← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من وراء حجاب أخي الأستاذ الزيات: السلام عليكم ورحمة الله، وبعد، فقد أكرمتني ودعوتني لكتابة مقالتي لعدد الهجرة من الرسالة، فجعلت أماطل الساعات كعادتي حتى تضطرّني إلى مأزق أجد عنده مفرًا من حمل القلم، والإكباب على الورق، وترك الزمن يعدو عليَّ وأنا قارٌّ في مكان لا يتغير وزمان لا يتحول. فلما كارب الرقت وأزفت الساعة، فزعت إلى ذلك الكتاب القديم الذي طال عهد "الرسالة" به، وهو "مذكرات عمر بن أبي ربيعة"، حملت الكتاب حريصًا عليه، ووضعته على المكتب بين يديّ، وترفقت بصفحاته وأنا أقلبه كما يقلب العاشق المهجور تاريخًا مضى من آلام قلبه. ووقعت على ورقة حائلة اللون قد تخرّمها البِلى، وإذا فيها هذه الأبيات الثلاثة، لم ينل منها شيء، لا تزال ظاهرة السواد بيِّنة المقاطع: "فصروف الدهر في أطْباقه ... خِلْفَة فيها ارتفاع وانحدارُ (١) بينما الناس على عليائها ... إذ هوَوْا في هوَّة منها فغاروا إنما نَعْمَة قوم مُتْعة ... وحياة المرء ثوب مستعارُ" لم أدر لِمَ نقل "عمر بن أبي ربيعة" هذه الأبيات في مذكراته، فإنها قائمة وحدها ليس قبلها ولا بعدها شيء يدل على ما أراد من ذكرها، فجعلت أداور الأوراق لعلي أبلغ مبلغًا من توهُّم خبرها الذي سيقت من أجله، وجعل معناها يداور قلبي ويساوره حتى كفت يدي عن الحركة، وسكن بصري على مكانها، وأحسست كأن القدر قد نام في ظلالها كالمارد الثمل طرحه طغيان السكر حيث

стр. 317

استقر، وأطاف بنفسي جو من السكون والرهبة والجلال، وأخذت أستغرق في تأمل هذه الحياة المتكررة المتطاولة الدائبة منذ عهد أبينا الشيخ آدم ﵀ إلى يوم الناس هذا. فآنست فترة (١) تأخذني، ثم نعسة تتغشَّاني، وسبحت في غمرة طويلة لذيذة لا عهد لي بمثلها منذ عَقَلْتُ. وإذا أنا أفضي من غمرتي إلى ميدان فسيح أخضر الجوانب متراحب الأرجاء، وإذا مسجد بعيد يستقبلني كأحسن ما رأيت من مسجد بناءً وبهاءً، قد تباعدت أركانه وتسامت في جو السماء مآذنه، ويبرق بابه ويتلألأ شعاع الشمس عليه. فقصدت قصده، ولم أكد أدنو حتى رأيت جموعًا غفيرة من الخلق يستقبلون الباب خارجين، في ثياب بيض وعمائم بيض كأنها غَمامٌ تزجّيه الرياح (٢). فوقفت وسألت أول من لقيت: ما الذي جمع الناس؟ قال: إنه الشيخ أيها الفتى. قلت: فمن الشيخ يرحمك الله؟ قال: غريب والله، إنه الشيخ أبو جعفر الطبري إمام أهل السنة، وشيخ المفسرين، وعمدة المحدِّثين، وثقة المؤرخين، ردّ الله غربتك يا فتى. قلت له: جزاك الله خيرًا ورضي عنك وأرضاك، أتراني أدركه الساعة؟ قال: هو رهين هذا المسجد لا يبرحه، فادخل تلقه. ولم أزل أحتال للدخول وأمواج الناس تتقاذفني عن الباب حتى كدت أيأس من لقاء الشيخ، وظننت أني لو بقيت دهرًا لم تنقطع هذه الأمواج المتدفقة من باب المسجد. وظللت أزاحم حتى بلغ مني الجهد، وانتهيت إلى صحن المسجد وقد انفضّ جمع الناس، ولم يبق فيه غيري. وجعلت أسير أتلفت وأنظر في مقصورة بعد مقصورة، حتى رأيت بصيصًا من ضوء في مقصورة بعيدة، فلما وافيتها، وكانت الشمس قد آذنت بغروب، رأيت مسرجة معلقة وحجرة واسعة، وآلافًا مؤلفة من الكتب قد غطت الجدران. فاستأذنت ثم سلمت فلم أسمع مجيبًا، فدخلت، وإذا في جانب منها شيخ ضافي اللحية أبيضها جميل الوجه، قد اتكأ وأخذته سنة من نوم، وقد مالت عمامته عن جبين يلمع كأنه سُنَّة مصقولة من ذهب، وبين يديه كتب وأوراق مبعثرة أو مركومة ومحابر وأقلام.

стр. 318

سرقت الخطو حتى قمت بين يدي هذا الشيخ النائم، ثم جلست وجعلت أقدم ثم أحجم أريد أن أمسك شيئًا من ورقه لأقرأه، ثم عزمت فأخذت ما وقعت عليه يدي، فإذا هو تتمة تاريخ أبي جعفر الطبري الذي كان سماه "تاريخ الأمم والملوك"، وكان الجزء الذي فيه يبدأ من سنة خمس وستين وثلاثمئة بعد الألف من الهجرة (سنة ١٣٦٥ هجرية الموافق لسنة ١٩٤٦ م)، فانطلقت أقرأ تاريخ هذا الزمن وما بعده. وعسير أن أنقل لك كل ما قرأت، فسأختار لك منها نتفًا تغنى، كما كتبها الإمام أبو جعفر، وبعضها منقول بتمامه، وبعضها اختصرت منه حتى لا أطيل عليك. قال أبو جعفر: [ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمئة بعد الألف] ذكر ما كان فيها من الأحداث: فمن ذلك ما كان من إجماع المجلسين الأمريكيين على فتح أبواب فلسطين لشذاذ المهاجرين من اليهود. وكتب إليَّ السُّدّى، وهو مقيم هناك في أمريكا، أن موقف الرئيس ترومان الذي كان ادَّعاهُ من إيثاره العقل على الهوى في هذا الأمر، إنما كان حيلة مخبوءة أراد بها أن يغرر بالبلاد العربية والإسلامية، ثم يفاجئها بحقيقته. وهو في ذلك إنما يعمل للظفر بمعونة اليهود في الانتخاب الآتى للرياسة. ولما كان هواه هو الذي يُصرّفه، فقد علم أنه طامع في الرياسة حريص عليها، وأن اليهود في أمريكا هم أهل المال، أي أهل السلطان، أي هم الأنصار الذين إذا خذلوه فقد ضاع. قال السدّى: وقد سمعت بعض أهل العقل والرأي في أمريكا يستنكرون ما كان منه ومن قرار مجلسيه، ويرون أن الديمقراطية اليوم قد صارت كلمة يراد بها التدليس على عقول البشر، ليبلغ بها القوى مأربه من الضعيف المغرور بهذه الرقية الساحرة التي يدندنون بها في الآذان. وقد أخبرني الثقة أن الرئيس ترومان قد أَوْحى إليه بعض بطانة السوء أن العرب والمسلمين قومٌ أهل غفلة، وأن دينهم يأمرهم بالصبر ويلح فيه، فهم لا يلبثون أن يستكينوا للأمر إذا وقع، ولا يجدون في أنفسهم قوة على تغييره أو الانتقاض عليه، وأن الزمن إذا تطاول عليهم في شيء ألفوه ولم ينكروه. فإذا دام دخول اليهود فلسطين وبقى

стр. 319

الأمر مسندًا إلى الدولة المنتدبة (وهي بريطانيا)، وانفسح لحمقى اليهود مجال الدعوى والعمل والتبجح، وألح على العرب دائمًا إجماع الدنيا كلها (أي الديمقراطية) بأن الدولة اليهودية في فلسطين حقيقة ينبغي أن تكون وأن تتم كما أراد الله، فيومئذ يلقى العرب السَّلَم، ولا يزالون مختلفين حتى ينشأ ناشئهم على إلف شيء قد صبر عليه آباؤه، فلا يكون لأحد منهم أدنى همة في تغيير ما أراد الله أن يكون، مما صبر عليه آباؤهم وأسلافهم -وهم عند العرب والمسلمين- أهلُ القدوة. وفي هذه السنة كتب إليَّ السُّدّى أيضا يقول إنه لقى أحد كبار الدعاة من اليهود، وكان لا يعرفه، فحدثه عن أمر اليهود في فلسطين، فقال له الداعي اليهودي: لا تُرَعْ، فنحن لابدَّ منتهون إلى ما أردنا، رضي العرب أم أبوْا. وما ظنك بقوم كالعرب خير الحياة عندهم النساء، وقد قال نبيهم: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلتْ قُرَّة عيني في الصلاة"، ولقد سلطنا عليهم بنات صهيون، وهن من تعلم جمالا ورقة وأبدانًا تجرى الحياة فيها كأنها نبع صافٍ يتفجر من صفاة شفافة كالبلَّوْر. وهن بنات صهيون دلال وفتنة، وعطر يساور القلوب فيسكرها ويذهلها ثم يغرقها في لذة يضن المرء بنفسه أن يصحو من خُمارها أو نشوتها، منصرفا عن أمر الدنيا كله لا عن الصلاة وحدها التي جعلت قرة لعين نبيهم. فهن في فلسطين، وهن في الشام، وهن في مصر والعرأق وتونس والجزائر ومراكش، ولولا تلك البقعة العصية التي لا تزال نخشى بأسها على ضعفها وقلتها وفقرها -أعني الحجاز وما جاوره- لقلت لك: لقد قضينا على هذه العرب، وعلى هذا الدين الدخيل الذي سرق منا التوحيد وادعاه لنفسه. . . . [ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمئة بعد الألف] ذكر ما كان فيها من الأحداث: فمن ذلك ماكان من اجتماع ملوك العرب وأمراؤهم ووزراؤهم بعد الحج من

стр. 320

السنة التي قبلها، اجتمعوا في مدينة رسول الله ﷺ ، وقرَّ قرارهم على أن يعلنوا للناس جميعًا وينذروهم بما رأوا وبما أجمعوا عليه: الأول: أن ميثاق الأطلسي ومواثيق الدول الكبرى كلها تغرير بالضعفاء وتلعب بعقولهم. الثاني: أن فلسطين ستجاهد، ومن ورائها بلاد العرب والمسلمين جميعًا تظاهرها بالمال والولد. الثالث: أن الفتك والغدر والاغتيال ليس من شيمة العرب ولا من دين المسلمين، وأن حوادث الاغتيال الشنيعة المنكرة التي اقترفها اليهود ينبغي أن تقابل بالصدق والصراحة لا بالغيلة والغدر. الرابع: أن الأمم العربية والإسلامية تعلم أن ليس لديها اليوم من السلاح ما يكفي لقتال الأمم المعتدية التي تظاهر اليهود بالمال والسلاح، ولكنها ستقف كلها على بكرة أبيها صفًّا واحدًا تقاتل بما تصل إليه يدها من مقاطعة ومنابذة وكبرياء. وأنها تفعل ذلك ما استطاعت، ولكنها لن تظلم يهوديًا ولا نصرانيًّا ولا أحدًا من أهل الأديان، ولن تضطهد بريئًا ولا لاجئًا، وأنها لن تقنع بشيء بعد اليوم إلا بجلاء المعتدين والمستعمرين من بلادها، وجلاء اليهود عن أرض فلسطين، ومن شاء أن يبقى فيها من يهود، فله ما لنا وعليه ما علينا. الخامس: أن الأمم العربية الإسلامية قد عزمت على أن تبدأ منذ هذا اليوم في انتخاب مجلس عام تمثّل فيه جميعًا، وهذا المجلس هو الذي سيضع الدستور العام للدول العربية والإسلامية، حتى إذا تمَّ وحّدت هذه الدول سياستها الداخلية والخارجية، وصارت يدًا واحدة في العمل، لتقاوم بذلك اتحاد الأمم الديمقراطية الغربية، التي لم تزل تريد أن تجعل الشرق سوقًا وأهله عبيدًا. [ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمئة بعد الألف] ذكر ما كان فيها من الأحداث: ففيها أراد اليهود في بعض البلاد العربية أن يظاهروا إخوانهم في فلسطين،

