← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ثيابه، وما يحمله في يده، وما شئت من أمثال هذه المميزات، كان خليقا أن يعرفه لأول وهلة يراه فيها: هذا مثل أردت به تقريب تصوير هذه الصعوبة في الحديث عن (الثقافة). ولفظ الثقافة مستحدث في لغتنا، بل في لغات العالم أجمع، وقد وقع الاختلاف في تحديدها وتعريفها حتى صار اختلافا يخرج من النقيض إلى النقيض، وكأنها ليست لفظا قابلا للتحديد والتعريف. بل رمزا غامضا لحركة دائمة في حياة كل شعب، في أحواله المختلفة، في حالة تفجره وغليانه حتى يصبح مؤسسا لحضارة في طريقها إلى العمل والتميز والتفوق، أو في حالة سكونه حين يصبح وارثا لحضارة قد فقدت قدرتها على العمل والتميز والتفوق. وهذه الحالة الأخيرة، هي الحالة التي تكون فيها ثقافة الشعب قد تفككت بتفكك أفراد الشعب في أنفسهم وما يتبع ذلك من تفكك المجتمع المكون من هؤلاء الأفراد. ومع كثرة الاختلاف في تحديد لفظ (الثقافة) في زماننا فنحن نجد أنهم يحاولون أن يضعوا مميزات تميز ثقافة شعب من ثقافة شعب آخر، وتكاد تنحصر هذه المميزات في (العقائد) و (الأخلاق) و (العادات) و (التقاليد) و (الأفكار) و (اللغة) ولا شك في صحة هذه المميزات من ناحية النظر المجرد، ولكنها مميزات مبعثرة. وقد أراد بعض الغربيين أن يجمعها في سياق واحد فقال: إن ثقافة الشعب ودين الشعب، مظهران مختلفان لشيء واحد لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب. وقال أيضا: (إن السير إلى الإيمان الديني عن طريق الاجتذاب الثقافي ظاهرة طبيعية مقبولة)، وهو تعبير صحيح في جوهره يجمع هذه المميزات المبعثرة في إطار واحد، ويجعل تمييز ثقافة من ثقافة واضحا من خلال النظر في أصول التدين الذي هو فطرة في طبيعة الإنسان حامل الثقافة ومؤديها إلى من بعده. ومع ذلك فإني أحب أن أوضح هذا بعبارة أخرى فأقول إن ثقافة كل شعب هي تراثه البعيد الجذور في تاريخه المنحدر مع أجياله ينقله خلف عن سلف. وهذا التراث مكون من أفكار ومبادئ يحملها أفراد الشعب على اختلاف طبقاتهم

стр. 1122

وطبائعهم، في زمن ما من حياتهم، ومن تطبيق هذه الأفكار والمبادئ حتى تصبح أسلوبا لحياة المجتمع المكون من هؤلاء الأفراد. ولم أرد بهذا تعريف الثقافة ولكني أردت تحديد حركتها في جيل بعينه يعيش زمنا محدودا وفي خلال هذا الزمن نفسه تكون حركة الثقافة دائمة التغير في تطبيق الأفكار والمبادئ، وينشأ في أحضان هذا الجيل جيل آخر من أبنائه يتلقى عن الأفراد وعن المجتمع، فيتأثر بما تلقى، ولكنه لا يزال ينمو وتنمو معه أفكار أخرى تزيد أفكار الجيل السابق غنى أو تعدلها، أو تنقص منها، أي أنه يجدد أسلوب حياة مجتمعه فيصير مجتمعا ثانيا يمثل مجتمع الآباء من وجوه، ويعطى مجتمعه هو لمحة جديدة تميزه بعض التمييز عن مجتمع الآباء. وهكذا دواليك على طول امتداد حياة هذا الشعب. ورحم الله عمر بن الخطاب ورضى عنه. فإن هذا العبقري الدقيق النظر قال فيما قال: (الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم) -وهذه من جوامع الكلم التي جرت على لسان هذا العبقري ﵁ وضمنها تجربته هو التي مر بها: فإنه حين انتقل من الجاهلية إلى الإسلام في صدر شبابه، مارس هذا التحول الثقافي في نفسه ثم مد الله عمره حتى ولى الخلافة، ورأى ناشئة جديدة من أبناء الصحابة لم تشهد الجاهلية (أي لم تشهد ثقافة المجتمع الجاهلي الصرف) ولكنها نشأت في مجتمع مسلم جل أفراده قد انتقلوا من ثقافة الجاهلية إلى ثقافة الإسلام، ثم رأى هذه الناشئة التي تلقت عنهم وتأثرت بهم، وهي تتحرك وتنمو وتطبق أفكار الإسلام الحي، لتنشيء مجتمعا جديدا وارثًا لمجتمع الصحابة ورآه وهو يتميز من مجتمع الصحابة بعض التميز، لكي يتهيأ بحركته وفورانه واندفاعه إلى إنشاء حضارة جديدة في أرض العرب وسائر الشعوب التي دانت يومئذ بالإسلام ودخلت دخولا تاما في ثقافته، حضارة جديدة سوف تسود بعد قليل وتملك السلطان المطلق على الفكر وعلى العلم وعلى عمارة الأرض، وعلى الصناعة والتجارة وعلى أسباب القوة التي سوف ترغم العالم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة. وهكذا كان. فهذه الكلمة التي قالها عمر، من أروع الكلمات

стр. 1123

الدالة على عمق النظر وبعده في حركة دين الإسلام في نشأته، ثم في انتشاره، ثم في تحقيقه عن طريق ثقافته، حضارة نسميها اليوم (الحضارة الإسلامية): بمفهومها التاريخي الواسع المتراحب. ولعل هذا الاستطراد البسيط قد كشف شيئا من فكرة المفكر الغربي الذي قال: (إن ثقافة الشعب ودين الشعب مظهران لشيء واحد، وإن الثفاقة في جوهرها تجسيد لدين الشعب). ودين الإسلام يزيد هذه الفكرة وضوحا وجلاء لأنه هو الدين الوحيد في هذه الدنيا الذي يشتمل على جميع الأصول التي تقوم الثقافات الإنسانية على بعضها دون جميعها، فإن الله تعالى جده أرسل رسوله ﷺ إلى الناس كافة، على اختلاف قبائلهم وشعوبهم، وعلى اختلاف ألسنتهم وألوانهم وهيأ للجنس البشري كله أن ينتقل به من فوضى الملل والعقائد والعادات والتقاليد، أي من فوضى الثقافات، إلى ثقافة هي في جوهرها قابلة لتصفية سائر الثقافات القديمة، ثم احتوائها لتكون ثقافة متعددة الوجوه على غير اختلاف في الأصول. ومعنى ذلك أن الله تعالى قد ضمن كتابه الذي جاء للناس كافة، أصولا جامعة للعناصر الحية التي تقوم عليها ثقافات البشر المختلفة، من عهد أبينا آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وضمن هذا الكتاب، وضمن الحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ جميع الأسباب التي تحرك "الثقافة" وتعدها للنمو المتجدد الذي يتيح لها إنشاء الحضارة المتميزة الشاملة. وذلك أن أن الله جلا جلاله قد اصطفي لكلامه سبحانه اللسان العربي المبين، فأنزل به كتابا عربيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله، وهو القرآن، واصطفي من البشر نبيا عربي اللسان فأنزل على قلبه هذا الكتاب وآتى هذا النبي العربي الحكمة المبينة عما أجمله القرآن، وآتاه جوامع الكلم التي هي حديثه وسنته ﷺ . واختار لتحقيق هذه الأصول التي اشتمل عليها كتابه واشتملت عليها سنة رسوله، مجتمعًا عربيًا مستخلصا مستصفى من المجتمع العربي الجاهلي وهم -أصحابه ﷺ ، ثم وصفهم سبحانه في محكم كتابه

стр. 1124

فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فحدد بذلك مكانهم في معترك ثقافات العالم التي عاصرته أو سبقته، ثم وصف عملهم في تصفية الثقافات كلها بقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وكانت هذه الأمة العربية الجاهلية أمة ذات ثقافة منحدرة من عهد أبيهم إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وما كان إبراهيم ولا ولده إسماعيل يهوديًا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، أي أن الحنيفية التي طبقها أبناء إبراهيم وإسماعيل قرونا طوالا وتداولها التغيير والتبدل حتى انتهت الى العصر الجاهلي الذي أظله الإسلام، كانت قد صارت تراثا ثقافيا لهذا المجتمع الجاهلي يعبر عنه أسلوب حياته عند نزول القرآن. فجاء الله بالإسلام لينفي من هذا التراث الحنيفي كل ما دخله من الفساد والتغير على تطاول القرون، وليتم مكارم أخلاق هذا المجتمع الجاهلي الوارث للثقافة الحنيفية، وليحمل هذا الجيل الذي اصطفاه من جيل الجاهلية أمانة حمل هذا الكتاب بقوة، وأمانة حمل السنة باقتدار وفهم، وأمانة تطبيقه في مجتمع جديد، وأمانة تبليغه ذلك كله لأبنائهم ولسائر من يدين به من البشر من غيرهم، ليحملوه أيضا ويبلغوه ويطبقوه في مجتمع متجدد تتسع رقعته، وتتجدد حاجاته زمانا بعد زمان. وهذا الدين قد انفرد بخصائص لم تكن قط في ملة سبقته، باشتماله على تفاصيل كل ما يحتاج إليه الجنس البشري في كل عصر وزمان، لم يقتصر على العقائد والعبادات وحدها، بل اشتمل على كل صغيرة وكبيرة في حياة الفرد الخاصة، وعلى آدابه في معاشرة الأهل والولد والعشرة والزوج والصديق والقريب والبعيد، وفي جميع معاملاته الخاصة والعامة واشتملت على أصول ما يحتاج إليه في تشريعه واقتصاده وسياسته وعلمه وفلسفته، وحروبه وجهاده، وعلى أصول حياة الجماعة وعلى روابط هذه الجماعة بسائر الجماعات التي تجاورها أو تهادنها أو تحاربها، لكل شيء من ذلك هدى هو نص في الكتاب والسنة، وهدى هو

стр. 1125

دليل عقلي للاستنباط من الكتاب والسنة، مع تجدد حاجة كل مجتمع إلى هدى يهتدى به، حتى لا يخرج عن الطريق السوى الذي اختاره الله لعباده الذين أسلموا له وآمنوا به وبرسوله ثم لم يرتابوا. إن الله سبحانه قد جاءهم بالدين الجامع الذي فيه صلاح أمر الدنيا وصلاح أمر الآخرة. ومعنى هذا أن دين الإسلام قد ضمن لكل شعب يدين به عناصر جامعة شاملة للحياة الإنسانية، تتضمن أصولا جامعة في الكتاب والسنة يجب عليه أن يتحرى أفراده العمل بها في ذوات أنفسهم، ويجب عليه أيضا أن يطبقها في مجتمعه، ويجب عليه أيضا أن يلتمس لكل ما يجد في حياته ومعاملاته هديا مستنبطا من الكتاب والسنة، ويجب عليه أيضا أن يلتمس فيها ضوابط تصحح طريق آدابه وعلومه وفنونه وأفكاره ومعارفه. وكذلك ترى أن ثقافة كل أمة مسلمة هي دينها بهذا المعني الجامع لحقيقة هذا الدين الذي انفرد عن سائر الملل بخصائص لم تشاركه فيها ملة من قبل. ولكن هذا الأمر كله لم يترك سدى، يتناوله كل من دان بهذا الدين على اختلاف شعوبهم وألسنتهم، بلا ضابط يضبطه، كلا فإن كتاب هذا الدين هو كلام الله الذي لا يتبدل في نصه حرف واحد، والسنة المبينة لجمله بجوامع الكلم، هي كلام رسوله الذي لا ينطق عن الهوى. بل هو وحي يوحى وقد قال ﷺ : (أوتيت الكتاب ومثله معه)، فهما بمنزلة واحدة في وجوب الطاعة لهما، والعمل بهما والاحتكام إليهما عند اختلاف المختلفين. وكلاهما جاء بلسان عربي مبين، فمن آمن بهما وبما جاء به، فهو يعلم علم ضرورة أنه لا مفر له من أن يكون متقيدًا بلفظ كلام الله سبحانه ومتقيدا بلفظ حديث رسوله ﷺ ، في طلب الهدى منهما، وفي استنباط المعاني والأفكار والمبادئ والأحكام من كليهما، وفي الاحتكام إلى نفس ألفاظهما عند الاختلاف، كل ذلك واجب في كل زمان ومكان. وإذن فاللغة التي نزل بها كلام الله وجاء بها حديث رسول الله ﷺ هي الأصل الأول الذي لا يمكن أن ينفصل عن ديننا ولا عن ثقافتنا، وعن طريقها

