الصُّم البُكْم نفسها في الإنسان الآخر؟ وبقليل من النظر، يظهر بُطْلان الجواب عن ذاك السؤال، إذا أجبت بنعم. فليس معقولا أو ليس موجودا أصلا: أن السمع يؤدى ما يسمعه من صفة الرائحة أو الطعم، يؤدى إلى أنفس السامع نفس الرائحة، أو يؤدى إلى لسانه نفس الطعم! ! وقس على ذلك سائر القوى الصُّم البُكْم التي يستعصى عليها إدراك شيء مما يحمله السمع من الأسماء والصفات. كل هذا الوجه باطل لا يعرج عليه.
وإذا بطل هذا، لم يبق إذن إلا أن السمع يؤدى ما يسمع إلى العقل أو القلب أو النفس، وثلاثتهن جميعا قوى مركبة معقدة مبهمة الأفعال غامضة التصرف، وإن كنا نجد آثار أفعالها وتصرفها واضحا وضوحا لا نشك فيه. كيف يكون ذلك؟ هذا سر من أسرار "الخلق" التي استأثر بعلمها خالق هذا الخلق، ومُودِعه من حكمته وتدبيره ما أودع. وإن كان هذا التفويض إليه سبحانه لا يعجب أهل زماننا و ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. وعلى كل حال، فقد ألفنا أن نسند إلى ثلاثتهن إدراك جميع ما نسمعه (القلب والنفس هنا رمزان جامعان لقوى كثيرة معقدة خفية في الإنسان).
والذي اصطلح البشر على تسميته "العقل"، أخطر الثلاثة شأنا، وأجهرهن صوتا. و"العقل" على غموض أفعاله وتصرفه، هو أظهر العوامل، بل لعله العامل الأول الذي يمد هاتين القدرتين الغامضتين الكامنتين، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان)، بالمدد الذي يحركهما إلى أداء عملهما في تركيب ما نسميه "الكلام". ولكن هل هذا الذي نقوله أو نتصوره صحيح من كل وجه صحة تنفي عنه كل شك أو تردد أو ارتياب؟ هل يستطيع "العقل" مثلا أن يدرك ثم يبين إبانة ما عن "حلاوة الطعم" التي يجدها اللسان، مجردة من هذين اللفظين اللذين أنشأتهما عندنا "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان"؟ هل يستطيع "العقل" معزولا عزلا تاما عن هاتين القدرتين أن يقول: هذا أبيض، وهذا أسود، قبل أن يوجد عنده لفظ يدل على السواد أو البياض؟ هل هذا أو ذاك
стр. 1192
من عمل "العقل" منفردا بالإدراك؟ وعشرات من الأسئلة عن المعاني المفردة والمعاني المركبة، وكلها أسئلة لا يملك امرؤ أن يجيب عنها بقولٍ فَصْل جوابا غير قابل للقوادح التي تفسده أو تبطله، مهما ادعى ذلك المرء لنفسه من البسطة في العلم، ومهما سولت له نفسه أنه قادر على التغلغل في أسرار "الخلق" التي استأثر بها فاطر السموات والأرض ومن فيهن.
ومع كل هذا الغموض الذي يحيط بعمل العقل من نواحيه، فالتأمل يضطرنا اضطرارا إلى أن نسلم مرة بأن هاتين القوتين الغامضتين، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان) عاجزتان عجزا مطلقا عن أداء عملهما في إنشاء الكلام وتركيبه، لولا مدد العقل = وأن نسلم مرة بأن هذا "العقل" غير مطيق لأداء عمله في التفكير والتبين والتمييز إطاقة ندركها، لولا ما تمده به هاتان القوتان الغامضتان، (القدرة على النطق، والقدرة على البيان)، من الألفاظ التي عنهما وحدهما تنشأ، وبفعلهما وحدهما تتركب، فيما نتوهم. فإذا سلمنا بذلك، فهذا إذن تداخل بين هذه القوى الثلاث ممتنع على الفصل، أي هو تداخل يدور في حلقة مفرغة، لا ندري من أين يبدأ، ولا إلى أين ينتهي. وكذلك يمكن أن يقال عن "القلب" و"النفس" ما قيل في العقل، وإن كان عملهما أشد غموضا من غموض عمل العقل وتصرفه. وهما، من ناحية أخرى، أشد تعلقا بالعقل، والعقل أشد تعلقا بهما.
وإذن، فهذه خمس قُوى: القدرة على النطق، القدرة على البيان، العقل، القلب، النفس، جميعهن قوى متداخلة تداخلا ممتنعا على الفصل، وجميعهن قوى متعانقة تعانقا ظاهرا، ولكن أعمالها جميعا تدور في حلقة مفرغة، وجميعها متغلغل بعضها في بعض تغلغلا باطنا لا يمكن تفسيره أو توضيحه أو تحديده. ويبقى شيء آخر أن هذه القوى المتداخلة بجميعها تتلقى عن الحواس الخمس الظاهرة أفعالها، في ذوق وملمس وشم وسمع وبصر، وتشترك جميعا في إدراك معناها وتبينه وتميزه. وهذا واضح كل الوضوح بعد الذي قلناه آنفا في شأن تداخل هذه القوى تداخلا ممتنعا على الفصل.
стр. 1193
ولكن يبقى بعد ذلك شيء مهم جدا، وهو الذي يعنينا هنا أول ما يعنينا. فأي هذه القوى الخمس المتداخلة المتعانقة المتغلغل بعضها في بعض، أيها أعظم شأنا، وأجل خطرا. ولكى نفضى إفضاء سريعا نافذا إلى جواب هذا السؤال، نأخذ هذه الخمس المتداخلات، فنعزل منها القوتين الغامضتين، وهما "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان". فماذا يكون مصير الثلاث الأخر؟ يسقطن جميعا من فورهن هاويات من ذُرَى الشَّرَف (١) التي استوت عليها، لكي تلحق بالقوى الصُّم البُكْم التي لا تطيق أن تفصح لنا عن عملها، بل عن وجودها، أي إفصاح. وإذا أرادت، فإننا نحن أنفسنا لا ندري عندئذ كيف ندرك ما تريد أن تفصح به، ولا ندري أيضا ما هي الوسيلة التي يمكن أن تملكها لتكون مترجمة مبلغة عنها، ولا من يكون المستقبِل الذي يستقبل الترجمة ويؤديها إلى إنسان آخر غير صاحبها. ومعنى ذلك أن "العقل" و"القلب" و"النفس" جميعا ينقلبن إلى قوى مصمتة صامتة عاجزة لا تبين، ولا نطيق نحن البشر عندئذ إدراك شيء من عملها هي، ولا تستطيع أن تبلغنا شيئا مما تدرك، بطل عمل "العقل" و"القلب" و"النفس" بطلانا لا رجعة فيه!
وإذن، فهاتان القدرتان النفيستان الغالبتان الغامضتان الكامنتان فينا حيث لا ندري ولا نعلم، "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان"، هما أشرف القوي وأنبلها وأعظمها سلطانا في بناء الإنسان، لولاهما لخرب البنيان: لولاهما لالتحق الإنسان التحاقا مطلقا لا رجعة فيه ولا مخلص منه بسائر خلق الله من الأنعام والبهائم العجماوات أو الجماد. لولاهما لسقط عنه التكليف، ولأشفق الشيخ أبونا آدم إشفاق السموات والأرض والجبال، حين عرض عليهن ربهن الأمانة، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، و ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، ومع ذلك، وبما حمل من الأمانة، كرم الله بنيه، وجعل منهم الأنبياء والصديقين والشهداء وأولى العلم الذين يشهدون مع الله قائما بالقسط ومع
стр. 1194
ملائكته أنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم. فأي شرف هذا وأي تكريم؟ سبحانك، تباركت ربنا وتعاليت.
وما بلغتُ هذا المبلغ من ظهور سلطان هاتين القدرتين الغامضتين على جميع ما في الإنسان من قُوى، حتى استبان لي أن حياة هذه القُوى حياة يمكن أن نتبينها نحن، متوقف كل التوقف على وجودهما في الحلقة المفرغة التي اندمجن فيها جميعا، والتي لا تقبل الفصل وتستعصى على التقسيم. وإذن، فهاتان القدرتان أحقهن جميعا أن تكون أول من يبلغه السمع من الكلام المسموع. أحق من العقل، ومن القلب، ومن النفس، أي هما أحق قُوَى الإنسان جميعها بذلك. فهذا جواب السؤال عن "الأذن": إلى من تبلغ ما تسمع؟
والذي نجده في أنفسنا عند سماع الكلام البليغ المبين من الشعر وغيره، شاهد على صحة ذلك مقبول الشهادة إن شاء الله. يسمع أحدنا البيت المستجاد من الشعر فتأخذه بغتة عند سماعه هِزَّة وأريحية، ثم يردده في نفسه مرة بعد مرة، فربما مضت الأيام والليالى وهو لا يزال يتوغل في استحسان لفظه وما يتفجر منه من المعاني، ثم ينتبه مرة إلى عيب يشوبه أو يشينه. فالهِزَّة والأريحية توشك أن تكون من وقع هذه الألفاظ المركبة جملة واحدة على أوتار هاتين القدرتين الغامضتين الساريتين في الحلقة المفرغة، وهما صاحبتا السلطان فيها = أما الاستحسان وتفجُّر المعاني من الألفاظ، فيوشك أن يكون من اشتراك قُوَى الحلقة المفرغة جميعا، وهي تحت سلطان هاتين القدرتين في تقليب الألفاظ المركبة وتفليتها والتدسس في ثناياها وأغوارها مرة بعد مرة = وأما ظهور ما يشوبها من عيب أو يشينها، أي الحكم عليها، فيوشك أن يكون إعلانا لسطوة العقل وقدرته المطلقة على التبين والتمييز، حين استوى له، بعد لأي، أن يظهر سلطانه على جميع قُوى هذه الحلقة المفرغة. وهذه المراتب الثلاث في تجربتى، كادت تكون واضحة عندي كل الوضوح.
ولما بلغتُ هذا المبلغ، وجدته ظاهرا عندي أن "القدرة على النطق"، "والقدرة على البيان"، تعتمد إحداهما على الأخرى اعتمادا شاملا كاملا، كما
стр. 1195
قلت آنفا، وأنهما قدرتان توأمان متداخلتان لا سبيل إلى تمييز إحداهما من الأخرى إلا بآثارهما فيما يصدر عنهما من الكلام، وأن تخليص إحداهما من الأخرى أمر ممتنع امتناعا حاسما على كل طامع. فعندئذ آثرت أن أدمجهما معا في كلام واحد دال على قدرة مركبة، وأن أُغلِّب الأجلَّ الأعظم، وهو لفظ "القدرة على البيان"، اختصارا، وفرارًا أيضا من التثنية لغير ضرورة ملزمة، وأكبر من ذلك، إيثارا لما امتن الله به على عباده حيث قال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن: ١ - ٤].
ولما بلغت هذا المبلغ تأملت المراتب الثلاث التي ذكرتها آنفا، فوجدت أن لهذه القدرة المركبة الخفية المندمجة في الحلقة المفرغة، وهي "القدرة على البيان"، عملين يتجاذبانها: الأول عملها في إنشاء الكلام وتركيبه وإذاعته، وهذه هي "الإبانة"، والثاني عملها في استقبال الكلام المسموع الآتي من خارج، ثم تقليبه وتفليته والتدسس في ثناياه وفي أغواره مرة بعد مرة، وهذه هي "الاستبانة". وهي تعمل هذين العملين، والسلطانُ في الحلقة المفرغة سلطانُها الأعظم. فإذا ما أصابت هذا السلطان فترة أو وَهْن، انبعث العقل بسطوته يبسط سلطانه على الحلقة المفرغة مستقلا بالتبين والتمييز، منتهيا لإصدار أحكامه على هذا الكلام: وصارت هي من أعوانه في عمله كما كان هو من أعوانها قبل في عملها. فإذا أصدر حكمه فهي بإحدى المنزلتين: إما أن تقبل حكمه بالاستحسان أو الاستهجان طائعة راضية مستبشرة = وإما تسخط هذا الحكم بالاستحسان، أو الاستهجان وتألف أن تطيعه، وتستعلى عليه أحيانا بكبريائها، متهمة إياه بالتقصير في التبين والتمييز.