стр. 321

فأجمعوا على جعل يوم السبت كله منذ الصباح يوم عطلة فأغلقوا دكاكينهم، ورفعوا عليها أعلام الدولة الصهيونية المجترئة، واجتمعوا في بِيَعهم وجمعوا مالا كثيرًا بلغ عشرين مليونًا من الجنيهات لمساعدة المصانع التي كادت تغلق أبوابها من جرَّاء المقاطعة التامة التي أحسنت الأمم العربية توجيهها وتدبيرها. ومما كان من ذلك في هذه السنة اجتماع المؤتمر العام لنساء العرب في دمشق، وقد قرَّرن أن تعود المرأة إلى بيتها عاملة على إنشاء جيل من البنين والبنات لم تفسده الشهوة التي استبدت بالناس في تقليد ذلك الفجور القبيح الذي عملت يهود على نشره في بلادهن من زينة وتبرج ورقص وتحلُّل من أخلاق السلف، وذلك لكثرة ما وقع من حوادث هدمت بيوتًا عزيزة وأسرًا كريمة، وأفضت إلى ضروب من المآسي لم يطق أحد عليها صبرًا. وفيها أيضًا أجمعت الصحف العربية والهندية الإسلامية والتركية والفارسية مقاطعة الإعلان اليهودي. وكل صحيفة تخالف هذا الإجماع يُمحى اسمها واسم رئيس تحريرها ومحرّريها من سجل نقابة الصحافة، ولا تفسح لأحد منهم فرصة حتى يعمل في صحيفة أخرى بعد هذه المخالفة. [ثم دخلت سنة سبعين وثلائمئة بعد الألف] ذكر ما كان فيها من الأحداث: اشتعلت نيران الحروب في الشرق كله، واجتمع رؤساء الدول العربية والإسلامية في مكة المكرمة ووحَّدُوا قيادة الجيوش العربية، ولكن لم يلبث سفير بريطانيا في مصر وسفير أمريكا أن أرسلا برقية إلى المجتمعين في مكة يطلبون وقف الحركات الحربية التي سموها (ثورة)، ورغبوا إلى ملوك العرب ووزرائهم أن يتمهَّلوا حتى يصدر تصريح مشترك من الدولتين الكبيرتين، على شريطة أن تمتنع البلاد العربية من متابعة السياسة الروسية التي تتظاهر بمؤازرة العرب والمسلمين. وبعد أيام صدر هذا التصريح، وهو ينص على أن للعرب ما أرادوا من وقف

стр. 322

الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وعلى العرب أن يتولوا بأنفسهم مفاوضة يهود فلسطين على السياسة التي يريدونها، وأن بريطانيا وأمريكا لن تتدخلا في الخلاف الناشب يين الفريقين، وأن الدولتين الكبيرتين ستمنعان كل مساعدة تُرسل من بلادهما إلى فلسطين من مال أو سلاح. . . [ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة بعد الألف] ذكر ما كان فيها من الأحداث: تمَّ استخدام الذرَّة وانفلاقها في كل شيء، وحدث في زراعة البلاد انقلاب عظيم، إذ أصبح من اليسير استنبات نبات الصيف في الشتاء، ونبات الشتاء في الصيف. وقد بدأ ملوك العرب أعظم عمل في التاريخ، وهو استخدام أسلوب جديد يحوّل الرمالَ العاقرة إلى أرض خصب وافرة الزَّرع، وقد نفذ هذا في جزء كبير من صحراء جزيرة العرب. أما في مصرَ والسودان، فقد تَمَّ توزيعُ ماء النيل وضبطُه حتى لا يضيع من مائه إلا أقل قدر، وبذلك أتيح لمصر أن تُنشيء ثلاثة فروع جديدة شَقَّتها في الصحراء الشرقية حتى أفضت إلى بحر القلزم (البحر الأحمر)، وصار ما بينها أرضا مَرِيعة ذات خصب. وبذلك سيتاح لمصر أن يبلغ عدد سكانها أربعين مليونًا من الأنفس في أقل من عشرين سنة. ومما كان من ذلك نهضة عامة في سياسة البلاد العربية، جعلت الرأي العام العالمي يناصر القضية العربية مناصرة تامة في أكثر بقاع الأرض. . . [ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمئة بعد الألف] ذكر ما كان فيها من الأحداث: كثرت حوادث الاغتيال والفتك في كثير من البلاد العربية والأجنبية، وقُتل من العرب وأنصار العرب من سائر الأمم خلق كثير، واستفحل الشرُّ استفحالا عظيما، حتى ثارت الصحف الإنجليزية والأمريكية وطالبت حكوماتها بإعلان قرار واحد بأن الرأي العام والسياسة العامة في سبيل السلام تقتضي أن تُبذل النصرة الكاملة للعرب وللقضية العربية، وأن تتعاون الدول على ردّ العدوان الصهيوني

стр. 323

الذي صار طغيانًا شديدًا في جميع بلاد الأرض، وأنه ينبغي على الدول جميعًا أن تضحي في سبيل ذلك بكثير من المصالح المالية، وهي قيود اليهودية التي جعلت كل الأمم ترسف في أغلالها. . . [ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمئة بعد الألف] ذكر ما كان فيها من الأحداث: كتب إليَّ السُّدِي يقول: إن أمريكا قد قررت إجلاء اليهود من أرضها كلها، وأن تستصفي أموالهم، ولا يبقى فيها إلا علماء اليهود وحدهم إن شاءوا. ومن المنتظر أن تفعل بريطانيا وسواها من الدول مثل ما فعلت أمريكا. وفيها ثار العمال اليهود في فلسطين على أصحاب المصانع اليهودية، وذلك من جرّاء بوار أكثر التجارة اليهودية التي نهكتها المقاطعة العامة في بلاد العرب والمسلمين، ولقلة الأجور، ولكن الحكومة اليهودية ضبطت الأمر وبذلت الأموال، وجنَّدت جيوشًا عظيمة العدة والعدد. وحدثت أحداث عظيمة في أكثر بقاع الأرض. حتى وقع التنابذ بين الدول الكبيرة التي لا يزال لليهود فيها سلطان عظيم. وأخوف ما يُخاف أن تقع في هذه السنة حرب عالمية تستخدم فيها جميع الأسلحة الجديدة التي يخشى أن تكون على العالم دمارًا وخرابًا. * * * واستيقظ الشيخ من غفوته، ونظر إليَّ نظرة المتعجب، وقال من أنت؟ وما تفعل؟ فانتبهت فزعًا، وإذا أنا أقرأ في تفسير الشيخ أبي جعفر الطبرِي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.

стр. 324

تهجم على التخطئة "السلام عليكم ": إلى أخي البصام: السلام عليكم ورحمة الله، وبعد، فقد رأيتك تستغرب هذه التحية المباركة (١) التي يهديها الرجل إلى أخيه، وأتاك هذا الاستغراب من أن قومًا زعموا أن "القاعدة" هي أن نبتدئ الكتاب بـ (سلام عليك أو عليكم)، بدون (ال) التعريف، فإذا جاء الختام قلنا: (السلام عليك أو عليكم). . . وأن بدء الكتاب بقولنا (السلام عليكم) خطأ شائع في هذه الأيام! ! إلخ. واستدللت بقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ وقوله سبحانه: ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُون﴾ في أكثر من ثلاثين موضعًا على وجوه مختلفة. وصدق الله الذي يقول في سورة مريم: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ بـ (ال) التعريف، وصدق الله الذي يقول في سورة طه لموسى وهرون: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ بـ (ال) التعريف أيضًا. فلا تستغرب يا سيدي! ولا تستغرب أيها السيد الكريم إذا علمت أن أهل القبلة جميعًا كانوا، ولا يزالون، وسيظلون إلى آخر الدهر، يقول الرجل منهم إذا انتهى من سجوده وقعد للتشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". ولا تستغرب إذا أنت قرأت في صحيح البخارى في باب (ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ليس بواجب): "حدثنا مسدَّد، قال حدثنا يحيى، عن الأعمش، حدثني شقيق، عن عبد الله قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي ﷺ : لا تقولوا، السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام

стр. 325

عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء، أو بين الأرض والسماء- أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو". وكذلك في باب (التشهد في الآخرة) من صحيح البخارى. ولا تستغرب يا سيدي أيضًا إذا مر بك وأنت تقرأ في مسند أحمد بن حنبل ج ٤ ص ٤٣٩ من حديث عمران بن حصين: "أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد، ثم جلس فقال (يعني رسول الله): عشْرٌ. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد، ثم جلس، فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد، ثم جلس، فقال: ثلاثون". أقول: يعني رسول الله ﷺ : عشر حسنات، وعشرين حسنة، وثلاثين حسنة. وكل ذلك بـ (ال) التعريف أيضًا. ولا تستغرب يا سيدي إذا رأيت في مادة (سلم) من لسان العرب: "ويقال السلام عليكم، وسلام عليكم، وسلام، بحذف عليكم. ولم يرد في القرآن غالبًا إلا منكرًا .. فأما في تشهد الصلاة، فيقال فيه معرَّفًا ومنكرًا. . . وكانوا يستحسنون أن يقولوا في الأول: سلام عليكم، وفي الآخر: السلام عليكم، وتكون الألف واللام للعهد، يعني السلام الأول". ومن هنا أتى من لا يُحسن العربية، وقلّ إطلاعه على كتبها وفقهها -والاستحسان هنا منصبٌ على ما كان في التشهد- فإنه، كما ترى عنى بالأول، ما كان في التشهد، وبالآخر السلام الذي يُخرجُ من الصلاة. وهذا شيء قال به بعض فقهائنا وأئمتنا استحسنوا من عند أنفسهم أو مما روَوا. ولا تستغرب يا سيدي إذا وقفتَ يومًا على قول الأخفش "ومن العرب من يقول: سلام عليكم، ومنهم من يقول السلام عليكم. فالذين ألحقوا الألف واللام حملوه على المعهود والذين لم يلحقوه حملوه على غير المعهود". ثم عاد فقال: "وفيهم من يقول: سلام عليكم، فلا ينوّن"؛ ثم ذكر العلة فقال "حمل ذلك على وجهين: أحدهما حذف الزيادة من الكلمة كما يُحذف الأصل على نحو "لم يك"، والآخر أنه لما كثر استعمال هذه الكلمة، وفيها الألف واللام،

