الكبار" (١). وتُسَهِّل من أمره ما كان يَسْتصعب، وبدأ الكبار يستغلون الصغار أيضا، ويدربونهم على السطو الصريح بأساليب تخفي شيئا من معالمه، ودارت العجلة. . ورحم الله أبا العلاء إذ قال:
ولا تُعَلِّم صغيرَ القوم معصيةً ... فذاك وِزْرَ إلى أمثاله عَدَلَكْ
فالسِّلْكُ، ما اسطاع يوما ثَقْبَ لؤلؤةٍ! ... لكنْ أصاب طريقًا نافِذا فسَلَكْ
دارت العجلة، ولم تزل تدور، وجاء جيل بعد جيل، أصاب طريقا نافذا فسلك! واستقر الأمر على ذلك في حياتنا الأدبية إلى اليوم، لا أقول لك في البحث الأدبي، بل في الفن كله وفي الموسيقى أيضا، وفي الإنتاج الأدبي والعلمي بلا استثناء، إلا من عصم الله، وهم قليل.
وليت الأمر وقف عند ذلك القدر من المكر والدهاء في "السطو"! ليته وقف، ولكن انحدر بعد إلى هوة "السطو الحر" وقرارته، (الحر! غريبة، كيف جاءت هذه الصفة هنا؟ ). انحدر إليها بلا قناع، إلا قناع الزمن الذي يُشْدِلُه على أعمال الناس بالتقادم! مثال ذلك: كتاب كان صاحبه يحميه حيا، فلما هلك هلكت معه الحماية، وأسدل الزمن عليه قناعه. يأتي أستاذ فيعيد نشره بنصه كما كان، ولكن عليه اسمه هو، ويرتفع الأمر الى المحكمة، فتحكم بأنه "سطو"، دون أن تلجأ الى خبير من أهل هذا العلم، لأن الأستاذ قد أغنى المحكمة عن إرهاق الخبير! كان سطوا حرا، سطرا سطرا. ثم مات الأمر، وابتلعته حياتنا الأدبية ابتلاعا حرا؟ بلا استنكار، لا باليد ولا باللسان ولا بالقلب. وإذا بلغ الأمر هذا المبلغ. فلا ريب في أن "السطو" الخفي المتقن، الذي يلبس طيلسان الجامعة، أو برد الأستاذية، أو يختال في ثياب موشاة من البحث العلمي = خليق أن يعد عندنا في حياتنا الأدبية، تسابيح عبادة في محراب الفنون والآداب.
من أجل ذلك، لا أجدني منصفا، إذا توقفت عند مقالتك الثانية، وعند
стр. 1157
ما ذكرته فيها من استنكارك على أن أجعل في كتابي "المتنبي" فصلا بعنوان "كتابان في علم السطو"، متهما فيه الأستاذين الجليلين: الدكتور طه والأستاذ عبد الوهاب عزام بالسطو على ما في كتابي وعلى كتب غير كتابي عن المتنبي. فهذه قضية لا أحب أن أناقشها هنا، بأكثر مما سطرته في المقدمة (المتنبي ١: ١٠٦ - ١٦٥)، وفي مقالاتى التي نشرتها في الجزء الثاني من كتابي بعنوان "بيني وبين طه"، فإذا كان ما كتبته لم يقنعك، فأنا وأنت كما قال المقنع الكندى:
وإنَّ الذي بَيْنِي وبَيْنَ بَنِي أبي ... وبَيْنَ بني عَمِّى، لَمختِلفٌ جِدًّا!
وحسبي أن أختم القول "قضية السطو" بكلمتين أقتبسهما عرضا.
الاقتباس الأول
من صحيفة الأخبار في ٢٧ فبراير ١٩٧٨، من كلمة كتبها الأستاذ جلال الدين الحمامصى "دخان في الهواء". يقول: "لصوص الفكر: عندما تحدثتُ عن لصوص الفكر الذين يسطون على الكتب، ويأخذون بعض أفكارها ويؤلفون منها القصص السينمائية، لم أكن أظن أن هذا الموضوع يشغل بال الكثيرين، لا في مجال السينما وحدها، بل وفي كل المجالات، فأساتذة الجامعة يشكون من أن اللصوصية امتدت إلى بعض الطلبة، فيسطون على مؤلفاتهم بكاملها ويصورونها، ويبيعون النسخ لزملائهم بأرباح طائلة. والدكتور صليب بطرس يقول:
"إن الإنتاج الفكرى المصري أصبح في معظم الأقطار العربية نهبا للصوص الفكر، يسَّرت لهم السرقة فنون الصنعة الطباعية الحديثة التي انتشرت على نطاق واسع في السنوات الأخيرة كما يسرت لهم تفادى أغلى الأجزاء في صناعة الكتاب، وهي حق المؤلف، وعملية الجمع. فلا يبقى بعد ذلك إلا التصوير والورق والحبر وهي تقل عن نصف التكلفة الكلية بكثير. ومن ثم يصبح اللص في مركز يمكنه من بيع الكتاب المزور بأقل مما يبيعه ناشره الأصلى بكثير جدا".
وردود الفعل لكلمتى كثيرة، وهكذا نجد أن اللصوصية لم تعد مقصورة على
стр. 1158
مجال واحد، بل أنها تمتد. وتمتد وتصبح القاعدة في كل شيء. وما ذلك إلا لأن الاعتداء على حقوق الآخرين لا يجد من يمنعه. على أنى أقول إن أخطر أنواع هذه اللصوصية، هي السطو على فكر الآخرين وتقديمه في أفلام لأن المفروض أن مؤلف القصة أو كاتب السيناريو والحوار، إنما يحاضر المشاهدين في موضوعات عامة وترتكز على المبادئ، والقيم الأخلاقية. وما أتعس شعبا يكون المحاضر فيه من أقطاب لصوصية الفكر". هكذا قيل في (فبراير سنة ١٩٧٨).
فهذا كما ترى، أيها العزيز، داخل دخولا ما في "السطو الحر" الذي حدثتك عنه، ولكنه خسيس!
الاقتباس الثاني
من كتاب جيد للدكتور فؤاد زكريا، عنوانه "التفكير العلمي"، نشره في شهر (مارس سنة ١٩٧٨)، عقد في أواخره بابا بعنوان "شخصية العالم"، وجعل الفصل الأول في "الروح النقدية" فقال (ص: ٢٨٨، ٢٨٩):
"والوجه الآخر لموضوع النقد هذا هو أن نعترف بفضل الآخرين على أعمالنا. فنحن ندين لمن نقرأ لهم بقدر كبير من معارفنا بل أن كثيرا من أفكارنا الشخصية التي يبتدعها كل منا وفي ذهنه أنه مصدرها الوحيد، لا تثار في أذهاننا إلا لأن قراءة بحث أو كتاب معين، قد أوحي إلينا بها، ولو بصورة غير مباشرة، أو أثار فينا حاسة النقد والهجوم، فيكون له الفضل في هذه الحالة بدورها، حتى ولو كان ذلك فضلا سلبيا. ومن هنا: فإن العلماء والكتاب في البلاد المتقدمة التي رسخت فيها التقاليد العلمية، يحاولون بقدر ما في وسعهم، رد الفضل إلى أصحابه. وربما رأيت المؤلف منهم يعدد في مقدمة كتابه أسماء مجموعة ضخمة من الأشخاص، بعضهم ناقشه مناقشة قصيرة حول الموضوع، وأحيانا يذكر الأستاذ فضل تلاميذه الذين ألهموه بأسئلتهم واستفساراتهم كثيرا من أفكاره. أما الإشارة إلى الاقتباسات من المراجع الأخرى، فقد أصبحت تقليدا ثابتا لا يخالف فيه أحد.
وفي هذه الحالة بدورها، نجد أن هذا التقليد الجليل لم يستقر في بلادنا تمام
стр. 1159
الاستقرار، بل أن مخالفته قد تتخذ في بعض الأحيان أبعادا مؤسفة، كما يحدث في حالات "السطو" على أعمال الآخرين التي ينسبها المرء إلى نفسه دون وازع من ضمير. ومن المؤكد أن حياتنا العلمية لن تستقيم إلا إذا أصبح الاعتراف بفضل الآخرين، حتى في الأمور البسيطة، قاعدة لا يخالفها أحد. وربما احتاج الأمر في البداية إلى قدر من الشدة، بحيث يَلْقَى من يرتكبُ عملا من أعمال السرقة العلمية جزاء رادعا. وبعد ذلك يمكن أن يتحول السلوك العلمي القويم إلى عادة متأصلة في النفوس، فلا نحتاج إلى فرض جزاءات. ولكن النظرة المدققة إلى أوضاع التقاليد العلمية في العالم العربي لا توحي بالتفاؤل، إذ يبدو أن الأجيال الجديدة أقل تمسكا بهذه التقاليد حتى من الأجيال السابقة. ومن ثم فإن الخط البيانى للروح النقدية السليمة، وللأخلاق العلمية بوجه عام، يتجه إلى الهبوط. وهو أمر مؤسف ينبغي أن نتداركه حتى لا تتسع الهوة بيننا وبين البلاد المتقدمة التي يزداد علماؤها تمسكا بالتقاليد العلمية جيلا بعد جيل". هكذا يقول أستاذ من أساتذة الفلسفة بعد مضى أكثر من خمسين سنة على إِنشاء الجامعة!
وأنا أقتصر على هذين الاقتباسين بلا تعليق، فإن ما أسلفته هنا وفي كتابي دال عليه، وصدق أبو العلاء، فإن الجيل بعد الجيل "أصاب طريقا نافذا فسَلَكْ"، وغفر الله للأساتذة الكبار! ! ولكن الأمر أجل وأفحش مما يتصور الأستاذ الحماصى والدكتور فؤاد، كالذي قال الشاعر في هجاء رجل يقال له "الأشنعى":
لَعَمْرُكَ إن الأَشْنَعِيَّ وشَأْنهُ، ... لكالصُّبْحِ، ما يزداد غَيْرَ بياضِ
أو كالذي قال أبو تمام:
أيقظت هاجِعَهمْ، وهل يُغْنِيهمْ ... سَهْرُ النواظرِ والعقول نيامُ
أو كالذي قال ابن الرومى:
يرى الموارط ذو عين فيحذرها ... والعمى فيها إلى الأذقان والركب
وحسبي أن أختم هذه القضية، "قضية السطو" هنا، بما قلت في ختامها في كتابي
стр. 1160
"أتلفت اليوم إلى ما أشفقت منه قديما من فعل "الأساتذة الكبار". لقد ذهبوا بعد أن تركوا، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، حياة أدبية وثقافية قد فسدت فسادًا وبيلا على مدى نصف قرن، وتجددت الأساليب وتنوعت، وصار السطو على أعمال الناس أمرا مألوفا غير مستنكر، يمشي في الناس طليقا عليه طيلسان (البحث العلمي) و"عالمية الثقافة" و"الثقافة الإنسانية"، وإن لم يكن محصوله إلا ترديدا لقضايا غريبة، صاغها غرباء صياغة مطابقة لمناهجهم ومنابتهم ونظراتهم في كل قضية، واختلط الحابل بالنابل. قُلْ ذلك في الأدب والفلسفة والتاريخ والفن أو ما شئت، فإنه صادق صدقا لا يتخلف. فالأديب مصور بقلم غيره، والفيلسوف مفكر بعقل سواه، والمؤرخ ناقد للأحداث بنظر غريب عن تاريخه، والفنان نابض قلبه بنبض أجنبى عن تراث فنه"، وارحمتاه! !
كذلك. . . وهذه هي القضية! ولم أزل أقول عن كتاب الدكتور طه، والأستاذ عزام، أنهما "كتابان في علم السطو" لا جَرَم! وسَمِّهما أنت بعدئذ ما شئت: "استلهاما" أو "استعارة" أو "استلالا في خفة"، أو بابا من أبواب "الاجتهاد" الذي تصورت أنى خُلِقْت لأغلقه، فالمهارة البارعة في تغيير بعض معالم المتاع المسروق أو أكثرها لا تخرجه ولا سارقه من حد السرقة.
وطال الأمد على لُبَد (١). . . ونحن لم نزل في الثالثة، فأنت أيها العزيز، تقول: "إنه من المحزن أن يبلغ بنا اللدد في الخصومة حدا يجعلنا نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه (رجل جاهل)، ليس له بصر بتذوق الشعر".
