنشأت بيننا مودة ومحبة، ومضت الأيام، وهجر صاحبي الأدب؛ وانصرف إلى دراسة الفلسفة وتدريسها والكتابة فيها، فلم أنقطع عن متابعة ما يكتب، كان له في الأدب طريق متميز، وصار له في الفلسفة أيضًا طريق متميز؛ ولم يفتنى فيما يكتب إلا القليل فيما أظن. وتطاولت الأيام، حتَّى قرأت لأخي وصديقي الدكتور زكي نجيب محمود مقالة في مجلة "العربي". وكان يومئذ في الكويت، فلم أصبر حتَّى كتبت إليه رسالة أسأله فيها عما أراد بما كتب؟ كانت مقالة غربية على، لأنى وجدتها غامضة الأسلوب غامضة المعاني، وعهدى به كان أبدا واضح الأسلوب واضح المعاني، في الأدب وفي الفلسفة معا. فتفضل الصديق الكريم، ورد على برسالة يقول فيها: "ما دمت أنت قد رأيت المقالة غامضة غير مفهومة، فهي إذن غامضة غير مفهومة" أو كلاما هذا معناه؛ فعجبت لقوله، وساءني، فآثرت أن أسكت عنه! ومضت الأيام؛ وهيأ الله لي أن أزور الكويت، وهو مقيم يومئذ، وقبل أن ألقى الصديق الكريم، وقع في يدي كتابه "تجديد الفكر العربي"، فأخذت أقرؤه حتَّى فرغت منه، وتعجبت ما شاء الله أن أتعجب، فهو بهذا الكتاب قد ردنى إلى زمان قديم جدا؛ أبي زمان المراهقة الفكرية، أيام كنا نقرأ ونفكر بلا مبالاة. عجبت له كيف استطاع أن يعود القهقرى إلى صدر الشباب، بعد هذا الزمان الطويل من مفارقة الصبا! ثم سعيت إلى لقاء الصديق القديم؛ فلما لقيته كدت أسأله عن سر ذلك، ولكني طويت فجأة كل ما قام في نفسي، كما طويت ذلك الكتاب منذ ساعات، وقنعت بلذة المودة واللقاء بعد دهر طويل من الفراق.
ومنذ أيام، أخذت كتابه الجديد "المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري"؛
стр. 1092
وقرأته، فازددت تعجبا، لأنى رأيته يزداد مع الأيام بعدا عن وضوح الأسلوب ووضوح المعاني، في مواضع كثيرة. ولكن لم تكد تمضي أيام، حتَّى جاء الدكتور زكي يفسر لي، وللناس، سر هذا الغموض في الأسلوب والمعاني، فإنه نشر في صحيفة "الأهرام" (الجمعة ٧ مارس ١٩٧٥) مقالة عنوانها: "نريدها ثورة فكرية"، يدعو فيها الدولة (فيما أظن؛ أو فيما فهمت) الى إحداث هذه الثورة الفكرية ويختمها بقوله:
"شيء في مناخنا الفكرى؛ يردنا عن إحداث هذه الثورة. فما زالت الكلمة المسموعة هي لغير الراغبين في ثورة فكرية كالتي أتصورها، فعليهم أن يراوغوا في التعبير عما يريدون، اجتنابا منهم لوجع الدماغ، تاركين لقرائهم أن ينزعوا المعاني من بين السطور".
وهذا بيان كاف! وإذن فبُعْدُ الدكتور زكي، في هذه الأيام، عن وضوح الأسلوب ووضوح المعاني؛ مرده الى هذه "المراوغة في التعبير عما يريد"، اجتنابا لوجع الرأس والدماغ! وهذا موقف غير مفهوم في الحقيقة، وهو أيضًا موقف غير لائق به. غير مفهوم، لأنه منذ سنوات يقف على منبر لا يزاحمه فيه أحد في صحيفة "الأهرام"، لا، بل يقف هو ومعه آخرون على هذا المنبر غير مزاحمين، بلا حرج عليهم أن يعلنوا رأيهم في صراحة وعلانية. وغير لائق، لأن أسوأ ما تصاب به أمة، أن يكون كتابها وأدباؤها ومفكروها على مثل هذا المذهب البغيض: "أن يراوغوا في التعبير عما يريدون، تاركين لقرائهم أن ينزعوا المعاني من بين السطور"! ! هذا إهدار لكرامة القراء، وإهدار لشجاعة العقل، وإهدار لأمانة القلم. وأي ثورة هذه التي يدعو إليها، إذا كان الداعى نفسه لا يملك إلا المراوغة في التعبير عما يريد! ثم لا يستنكف أن يعلن أن ما يكتبه إنما هو "مراوغة في التعبير". هذا أعجب العجب! هذا موقف غير مقبول من رجل حرفته، كما يقول هو: "هي الأستاذية في الفلسفة؛ التي تقتضيه ألا يرسل القول إرسالا مهملا بغير تحديد" (المعقول واللامعقول ص: ٣٠).
وأنا بطبيعتى أكره هذا الطريق. لا من حيث أنا إنسان عاقل مفكر حر
стр. 1093
وحسب، بل أيضًا لأنى منذ آمنت بأن الله وحده لا شريك له، وأنه أرسل إلى الناس رسولا يبين لهم طريق الهدى من طريق الضلال، علمت أن هذا البلاغ الَّذي هو القرآن، وهو الحق، لم يكره أحدا على الإيمان؛ لأن الإكراه والسيطرة خليقة أن تدعو الناس إلى المراوغة، والمراوغة مفسدة للحياة البشرية؛ ومتلفة للعقل الإنساني -ومن أجل ذلك نهى الله نبيه ﷺ عن ارتكاب طريق الإكراه والسيطرة، فقال له: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، وقال له، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ثم زاد فأمره أن يدع الناس أحرارا في اختيار طريق الإيمان وطريق الكفر فقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، كل ذلك كان طريقا مستقيما ومنهجا متبعا، لأن سلامة الحياة الإنسانية، وسلامة العقل؛ وسلامة النفس؛ لا تنال ولا تدرك إلا بالوضوح: وضوح اللفظ، ووضوح الرؤية، ووضوح التعبير، ووضوح المعاني، ووضوح الطريق، وبهذا وحده فارقت حضارة أهل الإسلام سائر الحضارات؛ ما سبق منها وما أتى بعدها. ومن أجل ذلك كان الأسلوب الَّذي أبان عنه الدكتور زكي كريها إلى نفسي. وكنت أتمنى، بعد هذا العمر الطويل، أن يكون كريها أيضًا إلى نفس صديقي الدكتور زكي، مهما لقى في سبيل ذلك من عنت، ومن وجع الرأس والدماغ. وعلى كل، فهذا موقف لا أحبه له ولا أرضاه.
* * *
موقف ثان، فيه نفس السمات؛ سمات الإبهام والغموض؛ بلا داع يدعو إلى ذلك، فأنا حين قرأت كتابه الأول "تجديد الفكر العربي" وفرغت منه، أحسست، (ولا أدري كيف! ) أنَّه كتبه وفي نفسه مرارة مؤذية من شيء لقيه في حياته. وبهذه المرارة أطلق أحكاما قاطعة على "أسلاف" هذه الأمة، فهو يقول مثلا (التجديد ص: ٥٩ وما بعدها): "إني إذ أقرن ما أطالعه من حكايات الخرافة الساذجة عند أسلافنا، وخصوصا في عصور ضعفهم، بما أسمعه بأذنى من حكايات الخرافة يرويها بعض رجال العلم فينا اليوم؛ تأخذنى الدهشة العميقة:
стр. 1094
هل زاد هؤلاء الرجال الذين ظفروا في ميادين العلوم الطبيعية والرياضية بأعلى الدرجات العلمية، على أولئك الأسلاف السذج شيئًا في درجة التصديق؟ هل زاد هؤلاء على أولئك شيئًا إلا صفحات من علوم "حفظوها" ليلقنوها لطلابهم تلقينا، لقاء الرواتب التي ينفقونها على مظاهر الحياة، فيبدون للأعين وكأنهم اختلفوا عن سائر العامة العوام في نظرتهم اللاعلمية إلى تسلسل الأحداث. . . فهل أقول إننا في حياتنا الثقافية ما زلنا في مرحلة السحر التي تعالج الأمور بغير أسبابها الطبيعية وإننا لولا علم الغرب وعلماؤه، لتعرت حياتنا الفكرية على حقيقتها، فإذا هي حياة لا تختلف كثيرا عن حياة الإنسان البدائى في بعض مراحلها الأولى". وبهذه المرارة أيضًا يصف جماهير الأمة العربية قديما بأنهم "دراويش بالوراثة"، ليسقط هذه الصفة على "جماهيرنا اليوم"، مشيرا إلى محنة يعيشها اليوم في حياتنا الثقافية والفكرية، بلا إبانة عما يقصد بذلك كله (التجديد ص: ١٦٣ وما بعدها).
وتنتقل هذه السمة من الكتاب الأول إلى الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول ص: ١٨٥ - ١٨٧)، فإذا هو يتناول هؤلاء أنفسهم بالرمز الغامض، وذلك في الفصل الَّذي كتبه عن "إخوان الصفا"، يقول: "نمضى مع إخوان الصفا في حديثهم الممتع، الَّذي هو جدير بأن يذكر لمعاصرينا -لا أقول من عامة الناس- بل لمعاصرينا الأجلاء أساتذة الفلسفة في الجامعات، الذين شالوا الدنيا وحطوها من الغضب، حين ساير كاتب هذه الصفحات شعبة من الفلسفة المعاصرة. . . هكذا ربما صاح في وجهي أنصار "الجوانية" من أساتذة الفلسفة المعاصرين لنا في مصر بالذات. . . فإذا رأينا هذا، عجبنا أشد العجب من نفر من الزملاء؛ سواء منهم من جعل تدريس الفلسفة في الجامعات العربية حرفته؛ أو من اكتفى بثقافة عامة، سمعوا من مؤلف هذا الكتاب دفاعا عن موقف كهذا، فاتهمه بالكفر من اتهم، وبالجهل آخرون. .". كلام مر متفجر.
وكنت أتمنى ألا تكون المرارة التي يجدها صديقي الكريم، مدعاة إلى مثل هذا الغموض في التعبير وفي الإشارة لأنى أرى البيان أولى بالعلماء من الكناية.
стр. 1095
وأنا أخشى أن يكون صديقي إنما كتب هذين الكتابين بمرارة: للرد على هؤلاء الذين آذوه، لا للبحث الصادق عن طريق لتجديد الفكر العربي، وللبيان عن الجزء المعقول واللامعقول في تراثنا الفكرى، فهذا أيضًا موقف لا أحبه، لأنه عندي غير معقول! وكان أولى به عندي أن يصرح. ولقد أحس هو نفسه، بأن هذا الغموض مرغوب عنه، فإن حديثه الجميل عن "عبد القاهر الجرجانى"، أنَّه كان قد أبدى رأيا في النقد الأدبي، فهاجمه من هاجمه؛ قال: "فما هو إلا أن مرت على ذلك بضعة أعوام، واذا بعجيبة من عجائب الحياة الثقافية المعاصرة في مصر؛ تظهر في الأفق بلا حياء، وهي أن نسبت هذه الفكرة عينها، للرجل عينه الَّذي كان قد تصدى لكاتب هذه الصفحات أول الأمر بالمعارضة والمجادلة"، وهذا شيء قبيح بلا ريب وظلم مفزع ثم أدرك الدكتور زكي أن هذا الغموض في الإشارة لا داعى له، فلجأ إلى التصريح فقال: "ولماذا أخفي الأسماء؟ أنَّه الدكتور محمد مندور، ومات الدكتور مندور، ونهض له مناصرون يبرزون أهم ما استحدثه في النقد الأدبى، فإذا بينه فكرة "القراءتين" هذه: قراءة أولى للتذوق، وقراءة ثانية للتحليل والتعليل! ! "؛ ثم عقب على هذا بكلمات حزينة مؤلمة قال: "لكن ما فائدة الندم على لبن مسكوب! لنمض في طريقنا، طاوين الصدر على ضروب من العنت والإهمال لقيناها، ولم يعد لنا في هذه المرحلة من العمر أن نرد ونعترك؛ وإنما هي ذكرى أليمة تنزو". أي مرارة من الظلم أو أي حيف لقى في حياته! ومع ذلك كله فقد أحب له أن تكون مواقفه كلها كهذا الموقف من التصريح والإبانة عن مواطن الفساد في حياتنا الأدبية، بلا غموض وبلا رموز.