стр. 326

حذفا لكثرة الاستعمال كما حذفا من اللهم، فقالوا: لهُمّ". وكأنه جعل "السلام عليكم بالتعريف هي الأصل الذي كثر استعماله". فلا تستغرب إذا نظرت فرأيت أن الذي جاء في مقالتي ليس خطأ ولا مجاراة على خطأ. ولا تستغرب إذا أنا قلت لك: إن أدعياء اللغة إنما يُؤتَوْن من سوء التقدير لما يقرأون، ومما انطوت عليه قلوبهم من حب التعالم على الناس بشيء يدعونه ويلتمسون له الحجة، حتى ما يدرك أحدهم فرق ما بين "سلام عليك" و"سلام" و"سلامًا"، كما جاءت في كتاب الله في أكثر من ثلاثين موضعًا، وبين ما جاء في كتاب الله أيضا من قوله ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾، وقول رسول الله الذي تلقاه المسلمون عنه في تشهد الصلاة وفي التحية. واعلم يا سيدي أني قنعت لك ولنفسي وللناس بالنقل مجردًا ولم أتبعه ببيان الفروق في المعاني، وما ينبغي وما لا ينبغي، ولا تحريت لك ولا للناس أن ألج بهم موالج في دقيق العربية وغامضها تدل على أن من نقلتَ أنتَ عنه هذا القول قد تمحَّل (١) وتهجَّم على ما لا علم له به، وعلى ما لا يحسنه ولا يجيده! فلا يغررْك التبجح بالعلم، ولا تقنع من المتحذلقين بما يسمونه "القاعدة"، فلعلها باطل مزور، وكذب مختلق، واجتراءٌ على العربية هي من سوآته براءٌ، ولعل دليلهم يكون هو الدليل على بطلان ما يزعمون كما رأيت. وفي هذا مقنع وهدًى. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 327

وأيضًا تهجم على التخطئة ! إلى أخي البصام: السلام عليكم ورحمة الله، وبعد فيخيل إليَّ -والله أعلم- أنك رجل واسع المعرفة، مغرًى بالتحصيل، دقيق البصر، تطلب الكلام وإسناده ووجهه ومكانه وضوابطه. وحسب طالب المعرفة أن يكون كمثلك. وقد طلع عليَّ مقالك في الرسالة (١)، فما أدري والله من أي أمريك أعجب؟ من واسع معرفتك، أم من حسن تهديك إلى مواطن الشبهة في كلامي. أم لعلي أعجب من استجلابك للحجة بعد الحجة في تخطئة شيء كان الناس في غنى وراحة عن اضطرابهم بين صوابه وخطئه؟ ومختصر القول هو أنك تريد تقول إن الكتاب ينبغي أن يبدأ كما بدئ في بعض كتب رسول الله ﷺ وكتب أصحابه بقولك: "سلام عليك" فإذا كان الختام قيل: "والسلام عليك"، وأن من بدأ الكتاب بقوله: "السلام عليك" فقد أخطأ. أفهذا شيء من أدب الكتابة واتباع السُّنة وحسب. أم هو قاعدة توجب الاتباع نحوًا ولغة ورواية، فيكون من بدأ بقوله: "السلام عليك" معرفًا فقد أخطأ في حق النحو واللغة والرواية؟ وكلامك كله يدل على أن البدء بالسلام المعرَّف خطأ من قبل النحو واللغة والرواية. أليس كذلك؟ فإذا كان ذلك كذلك، فقد رويت لك قول صاحب اللسان في مادة (سلم): "ويقال السلام عليكم، وسلام عليكم، وسلام بحذف عليكم"، وهذا ولا ريب قول اللغة والرواية والنحو فيما رواه لنا الرواة، في تحديد بدء السلام (الذي هو التحية). هذه واحدة. ثم ذكرت لك قول الأخفش الذي رددته علي، وقلت إنه لا يعتدّ به (هكذا)، لأني لم أذكر مصدره الذي نقلتُ عنه، وفيه تصريح بيَّن كتصريح

стр. 328

صاحب اللسان، ثم زاد فأَظْهَرَنا على العلة فقال إن "سلام عليكم، حذفت منه الزيادة (وهي الألف واللام) كما يحذف الحرف الذي هو من أصل الكلمة في قولنا: (لم يك)، وعلة أخرى هي أنه لما كثر استعمال "السلام عليك" بالألف واللام حذفا لكثرة الاستعمال. وهذا تقرير يدل على أن اللغة والنحو والرواية تجعل الأصل في السلام المبدوء به هو التعريف. بان شئت أن تعرف أين وقع هذا الكلام عن الأخفش فاطلبه في ص ١٥٢ ج ١ من كتاب تهذيب الأسماء واللغات للنووى وفي غيره أيضا. هذه ثانية. فإذا شئت أن تزداد علما فخذ كتاب "المخصص" لابن سيده ج ١٢ ص ٣١١ واقرأ قوله: "فأما قولهم: سلام عليك، فإنما استجازوا حذف الألف واللام منه، والابتداء به وهو نكرة، لأنه في معنى الدعاء، ففيه وإن رفعتَ معنى المنصوب". يريد كأنك تدعو فتقول: "سلاما". وقوله "استجازوا" دليل على أن الأصل هو التعريف بالألف واللام في ابتداء التحية، وأن الحذف ترخُّص منهم، وهو شبيه بقول الأخفش. هذه ثالثة. فإن شئت أن تضرب الأمثال لنفسك بالشعر كما ضربتها لي، فأقرأ قول جرير في ديوانه ص ٤٤٣ وفي النقائض ج ١ ص ٢١٢. يا أمّ ناجِيةَ السَّلامُ عليْكُم ... قبلَ الرواحِ وقبلَ لؤمِ العُذَّل هذه رابعة. وإن شئت أن تقرأ قول لبيد في الخزانة ج ١ ص ٢١٧ - ٢١٨ وفي ديوانه: إلى الحَوْلِ ثم اسْمُ السلامِ عليكُما ... ومن يبْكِ حوْلًا كاملًا فقد اعْتذَر فافعل، تجد قولهم أن كلمة (اسم) مقحمة، وتقدير الكلام فيما يقول النحاة: "ثم السلام عليكما"، وتجد أيضًا في إحدى الروايات "إلى سنة ثم السلام عليكما". هذه سادسة (١). فانظر لنفسك هل أخطأ كل هؤلاء وأصبت أنت؟

стр. 329

واعلم مشكورًا أن المقام في هذا كله مقام ابتداء لا مقام ختام مسبوق بسلام منكر غير معرف. وأما نص ابن قتيبة فهو كلام بين لا غموض فيه، فالرجل يقول لك: "تكتب في صدر الكتاب: سلام عليك، وفي آخره السلام عليك"، ولم يقل لك إنه "ينبغي"، ولا أن القاعدة "أن تكتب في صدر الكتاب كذا. . . ."، وهو إنما ذكر هذا في كتابه في (باب الهجاء) لا في باب أدب الكتابة كما ترى، ولم يأمر الرجل ولم ينه، ولم يقل لك إن من قال في أول كتابه "السلام عليك" معرفًا فقد أخطأ، كما شئت أنت تقوَّله. وأما ما ذكره من أمر التعريف، فإنه أراد أن يعلمك لِمَ عُرّف ثانيا وقد جاء منكرًا وهو أول، وكان حقه أن يأتي في الآخر منكرًا مرفوعًا كما جاء في الأول فقال لك: "لأن الشيء إذا بدئ بذكره كان نكرة، فإذا أعدته صار معرفة، وكذا كل شيء. تقول: مر بنا رجل، ثم تقول: رأيت الرجل قد رجع، فكذلك لما صرت إلى آخر الكتاب، وقد جرى في أوله ذكر السلام عرفته أنه ذلك السلام المتقدم"، ويريد أن يقول إن التعريف هنا "للعهد لا للجنس". هذا كل ما في كلام الرجل لم يوجب شيئًا ولم يمنع شيئا. وأما الآية التي في سورة مريم من قول عيسى ﵇ ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ. . .﴾، وما جاء من قول الزمخشري فيها: "قيل أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله يعني في قول الله تعالى ليحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ. . .﴾ فذلك تفسير من الزمخشري لمعنى (ال) في قول من قال إن التعريف هنا للعهد. وأبى الزمخشري أن يكون كذلك، لأن العهد ههنا باطل عنده، فالسلام المذكور في قصة يحيى كان من قول الله سبحانه قبل مولد عيسى، وهو آت في أول السورة في الآية (١٥)، ثم مضى بعدها [واذكر في الكتاب مريم] وذكر الله سبحانه قصتها، حتى أفضت إلى كلام عيسى وهو في المهد إذ قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ. . .﴾ في الآية (٣٣) فبينَ السلام الأول والثاني (١) انقطاع في المدة (٢) وانقطاع في السَّرْد (٣) واختلاف في مُبتَدِئ السلام ومُلْقِيه، فالأول من الله والثاني من عيسى. هذا وسلام عيسى في الآية الثانية المعرف فيها السلام، ابتداء ولا ريب.

стр. 330

ومن أجل ذلك ذهب الزمخشري إلى أن التعريف ههنا للجنس لا للعهد (وهذا كما ترى يخالف كل المخالفة ما أراده ابن قتيبة في كلامه). ثم ذكر الزمخشري نكتة البلاغة في التعريف فقال إن تعريف الجنس هو الصحيح لا تعريف العهد "ليكون تعريضًا باللعنة على متهمي مريم وعلى أعدائها من اليهود". وهي عندي تعليل ضعيف جدًّا من الشيخ ﵁، وكان خليقًا به أن يصرف عنه وجهه. ولولا أنه كان مولعًا بنكت البلاغة لما وقع في مثل ما وقع فيه. وإن شئت أن تزداد فقها ومعرفة بما قلت فاقرأ تفسير الشهاب الخفاجي والألوسي والقونوي وأبا (١) حيان وكتاب الأنموذج للرازي وتدبر ما فيها كل التدبر. وأما قوله في الآية الأخرى من سورة طه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ إن معنى التعريف ههنا التعريض بحلول العذاب على من كذب وتولى، فهذا جيد وحسن لقوله تعالى في الآية التي فيها: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. هذا أيضًا طلب لنكت البلاغة، وتبيان لأن التعريف ههنا للجنس. ولكن الزمخشري لم يقل لك، ولا غيره فيما أحسب يقول لك: إن تعريف الجنس ينبغي أبدًا أن يكون متضمنا معنى تعريض بشيء كالعذاب أو الويل أو الهلاك أو سوى ذلك كله. ولو كان ذلك كذلك أيها الصديق لكان قصر تعريف الجنس على التعريض عجبًا من العجب المضحك، فانظر إلى قولك "سلام عليك" التي كان أصلها "سلامًا عليك" منصوبة بفعل محذوف، التي عدل بها من النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات معنى السلام واستقراره، مع بقائها في معنى الدعاء، فأنت إذا عرفتها تعريف الجنس فقلت "السلام عليك" اقتضت التعريض، فعندئذ تقول لي كما قلت: "وبديهي أيها الأستاذ أنك لا تعني بقولك (السلام عليكم) في بدء كتابك الأول تعريضًا بأحد إذ لا حاجة إلى التعريض".