لما بلغتُ هذا المبلغ رأيتنى محتاجا إلى التوقف طويلا، متثبتا من أمرى في شأن "الإبانة" و"الاستبانة". أما "الإبانة"، فلها عندي حديث طويل متشعب، وفي الحديث عن "الاستبانة" طرف منه مجزئ، و"الاستبانة" كما قلت "هي العمل الثاني الذي تزاوله القدرة على البيان"، حين تتهيأ هذه القدرة لاستقبال الكلام المسموع الآتي من خارج، وتهتز له حين تتلقاه، ثم تشرع من
стр. 1196
فورها في تقليبه وتفليته والتدسيس في ثناياه وفي أغواره مرة بعد مرة. تتحسس ما أنشأه غيرها من أحرف وكلمات وجمل وتراكيب، بما أنست هي من القدرة والدربة على إنشاء مثله وتركيبه. وهذا عمل خفي غامض موغل في الغموض، تَعْسُر الإحاطة به أو تفصيله -ولكن أحدنا، إذا هو أطال تأمل ما يختلج في نفسه حين يسمع، مثلا، شعرا بارعا، أو يعيد ترديده في نفسه، أو يقرؤه على مُكْث مرة بعد مرة، فإنه واجد وجدانا خفيا حركة خفية من عمل هذه القدرة، نابضة في أقصى حسه. فإذا ألح، استبان له بعض عملها استبانة لا تكاد تخفى أحيانا.
فما الذي تطلبه هذه القدرة حين تشرع في "استبانة" الكلام الذي جاءها من خارج؟ هي الآن لمَّا تزل صاحبة السلطان الأعظم على جميع قُوى الحلقة المفرغة التي تعمل معها تحت سلطانها، وعلى رأسها "العقل". أكبر الظن أنها تطلب أول ما تطلب، أثر أختها وضريعتها عند الإنسان الآخر في هذا الكلام، في أحرفه وكلماته وجملة وتراكيبه التي تم التعبير بها عن معان متعانقة جالت في نفس صاحبها. وصاحبتنا تعلم علما ليس بالظن: أن الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب تنشأ عندها هي عن آلاف مؤلفة، وحشود حاشدة، وجماهير غفيرة، وموج لُجّى من أعمال الغرائز والطبائع والسجايا والشيم والشمائل والعواطف والشهوات والأهواء والنوازع، جموع بعد جموع تجيش في نفس صاحبها، من بين ثائر متفجر، وهامد الأنفاس. كلهم له عليها حق لازم، لأنه جزء لا يتجزأ من ضمير صاحبه وغيبه وحقيقته التي يتميز بها وينفرد عن سائر إخوانه من البشر. كلهم يطالبها أن تستعد للبيان عنه إثباتا لوجوده. وهي لا تملك إلا أن تستجيب لكل طالب حق. واستجابتها أن تتهيأ هيئة تعين على تميز صاحبها وانفراده عن غيره، وتعبئ قدرتها على الإنشاء والتركيب تعبئة تجعلها عند الحاجة صالحة للدلالة على كل منهم، وعلى وجوده أو حضوره. فكذلك تصبح "قدرة على البيان" متميزة بالدلالة على ضمير صاحبها وغيبه وحقيقته التي ينفرد بها عن غيره من البشر.
стр. 1197
معنى ذلك، أنها حين تمارس إنشاء الكلام وتركيبه، تحمل الأحرف والكلمات والجمل والتركيب ومعاطف المعاني التي تبين عنها أمشاجا متداخلة من الدلالات، ثم تفصل عنها حاملة آثارا مفصحة، أو مستكنة، أو عالقة، أو ناشبة في ثنايا الكلام وفي طواياه وفي أغواره، دالة دلالة على ما يتميز به صاحبها من أعمال الغرائز والطبائع والسجايا والعواطف والأهواء والنوازع، قديمة أو متجددة، ظاهرة أو باطنة. لا، هذا جزء يسير من عملها وخصائصها. فأكبر من ذلك أن هذه القدرة الخارقة الغامضة الغريبة المطيقة للتشكل، قادرة على أن تعبئ نفسها تعبئة صالحة للدلالة -بالأحرف والكلمات والجمل والتراكيب- على هيئة صاحبها وحركته وشمائله وسمته وعلى مئات من السمات الظاهرة والخفية التي يتميز بها صاحبها، تفصل عنها مغروسة في الكلام، ومغروسة أيضا في المعاني أحيانا.
وإذن، فهذه القدرة حين تلتمس هذه الآثار في كلام أتاها من خارج، فهي تمارس عملا خاطفا لأول وهلة في الاهتزاز له، ثم تبدأ تقلب وتفلى وتتدسس في الثنايا والأغوار، وتتحسس ذلك مرة بعد مرة، فترتاح ارتياحا لمهارة أختها الأخرى، أو ترضى رضا، أو ترفض، أو تنفر. فإذا فتر سلطانها في الحلقة المفرغة، اهتبل "العقل" هذه الفترة، فجاء بسطوته ليفرض سلطانه على الحلقة المفرغة، وشرع يفصل ويبين ويميز، ثم حكم، مستقلا بالحكم. فإما رضيت صاحبتنا عن حكمه أو أنكرته.
فهذا طرف من حديث "الاستبانة"، حين توقفت يومئذ عنده متثبتا. ولكني وجدت اللفظ غير كاف في الدلالة، ووجدت أهل زماننا قد أكثروا من ذكر "تذوق الجمال" و"تذوق الموسيقى"، "تذوق الشعر"، و"تذوق الفن"، فرأيته أحسن دلالة على ما تفعله "القدرة على البيان" من لفظ "الاستبانة" فآثرته عليه. وقد سألتنى أن أجد مكانا صالحا أقف عنده من حديثي هذا، فكأنه الآن أصلح مكان للتوقف، ثم أتابع القول في "التذوق" فيما بعد إن شاء الله. وأنا أرجو أن أكون قد استطعت أن أتبين بعض مدب أقدامى في هذا الطريق الموحش القديم، وأرجو أيضا أن أكون صادقا فيما عبرت عن نفسي، أو قصصته.
стр. 1198
وأنا أقول "أرجو أن أكون صادقا"، تخوفا على نفسي من أن أكون قد كذبت أو لفقت فإني رأيت القصاص المبدع والكاتب المطبوع، الأستاذ إبراهيم الوردانى قد فزع فزعا شديدا حين قرأ كلمتى السالفة، ثم أبدى عن فزعه في صواريخه، في صحيفة الجمهورية، يوم الخميس (١٩ من شوال ١٣٩٨/ ٢١ من سبتمبر ١٩٧٨، فقال إنه قرأ شيئا "مرعبا مخيفا، تدوخ له النفس، بل تتطاير". ولعل فزعه كان لما وجد فيه من ذكر "عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين"، وما كان من سطوه على أعمال الناس وادعائها والاستطالة بها استطالة باذخة، ثم نقل بعض كلامي وختم كلمته بقوله:
"عزيزى القارئ، أنقل عن الكاتب، ويأخذنى الدوار. فالكاتب هو "الأستاذ محمود محمد شاكر - ٧٠ سنة". ورغم قلة شهرته، وعدم ذيوع صيته، إلا أن له في الأروقة الأدبية، ومنذ زمان، لقب الإمام الزاهد، بل الإمام الكبير الزاهد، حتى ولو لمحناه دائما يؤم للصلاة، ولا أحد من خلف ظهره). . . نعم. . نعم. . تهلع النفس أن يكون كذوبا ملفقا، ولكن الهلع الأكبر أن يكون صادقا أمينا".
وأنا أقول لأخى إبراهيم: لا تهلع أن أكون كذوبا ملفقا، فإن أكن ما تخاف، فإنما أنا رجل من الناس، فإن أك كاذبا فعليّ كذبى. وما عليك إلا تدخلنى في غمار الناس وتستريح، فلست "إماما" حتى تهلع، إنما الإمام من يتخذ المؤذنين يؤذنون له على المنائر وأسطح المنازل وأفواه الطرقات. لا مؤذن لي. فإن أكن مصليا، فصلاتى في غار ضيق لا أخافت بها ولا أجهر، والغار لا يتسع لمأموم واحد، فضلا عن زحام المأمومين! وإن يكن هلعك الأكبر لما يصيب "عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين" إذا كنت أمينا وصدقت، فاكفف من هلعك: فإنه غير مجد عليك شيئا، وخذ نفسك بما أمر به الفرزدق "النوار" أم ولديه، حين ماتا ابناها منه، فجزعت عليهما حتى كادت تتلف، فقال لها ضنًّا بها على التلف:
стр. 1199
فما ابناكِ إلا مِن بني الناس، فاصْبرِي ... وهل يُرْجِعُ الموتى حنينُ المآتمِ؟
رفِّه، يا أخي، عن نفسك، فالأمر كله أهون من ذلك، فإن الدكتور طه حسين في نفوس الناس أعظم وأجل من أن يصاب بشيء تكرهه، ولا يعمل فيه قدح قادح كذب ولفَّق، أو صدق وأدَّى الأمانة.
стр. 1200
المتنبي ليتني ما عرفته
- ٣ -
في سحيق الأزمان والآباد التي لا يعلم مدتها إلا عالم الغيب والشهادة سبحانه، كان أبونا الشيخ، آدم ﵇، منجدلا في طينته، حتى إذا ما نفخ الله فيه من روحه، قام على رجليه حين قام، طيع الشفتين، مطلق اليدين، ممشوق القوام معتدله، مصورا في صورة تباين كل ما يحيط به من خلقه سبحانه. قام منذ أول نهضة نهضها على الأرض، و"القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة"، مودعة فيه مُعَدَّة، مهيأة للعمل من فورها، ليتلقى "التكليف" منذ أول وهلة.
هذه هي النشأة الأولى في لحظة خاطفة مضيئة، شهدها رجل واحد، ثم ضاعت وأظلمت في غمرة الآلاف المؤلفة من الدقائق والساعات والأيام والليالى والشهور والسنين والقرون الغوابر والأحقاب. أسدل عليها الحجاب، واستسرت في أعماق الأزمان والآباد والدهور السحيقة. لحظة انتهت، وانتهى بانتهائها كل ما وجده آدم في نفسه، حين أدرك نفسه، إذ أبصر وسمع وعقل واستجاب للتكليف. انقطع كل أمل أن تبقى هذه اللحظة ميراثا متجددًا حاضرا واضحا في نفوس أبنائه إلى آخر الدهر. لم يكن لنا سبيل إلى علم شيء عنها بوسيلة من الوسائل، ولولا الخبر الصادق الذي لم يبق على ظهر هذه الأرض خبر صادق غيره لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لعجز العقل عن تصورها أو توهمها عجزا قاطعا لكل رجاء. والذي نقرؤه عن "نشأة اللغة" عند البشر، بحثا عن اليقين الذي يعين على تصور هذه اللحظة الخاطفة المضيئة، موسوم كله بالقصور والبطء والتردد والتسكع، مُغلَّف كله بالغموض والعجز والحيرة وتكاثف الظلمات. ولذلك، فكل تفسير يراد به الوصول إلى حقيقة هذه "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة"، سوف يظل محفوفا بأسباب الزلل،
стр. 1201
مهددا بالمجازفة على غير هدى. ولكن أبناء آدم ﵇ كلما فتح لهم باب من المعرفة فتح لهم به باب من الغرور، وكلما فتح لهم باب من العلم فتح لهم به باب من البغي والجدل، هكذا نحن، إلا من عصم الله.
وأنا أحدِّث هنا عن نفسي، فمنذ بدأت قديما في تدبر هذه الآية من آيات الله في أنفسنا، لم أزل أزداد على تدبرها وتأملها دهشة متصلة وحيرة لا تنقطع. وبين الدهشة المتصلة والحيرة التي لا تنقطع آثرت منذ قديم أن لا أتكلم، لا مبينا عن دهشتي وحيرتي ولا مفسرا لأسباب دهشتي وحيرتي. ولذلك، فلم أكد أقف في مقالتي السالفة عند حديث "الإبانة" و"الاستبانة"، (وهما العملان اللذان تتولاهما آية الله فينا، وهي "القدرة على البيان") لم أكد أقف، ثم أسلم ما كتبت الى رئيس التحرير حتى عدت على نفسي باللائمة والتقريع. فأنا حين كتبت ما كتبت، لم ألتزم بأن أكتب مبينا عن دهشتى وحيرتى، أو مفسرا لدهشتى وحيرتى. ولو كنت فعلت ذلك لكان أدنى إلى الصواب، وإن كنت عندئذ قد خرجت خروجا عما ألزمت به نفسي هذا الدهر الطويل. فالآن جاوز الحزام الطبيَين كما يقال في المثل (١) وأطعت من كان ينبغي على أن أعصيه. سولت لي نفسي أن تجاوز هذا القدر الذي كان لزاما على أن أمسك نفسي عليه، فأرمى بنفسي في تيه ملتبس المعالم من النظر والاستنباط وتقرير الحقائق. ليتني ما فعلت! ولكن هي النفس!