وموقف ثالث، أعجبنى من ناحية، ولم يعجبنى من نواح أخرى. أعجبنى لأنه بعد قليل من التأمل يبدو واضحا جدا. لأنه موقف انحياز كامل من جميع نواحيه إلى ما يسميه "ثقافة الغرب"، كقوله آنفا: "لولا علم الغرب وعلماؤه؛ لتعرت حياتنا الفكرية على حقيقتها"، ومواضع أخرى متفرقة، صرح فيها بهذا الانحياز التام. وهذا أمر مريح، ولا غضاضة عليه في التصريح به.
стр. 1096
ولكن هذا فيه كل الغضاضة أن يقول في (المعقول واللامعقول: ص: ٢٨): "وأنى لأقرر عن نفسي أنى حين هممت بهذه الرحلة (أي رحلة المسافر الغريب في أرض غريبة، كما يقول في ص: ١٠، ١٦) في دنيا تراثنا الفكرى، لم أجعل غايتى تقويم التراث، ومن أكون أنا حتَّى أجيز لنفسي مثل هذا التقويم، لتراث كان بالفعل أساسا لحضارة شهد لها التاريخ؟ لكني جعلت غايتى شيئًا آخر، أظن من حقى إذا أردته، وهو البحث في تراثنا الفكرى عما يجوز لعصرنا الحاضر أن يعيده إلى الحياة، ليكون بين مقومات عيشه، ومكونات وجهة نظره. وبهذا يرتبط الحاضر بذلك الجزء من الماضي الَّذي يصلح للدخول في النسيج الحي لعصرنا الَّذي يحتوينا راضين به أو مرغمين".
ومع كل هذه الصراحة المحمودة، فقارئ الكتابين ينتهي إلى شيء واحد، هو أن كاتبهما لم يفعل شيئًا سوى أن نصب نفسه مقوما لجميع ما سماه "التراث"، رافضا لأكثره، قابلا لشيء قليل جدا منه. فهو يقول مثلا في (تجديد الفكر العربي: ٢٩٤ - ٢٩٩):
"إني لأنظر فأرى سلسلة الخصائص التي يراد لها أن تقتلع من جذورها من تربتنا الثقافية، قبل أن يتاح لنا استنبات زرع جديد، إنما تترابط حلقاتها، فإذا سلمت بالأولى، كان لزاما أن تسلم بالثانية فالثالثة فالرابعة. وأولى هذه الحلقات، وأعمقها جذورا، وأكثرها فروعا، هي نظرة العربي إلى العلاقة بين الأرض والسماء، بين المخلوق والخالق؛ لين الواقع والمثال؛ بين الدنيا والآخرة، بين المعقول والمنقول -هذه كلها ظلال من موقف واحد وحقيقة واحدة. ونظرة العربي في صميمها هي أن السماء قد أمرت، وعلى الأرض أن تطيع، وأن الخالق قد خط وخطط، وعلى المخلوق أن يقنع بالقسمة والنصيب، وأن المثال سرمدى ثابت، وعلى الواقع أن يقسر نفسه على بلوغه، وأنه إذا تعارضت الدنيا والآخرة؛ كانت الآخرة أحق بالاختيار؛ وأن المنقول إذا ما تناقض مع المعقول، ضحينا بالمعقول ليسلم المنقول. . . ." ثم يمضي في احتجاجه حتَّى يقول: "جذور ينبغي أن تقتلع من أصولها، إذا أردنا للمواطن العربي أن يولد من جديد، فإذا خلت التربة من هذه الشوائب، بذرنا بذورا أخرى لتُنْبِت نبتا آخر".
стр. 1097
وهذا كله كلام محفوف بالغموض، وبالإشارات المبهمة لشيء مبهم، إنه هو نفس الأسلوب الَّذي اختاره الصديق الكريم: "اجتنابا لوجع الرأس والدماغ". وأنا لا أحب أن "أنزع معانيه من بين السطور". كما أمر، ولكن أقل التأمل يدل دلالة واضحة على أنَّه قد قوم "أصل التراث" كله تقويما لا مرية فيه، فوجده غير صالح. بل هو أيضًا مضر بالتربة، فقضى أن يقتلع من جذوره، لأنه "أعمقها جذورا، وأكثرها فروعًا"، وإذن: فما معنى تواضعه الخادع؛ حين استنكر أن يكون قد أجاز لنفسه تقويم التراث؟ هذا طريق محفوف بالخطر، وهو أيضًا موقف غير لائق.
وموقف رابع: ذلك أن الدكتور زكي أستاذ متميز في الفلسفة، والمذهب الذي يتبعه مذهب قائم على تحليل الألفاظ والقضايا، وهو قد لقى العنت والظلم في سبيل مذهبه. وقد كان حريصا في مواضع من كتابه المذكورين أن يحلل بعض الألفاظ ويحددها على الوجه الَّذي يريده. من ذلك لفظ "العقل" (تجديد الفكر العربي: ٣٠٨ وما بعدها)، فإنه قال: "وأول التوضيح أن نبين في جلاء ماذا نريد بقولنا "عقل"؟ فلا يجدينا شيئًا أن نقذف بهذه الكلمات المحورية قذفا، لنبنى عليها أقوالا على أقوال، كأنما هي من الوضوح بحيث لا يسأل عن تحديدها، مع أنَّه إذا لم تكن أمثال هذه الكلمات غامضة مبهمة، فأين تجد الغموض والإبهام؟ ". فهذا التزام صريح بالمذهب.
بل إنه في الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول: ١٥٩، ١٦٠)، كان أشد التزاما بالمذهب، فإنه تناول الجاحظ في فصل مهم جدا، أحسن في أكثره، فجعل يتنقل بنا من موضع إلى موضع في كتب الجاحظ: حتَّى انتهى إلى رسالته "في الجد والهزل". فاتفق أن جاء في هذه الرسالة معنى كان الدكتور زكي قد استعمل له نفس اللفظ الَّذي استعمله الجاحظ. وذلك أن صديقي الدكتور زكي كان قد شبه بعض الألفاظ التي يتداولها الناس "بالظرف الخالى"؛ وهي ألفاظ يظن الناس أنهم قد فهموا دلالتها، مع أنها إذا حللها الفيلسوف ليرى ما في جوفها، إذا هي فارغة. وكان الجاحظ قد ذكر أمر آدم عليه وعلى نبينا السلام،
стр. 1098
وذكر قول الله تعالى: ﴿وَعَلَمَ آدَمَ الأَسْمَاْءَ كُلَّهَا﴾، ثم قال الجاحظ في بيان ذلك: "ولا يجوز أن يعلمه الاسم ويدع المعنى، ويعلمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا معنى لغو: كالظرف الخالى، والأسماء في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح، اللفظ للمعني بدن، والمعني للفظ روح. ولو أعطاه الأسماء بلا معان، لكان كمن رهب شيئًا جامدا لا حركة فيه، وشيئا لا حِسَّ فيه، وشيئا لا منفعة عنده".
فلما وقف صديقي على هذا الَّذي قاله الجاحظ، علق عليه تعليقًا ثائرا مثيرا؛ وملتزما بمذهبه، لأنه وجد ما يؤكده في كلام الجاحظ؛ فقال:
"كان كاتب هذه الصفحات قد أخذته الحماسة المشتعلة ذات حين، معتقدا أن الناس عامة، والأمة العربية خاصة، قد ملأت لغتها بألفاظ لا تدل، وبأسماء لا تسمى، فكانت النتيجة أنهم كتبوا، وقالوا ثم قالوا: لكن حصيلة الفكر أضأل جدا من هذا الدوى الهائل الَّذي أحدثوه. ولقد أورد هذا الكاتب تشبيه "الظرف الخالي" في كتاب صدر له سنة ١٩٥٣ وعنوانه: "خرافة الميتافيزيقا" فأقامت جماعة من الناس ظنت أن في جماجمها ثقافة، وكتب أحدهم، وقد ظن أن أعواما قضاها في أوربة قد زودته بالسلاح المرهف الَّذي يرد به على "الكفرة"، فكان أن علق هذا الرجل على التشبيه بعينه، ليبين للناس إلى أي حد ذهب الضلال بصاحب "خرافة الميتافيزيقا". . . مسكين أنت يا عثمان (١)، يا ابن بحر، يا جاحظ! لو كان حظك قد شدك من زمنك في القرن التاسع (يعني في القرن الثالث الهجرى) لتعيش مع المعاصرين لنا في القرن العشرين"! ! كلام مرير لاذع.
وهذا؛ وإن كان يدخل في "الموقف الثاني" الَّذي لا يعجبنى، إلا أنَّه يدل على مقدار حرص الدكتور زكي على تحليل الألفاظ وتحديدها، وعلى التزامه بمذهبه الفلسفي، وما لقى في سبيل ذلك من الظلم المبرح. فبأي معنى يكون له
стр. 1099
كل هذا الحرص، وكل هذا الالتزام، ثم يدع قراء كتابيه في حيرة من أمر ألفاظ أخرى "محورية" كما يقول؟ . وهذه الألفاظ "المحورية" كثيرة في الكتابين، ولكن هناك ثلاثة ألفاظ يدور عليها ما في الكتابين جميعا؛ وهي أيضًا من أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة الناس في أيامنا هذه، وهي أيضًا ألفاظ محدثة، ينطبق عليها أشد الانطباق، ما قاله الدكتور آنفا "كأنما هي من الوضوح بحيث لا يسأل عن تحديدها، مع أنَّه إذا لم تكن أمثال هذه الكلمات غامضة مبهمة، فأين تجد الغموض والإبهام؟ ". وهذه الألفاظ هي: "التراث" و"الثقافة" و"الحضارة" فلو التزم الدكتور زكي بمذهبه الفلسفي، لكان من حق قرائه عليه أن يعرفوا؛ على الأقل، ماذا يريد هو باستعمالها؟
لم يغب هذا عن الصديق الكريم، ولكنه أتى بشيء عجيب جدا في سبب إغفالها، فإنه أشار في (تجديد الفكر: ٦٦) إلى أن في ذهنه معاني كلية، يريد التحدث عنها، كمعني "الثقافة" ومعني "التراث"، وقال: "فما أسهل أن أسوق ألفاظا كهذه بمعانيها المجردة الخالية من التفصيلات والعناصر" -ومع ذلك فلم يكلف نفسه مشقة تحديدها أو تحليلها، بل العجب العاجب أنَّه لما بلغ (ص: ٦٩) ذكر "الثقافة" ثم قال: "إن سؤالا ليفرض علينا نفسه قبل هذا السؤال، وهو: ماذا تعني بالثقافة؟ ولقد طرح هذا السؤال؛ وتنوعت الإجابات عنه؛ حتَّى أصبح موضوعا تمجه النفس، ولذلك فلست أنوى الوقوف عنده لا طويلا ولا قصيرا، وسأترك للقارئ حرية كاملة في أن يفهم من الكلمة ما يشاء".