стр. 331

فخذ عندئذ أختها وهي قولهم "حمد لله" التي كان أصلها "حمدًا لله" منصوبة بفعل محذوف، والتي عدل بها من النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات معنى الحمد واستقراره، مع بقائها في معنى مِن معاني الشكر والدعاء. فإذا عرفتها تعريف الجنس فقلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أفيقتضي ذلك تعريضًا أو توبيخًا أو تهكمًا! ! ! ألا يكون هذا عندئذ عجبًا من العجب المضحك. ومن أجل تعريف الجنس ما أتعب الزمخشري نفسه في آية مريم وفي آية طه. وفي سورة الفاتحة من تفسير قوله: "الحمد لله" فاقرأه هناك وتدبره كل التدبر. وأما مسألة حديث التشهد فأراك جُرْت فيها على الحق. ولقد قلت في مقالك: "أما أهل القبلة فتشهدهم بعد الصلاة مختلف عليه، فمنهم من يقول (سلام عليك) ومنهم من يقول (السلام عليك) ". وقبل كل شيء، فتشهد أهل القبلة لا يكون "بعد الصلاة" وهو "من الصلاة" ومن تركه أو بدَّل فيه بطلت صلاته. هذه واحدة، وأما الثانية، فاختلاف أهل القبلة ليس يقال كما رويتَ، فالصحابة جميعًا والتابعون من بعدهم، وأئمة المذاهب من عرفت منهم ومن لم تعرف، مذهبهم تعريف السلام في التشهد كله إلا (ابن عباس) من الصحابة، والشافعي من أصحاب المذاهب، فإنه ارتضى تشهد ابن عباس وآثره لأنه عنده (هو) أتم الروايات وأكملها، ولكنه لم ينكر التعريف، ولا استنكره المزنيّ ولا سواه من أئمة مذهبه. فلو أنت عنيت نفسك فرجعت إلى شرح البخاري كابن حجر (ج ٢ ص ٢٦١ وما بعدها) والعيني (ج ٦ ص ١٠٩ وما بعدها) لعرفت أن الصحابة والتابعين مجمعون على روايته بالتعريف في التشهد جميعًا، ولرأيت أن أكثر الصحابة قالوا في حديث التشهد إن رسول الله ﷺ كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، ولرأيت النووي وهو من أصحاب الشافعي يقول: "قوله السلام عليك أيها النبي، يجوز في السلام في الموضعين حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل". أبعد هذا يا سيدي تطالبني بأن أطلعك أنت "على نص يوثق به يشير إلى أنهم منذ زمن الرسول ﷺ يقولون في

стр. 332

التشهد: السلام عليك أيها النبي"! عسى ولعل، ولعل أهل القبلة أخطأوا جميعًا وأصبت أنت! بما أوتيت من التدقيق والتحقيق والفحص وطلب المواثيق! ! وأما إنكارك الحديث على ما خَيَّلَتْ (١) لك، وأنه مما لا يستشهد به أهل اللغة والنحو، واحتجاجك على ذلك بشيء اقتطعته من بحث في خزانة الأدب ج ١ ص ٦، ولم تتمه على وجهه بالتدقيق والتحقيق والفحص وطلب المواثيق كدأبك وعلى عادتك، فهذا باب وحده لو ارتطمت فيه لم تعرف مخرجك منه. وما الذي ألجأك إلى هذا أيها العزيز؟ ألأني أتيتك بحديث المسند ج ٤ ص ٤٣٩ وفيه النص على أن المسلمين كانوا يبدأون التحية بقولهم "السلام عليك"؟ والحديث الصحيح الذي استخلصه رواتنا ﵃، فنفوا عنه كذب الكاذبين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين حجة في اللغة والنحو، ولو زعم لك زاعم أنه لا يكون حجة في اللغة ولا في النحو فاعلم أنه مبطل، وأنه غافل لا يدري ما يقول. ولو رجعت إلى الخزانة التي نقلت عنها (وحسبك ولا أزيدك) علمت أن صاحبك نقل الذي نقلت لي في كلامك، وأنه رجل عالم طالبُ حق لا مغرور بباطل، فقد ذكر وجوه اعتراض المبطلين في الاحتجاج بالحديث ثم نقضها حجة حجة، وصرح بأن تدوين الأحاديث وضبطها وقع في الصدر الأول من الإسلام قبل أن تفسد اللغة وترتضخ الألسنة باللكنة الأعجمية، كما يعلم ذلك من درس تاريخ رواية الحديث وتدوينه حقّ دراسته، ثم صرح في آخر كلامه بأن لا فرق بين جميع روايات الحديث مهما اختلفت ألفاظها، في صحة الاستدلال بها في اللغة والنحو. وكنت حقيقًا أن تقرأ كلَّ هذا قراءة طالب العلم، فلا تسألني أن أغلق باب الاستشهاد بالحديث، من أجل كلمات رويتها لم تحسن وضعها في مواضعها. وإلا فحدثني أيها العزيز لم ترى علماء اللغة، كصاحب اللسان، وابن الأثير، والزمخشري صاحبك وصاحب كتاب الفائق، وسواهم ممن عرفت ومن لم

стр. 333

تعرف -يملأون كتبهم استشهادًا بالحديث على معانٍ لم توجد في غير الحديث، ولو طلبت لها شاهدا من الشعر أو غيره لم تجد. فإما أن يكونوا هم المبطلين، وإما أن تكون أنت على حقٍ، فنبطل من أجلك نصف اللغة ونصف النحو وأشياء أخرى كثيرة. ثم انظر إليَّ أيها الصديق! ألست أنت الذي تقول هذا، وتقول لي أيضًا في صدر من كلامك معلّما ومنبِّها ومقرعًا إنه "فاتني أن الحديث لا يستشهد به أهل اللغة والنحو". هو أنت أنت الذي لم يلبث في آخر كلامه أن يأتي بشيء يناقض هذا كل المناقضة، فنقلت كتاب رسول الله إلى المقوقس، وهو من الحديث ومما رواه المحدثون، وكتابه إلى كسرى، وهو من الحديث، وكتاب أبي بكر إلى المرتدين، وهو من رواية أهل الحديث، ثم أردفت ذلك بقولك: "ومعلوم أن هذه الكتب مُدَوّنةٌ ويستشهد بها اللغويون والنحاة"؟ ! يا عجبا كل العجب! فمن الذي روى لك هذه الكتب؟ أليسوا هم الذين رووا لك الحديث، وحديث التشهد، وحديث السلام في المسند؟ وأين دوَّنت هذه الكتب إلا في الكتب التي دوّن فيها الحديث؟ وما فرق ما بين تدوين الحديث وتدوين هذه الكتب؟ وإن كنت قد ارتضيت هذه "الكتب المدوَّنة" حجة يوثق بها، فخذ كتاب الزمخشريّ صاحبك، وهو المسمى بالفائق ج ٢ ص ٣، اقرأ فيه وفي غيره أيضًا: "من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد. السلام على من آمن بالله ورسوله. . . ." إلى آخر الكتاب، ولم يعترض الزمخشري أيضًا على هذا البدءِ، ولم يقل إنه خطأ في اللغة ولا في النحو. ثم خذ صاحبك الطبري ج ٣ ص ١٥٦ الذي نقلت منه كتاب رسول الله إلى المقوقس، وكتاب أبي بكر، وصاحبك "كتاب صبح الأعشى" ج ٦ ص ٤٦٥، الذي نقلت عنه كتاب الرسول إلى كسرى، ثم اقرأ هداك الله: "لمحمد النبي رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد. السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. . . ." إلى آخر الكتاب. فهل قنعت أيها العزيز بما سقت إليك؟ وأمحضك النصح أن لا تتبع تلك

стр. 334

الناجمة التي نجمتْ بين أهل اللغة تريد أن تتبجح بالعلم والمعرفة والفقه، فتأتي صواب الناس ترميه بالخطأ على الشك والتوهم وسوء التأويل وفساد الفهم. واعلم أن العربية تعلَّم العقل، فمن شاء أن يطلبها بحقها فليصبر عليها صبر المؤمن. وأنت امرؤ فيك خير فلا تُضيع ما آتاك الله بالعجلة والتسرّع، فتثبت قبل أن تحكم. وتدبر قبل أن تقطع، واستقصِ قبل أن تستوثق، وانظر لنفسك قبل أن تزلّ بك قدمٌ. واعلم أن شرّ أخلاق الناس اللجاجة، وشر اللجاجة لجاجة العالِم، وشر لجاجة العالم لجاجته فيما لا يعلم أو فيما لا يحسنُ، وأن نصف العلم قولُ المرء فيما لا يدري: لست أدري. فالفهمَ الفَهْمَ فيما تلجلج في صدرك هداك الله وأعانك وسدّد خطاكَ. والسلام عليك ورحمة الله.

стр. 335

هزْل . . .! يخيل إليَّ أن بين قلمي والليل صبابةً أو هوى قديمًا. فطالما رأيتنى أعقد الرأي والعزمَ نهارًا على شيء أجعل الكتابة له قيدًا إذا جَنَّ الليلُ، فما أكاد أحملُ القلم وأبدأ حتى أرى القلم ينقض عليَّ رأيي وعزمي ويمضي إلى حيث شاء كما شاء، فما يُبقى من آية النهار المبصرة شيئًا إلا طمسَهُ أو أزاله أو نكَّر من معارفه، وما أظنّ إلا أن كل كاتب قد ابتُلِىَ من قلمه بمثل الذي ابتُليتُ به أو بشيء يقاربه. ومن أعسر شيء ألقاه من القلم أنى ربما بدأتُ الكتابة، فإذا هو مِطواعٌ حثيث لا يتوقف، وإذا كلمةٌ مرسلة إليه ليقيدها، فإذا هو كالفرس الحرون قد ركب رأسه وأبى إباءً، فلا أزال أترفقُ به واستحثُّه وأديره بين أناملي لِيَلِينَ ما استعصى من طباعه، ولكنه يأبى إلا لجاجة وعنادًا، ثم ينزع إلى وجه غير الذي أردتُ، وإذا أنا مضطر أن أعود من حيث بدأ هو لا من حيث أردتُ أنا أن أبدأ، وعندئذ يمضي على هواه وعلى ما خيّلتْ. فقد عرفت ذلك من عاداته قديمًا، فما يكاد يفعل ذلك حتى أثوبَ إلى ورقة أخرى فأبدأ الكتابة من حيث أراد، وأمري لله. أفتراني أخطئ إذا أنا زعمت أن لقلم الكاتب شخصية مستقلة بل منفصلة تكاد أحيانًا تغلب حامله على رأيه وعلى تقديره وعلى عزائمه؟ أم الإنسان المفكر صاحب العقل شيء آخر غير إنسان الكاتب حامل القلم؟ فهو حين يفكر يُعطى أفكاره الحرية والسَّعة والحماسة ما يجعلها أقدر على التصرف في وجوه الرأي وشعابه ونواحيه، فإذا حمل القلم ليملى عليه بعض أفكاره، واستقل قلمه بالفكرة بعد الفكرة يزنها ويقدرها على قدر عقله لا على عقل حامله، فربما عرض له أن ينبذ منها أو يتنقَّصها أو يتجافي عن طريقها فيسدَّ عليها المسالك ويضرب عليها بالأسداد، ثم يشرع إلى وجه غير الذي يُرَاد له؟ أم الإنسان إذا فكر ثم أراد أن يكتب وحمل القلم صار هو نفسه شخصا آخر غير الإنسان المفكر بغير قلم