стр. 1126

وحده، يستطيع الفرد المسلم، من أي جنس كان، أن يتخذ من الأصول الجامعة في هذا الدين نبراسا لنمو الأفكار والمبادئ عن طريق النظر والاستنباط من نصوص هدى الكتاب والسنة، وعن طريقها أيضا يتم الاحتكام إِلى الكتاب والسنة عند اختلاف العقول في نظرها واستنباطها، وعن طريقها أيضا نستطيع أن نخلص الثقافة العربية الإسلامية التي نحن ورثتها من كل ما شابها أو خالطها، ونجلوها ونحييها ونحيى بها ونجدد ونتجدد بها، ولا طريق لنا غير هذه اللغة المذهلة التي نحن ورثتها، فإن لم نفعل، وإن لم نعرف طريقنا إِلى إِحياء هذه اللغة في قلوبنا وألسنتنا وحواضرنا وبوادينا ولهوتنا ومدارسنا، فإن أقدامنا ستقودنا إلى طريق مهلكة وضياع. وقد أبان الإمام الشافعي ﵀ عن هذا المعنى أحسن إبانة، فيما رواه الخطيب البغدادي عنه في كتاب (الفقيه والمتفقه) قال: (لا يحل لأحد أن يفتى في دين الله، إِلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله ﷺ وبالناسخ والمنسوخ منه، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن = ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر وما يحتاج إليه منه للسنة والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفا (أي مطلعا) على اختلاف أهل الأمصار = وتكون له بعد هذا قريحة. فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتى في الحلال والحرام. وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتى). ولا تحسبن أن هذا الكلام البارع الذي قاله الإمام الشافعي قاصر على الفتيا في الحلال والحرام، بل هو خاص يراد به العام، كما يقول الأصوليون، فالذي قاله شرط لازم لكل ناظر في كتاب الله وسنة رسوله ولكل مهتد بهديهما، فقيها كان أو فيلسوفا، أو متكلما، أو أدبيا، أو كاتبا أو مؤرخا، أو داعيا أو واعظا، أو ما شئت من العلوم والفنون التي تجمعها (ثقافة) أو (حضارة). واللغة والشعر -اللذان ذكرهما. الشافعي، وجعلها شرطا للناظر المتكلم في كتاب الله وسنة رسوله، هي لغة العرب الجاهليين الذين تحداهم القرآن بلفظه،

стр. 1127

وفوض إليهم الحكم على أنه كلام مفارق لكلام البشر بهذا اللفظ العربي المبين، وإن هذه المفارقة التي فوض إليهم الحكم بها ظاهرة في لفظ القرآن، وجعل هذه المفارقة هي القاضية عليه بأن يقولوا أنه (كلام الله سبحانه) لا كلام نبيه ﷺ ، وهي القاضية عليهم بأن يعلموا أنه معجزة النبي ﷺ ، وأنه لا يؤمن أحدهم حتى يقر بأن القرآن هو كلام الله المنزل من عنده وأن مبلغ هذا القرآن نبى مرسل أرسله إليهم بلسانهم وجعل هذا شرط الإيمان بالله وبرسوله ولم يجعل سائر معجزاته التي أوتيها كما أوتيها الأنبياء من قبله شرطا للتسليم بأن هذا الرجل نبى مرسل، ﷺ . والشعر الذي جعل الشافعي البصر به شرطا أيضا للناظر والمتكلم في كتاب الله وسنة رسوله، هو شعر هذه الجاهلية التي اختار الله من رجالها صفوة آمنت لتحمل أمانة هذا الدين بلسانه العربي المبين لا على معنى المعرفة به بل على معنى البصر النافذ في إدراك وجوه الشعر المختلفة، لأن الشعر هو محصلة البيان الإنساني الذي مَنَّ الله به على الإنسان فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ فجمع سبحانه (القرآن) و (البيان) في سياق واحد لأن بيان القرآن هو المعجز لبيان الإنسان، ومجرد التحدى ببيان القرآن، دال على أن هذه الجاهلية التي أظلها الإسلام قد بلغت أقصى حدود القدرة الإنسانية على البيان، ولذلك فوض الله إليها أن تكون هي الحكم على أن بيان القرآن مفارق لبيان البشر، وأنه معجز للخلق جميعا على اختلاف ألسنتهم واختلاف القدر المكنونة في طبائعهم في الإبانة عن أنفسهم، في كل زمان ومكان. وإذن، فهذه اللغة الشريفة النبيلة التي كرمها الله بكلامه المنزل من فوق سبعة أرقعة هي بلا ريب حاملة ديننا، وحاملة ميراثنا من ثقافة الأمة الإسلامية وحضارتها على امتداد أربعة عشر قرنا، وهي اللغة التي ينبغي أن نجدد حياتها، ونحييها على ألسنتنا وأقلامنا بلا هوادة في ذلك ونمحو بها أمية الشعوب العربية والإسلامية، ونرفع بها غشاء الجهل عن جماهير الأمة المسلمة، لكي نستطيع أن نصفي بنقائها وصفائها ميراث ثقافتنا السالفة وحضارتنا الغابرة، ولكي نستطيع أن نجدد ثقافتنا مرة أخرى في زماننا، حتى نجتاز المرحلة الصعبة المرهقة العنيفة التي ينبغي

стр. 1128

أن نقطعها حتى نبلغ الحد الفاصل بين الثقافة والحضارة، وتتمكن مرة أخرى من أن تسيطر بسلطانها على الفكر والعلم، وعلى هداية الأمم، وعلى عمارة الأرض وعلى الصناعة والتجارة، وعلى كل أسباب القوة التي ترغم العالم مرة أخرى على أن يعترف لنا بحضارة مجددة شريفة لها الغلبة والسيادة، بلا بغى ولا عدوان ولا إذلال ولا ابتزاز ولا مهانة ولا تحقير لمن يجاورنا أو يعايشنا أو يهادننا أو يعادينا. والصراع الدائر اليوم بين الثقافة العربية الإسلامية التي نحن ورثتها وبين الثقافة الغربية المسيحية قد جمع أكبر همته في ميدان اللغة لأنه يعرف هذه الحقيقة التي بينتها، فبدأ دعوة هذه الأمم العربية المتفرقة إلى اتخاذ العامية الإقليمية لغة سائدة في كل إقليم عربي لكي يحطم هذا الأصل الحامل لثقافتنا وديننا، وليزيد في تمزيق حياتنا وتدميرها، وبلغ دعاته بعض مأربهم. ولا يتسع الوقت لبيان حقائق هذه المعركة، ولكني أذكر لكم أن كاتبا مسيحيا (١) كتب منذ سنوات يتمنى أن يرى عاملا عسكريا سياسيا يفرض اللغة العامية على العرب، ثم قرأت لكتاب عرب مسلمين كلاما يطالبون فيه بإسقاط اللغة الفصحى. فهذا نذير، من نذر، بأن قيام "العامل العسكري السياسي" الذي يرجوه الكاتب المسيحي ليس بالأمر البعيد. هذه النذر المخيفة التي أحببت أن أختم بها كلمتى، تدل على جزء من هذا الصراع المر بين ثقافتنا وثقافة عالم الاستعمار (٢)، يوجب علينا جميعا أن نعيد النظر في أساس التعليم كله من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة، كما فعلت كل أمم الحضارة الحديثة وكما فعلت كل الحضارات السالفة، لكي نجدد حياة هذه اللغة الحاملة لتراث ثقافتنا العربية الإسلامية والتي لا نستطيع بغيرها أن نجدد ثقافة عربية إسلامية تقطع الطريق إلى حضارة عربية إسلامية متجددة. ومعنى ذلك أن

стр. 1129

تكون هذه العربية الشريفة لغة العلم والفكر بلا تردد في ذلك، وعلى المثقفين اليوم منا أن يلتزموا بجعلها لغة الدراسة في كل فرع من فروع المعرفة، مهما لاقوا من صعوبات في سبيل ذلك. وكلما عظم التحدى عظم الحافز، وطلب السهولة والتخفف من الأعباء أكبر عدو مهلك للثقافات وللحضارات. هذه مهمتكم، فخذوها بقوة، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واعلموا أن الذي حققناه مرة، نحن قادرون على تحقيقه مرة أخرى بإذن الله. واللهم أنا نبرأ إليك من كل حول وقوة، فأعنا بحولك وقوتك.

стр. 1130

تعقيبات أدبية ولغوية الأندلس تاريخ اسم وتطوره كتب الدكتور الطاهر أحمد مكي في عدد الثقافة (٢٢ - يوليه ١٩٧٥)، كلمة جيدة عن "الأندلس: تاريخ اسمه وتطوره"، ذكر فيها أن الباحثين المحدثين من العرب، يرون أن اسم "الأندلس"، قد أخذه العرب من كلمة (Vandalos) وهم "الوندال" وأن كتابتها بالجرمانية (Wandal) وجمعها (Wandalos) وأن الحرف الأول منها وهو (W) ينطق بما يشبه الواو في اللغة العربية، فيكون نطق هذا الجمع بالعربية "وندلس"، ثم قال: وانقلاب الواو همزة لا تعرفه اللغة العربية أبدا، ثم عقب على ذلك بقوله: "إن تصور أن يكون لفظ Wandalos قد أخذ طريقه إلى اللغة العربية مباشرة، أمر بعيد الاحتمال". فمن أجل ذلك، بحث لها عن مدخل، فانتهى إلى أن هذا اللفظ قد انتقل إلى العربية عن طريق اللغة البربرية، ثم أفاض في توجيه دخول هذا اللفظ إلى البربرية وعن افتراض تحوله في اللسان البربرى من الواو إلى الهمزة طبقا للقواعد الصوتية في اللغة البربرية، ثم ختم ذلك بقوله: "فهي إذن دخلت اللغة العربية عن طريق اللغة البربرية، وليس من اللاتينية، أو الجرمانية، أو اللاتينية المتكلمة في أسبانية مباشرة. وبذلك يمكن حل المشكلة صوتيا وتاريخيا، فإن غياب حرف V أو W من كلمة أندلس، لا يمكن تفسيره إلا في ضوء هذا الفهم". كان الدكتور الطاهر في غنى عن كل ما كتبه عن اللغة البربرية، وعن اتجاهاتها الصوتية، وعن افتراض ما افترضه في تحول الواو همزة في اللغة البربرية. بيد أن الذي حمله على ارتكاب هذا الطريق البعيد، هو ما اعتقده اعتقادا جازما، من أن "انقلاب الواو همزة لا تعرفه اللغة العربية أبدا". والأمر في الحقيقة على خلاف ما اعتقد، وذلك أن قلب الواو همزة قياس مطرد في العربية بلا شك.

стр. 1131

وتلخيص القول في ذلك: أن "الواو" إذا كانت في أول الكلمة، فلها ثلاثة وجوه: إما مضمومة، وإما مكسورة، وإما مفتوحة، فإذا كانت الواو مضمومة، فيكاد يكون قياسا مطردًا في العربية أن تقلب الواو همزة. فمن ذلك في القرآن العظيم، في سورة المرسلات: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، وهي من "الوقت"، وقرأ أبو عمرو وابن ورداك: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ وقِّتَتْ﴾ بواو مضمومة، وهو الأصل. وقالوا في "وجوه" جمع "وجه" "أجوه"، وغيرها كثير. وإذا كانت الواو الأولى مكسورة، فقياس مطرد أيضا أن تقلب همزة، نحو قولهم في "وسادة" "إسادة" وفي "وشاح"، "إشاح" وغيرهما كثير أيضا. وأما إذا كانت الواو الأولى مفتوحة، وهو الذي عندنا هنا في "وندلس" و"أندلس"، فقلب الواو المفتوحة قليل في العربية، وليس قياسا مطردا، ومع ذلك فهو كثير أيضا على الوجهين، أي أن تقلب الواو الأولى المفتوحة همزة، وأن تقلب الهمزة المفتوحة واوا. وذلك نحو: قولنا "وحد" فتقول "أحد" بفتحتين، وهو من "الوحدة" بلا ريب، وقولهم أيضا: "امرأة وَناة"، أي كسول، بطيئة القيام فيها فتور من طول النعمة، فقالوا: "امرأة أناة"، وقالوا للجبل الصغير "وَجَم" بالواو، فقالوا فيه "أَجَم" وقالوا: "وَسِنَ الرجل" و"أَسنَ"، إذا غُشِىَ عليه من نتن ريح البئر، وقالوا: "وَكدت العهد" و"أَكدته"، وقالوا "وَلَته حقه" و"أَلَته حقه" أي نقصه حقه، وقالوا: "ورَّخْتُ الكتاب"، و"أَرخته"، وقالوا "وَرشْتُ بين القوم، وأرشت بينهم"، أي أفسدت ما بينهم وحَرَّشت بعضهم على بعض، وقالوا: "ما وَبَهْت له، وما أَبَهْت له" أي ما فطنت له، أو ما باليت به لقلته وتفاهته، وقالوا "وج" وهو اسم بلدة الطائف بالحجاز و"أج" بفتح الهمزة، وقالوا "وَجْه، أَجه" لوجه الإنسان، وغير هذا كثير، فضلا عن قلب الواو همزة إذا كانت في وسط الكلمة أو في طرفها. وإذن فالأمر على خلف ما يعتقد الدكتور الطاهر، من إنكاره قلب الواو همزة، وأن العربية لا تعرف هذا القلب أبدا.