كيف يكون هذا؟ وأي معنى إذن لالتزام المرء بمذهب فلسفي يقوم على تحليل الألفاظ والقضايا؟ وهل يصح أن يضرب الفيلسوف عرض الحائط بمذهبه، لأن تنوع الإجابات، جعل اللفظ أو القضية "موضوعا تمجه النفس": هذأ أمر غريب جدا. وهل تحل المشكلة، بأن يبيح الفيلسوف للقارئ أن يكون حرا حرية كاملة في أن يفهم من "الكلمة" ما يشاء؟ هذا هدم لأصول المذهب، وهو حرى أن يوقع القراء في التخبط والخلط؛ ولاسيما إذا كان "اللفظ" هو
стр. 1100
المحور الَّذي يدور عليه كل ما في الكتابين. وأنا أنقل إليك مواضع منهما، تغير فيها معنى "الثقافة" تغيرا مبنيا. من ذلك قوله في (تجديد الفكر ص: ٧١):
"فحياة الناس هي ثقافتهم، وثقافتهم هي حياتهم، لا حين ننسلخ عن الحياة، ليضطلع بها محترفون يطلقون على أنفسهم اسم: المثقفين". هذا معنى مبهم، ثم يقول بعد قليل في الكتاب نفسه (ص: ٨١).
"لم تكن اللغة في ثقافة العرب، "أداة" للثقافة؛ بل كانت هي الثقافة نفسها"، فهذا معني ثان أشد غموضا وإبهاما من الأول. ثم يقول في الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول ص: ١٠٥)؛ عند ذكر مقتل أبي مسلم الخراساني، وما أعقب ذلك من أمر بعض الخوارج على الدولة كالراوندية، يقول:
"لا يعقل أن يكون مقتل رجل كأبى مسلم الخراساني، مبررا كافيا لمثل تلك الردة إلى ديانات الفرس فيما قبل الإسلام، وبمثل تلك السرعة وذلك الاتساع (وهذه كلها مبالغات مضنية مع الأسف! ) مما يدل دلالة قوية على أن الإسلام لم يكن عند القوم أكثر من غطاء خارجى، أبعد ما يكون عن ثبات الجذور؛ فكانت تكفيه أقل هبة من هواء ليطير، فتنكشف العقائد الراسخة من تحته (وهذا أوغل في المبالغات المضنية أيضًا)، وإذا قلنا "العقائد"؛ فقد قلنا "الثقافة" أيضًا"، وهذا معنى ثالث غارق في الابهام والغموض. وهي ثلاث صور مختلفات لمعنى "الثقافة"، وفي الكتابين صور أخرى أعجب وأغرب!
وأنا لا أدري لم هان على صديقي الدكتور زكي مذهبه الفلسفي الصارم، في مسألة "الثقافة" و"التراث" و"الحضارة"، على وجه الخصوص؟ ولا أدري ما معنى الحرية التي تركها لقارئه، حتَّى يقع في حيرة مضللة؛ وهو يتحسس المعاني التي يريدها بهذه الألفاظ؟ هذا موقف لا يرضى ولا يليق من رجل "حرفته هي الأستاذية في الفلسفة، والتي تقتضيه ألا يرسل القول إرسالا مهملا بغير تحديد" (المعقول واللامعقول ص: ٣٠).
وموقف خامس: وأنا كما ترى، لا أريد أن أناقش الدكتور زكي فيما قاله،
стр. 1101
أو فيما انتهى إليه، في هذين الكتابين، فهو حر في أن يقول ما شاء، وأن يختار مما يسميه هو "ثقافة" أو "تراثا" ما شاء أيضا. ولقد شاء أن يجعل رحلته الأولى في "التراث"، في ميدان المعركة التي نشبت بين أمير المؤمنين علي ﵁، وبين معاوية بن أبي سفيان ﵁ (المعقول واللامعقول ص: ٢٩ وما بعدها).
وأنا لا أريد هنا أن أصحح له وقائع التاريخ كما رواها في كتابه، ولا أريد أيضا أن أحجر عليه القول فيما اختاره، أو فيما انتهى إليه، أو في الطريقة التي عالج بها هذا المشهد الذي رآه. ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أغفل الإشارة إليه، لأنه واجب كل مفكر، هو الالتزام التام بالتحري والفحص، قبل مشيئة القول ومشيئة الاختيار.
فهو قد اختار كتاب "نهج البلاغة"، ليتخذ ما فيه من الأقوال المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي ينبوعا يستخرج منه صورة للإمام على في القرن الأول من الهجرة، يقول: "ولننظر كم اجتمع في هذا الرجل من أدب وحكمة وفروسية وسياسة" (المعقول واللامعقول ص: ٣٠). فإذا كان ذلك كذلك، أفليس من وسائل "العقل" أن يتثبت المرء من أن هذا الكلام المنسوب إلى علي ﵁ هو كلامه، بلا ريب في ذلك؟ هل يختلف في مثل هذا عاقلان؟ لا، بلا ريب، وإذا كان الدكتور زكي، كما وصف نفسه: "بعيدا عن التخصص الدقيق الكامل في تراثنا العربي" (المعقول واللامعقول ص: ١١٥)، ألم يكن أسلم له في طريقه أن يسأل، وأن يحاول أن يفكر على الأقل، حتى يتثبت من صحة نسبة ما في هذا الكتاب من الأقوال إلى علي ﵁؟ إنه إذا بطل أن يكون هذا الكلام صحيح النسبة إلى عليّ، كان استخراج صورة عليّ منه ضربا من العبث، لا أكثر ولا أقل.
وكتاب "نهج البلاغة"، هو مجموع أقوال وخطب، جمعها الشريف الرضى المولود سنة ٣٥٩ من الهجرة والمتوفى سنة ٤٠٦ من الهجرة، أو جمعها أخوه الشريف المرتضى المولود سنة ٣٥٥ من الهجرة والمتوفى سنة ٤٣٠ من
стр. 1102
الهجرة، ونسب ما فيه إلى أمير المؤمنين علي ﵁، الذي توفي سنة ٤٠ من الهجرة. ومعنى ذلك أن بين جمع هذه الأقوال وبين وفاة علي ﵁ نحو أربعة قرون. وهذه الأقوال لم يروها الرضى أو أخوه المرتضى بإسناد متصل ينتهي إلى على فكيف نثق بهذه الرواية المرسلة بلا إسناد صحيح، مع هذه الدهور المتطاولة التي تفصل بين علي أمير المؤمنين، وبين جامع هذه الأقوال؟
وأنا أستطيع أن أؤكد لصديقي الكريم أن النظرة الأولى إلى جملة ما في الكتاب من الكلام، تقطع بأن كثرته الكاثرة لم تجر على لسان علي ﵁ قط، وأنه، بعد الفحص الأول المدقق، لا يكاد يسلم منه لعلي ﵁ إلا أقل من العشر. فإذا كانت النسخة التي طبعها الشيخ محمد عبده، تقع في نحو ٤٠٠ صفحة، فلا يكاد يصح منها إلا أقل من أربعين صفحة. وهذا القدر المنسوب إلى على، يكاد يكون كله في السنوات الأخيرة من حياته، منذ بويع بالخلافة لخمس ليال بقين من ذي الحجة سنة ٣٦ من الهجرة، إلى أن قتل ﵁ لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ٤٠ من الهجرة، أي في أقل من أربع سنوات. وهذا أمر لا يكاد يصدق: أن يكون قيل كله في هذه الفترة القصيرة من الفتنة والاضطراب، وأن يكون الرواة قد استطاعوا أن يجيدوا روايته في هذه الفترة من الفتنة والاضطراب. هذا فضلا عما في الكتاب من أقوال لا يليق صدورها عن رجل مثل عليّ في دينه وعلمه وتقواه.
ودليل آخر، فإن هذا الكتاب "نهج البلاغة"، فيه من غريب ألفاظ اللغة قدر كبير جدا، وقد أفرد علماء الأمة كتبا تسمى "كتب الغريب"، عنيت بتفسير غريب ما في حديث رسول الله ﷺ ، وغريب ما روى عن كبار الصحابة. فمن ذلك مثلا كتاب "الغريب" لأبي عبيد القاسم بن سلام (توفي سنة ٢٢٤ من الهجرة)، فإن شرح حديث أمير المؤمنين عمر ﵁، يقع في نحو مئتى صفحة من المطبوع، ويقع شرح حديث أمير المؤمنين علي ﵁ في خمسين صفحة من المطبوع، أي أن حديث على فيه ربع حديث عمر، فإن صحت نسبة ما في "نهج البلاغة" إلى على، لكان شرح غريبه من اللغة، يقع في
стр. 1103
أضعاف أضعاف ما روى عن عمر، على الأقل. ومعنى ذلك أن علماء الأمة الذين تتبعوا شواهد اللغة، قبل مولد الشريف الرضى أو أخيه المرتضى، لم يقفوا على هذا القدر المفرط الموجود في "نهج البلاغة". ولو كان تحت أيديهم مثل هذا القدر، لما أغفلوه البتة. وهناك أدلة أخرى على بطلان نسبة ما في هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين.
وحسبى هنا أن أختم القول في "نهج البلاغة"، بذكر ما قاله الحافظ الذهبى (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ)، حيث ذكر الشريف المرتضى فقال: "وهو المتهم بوضع كتاب "نهج البلاغة"، وله مشاركة قوية في العلوم، ومن طالع كتابه "نهج البلاغة"، جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين، ففيه السّب الصراح والحطّ على أبي بكر وعمر ﵄، وفيه من التناقض، ومن الأشياء الركيكة، والعبارات التي من كان له معرفة بنفس القرشيين من الصحابة، وبنفس غيرهم من المتأخرين، جزم بأن أكثره باطل". وهذا أهون ما يقال في هذا الكتاب.
فكتاب كهذا الكتاب، يدل صريح العقل والنظر، وصريح النقل والتثبت، على أنه كتاب قريب النسب، كان غير لائق بالدكتور زكي أن يتسرع إلى التقاطه، دون أن يفحصه، ويتحرى عنه، فيجعل ما فيه من كلام كثير الغثاثة، وقد كتب أكثره بعد دهور متطاولة، ممثلا لعلي بن أبي طالب وممثلا أيضا للقرن الأول من الهجرة، وهو القرن الذي يجمع أجلاء أصحاب رسول الله ﷺ وهم ألوف، وليس على إلا واحدا منهم، وإن فاقهم بما فضله الله به وكرمه، من العلم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . فإغفال تحديد معنى "التراث" عند الدكتور، وترك التثبت من صحة الأقوال والأفعال المنسوبة إلى الرجال، ثم الإقدام مع ذلك على الأحكام القاطعة في المعاني والصور، موقف لا أرضاه لمفكر عريق متميز، كأخي الدكتور زكي، أراد أن يضع لنا منهجا، ويمهد لنا طريقا يفضى إلى الفصل والتمييز بين "المعقول واللامعقول في التراث العربي".