стр. 336

محمول؟ كل ذلك ممكن، ولكنه على كل حال مَتْعَبة وشقاءٌ لحامل القلم ما بعده شقاء ولا تعب. وأعرف رجلا من أصدقائي الكتاب، إذا حمل القلم وكتب كلمات ألقى قلمه ضجرًا يائسًا متململا من عُسر المدخل الذي دخل به على ما أراد، فإذا عاد عاد القلم إلى جماحه وتعذره، ولا يزال كذلك مرة بعد مرة حتى يرى قلمه قد رضى وأطاع ومضى إلى آخر حرف في المقالة غير متوقف ولا متلعثم، وقد قال لي: إنه ربما مضت الأيام على ذلك الحِران، مع أنه يعلم مستيقنًا أن الفكرة كانت قد اختمرت واستوت وتهيأت له من قبل أن يحمل القلم بأيام، وأنه كان يظن أنه لن يحمل قلمه حتى يراه قد انساب انسيابًا لا يعوقه شيء، فإذا فرغ من كتابة ما أراد لم يجد أنه زاد قليلا ولا كثيرًا عما كان فكَّر فيه وعزم على كتابته. فأي سر هذا الذي ينطوى عليه القلم حتى يكون هو المتصرف الذي لا يردّ لما أرَادَهُ أمر؟ قد تقول: إنه الحالة النفسية التي يكون عليها الكاتب؛ وقد تقول: إنه الجو الذي تعيش فيه الكلمات التي يبتغى استنفارها من مكامنها؛ وقد تقول أشياء كثيرة من هذا وأمثاله، ولكن يبقى أنك لا تكاد تميز بعدَ الكتابة شيئًا من الاختلاف عما كنت قد فكرتَ فيه وأدرته في نقسك وعرفت أنه قد أطاع لك، فمن أين جاء هذا التوقف العجيب الذي تعتاده بعض الأقلام؟ ! وأنا قد جربت نفسي، فرأيتني إذا أردت أن أكتب أحيانًا شعرًا يدور في قلبي ويلح على خاطري، فأمسكت أي الأقلام وقعت عليه يدي، فإذا هو عصيٌّ عنيدٌ لا تلين له سنٌّ -أو قناة على ما يقولون- فإذا ألقيتُه وحملتُ القلم الذي اعتدتُ زمانًا أن أكتب به الشعر، أو الذي اعتاد هو أن يكتب لي الشعر، انطلق على سجِيته طيّعًا رفيقًا سهل المقادة حسَن التهدي إلى قِبلة الشعر. فأحبُ الآراء إليَّ أن أجعل للقلم شخصية منفصلة تعين الكاتب أو تعانده، فذلك أشبه بالسلطان العريض العظيم الذي فرضته الأقلام على الحياة، والذى لولاه لعاش الإنسان ومات وكأنه لم يوجد قط.

стр. 337

كنتُ أردتُ أن أكتب شيئًا عن المتنبي وعن حكمته وبصره بالحياة وبالناس وبما يعتلج في القلوب على اختلافها، وذلك لحديث جرى بيني وبين أحد ضيوف مصر من أهل العراق. وأردت أن أقارن بين ما يسمونه شعر الحكمة، وبين حكمة المتنبي في شعره، وأين وقع منه سائر الشعراء؛ فما كدت أبدأ حتى عرضت لي أبيات المتنبي التي يقول فيها: إنما أنفسُ الأنيس سباعٌ ... يتفارسنَ جهرةً واغتيالا من أطاق التماس شيءٍ غِلابًا ... واغتصابًا لم يلتمسه سؤالا كل غادٍ لحاجةٍ يتمنى ... أن يكون الغَضَنْفَرَ الرئبالا وذكرت عندئذ ذلك البيت الذي أحيتْه أم كلثوم حين غنت في شعر شوقي: وما نَيل المطالب بالتمني ... ولكن تُؤخذ الدنيا غِلايا وما استعصى على قوم منال ... إذا الإقدام كان لهم رِكابا وأردت أن أعرض للفرق بين القولين، وبين العبارتين، وبين القوتين، وبين البيانين. فأي دقة وأي هداية كانت لهذا الرجل الفذ الذي لو احتلت على بعض ألفاظه أن تجد لها بديلا في كلامه لأفسدت معنى البيت وقوته وعبارته وبيانه! فخذ مثلا لفظ "الأنيس"، وتخير ما شئت من حروف اللغة وضعه حيث وضع المتنبي لفظه، واقرأ وانظر وتدبر، هل يليق أو يسوغ أو يلين أو يستقر في مكانه من البيت؟ ضع مكانه "الإنس" أو "البشر" أو "الناس" أو "الأنام" أو ما شئت، سواء استقام الوزن أو لم يستقم، تجد الفرق بين الاختيارين عظيما واسعًا. فهو قد اختار اللفظ والبناء الذي يدل دلالة على المؤانسة والرقة والتلطف وإظهار المودة والظرف وحلاوة الشمائل ولين الطباع، ليظهر لك أنها تخفي تحت هذا كله طباعًا وحشية ضارية مترفقة حينًا وباغية أحيانًا، فمهد للصورة التي أرادها باللفظ الذي لا يستغنى عنه في دقة الصورة وحسن بيانها. فأين هذا من ضعف شوقي الذي لم يزد على أن جمع كلمات رُصّ بعضها إلى بعض لا حاصل لها ولا خير فيها. وما قيمة ذكر الركاب، مع الإقدام والاستعصاء والمنال؟ وأما

стр. 338

البيت الأول "وما نيل المطالب"، فهو كلام عامي دائر على الألسنة، ولا فضل فيه، بل هو أشبه بتقرير ضعيف عن معنى ليس بشيء. وعندئذ عرض لي أنا أن هذا الفعل من شوقي هَزْلٌ للمعاني، وهزل في طِلابها، وهزل في إدراكها على وجهها. وإذا هذا القلم يسألني -أو يأبى إلا أن يذكرني- بأن الهزلَ الذي كان فيه شوقى خير من كل هذا الهزل الذي أصبحنا وأمسينا نعيش فيه. فالدنيا تجدُّ من حولنا ونحن نهزل، ولا نكاد نجد من كبار رجالنا أحدًا قد نهض به جَدُّه وجِدُّه في ناحية إلا وقد سقط به هزله في ناحية أخرى. وأن أشدَّ البلاءِ من مثل هذا الرجل أن يُلبس عليه حتى يظن أن هذا الهزل هو أجد الجد، لأنه ظن أنه ما بلغ إلا بجدٍّ كان فيه طبيعة مغروزة فظن حتى صار ظنه حقًا عنده. ولسنا نحب أن نطعنَ على الرجال بالحق فضلا عن الباطل، ولكن بلادنا في كل مكان من مصر إلى الشام إلى لبنان إلى فلسطين إلى العراق إلى بلاد الهند إلى أندونيسيا إلى الجزائر وتونس ومراكش؛ قد أحست شعوبها أن ساعة الجِدِّ قد آذنت ودنتْ، وأنها ساعة إذا أفلتت فلن تعود إلا بلاء وعناء وشقاء. ومع ذلك فالرجال والزعماء وأصحاب الرأي أيضًا، وهو أشد البلاء، وقد ركَّبُوا في رؤوسهم أُذنًا من طِين وأُذنًا من عجين -كما يقول المثل العامي- فما يسمعون حسيس النار التي تشتعل في صدور أبناء هذا الشرق إلا كحشرجة الميت، فهم يعالجون أمورنا على صورة من اليأس والملل، كأنما يرجون الظفر بأي شيء كان، ماداموا يحسبون أنهم إذا رفعوا لأعين الناس هذا الذي ظفروا به، وقالوا لهم لقد ظفرنا لكم بخير ما ترجون، صدّقهم الناس وصفقوا لهم ومشوا في ركاب مجدهم، وجأروا إلى الله بالشكر على ما أنعم على أيديهم. فهم ليسوا طُلاب حق ضائع بل طُلَّاب مجدٍ كاذب، يطون أنهم يختمون به أعمالهم الصالحات. فأي هزل كهزل رجال الهند مثلا، وهم الذين عركوا ساسة الإنجليز مئة وخمسين عامًا أو تزيد، ولقوا من خداعهم وكذبهم وتغريرهم وقسوتهم وشناعة أحقادهم ما لا ينسى مواجعه إلا غِرٌّ غافل؟ وإذا الذين كانوا بالأمس نار الثورة

стр. 339

وضِرامها قد رضوا أن يستمتعوا بالحكم ويصيروا وزراء في شعب مستعبد تدوسه أقدام الغاصبين، وهو لا يزال يسمع منهم أن الهند جزء لا يتجزأ من هذه الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن أملاكها -فأي هزل أسخف وأبعد في الغفلة والسذاجة وسوء تقدير من هذا الحكم؟ وفيمَ يدلس هؤلاء على إخوانهم الذين يعرفون كما يعرفون من خبايا النيات البريطانية التي تدس لهم السمَّ في الدَّسم؟ أو لم تكفهم العِبْرة التي لا تزال أختهم مصر ترفل في أغلالها منذ سنة ١٩٢٤ إلى يوم الناس هذا، حين قَبِل رجال الثورة أن يكونوا للناس حُكامًا تحت ظلال الغَصْب والاحتلال؟ وأي هزل أشد على النفس الشاعرة مرارة وغضاضة من رجال قاموا من غفلتهم ومنامهم يسمعون الشعب كله ينادى الجلاء ووحدة وادي النيل، أي ينادى بالحق الطبيعى الذي لا يحتاج إلى تفسير ولا بيان ولا شروط، والذي ظلت مصر صابرة تهمس به أحيانًا وتصرخ به أحيانًا أخرى منذ سنة ١٨٨٢، وإذ هم يطالبون بالذي يطالب به الشعب، ولكنهم لا يلبثون قليلا حتى يرضوا لأنفسهم أن يدخلوا من باب المفاوضة مع البريطانيين، فلما دخلو داروا فيها كما تدور بهم، وهم كانوا أولى الناس بأن يعرفوا بعد طول التجربة ما عرفه الشاب مصطفى كامل إذ قال لهم: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء"، لأنه أدرك المفاوضة معناها أن ينزل الضعيف عن أكثر حقه للقوي الطائش الباغي؛ فما ظنك به وهو ليس بقوي طائش باغ وحسب، بل أيضًا منصور مظفر قد خرج من الحرب وهو يظن أن الدنيا له وأنه وإن كان ضعيفًا بين الأقوياء، إلا أنه هو الجبار العظيم [بين] (١) الضعفاء؟ وأنه سوف ينال من الأقوياء والضعفاء بحيلته وسياسته ما لا ينال بالعنف، فلذلك آثر طريق المفاوضة، واتخذ أعوانه لينيموا الشعب إليها حتى يهدأ ويسكن ويظن أنه بالغ ما يريد؛ لأن الدنيا تغيرت، ولأن العالم في حاجة إلى نظام جديد ليس بينه وبين القديم شبه. وظلت المفاوضات أشهرًا وهي تسير فينا على