بطلت (الخصومة) آنفا، فالآن كيف؟ أنت تعرفني بلا شك، وتعرف الدكتور طه أيضا، أليس كذلك؟ فهل تتصور أنه لو كان الدكتور طه عندي (رجلا جاهلا)، هل تتصور أنى كنت أخاطبه أو أبالى به؟ لعلك قست أمرى وأمر الدكتور طه، على ما كان مني يوم حملت القلم بعد هجر له طويل،
стр. 1161
فذكرت في مقالاتي إنسانا ينطبق عليه هذا الوصف انطباقا كاملا (١)، فأوغلت في كتابة اسمه إيغالا يوهم إني أخاطبه أو أبالى به، لا، يا سيدي، فأمر الدكتور طه غير أمر هؤلاء الذين يشترون قلما بقرش من الخردواتي، فيكتبون، فيكثرون، فيعدون في الكُتَّاب! ! أمران مختلفان جدا، وزمنان مختلفان كل الاختلاف أيضا. ومع ذلك، فأنا قد نبهت مرارًا في مقالاتى أن هذا الذي أكثرت ذكر اسمه ليس إلا دمية يحركها محرك، وأن الدمية في ذاتها ليس لها قيمة تذكر، وأن اسمه الذي أذكره لا يعنينى، بل الذي كان يعنينى هو "هيئات التبشير" و"دوائر الاستعمار" التي تحرك هذه الدمى في حياتنا الأدبية وترشدها إلى الطريق. كان همى هو كشف الغطاء عن هذه الحقيقة لا غير. فإذا كنت قست هذا على هذا فالقياس فاسد: كما يقول أصحاب المنطق.
(رجل جاهل)! لم أستعمل هذا قط في حديثي عن الدكتور طه: فليس لك بحق أن تقول إني قلته، لا استخراجا من فحوى كلماتى ولا استئناسا بأنى خاطبت مرة (رجلا جاهلا)!
يقول أبو عثمان الجاحظ: "طلبتُ علم الشعر عند الأصْمَعِى، فوجدته لا يحسن إلا غريبه. فرجعت إلى الأَخْفش، فوجدته لا يتقن إلا إعرابه. فعطفت على أبي عبيدة، فوجدته لا يحسن إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب، كالحسن بن وهَبْ ومحمد بن عبد الملك الزيات.
أفيحل لأحد منا أن يستخرج من كلام أبي عثمان أن الأصمعى (رجل جاهل)، وأن الأخفش (رجل جاهل)، وأن أبا عبيدة (رجل جاهل)؟ أو على الأقل أن كلا منهم (رجل جاهل بالشعر)؟ ونعم أنا ذكرت الدكتور طه وكتابه "مع المتنبي" فقلت فيه أحيانا: "إنه يتهجم على غير بصيرة في الرأي، وأن في بعض كلامه فوضى وإطالة وتهويلا وثرثرة، وفي بعض كلامه اضطراب وفساد
стр. 1162
مفسد، وفيه تعسف غليظ وفيه تحميل للفظ ما لا يحتمله اللفظ، وفيه سوء نقل عن الكتب، وأنه كثير المغالطة: شديد اللدد، غير مستقيم الرأي، وأنه في بعض المواضع متخلف النظر، وأنه يجهل نفسية المتنبي كل الجهل، وأنه لا يعلم أسرار الألفاظ التي يستخدمها الرجل في شعره"، إلى آخر ما قلت في مواضع متفرقة من مقالاتى التي تضمنها الجزء الثاني من كتابي. كل هذا قلته وأشد منه، ولكني لا أقول إنه (رجل جاهل) كل ما قلت من ذلك محدود بمواضع نقدى لنصوص من كلامه، لا ينسحب شيء منه انسحابا مطلقا على كل كلام يكتبه، ولا على شخصه من حيث هو أستاذ من الأساتذة الكبار. وما من أحد من الناس يخلو من عيب في بعض شأنه، فإطلاق العيب على كل شأنه مجازفة، ولكن الأساتذة الكبار قد سَنُّوا من السنن سنة المجازفة، فكأنك أيضا معذور لأنك لم تملك إلا أن تقيس سُنَّتى في الكتابة على سُنة "الأساتذة الكبار" وأنا لست منهم في شيء بحمد الله وتوفيقه.
* * *
نحن لم نزل في الثالثة. فسياق كلامك أنى وصفت الدكتور طه بأنه " (رجل جاهل)، (لا بصر له بتذوق الشعر) ". وظاهر عندي أن مسألة "التذوق" مما تشغلك شغلا حتى ترددها تردادا، ولذلك، فأنا أظنها انزلقت منك في خلال هذه الجملة، حيث كان ينبغي أن تكفها وتحبسها.
نعم، أنا قلت مرارا لا أحصيها في كتابي وفي مقالاتى عن كتاب الدكتور طه "مع المتنبي" أن الدكتور: "لا بصر له بالشعر"، ولكني لم أقل قط أنه "لا بصر له بتذوق الشعر"، والجملتان غير متكافئتين في المعني، حتى تغنى إحداهما عن الأخرى أو تقوم مقامها. وأنا أعلم أن أهل زماننا يتساهلون في كل شيء، ويتساهلون خاصة في التعبير، بلا تحديد ولا تحليل لألفاظ اللغة. وكنت أحب لك أن لا تتابعهم على هذا التساهل. ولكني أعلم أيضا أن هذه هي أيضا إحدى السُّنن التي سنّها "الأساتذة الكبار"، فغلبت على الناس وعلى ألسنتهم، فأصابت منهم موقعا أغفلهم عن حقيقة الفساد الذي يجره هذا التساهل. فهل تأذن لي أن أبين عن نفسي؟
стр. 1163
في شهر فبراير سنة ١٩٧٥، جاءني الأخ الأستاذ سامح كريم مندوبا عن مجلة الكاتب يسألنى سؤالا بمناسبة المشاركة في الاحتفال بذكرى وفاة الدكتور طه. وكان السؤال: "ما هو دور طه حسين في رأيك؟ ". وقد أجبته ونشرت الإجابة في مجلة الكاتب عدد مارس ١٩٧٥ بعنوان "كانت الجامعة هي طه حسين". بدأت الإجابة بالقصة التي ذكرتها آنفا عن قراءتى على الشيخ المرصفي، وما عرفته منه من قراءة الدكتور طه عليه من قبل، قلت في مجلة الكاتب:
"فحفزنى ذلك على أن أسعى إلى لقاء الدكتور طه وإلى السماع منه (وذلك في سنة ١٩٢٣)، فمن يومئذ عرفته من قرب. عرفته محبا لعربيته حبا شديدا، حريصا على سلامتها، (متذوقا) لشعرها ونثرها أحسن (التذوق). وعلمت أن هذا الحرص وهذا (التذوق)، كان ثمرة من ثمرات قراءته على المرصفي، فإني لم أر أحدا يحب العربية ويحرص على سلامتها كشيخنا المرصفي رحمة الله عليه. وكررت ذكر تذوقه في موضع آخر وقلت: ثم انتهى أمر الدكتور طه إلى أن صار من أكبر المدافعين عن اللسان العربي إلى آخر حياته، وأنه محال أن يحشر في زمرة الخبثاء ذوى الأحقاد من ضعاف العقول والنفوس الذين ظهروا في الحياة العربية لذلك العهد، بظهور سطوة "الاستعمار" وسطوة "التبشير"، وهما صنوان لا يفترقان ثم قلت:
"ودليل آخر، وذلك أنه حين انجلى غبار ما أثاره الدكتور طه بكتابيه: "في الشعر الجاهلي" و"مستقبل الثقافة في مصر"، وهما كتابان لا قيمة لهما من الوجهة العلمية، انجلت بعد ذلك نفس الدكتور طه، وناقض بما كتبه وبما قاله كل ما في هذين الكتابين من فساد. وَمَرُّد ذلك إلى هذه الخصال التي كادت تكون طبيعة في نفسه: من حبه للعربية وحرصه على سلامتها، وما هداه الله إليه من حسن (التذوق) لروائع البيان".
فهل تظن أن قائل هذا في الدكتور طه، يمكن أن يقول فيه "أنه (رجل جاهل)، ليس له بصر (بتذوق) الشعر هذا عجب أي عجب؟ ونعم أنا أقول
стр. 1164
الآن وقد قلت مرارا كثيرة في مقالاتى "بيني وبين طه" وغيرها أن الدكتور طه "لا بصر له بالشعر، لأن البصر بالشعر يحتاج إلى أشياء كثيرا جدا، أظن (أي استيقن هنا) أن كثيرا منها يفتقر إليه أستاذنا الدكتور طه. وهناك فروق كبيرة بين "المعرفة بالشعر"، "العلم بالشعر"، و"البصر بالشعر" فالأمر كما ترى، درجات تفرق بينها فروق ظاهرة أحيانا ودقيقة أحيانا أخرى. وهذا رأي في معرفة الدكتور طه بالشعر تستطيع أن تقول فيه أنى مخطئ، بلا ضير عليك في ذلك. وسواء كنت مخطئا أو مصيبا، فإنه لا يتيح لك البتة، أن تستخرج منه -وهو بهذا القدر من التحديد- أنى أقول أن الدكتور طه رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر بإقحام "التذوق" إقحاما يخرج عبارتى عن معناها ومرماها. وبيان ذلك أن التذوق معنى عام مجمل مشترك الدلالة بين الناس جميعا: لكل واحد منها نصيب، وهو يقل ويكثر ويعلو ويسفل، ويصقل ويصدأ، ويجود ويفسد ولكنه على كل حال حاسة لا غنى عنها للإنسان.
وقد بينت بعض رأيي في "التذوق" في كتابي "أباطيل وأسمار"، حيث قلت:
"كل حضارة بالغة تفقد دقة التذوق، تفقد معها أسباب بقائها. والتذوق ليس قواما للآداب والفنون وحدها، بل هو أيضا قوام لكل علم وصناعة، على اختلاف بابات ذلك كله، وتباين أنواعه وضروبه. كل حضارة نامية تريد أن تفرض وجودها، وتبلغ تمام تكوينها: إذا لم تستقل بتذوق حساس حاد مرهف نافذ، تختص به وتنفرد، لم يكن لإرادتها في فرض وجودها معنى يُعْقَل، بل تكاد هذه الإرادة أن تكون ضربا من التوهم والأحلام لا خير فيه. فحسن التذوق، يعني سلامة العقل والنفس والقلب من الآفات. فهو (أي التذوق)، لب الحضارة وقوامها، لأنه قوام الإنسان العاقل المدرك الذي تقوم به الحضارة. وهذا شيء لا يكاد يختلف فيه اثنان فيما أظن"، (أباطيل وأسمار: ٣٤).
وإذن، فلفظ "التذوق" لفظ مبهم مجمل الدلالة، ولكل حي عاقل مدرك منه نصيب يقل أو يكثر، ويحضر في شيء ويتخلف في غيره، وتصقله الأيام
стр. 1165
والدربة، وترهفه جودة المعرفة، والصبر على الفهم، والمجاهدة في حسن الإدراك. فبهذا القدر من دلالة اللفظ المجمل المبهم حين نقول "التذوق"، أقول إن الدكتور طه كان حسن "التذوق" للشعر أو لروائع البيان. وبهذا القدر أيضا صار الدكتور طه أديبا كاتبا متميزا من سواه في التعبير عن نفسه، أخطأ أو أصاب، غالط أو استقام، أو جز أو ثرثر، صح كلامه أو فسد، رضينا عن أسلوبه أو كرهناه. فلو صح أن أقول في الدكتور طه: "أنه رجل جاهل لا بصر له (بتذوق) الشعر"، لكان معنى هذا إخراجه من حيزه الذي هو فيه إلى حيز لا يكون فيه أديبا أو كاتبا، أي في حيز من لا يعتد به في الأدب أو في الكتابة. وهذا بلا شك، شيء لا يخطر ببالى، ولا يدل عليه شيء من حديثي عن الدكتور طه في كتابي هذا، ولا في سائر ما كتبت.
فانظر الآن، كيف فعل بنا أتباع سنة "الأساتذة الكبار" في التساهل في التعبير عن أنفسهم أحيانا، وفي نقل ما ينقلون بغير لفظه من كلام غيرهم؟ أنا لست من الأساتذة الكبار في شيء بحمد الله وستره، فأنا أرجو أن لا تُجْرِى عليَّ أو على كلامي سُنَّتهم، وأَجْرِ هذه السنة على كلامهم هم: "فأول راض سنة من يُسَيِّرها". ويحسن هنا أن أضع عبارتى التي أحزنتك، فاستخرجت منها عبارتك الحزينة عن رأيي في الدكتور طه، حين ذكرت المقالات التي كتبتها بعنوان: "بيني وبين طه"، فقلت:
"وحين بدأت أكتب، كنت قد حددت طريقى تحديدا كاملا، وهو أن أواجه الدكتور طه بثلاث حقائق:
= الحقيقة الأولى: أنه في أكثر أعماله "يسطو على أعمال الناس سطوا عريانا أحيانا، أو سطوا متلفعا بالتذاكى، والاستعلاء والعجب أحيانا أخرى".
= الحقيقة الثانية: أنه لا بصر له بالشعر، ولا يحسن تذوقه على الوجه الذي يتيح للكاتب أن يستخرج دفائنه وبواطنه، دون أن يقع في التدليس والتلفيق.
стр. 1166
= والحقيقة الثالثة: إن منطقه في كلامه كله مختل، وأنه يستره بالتكرار والترداد والثرثرة" (المتنبي ١: ١٤٠).