والنفْس كالطفل، إنْ تُهمله شبَّ على ... حُبّ الرضاع، وإنْ تَفْطِمْهُ ينفطمِ
كما يقول البوصيرى، وأنا في خلوتى لم أفطم قط نفسي عن شيء من النظر والاستنباط .. كان الأمر مقصورا على الخلوة، فالآن صرت إلى العلانية. من الذي أضل خطاى فأخرجنى من خلوتى؟ المتنبى؟ ليتني ما عرفته! ولكن،
стр. 1202
ما جدوى التمنى! لابد مما ليس منه بد. فلنعد، إذن إلى حديث "الإبانة" و"الاستبانة" و"التذوق"، وإن كان التوقف والانقطاع، فلنعد إلى بعض التكرار، لأريح القارئ من بعض العنت والمشقة.
تتمة القول في التذوق
خليط هائل يموج بعضه في بعض من الحب والبغض، والصدق والكذب، والشك واليقين، والعفة والدعارة، والود والمداهنة، والاستقامة والمراوغة، والغضب والرضى والتقوى والفسق، والشجاعة والجبن، والنشاط والسأم، والطمع والقناعة، والصبر والجزع، والألم واللذة، والحزن والفرح، والغش والأمانة، والأنفة والاستكانة، والطيش والحلم، والطلاقة والعبوس، والسفه والوقار، والخسة والنبل، والعقل والجنون، والحقد والصفاء، والجفاء واللين، والفطنة والغفلة، والسكينة والهلع، والحياء والقحة، والدماثة والشراسة، والقسوة والرقة، والزهو والتواضع، والخبث والطيبة .. وألوف مؤلفة من الخواطر والهواجس، والهواتف والوساوس، والنوازع والشهوات والغرائز والطبائع، والأهواء والعواطف، والشيم والشمائل. وبحور متلاطمة من أفكار مركبة، وصور مصورة، متجددة الظهور والاختفاء، والثورة والخمود، تتصادم وتأتلف، وتتزاحم وتنفض، تضيئ وتنطفيء، وتثب وتغوص، وتعدو وتدب، وتعوى وتغمغم، وتقدم وتهرب .. هول هائل يجول في النفس ليلًا ونهارا، في مستقر قوى الحلقة المفرغة، (المكونة من العقل والقلب والنفس والقدرة على البيان) .. كل منها يطالب "القدرة على البيان" أن تهيئ نفسها وتتشكل، وأن تعبئ نفسها تعبئة صالحة عند الحاجة للدلالة على وجوده وحضوره في الضمير قديما أو متجددا، ظاهرا أو باطنا، مجملا أو مفصلًا.
حتى إذا ما جاء وقت "الإبانة"، وهو أول عمل لهذه القوة الغريبة الغامضة المطبقة للتشكل، مارست إنشاء الكلام وتركيبه على أسلوب مطبق لأن تحمل أحرفه وكلماته وجمله وتركيبه ومعاطف معانيه أمشاجا متداخلة مما تتميز به نفس
стр. 1203
صاحبها أو ضميره، ثم تفصل عن لسانها حاملة آثارا مفصحة، أو مستكنة، أو عالقة، أو ناشبة، في ثنايا الكلام، وفي طواياه، وفي أغواره، دالة على صاحبها دلالة مميزة له من سائر إخوانه من البشر.
حتى إذا ما جاء وقت "الاستبانة"، وهو العمل الثاني لهذه القوة الغريبة الغامضة تلقت "الكلام" الذي يأتيها من خارج، والذي أنشأته أخت لها عند إنسان آخر، انبعثت هذه القوة تمارس عملها الثاني ممارسة خاطفة لأول وهلة، فتهتز لما تلقته، ثم تبدأ تقلب "الكلام" وتفليه بسرعة مذهلة، متدسسة في الثنايا والطوايا، والأغوار، طالبة باحثة عن الآثار التي علقت بالأحرف والكلمات والجمل والتراكيب التي جاءتها من خارج، يعاونها في ذلك جميع صواحباتها في الحلقة المفرغة، (وهي العقل والقلب والنفس). وهذه "الاستبانة" نجدها في أنفسنا وجودا ظاهرا لا خفاء فيه، إذا ما أحسن أحدنا التنبه لهذه اللحظة الخاطفة التي يتم فيها عمل "القدرة على البيان"، إذ هي عندئذ صاحبة السلطان الأعظم على قوى الحلقة المفرغة، وقبل أن تتراخى قبضتها عن صولجانها، ليتاح للعقل أن يهتبل الفرصة ليبسط سلطانه على قوى الحلقة المفرغة، وليتولى عمله في التبين والتمييز ليقضى فيما سمعن جميعًا قضاء فاصلا، ثم يحكم مستقلا بالحكم.
وهذه "الاستبانة" التي تتولاها "القدرة على البيان"، وهي مسيطرة على قوى الحلقة المفرغة، تتطلب ما تتطلب في كل كلام تتلقاه من خارج، هذه الآثار التي ذكرتها آنفا. وهي تفعل ذلك في سرعة خاطفة خارقة لكل مدى تبلغه السرعة، وفي "زمن" مختطف كومضة البرق لا يمكن إدراكه أو تثبيته، ثم تتراخى قبضتها على صولجانها، لكي يمارس أخوها العقل سلطانه القاهر على قوى الحلقة المفرغة، في تبين الكلام وتمييزه. وهو أيضًا يفعل ذلك في سرعة مذهلة، وفي زمن مختطف أيضًا كومضة البرق لا يمكن إدراكه أو تثبيته. ولكن طبيعة العملين: "عمل العقل في التبين والتمييز، وعمل القدرة على البيان في الاستبانة"، وطبيعة السرعة عند كل منهما، مختلفان اختلافا صريحا، نجده في
стр. 1204
أنفسنا بالتأمل المستغرق، ولكننا نعجز عن أن نحدده تحديدًا قاطعًا ظاهرًا يبين عن قدر هذا الاختلاف أو نوعه.
ولذلك يقع التداخل والخلط عندنا بين أحكام "القدرة على البيان" في "زمن" الاستبانة، وبين أحكام العقل عليه في "زمن" التبين والتمييز لأنهما زمنان مختطفان متلاحقان متداخلان غير قابلين للإدراك والتثبيت.
بل يبلغ الأمر مبلغا أبعد من ذلك بكثير، وهذا عجب وفوق العجب: إن الكلام المركب من الأحرف والكلمات والجمل، تحمل في تركيبها أشياء أخرى غير آثار الطبائع والغرائز والأهواء والنوازع التي يطول جولانها من السرائر والضمائر المغيبة. نعم هي قادرة بفضل هذه القوة الغريبة النفسية العجيبة المنشئة للكلام، أن تُحَمِّل الأحرف والكلمات والجمل ضروبا أخرى من الدلالات الخفية والظاهرة، والكامنة والمنسابة، تدل على هيئة صاحبها، وعلى حركاته عند إنشاء الكلام، وعلى شمائله الظاهرة، وعلى سمته، وعلى صوته، حتى كأنك ترى صاحب الكلام ماثلًا أمامك، يشير، أو يتحرك، أو يهمس، أو يصرخ، أو يتلوى، أو يثنى جيده، أو يرفع رأسه فعل المندهش أو المستنكر، أو يميل جانبا كفعل الذي يسرّ إليك سرا، أو يغضى، أو يطرق، أو يسكت سكتة كالمتردد بين أن يتم كلامه أو يكف عن الكلام، أو يشيح بوجهه فعل المستنكف .. مئات لا تعد من السمات الظاهرة والخفية التي يتميز بها متكلم عن متكلم. كل ذلك ممكن أن تراه أو تحسه وهو يطل ملثما أو سافرا من خلل الأحرف والكلمات والجمل، مغروسا في حافاتها وحواشيها، بل مغروسا أيضًا في معاطف المعاني التي يدل عليها هذا الكلام المركب. عجب وفوق العجب! وهذا شيء تحسه أحيانا إحساسا خاطفا في الشعر وفي غير الشعر، ولكنا لا نطيل الوقوف عليه متأملين، بل نتجاوزه تجاوز المستهين الغافل.
هذه جملة من القول. حاولت أن أصورها لك، أيها العزيز، بهذه اليراعة (١)
стр. 1205
المتقصفة العاجزة عن ملاحقة حركة هذه اللحظات الخاطفة من عمل "القدرة على البيان" في زمن "الاستبانة". ولا أدري، هل أنا متعجل مسئ، تدفعنى العجلة إلى الإخلال بسياق حديثي، أم ترانى عصيبا إذا أنا قلت لك الآن، هاهنا: إني أعد "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة" حاسة سادسة في بناء الإنسان، هي أولى بالتقديم من الحواس الصُّم البُكْم المقصورة على صاحبها وحده، أولى من السمع، ومن البصر، ومن الذوق، ومن اللمس، ومن الشم، بالإثبات .. بل لعلها أولى بأن تعد جارحة كامنة في البناء كله، أشرف وأكرم من اليدين والرجلين والأذن والأنف والعينين واللسان، وهي الجوارح الظاهرة. لا يعيبها أن لا مَكْمَن لها تستقر فيه نعلمه وندركه، ويكون أداة صالحة لإظهار فعلها وعملها، كاللسان والأذن، مثلا، في السمع والبصر، لا، بل لعل مكمنها في الحقيقة هو هذا البنيان كله الذي يسمى "الإنسان"، والأداة الصالحة لإظهار عملها وفعلها هو بناء الإنسان نفسه، وكل ما في هذا البنيان خدم لها. ولأن "الإنسان" لو سلب هذه "القدرة على البيان" سلبا تاما، لعاد من فوره بهيمة من البهائم، لا معنى لإطلاق يديه، ولا لقدرة شفتيه على الحركة، ولا لاعتدال قوامه واستوائه، ولخرج يمشي على أربع، بلا فرق ظاهر بينه وبين سائر إخوانه من البهائم، وإذن، فقد خرب البناء كله، وسقط عنه "التكليف"، وزادت السوائم سائمة ترعى ما أخرج لها ربها من الأرض. وإن شئت الآن فتدبر هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، ثم هذه الآية ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، ثم هذه الآية: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾، آيات ثلاث فيهن الحديث عن "خلق" الإنسان وإنشائه، ويقترن بذكر "الخلق" ذكر "البيان"، و"الأسماء" و "القلم"، وتأمل قوله سبحانه "علّم" في ثلاثتهن، فسترى الخبر الصادق يلوح كأنه نور ساطع يكشف عن حقيقة هذا "الإنسان" التي طمستها القرون والكتب، وعسى أن تقول معى: لولا البيان، لخرب هذا البنيان!
стр. 1206
وعسى أن يكون صوابا أن أدمج السياق الأول في هذا السياق الثاني. فإن تكن كل حاسة من الحواس الخمس الصُّم البُكْم المقصورة على صاحبها وحده، (وهي الحواس المشتركة بين الإنسان والبهائم)، لها مَكْمَن وأداة صالحة لظهور عملها، هو جارحتها. فإن هذه الحاسة السادسة الخفية المبهمة المفصحة البريئة من الصَّمَم والبَكَم، لها هي أيضًا مَكْمَن هو بناء الإنسان، وهو أيضًا جارحتها، أي هو بجملته الأداة الصالحة لإظهار عملها، وعملها هو "البيان"، الذي يتميز به الإنسان من سائر البهائم. ومن أجل هذا المميز الغريب الحاسم، فارقها كل المفارقة في إطلاق يديه، وفي طواعية شفتيه للحركة، وفي استواء قوامه واعتداله ولأن هذا البناء كله هو الأداة الصالحة لإظهار عمل هذه الحاسة السادسة، صار ممكنا أن يكون كل ما تنشئه هذه الحاسة إنشاء، وهو "الكلام"، قابلا لظهور كل فعل باطن أو ظاهر من أفعال هذا البناء العجيب، وهو "الإنسان"، ويظل الأمر بعد ذلك عجبا وفوق العجب!