стр. 1132

وإذن فأقرب شيء إلى الاحتمال، هو ما رآه الدكتور الطاهر بعيد الاحتمال، أن يكون لفظ "وندلس" قد دخل إلى العربية دخولا مباشرا بقلب الواو الأولى المفتوحة همزة. والذي ألجأ سلفنا الفاتحين من العرب أصحاب اللسان العربي إلى إبدال الواو الأولى المفتوحة همزة، أنها جاءت بعدها نون ساكنة، ومخرج الواو من طرف الشفتين، ومخرج النون الساكنة من الخياشيم، فثقل ذلك على ألسنتهم لقرب المخرجين، ولارتداد النفس من الشفتين عكسا إلى الخياشيم، ولأن الواو المفتوحة أخفى من الواو المضمومة والمكسورة في النطق، ولأن الهواء المندفع من الحلق عند نطق الواو المفتوحة آت من عند مخرج الهمزة في أقصى الحلق، فمن أجل ذلك كله آثروا أن يقلبوها همزة صريحة من أقصى الحلق، ليندفع هواؤها إلى مخرج النون الساكنة من الخياشيم سهلا بلا مؤونة على أداة النطق. ولهذه الأسباب نفسها، رأيت أصحاب اللسان العربي فيما استظهرته وتتبعته، قد كرهوا أن تجتمع الواو والنون متجاورتين في أول الكلمة الواحدة من عربيتهم، وتكون الواو أصلا في الكلمة، والنون التي تليها أصلا أيضا في الكلمة. وإذن، فالذي لا شك فيه، هو أن لفظ "وندلس"، قد دخل اللسان العربي مباشرة، بعد إخضاعه للقانون الصوتى العربي، ليدخل بعد أن يصقله الذوق العربي دخولا سهلا ساريا على أصول لغته. وللأخ الدكتور الطاهر أجزل الشكر على الفوائد الكثيرة التي تضمنها مقاله عن "الأندلس".

стр. 1133

المتنبي ليتني ما عرفته - ١ - أخي الدكتور عبد العزيز الدسوقى . . . . وبعد، فكاذب أنا إن قلت لك أن ثناءك على لم يهزنى، فأنا كأنت وكهو وكهي، كلنا مما يغره الثناء، أو تأخذه عنده أريحية وابتهاج أو تغمره فيه نشوة ولذة. ولكن غرورى وأريحيتى وابتهاجى ونشوتى ولذتى، سرعان ما تنقلب علي غما لا أجد متنفسا يفرج عني لأنى أعلم من حقيقة نفسي ما يجعلني دون كل ثناء وإن قل، أعلمه عيانا حيث لا يملك المثنى علي أن يراه عيانا كما أراه. وليت شعرى، أكان شيخ المعرة صادقا حيث يقول عن نفسه. إذا أَثْنَى على المرءُ يوما ... بخير ليس فيَّ فذاك هاجِ وحقى أن أُساءَ بما افتراه ... فلؤمٌ في غريزتىَ ابتهاجِى وعسى أن يكون الشيخ قد صدق عن نفسه بعض الصدق. لقد عد ثناء المثنى عليه بما ليس فيه افتراء، ثم أقر مع ذلك أنه يبتهج لما افتراه وكان حقه أن يستاء، لولا لؤم الغريزة. فمعنى هذا إذن: أن الشيخ كان إذا جاءه ثناء عليه بما هو فيه، فإنه يبتهج له، ولا يعد ابتهاجه هذا لؤما في غريزته. أما أنا فأعد ابتهاجى بالثناء على بما هو في وبما ليس فيَّ، لؤما في الغريزة لأنى أعلم أن الذي فيَّ من الخير مغمور في بحر طام من النقيصة والعيب. ومع ذلك، فأنا أشكر لك ثناءك، لأن الشكر واجب لا مصرف عنه. وترك الشكر لؤم آخر في الغريزة. أشكره لك لأنك بثنائك على، ذكرتنى عيبى وتقصيري ونقيصتى لأستغفر الله وأتوب إليه هذه هي الأولى. أما الثانية: فإني وجدتك في مواضع متفرقة من كلامك في شأن كتابي وكتاب الدكتور طه عن المتنبي تكثر من أن تتنصل من إرادة إغضابى أو إرادة

стр. 1134

إساءتى. فمن الذي أنبأك أيها العزيز الكريم أنى أعد الذي يظهرنى على أخطائى، أو الذي لا يعجبه ما أكتب، مريدا لإساءتى، مثيرا لغضبى، طالبا للغض مني أو من كتابي؟ من أنبأك هذا، حتى تبالغ في التنصل من اعتماده، وفي البراءة من إرادته؟ لقد قدمت بين يدي كتابى عن المتنبي قصة هذا الكتاب. وبينت أنها: "لمحة من فساد حياتنا الأدبية". فكان مما أشرت إليه أنه كان من عادة "الأساتذة الكبار"، وهي عادة بثت في حياتنا الأدبية إلى هذا اليوم فسادا ساحقا: أنهم كانوا يخطئون في العلن. ويتبرأون من أخطائهم في السر. (المتنبي ١: ٤٢). وأشرت أيضا إلى أنهم كانوا لا يصبرون على من يدلهم على الخطأ، ويستنكفون كبرا أن يؤوبوا إلى الصواب. ثم أزيدك الآن أيضا: أنهم كانوا لا يتورعون عن الإيقاع بمن يدلهم على الخطأ، ويتعقبونه بالأذى من وراء حجاب: ومَنْ طلب الأمثلة على هذا وجدها على مَدّ يده! بيد أنى، من يوم عقلت أمر نفسي، قد أنكرت جميع السنن التي سنها "الأساتذة الكبار"، أنكرتها كفاحا ومواجهة وبلا مواربة. فبئس المرء أنا إذن، إذا أنا أنكرت سنة كريهة ثم ركبتها! كانوا، ﵏ جميعا، لا يحبون إلا الثناء المحض المصفّى الخالص من كل شائبة. فإذا جاءهم غير ما يحبون، تنمَّروا لمن أتاهم به تنمُّرَ من لا بيت على دِمنة - (والدمنة: الحقد الدفين المضمر الملتهب بالغيظ). وهم يتخلّقون، في غير موضع التخلُّق، بما قاله بشار الأعمى في صفة عمر بن العلاء، فاتح طبرستان في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور. وكان عمر قبل ذلك جزارا، ولم تعبه الجزارة، بل كانت له أسوة حسنة بفاتح مصر عمرو بن العاص ﵁ فإنهم يزعمون أنه كان جزارا في الجاهلية، قبل أن يسلم. قاتل عمر بن العلاء الديلم قتالا مريرًا حتى كسر شوكتهم وأخضعهم، فلذلك ولاه المنصور ثم المهدي من بعده، طبرستان مرات، منذ سنة ١٤١ من الهجرة إلى سنة ١٦٧، كان عمر عاقلا داهية جوادا شجاعا شديد البأس، فقال بشار للخليفة في شأنه: فقلْ للخليفة إن جئته ... نَصيحا ولا خير في مُتَّهَمْ

стр. 1135

إذا أيقظتْكَ حروبُ العِدَى ... فنَبهْ لها عُمَرًا، ثم نَم فتى لا يبيِتُ على دمنة ... ولا يشربُ الماء إلا بِدَمْ! "لا يشرب الماء إلا بدم"، هذه حقيقة أخرى أيضا، تستطيع أن تجد عليها الدلائل الكثيرة في تاريخ صراع "الأساتذة الكبار". فالأمر كما ترى تخلُّق منهم بما قال بشار، ولكنه تخلُّق في غير موضع التخلُّق. ولا تحسبنى أريد بهذا الاستطراد أن أبشع إليك "أمر" "الأساتذة الكبار" تبشيعا أو أنفرك منهم تنفيرا لا! ليس يعنينى أن تستبشع أو تستسيغ، ولكني أعبر عن نفسي، ثم أقول لك: إني شهدت فأجفلتُ، فعرَفت، ففزِعتُ، فهالنى الأمر، فأنكرتُ .. أنكرت جميع هذه السنن التي كانوا يسنونها لنا في حياتنا الأدبية. فمن أجل ذلك أجدنى لا أغضب إذا دلنى أحد على خطأ قارفته، ولا أستنكف أن أعترف بخطأ ارتكبته، ولا أستتر من عيب اجترحته. ولا يسوؤنى أن ينقدنى ناقد ظالمًا أو غير ظالم، ولا أعده غضًّا لشأنى ولا وضيعة تحط مني أن يقول قارئ أو كاتب أو ناقد جهارا وعلانية ووجها لوجه: إن كتابى لا يعجبه، أو إنه كتاب لا قيمة له. لم أكتب شيئا قط، وأنا أتلفت يمينا وشمالا، أراقب ما يُعقِبه على كلامي من رضى أو سخط ولم أخط حرفا إلا وأنا على ثقة ويقين من أن الناس مختلفون فيه لا محالة بين قادح ظالم، وبين مادح ظالم يظلمني ويظلم نفسه بالغلو في الثناء. واعلم إذن، إن كنت لا تعلم، أن أحب الأمرين إليّ: أن تنقدنى مخالفا لي، أو مظهرا لخطأ كان مني، أو دالا لي على طريق جُرْت عنه غرورا بنفسي أو اتباعا لهواى. ثم اعلم بعد ذلك أيضا أنى لا أبيت ليلة طاويا ضلوعى على حفيظة تؤرقنى، من إساءة أحد يسئ إلي متعمدا أو غير متعمد. هكذا كنت، وهكذا كانت سيرتى، ولا ينبغي لي غير ذلك، لأنى منذ قديم، منذ ريعان شبابي، أنكرت سنة "الأساتذة الكبار" وكرهتها مستبشعا لها، كراهة لم تزل قائمة في نفسي، وإن قصر قلمي، أو تورع، في الدلالة على خبثها وبشاعتها وعلى فسادها أيضًا وإفسادها للناس

стр. 1136

لن تستقيم لنا حياة أدبية، ولن تصح، ولن يرجى لها صلاح حتى تقوم على قواعد راسخة ثابتة من طلب الحق صرفا، ثم الإبانة عن الحق بلا مداجاة، ثم الإفصاح عن حقيقة ما في النفس بلا مواربة، بلا تخوف، بلا ترقب. القائل بالحق لا يحتاج إلى التنصل من إرادة الإساءة. فإن المخطئ مخطئ وإن جل شأنه، والمصيب مصيب وإن خفي في الناس مكانه، هذه هي الثانية. أما الثالثة: فجملة قرأتها في كلمتك الثالثة، (الثقافة: مارس ١٩٧٨)، حيث تقول: "إنه لشيء محزن أن يصل (اللدد في الخصومة) حدا يجعلنا نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه (رجل جاهل)، (ليس له بصر بتذوق الشعر) ". هذا النص كلامك. شيء محزن حقا، ولكن هل هذا صحيح؟ ذكر خبر الخصومة أنت بلا شك تعنينى، وتعني أنى فعلت ذلك وقلته: فهل تأذن لي أن أقف على كلماتك هذه وقفة، لا يحبسنى عليها ولع بجدل أحسنه، أو صراع عقلي أجيده، كما وصفتني، لا، بل تجلية للحقيقة كما كانت، وكما جاءت في كل ما كتبته قديما وحديثا وذكرت فيه الدكتور طه وهذا لا يضيرك، ولا يفيد أحدا إن شاء الله، وإن كنت أعده مملا! ! ذكرتَ "اللدد في الخصومة" بيني وبين الدكتور طه، ورتبتَ عليه ما رتبتَ، فأحب أن تعلم، قبل كل شيء، إنه لم تكن بيني وبينه (خصومة) قط، حتى يكون فيها (لدد) وأنت الآن تضطرنى الى تعقب هذه (الخصومة) من عند جذورها الأولى، الى أن كتبت كتابى عن المتنبي، ثم ما كان بعد ذلك بيننا إلى أن قضى الدكتور طه نحبه. وهذا الذي ألجأتنى إليه، يقتضينى أن أتحدث عن نفسي ويقتضينى مرة أخرى أن أعيد ما استفتحت به "قصة هذا الكتاب" حيث قلت (المتنبي ١: ١٠، ١١): "الحديث عن النفس شيء أكرهه، ولكنه يكون أحيانا ضرورة لا غنى عنها. فالجيل الذي يستقبل اليوم هذا الكتاب، لم يشهد تلك الأيام الغابرة، ولا يعلم