فأنا أقول في الدكتور طه: "لا بصر له بالشعر، ولا يحسن تذوقه على وجه يؤدى إلى كيت وكيت -فصارت العاقبة، عاقبة التساهل: "رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر" وبالتساهل أيضا صار "التذوق" المقيد بقيد، "تذوقا" جامحا مطلقا بلا قيد، فاكتسح في طريقه أخص خصائص الدكتور طه، وأجمل قدراته"! غفر الله لنا ولك، أيها العزيز.
وقبل أن أسلت نفسي من هذه الثالثة، أحب أن أقول لك: أنى كنت أتمنى أن تصدر مقالاتك الخمس هذه الجملة: "أنه لشيء محزن أن يصل اللدد في الخصومة حدا يجعلنا نسلب طه حسين أخص خصائصه، ونتجاهل أجمل قدراته، ونصفه بأنه رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر". لأنك لو كنت فعلت ذلك، كان أبين عن طريقك في النظر إلى كتابي وكتاب الدكتور طه، وعن فصلك في القضية بيني وبينه. فالرحي لا تدور إلا على قُطْب، وهذه الجملة هي القطب، فكان تقديمها أولى من تأخيرها، لأنه منك قضاء فاصِلٌ بأنى بنيت ما كتبته على خصومة تحملنى على الجور حملا. هكذا أظن.
ولا أدري، منذ الآن هل تستطيع أن تصدقنى أو لا تستطيع، إذا أنا قلت لك: أنى منذ وقعت في المحنة، محنة "قضية الشعر الجاهلي" ورميت بنفسي في أهوالها التي كادت تفضى إلى الهلاك، لم يعصمنى فيها إلا آية سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فمنذ خمسين سنة، قذفتنى القواذف في المعمعة، فأنا أخوض الغمرات في قضايا الفكر والنظر وأطأ على أشواك الاختلاف والتناقض، وتتخطفني خطاطيف الشكوك والريب، وأقف على شفا حفرة من النار، لو زلت بي قدم
стр. 1167
لهويت على نار لا قرار لها سبعين خريفا. ولولا إخباتى لله بالطاعة فيما أمرنا به من القيام بالقسط، والاحتراز من الجور، وكف النفس عن تحكيم الشنآن (١) في كل قضية من آلاف القضايا التي يَعُبُّ عُبابها في بحار الفكر والنظر، لكنت قد هلكت منذ دهر طويل هلاكا لا مخلص منه. فهل تظن بعد ذلك أنى أكفر نعمة الله عليّ بنجاتى من ماحقات الدين، فأعمد إلى تحكيم الشنآن والخصومة في شيء هين لا خطر له، مثل كتابي وكتاب الدكتور طه عن المتنبي، فاتخذ الجور في الخصومة مذهبا، لا لشيء إلا لأسلب الدكتور طه بعض خصائصه وقدراته؟ ؟ هل تظن؟ رحم الله شيخ المعرة:
أَطَلبتُم أدبا لديَّ؟ ولم أزلْ ... منه أُعانِى الحجر والتَّفْليسا
وأردتمونى أن أكون مُدَلِّسا؟ ... هيهاتَ! غيري آثرَ التدليسا؟
стр. 1168
المتنبي ليتني ما عرفته
- ٢ -
أيها العزيز، كانت نيتى، كما تعلم، أن أجعل ما أكتبه، تعقيبا على مقالاتك الخمس، مقالة واحدة، ولكن القلم جمح بي جماحا أنا غير راض عنه، فاجتزأت بالقدر الذي نشرته، وأجلت الباقى. ومع التأجيل تتغير طبيعة سرد الأفكار. ومضت أيام، وحل ميعاد كتابة المقالة الثانية، فكعادتى، عدت أقرأ ما كتبته في المقالة الأولى، ولم أكد أنتهي إلى آخر ما ختمت به المقالة، وهو بيت شيخ المعرة:
وأردتمونى أن أكون مُدَلِّسا؟ ... هيهاتَ! غَيْرى آثر التدليسا!
حتى رأيتنى بما كتبت، قد وقعت في ردغة التدليس، (والردغة: الوحل الكثيف المتماسك الذي يعسر الخلاص منه). وذلك أنى من شدة إلحاحي على نَفْى كل (خصومة) بيني وبين الدكتور طه تظن أنت أنها أدت لي إلى الجور عليه في الكتابه عنه، كدت بفعلى هذا أن أوهم القارئ أن الخلاف بيني وبينه كان، ولم يزل، مقصورا على "مسألة الشعر الجاهلي"، وما ارتكبه هو في سبيلها، وما اقترفته الجامعة وأساتذتها يومئذ من التستر على فعلته التي فعل. وهذه هي ردغة التدليس التي وقعت فيها. ولكى أُزيل هذا التدليس الذي أوحت به مقالتي الأولى، رأيته واجبا عليّ أن أبين الأمر بيانا واضحا.
لم تكن بيني وبين الدكتور طه نفسه (خصومة) ما منذ عرفته إلى أن أفضى إلى ربه. نعم، ولكن نَفْى هذه (الخصومة) لا يعني البتة إني راض كل الرضى أو بعضه عن سائر أعماله وآرائه، فالعكس هو الصحيح، الدكتور طه أديب كبير، له كتب كثيرة مختلفة الأنواع، وله آراء كثيرة مبثوثة في ثنايا كتبه، وله أساليب في البحث والنظر والاستنباط، وله قدرة متميزة على تصوير آرائه وأبحاثه وسائر
стр. 1169
ما يعالجه في كتبه ومقالاته. فأنا أحب أن تكون على بينة من رأيي، لكي تبنى حكمك وقضاءك بيننا على بصيرة.
ليس الأمر أمر (خصومة)، ولكنه أمر خلاف، خلاف بعيد الجذور. يبلغ حد التباين الكامل في الأصول. وهذا التباين الكامل في الأصول يفضى إلى تباين كامل في الآراء التي تنبع من هذه الأصول. وهذا التباين كان معروفا واضحا عندي وعند الدكتور طه على السواء منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الأجل المُسَمَّى. وأنا لم أكتب شيئا كثيرا في نقد أعمال الدكتور طه وآرائه مدة حياته، ولكن الذي كتبته على قِلَّته كان يحمل في ثناياه وجوه التباين في الأصول، وفي طريقة تناول الأدب والتاريخ، وفي أسلوب تكوين التفاصيل التي تبنى عليها الصورة التي يصورها الكاتب بقلمه وبيانه، فمن أجل ذلك كان حكمى واضحا صريحا على كثير مما كتبه في التاريخ والأدب، ككتابه "على هامش السيرة"، وكتابه "الفتنة الكبرى"، وسائر هذه الفصيلة، وأنها بُنِيَت بناء فاسدًا كل الفساد، بفساد التفاصيل التي أعدها ونظر فيها واستخرج منها مادة كتابته، ولما جئت إلى النظر في كتابه "مع المتنبي"، كان بينا فيما كتبت، مقدار الاختلاف بين الأصول التي يصطنعها الدكتور طه، وبين أصولى التي أبنى عليها ما أكتب. ودع عنك مسألة الاستلهام أو الاجتهاد، أو الاستعارة، أو "الاستلال في خفة" فإنها ليست كل المسألة. ليست الجوهر، بل هي العرض، كما يقول أصحاب المنطق.
كنت أحب أن تتوقف عند هذا، لأن قضاءك كان محتاجا إليه، لتنصف في القضية. ولكنك أغضيت عن التباين في الأصول، فلم تجد تفسيرا لما تجده عندي إلا (الخصومة) الداعية إلى الجور. وعلى كل حال، فعسى أن أكون قد أزلت بهذه الكلمة القصيرة، ما أوقعتنى فيه المقالة الأولى، من التدليس عليك أو على القراء. لا (خصومة) بيني وبين الدكتور طه، نعم، ولكن بيني وبينه خلاف يبلغ حد التباين في الأصول، يجعل حكمى على كثير مما كتب أشد مما هو ظاهر فيما كتبته في كتابى "المتنبي" أو غيره من المقالات. وهذا حسبنا إن شاء الله. ونعود الآن إلى ما كنا فيه، بعد أن فرغنا من الثالثة.
стр. 1170
أما الرابعة: فهي أيضا في مقالتك الثالثة، (الثقافة: مارس سنة ١٩٧٨) والتي جعلت عنوانها: "قضية التذوق الفني بين شاكر وطه حسين". وقبل كل شيء، أحب أن أثبت هنا نص الحكم الذي قضيت به عليّ في أثنائها حيث قلت: "والأستاذ شاكر مولع بهذا الجدل، مولع بهذا الصراع العقلي". . ولا أدري هل أستطيع، إعتابا لك وترضية، أن أغسل عقلي ونفسي وقلبي من أوضار هذا الذي طُبِعت عليه وأُولِعتُ به؟ ولكني سأحاول ما استطعت، مستعينا بحول الله وقوته على تكذيب أبي الطيب في قوله: "وتأبى الطباع على الناقل"، وما ذلك على الله بعزيز.
هذه المقالة الثالثة محيرة لي أنا. أربعة أسطر فيها لا أكثر، حركت فيّ تاريخا كاملا، حاولت أن أقص طرفا منه فيما مضى، حتى أطلت وأمللت. وكان الذي جر هذا أن ابتداء الأسطر الأربعة يتضمن لفظا مجلوبا من التوهم المحض، وهو (الخصومة)، وأنها بتمامها وختامها تتضمن ألفاظا بنيت صياغتها على التساهل في التعبير عن المعاني، فضلا عن التساهل في فهمها من كلامي، وذلك حين نسبت إليّ أنى وصفت الدكتور طه بأنه (رجل جاهل لا بصر له بتذوق الشعر). أما الآن، فأنا في حيرة أشد حيرة، لأن موضع التعقيب مبثوث في أسطر المقالة كلها، أي في أكثر من ثلاثمئة سطر. فمن أجل ذلك رأيت أن ألخص ما فيها تلخيصا أرجو أن يكون معينا لي ولمن يقرؤه.
١ - ذكرت في رأس مقالتك هذا العنوان: "قضية (التذوق الفني) بين شاكر وطه حسين"، ثم قلت في فاتحته إن من أخطر القضايا التي تهمك قضية (التذوق الفني)، لأنها قضية جمالية -وأنك لا تهتم، في المقام الأول عند دراسة الشعر، إلا بهذا (التذوق الفني الجمالى)، ثم لما فرغت من عرض أصل القضية بيني وبين طه قلت: "وقضية التذوق الفني من أعقد القضايا في مجال الدراسات الإنسانية". ثم عرضت بعد ذلك ما تظن أنه رأيي أنا في (التذوق) من نص نقلته من كلامي، ثم قلت: "وقبل أن أناقش هذه (القضية الجمالية) أرجو أن لا يغضب أستاذنا الجليل محمود شاكر، وألا يعتبره دفاعا عن طه
стр. 1171
حسين، فقد أفضى إلى ربه، ولا يحتاج إلى دفاع مني أو من غيري. . هذه واحدة. وأخرى، أننى لن أتناول تصور الدكتور طه يرحمه الله (للتذوق الفني) للشعر، ولا للأسس النظرية لمناهجه المتطورة في النقد، فهي معروفة للقراء، وفي كتب مطبوعة أكثر من طبعة".
٢ - ثم قلت: "ونحن نلاحظ عيبا أساسيًا في منهج الأستاذ شاكر حول هذه القضية. فهو يتصور أنه المبتدع الأول لفكرة (التذوق الفني)، وأن تطبيقها على شعر المتنبي الذي تم على يديه، ليس له نظير في القديم ولا الحديث". ثم نقلت بعد ذلك نصا طويلا من كلامي، منتزعا من سياق استدلالى على سطو الدكتور طه على بعض ما في كتابي، وعلى تقليده لي في بناء كتابه، ثم في مواضع بعينها مما وقفت عنده من شعر أبي الطيب، وهذا النص مذكور في كتابي (المتنبي ٢: ٩٦، ٩٧)، ثم عقبت عليه بقولك: "وبصرف النظر عن الغلو الذي يبدو في هذا الكلام، فإن وضع القضية على هذا النحو، هو الذي أوقع أستاذنا في هذا العيب الأساسى".
٣ - ثم عقبت على هذا بما يأتي: "وفكرة التذوق الفني معروفة منذ أقدم العصور. . والأساس النظرى لعملية (التذوق) كما حددها الأستاذ شاكر معروف، منذ حدد ابن سلام الجمحي، المتوفى في الثلث الأول من القرن الثالث الهجري؛ في مقدمة كتابه "طبقات الشعراء" الأسس الموضوعية لتذوق الشعر". وجئت بنص ابن سلام. ثم قلت أيضا: "ويحدثنا ابن الأثير في المثل السائر. ." وجئت بنصه، ثم قلت: "وهذه كلها معروفة في القديم والحديث".