ولأنى حددت هذه القدرة النبيلة الغربية المذهلة حاسة من الحراس وجارحة من الجوارح، لم أبال بأن استبدل لفظ "التذوق"، الذي هو أصلا من عمل جارحة اللسان، مكان لفظ "الاستبانة" الذي هو أحد عملين تتولاهما هذه الحاسة السادسة، بل هو جزء لا يمكن أن يتجزأ من عملها الآخر "الإبانة" أي إنشاء الأحرف والكلمات والجمل، وتركيبها تركيبا دالا على المعاني الجائلة في الضمير المستور، على الهيئات الظاهرة التي يشف عنها هذا البناء الذي تكمن فيه، ثم تخرج جميعها حاملة آثارا مفصحة عن صاحبها المتميز عن إخوانه من البشر، بخصائصه الدالة عليه وعلى تفرده. وهذه الآثار موجودة حاضرة في "الكلام المركب" حضورا مستكِنًا في غضونه، أو عالقا بأحرفه وتركيبه، أو ناشبا في ثنايا الكلام، وفي طواياه، وفي أغواره القريبة والبعيدة.
ولم آخذ هذه الكلمة، وهي "التذوق"، عن تراث أسلافنا ﵏، ولكني أخذتها عن المحدثين من كتابنا وأدبائنا، حيث وجدتهم يقولون: "تذوق الشعر"، و "تذوق الجمال" و"تذوق الموسيقى" و"تذوق الفن". والذي
стр. 1207
حملنى على أن أوثر هذا اللفظ وأجعله دالا على العمل الثاني من أعمال "القدرة على البيان" وهو "الاستبانة" هو أنى وجدت في نفسي أن عمل "الاستبانة" عندي وأنا أتأمله أشبه بعمل جارحة اللسان في تذوق الطعوم مرة بعد مرة، ثم أشبه بما يتسم به عمل اللسان في التذوق من سرعة الفعل، وسرعة انقضاء الفعل، وسرعة الحكم على الشيء الذي وقع عليه الفعل، أي هذا الشعور الخاطف بالحلاوة أو المرارة، أو الملوحة، أو الغضانية أو اللذع، وسائر ما يتولى اللسان الحكم عليه من طعوم الأشياء.
حسبنا هذا القدر من المسير في الطريق الموحش المهجور الذي رمت بي فيه، كما قلت، "محنة الشعر الجاهلي"، حين أخذتني قديما فقذفتنى قذفا في الأمر المخوف المهوب، الذي تنخلع عنده القلوب، وهو إعادة النظر في شأن "إعجاز القرآن" .. والآن، ليت شعرى هل استطعت أن أثير فيك بإلحاحي على التجزئة والتقسيم والتوضيح والتكرار، إحساسا ما يعمق هذه الأعجوبة التي أودعت في بناء الإنسان، ملثمة بالأسرار المتلونة بألوان من البوح والكتمان، تحجبه بالوميض المتتابع الذي يُعْشِى نظر المتأمل من تعاقب الإضاءة والإظلام، لا أدري، ولكني أجد في إحساسى عجزا فادحا عن ملاحقة هذه البروق الخاطفة المتواترة التي تنشأ على التأمل، ثم أحس عجزا أفدح عن تثبيت ما أراه في كلمات. بيد أنى أشعر الآن، مخطئا أو مصيبا أنى قد جعلت أمر "الاستبانة" التي تتولاها حاسة "القدرة على البيان"، ظاهر المعالم بعض الظهور فيما أتوهم، وأن بلوغي هذا المبلغ في تبين بعض معالمها، هو الذي جعلني أوثر أن أستبدل لفظ "التذوق" مكان لفظ "الاستبانة". ولما فعلت ذلك، كنت قد أصبت للفظ "التذوق" صاحبا يمكن أن يقوم مقام صاحبه الأول، وهو جارحة اللسان. وهذا الصاحب الجديد هو أيضًا جارحة أخرى (أو حاسة أخرى)، هي "القدرة على البيان"، وكذلك أوشك أن يسلم قولنا: "تذوقت الشعر" من الهلاك، بعد أن كان مهددا بأن يرمى على ركام من الكلام الساقط المرذول الذي فقد التجانس والتطاعم بين طرفين.
стр. 1208
والذي يجعل قولنا "تذوقت الشعر" يسلم كل السلامة من المعاطب والمتالف، أن الشعر "كلام"، وهذه الحاسة السادسة هي التي تنشيء كل "كلام"، وهذا عملها الأول وهو "الإبانة". ثم هي نفسها التي تتلقى كل "كلام" يأتيها من خارج لتستبينه، وهذا هو عملها الثاني، وهو "الاستبانة". وهي وحدها، دون سائر الحواس الصم البكم المقصورة على صاحبها وحده، ودون سائر أخواتها في الحلقة المفرغة، هي وحدها المالكة لوسيلتين: مالكة لوسيلة عند صاحبها مترجمة مبلغة عنها هي نفسها وعن جميعهن، وهذه الوسيلة هي جارحة "اللسان" صاحب التذوق. ومالكة أيضًا لمستقبِل عند صاحبها وعند إنسان آخر غير صاحبها، يستقبل "الكلام" ويؤديه إلى أخت لها كامنة في بناء الإنسان الآخر، وهي جارحة "الأذن" صاحبة السمع. وهذا "اللسان" جارحة من جوارح الحواس الخمس الصُّمّ البُكْم المقصورة على صاحبها، المشتركة بين الإنسان والبهيمة. ولكنه حين تم بناء الإنسان، وصار البناء بجملته مكمنا لهذه القوة العجيبة النبيلة التي لولاها لخرب البناء، صار لهذا "اللسان" نفسه عمل آخر حاسم الدلالة، هو الترجمة عن هذه القوة المركبة من توأمين متداخلين لا يمكن الفصل بينهما، هما "القدرة على النطق" و"القدرة على البيان". وعندئذ صار "اللسان" بهذه القوة الغريبة النبيلة ألصق وألزم، وسما بالتصاقه بها سموا حاسما باذخا، حين صار صاحب "النطق" عنها، وصاحب الترجمة، وصاحب التبليغ، حتى كاد يخرجه سموه بها عن أن يكون هو صاحب التذوق، في أصحاب خمس من الحواس الصُّمّ البُكْم! ولذلك سموا اللغة نفسها "اللسان"، وقالوا: "إنما المرء بأصغرية قلبه ولسانه"، أي بيانه.
اشتد لصوق "اللسان" بالقدرة على البيان لصوقا يستعصى على الفصل والانفصام، لأنه هو الآن مترجمها الوحيد في البناء كله، ولأنه هو وحده المبلغ عنها كل ما تنشئه من "كلام"، ولأنه هو وحده مظهر عملها المنفرد بالدلالة على كمونها في هذا البناء. فكذلك صار عملاه في "النطق" و"التذوق" عملين أخوين شقيقين متعانقين ثاويين في وطن واحد، وكاد يكون هذا الوطن
стр. 1209
مِلْكا خالصا للقدرة على البيان و"النطق" هو أسنى الأخوين شرفا، وأعلاهما سلطانا وغلبة على "اللسان" والنطق هو قرين "الإبانة" أحد عملي "القدرة على البيان" فلا جرم أن يكون أخوه الضعيف القاصر، وهو عمل "اللسان" في "التذوق" قرينا لعملها في "الاستبانة"، لشدة التشابه بين العملين، (التذوق، والاستبانة) في طلب التمييز بين الأشياء، وفي تبين الخصائص الكامنة فيها، ثم في سرعة الفعل، وفي سرعة انقضاء الفعل، وفي سرعة الحكم على الشيء الذي وقع عليه الفعل كما قلت آنفا.
وإذن، فبحمد الله وتوفيقه، خرج قولنا: "تذوقت الشعر" من المأزق الذي كان فيه لفظا مشكلا مبهم الدلالة غارقا في الإبهام، كما قلت في المقالة السالفة، وخفت إلى نجدته صاحب له، شهم الشمائل نافذ الجراءة لم يكتف بأن ينتشله من الغرق في معاطب الإبهام والغموض أو بأن ينتاشه من دنس الهلاك هاويا في قرارة السقوط والخساسة، بل زاد فرفعه إلى مكان على من الشرف والسمو. وأي مكان أشرف وأسمى وأنبل، من أن يكون لفظ "التذوق" بديلا له الحق الخالص في النيابة عن لفظ "الاستبانة" وهي العمل الذي تتولاه أنبل قدرة في بناء الإنسان، وهي "القدرة على البيان". وقد أصاب كُتابنا وأدباؤنا المحدثون قدرا عظيما من التوفيق، حين جرى لفظ "التذوق" على ألسنتهم متأثرين بما يقابله في الأدب الأوربى الحديث. ولكن العجب العاجب عندي أن يقع هذا اللفظ في اللغات الأوربية الحديثة! من أين جاءهم؟ وأنا شديد الشك في أن يكون أغتام (١) الأعاجم وأجلافهم في القرون الوسطى قد أصابوا هذا القدر من التوفيق اللطيف الخفي من عند أنفسهم. ولا أظنه ينفعهم شيئًا زعمهم أنهم ورثة آداب اليونان الأوائل وورثة حضارتهم لأنى لم أقف في قراءتى على شيء يدل على أن عظماء اليونان قد قالوا في مباحثهم عن الشعر والخطابة واللغة: "تذوق الشعر" أو "تذوق الجمال" أو "تذوق الفن". ولو كان ذلك، لوجدنا أثره في كتب
стр. 1210
أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، ولكن هذا على كل حال موضع توقُّف، لأن بضاعتى في شأن اليونان بضاعة مُزجاة، ولعلى أجد عند أخي الأستاذ الجليل الدكتور عبد الرحمن بدوي، أثارة (١) من عِلْم، فهو الخبير حق الخبير بهذا الشأن، وأقول له أن أكبر ظني أن هذا اللفظ قد انحدر إليهم مع ما انحدر إليهم من لسان العرب في الأندلس أو في غير الأندلس، حيث كان كُتابنا العرب القدماء، بل عامة الناس أيضًا، يكثرون من استعمال لفظ "الذوق السليم"، ثم يسندون إليه الفصل في أمور كثيرة منها الحكم على ألفاظ الشعر والنثر، كما سأبين فيما بعد.
* * *
قضية "التذوق" عندي
وبعد، فأنت ترى أنى آثرت لفظ "التذوق" على لفظ "الاستبانة"، لكي أدل به على ما تتولاه تلك الحاسة السادسة فينا، من تطلب الآثار العالقة في الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني الناشبة في حواشيها وأغوارها، والتي تدل دلالة ما على ما في ضمير صاحبها الذي أنشأها من ألوف مؤلفة زاخرة من الغرائز والطبائع والأهواء والنوازع والعادات والأخلاق، بل تدل أيضًا على الهيئة والسمت والحركة وسائر السمات الظاهرة والخفية. ومعنى ذلك أن "الكلام" مُحَمَّل بدلالات مميزة، تجعل صاحبه متفردا بخصائصه عن سائر إخوانه من البشر المتكلمين. وأنا أدرك تمام الإدراك أن هذا كلام سهل أن يقال. ولكن ليس من السهل التسليم به، فإن من يبتغى الوصول إلى التثبت من صحته، أو إلى اختباره وتحقيقه، مكلف أن يخوض في العنت والمشقة والحيرة خوضا. . . وإذن فأنا لا أستطيع أن أنكر أنى أقول قولا ليس سهلا أن يقتنع المرء بصحته على وجه يعينه، أو يحثه على مراجعة نفسه، أو على محاولة اختباره في شيء مما يقرؤه أو يسمعه.
стр. 1211
وهذا عيب، ولكنه ليس عيبي أنا وحدي. ففي كل لغة ألفاظ كثيرة جدًا تدل على المعاني المجردة التي لا تتجسد. ولكننا إذا أدخلنا هذه الألفاظ في الجمل المركبة، لم نجد مناصا من استعمال ألفاظ أخرى من الأفعال والصفات، تجعل الحديث عن هذه المعاني المجردة حديثا عن متجسد يكاد يرى بالعين، ويمس باليد .. وهذا التجسيد يقربنا إلى إدراك مضمون الحديث عنها، نعم، ولكنه يباعد بيننا وبين القدرة على الاحتفاظ بالأصل الأول، وهو أننا نتحدث عن معان مجردة لا تتجسد ولا تُرَى ولا تُمَسّ. . . وغياب القدرة على الاحتفاظ بهذا الأصل الأول (المعنى المجرد)، يباعد هو أيضًا بيننا وبين الشعور بوجوب العودة إلى مراجعة ما نجده في أنفسنا، أو ملاحظة ما يجرى في أنفسنا، مما له علاقة بهذه المعاني المجردة التي لا تتجسد. وبذلك يصبح الطريق إلى الامتناع، أو إلى مراجعة النفس، أو إلى محاولة اختبار ما نسمع أو نقرأ، طريقا مسدودا في أغلب الأحيان. وكذلك كان فقد كان حديثي كله يجعل "القدرة على البيان" وهو معنى مجرد مغرق في التجريد، شيئًا متجسد الصورة، متجسد العمل، فصار ما قلته في شأنها سهلا في السياق، ولكن ليس من السهل التسليم به لأول وهلة. وهذا ليس عيبى ولكنه عيب اللغة، لأنها، اضطرارا، تُجسد ما لا يَتَجَسَّد.