стр. 340

عكازتين كأنها هي الأخرى من ذوي العاهات الذين خَففتهم الحرب عُرْجًا وظُلَّعًا أو شرًا من ذلك. فأي هزل هذا؟ أي هزل هذا الذي يؤمن به رجال يخالهم الناس من أصحاب العقل والحكمة وسداد الرأي في المعضلات؟ وماذا فعلوا منذ بدأوا إلا أن قدَّم الإنجليز مشروعًا وقدموا مشروعًا؟ ولا يزالون كذلك إلى يومنا هذا. فهم إنما يتقارضون كلامًا لا يغنى عنهم ولا عن مصر. وفيم يتفاوضون؟ ألا إن الحق بين والغصب بين، فقولوا لأصحابكم الذين تفاوضون إن مصر لا تريد إلا تحقيق هذه الكلمات: "الجلاء ووحدة وادي النيل". إننا نريد مصرنا وسوداننا. إننا لا نريد منكم إلا أن تدعونا وشأننا، اخرجوا من بلادنا، فارقونا. قولوا ذلك وعلِّموا الشعوب يإيمانكم وإصراركم أن تكون أشد إصرارًا وإيمانا وأوفى شجاعة وأقدر صبرًا، وإلا فسوف يأتي يوم يجدُّ فيه الشعب جدَّه، فإذا الذي ظننتم أنه مجد لكم هو أبغض شيء إلى الشعب، واعلموا أنه لا مجدَ إلا بِفعَال، والهزل مَخْبَثة للفَعال، فجدّوا إذن وعودوا إلى الإنجليز من حيث بدأوا بكم. إن هذا الذي يحدث في الهند وفي مصر حسرة للنفوس تطوى تحتها أسوأ مغبَّة، فهل من رجال ينقذون بلادهم من شرِّ هذه الموبقة المستطيرة؟ إن الحكام والمفاوضين طُلَّابَ المجد لن يذوقوا لذة المجد حتى يكون الشعب هو الذي يذوق لهم طعمه، فإذا استكرهه، فلا تخدعنهم الحلاوة التي يجدونها في ألسنتهم، فإنها مرارة الدهر وذلّ الأبد، ورحم الله المتنبي: مَن أطاق التماس شيء غلابًا ... واغتصابًا لم يلتمسه سؤالا فعلام المفاوضة، وفيم السعي إلى الحكم؟

стр. 341

بين جيلَين . . .! انتفض شعر المتنبي فرمى إليَّ بهذين البيتين، وهما على بساطة لفظهما كالجبلين الشامخين في تاريخ الحياة الإنسانية: سُبِقْنَا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... مُنعنا بها من جَيْئة وذُهوبِ تملَّكَها الآتي تملُّك سالبٍ ... وفارقها الماضِي فِراق سَليبِ أفليس لمَلك الموت من عَملٍ إلا إخلاء الطريق للقادم، حتى يتاح له أن يغدوَ ويروح في الأرض التي ورثها عن السابق الذي مهَّد له بمواطئه سبيل الحياة! ! ولعلّ ملك الموت يَحارُ أحيانا حيرَة تديرُ رأسه في الأمر الذي حمل أوزاره، وكُلف بقضائه، ولعله يرى أحيانا أنه يزيلُ خيرًا كثيرًا ليخلُفه شرٌ كثير، فهو تَرَدُّدُ المتحسر على ذاهب هو [أَوْلَى] (١) بالبقاء من قادم، ولكنه يقضي قضاءه الذي لا يجد عنه مَنْدُوحَة ولا مهربًا؛ وهو ككل صاحب صناعة قد أَلِفها ودرِب بها ولا يجيدُ سواها؛ فهو يعيش بها على الرضى وعلى السخط، على الفقر والغنى، وعلى الفتور والنشاط؛ وهو كسائر الخلق مُيَسَّرٌ لما خُلق له، ولو تُرك له أن يختار لاختار قديما كثيرًا على جديد كثير، ولآثر ناسًا على ناس وحياة على حياةٍ. ولقد أرثى أحيانًا لهذا المخلوق البائس الذي يسرهُ الله لصناعة الإفناء والإهلاك، فإنه ولاريب يرى ما لا نرى ويحس ما لا نحس، ولربما كلَّف أن يقبض الروح من زهرة ناضرة لم تكد تستقبل الحياة. فهو يذوب لها رقة وحنانًا لما سوف تتجرعه من غُصصه وسكراته وحشرجته ومكارهه، فكيف يقسو على من هو بالرحمة أولى، وبالبقاء أخلق من أُخرى لم يُبق فيها العمر المتقادم إلا الأعوادَ والأشواك والجذور التي ضرَبت فيها الآفاتُ، وبَرِم بها البِلَى من طول مُرَاغمتها له على العيش!

стр. 342

وكيف يفعل هذا البائس حين يعلمُ أنه قد دنا أجلُ عقل عبقريّ لم يتمّ عمله لخير هذه الحياةِ الإنسانية، فهو مأمور أن يطفئ نوره ليخلُفَه عقل دَجُوجيّ لا يأتي إلا بالسواد والإظلام؟ أتُرى أنامله ترتجف من الإشفاق والضن والبُقْيا على هذا السراج الذي أُمر أن يقطع عنه أسباب الحياة؟ أم تُراه يفعل ذلك وهو مسلوب العقل والإرادة والإحساس كأنه قائد من رجال الحرب الحديثة، لا عقل له إلا الحرب، ولا إرادة له إلا الحرب، ولا إحساس له إلا الحرب، فهو كله حرب على الجنس البشري شِيبه وولدانه ورجاله ونسائه، لا يرحم صغيرا، ولا يوقِّر كبيرًا، ولا يشفق على أم ولا ذات جنين! أم تراه يعلمُ ما لا نعلمُ من خَبْءِ هذه الحياة الدنيا، وأن جليلها الذي نجلُّه ونوقره هو أولى الشيئين بالمهانة والتحقير، وأن الحقير الذي نزْدريه كان أولاهما بالتجلَّة والتوقير؟ فهو إذن يؤدي عمله راضيًا عن نفسه وعما يعمل، لا تزعجه الرحمة لما لا يستحق رحمة، ولا يُمسك يده الإشفاق عما لا يستأهل إلا الإرهاق والتعذيب. وكأننا نحن إنما نحبُّ ونبغض ونرضى ونكره على قدر إدراكنا وما بلغ، لا على منطق الحياة المتطاولة الآماد والآباد، فنرى الأشياء متصلة بمصالحنا ومنافعنا، ومحصورة في حاجات أنفسنا وآمال قلوبنا، لا متماسكة ممتدَّة في كهوف الأمس السحيق، وسراديب الغد العميق. فلو أن هذا المَلك كان ميسَّرًا لإدراك الحياة ومعانيها بمثل العقل الذي ندركها نحن به، وكان كمثلنا في تقدير الأقدار على قياس الحاجات والآمال الراهنة محجوبًا عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، لرأيناه يحرص أحيانًا على أن يُبقى على بعضنا ويعجل أحيانا في القضاء على بعض آخر نظنُّ ويظنُّ معنا أنه لا معنى لبقائه في هذه الدنيا ليكونِ زِحامًا من الزِّحَامِ لا عمل له إلا أن يَعُوق المتقدم، ويعثرُ به الماشي، ويتفلَّل من جرائه حدُّ الماضي المتعجل، ولكان الناس يومئذ يأتون إلى الدنيا ليجدوها ممهَّدة من نواحيها لا يلقى لاحِقٌ عَنتًا من وجودِ سابق؛ ولا يصادف إلا طريقًا خاليًا لا يضطره إلى جهاد ولا حيلة ولا حذر، ولا يحمله على النظر والتأمل والهمة إصلاح الفاسد والفكر في أسباب

стр. 343

الفساد، وبذلك يتعطل العقل وتقف الإرادة ويستنيم المرءُ إلى الراحة حين يرضى عن عمل من سبقه من الذين أبقى الموت عليهم لأنهم أهلٌ للحياة. وكذلك تنقطع مادة الحياة، ويتفانَى الخلق بالرضى والقناعة كما يتفانون اليوم بالتسخُّط والطمع. بيد أن موت الرضى والقناعة شرٌّ كله لأنه عقيم لا ينتج، أما موت التَّسَخُّط والطمع فهو إلى الخير أقرب، لأنه يبقى البقية الصالحة التي تستمرُّ بها الحياة متجددة على وجه الدهر. ومن أجل ذلك قُدّر للآتي القادم على الدنيا أن يأتي منذ يولد وفي إهابه حبّ التملك والتسلط والأثرةِ والعناد واللجاج في صغير الأمر وكبيره، وكذلك الطفل. وقُدّر للذاهب الراحل عن هذه الدنيا أن يدلف إلى الغاية، وقد نَفَض عن نفسه أحب أشيائها إليه فهو يؤثر الزُّهد والإيثارَ وسعة العقل وقلة المبالاة في كبير الأمر وصغيره، وكذلك الشيخ. فإذا الآتى مُتَمَلِّك سالب، وإذا الماضي مفارق سليب. فهذا هو تاريخ الصراع بين أجيال الناس كلهم، والأمم جميعها، والآراء بأسرها، والمذاهب برمَّتها؛ إلى آخر هذا الحشد الحاشد مما يقع عليه الخلاف في هذه الحياة الدنيا، وليس يكون فيها شيء إلا كان مظِنَّة للخلاف. وهذا الصراع المُفني هو نفسه سرٌّ القوة المحْيية، وهذا الجهاد المتواصل في طلب الغلبة والظهور، والنصر بين السالب والمسلوب هو الحياة. وهذا العناء الشديد الذي يلقاه الشباب حين يحتدم الصدام بينهم وبين أهل السن من قدماء الأحياء هو تكملة الإنسان الجديد الذي يريد أن يتملك مواطئ أقدام الإنسان القديم الذي كتب عليه أن يرحل ويُفسح الطريق لمن هو أولى منه بالعيش وعليه أقدر: وقديمًا قال القائل: لكلّ جديد لَذَّةٌ، غيرَ أنني ... وجدت جديدَ الموت غير لذيذ فيأتي الآتي إلى جديد الحياة، فإذا هو بها مشعوف لهيفٌ، وإذا هو نفسه جديد، فهو معجبٌ بجديد نفسه ساخرٌ من قديم غيره؛ وإذا سر كل "آت" هو جدّته الموفورة، وسرُّ الضعف في كل "ماض" هو جدّته البالية. وللجديد نخوة

стр. 344

ونشوة وإرباءٌ (١) على القديم، وفي القديم هيبة وذهول وتقصير عن الجديد، والصراع بين القديم والجديد هو صراع على الحياة وعلى البقاء وعلى الخلود، ولذلك لم يخلُ وجه الأرض قط من نِزَال دام مفزع بشِع بين هذين الجبارين: الجبار الآتي الذي يريد أن يستأثر بالحياة، والجبار الراحل الذي يلتمس لجبروته الخلود. ولا تزال الدنيا دنيا ما اصطرع هذان الجباران، فإذا سكن ما بينهما فقد انطفأت يومئذ جمرة الحياة، ولم يبق إلا رمادها. ونحن اليوم أحوج ما كنا إلى حدّة الصراع بين الجبارين: جبار الشباب وجبار الهرم، لأن الحياة التي حولنا تريدنا على ذلك، إذا أغفلنا مطالب الحياة الإنسانية نفسها، والتي لا بقاءَ لها إلا على مكاره النزاع والنزال والمصاولة. ولكن يخيَّل إليَّ أن جبارنا هذا الشاب لم يعرف بعْدُ أن اتخاذ الأهبة للقتال شيء لا غنى عنه لمن يريد أن تكون له العزة والغَلبة، وأنه ينازل جبارًا سبقه إلى الدنيا فعرفها وخَبرها واستعدَّ لها، وصرف همه إلى درسها وتمحيصها، وأنه قد بذل في إبان شبابه من جُهد التحصيل والاستعداد، ما غفَل هو عن مثله بين اللهو والعبث والآراء غير الممحصة، وأخْذ الدنيا على أهون وجهيها وأيسرهما، وعلى أن الصدق فيما قاله أسخف قائل: "اضحك يضحك لك العالم"! ! ليمى معنى الصراع بين الجديد والقديم: هو أن ينازل أصغر الخصمين وأقلهما تجربة، أكبرهما وأوفاهما تجربة، وهو يضمر له في نفسه الإزْراءَ به والتحقير له والاستهانة به وبسابقته في الحياة، كلا، بل هو يحرص أشد الحرص على فهم خصمه، وعلى معرفة حيله، وعلى درس قوته ومواطن الضعف فيها، وعلى أساليب معالجته للأشياء التي حازها بالنصر والغلبة على من سبقه. وذلك يقتضيه أن يجعل صدر أيامه وريِّق شبابه وقفًا على الدرس والتحصيل ورياضة النفس، وتربية القُوَى، وتعهُّد نفسه في مراشدها وتجنيبها مغاويها، فإذا فعل كان أهلا لمن ينازله، وكان خليقا أن يكتب له النصر عليه، ولكن شاء الله أن يسلك جبارنا الشاب أضلَّ الطريقين.