٤ - ثم لما بلغت معى إلى التسليم جدلا بكل ما جاء في كتابي حول كتاب طه، قلت إنه لا يصدق إلا على ٩٨ صفحة في الطبعة الأولى التي أربت على ٧٠٠ صفحة، ثم قلت: "ومع ذلك، فمعظم الانتقادات التي جاءت في كتاب الأستاذ شاكر، يدور حول أمور بعيدة عن (التذوق الفني)، مثل الحديث عن نسب أبي الطيب، وعلاقته بجدته، وقرمطيته، أو الخلاف حول ترتيب القسم الأول من ديوانه، وهي أقرب إلى الجدل العقلي، منها إلى (التذوق الفني)،
стр. 1172
والأستاذ شاكر مولع بهذا الجدل العقلي، مولع بهذا الصراع العقلي. ولقد صرفه هذا الولع في كتابه إلى مجموعة من الأقيسة المنطقية والقضايا العقلية، أخضع الشعر لسطوتها، ليثبت أمورا لا علاقة لها بقضية (التذوق الفني)، مثل علوية أبي الطيب، وسجنه لإظهار هذا النسب، وحبه لخولة أخت سيف الدولة، وترتيبه لقصائد القسم الأول. ثم جاء (التذوق الفني) شيئا ضئيلا على هامش هذه القضايا العقلية. وبذلك أصيب منهج الدراسة بالضمور في جانب، والتضخم في جانب آخر. أما كتاب طه حسين، فعلى العكس من كتاب الأستاذ شاكر، اهتم أولا بالدراسة (الفنية) و (التذوق الجمالى)، وجاءت القضايا الفكرية على هامش هذا (التذوق الفني)، وهو منهج "مستقيم في النقد والدراسة الأدبية".
٥ - ثم قلت: "على أن تصور محمود شاكر (النظرى للشعر) يحتاج إلى مراجعات وملاحظات. فلو تأملنا النصوص التي سقناها في هذه الدراسة من كلامه، لاكتشفنا للوهلة الأولى أنه يتخذ الشعر وثيقة نفسية، يستخرج منها حياة أبي الطيب وطبائعه وعواطفه وآماله وآلامه وأحزانه -كما يتخذ منه وثيقة تاريخية تسهم في تعديل أخبار الرواة القدماء أنفسهم أو تجريحها، أو استخلاص الصدق من نصوصها، ونفي ما زيفه (التذوق). وهذا مفهوم غير خصب (للتذوق الفني)، يحول العمل الأدبي إلى وسيلة لخدمة غاية خارجية. وبذلك يتحول الأدب إلى وثائق تاريخية، أو اجتماعية، أو نفسية، أو يصبح انعكاسا مباشرا لحياة الناس وأهوائهم ونزواتهم، واصطراعهم في الحياة". انتهى التلخيص.
وهذا التلخيص لا يغنى بطبيعة الحال، عن قراءة المقالة كاملة. وأنا لم آت بهذا التلخيص المخل لكلماتك، لكي أناقشها وأناقش الآراء التي تضمنتها المقالة: بل لأجعل القارئ على بينة صريحة من المحور الذي تدور عليه المقالة وما فيها من الآراء، والمحور كما هو ظاهر، هو لفظ "التذوق الفني الجمالى".
والبلوى، أن لفظ (التذوق الفني والجمالى) عندك، ناشب نشوبا غريبا في جميع أسطر المقالة، وفي جميع الآراء التي تضمنتها، وفي جميع الأحكام التي
стр. 1173
أصدرتها عليّ! والبلوى أيضا أن لفظ (التذوق) عندي أنا، ناشب هو الآخر نشوبا غريبا في مقدمة كتابي "المتنبي"، وفي كثير مما كتبت منذ زمان طويل. والفرق بين لفظى ولفظك، أن لفظى هو دائما عندي عار من كل زينة، (التذوق) لا غير، ولفظك عندك هو دائما في أتم زينة، (التذوق الفني والجمالى). وأنا أخشى أن أقترب من لفظك في زينته، لأنى إن فعلت ذلك، سقطت فجأة في جوف المنطقة الملتهبة، منطقة الجدل والصراع العقلي! فلم أجد لي مذهبا سوى الاقتصار على لفظ (التذوق)، كما استعملته أنا، ولم أزل استعمله.
وواضح جدا أنى ملتزم بأن أقول "التذوق" عاريا، وأنك مغرى بأن تقول "التذوق الفني والجمالى" في أتم زينته. ولا بأس عليّ ولا عليك إن شاء الله، ولكن البأس يحتدم احتداما حين تعد معنى اللفظ العارى، وهو "التذوق" عندي، مطابقا تمام المطابقة لمعنى اللفظ المتأنق عندك، وهو "التذوق الفني الجمالى"، فالتماسا لبركة العلماء القدماء والمحدثين، وتعرضا لنفحاتهم، أسلك مسالكهم في تدبر معنى "التذوق"، ثم لا أمس لفظك المتأنق، إلا بقدر اشتراكنا في لفظ "التذوق". ثم صدقنى أنى لا أفعل ذلك إلا التماسا للبركة وتعرضا للنفحات، واتقاء للفحات اللهب، لا إيثارا للجدل، ولا ولعا بالصراع العقلي، معاذ الله الذي أسأله أن يحط عني وعنك الخطايا.
و"التذوق" مصدر قولك "تذوقت الشيء تذوقا"، ومرده إلى "الذوق"، وهو مصدر قولك "ذاق الطعام أو الشراب ذوقا"، وهذا "الذوق" عمل من أعمال اللسان، حين يلتمس صاحبه تعرف طعم مأكول أو مشروب، وعمل اللسان في تبين طعوم الأشياء المختلفة أو المتشابهة، لا يختلف في ذاته ولا يتعدد. فالذوق، إذن، مصدر دال على حدث (أي فعل) معين متميز غير مبهم. وهو في هذا شبيه بقولنا: "جلس جلوسا" و"قعد قعودا" وأضرابهما. فالقعود والجلوس كلاهما دال على حدث معين متميز غير مبهم: لا يختلف أحدهما أو يتعدد، باختلاف الأفراد الذين يفعلونه، مهما تعددوا واختلفوا.
стр. 1174
ولا يختلف ولا يتعدد أيضا باختلاف عمل الأفراد في الجلوس والقعود، أو بتعدد صور جلوسهم وقعودهم. والذي يقال في "ذاق الشيء ذوقا" يقال مثله في "تذوَّقْتُ الطعام أو الشراب تذوُّقا" ولا فرق، إلا أن هذه الصيغة الأخيرة تدل على تكرار عمل اللسان مرة بعد مرة، في طلب تعرف طعم المأكول أو المشروب، لا غير. هذه حقيقة معنى "الذوق والتذوق" في أصل اللسان العربي.
ثم لما نقل هذان اللفظان من مدارج الحقيقة إلى معارج المجاز، تغيرت دلالتهما تغيرا تاما. بيان ذلك: أن معنى نقلهما من الحقيقة إلى المجاز، هو صرف اللفظين عن التعلق بالجارحة وهي اللسان، وعن الأجسام التي هي المأكول والمشروب وما يجرى مجراهما = ثم توجيههما إلى التعلق بالمعاني المجردة التي لا أجسام لها أو إلى التعلق بأجسام لا عمل للسان في تبين طعومها البتة. وفي الحالين تسقط الجارحة، وهي اللسان، عن لفظ "الذوق" و"التذوق"، ويسقط أيضا "الجسم" الذي يقع عليه فعل هذه الجارحة من المأكول والمشروب عند تعلقهما بالمعاني المجردة التي لا أجسام لها. فإذا تعلقا بجسم لا عمل للسان فيه، بل كان العمل فيه لجارحة أخرى غير اللسان، اكتسب لفظ "الذوق" أو "التذوق" معنى مبهما غير محدد من فعل هذه الجارحة الأخرى في ذلك الجسم بعينه، على وجه من الحقيقة لا المجاز. وفي الحالتين جميعا يصبح فقط "الذوق" أو "التذوق"، مصدرا يدل على حدث مبهم غير معين ولا متميز. وبذلك تغيرت دلالة اللفظين تغيرا تاما، وأصبحت قابلة للوقوع على أنواع متعددة مختلفة.
فإذا قال القائل: "ذُقْتُ القوس" وهي الأداة التي يرمى بها الرامى بالسهام، فالقوس جسم، ولكنه لا يدخل في معنى شيء من الأشياء التي يحاول المرء أن يتعرف طعمها باللسان، فبديهة اللغة، وبديهة متكلميها، تُسقِط عندئذ عن لفظ "الذوق" جارحةَ الذوق، وهي اللسان، وتُكْسِبه قدرا غير محدد من فعل جارحة أخرى، وهي اليد، لأن مراد القائل بقوله: "ذقت القوس"، إنما هو ما يعمد إليه بيده من اختبار جسم القوس، من حيث خفتها وثقلها، أو خشونتها وملاستها،
стр. 1175
أو لينها وشدتها عند نزع الرامى عليها بالسهم. بل ربما اشتركت العين أيضا في تبين طولها وقصرها، واستوائها واعوجاجها، إلى آخر ما يتطلبه اختباره جودة القوس وصلاحها لأحسن رَمْى الرامى بسهامه. فهذا هو المطلوب من "ذوق القوس". فلفظ الذوق في هذه الحالة، حين سقط عنه عمل الجارحة وهي اللسان، صار دالاًّ على حدث مبهم غير معين ولا متميز، ولكنه بوقوعه على "جسم" تعمل فيه جارحة أخرى، وهي اليد، اكتسب قدرا مقدورا من التحديد. أزالت عنه بعض الإبهام الذي أستغرقه وأكسبته قدرا مقدورا من التعين والتميز. ولكن الإبهام لم يزل عنه زوالا تاما. هذه هي الحالة الأولى.
أما إذا قال القائل: "ذقت العذاب، وأنا أفعل كذا وكذا"، اختلف الأمر اختلافا فاصلا، فإن "العذاب" الذي وقع عليه "الذوق" إنما هو معنى من المعاني المجردة لا جسم له، ولا تعمل فيه جارحة اللسان ولا جارحة أخرى من الجوارح. هذا فضلا عن أن "العذاب" معنى من المعاني متعدد الحقائق، متعدد الصور فبديهة اللغة وبديهة متكلميها، تُسْقِط عندئذ عن لفظ "الذوق" عمل الجارحة إسقاطا تاما، لأنه تعلق بشيء ليس بجسم له طعم من مأكول أو مشروب. وبإسقاطها يدخل اللفظ في الإبهام دخولا صريحا. وزيادة على ذلك فإن "العذاب" المتعدد الحقائق والصور، يكسبه قدرة على التعدد والتنوع في مواقعه على ما يقع فيه، فإذا كان إسقاط الجارحة هنا قد جعل "الذوق" مصدرا دالا على حدث مبهم غير متعين ولا متميز، فإن وقوعه على "العذاب" وهو معنى من المعاني لا جسم له، يغرقه إغراقا في الإبهام وانعدام التعين والتميز. لا، بل إن تعدد الحقائق والصور التي يحملها لفظ "العذاب" تزيد زيادة كثيفة في إبهامه وعدم تعينه وتميزه، وهذا غاية الغايات في الإبهام إلا أن الذي حَسَّنه وجعله مقبولا أن "العذاب" على إبهامه مما تدركه الحواس إدراكا لا مرية فيه. ومن هنا أشبه الحالة الأولى بعض الشبه وهذه هي الحالة الثانية.
ومن البين أن الذي قلته في لفظ "الذوق" عندما نقل من مدارج الحقيقة إلى معارج المجاز، يصدق كل الصدق على لفظ "التذوق" لأنه فرع عنه، جاء
стр. 1176
للدلالة على تكرار عمل اللسان في "الذوق" مرة بعد مرة، طلبا لدقة التعيين والتمييز في الطعم والنكهة. و"النكهة" من عمل الأنف لأنها تتبين الرائحة مع الطعم. وهذا حسبنا من التماس البركات، والتعرض للنفحات. وعسى أن أكون قد وفقت بعض التوفيق فيما كتبت آنفا، فإن أحد أسباب كتابته أنى أردت أن أزيل الغموض عن الصفات التي وصفت بها لفظ "التذوق" في أواخر مقالتي السالفة، حيث قلت: "إن التذوق معنى عام مشترك الدلالة بين الناس جميعا، يعلو ويسفل، ويصقل ويصدأ، ويجود ويفسد، ولكنه على كل حال حاسة لا غنى عنها للإنسان" = وحيث قلت أيضا: "إن التذوق لفظ مبهم مجمل الدلالة، ولكل حي عاقل مدرك منه نصيب، يقل ويكثر، ويحضر في شيء ويتخلف في غيره، وتصقله الأيام والدربة، وترهفه جودة المعرفة، والصبر على الفهم، والمجاهدة في حسن الإدراك". فلعله صار واضحا بعض الوضوح ما أردته بقولي إنه "معنى عام مشترك الدلالة بين الناس جميعا"، وبقولي: "إنه لفظ مبهم مجمل الدلالة".