стр. 1137

عنها علما يغنى أو يفيد. بل لعله يعلم عن هذا الغابر أشياء قليلة، على غير الوجه الصحيح الذي كانت عليه، وإنما اكتسبها الجيل الحاضر من الثرثرة التي تنشر أحيانا في بعض الصحف والمجلات. وقد التزمت في هذا الحديث أن أقص ما لا مناص منه: على الوجه الذي كان، بلا إخفاء للحقائق التي وقفت عليها يومئذ، لأنها هي التي أثرت فيما أكتب، وهي التي كونت رأيي في الجيل الذي عاصرته، وفي آثار هذا الجيل في الأجيال التي جاءت معه أو بعده، متأثرة به أو وارثة له". هذا ما قلته وما فعلته، وكذلك أنا فاعل الآن: عرفت الدكتور طه عن قرب، وهو يكتب بحديث الأربعاء في صحيفة السياسة (سنة ١٩٢٣، ١٩٢٤) وذلك قبل أن أفارق المدارس الثانوية، واحدة. ثم فارقتها، عند أول إنشاء الجامعة، فكانت له عندي يد لا تنسى يوم تقدمت إلى الجامعة أحمل شهادة (البكالوريا) من القسم العلمي، لألتحق بكلية الآداب، قسم اللغة العربية، وبإصراره هو استطاع أن يحطم إصرار مدير الجامعة يومئذ أو أحمد لطفي السيد الذي كان، كعادته، ملتزما بظاهر الألفاظ ويرى أن لا حَقَّ لحامل بكالوريا القسم العلمي في الالتحاق بالقسم الأدبى، فبفضل الدكتور طه صرت طالبا عنده في قسم اللغة العربية بالجامعة، ثانية. وكان الدكتور طه في السابعة والثلاثين من عمره، وأنا في السابعة عشرة من عمرى، فهو بمنزلة أخي الأكبر، وكان توقير السن، فيما مضى من زمننا نحن، أدبا نرتضعه مع لبان الطفولة، ثالثة. ثم عرفت الدكتور طه عن قرب أشد قرب، كنت طالبا، وكان أستاذا، وكانت هيبة الأستاذية وتوقيرها أدبا ننشأ عليه منذ نعومة أظفارنا، رابعة. وقصصت القصة كلها واضحة في كتابي (المتنبي ١: ١٧ - ٢٦)، ولكن كلمتك التي كتبتها، تضطرنى الآن أن أرجع على نفسي باللائمة. لعلى أسأت العبارة عما أريد. لعلى أوقعت في سياق القصة خللا مضللا. لعلى أجملت حيث كان ينبغي التفصيل. فهل تأذن لي أيها العزيز، أن أجعل القصة أشد وضوحا؟ منذ بدأ الدكتور طه محاضراته في الجامعة، في شأن الشعر الجاهلى، إلى أن

стр. 1138

انتهى منها، نشأت عندى أنا قضيتان: وأرجو أن تقرأ هذا بشيء من التدقيق، ومعذرة أيضا من هذا التوسل: القضية الأولى القضية الأولى: "قضية الشعر الجاهلى": وهي قضية قد أكثرت من ترديد ذكرها في مواضع مختلفات في أكثر ما أكتب، لأنها هي القضية التي أحدثت في حياتي، وفي طلبى للعلم، تغييرا حاسما، فيما بعد سنة ١٩٢٦، وأنا يومئذ في السابعة عشرة من عمرى. وهي بلا شك، مرتبطة ارتباطا ما بالدكتور طه، وبسماعى محاضراته في الشعر الجاهلى، وأظن أن هذا "الارتباط"، وخاصة بعد أن قطعت دراستى في الجامعة فجأة، هو الذي أوهم أنه كانت بينى وبين الدكتور طه (خصومة)، ظلت تنسحب، عند كثير من الناس، على كل ما أكتبه وأذكر فيه الدكتور طه. وليس هذا بصحيح البتة، لأن "قضية الشعر الجاهلى" كانت، ولم تزل إلى اليوم، "هي قضيتي أنا وحدي، بيني وبين نفسي، ليس لأحد فيها ذنب ولا جريرة. ومن أجل ذلك لم أكد أفرغ من قصتى في الجامعة، ومن قصة انقطاعى عن الجامعة وفراقها بعد سنتين، (المتنبي ١: ٩ - ٣٦)، حتى قلت بعد ذلك مباشرة في أول ص: ٢٧: "ومرت بي الأيام والليالى والسنون، ما بين سنة ١٩٢٨ وسنة ١٩٣٦، التي كتبت فيها هذا الكتاب "المتنبي"، وهمى مصروف أكثره إِلى قضية الشعر الجاهلى إِلى طلب اليقين فيها لنفسي، لا لمعارضة أحد من الناس (وأعني الدكتور طه بلا شك)، مشت بي هذه القضية في رحلة طويلة شاقة، ودخلت بي في دروب وعرة شائكة، وكلما أوغلت انكشفت عني غشاوة من العمى". ثم عدت فذكرتها في كتابى مرة أخرى زدتها وضوحا فقلت: ". . وفي خلال ذلك، لم يكن لي مطلب سوى مطلب واحد: أن أجد برد اليقين في نفسي، في شأن "الشعر الجاهلى". وفي شأن ما نسميه "إعجاز القرآن"، (المتنبي ١: ٤٧، ٤٨). ثم عدت فذكرتها ونكرت فراقى للجامعة، وذكرت ما كان من سبب طلبى

стр. 1139

للعزلة فقلت: ". . . حتى أستبين وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي": بعد أن صارت عندى قضية متشعبة كل التشعب"، (المتنبي ١: ٢٤). فالأمر إذن، كما ترى بين جدا. "قضية الشعر الجاهلي"، هي قضيتى أنا وحدي. ومعناها عندي معنى قائم في نفسي أنا وحدي. ومهما يكن من شأن المآزق المهلكة، والمتالف المبيرة التي لم أنج من شرها وعقابيلها إلا بتوفيق من الله وحده وعصمته، فأنا وحدي أشقيت نفسي بها، ولم يكن للدكتور طه فيها جريرة، ولا كان له فيها ذنب جناه على حتى أخاصمه على هذه الجناية. أما الذي قلت لك من أن للدكتور طه بهذه القضية "ارتباطا ما": فسأبينَه، لأزيل الضباب الذي يخلط بين معنيين متباينين، ولتعَلم أيضا أن هذا الارتباط لا يمكن أن يكون سببا في (خصومة)، ولا كان فيه ظل من (خصومة)، مع أنى أظنه كان واضحا في مقدمة كتابي "المتنبي". ما علينا أيها العزيز. الأمر وما فيه هو أن الدكتور طه أراد أن يثيرنا نحن طلبة الجامعة يومئذ، بمسألة غربية، هي "مسألة الشعر الجاهلي". وهذه "المسألة" من حيث هي مسألة شك في صحة الشعر الجاهلي وفي صحة نسبته إلى أهل الجاهلية، ثم الإفضاء منها إلى أن الشعر الجاهلي منحول موضوع، وأنه شعر إسلامي صنعه الرواة في الإسلام، هذه "مسألة" كنت أعرفها قبل أن أدخل الجامعة، وقبل أن يلقى علينا الدكتور ما ألقى، لأنى كنت قرأتها في مقالة الأعجمى مرجليوث، وقصصت القصة في كتابى ثم قلت: "إني لم ألق بالا إلى هذا الذي قرأت: وعندي ما عندي من هذا الفرق الواضح بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي"، (المتنبي ١: ١٦). ثم قلت أيضا في شأن هذا الأعجمى وزمرته "لم يكن لمثل هذه الآراء في الشعر الجاهلي وقع في نفسي يثيرنى اللهم إلا ما يثير تقززى. فما أسرع ما أسقط كلامهم جملة واحدة في يم النسيان"، (المتنبي ١: ١٨). ثم جاءنا الدكتور طه يردد أقوال مرجليوت وآراءه وحججه، بجوهرها ونصها، أستغفر الله، بل زاد عليها تعليقاته وحواشيه، فلم يزد الأمر عندي على أن يكون ما أسمع من المحاضرات "حاشية" على متن من المتون، ولكنها

стр. 1140

"حاشية" من نوع مبتكر مبتدع جديد مباين للحواشي التي كانت مألوفة يومئذ عند طلبة الأزهر. ولما كان "المتن" معروفا عندي من قبل قرأته ولم ألق إليه بالا، بل قذفته في يم النسيان، كما قلت: فإن "حاشية الدكتور طه على متن مرجليوت" (وهي المعروفة عند الناس باسم كتاب: في الشعر الجاهلي)، كانت خليقه أن تلقى نفس هذا المصير، لولا شيء سأحدثك عنه فيما بعد. وهذه "الحاشية" لم تكن تتضمن شيئا ذا بال سوى "مسألة الشك في صحة الشعر الجاهلي"، وإذن فهي لم تكن قادرة في ذاتها على إثارتى أو إثارة خصومة بيني وبين صاحبها الدكتور طه ولم يكن لها عندي أثر سوى ما بينته في كتابى حيث قلت: "تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة مرجليوث، ويزداد وضوح الفرق لكن طريقتى في الإحساس بالشعر الجاهلي وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور طه في تزييف هذا الشعر" (المتنبي ١: ٢١). وانظر أيضا ذكر حواشي الدكتور طه في كتابي (المتنبي ١: ٢٠، ١٤٤، ١٤٥). إذن، فبين أن "مسألة الشعر الجاهلي" بهذا القدر الذي وصفته لك آنفا، هي أولا وقبل كل شيء، مباينة تمام المباينة للذى أسميه "قضية الشعر الجاهلي"، ثم هي ثانيا بهذا القدر نفسه، مسألة كانت في ذاتها غير قادرة على أن تنشيء بيني وبين الدكتور طه (خصومة). وأيضا، لم يكن لها، لا بالفعل ولا بالقوة في نفسي أو في قلبي أو في عقلي، أو في شيء مما أكتب، أثر يمكن أن يحرك (خصومة) وإذا كنت ممن يخاصم الناس على آرائهم، لا ممن يخاصم الآراء نفسها: وكان لمثل هذه "المسألة" قدرة على إنشاء (خصومة): فأولى الناس كان بخصومتى هو مرجليوث نفسه صاحب "المسألة" وصاحب "المتن". أما الدكتور فلم يكن سوى ناقل لهذه "المسألة" وصاحب "حاشية" على هذا "المتن"، لا أكثر ولا أقل. وببديهة العقل، لا ينال الناقل صاحب الحاشية من خصومتى عندئذ، إلا قدر ضئيل كتاب لا يستحق أن يسمى (خصومة). وإذا كان ذلك كذلك، فالدكتور طه ينبغي -بلا شك، أن يكون بنَجوَة من خصومتى، أو من ضراوتها، أو من جَوْرها على الأقل.