وموقف سادس: وذلك أنى كنت دائم التخوف على أخي الدكتور زكي، وأنا أقرأ كتابيه، من أن تكون له أفكار أعدها إعدادا قبل قراءة "التراث"، وقبل
стр. 1104
الغوص في "الثقافة"، فبجانب ما هو معروف به من سلامة النظر، ومن الأستاذية التي لا تنكر في الفلسفة. وهذا الذي خفته هو الذي وقع، ولولا ذلك لما كان معقولا أن يقول في (المعقول واللامعقول ص: ١١٧) إنه يستند فيما يكتب "إلى انطباعات أحسستها، إذ كنت أقلب صفحات التراث، أكثر مما استندت إلى مقدمات موثوق بصحتها، لتنتج نتائج موثوقا بصدقها أيضًا". ولا أدري كيف يغيب عن الدكتور أن مرتكب هذا الطريق يسير على غرر، ويضيع وقته ووقت الناس في كتابة ما يكتب، وأن التزام مثل هذا الطريق يفضى بالكاتب إلى التسرع في فهم الكلام وفي الاستنباط منه، وإلى صرف الكلام عن وجهه الصحيح إلى الوجه الذي أعده إعدادا قبل القراءة، وإلى ترك التثبت من صحة النص الذي بين يديه، مع قدرته، لو تأنى إلى معرفة وجه الخطأ فيه، أو إلى ما دخله من تصحيف أو تحريف.
مثال ذلك أنه يقرر تقريرا لا يشك هو في صحته، وبلا دليل يدل عليه، أن "الثقافة" العربية التي عاش بها العربي، تجعل له موقفا واحدا في الحياة: "وقفة من يجعل الثبات للسماء، والفناء للأرض. ففي السماء الأصول، وعلى الأرض الأشباح والظلال. أنها ثنائية حادة بين الغيب والشهادة، بين الروح والجسد، بين الإنسان والله. . . فإذا كانت هذه هي الصورة الكونية، فلابد أن تكون كذلك هي الصورة لحياة الإنسان في مجتمعه، فلصاحب السلطان أن يريد، وعلى الناس أن يطيعوا. الكلمة عندنا لصاحب القوة، والقول النافذ لصاحب الجاه" (تجديد الفكر ص ٢٩٤ - ٢٩٦). وهذه الفكرة التي لا نجد دليلا واحدا يدل عليها، إنما هي فكرة ثابتة سابقة على قراءة "التراث"، وهي أيضا منتشرة في الكتابين جميعا. فلننظر الآن كيف طلب الدليل على صحتها من "التراث" في الكتابين جميعا. قال في (تجديد الفكر ص: ٤٦ - ٤٨).
"لم يكن في ساحة الفكر عند الأسلوب حوار حر إلا في القليل النادر"، لماذا؟ يقول: لأننا "قوم على الفطرة، فأي عجب إذا سلكنا أنفسنا مع الفطرة فيما فطرها عليه فاطر السماء والأرض! ". وكيف كان ذلك؟ يقول: "قد ورد
стр. 1105
في التراث أن من الكائنات ما لا يصلح إلا بأمير يؤمر عليه، وتلك هي -كما ورد في العقد الفريد: الناس، والفأر، والغرانيق، والكراكى، والنحل، والحشرات. . . كلها تأبى بحكم فطرتها أن يكون الأمر حوارا بين أفرادها، وتريده أوامر ونواهي وزواجر تهبط من الأعلى ليصدع بها الأسفل، وطوبى لمن كان لهم الأمر، ناسا كانوا أو حشرات". ولماذا كان ذلك كذلك يقول: "لأن الأمر والنهي -كما يقول الجاحظ- لذة أين منها الحواس .. فسرورك إذا كنت صاحب أمر أو نهي، سرور من طراز فريد، حين ينحدر أمر من شفتيك، فإذا هو نافذ، وحين توقع بخاتمك، فإذا الطاعة على الناس قد وجبت، بل، فإذا الحجة "العقلية" قد ألزمت كل ذي حجة. ولا تقل إنْ لم يَكُن في الأمر إلا بصمة الخاتم .. لا تقل ذلك، لأنك إنما تقوله لجهلك باللذة الكبرى .. إذا جلست من الناس مجلس الأمر والنهي، (اقرأ الحيوان للجاحظ ١: ٢٠٥). إنه إذا نزلت الأوامر والنواهي من أهل الطوابق العليا إلى أهل الطوابق السفلى، ". . فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد، والنواهي بالتعظيم (البداية والنهاية لابن كثير ١: ٥) "، انتهى باختصار.
ولأنى لم أنصب نفسي لمناقشة قضايا الكتابين، فإني سأصرف النظر عن موضوع "الفطرة"، وعن استدلاله بما جاء في "العقد الفريد": وعن الأسلوب الذي ساق فيه حكما غريبا عن "الأسلاف" وجعله شيئا مقررا مفروغا من صحته وسلامته. وإنما عملى هنا أن أنظر فيما نسبه إلى الجاحظ وإلى الحافظ ابن كثير، والكلام السالف الذي نقله عن الجاحظ، إنما هو استخراج وتأويل للفظ كلامه، جعله حجة مؤيدة للفكرة السابقة التي اعتقدها، وفسر كلامه على مقتضاها. ولكنه أتى بنص كلام الجاحظ في الكتاب الثاني (المعقول واللامعقول ص: ١٦٨)، قال:
"أأقول إنه خلق عربي متأصل -لا فرق بين أقدمين ومحدثين .. أن يتحكم بعضنا في رقاب بعض؟ .. إننا نسأل ههنا عن "العلة"، لأنه هو الوضع الشاذ الذي يتطلب التعليل، يقول الجاحظ: "أين تقع لذة درك الحواس، الذي هو
стр. 1106
ملاقاة المطعم والمشرب، وملاقاة الصوت المطرب، واللون المونق، والملمسة اللينة، من السرور بنفاذ الأمر، وبجواز التوقيع، وبما يوجب الخاتم من الطاعة، ويلزم من الحجة" (الحيوان ١: ٢٠٥)، وأرجو أن يلاحظ القارئ معنى الجملة الأخيرة من هذه العبارة، جملة: ". . يلزم من الحجة" أن الحجة تكون ملزمة إذا وقعها صاحب الأمر والنهي فينا، وختم عليها بخاتمه، وليذهب إلى جهنم عقل يقيس إلزام الحجة بمقاييس منطقه، ليرى أين تكون المقدمات العقلية التي تلزم بالنتيجة"، انتهى، مع بعض الاختصار.
ومرة أخرى أقول: إني لست بصدد المطالبة بالدليل على صحة ما جعله "خلقا عربيا متأصلا"، من تراث العرب وثقافتهم، ولكني أحب أن ألفت النظر إلى هذا الأسلوب المتوهج الثائر الفرح بما ظفر به في كلام الجاحظ، مما ظن أنه يؤيد فكرته السابقة عن "التراث العربي"، وإلى تكرار ما ظفر به في الكتابين جميعا. والسؤال الآن هو: هل أراد الجاحظ هذا المعنى الذي فهمه من عبارته؟ هل يصح في سياق نص كلام الجاحظ: أن الحجة العقلية في تراثنا تكون ملزمة للعقلاء من الناس، إذا وقعها صاحب السلطان، وختمها بخاتمه؟ هل هذا صحيح أن يكون الجاحظ قال ذلك أو عناه؟
وهذه الجملة التي قالها الجاحظ، مأخوذة من "كتاب الحيوان". في هذا الكتاب نشره وحققه الأستاذ عبد السلام هارون، وبذل فيه من الجهد قدرًا بالغًا. ومع ذلك فقد قال في مقدمة الكتاب ما نصه: "ليس يوجد في عصرنا من يستطيع أن يخرج هذا الكتاب مبرأ من العيب، سليما من التحريف"، وصدق فيما قال. ومن أجل ذلك تجده قد ألحق بكل جزء من أجزاء الكتاب، استدراكًا لما فاته، مما تجاوزه النظر، أو غمض الطريق إلى تصحيحه. وهذه الجملة التي نقلها الدكتور زكي، هي مما وقع فيه التحريف والتصحيف، بدلالة العقل، ثم بدلالة السياق، ثم بدلالة تاريخ هذه الأمة العربية، ومعلوم أن الجاحظ لم يكن ممن يلقى القول على عواهنه. فهو يتحدث عن كل صاحب سلطان في هذه الدنيا، في كل ملة من الملل، وفي كل زمان ومكان، وفي كل طائفة أو أمة،
стр. 1107
وفي القديم والحديث، وفي الشرق والغرب، وعما يجده صاحب كل سلطان من لذة خفية بنفاذ أمره في الناس -ويقول إن كل من ولى أمرًا من أمور الناس، فبحق هذه الولاية يأمر وينهى، (بلا غضاضة في ذلك على عربي أو أعجمي أو أوربى! ). وصار بهذه الولاية مستوجبا أن يطاع في الأمر والنهي، وإلا بطلت الولاية ولم يكن لها معنى، ولم يكن للناس حاجة إلى حاكم أو وال أو رئيس أو وزير. وبهذا الحق المفروغ من التسليم به في جميع أمم الدنيا منذ كانت إلى أن تنقضى مدتها، وجب على كل مرءوس أن يطيع رئيسه في الأمر والنهي، فلفظ "الطاعة". عند الجاحظ لا يزيد على هذا: أن ينفذ أمر الرئيس، وأمر الرئيس لا يكون صحيحا موجبا للطاعة إلا بتوقيعه على الأمر، وعبر الجاحظ عن ذلك فقال: "بما يوجب الخاتم من الطاعة". ويبقى الجزء الآخر بعد صدور الأمر والتوقيع، وهو "التنفيذ"، كما نقول اليوم. وهذا "التنفيذ" هو الذي عبر عنه بقوله: "ويلزم من الحجة"، كما جاءت في نسخ كتاب الحيوان، ولكن كلمة "الحجة" وقع فيها تحريف النساخ، لأن صوابها هو "الخدمة"، وصواب العبارة كلها إذا هو:
"من السرور بنفاذ الأمر، وبجواز التوقيع، وبما يوجب الخاتم من الطاعة، ويلزم من الخدمة".
ولفظ "الخدمة"، بمعنى السعي في إنفاذ ما أمر به السلطان، أو صاحب الولاية، لفظ دائر في جميع كتب "التراث"، كما يسمونها، وهو يأتي في كل كتاب مقرونا بلفظ "الطاعة"، والجاحظ، والأمر لله وحده، جزء من "التراث"، يجرى كلامه على عادة أهل هذه اللغة، وعلى ما ألفته الأمة التي هو منها. والجاحظ أحرص من أن يقول أن "خاتم الولاة" يلزم الرعية التسليم لهم فيما سماه الدكتور "الحجة العقلية"، ولولا أن الدكتور زكي كان قد اعتقد في نفسه هذا الاعتقاد، بأن الأمة العربية يمكن أن توصف بأنها تسلم لولاة الأمر ما قالوا وأن أمرهم يصبح بتوقيع خاتمهم "حجة عقلية" يلزم الناس التسليم لها، ولو ناقض الأمر حجة العقل -لولا ذلك، لكان الدكتور خليقا أن ينتبه إلى موطن
стр. 1108
التصحيف والتحريف في هذه الكلمة. والدليل على أنه يقرأ ما يقرأ، وهو قادر على النظر في وجوه التصحيف والتحريف في الكلام أنه نقل نصا عن كتاب "الخصائص" لابن جنى (١: ٢١٥)، وذلك في (المعقول واللامعقول ص: ٢٣٦)، يقول فيه: "ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعيا جلفا، أو عبدا عسيفا، تنبو صورته، وتمج جملته" فتوقف عند قوله "جملته"، وكتب معلقا عليها: [ربما كان الصواب: خلقته]، ومع الأسف، فإني أقول أن الذي في "الخصائص" هو الصواب المحض، وأن التغيير الذي اقترحه لتصويب عبارة ابن جنى لا محل له. ولو لم يكن الدكتور قادرًا على النظر في النصوص وتصويبها، وأنه شديد العناية بالألفاظ الدالة على المعاني، لما كتب هذا التصويب. فكيف حرص على تصويب ما لا خطر له في بحثه، وكيف فاته ما كان خليقا أن يحرص على تصحيحه؟ لا شيء، إلا أنه فرح بكلمة تؤيد رأيه السابق فصرفه الفرح عن التأمل وتصحيح ما هو خطأ محض.