وهذه الألفاظ التي تدل على حدث مبهم غير متعين ولا متميز، هي في طبيعتها ذات نماء سابغ متوهج، وذات غنى مفعم وثراء مكنوز، ولكنها أيضا، وهو ما يهمنى هنا، ذات خطر مرهوب على جميع مذاهب القول والفكر والنظر. فإن فيها من القوة الغامضة ما يجعلها قادرة قدرة مطلقة على تضليل المتكلم والسامع جميعا، وهي التي تتيح لفكرة "التأويل" (أعني تأويل اللفظ المفرد والكلام المركب، وإخراجه من معنى ظاهر إلى معنى باطن) = أن تسيطر سيطرة كاملة على العقل أحيانا. وهذه القوة الغامضة، والقدرة المطلقة على التسلط، كانت ولم تزل من أكبر أسباب ضلال المتصوفة والمتكلمين والفلاسفة وأشباههم، فيها ضلوا وأضلوا، وهي أيضا العامل الحاسم أحيانا في توسيع هوة الاختلاف بين المختلفين في الرأي وفي تفسير الألفاظ والتراكيب، لأنها تعين على تشقيق الكلام وتفريعه تفريعا يغرق الاختلاف في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض من الأهواء ونوازع النِّحَل
стр. 1177
المختلفة. يضاف إلى هذا أننا، نحن البشر، لا نرتاب أقل ارتياب في أن "اللغة" هي أداة التفكير، وأداة البيان. هذه حقيقة واقعة لا يختلف فيها أحد. ولكننا بالتدبر والتأمل نعلم أن "ألفاظ اللغة"، أي لغة كانت، ليست محددة المعاني تحديدا قاطعا حاسما في كل لسان، وعند كل أحد، وفي كل زمن من أزمنة هذا اللسان = ونعلم أيضا أن "تركيب ألفاظ اللغة"، وهي الجمل وأساليب دلالتها المختلفة، ليست هي الأخرى محددة تحديدا قاطعا حاسما واضحا في كل لسان، وعند كل أحد، وفي كل زمن من أزمنة هذا اللسان. ومعنى ذلك أن ادعاءنا أن "اللغة هي أداة التفكير. وأداة البيان، قضية غامضة، قضية موهمة، قضية إذا امتحنتها وجدتها غير مطابقة للواقع"، ومع ذلك فنحن بهذه "اللغة" نفكر، وبها نتفاهم! قضية مشكلة! ولكن هكذا كان، وهكذا خلقنا! وأنا أحب أن أعفيك، أيها العزيز، من المشقة، فأحيلك على ما كتبته في كتابي "أباطيل وأسمار" (ص: ٥١٤ - ٥١٧ وما بعدها)، حيث قلت ذلك في حديث طويل عن "اللغة"، وعن لفظ "الدين" وغيره من الألفاظ، أحيلك أيضا إلى ما أشرت إليه في مواضع متفرقة من الكتاب، تقوم على هذا الأصل من الرأي. فلو أذنت متفضلا فاطلعت عليه، لكان ذلك عونا لنا على ما نتلمسه أنا وأنت من الحق تلمسا.
وأنا أحدثك عن نفسي، فأنا منذ حاولتُ تلمُّس طريقى في المسالك الوعرة الشائكة التي قذفت بي فيها المقادير المقدرة، أطبقت عليّ الشكوك والريب في معاني الألفاظ التي نستعملها والتي استعملها من قَبْلُ أسلافنا، وفعلنا ذلك، وفعلوا بلا مراجعة، لوضوحها فيما نظن. يومئذ لم يكن لي مطلب سوى مطلب واحد، هو أن أجد برد اليقين في نفسي في شأن "الشعر الجاهلي"، وفي شأن ما نسميه "إعجاز القرآن"، كما قلت في كتابي، (المتنبي: ١: ٤٧، ٤٨). ويومئذ تبينت لي مشكلة "اللغة" ومتشابهاتها ومبهماتها تبينا كاملا، حين وقعت في حومة الاختلاف بين المختلفين، وأطبقت عليَّ الشكوك المدمرة، وتنازعتنى هذه المتشابهات المبهمات حتى كادت تمزقنى، فلم أجد لي سبيلا إلى النجاة
стр. 1178
بنفسي، ولا منفذا إلى برد اليقين في نفسي، إلا طرح الاستهانة بخطر اللغة، وخطر الألفاظ والتراكيب التي تجرى على الأقلام والألسنة سهلة واضحة كل الوضوح فيما نتوهم. وهذه الاستهانة داء قديم عند البشر، ولكنها كانت عند أسلافنا ﵏، محدودة بحدود صارمة من الجد والإخلاص للعلم والمعرفة، لم تمنع عنهم شر خطرها كل المنع، ولكنها كفت منه: وهيأت لفئة منهم أن تكون ظاهرة بالحق على سائر الفئات الأخرى التي استهانت بخطر المبهمات والمتشابهات، كالمتصوفة والمتكلمين وغيرهم فضلّوا وأضلوا، كما قلت.
أما اليوم، فيؤسفني أن أقول لك، أيها العزيز، أن أكثر هذه الحدود الصارمة التي كانت عند أسلافنا، قد طمست وأمحت معالمها، بإعراضنا عما كان عتدهم، واستخفافنا بما كانوا يلتزمون به استخفافا مزريا بنا وبهم جميعا. ومن أخطر ذلك سُنَّة الاستهانة الجامحة باللغة، وبالألفاظ، وبالتراكيب ودلالاتها على المعاني، ثم إهدارها جميعًا إهدارًا كاملًا، واطراح التدبر والتأمل في المبهمات والمتشابهات اطراحا طائشا أحيانا. هذه السُّنة، هي إحدى السُّنن التي سَنَّها "الأساتذة الكبار" في حياتنا الأدبية، واستشرى الأمر وتفاقم على مر السنين، وتكاثرت الجراثيم الفتاكة، وعز الطبيب المداوى، وأصاب جيلنا "طريقا نافذا فسَلَكَ" (١)، وقد تخفف من كل عبء يعوق حركته من حد أو التزام أو معاناة، أي تحرر من كل قيد يقيده. وحين أقول "حياتنا الأدبية" فإني لا أعني الأدب وحده، أو الشعر وحده، بل أعني كل ما كانت "الكلمة" أصلا فيه من أدب وشعر ودين وفلسفة وعلم، إلى آخر هذه السلسلة المتشابكة.
ولذلك، فهي قضية يطول شرحها، كما ترى أيها العزيز، ولكنك وقفت معى ولم يأخذك فيها الملل أو التبرم بي، ولم تستحوذ عليك سُنَّة من سُنن "الأساتذة الكبار" في إهدار الألفاظ ودلالاتها، والاستهانة بها وبخطرها،
стр. 1179
واطراح التدبر في مبهماتها ومتشابهاتها تخففا من الأعباء، وتفلُّتا من القيود = فأنا عندئذ على ثقة من قدرتك على استبانة ما أوجزته هنا، استبانة تغنينى عن كل شرح وتفصيل. وقبل كل شيء، فأنا لم أكتب هذا إلا لك وحدك، أما قراء هذه المجلة، فلست على ثقة من أمرهم حين يقرأون هذا الكلام، على هذا السياق، لأنى لا أعلم عن أحد منهم شيئا يغنى. فإذا سخطوا عليّ، فهين سخطهم في مرضاتك، وإذا رضوا عني، فبفضلك أنت كان رضاهم، وهذا اعتذار مني إليهم. وأيا كان الأمر، فإني إنما اضطررت اضطرارا إلى ركوب هذا المركب، إذ ليس عندي ولا عند القراء مني، ما كان خليقا أن يعفيك ويعفيهم من كل مشقة. ليس عندي قليل ولا كثير مما عند الدكتور طه: الذي أعفاهم وأعفاك من أن "نتناول تصوره (للتذوق الفني)، أو الأسس النظرية لمناهجه المتطورة في النقد، فهي معروفة للقراء، وفي كتب مطبوعة أكثر من طبعة"، كما قلتَ آنفا في الفقرة الأولى مما لخصتُه من مقالتك الثالثة. ليس عندي شيء من هذا، ولا أنا بهذه المنزلة الموجبة لإعفائك وإعفاء القراء.
القول في "تذوق الشعر "
والمسألة الآن في تحرير القول في اللفظ المشترك بيني وبينك، حيث أقول أو تقول: "تذوَّقَ الشعر" أو "تذوَّقتُ هذا الشعر". وأبدأ هنا بلفظ "الشعر" الذي يتعلق به "التذوق"، متجنبا استعمال هذه التحف التي ألطفنا بها زماننا، من ألفاظ مشكلة غامضة غير مستقرة، مثل "الشكل" و"المضمون" وأخواتهما وبنات عماتها وبنات خالاتها. ولكى يكون حديثي عن "الشعر" واضحا في ففسك، فأسألك أن تكون على ذُكْر دائم غير متقطع من أن "الشعر" كلام، وأن "الكلام" أصلا هو اللفظ المسموع لا المكتوب، فإن أكثر حديثي هنا يتضمن ما يوجب أن يكون هذا المعنى حاضرا في الذهن، وإن لم أكتبه. وأنت بلا شك تدرك، لماذا سارعت فسألتك أن تفعل ذلك، وإن كان مثل هذا السؤال غير لائق أحيانا، ولكن لولا ذلك لما سألتك.
стр. 1180
القول في "الشعر "
ولفظ "الشعر" في لغتنا، وفي سائر اللغات التي عرف له فيها اسم متميز، قديم موغل في القدم، محدود الدلالة عند جميع واضعيه، قبل أن تكثر فيه لجاجة عصرنا وثرثرته، في لغتنا وفي غير لغتنا. هو لفظ موضوع وضعه الأوائل والأسلاف القدماء للدلالة على ضرب من ضروب "الكلام"، يفترق افتراقا ظاهرا واضحا عن سائر ضروبه التي تجرى على ألسنة المتكلمين باللغة. ولولا أنهم قد وجدوا هذا الفرق الظاهر وجدانا ظاهرا في أنفسهم لما كان بأحد منهم حاجة إلى تخصيص ضرب من "الكلام" الذي يجرى على ألسنتهم باسم متميز. . فإن الله تعالى حين خلق هذا الخلق، أنعم عليهم بالقدرة على "النطق" أي على "الكلام المسموع"، وأودعهم قدرة كامنة أخرى هي أجل وأعظم، وهي القدرة على "البيان" بهذا الكلام المركب، عن كل ما يمكن أن يجول في أنفسهم وفي ضمائرهم، وهذا الذي يجول في الأنفس والضمائر غيب مستور لا يمكن تحديده أو تفسيره تفسيرا واضحا، وكيف يجئ وكيف يذهب؟ وبهذه القدرة الكامنة قضى ربك أن يلتمسوا في بعض صور "الكلام"، قدرا من الكلام المركب أبلغ وأخفى وأغمض في الإبانة عن دخائل نفوسهم. أي هو قدر زائد على ما هم محتاجون إليه من "الكلام" في التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات الحاضرة وكذلك فعلوا ما قضى ربهم عليهم.
وصار في "الكلام" ما هو مطلوب بالضرورة للتفاهم والتعايش وقضاء الحاجات، وصار فيه أيضا ضرب آخر من "الكلام" موسوم بالتجويد في ألفاظ اللغة وتراكيبها، تعبيرًا عن أغمض ما يجول في أنفسهم، أو في أنفس بعضهم، من معان لا تلجئهم إليها الضرورة إلى الحاضرة في التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات. وهذا الضرب الأخير، كما هو ظاهر، متضمن بطبيعته للمعاني المختلفة الوجوه والغايات، والتي تنبع أصلا من القلب والعقل والنفس ومن تجارب الحي في الحياة. وعلى مر الزمن، صار الفرق واضحا وضوحا لا يكاد يخفى بين كلامين: كلام التعايش والتفاهم، وكلام البيان عن النفس. وعلى مر
стр. 1181
الزمان أيضا وصفوا هذا الأخير من الكلامين بأنه "كلام بليغ مبين"، وبأشباه لهذه الصفات، على ما في هذه الصفات من الغموض عند النظر، وإن كان معناها في الحقيقة ظاهرا في سر الأنفس ظهورا لا مرية فيه.