стр. 345

فماذا كانت العقبى؟ بقينا إلى زمن نرى فيه الشيوخ الذين أكلَ الدهر جِدَّتهم، وأبلى هممهم، وأفنى حوافزهم، وقطع دابر الحماسة من نفوسهم، هم الذين يتولون تصريف الأمر في غدِنا تصريفَ العاجز، ويدبرون سياستنا للمستقبل تدبير الذاهل، ويسيرون بهذا الشرق كله إلى رَدَغةٍ (١) موحلة يرتطم في أوحالها الشيب والشبان جميعًا. وإلا فأين الشباب المبشر بالخير المهدي إلى طريق الرشاد، ليكون لشيوخنا إذا عجزوا عَضُدًا، وإذا قصَّروا باعًا، وإذا سقطوا خلفًا؟ إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير، ولكن لا أرى أحدَا ومعاذ الله أن أكون ممن يُخْلي هذه الأمم من رجال شبان يدخل في أطواقهم أن يغيروا وجه هذا الغد الذي نستقبله، ومعاذ الله أن يلمّ بي اليأس ويتداخلني القنوط، فإني لأرى فيهم رجالا لو هم صرفوا عامًا أو عامين في التأهب لصراع الغد، أي لصراع الحياة، أي لإنقاذ بلادنا من خَوَر الشيخوخة، وجبن الهرم، وعجز السنِّ، وضعف الكِبَر الطاحن، ومن غرور هذه جميعًا بسالف تجربتها واحتناكها، لأدركنا البغية التي يظن شيوخنا أنها محال، وأنها طَفْرة، وأنها جرأة وتقحُّم، وارتماء في مهاوي الهلاك. أو ليس من أكبر العار في هذا الزمن أن يكون الشرق الذي بلغ بفتيانه قديمًا ما بلغ، هو اليوم مبتلى بفتيانه أشد البلاء؟ أليس من الخزي أن يعرف أحدنا كيف تعاون شبابنا قديمًا وكهولنا وشيوخنا على فتح الدنيا، فإذا خَلَفهم يتعاونون جميعًا شيوخًا وشبانًا وكهولا على ترك بلادهم وأرضهم لقمة سائغة لكل طامع، ولحمًا ممزقًا بين يدي كل جزَّار وإن هان؟ إن علينا نحن الشباب أن نوقر شيوخنا ونجلَّهم ونستفيد من تجاربهم، وعلينا أن ننازلهم ونصارعهم، ونأخذ من أيديهم المرتعشة ما يستقرُّ في راحاتنا الثابتة التي لا تخافُ ولا تتهيب. علينا أن نأخذ حقنا أخْذ الكريم المقتدر، من أقران نصارعهم ليموتوا موت الكريم البذَّال. وعلى هذا الصراع بين جيلينا يتوقف أمر

стр. 346

الخير الذي نبتغيه، والاستقلال الذي نجاهد في سبيله، والعزة التي نسعى إلى اقتحام أهوالها. وعلى شيوخنا أن يعلموا أنه لابد لهم من شباب شديد الأسر يشد أزرهم إذا ضعفوا، ويخلفهم إذا هلكوا ولكنهم غفلوا زمانًا فتركوا النشء ينشأ بين أحضانهم، فلم يسدّدُوه ولم يعاونوه ولم يعدوه لغدهم، وقلبوا آية الحياة وبدَّلوا معناها، فكانوا هم الصبيان حين تخلقوا بأخلاق الصبيان، وأصرُّوا على حب التملك والتسلط والأثرة والعناد واللجاج في كبير الأمر وصغيره! هذه الأيام تمضي بنا سِراعًا، فلنقدِّر لغدٍ، فإن مستقبل الشرق معقود بنواصي شبابه، فإذا نَفَضَ عن نفسه غبار الكسل والمجانة واللهو، كان إلى النصر أسرع ساع، وعلى الدنيا الجديدة أكرم وافدٍ.

стр. 347

اسلمي يا مصر . . .! ظللتُ سنوات معتزلًا أو كالمعتزل، وما اعتزلتُ إلا لأن الحياةَ أرادتني على ذلك فأطعتها، وليتني ما فعلتُ! ثم جاءت أيام حتى كادت تقتلعُ جذور الحياة من أغمض أعماقها في نفسي وفي قلبي وفي سائر بنيانى وحواسى، فانتبهت كالذاهل وأنا لا أدري أحي أنا أم ميت، وإن كان لم يشعر بما أشعر رجلٌ أو رجلان أدركا ما أنا فيه من مِحنة وشقاء. ثم انجلت الغمة وارتفعت الغشاوة، وبدأتُ أرى الدنيا كما ينبغي لمثلي أن يراها، فأقبلتُ عليها أتفحصها كأني أقرأ تاريخًا جديدًا [لم يكن] (١) لي به علم ولا خَبر. ومن يومئذ آثرت أن أُغفل شأن الشعراتِ البيض التي تلتمع على فودىَّ نذيرًا وبشيرًا، وقلت لنفسي: كذب والله عليُّ بن جبلة الخزاعي. فإني لأجد الشعرات البيض أخفُّ على قلبي محملا وأشهى إلى نفسي من كل ما استمتعت به في صدر شبابي، وكيف أشجَى بشيء قد جعله الله بديلًا من جنون الصِّبا وعُرَامِ الشباب (٢). وأنا أسوق هنا أبيات عليّ بن جبلة، وإن كان لا حاجة للمقال بذكرها، لأني أعتدُّها من أجود الشعر وأرْصنه وأحسنه تمثيلًا لمقدم الشيب، وأدقه تصويرًا لإحساس الفزع الذي تتجرَّعه النفوس الشاعرة في يوم الكريهة -يوم المشيب. قال يذكر الشيب وقد بلغ الأربعين: ألقى عَصاه، وأرَخى من عمامته ... وقال: ضَيفٌ. فقلت: الشيبُ؟ قال: أجلْ! فقلتُ: أخطأت دار الحيّ! قال: ولِمْ؟ ... مضتْ لك الأربعون التِّمُّ! ثم نزَل

стр. 348

فما شَجِيتُ بشيء ما شَجِيتُ به، ... كأنما اعتمَّ منه مَفْرقي بجَبَلْ ولست أُنكر أن عُلوّ السن بالمرءِ أمر ينبغي أن يلقى له باله ويتعهده حتى لا يؤخذ على سهوة وفي غفلة، وأن الشيبَ هو النذير العريان. ولكن ما بالشيبِ من عارٍ، فنحن إنما خلقنا لنحيا ونموت، فلتكن حياتنا كلها كما بدأَتْ جهادًا متصلا جريئًا في سبيل الغاية التي نفخ الله فينا من أجلها الروح. وقبيح بامرئٍ علمته الأيام ووعظته الأسَى (١) -منذ كان أبوه الشيخ آدم إلى يوم الناس هذا- أن يجزَع أشفَّ جزَعٍ من منهل لم ينج سابق من ورُوده، ولن يَنْجُوَ من وروده لاحق. وليت شعري ماذا يضيرني من شيبة في شعراتٍ، إذا كان قلبي لا يزال غَضًّا جديدًا كأنه ابن الأمس القريب؟ ولو قد كان ذلك ضائري لقد هانت الحياة هوَانًا يجعلها أسخف وأخفّ وأضأل من أن أحفل بها أقل حفل. وكذلك عقدت عزمي على أن أضربَ في مسالك الحياة حيث لا يعوقني وقار غثٌّ، ولا حنْبلية متزمّتة، وحيث أخبرُ الحياة على وجهها الذي هي عليه اليوم، لأعرف ما الذي ستكون عليه غدًا. فأسرعت إلى حلقات الشباب ممن تجاوزوا العشرين وأشرفوا على الثلاثين، لأرى كيف يفكرون، وانظر كيف يعملون، وأعرف ماذا يدبرون، وأعلم أين يستقبلون، فرأيت ونظرت وعرفت وعلمت، فأشفقتُ وأمَّلتُ، وخفتُ ورجوت، ولكني على ثقة من أن رحمة الله أوسع من أن تضيق بأمة ضَلَّت في بيداءِ هذه الحياة، وقد خرجتْ تضرب في جوانبها مطموسة البصر إلا ما شاء الله. كان من أهم ما شغلني أن أسمع ماذا يقولون عما يشغل الناس جميعًا في هذه الأيام، وأن أناقشهم فيما يقولون حتى أعرف خبء نفوسهم وضمائرهم، وأن أنقل ما استطعت شيئًا مما يعتلج في هذه القلوب الشابة التي تريد الحياة الحرة الكريمة -أي تريد الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وينبغي لكل صاحب قلم أن