هذه هي القضية في شأن نص الجاحظ -وبقيت القضية الأخرى في شأن نص ابن كثير، وهي قضية غريبة جدا؛ فإن الدكتور زكي نقل جملة من كلام الحافظ ابن كثير في سياق تدليله على أننا، نحن العرب، قوم على الفطرة، وأن الفطرة توجب علينا أن الكائنات كلها لا تصلح إلا بأمير يؤمر عليها، وحكم هذه الفطرة يوجب ألا يكون بيننا حوار، بل تريد أوامر ونواهي تهبط من الأعلى إلى الأسفل ليصدع بها، فإذا نزلت الأوامر من أهل الطوابق العليا إلى أهل الطوابق السفلى" .. فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد والنواهي بالتعظيم (البداية والنهاية لابن كثير ١: ٥) فجعل الدكتور هذه الجملة حجة لتأييد رأيه في أنه "خلق عربي أصيل -لا فرق بين أقدمين ومحدَثين، أن يتحكم بعضنا في رقاب بعض".
وحقيقة الأمر، هي أن هذه الجملة مقتطعة من مقدمة الحافظ ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" حين ذكر منن الله على عباده، بأن "أرسل رسله إليهم"، وأنزل كتبه عليهم، مبينة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل
стр. 1109
كل شيء في المبدأ أو المعاد إلى يوم القيامة، فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد؛ والنواهي بالتعظيم". وبين أن الحافظ يتحدث عن تصديق أخبار الله تعالى في كتابه، وعن أوامره سبحانه في كتابه؛ وعن نواهيه تعالى جده في كتابه القرآن العظيم. وهذا بمعزل عن توقيع سلطان أو أمير أو حاكم بخاتمه- ولا يمكن أن يقال إن التصديق بأخبار الله تعالى في كتابه، والانقياد والتعظيم لأوامره ونواهيه ينسحب على أوامر خليفة أو أمير أو صاحب سلطان أو عالم أيا كان. فإن في تراثنا أن عدى بن حاتم الطائيّ كان نصرانيا، فوفد على رسول الله ﷺ ، قال: "أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب: فقال: يا عدي، اطرح هذا الوثن عن عنقك! قال عدى: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة. فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال قلت: بلى! قال: فتلك عبادتهم"، فدل هذا على أن الانقياد والتسليم والتعظيم، إنما هي لله وحده، ولرسوله الذي أرسله بهذا الكتاب مبلغا له، ومبينا عنه، وأنه لا أحد بعد ذلك يجب علينا الانقياد والتسليم لأوامره، حتى يصح أمره "حجة عقلية" ملزمة إذا وقعها وختم عليها بخاتمه.
هذا حق كلمة الحافظ ابن كثير، وهذا هو معناها، فنقل هذه القضية من طاعة الله؛ إلى طاعة البشر؛ أمر لا يعقل ولا يقال: ولا يصح نسبته إلى "التراث". إن صاحب "خرافة الميتافيزيقا"، وصاحب المذهب المعروف بالتدقيق في تحليل الألفاظ والقضايا، كان خليقا ألا ينقل هذه الجملة من معنى بعينه، إلى معنى آخر، لولا أنه فارق طريقه ومذهبه؛ ولجأ إلى الاستناد إلى "الانطباعات"، وإلى "مقدمات غير موثوق بصحتها، تنتج نتائج غير موثوق بصحتها أيضا"؛ كما قال عن نفسه.
هذا موقف غريب جدا، وأغرب منه أن يكون طريقا إلى البحث عن "تجديد الفكر العربي"، وعن "تمييز المعقول واللامعقول في تراث العرب". وهذا هو
стр. 1110
ما خفته عليه، وأنا أقرأ الكتابين: أن تكون له أفكار أعدها إعدادا قبل قراءة "التراث" وقبل الغوص في "ثقافة" العرب، فيحمله ذلك على أن يجانب ما هو معروف به من سلامة النظر؛ ودقة التحليل؛ ومن الأستاذية التي لا تنكر في الفلسفة.
وفي الكتابين بعد ذلك مواقف كثيرة جدا، مردها إلى هذه الأفكار السابقة قبل القراءة، التي تلوى النظر عن الصواب، وتفسير النصوص على غير معناها. وقد اقتصرت على "المواقف" دون النظر في صحة قضايا الكتابين، ودون التحليل لهذه القضايا، لأنى أكره أن أناقش قضايا كتبت على أسلوب غامض غير مكشوف، يترك للقارئ أن "ينتزع المعاني من بين السطور"؛ فأنا أحب المكاشفة، ولا أرضى إلا المصارحة بالرأي، والاستقامة في التعبير. هكذا موقفي وموقف تراثى وثقافتى وحضارتى من تراث اليونان والغرب وثقافتهما وحضارتهما. وليس بين الحق والباطل، ولا بين الصدق والكذب، ولا بين العلم والجهل، ولا بين الصواب والخطأ- من حاجز، إلا ترك الاستقامة، وإلا تغليب الهوى على العقل، وإلا مفارقة التثبت، وإلا إيثار السلامة على المعاناة.
стр. 1111
في الطريق إلى حضارتنا
ألقيت في جامعة الملك عبد العزيز بجدة
في يوم الأربعاء ٢٣ ربيع الآخر سنة ١٣٩٤/ ١٥ مايو سنة ١٩٧٤
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
لا أملك إلا الشكر الجزيل على هذه الدعوة التي جاءتني من جامعة الملك عبد العزيز، موجهة من صاحب المعالى وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة الشيخ حسن عبد الله آل الشيخ. وقد عشت أكثر من أربعين سنة في عزلة ضربتها على نفسي حتى استحكمت، وصارت كأنها طبيعة فطرت عليها، أنظر إلى العالم من حولى وأحس به من خلالها. فلما جاءتنى هذه الدعوة الكريمة أحدثت في إلفي الطويل لهذه العزلة انتقاضا ناسفا لما أبرمته السنون الطوال فتصدعت أسوار العزلة التي اخترتها ورضيتها لنفسي، تصدعت على غير توقع، فلم يخطر ببالى قط أن يدعونى أحد لأنى منذ هجرت الكتابة في المجلات والصحف أكثر من عشرين عاما، كنت قد وضعت اسمى في صندوق مغلق، لا يعرف ما فيه إلا عدد قليل من قدماء القراء. أما الأجيال الحديثة، فهي تمر عليه بلا مبالاة، ثم لا تجد ما يحفزها على الكشف عما يحتويه هذا الصندوق المغلق، والكاتب إذا وضع قلمه صدئ القلم، وإذا حجب اسمه عن القراء، نسى اسمه، وانطمس رسمه، ودخل في حيز الموتى، وإن كان يعد في الأحياء. فلما جاءتنى هذه الدعوة الكريمة، فكأنها فرضت عليَّ أن أجلو ما صدئ من قلمى، وأن أسترد لنفسي صورة أبدو فيها حيا بعد طول الرقاد في حيز الموتى من الماضين. . . وحب الحياة شهوة خفية في كل قلب، فإذا كان اللسان معبرا عن ظاهر الشكر لهذه الدعوة إلى الحياة فإن الباطن شكر لا يكاد ينتهي إلى غاية.
стр. 1112
من العسير على أن أضمن هذه الدقائق القليلة، قدرا كافيا من الحديث عن أهم ما يدور في العالم العربي والإسلامي. فإن هذا العالم قد مضى عليه أكثر من قرن كامل وهو يموج بالحركة ويغلى بالفكر، حتى تجمعت في هذه السنوات الأخيرة دلائل كثيرة على أن هذا العالم لن يهدأ حتى يحتل مكانته التي يستحقها بتراثه العظيم، وبمساحته المترامية الأطراف، وبسكانه الذين يزيد عددهم على ثمانمئة مليون من البشر، وبما أودع الله في أرضه من الذخائر والكنوز، ما استغل منها وما لم يستغل بعد -ولا يستطيع أحد أن يغمض عينيه عن قوة عالمنا هذا مرة أخرى، بعد المعركة التي هزت قواعد العالم الآخر، العالم المتفوق الذي كان يستغل غفلتنا منذ أكثر من قرنين، استغلالا لا شرف فيه ولا أمانة ولا رحمة ولا إنسانية. ومع ذلك فواجبنا نحن اليوم أن نعلم علم اليقين أن هذه القوة التي فاجأت العالم وهزته هزا عنيفا، لم يكن مصدرها تفوقنا نحن بحضارتنا الموروثة، على هذا النوع الغريب من الحضارة الممثلة في القوى الحربية والصناعية والعلمية التي يمتلك زمامها العالم الذي نسميه عالم المستعمرين. بل كل الذي حدث هو أننا استطعنا أن نستفيد فائدة جليلة من حركة الصراع بين القوى الكبرى في عالم الاستعمار، فاشترينا بأموالنا السلاح المتفوق من إحدى القوتين العظيمتين في العالم، لنواجه به سلاحا متفوقا أيضا يستمده عدونا من القوة الأخرى، ثم بلغنا درجة كاملة من حسن الاستعداد للمعركة، ومن دقة التوقيت لساعة اللقاء. هذه واحدة. أما الأخرى فهي أننا استطعنا أيضا بالجرأة والاتحاد أن نحبس عن عالم الاستعمار أهم مصدر من مصادر قوته وتفوقه، أو على الأصح، أهم مصدر من المصادر التي يعتمد عليها تفوقه الحربى والصناعى، وهو النفط. ومنذ عهد غير بعيد لم يكن في قدرتنا أن نفعل هذا الذي فعلناه، ولا أغالى إذا قلت أنه كان يعد ضربا من الأحلام التي لا مكان لها في عالم الحقيقة.
ورب قائل يقول، وهو صادق فيما يقول: إننا لم نصل إلى (شراء السلاح المتفوق) ولم نبلغ القدرة على (حبس النفظ) إلا بجهود متواصلة طويلة الأجل، بلغت غايتها من التدبير والحزم ومن الفكر والعزم، وبأسباب كثيرة من وسائل
стр. 1113
المعرفة والعلم. وأقول: نعم، وصدقت ولكن ينبغي أن نكون على بينة من أن هذا القدر من الجهود، لا يستطيع أن يدفع حقائق مخيفة (ظاهرة) كل الظهور. أهمها أن العالم العربي الإسلامي والعالم الإفريقى والآسيوى اللذين يرتبطان به ارتباطا يكاد يكون ارتباطا عضويا، لا يعيش اليوم في حضارة متفوقة ينبع تفوقها من داخله، بل يعيش مستهلكا لإنتاج حضارة عدو متفوق، عدو ماكر يأخذ من هذا العالم بلا حساب، ويعطه بحساب دقيق مقتر لا يرحم، ولا يتعفف عن ارتكاب أخبث الجرائم في حق الإنسان وفي حق الإنسانية.