стр. 1141

وأحب أن أصدقك القول عن نفسي. لو أن الأمر في "مسألة الشعر الجاهلي" لم يكن كما كان: لكان يكون ممكنا، على وجه من الوجوه أن تقع بيني وبين الدكتور طه (خصومة ما) وذلك إن صح فعلا أنه شك أولا من عند نفسه: ثم أداه شكه إلى "مسألة" إبطال صحة رواية الشعر الجاهلي. ولكن هذا لم يصح البتة: ولن يصح لأنه لم يزد على أن جاء فنقل مسألة إبطال صحة رواية الشعر الجاهلي، من الإنجليزية إلى العربية، نقلا لا يستره ساتر، ولا يقبل في شأنه تأويل أو انتحال عذر، وببطلان هذا، بطل أيضا معنى (الخصومة) بيني وبينه. ومن الدليل أيضا على بطلان كل (خصومة) بيني وبين الدكتور طه، جرتها "مسألة الشعر الجاهلي"، أنى لم أكتب يومئذ، ولا بعد ذلك اليوم، وإلى يوم الناس هذا: شيئا يمكن أن يعد ردا مباشرا على ما تضمنته "حاشية الدكتور طه على متن مرجليوث"، وذلك لأن هذه "المسألة" برمتها كما هي في المتن والحاشية، كانت، ولم تزل، هي عندي مسألة فارغة بذرتها ثرثرة، وشجرتها ثرثرة، وثمرتها ثرثرة، أي هي مسألة لا طعم لها. وهذا حسبك: إن شئت متفضلا، في نفي كل شبهة تؤدى إلى الظن بأنه كانت بيني وبين الدكتور طه (خصومة) قديمة، من أجل آرائه التي كان يرددها في "مسألة الشعر الجاهلي" وهو حسبك أيضا في إزالة كل وهم عن (خصومة) كانت، يحدثها اقتران هذه "المسألة" بما كان من أمر مفارقتى الجامعة، بعد سنتين من بدء حديثه فيها. فهذا بيان موجز عن القضية الأولى، ومعذرة إن أطلت أو كررت. القضية الثانية أما القضية الثانية التي نشأت عندي أنا، أي عندي أنا وحدي مرة أخرى، وكانت محاضرات الدكتور طه سببا في نشأتها يوم كنت طالبا عنده في الجامعة، فهي "قضية السطو" على أقوال الناس وآرائهم وأعمالهم، ثم ادعاء تملكها تملك عزيز مقتدر، ثم الاستعلاء بهذا الملك المغصوب والاستطالة به على الناس. وأبشع من ذلك: أن ينكشف أمر هذا الغصب والسطو. ويتسامع به الناس:

стр. 1142

ويدل الكتاب والعلماء على الأصل المغصوب كتابة موثقة منشورة، فلا يبالى الساطى بشيء من ذلك كله: بل يزداد جرأة وتيها وادعاء واستعلاء واستطالة، كأن الذي قيل عن سطوه لم يُقَل، وكأن ظهور سطوه فضيلة ترفع من قدره تنوه به في المجامع، أما أنا، مع أسفي واعتذارى، فلم أزل أعد هذا المسلك احتقارا للناس أي احتقار، وإزراء بهم وبعقولهم أي إزراء، وإنزالًا لهم منزلة من لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل ولا يحس. هكذا نظرى أنا، كان، ولم يزل إلى هذا الأمر. هذه هي "القضية" كانت، ولم تزل، حية في نفسي منذ خمسين سنة: (وانظر كتابي المتنبي ١: ٢٥). وقبل أن أحدثك بخبر هذه "القضية" وأنا في الجامعة سنة ١٩٢٦، أجدنى مضطرا أن أخبرك بشيء كان قبل ذلك، يجعل "القضية" أوضح وأبين. كنت في سنة ١٩٢٣، وسنة ١٩٢٤، أقرأ على شيخى سيد بن على المرصفي إمام العربية في زماننا، وهو شيخ الدكتور طه أيضا. وكنت في ذلك الوقت أقرأ ما كان يكتبه الدكتور طه في صحيفة السياسة، وهو "حديث الأربعاء"، فجاء يوما على لساني وأنا عند الشيخ ذكر الدكتور طه، فعرفت من الشيخ أنه كان يقرأ عليه بعض ما كنا نقرأه عليه. وبهذا النسب القريب، كما يقول أبو تمام (١)، تاقت نفسي إلى معرفة الدكتور طه. فسعيت إليه سعيا، وعرفته من يومئذ عن قرب. كنت صغيرا، وكان هو في نحو الخامسة والثلاثين من عمره، ومع هذا التفاوت في السن: فقد قربنى الرجل إليه حتى اطمأن قلبي وانطلق لساني، فبجرأة الشباب كنت أخالفه أحيانا كثيرة فيما يكتب، وبجهل الشباب أيضا أحاوره وأجادله بقليل علمي. وكان بينًا عندي، وعنده أيضا، أن مقالاته في "حديث الأربعاء" كانت تنطوى على "استلهام" شديد مفرط من آراء طائفة الأعاجم المستشرقين، على حد تعبيرك أنت أيها العزيز، أو على "استعارة" منهم مغرقة ملتهمة، على حد

стр. 1143

تعبير شاعرنا القديم الذي هجر الشعر وتفرغ للكتابة، الأستاذ كمال النجمى، أو على "استلال في خفة" على حد تعبير الأستاذ كمال أيضا. ومع كل ذلك: فقد استمرت مودتى لأستاذتا الدكتور طه صافية، لم يكدرها خلافي عليه، أو جهل شبابي عليه أحيانا. ولم يكن لهذا "الاستلهام"، أو لهذه "الاستعارة" أو لهذا "الاستلال في خفة": أثر يبلغ من قوته أن يحدث بيني وبينه (خصومة)، لا في نفسي ولا في نفسه هو أيضا. وظل الأمر بيننا سهوا رهوا (أي ساكنا لينا كنسيم الصبا)، حتى جاء عهد التحاقى بالجامعة، فغمرنى الدكتور طه بفضله، وقيدنى يإحسانه، وأحسن الشهادة لي عند مدير الجامعة، ثم أصر إصرارا حتى غلبه، فبإصراره صرت طالبا في الجامعة، وقصصت بعض القصة آنفا وفي كتابى (المتنبي ١: ٢٠، ٢١). وهكذا كان الأمر بيني وبينه قبل دخولى الجامعة وقبل إنشائها، والدكتور طه يومئذ لم يكن سوى كاتب أديب يكتب في الصحف والمجلات، وأنا يومئذ قارئ لما يكتبه، أقرؤه في البيت أو الشارع، أو على ظهور المقاهي. ولكن الأمر سوف يختلف اختلافا بينا حاسما حين ضمتنى وإياه أسوار الجامعة. في الجامعة كنت يومئذ فتى شابا غض الإهاب: فلما أنشئت الجامعة والتحقت بها، كان للفظ الجامعة معنى في نفسي، أنا الآن، بعد أكثر من خمسين سنة، يغلى بي ارتيالى وشكى: أأنا مخطئ في هذا المعنى أم مصيب؟ أقولها لك، ودمعة من عيني تنحدر على الخدين من ألم الذكرى! وقاتل الله النابغة الذبيانى الشاعر الجاهلي، ما أصدقة حيث قال، وكأنه إنما عنانى أنا، يقرعني تقريعا يوغل بي في مهاوى اليأس: إن يكُ عامر قد قال جَهْلا، ... فإن مَظِنة الجهلِ الشباب ولا تذهبْ بحِلْمك طامِيات ... من الخُيلاء ليس لهن بابُ فإنك سوف تَحلُمُ، أو تَناهي ... إذا ما شِبتَ أو شاب الغرابُ لقد شبتُ وما شاب الغراب بعد، فكيف وأني وأيان لي الحِلْم أوْ التناهي عن

стр. 1144

الجهل! وإني لأسأل نفسي اليوم: أبجهل مني لا حلم فيه، كان يومئذ للفظ "الجامعة" هذا المعنى في نفسي أخالنى لست أدري، بعد طول التجريب وبعد المشيب. ولكن هكذا كان، واحسرتاه! "أم كان شيئا كان، ثم انقضى"، كما يقول العرجى. دخلت الجامعة ومعي هذا المعنى يتسع ويتراحب يوما بعد يوم، حتى بلغ مبلغا يرتد عنه البصر خاسئا وهو حسير. دخلتها ومعى فورة الشباب وأحلامه وتهاويله. دخلتها ومعى كل ما قرأته وسمعته من أدب أمتى وتاريخها وأخلاق علمائها وعظمة رجالها. . . والآن أقول لك ما لم يكن يخطر لي يومئذ على بال: دخلتها ومعى أيضا "متن مرجليوث" في "مسألة الشعر الجاهلي" مطروحا في قرارة يم النسيان. ألقيت بكل سمعى مصغيا إلى أستاذنا الدكتور طه، وهيبة الأستاذية تملأ قلبي وهو يردد كلماته، وأنا واقع أيضا في أسر كلماته، ولكني في الأسر كنت أعرف وأنكر، وينبسط قلبي وينقبض، ثم يوما بعد يوم. وبغتة، ومن قرارة يم النسيان، طفا "متن مرجليوث" كتابا مفتوحا، اقرأ "المتن" بعيني، وأسمع "الحاشية على المتن" بأذنى، وأخذنى ما أخذنى من الحيرة والدهشة والارتياح، ثم انقشع عني الظلام. . . فأصبحتُ والغولُ لي جارة، ... فيا جارتا، أنتِ، ما أَهْولَا! "والغول لي جارة"، ليست رمزا ولا مجازا بل كانت عندي حقيقة (١) مفزعة، تدخل معى قاعة المحاضرات يوما بعد يوم، وكل يوم أقول لنفسي عسى، ولعل! وأتوقع أن يذكر الدكتور طه، اسم مرجليوث مرة، وينسب إلى الرجل رأيه في "مسألة الشعر الجاهلي"، مجرد إشارة! وذهب توقعى باطلا هذرا. لم أسمع منه إلا: "انتهى بي البحث"، ثم "انتهى بي البحث"، ثم "انتهى بي البحث" وإذا كل شيء منه هو يبدأ، وإليه هو ينتهي! كيف يكون هذا، "والمتن" أمامى أقرؤه بعينين مبصرتين، وكل شيء يقوله الدكتور طه من هذا "المتن" وحده يبدأ، وإلى "المتن" وحده ينتهي، يا لحيرتى وعجبى!

стр. 1145

لو مرة واحدة ذكر الدكتور طه اسم مرجليوث، لنجوت بها من هذه "الغول" التي كانت تفزعني وتتشبث بي "جارة" لي في قاعة المحاضرات وخارج هذه القاعة! "فيا جارتا أنا ما أهولا! "، ويومئذ، ومن هذا الهول الذي كان يصحبنى ويتهددنى، نشأت عندي "القضية الثانية" "قضية السطو" التي ذكرتها وأن أكشف عن "لمحة من فساد حياتنا الأدبية" في كتابي (المتنبي ١: ١٧ - ٢٦). * * * تفاقم أمر "قضية السطو" في نفسي، واستبدت بي جارتى "الغول" حتى لم تدع لي ولا لقلبي سكينة، وسِرتُ على الجمر حافيا، وأنا أسمع يوما بعد يوم قعقعة معنى "الجامعة" في نفسي وهو يتقوض، يريد أن ينقض. وفي خلال ذلك كان مني ما كان. يوم وقفت أجادل الدكتور طه في "المنهج" و"الشك"، حتى انتهرنى، ثم استدعانى فدخلت عليه، فعاتبنى "وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه أن محاضراته التي نسمعها مسلوخة كلها من مقالة مرجليوث، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني كنت على يقين من أنه يعلم أنى أعلم، من خلال ما أسمع من حديثه، ومن صوته، ومن كلماته، ومن حركاته أيضًا" هكذا قلت في كتابي (المتنبي ١: ٢٢). ثم قلت أيضا: "ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانا بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائى بعد المحاضرات، فيأخذنى يمينا وشمالا في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن سطوه على مقالة مرجليوث: صارف همى كله إلى موضوع "المنهج والشك"، وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموى والعباسى قراءة متذوقة مستوعبة ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والإسلامي .. ولكني من يومئذ أيضا لم أكف عن إذاعة هذه الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور طه وهي أنه سطا سطوا كريها على مقالة المستشرق الأعجمى. فكان بلا شك، يبلغه ما أذيعه بين زملائى. وكثر كلامي عن الدكتور طه نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتى، بعض الأساتذة كالأستاذ "نلينو"

стр. 1146

والأستاذ "جويدى" من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافيء بيني وبين الدكتور طه زمانا، الى أن جاء اليوم الذي عزمت فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها"، (المتنبي ١: ٢٣، ٢٤) أخشى أن يكون هذا هو الذي أوقع في نفسك أيها العزيز، أنه كانت بينى وبينه (خصومة) قديمة منذ ذلك الزمان وأنا في الجامعة. سوف أتمم لك التاريخ الغابر خطوة خطوة. نعم ظل أمرى كما وصفت آنفا، سنتين، وأنا لم أفارق الجامعة بعد. وأزيدك الآن أيضا، أنى، مع كل ذلك، لم أنقطع عن زيارة الدكتور طه في بيته خلال هاتين السنتين المرة بعد المرة والذي بينى وبينه "سهو رهو"، كما حدثتك عن شأنى وشأنه قبل أن يكون أستاذا في الجامعة. أما "قضية السطو" فكانت قضيتى أنا وحدي، تعمل عملها في هدم معنى "الجامعة" في نفسي فلا أنا أجترئ على مصارحته بها، ولا هو يفاتحنى في شأنها وهو يعلم علما ليس بالظن ماذا أقول في فناء الجامعة، وماذ أقول للأساتذة لم كان يفعل ذلك ويصبر على؟ أمر يحتاج إلى تفسير، وأنا لست بصدد التفسير ولكني ملتزم برواية التاريخ لا غير. وأيا ما كان الأمر فهل ترى في هذا ظلا من (خصومة)؟ وكذلك، فأنا أزيدك أيضا من أخبار هاتين السنتين يوم قبل مدير الجامعه أن التحق بكلية الآداب، وبمحضر الدكتور طه نفسه، أخذ على عهد: أن أدرس اللغة الفرنسية، لأن طلبة القسم العلمي في الثانوية، كانوا لا يدرسون سوى الإنجليزية، وزملائى في كلية الآداب كلهم من طلبة القسم الأدبى الثانوى وقد درسوا هذه اللغة سنتين، فكان لزاما على أن أحصل ما حصلوه فيها: وأن أحضر أيضا معهم دروس اللغة الفرنسية في كلية الآداب، لكي أمتحن فيها كما يمتحنون، ومرت الأيام والشهور، ودنا موعد الامتحان، وأنا في حيرة من أمرى، أي حيرة استنكفت أن أسأل الدكتور طه أن يشير على ماذا أفعل؟ وذات يوم دعانى وقال لي: غدًا تمر علي في بيتى. فعلتُ: وبقيتُ معه طويلا في حديث