ولو استمر أمر أصحاب كل لغة على هذا القدر من الفرق الذي تدركه السرائر بين الكلامين المسموعين لما كان بهم حاجة إلى زيادة ضرب ثالث من "الكلام" على هذين الضربين، يفردونه باسم متميز كما انفرد ما ينطقونه باسم متميز وهو "الكلام"، ولاقتصروا على "الوصف" المميز بين كلامين لا غير. ولكن ظهر على مر الأيام ضرب آخر منبثق من "الكلام البليغ المبين" المسموع، تميز بميزة زائدة ظاهرة تقع في الأسماع والأنفس موقعا آخر، فميزوه باسم متميز محدود هو "الشعر". وهذه الميزة الزائدة على ما في "الكلام البليغ المبين"، هي ما يدركه السمع فيه من التناسق والتوازن في وقع الكلمات المركبة، ومن تتابع تساقطها على سمع السامع تتابعا تستلذه الأذن أولا، وتنسرب ذبذبة من هذه اللذة تخامر القلب والعقل والنفس وسائر القوى التي يكون بها إدراك معاني "الكلام". وهذا موضع الفرق الحاسم لا غير، بين "الشعر" وبين كل "كلام بليغ مبين". مهما كثرت اللجاجة في زماننا، في البحث عن فروق أخرى، يراد لها أن تطغى على هذا الأصل العتيق المتقادم في إدراك البشر = الأصل الذي دعاهم، أو ألجأهم، إلى وضع لفظ "الشعر" للدلالة على ضرب متميز منبثق من "الكلام البليغ المبين"، ولا يفارقه إلا بهذا القدر من التناسق والتوازن، لا غير.
وحديثنا عن لفظ "الشعر" على هذا الوجه، يصرفنا صرفا إلى قَسِيمه وضريعه، وهو لفظ "النثر". وهو في جميع اللغات التي عرفت لفظ "الشعر"، لفظ متأخر الوضع، أي هو اصطلاح متأخر لاحق، لم يكن بأحد حاجة إلى وضعه، لولا اهتداء الناس منذ أقدم عصورهم إلى تسمية ضرب خاص متميز من "الكلام البليغ المبين" باسم منفرد هو "الشعر" للدلالة على ميزته الظاهرة في تركيبه وبنائه ونظامه، ولذلك فقد أصاب أسلافنا حين عرفوه بأنه "كلام موزون مقفي" غاية الإصابة. فلما تقدم بهم الزمان، احتاجوا إلى وضع اسم للكلام البليغ
стр. 1182
المبين المستجاد، فسموه "النثر"، اختصارا. ولذلك فلفظه في أكثر اللغات مأخوذ من لفظ يدل على نقض الشيء أو تفريقه وتغيير نظامه وحركته، لأنهم حين وضعوه اصطلاحا موجزا، كانوا ينظرون بعين إلى ما يتميز به "الشعر" من التناسق والتوازن والاتساق وإذا تأملت هذا بعض التأمل، لم تجد لما يسمونه في زماننا: "الشعر المنثور" معنى يفهم، لأن لفظ "النثر" مغن عن ذلك كل الغناء، ولأنه ممكن أن يحتمل "النثر" كل ما يحتمله "الشعر" من معان وخصائص، ولأنه لا يزيد عندئذ عن أن يكون "كلاما بليغا مبينا" قد استعار من ضريعه وقسيمه بعض ما جدَّ عنده، ثم ظل، كما كان، مفارقا ذلك الضرب من "الكلام" الذي يقتصر فيه الناس على التفاهم والتعايش وقضاء الحاجات.
وإذا كان ذلك كذلك فلفظ "الشعر" إذن، ليس يدل دلالة صريحة على معنى من المعاني المجردة، بل هو في حقيقته: حروف مركبة في كلمات، وكلمات مركبة في جمل، جمل مقدرة التناسق والتوازن فيما بينها ولكنه ينفرد عن (النثر) بعدئذ، بضرب خاص من التناسق والتوازن مقدر محدود، يكمن في سره نَغَمٌ متساوق يتحدر في تركيب الحروف والكلمات والجمل. وهو بهذا التكوين المتميز الذي يفرق بينه وبين "النثر"، أي "الكلام البليغ المبين" تنتظم فيه المعاني المختلفة الوجوه والغايات، نابعة من أقصى أغوار القلب والعقل والنفس وتجارب الحياة. وهذا قدر كاف في الحديث عن "الشعر" بل لعل قليله كان يغنى عن كثيره.
القول في "التذوق "
فإذا عدنا إلى قولنا: "تذوقَ الشعر" أو "تذوقتُ الشعر"، فإن بديهة اللغة وبديهة متكلميها تسقط عن لفظ "التذوق" هنا عملَ الجارحة، وهي اللسان، فيغرق الحدث أي الفعل الذي يدل عليه عندئذ في الإبهام، وينعدم معه التعين والتميز، وتعلقه هنا بلفظ "الشعر"، وهو على كل حال أشبه بأن يكون معنى من المعاني لا جسم، ولا تعمل فيه جارحة بعينها من الجوارح، فهو بذلك لا يستطيع
стр. 1183
أن يكسب لفظ "التذوق" شيئا يعين على توضيح بعض إبهامه، أو يَسْتَحْيي شيئا مما انعدم من تعينه وتميزه. وكذلك ترى أن "التذوق" هنا حدث (أي فعل) واقع في صميم الحالة الثانية التي ذكرناها آنفا، أي في صميم الغموض والإبهام الذي انعدم معه التميز والتعيين. وأصبحنا نحتاج إلى إعادة النظر في دلالة هذا التركيب.
ويحسن هنا أن نتوقف قليلا عند وقوع "الذوق" و"التذوق" على معنى من المعاني المجرَّدة وتعلُّقه به. فإن "العذاب" مثلا معنى من المعاني المجرَّدة، ولكن تعلُّق "الذوق" به في قولنا: "ذقت العذاب"، إنما صح وحسن، لأن "العذاب" معنى تدركه الحواس إدراكا لا مرية فيه. كما قلت آنفا، ولكنك إذا قلت: "ذقت الفهم" أو "ذقت الكذب" أو "ذقت الإيمان"، وثلاثتها معان مجردة، فهو كلام ساقط مرذول، لأنه فقد التجانس والتطاعم بين طرفيه. ولا يخرجه من رذالته وسقوطه إلا أن تجلب إليه عاملا آخر يعين على التجانس والتطاعم بين طرفيه، فتقول "ذقت لذة الفهم"، و"ذقت وبال الكذب" و"ذقت حلاوة الإيمان"، وما أشبه ذلك من صريح اللفظ أو متشابهه، فيعتدل الكلام عندئذ ويستقيم ويتطاعم طرفاه بهذه الواسطة، وتذهب عنه رذالته وسقوطه. وهذا أمر بين إن شاء الله.
ولنطرح الآن الإلف جانبًا، لأن الإلف يضلل كما يضلل الهوى، ولنُقْبِلْ بأنفس بريئة من سطوة جواذبه ونوازعه، على النظر والتدبر فيما نقوله: "تذوقت هذا الشعر"، أو "تذوق الشعر". و"التذوق" هنا ببديهة اللغة وبديهة متكلميها: حدث مبهم غير متميز ولا متعين، إذ سقط عنه عمل الجارحة، وهي اللسان، سقوطا لا رجعة فيه، وبقى خِلْوا من كل بديل يقوم مقام هذه الجارحة في كشف الإبهام عن صاحب هذا الحدث (أي الفعل)، وينجده بعض النجدة بإكسابه شيئا يدنيه من التعين والتميز. وبيان ذلك أننا حين قلنا: "ذقت العذاب"، فإن "الذوق" صار خِلْوا من الجارحة صاحبة الحدث، وهي اللسان، وصار حدثا مبهما غير متعين ولا متميز، وبلا صاحب يُحْدِثه. ولكن "العذاب"،
стр. 1184
وهو معنى من المعاني المجردة، أكسبه صاحبا مبهما بعض الإبهام، يقوم مقام الجارحة الساقطة عنه، وهو الجسم المحس للعذاب، أو النفس المحسة للعذاب، أو ما شئت = وأكسبه أيضا بعض ما يميزه ويعينه، بالذي هو مضمر في لفظ "العذاب" من إدراك الحواس للوجع والألم واللذع وأشباه ذلك. فهل استطاع "الشعر" هنا، أن يكسب "التذوق" صاحبا يقوم مقام الجارحة التي سقطت عنه؟ ! أو أن يمنحه بشيء مضمر فيه (أي في الشعر) تدركه الحواس، بعضِ ما يدنيه من التعين والتميز؟ أظن أن لا.
فإذا كان لفظ "الشعر" غير قادر بنفسه على شيء من ذلك، كما نرى حتى الآن، فقد وقعنا اضطرارا في حيز هذه المعاني العاجزة عن إحداث التجانس والتطاعم بين طرفي الكلام، مثل "الفهم" و"الكذب" و"الإيمان"، ودفعنا النظر دفعا إلى طرح "تذوقت هذا الشعر" على ركام من الكلام الساقط المرذول الذي فقد التجانس والتطاعم بين طرفيه. ولا تجزع أيها العزيز، لهذا المصير، فقد تعاهدنا أن نقبل على هذا الأمر بأنفس بريئة من جواذب الإلف ونوازعه، أي أن ننخلع انخلاعا من "دروشة" الصوفية وأشباههم.
هل ينفع "الشعر" أنه، كما قلنا أحرف مركبة في كلمات، وكلمات مركبة في جمل، وأنه على الجملة "كلام" بليغ مبين، وأنه لولا "اللسان" لما كانت الأحرف والكلمات والجمل والكلام البليغ المبين وأن "اللسان" هو أداة إبلاغه إلى سمع السامع؟ ونعم، هذا عمل اللسان بلا ريب ولكنه عمل لا ينفع "الشعر" شيئا، لأنه، قبل كل شيء، عمل مباين كل المباينة لعمله الأول وهو "التذوق". ثم يزيد الأمر خبالًا أننا، بلا شك حين نقول "تذوقت الشعر" مجرد تذوق أنفس الأحرف، وأنفس الكلمات، وأنفس الجمل، ونفس الكلام المركب منها مجردة جميعها من المعاني. ثم يزيده خبالا على خبال: أن الأحرف والكلمات والجمل والكلام المركب من جميعها، ليس اللسان سببا في إحداثها وتكوينها وتركيبها بل المُحْدِث والمُكَوِّن والمركب فاعل آخر غيره، وإنما اللسان واسطة للأداء والتبليغ، ليس غير، وإذن فعمله هذا في "الشعر" فضلة زائدة معينة للفاعل
стр. 1185
الأول، فهو عمل مموه غير صريح الفعل، ولا أصيل النسبة إلى "الشعر". وعندئذ، فقد بقى لفظ "التذوق" هنا حدثًا لا صاحب له، فاقدا للعامل الذي يحدث التجانس والتطاعم بين طرفي الكلام، أي لما يُكْسِبه التعين والتميز ويخرجه من الإبهام المطلق.
وأخرى، هل ينفع "الشعر" أن أحرفه وكلماته وجمله ومعانيه أيضا، يجرى فيها جميعا تناسق أو توازن مقدر، ويكمن في سرها نغم مُتَساوِق يتحدَّر في تكوينها وتركيبها تحدُّرا يدركه السمع، حين يتتابع تساقُطها على سمع السامع تتابعًا تستلذه جارحة السمع، وهي الأذن؟ عسى أن يكون ذلك نافعا بعض النفع، إذا كان لفظ "الشعر" مقصور الدلالة على ما يميز كلاما من كلام من هذا الوجه ليس غير. فكون لفظ "التذوق" معلقا بلفظ "الشعر" من حيث هو نغم مستكن في أحرفه وكلماته، لا أكثر ولا أقل. فبهذا المعنى وحده يتجانس طرفا الكلام ويتطاعمان، ويخرج قولنا "تذوق الشعر" من الرذالة والسقوط، لأن صريح معناه هو "تذوقت نغم هذا الكلام"، لا غير، بلا عمل للتذوق في معانيه ولا في تركيبه. وهذا بلا ريب، ليس إلّا جزءا يسيرا جدا مما نعنيه حين نقول: "تذوقت الشعر" وإذن فهو غير مُغْنٍ ولا نافع كل النفع.
وأشياء أخرى كثيرة يمكن أن تقال أيضا، إذا نحن أمعنا إمعانا في التأمل والتدبر والتحليل ونحن في حالة البراءة من سطوة الإلف الذي يملك القدرة على أن يضللنا كما تضللنا الأهواء. وأيًّا ما كان، فهذا القدر كاف في أن يدلنا منذ الآن على أننا مهما جئنا به من وجوه التبرير والتحليل فسوف ننتهي إلى شيء واحد مصمت محدد، وهو أن قولنا: "تذوقت الشعر"، لفظ مشكل مجمل مبهم الدلالة غارق في الإبهام لأن صاحبه الأول، أي فاعله على الحقيقة؛ وهو جارحة "اللسان"، قد سقط عن هنا سقوطا لا رجعة فيه: ولأن لفظ "الشعر" لفظ عاجز عجزا عن أن يُكْسِبه صاحبا جديدا معينا متميزا، يمكن أن يتولى إحداث هذا الفعل يكون بديلا من صاحبه الذي سقط عنه، والذي كان معلوما مفهوما وإن لم يُذْكَر لفظه الذي يدل عليه حين نقول: "تذوقت العسل أو الطعام" وهو
стр. 1186
جارحة "اللسان" التي هي جزء لا ينفصل عن الفاعل الذي أسند إليه ههنا "التذوق"، وهو أنا أو أنت أو هي، الذي تدل عليه "التاء" الأخيرة في "تذوقت".