نحن من أجل ذلك ينبغي أن نكون على حذر دائم اليقظة، حتى لا تغرر بنا هذه الجهود المتواصلة التي بذلناها حتى تطمس الحقيقة الظاهرة الأخرى، وهي أن (شراء السلاح المتفوق) يتوقف على أمرين: على مال متوافر، وعلى رغبة البائع في بيع هذا السلاح المتفوق. فإذا كان مالنا لا يفي بشرائه، أو كان يفي به إلى أجل محدود، ولكنه لا يضمن المدد المستمر الذي يعوض ما يستهلك منه في الحرب أو في الاستعداد لها، فإننا نكون عندئذ على شفا جُرف هار يفضى بنا إلى التمزق والضياع. فهذا خطر لا ينبغي لعاقل أن يسقطه من حسابه، ونحن إن شاء الله قادرون على حسابه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لأن المال مالنا وفي أيدينا القدرة على تدبيره وتصريفه. ولكن يبقى خطر آخر لا نستطيع أن نملكه قادرين عليه، وهو رغبة البائع الذي يبيعنا السلاح المتفوق، فهذه الرغبة متعلقة بمصالحه، ونابعة من إرادته، ونحن لا نستطيع أن نملك مصالحه إذا رأى هو أن بيعه السلاح لنا ضار بهذه المصالح، ولا نملك أيضا أن تستمر إرادته طبقا لما نريده نحن. فإذا علقنا حياتنا على إرادة لا نملكها، فقد وقعنا في براثن خطر لا يرحم، هو أن تكون إرادة بائع السلاح هي التي تملكنا وتملك مصيرنا، وتملك تدميرنا بين القبض والبسط في أي ساعة يشاء هو، ونحن عندئذ في قبضته بلا إرادة ولا مشيئة.
أما (حبس النفط) وهو الذي هز العالم الاستعمارى هزة دكت كثيرا من قواعده، وأذهلته فترة طويلة، وأحدثت في خططه ومقاصده اضطرابا شديدا، فإنه قوة مخوفة، كان عالم الاستعمار يحاول جاهدا منذ سنين طويلة أن يثبط عزائمنا،
стр. 1114
ويضرب على آذاننا وعلى أبصارنا غشاوة حتى لا نسمع دويها أو نبصر مدى ما هي قادرة على بلوغه، والأمر الذي لا شك فيه أننا قادرون على (حبس النفط) ما صحت عزائمنا على حبسه قهو قوة نملكها ولا تملكنا، ولكن ينبغي أن لا يغيب عنا أن حبس النفط وحده قوة سلبية من ناحية، وقوة ذات أثر إِيجابى من ناحية أخرى. قوة سلبية لأنها لا تنتج بمجردها إنتاجا صحيحا في حياتنا، وهي قوة ذات أثر إيجابى في عالم الاستعمار، لأنها توجب عليه أن يخفض من تفوقه الحربى والصناعى لأن عالم الاستعمار استغفلنا دهرا طويلا، يأخذ المقادير الوافرة من نفطنا بأبخس الأثمان، لكي يستخدمها في تصعيد هذا التفوق المذهل في أدوات الحرب وإنتاج الصناعة لبيع ذلك كله بأفحش الأثمان، وليعيش هو في رغد مترف لا نهاية له ولا لآثاره السيئة في الحضارة، وليتركنا نعيش في قيود من المهانة والضنك والاضطراب والتفكك، تحول بيننا وبين ما هو حق لنا في أن نمارس الحياة الصحيحة وأن نعطى العالم حضارة شريفة بريئة من آثام هذه الحضارة الباغية التي تريد أن تنفرد بالبقاء والخلود في عالم لا يضمن البقاء ولا الخلود للحضارات إذا هي ضلت الطريق السوى. وقد ضلت حضارة الاستعمار ضلالا بعيدا عن كل طريق سَويّ، وهي اليوم تبذل كل جهودها في اتقاء المصير المكتوب عليها بضلالها بيد أنها لن تستطيع ذلك، لأن داءها داء عضال، يعميها عن علاجه ودوائه ما هي فيه من التفوق ومن الغنى ومن السطوة ومن الترف الذي أصبح هدفا لجماهيرها لا تستطيع أن تتخلى عن طلبه طلبا ملحا لا ينقطع ولا يفتر.
وعالم الاستعمار يعرف هذه الحقيقة معرفة واضحة، وهو يعيش أيامه الباقيات في خوف وفزع من هذا المصير المرهوب، المفضى إلى تقوضه ودماره. وهو يعرف أيضا أن الحضارة دول، يتداولها الجنس الإنساني مرة بعد مرة، وأقواما بعد أقوام، فما من حضارة بادت إلا قامت على أنقاضها حضارة أخرى جديدة الشباب، تملك أسباب التفوق والاستمرار. وهو يعلم أيضا علم اليقين، أن عالمنا العربي والإسلامي يرتبط به العالم الإفريقى والأسيوى ارتباطا عضويا، هو المؤهل
стр. 1115
للقيام بأعباء تجديد عمارة الأرض، بحضارة متميزة بنقائها وبراءتها من الأدواء الكامنة التي أدت إلى تقوضه ودماره.
وعالم الاستعمار عالم غير غافل، وهو متمكن كل التمكن من وضوح الرؤية، ومن تملك أسباب العمل ووسائله، فهو لا يتردد في سعيه سعيا حثيثا باستخدام أخبث الوسائل، إلى استبعاد شبح التقوض والدمار. فمن أفحش وسائله حرصه المتتابع البين حينا، والغامض حينا آخر على أن يخرب حياتنا وذلك بإدخال عناصر الفساد إلى عالمنا: بإفساد إرادتنا وإفساد عقولنا، وإفساد ثقافتنا، وإفساد ضمائرنا، وإفساد أذواقنا، وإفساد صورة ماضينا، وإفساد حاضرنا، أي بإفساد حياتنا كلها ليفسد مستقبلنا، ويحرص أيضًا على أن يوهمنا إيهاما مستمرا بأن مصيرنا مرتبط بمصيره، لكي يبلغ بنا حدا من العجز والتردد وتشتت القوى، يضمن له إطالة مدى بقائه غالبا متسلطا مسيطرا على هذا العالم كله بتفوقه الحربى والصناعى والعلمي.
وإذا كنا قد استطعنا، في هذه الفترة الأخيرة، أن نحدث في فكر عالم الاستعمار رجة شديدة الدوى باقتدارنا على (شراء سلاح متفوق) وعلى (حبس النفط) فإن هذا غير مُغن على طول المدى، وهو غير مضمون ضمانا مستمرا، لأنه غير متعلق بإرادتنا تعلقا صحيحا من جميع الوجوه وأثره في حياتنا أثر موقوت بميقات. ونحن مكلفون تكليفا محتوما أن نصحح وضع السلاح والنفط تصحيحا يقوم على أساس لا يختل، نملكه ولا يملكنا. وذلك بأن نصبح قادرين، في عالمنا نحن، على صنع السلاح المتفوق، حتى لا يكون مصيرنا معلقا على إرادة بائع السلاح الذي يملك القبض والبسط في ساعة العسرة = وأيضا أن يتخطى نفطا كل السدود التي ضربت عليه لكي يظل في حياتنا سلعة فحسب، سلعة تدر المال الوفير علينا، دون أن تكون لنا قدرة على استخدامه في الوجوه التي يستخدمها فيه عالم الاستعمار، ومعنى ذلك أن نحاول بالعزم والحزم والقوة أن نحرج نفطنا من حيزه المضروب عليه، لكي يصبح عاملا إيجابيا منتجا، يتيح لنا التسلط على أسباب التفوق الصناعى والحربي معا. وهذا بلا ريب
стр. 1116
هدف لا غنى لنا عنه، وينبغي أن يكون واضحا كل الوضوح في أفهامنا وفي نظرنا، وفي تخطيطنا، وأن تتعلق به إرادتنا تعلقا لا يتخلله عجز أو تردد.
عالم الاستعمار يعلم علم اليقين أن عالمنا نحن، سوف ينتهي عاجلا أو آجلا إلى الإصرار على محاولة تحقيق هذا الهدف، فمن الغفلة أن نظن أنه سوف يتركنا اليوم نعمل بإرادة طليقة تكفل لنا بلوغ ما نريد. وهذه قضية واضحة، وإن كان بعض الصخب واللجاجة قد أخفى عنا كثيرا من معالمها البينة، وسوف تزيدها الأيام جلاء وبيانا.
وإذن، فنحن نعيش اليوم في حومة الصراع، صراع لن يفتر ولن ينقطع. صراع إرادة كانت مغلولة اليدين زمنا طويلا، وقد آن لها أن تفض أغلالها بالحزم والعزم حتى تتحرر، وإرادة ظلت طليقة دهرا طويلا، ولكن دُولَة تاريخ الحضارات قاضية عليها أن تلحق بأخواتها من الحضارات التي بغت في الأرض وضلت الطريق المستقيم.
وقد أَلِف كثير من الكتاب أن يعدوا هذا الصراع المستمر، صراعا بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية، أي بين الحضارة التي يتصور عالمنا أنه يمثلها، وبين الحضارة التي يمثلها اليوم عالم الاستعمار. ولكني لا أرتاب في أن وضع القضية في هذه الصورة خطأ بيَّن، ساقنا إليه قلة احتفالنا بتحديد معاني الألفاظ، وغفلتنا عن دلالاتها الصحيحة، وكل تهاون في تحديد معاني الألفاظ وفي تحديد دلالاتها، مؤد إلى تيه لا ينتهي الضلال في فيافيه. وليس من الحكمة ولا من العقل أن نعود أنفسنا وأبناءنا عادة مميتة قاتلة، وهي عادة التهاون في العمل أو في الفكر. وإذن فلا مناص لنا من أن نعرف على وجه التحديد معنى هذا اللفظ المألوف الذي نستعمله في غير مكانه. وكل ما نسميه (حضارة) مما تداولته أمم الأرض منذ أقدم الأزمان دال على أن (الحضارة) بناء متكامل، لا تستحقه أمة إلا بعد أن تجتاز مراحل كثيرة معقدة التركيب، حتى تنتهي إلى أن يكون لأهلها سلطان (كامل) على الفكر، وعلى العلم، وعلى عمارة الأرض، وعلى أسباب هذه العمارة من صناعة وتجارة، وعلى أسباب
стр. 1117
كثيرة من القوة، ترغم سائر الأمم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة، وإذا صح هذا، وهو صحيح إن شاء الله، فالذي لا شك فيه أن عالمنا نحن اليوم ليس له سلطان (كامل) على هذه الأصول والشروط التي يستحق حائزها أن يسمى ما هو فيه (حضارة)، والذي لا شك فيه أيضا أن عالم الاستعمار الذي نصارعه، هو المستحق اليوم، والى أجل محدود، أن يسمى ما هو فيه (حضارة) لأنه يملك هذا السلطان على الفكر والعلم وعمارة الأرض وعلى الصناعة والتجارة وعلى أسباب قوة باغية ترغم العالم على أن يعترف له بالغلبة والسيادة. وإذن فمن المغالطة المعيبة أن نلهج نحن بوصف هذا الصراع الذي لا شك في أنه كائن ومستمر بأنه صراع بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية. ومن الضرر البالغ أن نظل في غيبوبه تحول بيننا وبين الفهم الصحيح لطبيعة هذا الصراع الذي لا خفاء فيه ولا لبس في أنه واقع ومستمر.