ومع ذلك، فالذي قلته على عيبه هذا، ليس أمرًا مجهولا لا يعرفه أحد: بل العكس هو الصحيح. فما من أحد منا إلا وهو يمارسه مرات بعد مرات. يمارسه حين يسمع من يكلمه (أو حين يقرأ شعرا، أو نثرا، أو رسالة). فيمس في دخيلة نفسه أن صاحبه كاذب، وإن كان ظاهر ألفاظه لا يدل على الكذب، أو أنه مراوغ، أو أنه حقود، أو أنه خبيث، أو أنه حيي، أو أنه عفيف، أو أنه رقيق، أو أنه منافق = فإذا سألته من أين عرف ذلك؟ لم يجد جوابا، ولم يدر ماذا يقول، وأحال الأمر كله إلى أنَّه: هكذا أحس! والعامة الذين لم يتعلموا قط، يفاجئونك أحيانًا كثيرة بالحكم على حديث رجل، بل على الرجل نفسه، حكما تنكره ويعيبك أنت المتعلم أن تعرف صحته، إلا بعد تجارب قد تطول، مع أنك كنت شاهده معهم. وكذلك طفلك الصغير، يكشف أحيانا ما تضمره في نفسك،
стр. 1212
وأنت تتحدث حديثا عليه سمة الصدق كاملة فيما تظن، أما هو فقد يفاجئك باكتشاف ما لم تكن تتوقع أن يكشفه.
ونحن الذين نتحدث عن الشعر وعن تذوق الشعر، نقول أن الشرط الأول في جودة الشعر (أو جودة الفن عامة) أن يكون الشاعر "صادقا". وهذا شرط صحيح بلا ريب. ولكن ما السبيل إلى معرفة ذلك؟ أن يقول لنا الشاعر بلسانه أنه صادق، أو يكتب على رأس كل قصيدة "أنا صادق"؟ أم أقنع أنا بأن أفترض افتراضا أنه صادق، فيكون عندئذ صادقا! كلا هذين باطل لأول وهلة. لم تبق، إذن، وسيلة لمعرفة صدقه إلا من خلال الشعر نفسه، أي من خلال أحرفه وكلماته وجمله وتراكيبه ومعانيه. ومن أين يعرف صدقه في هذا؟ وكيف؟ ينبغي هنا أن نحترس من الوَهْم الذي يجعل مجرد مطابقه ما يقوله الشاعر لما نعتقده نحن أو نتوهمه دليل على صدقه في شعره. فهذا باطل أيضًا، لأن مخالفته كل المخالفة في الاعتقاد أو التوهم، ممكن أيضًا أن يكون فيما قاله صادقا كل الصدق وإن لم يقع كلامه عندنا موقع الرضى والقبول والتسليم. فلم يبق إلا طريق واحد: أن يكون الكلام المركب من الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب، وما تؤدى إليه من المعاني، كلها حاملًا لآثار عالقة في جميعها، أستطيع أنا أو أنت بالاعتماد على "التذوق" الذي وصفته لك، وكما وصفته لك، أن نحسه إحساسا ما، وبطريقة واعية منظمة بصيرة، قادرة على الاعتماد على هذه الحاسة السادسة التي تنشيء "الكلام" فينا، والتي تطيق أن "تتذوق"، الكلام الآتى إليها من خارج. ومناقشة هذه القضية للتوصل إلى غاياتها البعيدة، وإلى كشف النقاب عنها، وإلى إزالة الإبهام المحيط بلفظ "التذوق"، كما استعمله أدباؤنا وكُتابنا المحدثون بمجرد التوفيق من الله، لا بالنظر والاستنباط والتحصيل والتقرير، مسألة تحتاج إلى إفاضة وتتبع واستيعاب.
وقضية نشوب جميع الطبائع والعواطف والغرائز والأهواء وجميع السمات الظاهرة والباطنة، في الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني أيضًا، قضية صادقة عندي كل الصدق، بعد أن عانيت في سبيلها معاناة لا أستطيع أن
стр. 1213
أسترجع أهوالها وأقيدها لك منه هذا المكان، ولذلك فسوف أنقل شيئًا مما كتبته قديما في مجلة المقتطف (المجلد ٩٧، ص: ٥٧، شهر يونيه ١٩٤٠) (١) حين شرعت في كتابة مقالات لم أتمها بعنوان: "علم معاني أصوات الحروف: سر من أسرار العربية، نرجو أن نصل إلى حقيقة في السليقة العربية" قلت:
"وأنا أريد بقول "معاني أصوات الحروف" ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف من المعاني النفسية التي يمكن أن تنبض بها موجة اندفاعه من مخرجه من الحلق أو اللهاة إلى الحنك أو الشفتين أو الخياشيم، وما يتصل بكل هذه من مقومات نعت الحرف المنطوق. وليست المعاني النفسية، أو العواطف، أو الإحساس، هي كل ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف. بل هو يستطيع أن يحمل أيضا صورا عقلية معبرة عن الطبيعة وما فيها من المادة، وما يتصل بذلك من أحداثها أو حركاتها أو أصواتها أو أضوائها، أو غير ذلك مما لا يمكن استقصاؤه، إلا بعد طول الممارسة لوحي الطبيعة في فطرة الإنسان. . . ." ثم قلت: "هذا جهد كنت بذلته قديما. والنفس ساكنة قارة هادئة .. ولكن الأيام انتزعتنى ورمت بي إلى حومة تتسعّر وتضطرب وتطغى بضجيجها على فترة النفس واجتماعها على الهدأة والهوينى والسكون، فكذلك ذهب أكثر ما تلقنته من المعاني نهبا ضائعا بين النسيان والغفلة وقلة المبالاة وطول الإهمال".
وهذا الذي كتبته قديما، أشد إيغالا في أعماق القضية، من كل ما تناولته في كلماتى اليوم. ومع ذلك، فإن في الواقع مؤيدا هو أشد دلالة على صدق القضية عندي. فالخط، مثلا، (وهو عمل من أهم أعمال اليد في تقييد "الكلام" وتثبيته بالتسطير على الورق وغيره)، يحمل في طوايا رسمه دلائل كثيرة عميقة على صاحبه الذي كتبه بيده ويحمل دلائل على أخلاق الكاتب وعاداته وطبائعه وحالاته وهيآته وسماته المختلفة المتباينة. وقد استطاع المتخصصون في قراءة ما وراء "الخط"، أن يصيبوا صوابًا كثيرا موفقا في قراءتهم لهذه الدلائل العالقة الناشبة في
стр. 1214
حواشى الخط وفي طواياه، وفي أغواره، وفي تعيين بعض تكوينه الذي يتميز به من غيره من الناس، وفي تمييز صاحب خط من صاحب خط آخر، وإن تشابه الخطان كل التشابه، بل ميزوا التقليد المتقن الخفي البارع من أصله الذي قلده، أو ميزوا الصادق من الكاذب. ومعنى ذلك أن "الخط" المسطور قابل لحمل هذه الدلائل الخفية المغرقة في الخفاء، وأن التوصل إلى استخراج هذه الدلائل ممكن أيضًا لمن تطلبه على وجهه الصحيح. هذا على أن أحدنا، وإن لم يكن خبيرا بقراءة "الخط" خبرة المتخصص، قد يصله كتاب من صديق، فيقع في نفسه وهو ينظر في خطه: إن صديقه قد كتب ما كتب على عجل، وأن أحرفه محفوفة بالملل، وإنه كتبه مجرد إبراء للذمة، وإن كان الكلام الذي سطره وكتبه يعبر ظاهره عن أشد الاهتمام وأشد العناية، وأشد الحرص على الصداقة. فإذا لقى صديقه الذي كتب هذا إليه، فأعلمه بما وقع في نفسه من دلالة خطه، قال له نعم، صدقت، هكذا كنت حين كتبت إليك. وأنا أحدثك بهذا عن واقع لا عن توهم.
فإذا كان هذا صادقا في شأن "الخط" وهو عمل من أعمال جارحة صماء بكماء لا تبين، فماذا تظن بأشرف قوة مبينة في بناء الإنسان، لم تستو لها قامته وتعتدل، ولم تطلق له يده، إلا لكي تكون اليد خادمة تقيد ما تنشئه هذه القوة العجيبة النبيلة، التي لولاها لَلَحِقَ من فوره بالبهائم على خلقتها وهيأتها يسعى على أربع. أيمكن أن يكون "الخط" -وسائر الفنون الدنيا: من نحت وتصوير وموسيقى جميعًا- قادرا على حمل آثار العواطف والأخلاق والشمائل، ثم لا تكون الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني التي تقيد بالخط، وهي الدالة على الفن الأعلى المتفرد بالسمو على سائر الفنون: الشعر والنثر والكتابة، غير قادرة على حمل هذه الآثار نفسها؟ أممكن هذا؟ كلا، هي على ذلك أقدر وأثبت وأقوم وأصدق شهادة. هي "الوثيقة الجامعة"، التي تميز إنسانا من إنسان (لا شاعرا من شاعر وبَس، أي، وحسب)، وعليها تنعكس صور حياته كلها ظاهرة وباطنة. و"التذوق" عندي هو الطريق إلى بعث هذه الصور، وإلى استنطاقها، وإلى حل رموزها المعقدة، وإلى بث الحياة في هامدها حتى تعود "إنسانا" يمشي ويتحرك ويتكلم ويغضب ويرضى، ويكذب ويصدق، ويخون
стр. 1215
ويؤدي الأمانة، ويستقيم ويراوغ ويتهلل ويعبس، ويزهو ويتواضع، ويتألم ويبتهج، ويأنف ويستكين، ويسرق ويتصدق، ويعف ويفجر، إلى آخر ما لا يحصى مما يكون به الإنسان إنسانا، لا شاعرًا وبَس. هذا هو "التذوق" عندي، وقد أعفيت نفسي منذ بدأت من الحديث عما يريده الأدباء والكتاب بقولهم "التذوق"، ولكنه عندي معنى مغرق في الإبهام، قولا وتطبيقا.
فأنا أسألك الآن، أيها العزيز، أن تقرأ هذا، إن شئت، ببعض التأمل والتدبر، وتراجع قولك في مقالتك الثالثة "على أن تصور محمود شاكر النظرى للشعر: يحتاج إلى مراجعات وملاحظات. فلو تأملنا النصوص التي سقناها في هذه الدراسة من كلامه، لاكتشفنا للوهلة الأولى أنه يتخذ الشعر وثيقة نفسية يستخرج منها حياة أبي الطيب وطبائعه وعواطفه وآماله وآلامه وأحزانه، كما يتخذ منه وثيقة تاريخية، تسهم في تعديل أخبار الرواة القدماء أنفسهم أو تجريحها، أو استخلاص الصدق من نصوصها ونفي ما زيفه التذوق. وهذا مفهوم غير خصب للتذوق الفني، يحول العمل الأدبى إلى وسيلة لخدمة غاية خارجية. وبذلك يتحول الأدب إلى وثائق تاريخية أو اجتماعية أو نفسية، أو يصبح انعكاسا مباشرا لحياة الناس وأهوائهم ونزواتهم واصطراعهم في الحياة". وأنا لا أنتفي من شيء مما قلت، بل هو الحق كل الحق كما قلته، ولا أعده عيبا، ولا خدمة لغاية خارجية، بل هي غاية في الصميم.
ولكن، لو أنت فعلت ما سألتك، لاكتشفت للوهلة الأولى أيضًا أنك تستعمل لفظ "التذوق الفني" في أتم زينته، وأنى استعمل لفظ "التذوق" عاريا متجردا من كل زينة، وأنك تعد معنى اللفظ العارى المتجرد عندي وهو "التذوق" مطابقا تمام المطابقة للفظك المتأنق في أتم زينة عندك، وهو "التذوق الفني". ثم لاكتشفتَ أيضًا أنهما غير متطابقين في المعنى البتة، بل كل ما في الأمر أن لفظ "التذوق" لفظ مشترك بيني وبينك، له عند كل واحد منا معنى يصعب معه أن يتطابقا كل المطابقة. ثم لاكتشفتَ أيضًا أنك بذلك قد ظلمتنى حين جعلت معناتك في لفظ "التذوق" واقعة على معناته عندي .. وأنت أَلَبُّ وأَفْطَنُ من أن أدلك على الفروق بينهما، وأنا ممتنع عن الدلالة على ذلك، لأنى عاهدتك منذ
стр. 1216
أول الأمر قلت: "وأنا أخشى أن أقترب من لفظك في زينته، لأنى إن فعلت ذلك، سقطت فجأة في جوف المنطقة الملتهبة، منطقة الجدل والصراع العقلي". لن أفعل، فالأمر كله بعد ذلك إذن مفوض إليك ظلمتَ أو أنصفتَ. وهذا التفويض أقل ما يجب عليّ من حقوق صداقتك لي ومودتك.