وإذن، فقد أصبح قولنا "تذوقت الشعر" قولا مهددا تهديدا مخوفا، بأن يُؤخَذ، بمرة واحدة وبِرُمَّته، فيُلْقَى على ركام مطروح بعضه فوق بعض من الكلام الساقط المرذول الذي فقد التجانس والتطاعم بين طرفيه، وليس ينجيه من هذا المصير الكئيب، إلا أن نتلمس صاحبا شهم الشمائل نافذ الجراءة يخف إلى نجدته، لا لينتشله من الغرق في معاطف الإبهام والغموض بل لينتاشه قبل كل شيء من دنس الهلاك قبل أن يهوى في قرارة السقوط والخساسة.
وهذا مطلب شريف، لأنه لفظ عزيز على وعليك أيها العزيز. ولكي نهتدي إلى هذا "الصاحب" الذي يملك من النخوة والشهامة والجراءة، ما يحفزه ليثب مسرعا إلى استنقاذه من التهلكة الموبقة، أراه لزاما أن نريح هذين اللفظين "تذوقت الشعر" من كل عناء يوجبه التنقير والتفتيش عن هذا "الصاحب"، وذلك يقتضينا أن نرفه عنهما بتنكُّب طريق التدبر والتأمل والتحليل: الذي يؤدى بنا إلى إنهاكهما إنهاكا مفضيا بهما إلى التلف والبوار. وتنكبُ هذا الطريق، فيما أرى، واجب على كل ذي مروءة، لأنه طريق مسدود على سالكه، في نهايته هوة لا ينجو عليها ناج، مهما حاول وأراغ المهرب.
أما الطريق الآخر، فلست أحب أن أشق عليك فتشدّ رحالك بأنس الصحبة، فأغرر بك في سلوكه معى، فإن للصاحب في السفر ذمة ينبغي أن يرعاها صاحبه، بأن يكاشفه بغوائل الطريق وجوائحه (١) قبل ارتكابه. فهذا طريق قديم كنت قد سلكته منذ دهر طويل، في زمن محنة "الشعر الجاهلي"، التي ألقت بي بغتة في الأمر المخوف المهوب الذي تنخلع عنده القلوب، وهو إعادة النظر في شأن "إعجاز القرآن". نعم، قد نجوت قديما، بحمد الله وبرحمته، من غوائله ولمَّا
стр. 1187
أَكَدْ، ولكني لم أكد أفارقه حتى انطرحت وحيدا، لاهثا داميا قد أثخنتنى الجراح، عند طرف منه قد أفضى بي إلى محجة واضحة المناهج بعض الوضوح. ولذلك فأنا أوثر اليوم أن أعاود السير فيه وحدي، بيني وبين نفسي لأنى أخشى أن يكون معالمه عندي قد درست وامحت، وخفي عني مدب أقدامى قديما فيه، وتهدمت بعض الصُّوَى (١) التي كنت نصبتها منارا حيث سرت، لكي أهتدى بها وأستدل على مذاهبى التي بلغت لي يومئذ طريقا قاصدا، كان لي موئلا ومفازا ونجاة وسلامة. ولذلك فأنا أخشى عليك أن تكون لي فيه صاحبا، بل كن لي مراقبا يرقب خطاى من بعيد، فإن وجدتنى قد أشرفت على تهلكة، فنادنى حتى ينقذنى من الضياع صوتك، فهذا معروف تفعله بأخيك، ليس عندي جزاؤه، ولكن عند ربك جزاؤه. وكل ما أملك أن أدعو الله أن يجنبك كل محنة كمحنتى التي بدأت أَصْلَى نارها منذ سنة ١٩٢٨.
كانت "محنة"، وكان على أن أنجو أو أهلك فيمن هلك. تناهشتنى الشكوك والريب، ووجدتنى يومئذ مخذولا لا معين لي من داخل نفسي ولا من خارج نفسي. لا عِلْمَ عندي ينصرنى، ولا كتاب أعرفه يغيثنى. غدرت بي نفسي، ونكثت عهدها الكتب، وأحاطت لي الشكوك القواصم، وأطبقت على ظلمات بعضها فوق بعض، أخرج يدي فلا أكاد أراها. وكدت ساعة أن أنفض كل شيء نفضة واحدة، ضنا بنفسي على الهلاك، وطلبا للنجاة، ولكن لاح لي في الظلمات بصيص من نور، فامتثلت للحكمة المضيئة التي جرت على لسان الشاعر الجاهلي، الحُصَين بن الحُمام المُرِيّ:
تأخرتُ أسْتبقى الحياةَ، فلم أجدْ ... حياةً لنفسي مثل أن أَتقَدَّما
فلم أبال شيئا وتقدمت، "فأما لهذا وأما لذا"، كما يقول أبو الطيب. أحسبنى قد وقعت مرة أخرى منساقا إلى رواية تاريخ قديم غَبَرَ، لا يغنى ولا ينفع، ولكن عذرى أن كلامك قد صادف قلبا محزونا فتذكر:
стр. 1188
تذكر شيئا قد مضى لسبيله، ... ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
كما يقول النابغة الجعدى، فاعذرنى مشكورا.
كان عليّ يومئذ، فيما رأيت، أن أنبذ علما كثيرا علمته، لا نبذ استخفاف به، أو إغفال له، أو استهانة بمن علَّمنيه، بل نبذ تخوُّف عليه مما أنا مقدم عليه، وتخوف على نفسي من مغبة سطوته عليّ، وهو على كل حال حاضر عتيد (١) لا يغيب عني وضعه، إن وجدت إليه حاجة فإنه يسعفني. ومحال أن يتخلى المرء عن كل علم، فهذا غرور بالعقل والنفس موغل في الجهالة، وكذب مغموس في لجج الباطل. فلابد إذن من علم أستعين به وأهتدى، وأنا موقن بسلامته من كل آفة، فلم أجد علما يقينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: إلا القرآن العظيم، فبه وحده اهتديت، وقصتى بعدئذ تطول وتتشعب، وتختلف فيها المسالك، وتتعدد عندي المطالب. وأخيرا وجدتنى ملتمسا مطلبا واحدا لا أستطيع أن أتجاوزه، حتى أجد في نفسي عنه بيانا شافيا أطمئن إليه. .
ما هو هذا "الكلام" الذي ميزنا الله به عن سائر خلقه وهم من حولنا صموت لا ينطقون؟ من أين يأتي؟ وكيف؟ ومم يتكون؟ وكيف يتخلق ويتصور؟ فإذا الجواب عن هذه الأسئلة مطلب مستعص على الغوص، مفض الى الحيرة، لأن حقيقته غائرة في قلب الأسرار المحجبة، أسرار "الخلق" التي لا يعلم علمها وخَبْأَها إلا الذي له وحده "الخلق والأمر" سبحانه. بيد أن "الكلام" شيء كائن بأمره كسائر ما هو كائن بأمره، فهو إذن آية كسائر آيات خلقه في السموات والأرض. فإن يك مستعصيا جواب هذه الأسئلة جوابا حاسما كاشفا عن حقيقته وأسراره، فإنه، من حيث هو آية من آيات الله، غير مستعص على التأمل والتدبر، بل هو واجب علينا أن نوفي هذه الآية حقها من التدبر والتأمل، لأنه هو سبحانه أمرنا أن نفعل حيث قال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فامتثالا وطاعة فعلت ما أمر الله به.
стр. 1189
ومنذ قليل قلت: "إن الله سبحانه حين خلق هذا الخلق، أنعم عليهم بالقدرة على "النطق"، أي "على الكلام المسموع" وأودعهم قدرة أخرى هي أجل وأعظم، وهي القدرة على "البيان" بهذا الكلام المركب عن كل ما يمكن أن يجول في أنفسهم وفي ضمائرهم. وهذا الذي يجول في الأنفس والضمائر غيب مستور لا يمكن تحديده أو تفسيره واضحا، كيف يجئ؟ وكيف يذهب؟ ". وعلى طول التأمل وجدت هاتين القدرتين توأمين لا يملكان أن يفترقا، لأن عمل الأجل الأعظم، وهو القدرة على "البيان"، معتمدا اعتمادا كاملا شاملا على أدناهما، وهو القدرة على "النطق" بالكلام المركب. ثم وجدت أيضا أنهما قدرتان متداخلتان لا سبيل إلى تمييز إحداهما من الأخرى إلا بآثارهما فيما يصدر عنهما من الكلام، أما تخليص إحداهما من الأخرى، فأمر ممتنع امتناعا حاسما على كل طامع.
وكل قدرة يملكها الإنسان، فلها في بنائه مكمن تستقر فيه، هو أداة صالحة لإظهار فعلها وعملها، كاللسان والأذن والأنف والعين واليد، والعقل أيضا على ما يكتنفه من الغموض = إلا هاتين القدرتين التوأمين المتداخلتين، فقد رأيته معجزا أن نلتمس لهما في هذا البناء الإنساني مكانا تستقران فيه، أو تنتسبان إليه انتسابا صريحا لا يشوبه تردد أو ارتياب. وفوق ذلك، فهاتان القدرتان العجيبتان الغامضتان قد انفردتا بخصائص غريبة كل الغرابة، تميزها بها عن سائر القُدَر الإنسانية. الأولى: أن لهما من خارجهما مترجم يترجم عنهما، وهو "اللسان" صاحب القدرة على "الذوق" وفاعل "الذوق"، فهو مؤد عنهما ما تفعلان، لا غير. والثانية: أن لهما من خارجهما مستقبلا يستقبل ما يؤديه عنهما "اللسان"، وهو "الأذن" صاحبة القدرة على "السمع" وفاعلته، فهي مستقبلة لما تفعلان لا غير، والثالثة: أن لهما مددا لا ينقطع يأتيهما من خارجهما، أي من جميع القوى الإنسانية المُدْرِكة المُحِسَّة، وعلى رأسها العقل والقلب والنفس. وهذا المدد وحده هو الذي يحركهما لأداء عملهما. ولولا هذا المدد المستمر، لبقيتا عاجزتين خامدتين لا تملكان قدرة على فعل شيء البتة. وطبيعة
стр. 1190
هذا المدد الذي لا ينقطع، وطبيعة تكون مادته، عمل غريب جدا، مستعص على التحديد والتفسير، ولكننا نجد آثاره كائنة ظاهرة في كل ما يمكن أن يسمى "كلاما" قابلا للإدراك والفهم.
وأعجب من ذلك وأغرب: أن جميع قوى الإنسان المدركة والمحسة، مقصور أثر ما تفعله وتحدثه وتدركه وتحسه على صاحبها وحده. وليس لقوة واحدة منها حافز يحفزها على تبليغ ما تحدثه أو تحسه إلى غير صاحبها البتة، ولا لإحداهن وسيلة قادرة على التبليغ والأداء. فالذوق واللمس والشم والسمع والبصر، جميعهن قوى تفعل أفعالها، وتدرك الطعم والجسم والرائحة والصوت والصورة، ولكن غير مستكين في طبيعة إحداهن حافز يحفزها إلى تبليغ شيء مما تجد إلى غير صاحبها، ولا تملك إحداهن وسيلة إلى هذا التبليغ. ومعنى ذلك إنه ليس عند أحد من أصحابها مترجم يترجم عنها، وليس عند أحد من البشر مستقبل يستقبل ما يمكن أن ينقله عنها مترجم. أي هي قُوى صُمّ بُكْم لا تبين، ولا تستطيع أن تفصح بما عندها إلا لصاحبها وحده، دون سائر إخوانه البشر.
وإذا اختصرنا الطريق اختصارا، ونظرنا في الأمر من وجه آخر، فسوف ننتهي إلى ما هو أعجب. فنحن نجده وجدانا ظاهرا لا شك فيه: أن هاتين القدرتين الغامضتين الكامنتين في مكان مبهم من أنفسنا نحن البشر، هما وحدهما القادرتان على احتمال كل ما تعمله قوى الإنسان أو تدركه. وأيضا، هما وحدهما القادرتان عن الإفصاح عما تفعله أو تدركه هذه القوى الصم البكم المقصورة على صاحبها وحده. وأيضا، هما وحدهما المالكتان لشيئين: مالكتان لوسيلة عند صاحبها مُترجِمة مُبْلِغة عن هذه القوى الصُّم البُكْم، تؤدى عنها بعض ما تدركه إلى إنسان آخر غير صاحبها = ثم مالكتان لمستقبل عند غير صاحبها يستقبل الترجمة ويبلغها ويؤديها إلى هذا الإنسان الآخر، وهذان هما "اللسان" و"الأذن"؟ . وعندئذ ينشأ سؤال محير بالغ الخطر، محفوف جوابه بالمبهمات من كل جوانبه. هذا المستقبِل، وهو الأذن، إلى أي قوة كامنة في الإنسان الآخر، تؤدى ما تحمل، أو تبلغها ما حملت؟ إلى أخوات هذه القوى
стр. 1191
الصُّم البُكْم نفسها في الإنسان الآخر؟ وبقليل من النظر، يظهر بُطْلان الجواب عن ذاك السؤال، إذا أجبت بنعم. فليس معقولا أو ليس موجودا أصلا: أن السمع يؤدى ما يسمعه من صفة الرائحة أو الطعم، يؤدى إلى أنفس السامع نفس الرائحة، أو يؤدى إلى لسانه نفس الطعم! ! وقس على ذلك سائر القوى الصُّم البُكْم التي يستعصى عليها إدراك شيء مما يحمله السمع من الأسماء والصفات. كل هذا الوجه باطل لا يعرج عليه.