وإذا كنت قد استطعت في هذه الألفاظ القليلة أن أوضح ما يكتنف قضية الصراع من الغموض الذي نتورط نحن فيه بسلامة نيتنا، والذي سعى عالم الاستعمار بأساليب مختلفة أن يجعلنا ننغمس في أمواجه المضطربة بمكره وبسوء نيته، فإني أعلم أنى قد أثرت بهذا الوضوح سؤالا ينبغي أن يردده كل من يسمع كلامي أو يقرؤه .. وهو سؤال لا مفر منه، ولا غنى عنه أيضا. يقول السائل: فخبرنا إذن، ما هي حقيقة هذا الصراع الذي يدور في عالمنا بيننا وبين عالم الاستعمار؟
وجواب هذا السؤال أمر "عسير" كل العسر. لأنه في زماننا هذا أصبح محتاجا إلى حيطة مضنية في إزالة كل لبس يخالط معنى (الحضارة) وفي تحديد حقيقتها تحديدا صارما في أذهان عالمنا هذا -وأصبح محتاجا أيضا إلى دقة بالغة في تفسير ما عنيته بقولي آنفا: (إن الحضارة بناء متكامل، لا تستحقه أمة إلا بعد أن تجتاز مراحل كثيرة معقدة التركيب) وسأحاول في جمل قليلة مفيدة، إن شاء الله أن أبلغ بالوضوح إلى مطلع ينير لنا الطريق. أما لفظ (الحضارة) فعسى أن أكون قد حددته تحديدا واضحا مجزئا حيث قلت: (إن الحضارة بناء متكامل،
стр. 1118
يمكن أصحابه من أن يكون لهم سلطان (كامل) على الفكر والعلم وعمارة الأرض، وعلى الصناعة والتجارة وأسباب القوة التي ترغم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة. وهو على إيجازه واختصاره لا يحتاج إلا إلى استدراك ضرورى، وهو أن حضارة الأمة مرتبة لاحقة، لابد أن يسبقها أساس ترتبط به ارتباطا لا فكاك منه البتة. وبهذا الأساس تتميز حضارة من حضارة تميزا جوهريا وتتميز به غلبتها وسيادتها حتى يصح أن توصف بأنها حضارة شريفة كريمة، أو حضارة لئيمة المنبت خسيسة الأصل.
وهذا الأساس هو الذي عنيته بقولي آنفا "إن الحضارة بناء متكامل لا تستحقه أمة إلا بعد أن تجتاز مراحل كثيرة معقدة التركيب". فأساس الحضارة هو هذه (المراحل الكثيرة المعقدة التركيب) وهذه المراحل هي الشيء الذي يحتاج إلى تفسير دقيق صحيح. وقد وقع أهل زماننا على اصطلاح سموا به هذه المراحل المعقدة وهو لفظ (الثقافة) وينبغي أن أكون واضح العبارة عند هذا الموضع لأنه هو منبع الخطر الذي لم نزل نعانيه في هذا القرن الأخير، وهو المدخل الخبيث إلى كل وسائل التدمير التي يُكاد بها لعالمنا هذا. فأول كل شيء، أجده لزما على أن أعيد ما قلته مرارا منذ حملت هذا القلم الذي طال صدأه بانقطاعى عن الكتابة، وهو وجوب الفصل فصلًا تاما بين (العلم) بمعناه الحديث وبين (الثقافة)، لأن العلم تراث إنساني ممتد من أقصى الجهود التي نعرف تاريخها إلى يوم الناس هذا، وإلى غدهم فيما يستقبل، ولكن الذي ينبغي أن نحذره فهو أن ندخل نحن أو أن نقبل من عدونا أن يدخل، على مفهوم "العلم" شيئا وهو عنه بمعزل، ومع ذلك فأنا لا يمكن أن أدعى أن هذا الفصل سهل يسير لأن التداخل بين (الثقافة) وبين (العلم) واقع لا شك فيه، ولكن أكثر فروع (العلم) يسهل فيها تميز هذا التداخل، وبعضها يحتاج إلى جهد -وصبر وتبصر، حتى يخلصها الدارس البصير شيئا فشيئا، لتصير علما خالصا يستحق أن يقال فيه أنه تراث إنساني مشترك دائم النمو، ودائم التغير أيضا، طبقا للمناهج التي يهتدى إليها العقل الإنساني وما يتبع ذلك من مناهج التطبيق التي تجعل العلم قادرا على المشاركة
стр. 1119
في صياغة الحضارة في صورة أو في صور متحركة دائبة السعي إلى أهداف الإنسان في هذه الحياة.
فإذا صار بينا هذا الفصل بين "العلم" الذي تسيطر عليه قوى (الحضارة) وبين المراحل المعقدة التركيب، والتي لا تقوم الحضارة إلا على أساس منها، وهي "الثقافة" فالذي لا شك فيه أن عالم الاستعمار إنما يدير الصراع كله بيننا وبينه على هذا الأساس الذي هو شرط ضرورى لقيام أية حضارة وهو الثقافة، وإذن فالصراع بيننا وبين عالم الاستعمار صراع بين "الثقافة العربية الإسلامية" وبين "الثقافة الأوربية المسيحية الوثنية"، هذه هي القضية على وجهها الصحيح. وسبب هذا الصراع وهدفه: هو الحيلولة بيننا ويين أن تتجدد "الثقافة العربية الإسلامية" حتى تصبح قادرة أو حتى نصبح نحن قادرين بها على أن نسير في الطريق الصحيح الذي يصل بنا إلى أن تكون ثقافتنا حاملة للقوة المتحركة التي تدفعنا إلى أول الطريق الذي تلتقى عنده "الثقافة" وحركتها الدافعة الدافقة، بالأسباب التي تجعلها قادرة على تملك السلطان الكامل على الفكر والعلم وعمارة الأرض، وعلى الصناعة والتجارة، وعلى القوة التي سيتاح لنا نحن أن نصنعها بأيدينا، فنرغم العالم على الاعتراف لنا بالغلبة والسيادة، أي بالأسباب التي تجعل (الحضارة) شيئا واقعا في حياتنا، أنشأناه نحن، وفي أيدينا الحق الكامل في إنمائها حتى تتفوق، ونحن وإن كنا لا نعيش اليوم في "حضارة عربية إسلامية" نمثلها تمثيلا صحيحا يكفل لنا أو يؤدى بنا إلى هذا السلطان، إلا أننا بلا شك ورثة لحضارة عربية إسلامية كانت فيما مضى تملك هذا السلطان، ونحن بلا شك أيضا ورثة لثقافة عربية إسلامية أصولها قائمة بصورة ما في عالمنا هذا، وفي قدرتنا أن نجلوها ونحييها ثم نحيى بها مرة أخرى ونضع بعد ذلك أقدامنا على الطريق إلى "حضارة عربية إسلامية" جديدة نستطيع أن نحققها للعالم، كما حققناها من قبل على هذه الأرض بلا ريب في ذلك. وشرط ذلك أن لا ندع لحظة أو خطرة تمر، إلا ونحن عاملون دائبون على تأسيس حياتنا على أصل محكم من فهم المراحل المعقدة التركيب، التي ينبغي أن نمر بها ونزيل الركام
стр. 1120
والأنقاض والتراب الذي غطى على (ثقافتنا) حتى نملك ثقافتنا ونأخذها بقوة واقتدار، في هذه الفترة الحرجة التي تعانيها حضارة عالم الاستعمار في ساعة تقوضها ودمارها. وقبل كل شيء ينبغي علينا، ولاسيما ناشئتنا، أن نعرف تمام المعرفة أن الشعار الذي ترفعه الحضارة الغربية، وتلح على إذاعته وبثه في العالم كله، بادعائها أنها "حضارة عالمية" إنما هو شعار مزيف وغش فاضح، تريد أن تفرضه فرضا على العقول حتى تستسلم، وتنفذه إلى غيب الضمائر حتى تتخدر. وحقيقة الشعار، كما هو واضح في دنيانا، أنها حضارة خاصة بأقوام بأعيانهم، يرون أن لها الحق كل الحق في السيطرة على العالم، وإذلاله وترويضه واستغلاله لتطيل بناءها على الأرض.
هذه هي الحقيقة المجردة من الزيف والغش. والحقيقة الأخرى أنها تريد أن تبيد (ثقافة) كل شعب من شعوب عالمنا هذا، لتحل محله قشورا مزيفة من ثقافتها هي، بشعار آخر يتولى إذاعته وبثه أصحاب دعوات خبيثة، بكثرة إلحاحهم على إقناع جماهير قرائنا وناشئتنا في عالمنا العربي الإسلامي وهو شعار (وحدة الثقافة الإنسانية).
وتعريف (الثقافة) ليس سهلا ميسورا كما نتوهم عند أول النظر. لأن مفهوم الثقافة لا يتم إلا بعد مراحل متداخلة متطاولة الأزمان، يقطعها الشعب بين مئات من فترات الارتفاع والانخفاض والتقدم والتأخر والحركة والسكون، والوضوح والغموض وهو في خلال ذلك يجيش ويتجمع حتى يتحقق له أسلوب حياة مركب شديد التعقيد يكاد يستعصى على التحليل الصحيح الواضح لمقوماته المميزة، التي ترى، ولكن لا يحيط بها الوصف إحاطة كاملة. وأضرب مثلا قريبا. فأنت ترى رجلا بعينه، فتعرفه وتميزه، ولكنك إذا أردت أن تصفه لصديق لك لم يره قط من قبل، فإنك لا تستطيع أن تبلغ بالألفاظ التي تصف بها ملامح وجهه وحدها إلى درجة تجعل هذا الصديق قادرا على معرفة هذا الرجل إذا رآه في مكان ما، فيقول: هذا هو الرجل بعينه، الذي وصف لي. ولكنك إذا زدت مع وصف ملامح الوجه صفة بعض الأشياء المميزة لحركته في مشيته مثلا، ولون
стр. 1121
ثيابه، وما يحمله في يده، وما شئت من أمثال هذه المميزات، كان خليقا أن يعرفه لأول وهلة يراه فيها: هذا مثل أردت به تقريب تصوير هذه الصعوبة في الحديث عن (الثقافة).
ولفظ الثقافة مستحدث في لغتنا، بل في لغات العالم أجمع، وقد وقع الاختلاف في تحديدها وتعريفها حتى صار اختلافا يخرج من النقيض إلى النقيض، وكأنها ليست لفظا قابلا للتحديد والتعريف. بل رمزا غامضا لحركة دائمة في حياة كل شعب، في أحواله المختلفة، في حالة تفجره وغليانه حتى يصبح مؤسسا لحضارة في طريقها إلى العمل والتميز والتفوق، أو في حالة سكونه حين يصبح وارثا لحضارة قد فقدت قدرتها على العمل والتميز والتفوق. وهذه الحالة الأخيرة، هي الحالة التي تكون فيها ثقافة الشعب قد تفككت بتفكك أفراد الشعب في أنفسهم وما يتبع ذلك من تفكك المجتمع المكون من هؤلاء الأفراد. ومع كثرة الاختلاف في تحديد لفظ (الثقافة) في زماننا فنحن نجد أنهم يحاولون أن يضعوا مميزات تميز ثقافة شعب من ثقافة شعب آخر، وتكاد تنحصر هذه المميزات في (العقائد) و (الأخلاق) و (العادات) و (التقاليد) و (الأفكار) و (اللغة) ولا شك في صحة هذه المميزات من ناحية النظر المجرد، ولكنها مميزات مبعثرة. وقد أراد بعض الغربيين أن يجمعها في سياق واحد فقال: إن ثقافة الشعب ودين الشعب، مظهران مختلفان لشيء واحد لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب. وقال أيضا: (إن السير إلى الإيمان الديني عن طريق الاجتذاب الثقافي ظاهرة طبيعية مقبولة)، وهو تعبير صحيح في جوهره يجمع هذه المميزات المبعثرة في إطار واحد، ويجعل تمييز ثقافة من ثقافة واضحا من خلال النظر في أصول التدين الذي هو فطرة في طبيعة الإنسان حامل الثقافة ومؤديها إلى من بعده.