стр. 1147

متشعب. وأخيرا سألني: ماذا فعلت في دروس الفرنسية؟ قلت: الآن أستطيع أن أقرأ قراءة مقاربة، وأن أفهم فهمًا لا بأس به ولكني لا أستطيع البتة أن أعبر عن نفسي في الامتحان الشفوي، لا ينطلق لساني. فقال وبعدين يا محمود! قلت الأمر اليك. فأطرق يفكر. ثم قال: إذا كنت لا تستطيع أن تجيب عما تسأل عنه بالفرنسية، فهل تستطيع أن تجيب بالإنجليزية؟ قلت: نعم بلا شك. قال: إذن فعند الامتحان الشفوي تعالى إلي. ولم يزد، وانصرفت. فلما جاء الامتحان ودنا دروى، ذهبت إليه في مكتبه، فأخذ بيدي، وسار بي إلى لجنة الامتحان، ووقف الأستاذ الفرنسي إجلالا له، وبعد تقدمة قدمها قال: إنه يقرأ بالفرنسية ما شئت فإذا سألته عن شيء مما يقرأ، فأرجو أن تقبل منه أن يجيبك بالإنجليزية. وأخذت الأستاذ الدهشة، وبعد تردد ومحاورة قبل، وامتحنني. فهل ترى، أيها العزيز، في هذا ظلا من (خصومة)؟ * * * ودارت الأيام وأنا أغدو وأروح إلى الجامعة وجارتي "الغول" لا تفلتني ولا تفارقني، وصليل المعاول وهي تضرب في معنى "الجامعة" يتردد في نفسي، واسمع هدة انهيارها. وبغتة تهاوي كل شيء وهلكت قدرتي على الصبر فانقطعت عن الدراسة واستحصدت (١) عزيمتي على أن أهجر مصر كلها لا الجامعة وحدها، غير مبال بإتمام دارستي الجامعية، طالبا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي"، بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب، (المتنبي ١: ٢٤) هكذا قلت. انقطعت عن الذهاب إلى الجامعة فجأة. لم أر أحدًا من زملائي البتة. وعزمت على أن أسافر إلى مكة والمدينة طلبًا للعزلة، ولم أخبر أحدًا فقط بعزيمتي إلا رجلا واحدا، كان قد أطال المقام في مصر، وصار بعد سفيرا للسعودية، وهو الشيخ "فوزان السابق"، ﵀ كان صديقًا لأبي وإخوتي، وكان يعرفني

стр. 1148

أوثق معرفة. استمع الرجل إلى وكان وديعا طيب النفس، فبعد لأي قَبل أن يُعِيننى، وأخذت عليه العهد أن لا يخبر أحدا من أهلى بما عزمت عليه. ورحت أسعى سعيا حثيثا حتى استخرجت شهادة الإعفاء من الخدمة العسكرية، بعد دفع رسوم "البدلية"، كما كانوا يسمونها. وأعانني الشيخ فوزان حتى استخرجت جواز سفر بعد جهد جهيد. فلما وضعت الجواز في جيبى واطمأن قلبي، ذهبت إلى أبي ﵀ فكاشفته بجلية أمرى .. لم تأخذه دهشة المُنْكِر، خيل إلي أنه كان يعرف! ظللت أياما بين يديه، يحاورنى ويحاول أن يقنعني بالإقلاع عما عزمت عليه. لا هو يقتنع بما أقول وبما أمنى النفس به مختالا ولا أنا أقتنع بما يقول، وأخيرا ذكر لي بيت النابغة الذي مر آنفا: ولا تَذْهب بحِلْمكَ طامِياتٌ ... من الخُيلاء ليس لهن بابُ وقال: ستجد الأبواب مغلقة دون أمانيك بالضبة والمفتاح وستعود إلينا، بعد أن تضيق كما ذهبت، فافعل ما تشاء. وأَلْقَى حَبلى على غاربى، ووافق على سفرى، وبدأت أعد العدة وجمعت جميع كتبى وعبأتها. ولكن من الطريف أنى أقصيت منها جميع كتب الدكتور طه، وهبتها لصديق لي ﵀ .. فلم أكد استقر في مدينة جدة بالحجاز، وهدأت نفسي، حتى عدت فاشتريتها جميعا من مكاتب جدة. كان سخفا مني، ولكن هكذا كان! ! وذات يوم في الصباح الباكر دخل على زميلى وصديقي الأستاذ محمد الخضيرى، يستطلع أمر غيبتى عن الجامعة. وكان قد سأل عني مرات بالهاتف ولم يجدنى. فلما جلس، أفضيت إليه بالأمر كله، ففزع قائما، وكاد يبكى. فلما أخبرته بجميع ما في نفسي، أطرق وسكن، وبقى قليلا ثم انصرف. وفي العشية فوجئت بمقدم الأستاذ نلينو، ولكن هدوءه وبشاشته وهو يسألنى عن أبي كعادته كما جاء يزوره نفت الشك عن قلبي. فأخبرت أبي بمجيئه. فلما التقيا وجلسا، فوجئت بالأستاذ يتكلم ويذكرنى وصوته يتهدج ويتقطع من الغضب والأسف، فرجف قلبي رجفة وقمت من فورى ذاهبا على وجهي أحث الخطى، من دارنا في الحلمية الجديدة، ولم أنتبه إلا والمؤذن يوذن لصلاة المغرب، من

стр. 1149

مسجد قريب في منطقة الدقي فصليت المغرب ثم انقلبت راجعا إلى البيت بعد صلاة العشاء. أخبرني والدى أن الأستاذ نلينو جاء نائبا عن الدكتور طه، وأن الدكتور طه استحسن ذلك لأنه كان أستاذه وهو اليوم أستاذى أيضا، وقال: إنه دعا الأستاذ نلينو والأستاذ جويدى على الغداء عندنا بعد غد. جاء هذا الغد، وعدت إلى البيت بعد الظهر، لأجد الأستاذين نلينو وجويدى ومعهما أكثر من عشرين ضيفا، كلهم كان يعرفني، وهم من الأساتذة في دار العلوم، ومدرسة القضاء الشرعى، وفي الأزهر، وآخرين من أساتذتنا الكبار في ذلك العهد. وبعد الغداء وقعت بين المطرقة والسندان. كل يتكلم مُسَفِّها لي ضِمنا أو علانية، وأنا أرد مرة وأسكت مرات حتى بلغ مني الجهد. وأخيرا وقف الأستاذ نلينو فجأة، ووجه الحديث إلى أبي، وقال إن واجبه ديانة (غريبة! ) أن يمنع ولده من السفر. فقال له أبي ﵀: لا آمر ولدى في شيء، وقد حاولت أن أقنعه بالحجة بعد الحجة فلم يقتنع. وها هو ذا بين يديك، فإن استطعت أن تبلغ في إقناعه ما لم أبلغ، فقد شفيت صدرى وأرحتنى، أما القسر فلا قسر عندي يا أستاذ نلينو. فالتفت إلى نلينو، وأطبق على إطباقا خانقا، فلم أجد لي مخلصا من قبضته إلا المصارحة. فقلت له: نعم أنا مقتنع بكل ما تقوله عني وعن تسرعى وتهورى ومخاطرتى بمستقبلي، ولكني لم أكن كما وصفت إلا لشيء واحد، هو أن معنى "الجامعة" في نفسي قد أصبح أنقاضا وركاما، فإن استطعت أن تعيد لي البناء كما كان، فأنا أول ساكن يدخله لا يفارقه. قال: ما هذا؟ ماذا تعني؟ قلت: أنت تعلم أنى بقيت معك في الجامعة سنتين لم أبرح، وتعلم ما كنت أقوله عن "مسأله الشعر الجاهلي" التي نسمعها في محاضرات الدكتور طه، وأن هذا الذي نسمعه ليس إلا "سطوا" مجردا على مقالة مرجليوث، وأنت وجميع الأساتذة تعلمون صحة ذلك. وفي خلال السنة الماضية، نُشرت كُتُب ومقالات في الصحف تكشف ذلك أبين كشف -ولكن لم يكن لهذا الكشف عندكم في الجامعة صدى إلا الصمت. فهدا الصمت إقرار من الجامعة وأساتذتها بهذا

стр. 1150

المبدأ، مبدأ "السطو". قد مضت على سنتان صابرا، أما الآن، فلم أعد قادرا على التوفيق بين معنى "الجامعة" في نفسي، وبين هذا المبدأ الذي أقررتموه، فتقوض معني "الجامعة" وأصبح حطاما. فكيف تطالبوننى بأن أعيش سنوات أخرى بين الحطام والأنقاض؟ وأي خير أرجوه، أو ترجونه مني، إذا أنا فعلت ذلك راضيا أو غير راض؟ شيء واحد: أن يعلن الدكتور طه أن الذي يقوله في "مسألة الشعر الجاهلي"، هو قول مرجليوث بنصه، وليقل بعد ذلك أنه يؤيده ويناصره ويحتج له، أو لا يقل. فإذا فعل، فستجدنى غدا أول طالب يرابط في فناء الجامعة قبل أن تشرق الشمس. أما مع هذا الصمت، فإن نفسي لا تطيق أن تسكن الديار الخربة! وجم نلينو، وأحسست بنظرات العيون تنفذ كالسهام في جميع أعضائى، وبغتة قال الشيخ عبد الوهاب النجار ﵀: إن هذا الفتى كان في رأسه أربعة وعشرون برجا، فطارت ولم يبق إلا برج واحد، عسى أن ينتفع به يوما ما، فيسترد الأبراج التي طارت! وسكت. وحيرتنى كلماته. ولم أدر ما عناه، أهو راض عما قلت أم غير راض؟ ثم بدأ نلينو يتكلم مرة أخرى هادئا معرضا عني، وعرض على والدى حلا آخر لإنقاذى ولكني لم أستجب لهذا الحل. وبعد يومين كنت على ظهر الباخرة التي تقلنى إلى مدينة جدة، فنزلتها، وشددت الرحال إلى بيت الله الحرام، فقضيت عمرتى، ثم عدت إلى جدة بعد أيام، فأجد أول رسالة تلقيتها من أبي وفي آخرها يقول: "زارنى في عصر اليوم الذي سافرت فيه إلى السويس، الأستاذ نلينو والدكتور طه حسين"، ولم يزد على ذلك شيئا، وختم الرسالة. لقد أضنيتنى، أيها العزيز، وحملتنى على أن أقص قصة طويلة أنا راغب عنها، ولا خير فيها لأحد. ولكن .. أنتَ قطعت اللجام بالحسام، فلم يبق في يدي ما أكبح به جماح القلم، وقد كنت من قبل قادرا على كبح جماحه وأنا أكتب "لمحة من فساد حياتنا الأدبية" هي مقدمة كتابى "المتنبي" حيث قصصت بعض القصة كارها، ولكن ما أبشع قصة (الخصومة) وأكرهها إلى