وإذا بطل هذا، لم يبق إذن إلا أن السمع يؤدى ما يسمع إلى العقل أو القلب أو النفس، وثلاثتهن جميعا قوى مركبة معقدة مبهمة الأفعال غامضة التصرف، وإن كنا نجد آثار أفعالها وتصرفها واضحا وضوحا لا نشك فيه. كيف يكون ذلك؟ هذا سر من أسرار "الخلق" التي استأثر بعلمها خالق هذا الخلق، ومُودِعه من حكمته وتدبيره ما أودع. وإن كان هذا التفويض إليه سبحانه لا يعجب أهل زماننا و ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. وعلى كل حال، فقد ألفنا أن نسند إلى ثلاثتهن إدراك جميع ما نسمعه (القلب والنفس هنا رمزان جامعان لقوى كثيرة معقدة خفية في الإنسان).
والذي اصطلح البشر على تسميته "العقل"، أخطر الثلاثة شأنا، وأجهرهن صوتا. و"العقل" على غموض أفعاله وتصرفه، هو أظهر العوامل، بل لعله العامل الأول الذي يمد هاتين القدرتين الغامضتين الكامنتين، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان)، بالمدد الذي يحركهما إلى أداء عملهما في تركيب ما نسميه "الكلام". ولكن هل هذا الذي نقوله أو نتصوره صحيح من كل وجه صحة تنفي عنه كل شك أو تردد أو ارتياب؟ هل يستطيع "العقل" مثلا أن يدرك ثم يبين إبانة ما عن "حلاوة الطعم" التي يجدها اللسان، مجردة من هذين اللفظين اللذين أنشأتهما عندنا "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان"؟ هل يستطيع "العقل" معزولا عزلا تاما عن هاتين القدرتين أن يقول: هذا أبيض، وهذا أسود، قبل أن يوجد عنده لفظ يدل على السواد أو البياض؟ هل هذا أو ذاك
стр. 1192
من عمل "العقل" منفردا بالإدراك؟ وعشرات من الأسئلة عن المعاني المفردة والمعاني المركبة، وكلها أسئلة لا يملك امرؤ أن يجيب عنها بقولٍ فَصْل جوابا غير قابل للقوادح التي تفسده أو تبطله، مهما ادعى ذلك المرء لنفسه من البسطة في العلم، ومهما سولت له نفسه أنه قادر على التغلغل في أسرار "الخلق" التي استأثر بها فاطر السموات والأرض ومن فيهن.
ومع كل هذا الغموض الذي يحيط بعمل العقل من نواحيه، فالتأمل يضطرنا اضطرارا إلى أن نسلم مرة بأن هاتين القوتين الغامضتين، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان) عاجزتان عجزا مطلقا عن أداء عملهما في إنشاء الكلام وتركيبه، لولا مدد العقل = وأن نسلم مرة بأن هذا "العقل" غير مطيق لأداء عمله في التفكير والتبين والتمييز إطاقة ندركها، لولا ما تمده به هاتان القوتان الغامضتان، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان)، من الألفاظ التي عنهما وحدهما تنشأ، وبفعلهما وحدهما تتركب، فيما نتوهم. فإذا سلمنا بذلك، فهذا إذن تداخل بين هذه القوى الثلاث ممتنع على الفصل، أي هو تداخل يدور في حلقة مفرغة، لا ندري من أين يبدأ، ولا إلى أين ينتهي. وكذلك يمكن أن يقال عن "القلب" و"النفس" ما قيل في العقل، وإن كان عملهما أشد غموضا من غموض عمل العقل وتصرفه. وهما، من ناحية أخرى، أشد تعلقا بالعقل، والعقل أشد تعلقا بهما.
وإذن، فهذه خمس قُوى: القدرة على النطق، القدرة على البيان، العقل، القلب، النفس، جميعهن قوى متداخلة تداخلا ممتنعا على الفصل، وجميعهن قوى متعانقة تعانقا ظاهرا، ولكن أعمالها جميعا تدور في حلقة مفرغة، وجميعها متغلغل بعضها في بعض تغلغلا باطنا لا يمكن تفسيره أو توضيحه أو تحديده. ويبقى شيء آخر أن هذه القوى المتداخلة بجميعها تتلقى عن الحواس الخمس الظاهرة أفعالها، في ذوق وملمس وشم وسمع وبصر، وتشترك جميعا في إدراك معناها وتبينه وتميزه. وهذا واضح كل الوضوح بعد الذي قلناه آنفا في شأن تداخل هذه القوى تداخلا ممتنعا على الفصل.
стр. 1193
ولكن يبقى بعد ذلك شيء مهم جدا، وهو الذي يعنينا هنا أول ما يعنينا. فأي هذه القوى الخمس المتداخلة المتعانقة المتغلغل بعضها في بعض، أيها أعظم شأنا، وأجل خطرا. ولكى نفضى إفضاء سريعا نافذا إلى جواب هذا السؤال، نأخذ هذه الخمس المتداخلات، فنعزل منها القوتين الغامضتين، وهما "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان". فماذا يكون مصير الثلاث الأخر؟ يسقطن جميعا من فورهن هاويات من ذُرَى الشَّرَف (١) التي استوت عليها، لكي تلحق بالقوى الصُّم البُكْم التي لا تطيق أن تفصح لنا عن عملها، بل عن وجودها، أي إفصاح. وإذا أرادت، فإننا نحن أنفسنا لا ندري عندئذ كيف ندرك ما تريد أن تفصح به، ولا ندري أيضا ما هي الوسيلة التي يمكن أن تملكها لتكون مترجمة مبلغة عنها، ولا من يكون المستقبِل الذي يستقبل الترجمة ويؤديها إلى إنسان آخر غير صاحبها. ومعنى ذلك أن "العقل" و"القلب" و"النفس" جميعا ينقلبن إلى قوى مصمتة صامتة عاجزة لا تبين، ولا نطيق نحن البشر عندئذ إدراك شيء من عملها هي، ولا تستطيع أن تبلغنا شيئا مما تدرك، بطل عمل "العقل" و"القلب" و"النفس" بطلانا لا رجعة فيه!
وإذن، فهاتان القدرتان النفيستان الغالبتان الغامضتان الكامنتان فينا حيث لا ندري ولا نعلم، "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان"، هما أشرف القوي وأنبلها وأعظمها سلطانا في بناء الإنسان، لولاهما لخرب البنيان: لولاهما لالتحق الإنسان التحاقا مطلقا لا رجعة فيه ولا مخلص منه بسائر خلق الله من الأنعام والبهائم العجماوات أو الجماد. لولاهما لسقط عنه التكليف، ولأشفق الشيخ أبونا آدم إشفاق السموات والأرض والجبال، حين عرض عليهن ربهن الأمانة، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، و ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ومع ذلك، وبما حمل من الأمانة، كرم الله بنيه، وجعل منهم الأنبياء والصديقين والشهداء وأولى العلم الذين يشهدون مع الله قائما بالقسط ومع
стр. 1194
ملائكته أنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم. فأي شرف هذا وأي تكريم؟ سبحانك، تباركت ربنا وتعاليت.
وما بلغتُ هذا المبلغ من ظهور سلطان هاتين القدرتين الغامضتين على جميع ما في الإنسان من قُوى، حتى استبان لي أن حياة هذه القُوى حياة يمكن أن نتبينها نحن، متوقف كل التوقف على وجودهما في الحلقة المفرغة التي اندمجن فيها جميعا، والتي لا تقبل الفصل وتستعصى على التقسيم. وإذن، فهاتان القدرتان أحقهن جميعا أن تكون أول من يبلغه السمع من الكلام المسموع. أحق من العقل، ومن القلب، ومن النفس، أي هما أحق قُوَى الإنسان جميعها بذلك. فهذا جواب السؤال عن "الأذن": إلى من تبلغ ما تسمع؟
والذي نجده في أنفسنا عند سماع الكلام البليغ المبين من الشعر وغيره، شاهد على صحة ذلك مقبول الشهادة إن شاء الله. يسمع أحدنا البيت المستجاد من الشعر فتأخذه بغتة عند سماعه هِزَّة وأريحية، ثم يردده في نفسه مرة بعد مرة، فربما مضت الأيام والليالى وهو لا يزال يتوغل في استحسان لفظه وما يتفجر منه من المعاني، ثم ينتبه مرة إلى عيب يشوبه أو يشينه. فالهِزَّة والأريحية توشك أن تكون من وقع هذه الألفاظ المركبة جملة واحدة على أوتار هاتين القدرتين الغامضتين الساريتين في الحلقة المفرغة، وهما صاحبتا السلطان فيها = أما الاستحسان وتفجُّر المعاني من الألفاظ، فيوشك أن يكون من اشتراك قُوَى الحلقة المفرغة جميعا، وهي تحت سلطان هاتين القدرتين في تقليب الألفاظ المركبة وتفليتها والتدسس في ثناياها وأغوارها مرة بعد مرة = وأما ظهور ما يشوبها من عيب أو يشينها، أي الحكم عليها، فيوشك أن يكون إعلانا لسطوة العقل وقدرته المطلقة على التبين والتمييز، حين استوى له، بعد لأي، أن يظهر سلطانه على جميع قُوى هذه الحلقة المفرغة. وهذه المراتب الثلاث في تجربتى، كادت تكون واضحة عندي كل الوضوح.
ولما بلغتُ هذا المبلغ، وجدته ظاهرا عندي أن "القدرة على النطق"، "والقدرة على البيان"، تعتمد إحداهما على الأخرى اعتمادا شاملا كاملا، كما
стр. 1195
قلت آنفا، وأنهما قدرتان توأمان متداخلتان لا سبيل إلى تمييز إحداهما من الأخرى إلا بآثارهما فيما يصدر عنهما من الكلام، وأن تخليص إحداهما من الأخرى أمر ممتنع امتناعا حاسما على كل طامع. فعندئذ آثرت أن أدمجهما معا في كلام واحد دال على قدرة مركبة، وأن أُغلِّب الأجلَّ الأعظم، وهو لفظ "القدرة على البيان"، اختصارا، وفرارًا أيضا من التثنية لغير ضرورة ملزمة، وأكبر من ذلك، إيثارا لما امتن الله به على عباده حيث قال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: ١ - ٤].
ولما بلغت هذا المبلغ تأملت المراتب الثلاث التي ذكرتها آنفا، فوجدت أن لهذه القدرة المركبة الخفية المندمجة في الحلقة المفرغة، وهي "القدرة على البيان"، عملين يتجاذبانها: الأول عملها في إنشاء الكلام وتركيبه وإذاعته، وهذه هي "الإبانة"، والثاني عملها في استقبال الكلام المسموع الآتي من خارج، ثم تقليبه وتفليته والتدسس في ثناياه وفي أغواره مرة بعد مرة، وهذه هي "الاستبانة". وهي تعمل هذين العملين، والسلطانُ في الحلقة المفرغة سلطانُها الأعظم. فإذا ما أصابت هذا السلطان فترة أو وَهْن، انبعث العقل بسطوته يبسط سلطانه على الحلقة المفرغة مستقلا بالتبين والتمييز، منتهيا لإصدار أحكامه على هذا الكلام: وصارت هي من أعوانه في عمله كما كان هو من أعوانها قبل في عملها. فإذا أصدر حكمه فهي بإحدى المنزلتين: إما أن تقبل حكمه بالاستحسان أو الاستهجان طائعة راضية مستبشرة = وإما تسخط هذا الحكم بالاستحسان، أو الاستهجان وتألف أن تطيعه، وتستعلى عليه أحيانا بكبريائها، متهمة إياه بالتقصير في التبين والتمييز.
لما بلغتُ هذا المبلغ رأيتنى محتاجا إلى التوقف طويلا، متثبتا من أمرى في شأن "الإبانة" و"الاستبانة". أما "الإبانة"، فلها عندي حديث طويل متشعب، وفي الحديث عن "الاستبانة" طرف منه مجزئ، و"الاستبانة" كما قلت "هي العمل الثاني الذي تزاوله القدرة على البيان"، حين تتهيأ هذه القدرة لاستقبال الكلام المسموع الآتي من خارج، وتهتز له حين تتلقاه، ثم تشرع من