* * *
تاريخ "التذوق" عندي
أنت متذوق للشعر، وأنا متذوق للشعر، وآلاف مؤلفة من المثقفين وغيرهم، قديما وحديثا متذوقون للشعر، أوه، نسيتُ، وحتى لا أُعَدّ متجنيا أو مقصرا، والدكتور طه حسين أيضًا متذوق للشعر. و"التذوق" عند جميعنا قائم في النفس، ولا يجمع بيننا في الحقيقة إلا هذا اللفظ "التذوق". أما وسائل "التذوق" وأسبابه وطرائقه وأساليبه، فمختلفة بيننا اختلافا يكاد يبلغ من الكثرة عدد المتذوقين. ولا يستطيع أحدنا أن يلزم الآخر بما يجده قائما في نفسه من وسائل "التذوق" وأسبابه وطرائقه وأساليبه. هذا مستحيل إن شاء الله، وكل ما يمكن أن يكون، أن يقع من جميعنا، أو من بعضنا، اتفاق على مظهر أو أكثر من مظاهر "التذوق"، وعلى غير تواطؤ منا أو من بعضنا. أما الاتفاق على طبيعة "التذوق" وعلى وسائله ودرجاته وأبعاده، اتفاقا قاطعا لكل شبهة اختلاف أو تباين أو تضاد، فهذا ما لا يكون البتة. وهذا تفسير آخر يزيد ما قلته قديما وضوحا، إذ قلت في المقالتين السالفتين: "إن التذوق معنى عام مشترك الدلالة بين الناس جميعا، وهو يقل ويكثر، ويعلو ويسفل، ويصقل ويصدأ، ويجود ويفسد، ولكنه حاسة لا غنى عنها للإنسان" (١)، وقلت أيضًا: "إن التذوق لفظ مبهم مجمل الدلالة، ولكل حي عاقل مدرك منه نصيب يقل ويكثر، ويحضر في شيء ويتخلف في غيره، وتصقله الأيام والدربة، وترهنه جودة المعرفة والصبر على الفهم والمجاهدة في حسن الإدراك" (٢).
وقد فرغت في المقالة السالفة من الدلالة على أن لفظ "التذوق"، مصدر
стр. 1217
دال على حديث (١) (أي فعل) مبهم غير متعين، ولا متميز، قابل للتعدد والاختلاف والتنوع، أي أنه، كما قلت، كسائر أخواته من الأحداث المبهمة، هي ذات نماء سابغ متوهج، وذات غنى مفعم، وذات ثراء مكنوز -وأنها أيضًا ذات خطر مرهوب، لما فيها من قوة غامضة تجعلها قادرة قدرة مطلقة على تضليل السامع والمتكلم. وقد نشأت أنا في زمن كانت فيه هذه اللفظة "التذوق" شائعة كثيرة الاستعمال في الصحف والمجلات، فتَلَقَّنْتها تَلَقنا وأنا في أول الصبا وخفت على اللسان ونشبت فيه كسائر ما نتلقنه مع الصغر. فكان إبهامها وقبولها للتعدد والتنوع بنمائها وغناها وثرائها يثير في النفس لذة ونشوة واهتزازا ونحن نحاول أن "نتذوق" الشعر والنثر، ثم سائر الفنون الدنيا، كالتصوير والموسيقى. ولكن التفكير في حقيقة "التذوق" ما هو، لم يكن داخلا في منطقة الوعى، ولا غائبا أيضًا عن منطقة الوعى. (استطراد: أرجو أن لا تتذكر أن هناك شيئًا حادثا شبيها بهذا في مسألة "غيبة الوعى" و"عودة الوعى" (٢)، لأننا هنا نتكلم في فن الأدب والشعر، لا في فن التمثيل والتهريج، وأيضا لأن الله عافانى من أن أسلك نفسي في عقد "الأساتذة الكبار"، فلذلك لم أتعلم هذه الفنون لا صغيرا ولا كبيرا، فليس بيني وبينها عمل. وكذلك لفظ "الوعى" هنا، ليس بينه وبين هذا اللفظ عندهم عمل. لا تنس ذلك أيها العزيز).
فمنذ الآن، سأقص عليك القصة كاملة "قصة التذوق"، لأني رأيتك قد جُرت على فيها جَوْرا ما كان ينبغي أن يكون. جور هو أشد من جورى الذي زعمته على صاحبك الدكتور، سأبين لك تاريخ "التذوق" عندي، وبعض معانيه عندي أيضًا، ومنهجى الذي ملكته وطبقته في جميع ما كتبت. ومن خلال ذلك تعلَم، إن شاء الله، إني لم أظلم الدكتور طه حبة خردل في كل ما كتبته عنه أو وصفته به، بل لعلى أسأت أبلغ الإساءة، حين تغاضيت عن كثير مما كان ينبغي أن أقوله فيه قديما وحديثا.
стр. 1218
لعلك تذكر أنى قد تحدثت في مقدمة كتابى (المتنبي ١: ١١ - ١٥): وقلت إني حفظت "المعلّقات العشر الجاهلية" صغيرا، وإن معرفتى بها لم تزد قط على أن تكون زيادة في ثروة معرفتى بالعربية وبشعرائها وشعرها = وإن قراءتى بعض أصول كتب الأدب والشعر على الشيخ سيد بن علي المرصفي، شيخى وشيخ الدكتور طه من قبلى، نقلتنى من هذا الطور إلى طور آخر، أوغل بي في الحفاوة بالشعر الجاهلي، وفي الحرص على قراءته وتتبع قواصيه ونوادره = وإن قراءتى على الشيخ أوقفتنى على شيء مهم جدًا، شغلنى، واستولى على لبى وعلى نفسي، فعدت أدراجى أقرأ دواوين الشعراء الجاهليين، ديوانا ديوانا، شاعرا شاعرا، ومن لم أجد له منهم ديوانا جمعت لنفسي ما بقي من شعره وقرأت شعره مجتمعا. وهذا المسلك في ترتيب القراءة، جعلني أجد في الشعر الجاهلي شيئًا لم أكن أجده من قبل وأنا أقرأ الشعر الجاهلي متفرقا على غير نظام، مبعثرا بين الشعراء المختلفين: أو وأنا أحفظ هذه "المعلقات العشر الجاهلية"، وإدراسها (١) معاني ألفاظها، مع اختلاف معانيها وأغراضها". (المتنبي ١: ١٤). وهذا الذي وجدته فيه فاستولى عليّ، كان يومئذ شيئًا لا أملك التعبير عنه ولا أحسنه، لأنه كان شيئًا غامضا مستبهما يجول في نفسي لا أكاد أتبين معالمه. فلذلك صار أمر التعبير عنه تعبيرا واضحا متعذرًا على كل التعذر وقلت أصف ذلك: "فما هو إلا "التذوق" المحض والإحساس المجرد. وبهذا "التذوق" المتتابع الذي ألفته مرة بعد مرة، صار لكل شعر عندي مذاق وطعم وشذا ورائحة، وصار مذاق الشعر الجاهلي وطعمه ورائحته بينا عندي، بل صار يتميز بعضه من بعضه (٢) دالا يدلنى على أصحابه" (المتنبي ١: ١٥).
وأنا عند هذا الموضع أتلفت إلى الماضي التفاتة لابد منها. حق لازم في عنقى أن أفرد الفضل كله في تنبهي إلى أول الطريق، إلى شيخى سيد بن علي
стр. 1219
المرصفي، فإنه، بعد الله سبحانه، هو الذي هدانى وسدد خطاى على أول الطريق. كانت للشيخ ﵀ وأثابه عند قراءة الشعر وقفات، يقف على الكلمة، أو على البيت، أو على الأبيات، يعيدها ويرددها، ويشير بيديه وتبرق عيناه، وتضيئ معارف وجهه، ويهتز يمنة ويسرة، ويرفع من قامته مادًا ذراعيه، ملوحا بهما يهم أن يطير، وترى شفتيه والكلمات تخرج من بينهما، تراه كأنه يجد للكلمات في فمه من اللذة والنشوة والحلاوة يفوق كل تصور. كنت أنصت وأصغى وأنظر إليه لا يفارقه نظرى، ويأخذنى عند ذلك ما يأخذنى وأطيل النظر إليه كالمبهوت، لا تكاد عيني تطرف وصوته يتحدر في أقصى أعماق نفسي كأنه وابل منهمر تستطير في نواحيه شقائق برق يومض إيماضا سريعا خفيفا ثاقبا. أيام لم يبق منها إلا هذه الذكرى الخافتة! فإذا كف عن الإنشاد والترنم أقبل يشرح ويبين. ولكن شرحه وتبيينه لهذا الذي حركه كل هذا التحريك، كان دون ما أحسه وأفهمه ويتغلغل في أقاصى نفسي من هيئته وملامحه وهو يترنم بالشعر أو يردد، كان دون ذلك بكثير، وكنت أحس أحيانا بالحيرة والحسرة تترقرق في ألفاظه وهو يشرح ويبين، كأنه كان هو أيضًا يحس بأنه لم يبلغ مبلغا يرضاه في الإبانة عن أسرار هذه الكلمات والأبيات. هكذا كان شأن الشيخ ﵀، أي علَّامة ذوَّاقة كان!
هكذا حال الشيخ كان في بيته، وأنا أقرأ عليه الأدب والشعر يومئذ وحدى. أما حاله وهو يلقي دروسه العامة التي يحضرها الجمع من طلبة العلم، والتي كان يحضر أمثالها من قبلنا الدكتور طه قديما فيمن يحضر دروسه في الأزهر، فكان مختلفا كل الاختلاف. كان ملتزما بالجد والوقار يتخللهما دور قليل من مزاح لاذع جارح أحيانا، ولكنه كان لا يقصر في الإبانة والشرح، ولا في التوقف عند الأبيات أو الكلمات الجياد الحسان المحكمة، فهذا موضع الفرق بين الذي أخذته أنا عن الشيخ، والذي أخذه عنه الدكتور طه، وما كان على كل حال بقادر أن يأخذ عنه ما أخذت، فإن الذي أخذته عنه وأحدث في نفسي ما أحدث، لا يبلغ السماع بالأذن منه شيئًا، لأنه وليد المشاهدة والعيان، لا وليد الألفاظ والكلمات! ما علينا أيها العزيز.
стр. 1220
شيئًا فشيئا، منذ تلك الأيام الغوابر، بدأت أحس في الشعر الجاهلي، وفي غير الشعر الجاهلي، شيئًا ينبعث منه، دبيب حركة تترك في نفسي آثارا خفية غريبة. فإذا عدت استبطنه مترنما به، متأملا في طواياه، عاد دبيب الحركة، حركة لا أدري ما هي؟ فهذا هو الذي قلت إنه كان من ديدنى بعد ذلك أن أحدث عنه أساتذتي الكبار الذين خالطهتم وعرفتهم يومئذ وتأخذنى النشوة وأنا أفاوضهم فيما أحس به: "فكان يعرض منهم عني من يعرض. ويربت على خيلاء شبابى من ربت بيد لطيفة حانية"، كما وصفت ذلك في كتابى (المتنبي ١: ١٢، ١٥). ومن أغرب ما لقيت من الإعراض عما أقول، إعراض الشيخ المرصفي نفسه عن حديثي مرات، وهو نفسه الذي أثارنى إلى هذا وحركنى هو وحده دون سواه! ولكني لم أكف عن الإلحاح عليه، حتى كانت نهاية إعراضه عني، حين فهم عني ما كان لسانى يعجز عن بيانه وعن التعبير عنه. فإذا هو بعد ذلك راض عني مقبل عليّ، يفيدنى الفوائد، ويسدد لي خطاى في هذا الطريق الوعر المسالك والمضايق، المتشابك المناهج والشعاب. كان هذا أول ممارستى للذى سميته فيما بعد "التذوق"، مكان "الاستبانة"، ولكنها على ذلك كله، كانت ممارسة جاهلة جافية غامضة بلا منهج صحيح آوى إليه وأستعين به. كان ذلك في سنة ١٩٢٥، وما بعدها.