стр. 1151

نفسي. فالآن هل ترى من (خصومة) كانت بينى وبين الدكتور طه منذ عرفته إلى أن فارقت مصر كلها، لا الجامعة وحدها، في سنة ١٩٢٨؟ بعد الجامعة مضت السنوات منذ سنة ١٩٢٨، وأمر الجامعة وكل ما فيها لا يعنينى. وكان ما توقعه أبي، فعدت أدراجى من الحجاز إلى مصر، لم أر الدكتور طه ولا أحدا من زملائى في الجامعة أو أساتذتى منذ ذلك اليوم إلى أن كان يناير سنة ١٩٣٦، التي خرج فيها كتابي "المتنبي". ثم جاء أسبوع الاحتفال بمرور ألف سنة على وفاة أبي الطيب، بدار الجمعية الجغرافية في النصف الثاني من سنة ١٩٣٦، فلقيت الدكتور طه مرتين متتابعتين، فقابلنى بالحفاوة والبشاشة، "ثم أخبرني أنه قرأ كتابي كله، وجاء بثناء لم أكن أتوقعه، وأطال وأفاض: (على مشهد من جميع أساتذتى في الجامعة) وغمرنى ثناؤه حتى ساخت بي الأرض، فمات لساني في فمى، فلم أستطع أن أنبس بحرف واحد، وهو آخذ بيدى لا يرسلها، إلى أن ركب، وافترقنا"، قلت ذلك وذكرت تمام القصة في كتابي، (المتنبي ١: ١٣٣، ١٣٤، ١٣٧، ١٣٨) -ثم في يناير سنة ١٩٣٧، أي بعد أقل من عام، ظهر كتاب الدكتور طه "مع المتنبي"، وساءني الكتاب، وردنى إلى سنة ١٩٢٨ وما قبلها، وإلى كل ما عنيته يومئذ من غوائل جارتى "الغول" وكذلك عادت "قضية السطو" على أعمال الناس في قلبي جَذَعَةً أي نارا حية بعد أن طفئت وخبا أُوارها. كتبت اثنتى عشرة مقالة في صحيفة البلاغ بعنوان: "بيني وبين طه" بنيت الكلام فيها، منذ فاتحة المقالة الأولى على قول صريح بلا مواربة ولا مداهنة، أن كتابه "مع المتنبي"، "سطو" على كتابي أولا وتقليد لمنهجه، ثم على كتاب الدكتور عزام، ثم على كتاب الأعجمى بالاشير، وعلى كتب أخرى متفرقة. وكنت على نية متابعة هذه المقالات، فحدث ما بغَّض إلى هذا الأمر كله، فطرحت كتابي وكتاب الدكتور طه جانبا، وضقت بهما وبالمتنبى نفسه ذرعا. فكففت عن متابعة الكتابة، وذكرت سبب ذلك في كتابى "المتنبى ١: ١٤٢،

стр. 1152

١٤٣". وكنت أنوى في ختامها أن أثير "قضية السطو على أعمال الناس برمتها، لأن أمرها كان قد استشرى في ذلك الوقت، وإلى اليوم، بين أسوار الجامعة وخارج الأسوار". بعد أيام، منذ كففت، اتصل بي الأستاذ نلينو مرات بالهاتف: يسأل عن أبي، وكان مريضا، ويسأل عني فلم يجدنى. كانت وفاة الرافعي ﵀، وهو أستاذى وصديقي، قد بلغت مني، فنسيت نلينو أو تناسيته -وبينما أنا أفارق محطة مترو مصر الجديدة، وكانت في شارع عماد الدين يومئذ، لقيت نلينو وجها لوجه، وتصافحنا وسرنا حتى جزنا الزحام إلى الرصيف الهادئ، فابتدرنى قائلا: قرأت كتابك ثم مقالاتك في صحيفه البلاغ. ثم ضحك كعادته حتى استغرب (١) وقال: لم تتغير أنت، ولم يتغير الدكتور طه، (يعني ما كان من أمرى وأمره في الجامعة). ثم قال: إنه سألنى عنك مرات، وهو يحب أن يراك، فواجب عليك أن تزوره، قلت: نَعَمْ، ونِعْمَة عَيْن (٢)، وسوف أفعل إن شاء الله. ولم يذكر كتاب الدكتور طه بكلمة، فسألته: وهل قرأت كتابه؟ قال: نعم. قلت له: فما رأيك إذن؟ وكنت أعني رأيه فيما كتبته أنا في صحيفة البلاغ، إلا أنه فاجأنى قائلا: كان ينبغي للدكتور طه أن يحتفظ به في درج مكتبه بضع سنوات، وهو يعيد النظر فيه، ثم ينشره بعد ذلك. قنعت بهذا، وسرنا نتحادث حتى افترقنا. ولكني لم أف بما وعدته به من زيارة الدكتور طه. ومضت ثلاث سنوات أو أكثر، وفي يولية سنة ١٩٤٠، دق جرس الهاتف، وإذا المتحدث هو الدكتور طه نفسه، فعاتبنى عتابا مُرا على انقطاعى عنه، ثم حدثني عن مقالة كان قرأها قبل أيام في الرسالة، كتبتها بعنوان: "ويلك آمن! "، وحرضنى على أن أتابع القول على هذا المنهج، ثم دعانى إلى زيارته، فزرته بعد ذلك مرات. ثم توفيت زوجة صديق لي، كان أديبا كاتبا، ومدرسا أيضا، وتركت امرأته صغارا في المهد وفوق المهد قليلا، فلم يطق من يومئذ أن يذهب

стр. 1153

إلى المدرسة ويرى أشباههم الصغار، وأراد أن ينقل إلى الوزارة نفسها ويترك التدريس كان الدكتور طه يومئذ مستشارا لوزارة المعارف، فرأيت لزاما على أن أقضى حق صديقي، فاتصلت بالدكتور في بيته لأزوره، واتفقنا على الموعد. كان هذا الصديق قد تناول الدكتور طه تناولا شديدا في بعض ما كتب من قبل، وأنا أعلم من خلائق الدكتور طه ما أعلم، فأخذت لذلك حذرى. لم أفاتحه فيما جئت له إلا بعد أن أنبأته أنى جئت في حاجة قضاؤها في سلطانه وناشدته أن يستجيب لي مهما بلغ أمرها من الصعوبة. فقال خيرا، حتى استوثقت من الأمر لم أذكر اسم الصديق، ولكني حدثته عن نكبة صديق لي مدرس في المدارس، وبلغتُ الجهد في نَعْت نَكْبته، وأحسنت وصف أخلاق صديقي وقدرته وامتيازه ومعرفته وخبرته وسألته أن يأخذه معه في مكتب المستشار، أي في مكتبه هو. فقال: سأفعل، لكن من هو هذا الذي حدثتنى عنه؟ فذكرت له اسمه، فانتفض غاضبا وقال: لا، كيف يكون هذا؟ محال! غير ممكن، إنك خدعتنى! فقمت غاضبًا وقلت لقد أعطيتنى العهد، وإذ لا عهد، فالسلام عليكم، ووليت منصرفا ولم أعقب. فنادى سكرتيره بأعلى صوته، وأمره بأن يردنى: فرجعت. فأجلسنى وقال: مالك أيها الصعيدى! فقلت مسرعا ببقية الغضب التي في نفسي: إنك ترفضه، لا لأنه كتب عنك، بل لأن ما كتبه ذكَّرك بما كتبت أنا عنك! (وأعني مقالاتى عن المتنبي). فقال: لا، يا شيخ، أتظن هذا؟ وانفثأ غضبه وظل يضحك ملء فيه. بدأ يحدثني عن هذه المقالات، وكيف كان يقرؤها؟ وعما كان يحدث بينه وبين بعض أصدقائه كلما ظهرت مقالة في البلاغ، وقال ما قال عن هذه المقالات، فأدهشنى ما قاله، وعلى كل حال لعله رأى فيها غير ما رأيت أنت أيها العزيز. ثم ختم الحديث بأن قبل شفاعتى في صديقي واستجاب لكل ما طلبته على بعض المضض. وصار موظفا عنده في مكتبه. وبعد أسبوعين أو ثلاثة زرته في مكتبه، فصارحنى بأنى قد أخلصت له النصيحة في هذا الصديق، وأثنى عليه ثناء مذهلا.

стр. 1154

حسبنا هذا القدر من التاريخ الممل، ذكرته واضحا لمن يتأمله، وفيه من جوانب فضل الدكتور طه ما ينفي كل (خصومة) متوهمة، ولم أنس قط يدا كانت للرجل عندي. ومنذ سنة ١٩٤٠ ظل الود بيني وبينه إلى أن أفضي إلى ربه غفر الله لنا وله. وكان في حياته يقرأ كل ما أكتبه وأذكر فيه "قضية الشعر الجاهلي"، فلم أجد عنده ولا عندي (خصومة) تبلغ بي أو به حد "اللدد في الخصومة". وإذا كان، أيها العزيز، بعض ما في كلامي وألفاظي، وأنا أذكره قد ارتفع بك إلى إستخراج (خصومة) تنسبها إلي، فهذا ليس يجرى عندي على هذا الوجه. و (الخصومة) على الوجه الذي دل عليه كلامك، ليست مما أتعامل به فيما أكتب. فما من شيمتى أن أخاصم أشخاص الرجال على آرائهم أو أفعالهم، فإذا خاصمت فأنا أخاصم الآراء والأفعال نفسها، ولا أتجاوز بخصومتى إلى أصحابها والفاعليها. . نعم، إن "الأساتذة الكبار" قد سنوا في (الخصومة) سننا جرت عليها حياتنا الأدبية، فألفها الناس حتى لم يعد أحد ينكرها أو يعيد النظر فيها، فكأنك معذور كل العذر، إذ جعلت تقيس سُنَّتى في الكتابة على سُنَّتهم، ولكني لست من "الأساتذة الكبار" في شيء بحمد الله. قضية السطو كذلك. . "قضية السطو"، وهي إلى هذا اليوم قضية جارية في حياتنا الأدبية، حاولت في مقدمة كتابى "المتنبي" أن أكشف عن جذورها وأصولها وبعض أساليبها، ثم قلت: "والقصة تطول، ومع ذلك فليس هذا مكان قصتها على وجهها، إذا أنا أردت أن أقيد ما كان كما شهدته فيما بين سنة ١٩٢٨ وسنة ١٩٣٦، بل إلى ما بعد ذلك إلى يومنا هذا"، (المتنبي ١: ٣٨) وإذا كان طول إلفها قد جعلها مستساغه، أو بعيدة عن التناول، أو في ضل وارف يسترها عن أعين الناظرين، فذلك لا ينفيها، أو لا يحجبها عن العين الفاحصة التي تتدسس إلى الأعماق. ومع ذلك، فأنا أحب أن أجعلك على بينة من أمرها عندي. فقد ذكرت لك أنها إحدى قضيتين نشأتا عندي، وأنا في الجامعة،

стр. 1155

أستمع الى محاضرات الدكتور طه في "مسألة الشعر الجاهلي"، وكانت هذه القضية قضيتى أنا وحدي، فيما بيني وبين نفسي. ففارقت الجامعة سنة ١٩٢٨ وهي معى حية مبصرة. ثم عشت منذ ذلك الحين زمنا طويلا إلى يومنا هذا، وأنا أرقبها وأشاهد آثارها، وأتتبع وسائلها وأساليبها في كل ما أقرأ أو أسمع. ولكني لم أنصب نفسي لدلالة الناس على هؤلاء الذين يسطون على أعمال الناس بجرأة خارقة، ولا أنا حاولت أن أتعقب هؤلاء فأكشف أمرهم علانية، كان ينبغي أن أفعل، ولكني لو فعلت ذلك، لكان على أن أستهلك أيامى وليالى وعمرى كله، ولأحفيت إذن آلافا من الأقلام في تسطير هذه الخبائث على آلاف من القراطيس والأوراق. لم أصبر نفسي على كشف الأساليب الملتوية البارعة في السطو على أعمال الناس، لأننى كنت يومئذ في شغل عنها، بما هو أجدى على: من تقويم نفسي، ومن تخليصها مما داخلها من الفساد بفساد الزمان الذي نشأت فيه. كانت "قضية السطو"، فيما قبل سنة ١٩٢٨، تسير على استحياء، وكان ما بقى من أخلاق الناس في الناس، يكف من خطواتها في حياتنا الأدبية. ولكن لما ثارت "مسألة الشعر الجاهلي" في الجامعة، وعلم من لم يكن يعلم أن الذي قيل فيها إنما هو سطر مبين على مقالة مرجليوث اختلف الأمر اختلافا شديدا. فالجامعة وجميع أساتذتها يومئذ، قد علموا علما يقينا أن كتاب "في الشعر الجاهلي" قائم على "السطو" على مقالة مرجليوث بحذافيرها. ومع ذلك، فقد ابتلعت الجامعة وأساتذتها هذا "السطو"، ثم تستروا عليه، لا بل حاطوه بالرعاية وبالعصبية. فكان ذلك إقرارا بالصمت، لهذا المبدأ، فمن يومئذ، أخذ من كان بالأمس يستحي أن يوصم بالسطو، يخلع برقع الحياء عن وجهه شيئا بعد شيء. واستحدث كل منهم وسيلة من الوسائل، وأسلوبا من الأساليب، تجعل هذا "السطو" يبدو ضربا من "التجديد" في دراسة الأدب وفي إنتاج الأدب. وبدأ السطو من بعض "الأساتذة الكبار" تزداد أساليبه خبثا ونكرا، ودهاء ومكرا، يوما بعد يوم، تحت سيطرة "الإرهاب الثقافي" الذي تولى كِبْرَهُ "الأَساتذة