ومع ذلك فإني أحب أن أوضح هذا بعبارة أخرى فأقول إن ثقافة كل شعب هي تراثه البعيد الجذور في تاريخه المنحدر مع أجياله ينقله خلف عن سلف. وهذا التراث مكون من أفكار ومبادئ يحملها أفراد الشعب على اختلاف طبقاتهم
стр. 1122
وطبائعهم، في زمن ما من حياتهم، ومن تطبيق هذه الأفكار والمبادئ حتى تصبح أسلوبا لحياة المجتمع المكون من هؤلاء الأفراد. ولم أرد بهذا تعريف الثقافة ولكني أردت تحديد حركتها في جيل بعينه يعيش زمنا محدودا وفي خلال هذا الزمن نفسه تكون حركة الثقافة دائمة التغير في تطبيق الأفكار والمبادئ، وينشأ في أحضان هذا الجيل جيل آخر من أبنائه يتلقى عن الأفراد وعن المجتمع، فيتأثر بما تلقى، ولكنه لا يزال ينمو وتنمو معه أفكار أخرى تزيد أفكار الجيل السابق غنى أو تعدلها، أو تنقص منها، أي أنه يجدد أسلوب حياة مجتمعه فيصير مجتمعا ثانيا يمثل مجتمع الآباء من وجوه، ويعطى مجتمعه هو لمحة جديدة تميزه بعض التمييز عن مجتمع الآباء. وهكذا دواليك على طول امتداد حياة هذا الشعب.
ورحم الله عمر بن الخطاب ورضى عنه. فإن هذا العبقري الدقيق النظر قال فيما قال: (الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم) -وهذه من جوامع الكلم التي جرت على لسان هذا العبقري ﵁ وضمنها تجربته هو التي مر بها: فإنه حين انتقل من الجاهلية إلى الإسلام في صدر شبابه، مارس هذا التحول الثقافي في نفسه ثم مد الله عمره حتى ولى الخلافة، ورأى ناشئة جديدة من أبناء الصحابة لم تشهد الجاهلية (أي لم تشهد ثقافة المجتمع الجاهلي الصرف) ولكنها نشأت في مجتمع مسلم جل أفراده قد انتقلوا من ثقافة الجاهلية إلى ثقافة الإسلام، ثم رأى هذه الناشئة التي تلقت عنهم وتأثرت بهم، وهي تتحرك وتنمو وتطبق أفكار الإسلام الحي، لتنشيء مجتمعا جديدا وارثًا لمجتمع الصحابة ورآه وهو يتميز من مجتمع الصحابة بعض التميز، لكي يتهيأ بحركته وفورانه واندفاعه إلى إنشاء حضارة جديدة في أرض العرب وسائر الشعوب التي دانت يومئذ بالإسلام ودخلت دخولا تاما في ثقافته، حضارة جديدة سوف تسود بعد قليل وتملك السلطان المطلق على الفكر وعلى العلم وعلى عمارة الأرض، وعلى الصناعة والتجارة وعلى أسباب القوة التي سوف ترغم العالم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة. وهكذا كان. فهذه الكلمة التي قالها عمر، من أروع الكلمات
стр. 1123
الدالة على عمق النظر وبعده في حركة دين الإسلام في نشأته، ثم في انتشاره، ثم في تحقيقه عن طريق ثقافته، حضارة نسميها اليوم (الحضارة الإسلامية): بمفهومها التاريخي الواسع المتراحب.
ولعل هذا الاستطراد البسيط قد كشف شيئا من فكرة المفكر الغربي الذي قال: (إن ثقافة الشعب ودين الشعب مظهران لشيء واحد، وإن الثفاقة في جوهرها تجسيد لدين الشعب). ودين الإسلام يزيد هذه الفكرة وضوحا وجلاء لأنه هو الدين الوحيد في هذه الدنيا الذي يشتمل على جميع الأصول التي تقوم الثقافات الإنسانية على بعضها دون جميعها، فإن الله تعالى جده أرسل رسوله ﷺ إلى الناس كافة، على اختلاف قبائلهم وشعوبهم، وعلى اختلاف ألسنتهم وألوانهم وهيأ للجنس البشري كله أن ينتقل به من فوضى الملل والعقائد والعادات والتقاليد، أي من فوضى الثقافات، إلى ثقافة هي في جوهرها قابلة لتصفية سائر الثقافات القديمة، ثم احتوائها لتكون ثقافة متعددة الوجوه على غير اختلاف في الأصول. ومعنى ذلك أن الله تعالى قد ضمن كتابه الذي جاء للناس كافة، أصولا جامعة للعناصر الحية التي تقوم عليها ثقافات البشر المختلفة، من عهد أبينا آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وضمن هذا الكتاب، وضمن الحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ جميع الأسباب التي تحرك "الثقافة" وتعدها للنمو المتجدد الذي يتيح لها إنشاء الحضارة المتميزة الشاملة.
وذلك أن أن الله جلا جلاله قد اصطفي لكلامه سبحانه اللسان العربي المبين، فأنزل به كتابا عربيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله، وهو القرآن، واصطفي من البشر نبيا عربي اللسان فأنزل على قلبه هذا الكتاب وآتى هذا النبي العربي الحكمة المبينة عما أجمله القرآن، وآتاه جوامع الكلم التي هي حديثه وسنته ﷺ . واختار لتحقيق هذه الأصول التي اشتمل عليها كتابه واشتملت عليها سنة رسوله، مجتمعًا عربيًا مستخلصا مستصفى من المجتمع العربي الجاهلي وهم -أصحابه ﷺ ، ثم وصفهم سبحانه في محكم كتابه
стр. 1124
فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فحدد بذلك مكانهم في معترك ثقافات العالم التي عاصرته أو سبقته، ثم وصف عملهم في تصفية الثقافات كلها بقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وكانت هذه الأمة العربية الجاهلية أمة ذات ثقافة منحدرة من عهد أبيهم إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وما كان إبراهيم ولا ولده إسماعيل يهوديًا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، أي أن الحنيفية التي طبقها أبناء إبراهيم وإسماعيل قرونا طوالا وتداولها التغيير والتبدل حتى انتهت الى العصر الجاهلي الذي أظله الإسلام، كانت قد صارت تراثا ثقافيا لهذا المجتمع الجاهلي يعبر عنه أسلوب حياته عند نزول القرآن. فجاء الله بالإسلام لينفي من هذا التراث الحنيفي كل ما دخله من الفساد والتغير على تطاول القرون، وليتم مكارم أخلاق هذا المجتمع الجاهلي الوارث للثقافة الحنيفية، وليحمل هذا الجيل الذي اصطفاه من جيل الجاهلية أمانة حمل هذا الكتاب بقوة، وأمانة حمل السنة باقتدار وفهم، وأمانة تطبيقه في مجتمع جديد، وأمانة تبليغه ذلك كله لأبنائهم ولسائر من يدين به من البشر من غيرهم، ليحملوه أيضا ويبلغوه ويطبقوه في مجتمع متجدد تتسع رقعته، وتتجدد حاجاته زمانا بعد زمان.
وهذا الدين قد انفرد بخصائص لم تكن قط في ملة سبقته، باشتماله على تفاصيل كل ما يحتاج إليه الجنس البشري في كل عصر وزمان، لم يقتصر على العقائد والعبادات وحدها، بل اشتمل على كل صغيرة وكبيرة في حياة الفرد الخاصة، وعلى آدابه في معاشرة الأهل والولد والعشرة والزوج والصديق والقريب والبعيد، وفي جميع معاملاته الخاصة والعامة واشتملت على أصول ما يحتاج إليه في تشريعه واقتصاده وسياسته وعلمه وفلسفته، وحروبه وجهاده، وعلى أصول حياة الجماعة وعلى روابط هذه الجماعة بسائر الجماعات التي تجاورها أو تهادنها أو تحاربها، لكل شيء من ذلك هدى هو نص في الكتاب والسنة، وهدى هو
стр. 1125
دليل عقلي للاستنباط من الكتاب والسنة، مع تجدد حاجة كل مجتمع إلى هدى يهتدى به، حتى لا يخرج عن الطريق السوى الذي اختاره الله لعباده الذين أسلموا له وآمنوا به وبرسوله ثم لم يرتابوا.
إن الله سبحانه قد جاءهم بالدين الجامع الذي فيه صلاح أمر الدنيا وصلاح أمر الآخرة. ومعنى هذا أن دين الإسلام قد ضمن لكل شعب يدين به عناصر جامعة شاملة للحياة الإنسانية، تتضمن أصولا جامعة في الكتاب والسنة يجب عليه أن يتحرى أفراده العمل بها في ذوات أنفسهم، ويجب عليه أيضا أن يطبقها في مجتمعه، ويجب عليه أيضا أن يلتمس لكل ما يجد في حياته ومعاملاته هديا مستنبطا من الكتاب والسنة، ويجب عليه أيضا أن يلتمس فيها ضوابط تصحح طريق آدابه وعلومه وفنونه وأفكاره ومعارفه. وكذلك ترى أن ثقافة كل أمة مسلمة هي دينها بهذا المعني الجامع لحقيقة هذا الدين الذي انفرد عن سائر الملل بخصائص لم تشاركه فيها ملة من قبل.
ولكن هذا الأمر كله لم يترك سدى، يتناوله كل من دان بهذا الدين على اختلاف شعوبهم وألسنتهم، بلا ضابط يضبطه، كلا فإن كتاب هذا الدين هو كلام الله الذي لا يتبدل في نصه حرف واحد، والسنة المبينة لجمله بجوامع الكلم، هي كلام رسوله الذي لا ينطق عن الهوى. بل هو وحي يوحى وقد قال ﷺ : (أوتيت الكتاب ومثله معه)، فهما بمنزلة واحدة في وجوب الطاعة لهما، والعمل بهما والاحتكام إليهما عند اختلاف المختلفين. وكلاهما جاء بلسان عربي مبين، فمن آمن بهما وبما جاء به، فهو يعلم علم ضرورة أنه لا مفر له من أن يكون متقيدًا بلفظ كلام الله سبحانه ومتقيدا بلفظ حديث رسوله ﷺ ، في طلب الهدى منهما، وفي استنباط المعاني والأفكار والمبادئ والأحكام من كليهما، وفي الاحتكام إلى نفس ألفاظهما عند الاختلاف، كل ذلك واجب في كل زمان ومكان.
وإذن فاللغة التي نزل بها كلام الله وجاء بها حديث رسول الله ﷺ هي الأصل الأول الذي لا يمكن أن ينفصل عن ديننا ولا عن ثقافتنا، وعن طريقها