وبعد سنة دخلت الجامعة، وكان من أمر الدكتور طه وأمرى ما كان، حتى كان اليوم الذي اضطررت فيه اضطرارا أن أقف الموقف الذي دفعت إليه بغتة أجادل الدكتور وأناقشه في "مسألة الشعر الجاهلي"، صارِفا همي كله إلى موضوع "المنهج" و"الشك" وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموى والعباسى قراءة "متذوقة" مستوعبة لنستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإِسلامى، قبل الحكم على الشعر الجاهلي بأنه شعر صنعته الرواة المسلمون في الإِسلام، كما بينت ذلك في كتابى (المتنبي ١: ٢٣) ثم في مقالتي الأولى هنا أيضًا. وفي غضون هذا الموقف المتطاول بيننا حتى فارقت الجامعة. كان اللفظ الناشب في لسانى وفي ألسنة الكُتَّاب، وهو "التذوق" بمعناه المشهور الغامض
стр. 1221
المبهم الدلالة القابل للتنوع والتعدد بلا شيء يعين على تميزه وتعينه -كان هذا اللفظ محور المفاوضة بيني وبينه، كما كان من قبل محور المفاوضة بيني وبين أساتذتى الكبار، على رأسهم شيخى المرصفي، فيعرض عليّ من يعرض، ويربت على خيلاء شبابى من يربت، ولكني كنت في خلال مفاوضتى لجميعهم، أغرق هذا اللفظ إغراقا في أشباه أقولها، هي "وراء التذوق"، بيد أنني كنت لا أحسن العبارة عنها إحسانا يعين عليّ.
وقد حدثت الدكتور طه مرارا، وأنا أجادله يومئذ فأطيل، بالذي كنت أجده في نفسي ولا أحسن العبارة عنه، أي بما هو "وراء التذوق"، فكان يصغى إلى أحيانا كثيرة، ثم ينتهي إلى أن يمصمص بطرفه لسانه، وبزهوه وخيلائه وإفراطه في الإعجاب بنفسه، لا يكون رده عليّ إلَّا سخرية بي وبما أقول. كان زهوه يجعله لا يصبر، فلم يفهم عني مرة واحدة كل الفهم أو بعض الفهم. لم أكن أبالى بسخريته، فقد ألفتها منذ قديم، وألفت استخفافه بالناس جميعًا سوى نفسه، "شِنْشِنَة أَعرِفُها مِن أَخْزم"، كما يقال في المثل، (والشنشنة: الخليقة والسجية المغروزة في الطبيعة). هذا، على أنه كان له يومئذ كل العذر في خيلائه واستخفافه، لأن ذيوع صيته بفعل المعارضة التي لقيها كتابه "في الشعر الجاهلي"، بلغ مبلغا مثيرا، فهو طائر محلق في جو السماء، كل شيء يقع عليه بصره يتضاءل ويصغر، كلما أمعن في العلو والتصعيد وهو معذور أيضًا، لأنه كان يومئذ في الثامنة والثلاثين من عمره، وكان يحس أنه أصبح مشروعا معدا ناضجا، قابلا للتنفيذ، أي هو في طريقه إلى أن ينقلب أستاذا كبيرا، فلابد له من التشبع بسُنن "الأساتذة الكبار" في الزهو والعجب والاستخفاف. ومع الزهو والعجب والخيلاء" لم أجد عنده صبرا أو استجابة، أو محاولة، لفهم ما أقول، كاستجابة المرصفي شيخى وشيخه هو أيضًا. ذهب كل كلام بيني وبينه هذرا باطلا، هكذا ظننت يومئذ! ولكن. . ولكني قد قصصتُ قصة تذكُّره لهذا الحديث البعيد، وظهور أثره فيما كتبه في جريدة الجهاد سنة ١٩٣٥، حين أحس أن العرش يهتز من تحته، قصصتها في كتابى (المتنبي ١: ٤١ - ٤٧) وفي مواضع أخرى، ثم ما فوجئ به عند ظهور كتابى عن المتنبي سنة ١٩٣٦، حيث استبان له أنى
стр. 1222
طبقت في هذا الكتاب منهجا في "تذوق الشعر"، يشبه أن يكون قريبا من شيء سمعه قديما مني، ثم ذهل عنه في غمرة الأحداث والأزمان. ويومئذ بدا له أن يفعل ما فعل، مما قصصته أيضًا في مقدمة كتابى (المتنبي ١: ١٤٧ - ١٥٨)، وفيه قصة "السطو" كاملة على اختصارها، فإن شئت فأعد قراءتها، فعسى أن تجد فيها شيئًا يزداد وضوحًا بعد هذا الحديث. (انظر أيضًا المقالات في الجزء الثاني من ("المتنبى").
فارقت الجامعة سنة ١٩٢٨، وانطوى الماضي كله بما فيه، وبمن فيه أيضًا. ذهبت بعيدا وحيدًا لا رفيق لي غير "قضية الشعر الجاهلي"، كما شرحتها لك آنفًا، والتي لم تلبث أن أنشأت لنفسها صاحبة لا تفارقها، هي إعادة النظر في شأن "إعجاز القرآن". كان لفظ "التذوق" فاشيا في الألسنة والأقلام. لا يكاد أحدنا يشك في أنه معنى مفهوم واضح مفروغ منه. ومع الأيام الطوال الموحشة، وشيئا فشيئا، بدأ ما كنت أجده في نفسي عند قراءة الشعر الجاهلي وغير الشعر الجاهلي، والذي سميته لك آنفا "ما وراء التذوق"، والذي كان ما أقوله عنه غير مبين ولا واضح، والذي أنكره على أساتذتى من قبل، ورفضه الدكتور طه رفضا كاملا -أخذ هذا يدفعنى إلى سلوك طريق آخر، يعتمد على جس الكلمات والألفاظ والتراكيب جسا متتابعا بالتأمل، ثم على الرجوع إلى أصولها في المعاجم مع التدقيق في مكنون معانيها المختلفة، ثم في دلالاتها وظلال دلالاتها عند كل شاعر أو كاتب، ثم دخلت في مقارنات كثيرة بين المتشابهات والمتباينات، وشيء كثير بعد ذلك كان يفرض نفسه على طريقي فرضا. يومئذ بدأ لفظ "التذوق"، بمفهومه الذي عهدته، بدأ يتزعزع من حيث نشب من نفسي ومن لسانى، ورأيته لفظا مبهما مجمل الدلالة، لفظ غامض مظلم، مضلل بتعدد صوره واختلافها وتنوعها، ولكني لم أستطع أن أطرق بعيدا، لأن الذي أجده في نفسي مما سميته "ما وراء التذوق"، كان لا يزال صاحب سلطان عليّ مطاع، فكان يقبضنى عن الطيش والمجازفة بطرحه، فبينهما صلة خفية أحسها، وإن كنت غير قادر على تبينها.
стр. 1223
وهذا الذي استولى عليّ وخامرنى في شأن "التذوق"، رماني بغتة في حومة الارتياب وفوجئت بلفظ آخر هو لفظ "البلاغة" الذي يدور عليه القول في "إعجاز القرآن"، والذي يوصف به الكلام فيقال: "كلام بليغ"، فإذا هو أيضًا عندي الآن لفظ مبهم شديد الإبهام ونفرت جهنم، بين شدقيها تريد أن تبتلعنى. ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، بيد أنى كلما أعدت النظر، وجدت "الذوق" حقيقة كامنة في نفسي، ووجدت "البلاغة" أيضًا حقيقة ظاهرة تفرض سلطانها على نفسي، ولكني كلما حاولت أن أعرف لهما بيانا أو حدا، بلغ في الاعياء كل مبلغ. وبدا لي يومئذ أن أعيد قراءة عبد القاهر الجرجانى فيّ كتابيه "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز". أكببت على قراءة الكتابين، وبغتة رأيت أو تبيَّنتُ أن عبد القاهر قد وقع في نفس ما وقعت فيه. رأيته قد وقع في الحيرة من لفظ "البلاغة"، ورآه لفظا مبهما شكلا ليس له بيان ولا حد يعين على تصور "البلاغة" ما هي؟ فيومئذ انبعث انبعاثا ليكشف عن إبهام "البلاغة"، فألف كتابه "أسرار البلاغة"، عمد فيه إلى تحليل الألفاظ المتصرفة بأمر المعاني، مبينا عن وجوه حسنها وقبحها، وخطئها وصوابها، وسموها وسقوطها غير مقطوعة عن أصلها في الكلام المؤلف المركب. ثم ألف أيضًا كتابه "دلائل الإعجاز"، عمد فيه إلى تحليل الجمل أي الكلام المركب الذي يحتمل تركيبه آلافا من الوجوه، فكان كتاباه هذان، أول كتابين في "تحليل اللغة" بلغ فيهما غاية قَصَّر عنها كل من جاء بعده، وهذان الكتابان هما أصل "علم البلاغة"، كما سميناه (وسترى ذلك مبينا في كتابى: مداخل إعجاز القرآن) (١).
كان فضل عبد القاهر يومئذ عليَّ فضلا عظيما، لأننى حين فهمت حقيقة الدواعى التي حملته على وضع كتابيه الجليلين، أدركت من فورى أن مسألة "التذوق"، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة "البلاغة" في الأمرين جميعًا، في إبهامهما، وفي أنهما حقيقتان متعلقتان بمدارك الفطرة في الإنسان. ولما رأيته قد
стр. 1224
استطاع بتحليل الألفاظ والجمل والتراكيب، أن يجعلها تكشف اللثام عن أسرار المعاني القائمة في ضمير منشئها، فأزال إبهام "البلاغة"، ظننت أنه من المستطاع أيضًا بضروب أخرى من تحليل الألفاظ والجمل والتراكيب أن أصل إلى شيء يهدينى إلى كشف اللثام عن أسرار العواطف الكامنة التي كانت في ضمير منشئها، فأزيل إبهام "التذوق". وإذا كان تحليله قد أفضى به أن يجعل نظم "الكلام" دالا على صور قائمة في نفس صاحبها، فعسى أن أجد أيضًا في ضرب أو ضروب من التحليل، ما يفضى بى إلى أن أجعل "الكلام" ونظمه جميعًا دالا على صورة صاحبها نفسه. والتبست على الطرق مرة، واستبانت مرة، ثم بدأت بعد زمن تتضح لي بعض المعالم. وكان مما أعاننى على وضوح هذه المعالم، ما كنت دخلت فيه من قبل، من جس الكلمات والألفاظ والتراكيب جسا متتابعا، إلى آخر ما وصفته آنفا. وعلى الأيام بزغ لي بعض الضياء، وأنارت بعض الشعل، ووضعت لنفسي منهجا، انتهيت إلى أن سميته "التذوق"، كما حدثتك آنفا، وجعلت أمارسه في جميع ما أقرأ من الكلام لا في الشعر وحده والأمر يطول، ولكن هذه خلاصته أكتبها على مشقة.
ولم أجاوز حد تطبيق منهجى هذا في القليل الذي كتبته، مما نشرته وعما سوف أنشره بعد قليل إن شاء الله، ولكنه تطبيق لا أكثر ولا أقل. وما دمنا في حيز التاريخ فسأقفك على كلامين، أحدهما يصف الشعر الجاهلي في أول أمرى حين قرأت كما حدثتك، والآخر يصف الشعر الجاهلي بعد ذلك بزمان طويل، لما كتبت مقدمة كتابى المتنبي ١: ١٤) في سنة ١٩٧٧، وضعت قديم إحساسى بالشعر الجاهلي في سنة ١٩٢٧ وما قبلها فقلت:
١ - "وجدت يومئذ في الشعر الجاهلي ترجيعا خفيا غامضا كأنه حفيف نسيم، تسمع حسه وهو يتخلل أعواد نبت غميم متكاثف = أو رنين صوت شجى ينتهي إليك من بعيد في سكون ليل داج، وأنت محفوف بفضاء متباعد الأطراف وكان هذا الترجيح الذي آنسته مشتركا بين شعراء الجاهلية الذين قرأت شعرهم، ثم يمتاز شاعر "من شاعر" بجرس ونغمة وشمائل تتهادى فيها ألفاظه، ثم
стр. 1225
يختلف شعر كل شاعر منهم في قصيدة من شعره، وبدندنة تعلو وتخف تبعًا لحركة وجدانه مع كل غرض من أغراضه في هذا الشعر".