стр. 1156

الكبار" (١). وتُسَهِّل من أمره ما كان يَسْتصعب، وبدأ الكبار يستغلون الصغار أيضا، ويدربونهم على السطو الصريح بأساليب تخفي شيئا من معالمه، ودارت العجلة. . ورحم الله أبا العلاء إذ قال: ولا تُعَلِّم صغيرَ القوم معصيةً ... فذاك وِزْرَ إلى أمثاله عَدَلَكْ فالسِّلْكُ، ما اسطاع يوما ثَقْبَ لؤلؤةٍ! ... لكنْ أصاب طريقًا نافِذا فسَلَكْ دارت العجلة، ولم تزل تدور، وجاء جيل بعد جيل، أصاب طريقا نافذا فسلك! واستقر الأمر على ذلك في حياتنا الأدبية إلى اليوم، لا أقول لك في البحث الأدبي، بل في الفن كله وفي الموسيقى أيضا، وفي الإنتاج الأدبي والعلمي بلا استثناء، إلا من عصم الله، وهم قليل. وليت الأمر وقف عند ذلك القدر من المكر والدهاء في "السطو"! ليته وقف، ولكن انحدر بعد إلى هوة "السطو الحر" وقرارته، (الحر! غريبة، كيف جاءت هذه الصفة هنا؟ ). انحدر إليها بلا قناع، إلا قناع الزمن الذي يُشْدِلُه على أعمال الناس بالتقادم! مثال ذلك: كتاب كان صاحبه يحميه حيا، فلما هلك هلكت معه الحماية، وأسدل الزمن عليه قناعه. يأتي أستاذ فيعيد نشره بنصه كما كان، ولكن عليه اسمه هو، ويرتفع الأمر الى المحكمة، فتحكم بأنه "سطو"، دون أن تلجأ الى خبير من أهل هذا العلم، لأن الأستاذ قد أغنى المحكمة عن إرهاق الخبير! كان سطوا حرا، سطرا سطرا. ثم مات الأمر، وابتلعته حياتنا الأدبية ابتلاعا حرا؟ بلا استنكار، لا باليد ولا باللسان ولا بالقلب. وإذا بلغ الأمر هذا المبلغ. فلا ريب في أن "السطو" الخفي المتقن، الذي يلبس طيلسان الجامعة، أو برد الأستاذية، أو يختال في ثياب موشاة من البحث العلمي = خليق أن يعد عندنا في حياتنا الأدبية، تسابيح عبادة في محراب الفنون والآداب. من أجل ذلك، لا أجدني منصفا، إذا توقفت عند مقالتك الثانية، وعند

стр. 1157

ما ذكرته فيها من استنكارك على أن أجعل في كتابي "المتنبي" فصلا بعنوان "كتابان في علم السطو"، متهما فيه الأستاذين الجليلين: الدكتور طه والأستاذ عبد الوهاب عزام بالسطو على ما في كتابي وعلى كتب غير كتابي عن المتنبي. فهذه قضية لا أحب أن أناقشها هنا، بأكثر مما سطرته في المقدمة (المتنبي ١: ١٠٦ - ١٦٥)، وفي مقالاتى التي نشرتها في الجزء الثاني من كتابي بعنوان "بيني وبين طه"، فإذا كان ما كتبته لم يقنعك، فأنا وأنت كما قال المقنع الكندى: وإنَّ الذي بَيْنِي وبَيْنَ بَنِي أبي ... وبَيْنَ بني عَمِّى، لَمختِلفٌ جِدًّا! وحسبي أن أختم القول "قضية السطو" بكلمتين أقتبسهما عرضا. الاقتباس الأول من صحيفة الأخبار في ٢٧ فبراير ١٩٧٨، من كلمة كتبها الأستاذ جلال الدين الحمامصى "دخان في الهواء". يقول: "لصوص الفكر: عندما تحدثتُ عن لصوص الفكر الذين يسطون على الكتب، ويأخذون بعض أفكارها ويؤلفون منها القصص السينمائية، لم أكن أظن أن هذا الموضوع يشغل بال الكثيرين، لا في مجال السينما وحدها، بل وفي كل المجالات، فأساتذة الجامعة يشكون من أن اللصوصية امتدت إلى بعض الطلبة، فيسطون على مؤلفاتهم بكاملها ويصورونها، ويبيعون النسخ لزملائهم بأرباح طائلة. والدكتور صليب بطرس يقول: "إن الإنتاج الفكرى المصري أصبح في معظم الأقطار العربية نهبا للصوص الفكر، يسَّرت لهم السرقة فنون الصنعة الطباعية الحديثة التي انتشرت على نطاق واسع في السنوات الأخيرة كما يسرت لهم تفادى أغلى الأجزاء في صناعة الكتاب، وهي حق المؤلف، وعملية الجمع. فلا يبقى بعد ذلك إلا التصوير والورق والحبر وهي تقل عن نصف التكلفة الكلية بكثير. ومن ثم يصبح اللص في مركز يمكنه من بيع الكتاب المزور بأقل مما يبيعه ناشره الأصلى بكثير جدا". وردود الفعل لكلمتى كثيرة، وهكذا نجد أن اللصوصية لم تعد مقصورة على

стр. 1158

مجال واحد، بل أنها تمتد. وتمتد وتصبح القاعدة في كل شيء. وما ذلك إلا لأن الاعتداء على حقوق الآخرين لا يجد من يمنعه. على أنى أقول إن أخطر أنواع هذه اللصوصية، هي السطو على فكر الآخرين وتقديمه في أفلام لأن المفروض أن مؤلف القصة أو كاتب السيناريو والحوار، إنما يحاضر المشاهدين في موضوعات عامة وترتكز على المبادئ، والقيم الأخلاقية. وما أتعس شعبا يكون المحاضر فيه من أقطاب لصوصية الفكر". هكذا قيل في (فبراير سنة ١٩٧٨). فهذا كما ترى، أيها العزيز، داخل دخولا ما في "السطو الحر" الذي حدثتك عنه، ولكنه خسيس! الاقتباس الثاني من كتاب جيد للدكتور فؤاد زكريا، عنوانه "التفكير العلمي"، نشره في شهر (مارس سنة ١٩٧٨)، عقد في أواخره بابا بعنوان "شخصية العالم"، وجعل الفصل الأول في "الروح النقدية" فقال (ص: ٢٨٨، ٢٨٩): "والوجه الآخر لموضوع النقد هذا هو أن نعترف بفضل الآخرين على أعمالنا. فنحن ندين لمن نقرأ لهم بقدر كبير من معارفنا بل أن كثيرا من أفكارنا الشخصية التي يبتدعها كل منا وفي ذهنه أنه مصدرها الوحيد، لا تثار في أذهاننا إلا لأن قراءة بحث أو كتاب معين، قد أوحي إلينا بها، ولو بصورة غير مباشرة، أو أثار فينا حاسة النقد والهجوم، فيكون له الفضل في هذه الحالة بدورها، حتى ولو كان ذلك فضلا سلبيا. ومن هنا: فإن العلماء والكتاب في البلاد المتقدمة التي رسخت فيها التقاليد العلمية، يحاولون بقدر ما في وسعهم، رد الفضل إلى أصحابه. وربما رأيت المؤلف منهم يعدد في مقدمة كتابه أسماء مجموعة ضخمة من الأشخاص، بعضهم ناقشه مناقشة قصيرة حول الموضوع، وأحيانا يذكر الأستاذ فضل تلاميذه الذين ألهموه بأسئلتهم واستفساراتهم كثيرا من أفكاره. أما الإشارة إلى الاقتباسات من المراجع الأخرى، فقد أصبحت تقليدا ثابتا لا يخالف فيه أحد. وفي هذه الحالة بدورها، نجد أن هذا التقليد الجليل لم يستقر في بلادنا تمام

стр. 1159

الاستقرار، بل أن مخالفته قد تتخذ في بعض الأحيان أبعادا مؤسفة، كما يحدث في حالات "السطو" على أعمال الآخرين التي ينسبها المرء إلى نفسه دون وازع من ضمير. ومن المؤكد أن حياتنا العلمية لن تستقيم إلا إذا أصبح الاعتراف بفضل الآخرين، حتى في الأمور البسيطة، قاعدة لا يخالفها أحد. وربما احتاج الأمر في البداية إلى قدر من الشدة، بحيث يَلْقَى من يرتكبُ عملا من أعمال السرقة العلمية جزاء رادعا. وبعد ذلك يمكن أن يتحول السلوك العلمي القويم إلى عادة متأصلة في النفوس، فلا نحتاج إلى فرض جزاءات. ولكن النظرة المدققة إلى أوضاع التقاليد العلمية في العالم العربي لا توحي بالتفاؤل، إذ يبدو أن الأجيال الجديدة أقل تمسكا بهذه التقاليد حتى من الأجيال السابقة. ومن ثم فإن الخط البيانى للروح النقدية السليمة، وللأخلاق العلمية بوجه عام، يتجه إلى الهبوط. وهو أمر مؤسف ينبغي أن نتداركه حتى لا تتسع الهوة بيننا وبين البلاد المتقدمة التي يزداد علماؤها تمسكا بالتقاليد العلمية جيلا بعد جيل". هكذا يقول أستاذ من أساتذة الفلسفة بعد مضى أكثر من خمسين سنة على إِنشاء الجامعة! وأنا أقتصر على هذين الاقتباسين بلا تعليق، فإن ما أسلفته هنا وفي كتابي دال عليه، وصدق أبو العلاء، فإن الجيل بعد الجيل "أصاب طريقا نافذا فسَلَكْ"، وغفر الله للأساتذة الكبار! ! ولكن الأمر أجل وأفحش مما يتصور الأستاذ الحماصى والدكتور فؤاد، كالذي قال الشاعر في هجاء رجل يقال له "الأشنعى": لَعَمْرُكَ إن الأَشْنَعِيَّ وشَأْنهُ، ... لكالصُّبْحِ، ما يزداد غَيْرَ بياضِ أو كالذي قال أبو تمام: أيقظت هاجِعَهمْ، وهل يُغْنِيهمْ ... سَهْرُ النواظرِ والعقول نيامُ أو كالذي قال ابن الرومى: يرى الموارط ذو عين فيحذرها ... والعمى فيها إلى الأذقان والركب وحسبي أن أختم هذه القضية، "قضية السطو" هنا، بما قلت في ختامها في كتابي

стр. 1160

"أتلفت اليوم إلى ما أشفقت منه قديما من فعل "الأساتذة الكبار". لقد ذهبوا بعد أن تركوا، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، حياة أدبية وثقافية قد فسدت فسادًا وبيلا على مدى نصف قرن، وتجددت الأساليب وتنوعت، وصار السطو على أعمال الناس أمرا مألوفا غير مستنكر، يمشي في الناس طليقا عليه طيلسان (البحث العلمي) و"عالمية الثقافة" و"الثقافة الإنسانية"، وإن لم يكن محصوله إلا ترديدا لقضايا غريبة، صاغها غرباء صياغة مطابقة لمناهجهم ومنابتهم ونظراتهم في كل قضية، واختلط الحابل بالنابل. قُلْ ذلك في الأدب والفلسفة والتاريخ والفن أو ما شئت، فإنه صادق صدقا لا يتخلف. فالأديب مصور بقلم غيره، والفيلسوف مفكر بعقل سواه، والمؤرخ ناقد للأحداث بنظر غريب عن تاريخه، والفنان نابض قلبه بنبض أجنبى عن تراث فنه"، وارحمتاه! ! كذلك. . . وهذه هي القضية! ولم أزل أقول عن كتاب الدكتور طه، والأستاذ عزام، أنهما "كتابان في علم السطو" لا جَرَم! وسَمِّهما أنت بعدئذ ما شئت: "استلهاما" أو "استعارة" أو "استلالا في خفة"، أو بابا من أبواب "الاجتهاد" الذي تصورت أنى خُلِقْت لأغلقه، فالمهارة البارعة في تغيير بعض معالم المتاع المسروق أو أكثرها لا تخرجه ولا سارقه من حد السرقة. وطال الأمد على لُبَد (١). . . ونحن لم نزل في الثالثة، فأنت أيها العزيز، تقول: "إنه من المحزن أن يبلغ بنا اللدد في الخصومة حدا يجعلنا نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه (رجل جاهل)، ليس له بصر بتذوق الشعر". بطلت (الخصومة) آنفا، فالآن كيف؟ أنت تعرفني بلا شك، وتعرف الدكتور طه أيضا، أليس كذلك؟ فهل تتصور أنه لو كان الدكتور طه عندي (رجلا جاهلا)، هل تتصور أنى كنت أخاطبه أو أبالى به؟ لعلك قست أمرى وأمر الدكتور طه، على ما كان مني يوم حملت القلم بعد هجر له طويل،
следующие страницы →