هكذا كنت أجد الشعر الجاهلي، قبل أن أنتهي إلى المرحلة التي وجدت عندها منهجا أستطيع أن أعيد عليه قراءة هذا الشعر، وإن كنت قد كتبته بعد انقضاء خمسين سنة. ولكني في سنة ١٩٦١، وصفت هذا الشعر نفسه في مقدمة كتاب صديق لي، ﵀ (١) فقلت:
٢ - ولقد شغلنى "إعجاز القرآن" كما شغل العصر الحديث، ولكن شغلنى أيضًا هذا "الشعر الجاهلي" وشغلنى أصحابه، فأدانى طول الاختبار والامتحان والمدارسة إلى هذا المذهب الذي ذهبت إليه، حتى صار عندي دليلًا كافيا على صحته وثبوته. فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم، رأيتهم في هذا الشعر أحياءً يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادى على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون .. كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس، وبحة المستكين وزفرة الواجد، وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني، كأنى لم أفقدهم طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا شيء مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شيء مما يكون به الحي حيا على هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم: جزيرة العرب".
وأظن، أيها العزيز، أنك مستطيع أن تجد الفرق بين هذين النعتين للشعر الجاهلي ظاهرا علانية، وأن أولهما عليه وسم باد يلوح، يدل على أنه نعت من أثر
стр. 1226
"التذوق المحض والإحساس المجرد"، كما قلت آنفا، وأن هذا "التذوق" يومئذ كان تذوقا ساذجا بلا منهج، كالذي هو ناشب في الألسنة وأقلام الكتاب المحدثين .. وأن ثانيهما عليه سمة واضحة تدل على أنه نعت من أثر "التذوق" أيضًا، ولكنه تذوق له معنى آخر غير المعنى المألوف، وأنه "تذوق" قائم على منهج مرسوم، له أسلوب آخر في استبطان الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، ثم في استدراجها ومماسحتها وملاطفتها ومداورتها حتى تبوح لنا بدخائل منشئيها ومخبآت صدورهم، بل حتى تكشف اللثام عن صورهم وملامحهم ومعارف وجوههم سافرة بلا نقاب. أظنه فرقا ظاهرا بين نعتين، في زمنين متباعدين، لكل زمن منهما طبيعة تميزه عن الزمن الآخر. أليس كذلك؟
ولمجرد الحذر مما يخاف على الحديث إذا هو اختلف سياقه وتباعدت أطرافه، فيصبح عندئذ مهددا بأن تخفي أسباب التشابك بين معانيه، أو متوعدا بأن تتهتك أو تسقط بعض الروابط الجامعة بين أوصاله فيتفكك أو ينتشر، أحب أن أختصر لك مجمل حديثي في نظام واحد، متدانى الأطراف محذوف الفضول. فهذه القوة المركبة الكامنة في بناء الإنسان، والتي سميتها "القدرة على البيان"، مندمجة اندماجا لا انفصام له في حلقة مفرغة مكونة منها ومن العقل والنفس والقلب. ولها في هذه الحلقة عملان متداخلان لا ينفصلان هما: "الإبانة" و"الاستبانة" و"الإبانة" هي قدرتها على إنشاء "الكلام" وتركيبه، بليغا كان أو غير بليغ. و"الاستبانة" هي قدرتها على تفلية "الكلام" وجسه والتدسس في طواياه، وحين تتلقاه من خارج، بليغا كان "الكلام" أو غير بليغ. وهذه "الاستبانة" بجملتها هي التي سميتها "التذوق".
وكلامى، خفت، يوشك أن يوهم أن "التذوق" عمل آخر مستقل من أعمال هذه القدوة، مقصور على استبانة دفائن الكلام الدالة على آثار العواطف والنوازع والطبائع الناشبة فيه، وعلى التقاط الملامح العالقة التي يمكن بالملاطفة أن تحسر اللثام عن بعض معارف ضمير منشئها وصورته وهيئته، وخفت أيضًا أن
стр. 1227
يظن ظان أن هذا عمل آخر هو غير عملها في استبانة صور المعاني القائمة التي كانت في نفس منشئها، والتي هي في الحقيقة ما نسميه "البلاغة". وخفت أيضًا أن يتوهم متوهم أن أحد العملين ممكن أن يتم بمعزل عن العمل الآخر. ليس كل ذلك صحيحا أو ممكنا، لأن صاحب "الإبانة" و"الاستبانة" واحد غير قابل للتجزئة، وهو "القدرة على البيان" ولأن طلب "الاستبانة" لجميع ما تطلبه في "الكلام" المتلقى من خارج متداخل ممتزج في حيز واحد هو نفس "الكلام" المتلقى من خارج، ولأن جميع ذلك حدث واحد متلازم أيضًا في زمن واحد مختطف متلاحق لا يمكن تثبيته أو تقسيمه. وإذن، فهو على التحقيق عمل واحد خاطف لا يتجزأ، وإنما نحن الذين نتولى الفصل بين شيء منه وشيء بعد تمام العمل الواحد جميعه، على قدر ما عندنا من الرغبة وتوجيه العناية إلى إبراز شيء منه دون شيء.
وأظنه صار قريبا ممكنا أن نتخطى كلاما كثيرا ونفضى إلى نتيجة موجزة، هي أن "التذوق" يقع وقوعا واحدا، في زمن واحد، على كل "كلام"، بليغا كان أو غير بليغ. ثم يفصل عن "الكلام" ومعه خليط "واحد" ممزوج متشابك غير متميز بعضه من بعض. وفي هذا الخليط أهم عنصرين.
العنصر الأول: ما استخرجه "التذوق" من العلائق الباطنة الخفية الناشبة في أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني. وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلص منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة منشيء الكلام، أي على بعض ما يتميز به من الطبائع والشمائل، أو ما شئت من هذا الباب.
والعنصر الثاني: ما استخرجه "التذوق" من العلائق الظاهرة بين أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلص منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة الكلام نفسه، أي على ما يتميز به من "السذاجة" و"البلاغة" أو ما شئت من هذا الباب.
стр. 1228
والإحساس بهذين العنصرين الخليطين إحساس سريع، خاطف، ناقد، لطيف، دقيق، دفين، قائم في النفس لأول وهلة عند سماع كل كلام أو قراءته، من العسير عليّ أن أتقصاه هنا أو أعبر عنه تعبيرا واضحا في كلمات قلائل، ولكن كل أحد قادر على تبينه بالأناة والتوقف. وبالتأمل والدربة، فيما أظن. ولكنه على كل حال، إحساس خفي مكنون مقنع بقناع من الكتمان. يحتاج إلى ما يهتك عنه هذا القناع حتى يسفر ويستبين وينجلى، ثمَّ يبوح بما عنده.
ولكن ليس أمر "التذوق"، في الحقيقة، محفوفا بمثل هذه القسوة والصرامة التي ألجأتنى إليها طبيعة حديثي عنه، وطبيعة اللغة التي تجعلنا "اضطرارا" أن نجسد ما لا يتجسد. فما من إنسان حي عاقل مدرك، صغير أو كبير، جاهل أو عالم، قَل علمه أو كثر، إلا و"التذوق" حاضر في دخيلته حضورا ما، لأنه "إنسان" قد أودع الله في بنائه هذه الأعجوبة النفيسة الغالية التي صار بها إنسانا، وهي "القدرة على البيان". فهو، إذن على هذا "التذوق"، لأنه ما من شيء يسمعه أو يبصره أو يحسه أو يذوقه، أو يتوهمه أيضًا، إلَّا وهو محتاج فيه إلى "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة" أي "التذوق"، لأنه غير قادر على إدراك أي معنى أو تصوره، إلا عن طريق هذه القدرة وأدائها لعمليها أداء ما فالتذوق إذن، ضرورة لكل حي منا، منذ يولد إلى أن ينقطع أجله على هذه الأرض.
وهذا الإلف الطويل لقيام "التذوق" فيه وأدائه لعمليه، منذ يولد إلى أن يكبر ويعقل يؤهله، بلا وعى منه حاضر فريد واضح الإرادة، أن يكتسب قدرة على سرعة استخلاص قدر لا بأس به من هذا الخليط الذي امتزج فيه العنصران جميعًا، وعندئذ، ولأول وهلة، ينفصل شيء بعد شيء من هذا الخليط وكأنه انفصل من تلقاء نفسه، ويبرز للمرء واضحًا جليا، ولا يحس البتة أنه بذل في تبينه جهدا أو تعمد بذله. وهذا هو "التذوق" الساذج الذي لم يتم عن منهج مرسوم أو قصد أو عناية. ولكن يبقى في الخليط الممزوج من العنصرين بعد ذلك شيء "كثير"، يحتاج إلى منهج وقصد وعناية أي يحتاج إلى إرادة واضحة، وإلى تنبه وبصر،
стр. 1229
وإلى حرص على تمييز شيء من شيء، وإلى عناية متوجهة إلى غرض واحد أو أغراض متنوعة. وهذا غير ممكن أن يتم من تلقاء نفسه على وجه صحيح، ولا أن يتم كله دفعة واحدة. ويحتاج أيضًا إلى ترديد الكلام وترجيعه، وإلى إعادة النظر فيه مرة بعد مرة بعد مرة، وإلى التقاط شيء من هذا الخليط، وإلى فصل بعض من بعض، وإلى ضم شكل إلى شكل، وإلى ملاحظة الفروق بين المتشابهين أحيانا، أو تحديد ضرب من التشابه بين غير المتشابهين ظاهر أحيانا أخرى. وأشياء أخرى كثيرة لا يضبطها إلا المنهج والقصد والعناية.
وهذا الذي وصفت هو "التذوق" بعنصريه "التذوق" الواقع على طبيعة الكلام نفسه، أي على ما يتميز به من "السذاجة" أو "البلاغة" أو ما شئت من هذا الباب، والذي كان مبهما كل الإبهام، فجاء عبد القاهر الجرجانى فألف كتابين: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"، ليزيل الإبهام عن لفظ "البلاغة": أي عن أحد عنصرى "التذوق"، وهو نفسه "التذوق" الواقع على طبيعة منشيء الكلام، أي على بعض ما يتميز به من الطبائع والشمائل أو ما شئت من هذا الباب، وهذا العنصر الثاني هو الذي حاولت جاهدا أن ألتمس لنفسي طريقا إلى إزالة إبهامه، فإن أنا قد وفقت فيه إلى بعض الصواب، فبفضل الله وتسديده، وإن أكُ قد أخطأت الطريق وأسأت، فأسأل المغفرة واسع المغفرة سبحانه.
стр. 1230
من هؤلاء !
الذي يسرى اليوم في حياتنا الأدبية من السموم الفتاكة شيء "كثير" لا يحاط به، ومع ذلك فالأطباء والصيادلة قليلون وهم مع قلتهم منصرفون كل الانصراف عن تتبع هذه السموم وعن تحليلها، وعن تنبيه الناس إلى خطرها وفتكها، وعن تحذيرهم من هذه الأقراص الجميلة الشكل الذكية الرائحة من خارج، وباطنها تفوح منه أخبث الروائح. وهي اليوم تباع في كل مكان ولا يسأل أحد عن مصدرها، أو عن الجهات التي تخصصت في صناعتها وتصديرها، أو عن التكنولوجيا الحديثة التي عبأتها أحسن تعبئة وهيأتها للاستئثار بإقبال الشباب والفتيات في هذا العالم العربي والإِسلامى الذي نعيش فيه، واتخذت وسائل الإعلام جميعًا للإعلان عنها يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة.
لا أدري من يكون؟ ولكن هكذا يقول، عن رواية "أولاد حارتنا" للأستاذ نجيب محفوظ.
وربما تبادر إلى الظن أن كتابة الحوار على الأقل باللغة العامية، إن لم نقل كتابة الرواية كلها، كانت تكون أقدر على تحقيق هذا الهدف (أي أن يشد اهتمام القارئ البسيط ويأسره ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره! هكذا يقول).
ولكن نجيب محفوظ يقصر استخدامه للعامية على الأغنيات والأمثال الشعبية التي يقتبسها، بالإضافة إلى بضع كلمات ومصطلحات تجري على الألسنة في الحياة اليومية، ولو نقلت إلى اللغة الفصحى لبعدت عن هذه الحياة بعدا كثيرا (فالمائدة تظل طرابيزه، والأريكة كنبة، والعربة التي يجرها حصان عربة كارو. . . الخ). وكل ما خلا ذلك مكتوب باللغة الفصحى التي يتردد فيها أحيانا إيقاع قرآنى (مثل التعبير الوارد على صفحة ٣٤٤: يؤدي الإتاوة صاغرا) أو في صيغ عتيقة مثل "فوه" بدلا من "فمه" و"فيه" بدلا من "فمه" و"فاك" بدلا