стр. 349

يحرص أشد الحرص على بيان ما يرى وما يُراقب، فإن الجيل الماضي الذي صارت إلى يديه مقاليد الحكم في مصر غافل كل الغفلة عن الآمال والآلام التي تساور القلوب المصرية الشابة، وجاهل كل الجهل بالمولود الجديد الذي ولد في أرض مصر وشب ونشأ واستوى وكاد يبلغ مبالغ الرجال. يقول قائل الشباب: "لقد خرجت مصر كلها، عالمها وجاهلها وغنيها وفقيرها، تنادى يومًا ما باسم "الجلاء" وباسم "وحدة وادي النيل من منبعه إلى مصبه" وباسم البلد الواحد الذي هو "مصر والسودان". والشعوب أو الجماهير إن شئت، لا تعرف تفاصيل التاريخ ولا يهمها أن تعرف، بل هي تحس وتدرك وتتمنى وتسعى وتفعل كل شيء بالإلهام الذي يسدّده الفطرة المستقيمة، وهذه الفطرة المستقيمة إذا نظرت إلى شيء استوعبت لُبَّه وطرحت نُفايته. ولقد نظر الشعب المصري بفطرته المستقيمة فرأى دولة طاغية تحتل سماء بلاده وأرضها وبحارها، بل تحتل أرزاقها المقسومة لأهلها من طعام وشراب، وتشاركها في نسمات الهواء بل تضيق عليها أيضًا، وتحرمها النفحة بعد النفحة من هذه النسمات، وإذن فهي تمنع عنها ما هو مباح للوحوش في مساربها، والبهائم في مراعيها، والطير في مسابحها. وإذن فلابد من أن تظفر بما يظفر به أدنأ الخلائق وأهونها على الناس وعلى الله ربَّها وربهم وإذن فالشعب لن يعرف إلا كلمة واحدة هي: "الجلاء"، ولا ينادى إلا بشيء واحد هو: "اخرج من بلادي أيها الغاصب"، ولا يعرف من التاريخ ولا من السياسة ولا من البراعة والحذق في الدهاء إلا أن هذا غاصب واقف بالمرصاد يغتاله ويغتال أسباب حياته، ويرمى به في الرغام ليعيش هو في رغد وفي بحبوحة. "قام الشعب فأسمع من كانت له أذنان، فإذا فئة من محترفي السياسة، ومن كل محتال عليم اللسان، ومن كل وجيه زيَّنَه ماله وغناه، ومن كل ذي صيتٍ رفعته الأقدار بالحق أو بالباطل -قد هبُّوا جميعًا مع الشعب يقولون بمثل الذي يقول، فظن الشعب أنهم قد صدقوا بعد ماضٍ كذَبَ على التاريخ وعليهم فرضى عنهم وأعانهم، ولكن لم يلبث إلا قليلا حتى رأي الوادي يموج عليه بالحيَّات

стр. 350

والأفاعي والعقارب، وكل لدَّاغ ونفَّاث وغدَّار، فانتبه فزعًا يطلبُ النجاة مما تورط فيه من ثقة بأقوامٍ لم ينالوا يومًا ما ثقته، ولا حمّلهم أمانته، ولا رضى عن أعمالهم ولا سلَّم إليهم مقاليده إلا مرغمًا أو مغرَّرًا أو مخدوعًا. ثم بقي الشعب يترقب نهاية هذه المفاوضات العجيبة التي نالت فيها مصر كل شيء إلا الجلاء، وحازت كل خير إلا الاستقلال، ورأت كل عجيبة إلا عجيبة ارتحال الجيوش البريطانية ذات الزى العسكري أو الزي المدنيّ". ويقول قائل الشباب: "إنني لا أعرف تاريخ القضية المصرية على الوجه المعقّد الذي يدلسُ به الساسة علينا، ويدخلون المخافة والذعر في قلوبنا. ولا أعرفُ من تاريخ هذه القضية إلا أن بلادي كانت توشك أن تكون قُبيل سنة ١٨٨٢ إحدى الدول العظمى في العالم، ثم إذا بأوربة كلها تتألّبُ على هلاكها وقتلها، والولوغ في دمِها بتحريض دولة واحدة قد امتلأ قلبها جشعًا وحقدًا. فلما ظفرت بما أرادت، ذَادَتْ كل دولة عن طريقها. ورمت مصر غدرًا وخيانة فاحتلتها في سنة ١٨٨٢، وحسدتها الدول، وخافت مغبة احتلالها لأرض مصر، فتألبت عليها وطالبتها بالخروج منها، فوعدت أن تجْلُو عن أرض مصر جلاءً ناجزًا بعد أن تستقر الأمور ويتوطَّد سلطان العرش المزعزع! وقامت مصر تطالب بالجلاء فوعدت أيضًا بالجلاء، وظلت بعد ذلك تَعد وتَعِد وتَعِد وهي لا تمل وعدًا ولا تحققه، إلى أن كانت سنة ١٩٤٦، فإذا هي تعلن الجلاء إعلانًا تامًا صريحًا بينًا واضحًا ناجزًا سريعًا، وتبدأ تجلو، ولكن من غرفة إلى غرفة، ومن سرير إلى سرير، ولكنها لا تخرج من باب الدار إلى لَقَم الطريق (١). "ثم إننا نرى هذه الفئة التي اختالت في ثياب "الزعامة" ومجدتها الصحافة وسمتها باسم "الزعامة" قد دخلت في المفاوضات بينها وبين البريطانيين باسم مصر، ومصر منها برَاءٌ، فإذا بريطانيا تزعم للشعب أنها جَلت عن مصر، فأخلت القلعة، أخلتْ فندق سميراميس! وكانت فيه القيادة العليا البريطانية للجيش البريطاني في مصر، وأخلت كذا، وستجلو عن كذا، لكنها تأبى في المفاوضات

стр. 351

إلا أن تبقى في مصر لتشارك مصر في الدفاع عن أرض مصر العزيزة -على بريطانيا بطبيعة الحال! "أفتظن هذه الفئة أن الله قد سلب الشعب المصري فطرته السليمة، حتى تخدعه كل هذه الترهات الباطلة التي يرسلها كهنة السياسة من كهوف المفاوضات على وادِيه المحرَّم؟ لئن ظنوا فقد خابت ظنونهم وباءوا بأخيب الرأي وأبعده عن مواقع الصواب. إن الذي بيننا وبين بريطانيا قد بان وتكشَّف لكل ذي بصر. نعم لقد مضَى على مصر دهر وهي مخدوعة بالمفاوضة، مخدوعة بقدرة السياسة على نيل الحقوق المهضومة، ولكن لم يبق في مصر بعد اليوم شابّ في قلبه ذرّة من إيمان بالحرية، في عقله ذرة من حسن التقدير وصدق التفكير، إلا وهو يعلم صدق العِلْم أن المفاوضة معناها كذب القويّ على الضعيف، وذلة الضعيف بين يدي القويّ. ونحن ننظر صابرين إلى هذا العبث الدائر بين رجال قد أحدُّوا أنيابهم، وأعدُّوا مخالبهم، رجال قد عرَّضوا مقاتل أُمتهم لهذا الضاري المفترس ليقضم منها حيث شاء كما شاء، ثم يقول للفريسة: لقد أعددت لك الأطباء والممرضين ليضمدوا جراحك ويحقنوا دمك، ويدفعوا عنك عادية الرَّدَى! وكذلك تكون شفقة الأسود الرحيمة! "إن القضية المصرية أبسط قضيّة على وجه الأرض: غاصب قد أقرّت الدول جميعًا منذ سنة ١٨٨٢ أنه غاصب معتدٍ، ومغصوبٌ لا يزال يصرخ منذ ذلك التاريخ، ويقول لأهل الدنيا: أنقذوني. فما معنى الدخول في المفاوضات بيننا وبين بريطانيا؟ إن العالم كله مطالب بإخراج بريطانيا من مصر، ونحن لا نحب أن نفاوض بريطانيا ولا ينبغي لنا أن نفعل، بل الذي ينبغي هو أن نفاوض الدول كلها إلا بريطانيا في شأن إخراج هذا الغاصب وإجلائه عن برّنا وجوّنا وبحارنا، وفي صدِّه عن عُدوانه على أعراضنا وعلى طعامنا وعلى أرزاقنا وعلى أخلاقنا وآدابنا وثقافتنا. . . "إن بريطانيا دولة قوية ما في ذلك شك، ولكننا أقوى منها لأننا أصحاب حق. فليعلم هؤلاء المفاوضون أن مصر لن تقبل الدنيّة في مستقبلها ومستقبل

стр. 352

أجيالها، وليعلم هؤلاء المفاوضون أنهم لا يملكون التصرف في رقاب أهل مصر الحاضرين، ولا في رقاب الأجيال الآتية، وأنهم وإن كانوا مصريين كراما، إلا أن مصر خالدة على وجه الدهر، وهي أكرم منهم على أبنائها ورجالها الآتين. ونحن الشباب الناشيء نعرف أننا لن ننال لأنفسنا ولبلادنا حقها وحريتها إلا بالحزم والعزم وترك التهاون، والإقلاع عن هذه الخبائث التي يسمونها المفاوضات، ونسميها نحن المساومات. ونحن الشباب الناشيء نعرف أن الحياة لا معنى لها إذا خلتْ من الشرف والكرامة، وأن الشرف والكرامة عندئذ هي الموت. فلنمت كِرَامًا صادقين، فذلك خير من أن نعيش أذلَّاء مستعبدين. ولتعلم هذه الفئة أنها تسير بمفاوضاتها في وادٍ، وأن الشباب يسير في وادٍ غيره، فليحذروا مغبة ما يفعلون، وخير لبريطانيا أن تفهم هذا ولا تتجاهله، فربما جاء يوم لا ينفعها فيه هذا التجاهل، وكان خليقًا أن ينفعها الفهم وحسن الإدراك". هذا حديث الشباب أيها الشيوخ، فاحذروا غدًا، فإن القوة التي تتجمع في الصدور قد أوشكت تنقض السُّدود التي رفعتها بريطانيا وشيدتها وجعلتكم عليها قُوَّامًا وحُرَّاسًا. أيها الشيوخ شاركوا الشباب قبل أن يأتي يوم لا يُغنى عنكم عقلكم ولا استبصاركم ولاتَلَبُّسُكم بأثواب السياسة ومُسُوح الحكمة وعمائم الوقار. وذلك يوم قد دنا أوانه.

стр. 353

بعض الذكرى . . . .! كان ذلك منذ عشرين سنة، وكنت فتى لا يملُّ الدُّؤوب والسعي، وكانت أول مرة أدخل فيها بيت ذلك الشيخ (١) الضئيل البدن المعروق اللحم، الذي ينظر إليك أبدًا كالمتعجب. وكان الذي سعى بي إليه حبٍّ قد ملأ قلبي له، وإجلال قد أخذ عليّ العهد أن أفي لهذا الشيخ ما حييت وفاءَ الذكرى ووفاء العلم ووفاء الاقتداءِ؛ وكنت يومئذ قد حضرت بعض دروسه في مسجد البرقوقي، وقرأت عليه شيئًا من كتاب أبي العباس المبرّد، وكان يعدُّني كبعض ولده لسابق معرفته بأبي -رحمهما الله-. وكنت يومئذ سقيم الجسم خفيف اللحم نحيل التجاليد ثائر الشَّعر، فإذا لقيته فربما كان يقول لي: "كأنك آيبٌ من سفر بعيد أيها الفتى". فكنت أفهم عنه، فإذا انقلبت إلى الدار عدوت إلى المرآة لأرى ماذا حمل الشيخ على مقالته التي لم يزل يقولها لي ويدي على يده أو في يده، فما أرى سوى وجه شاحب ضامر، وعينين غائرتين كأنهما تنظران إلى شيء بعيد في جوف وادٍ سحيق عميق. فأقول لنفسي: هذا جُهْد التحصيل وكدُّ النفس في قراءة هذه الأسفار القديمة التي تباعدت معانيها وتقادمت عهودها. طرقتُ بابه في ذلك اليوم على غير ميعاد، ففتح لي صغير من حَفَدته وقادني إلى غرفة الشيخ، فإذا هو جالس على حشيّة على بساط كالح من تقادم الأيام، وعلى يمينه خزانة كتب مطوية في جوف الجدار، وأمامه صينيّة صفراء من نحاس فيها أداة القهوة، وعلى يساره كتب مركومةٌ، وفي يمناه قلم يكتب. فلما سمع حسّي رفع إليّ بصره وسكن، وظل كذلك ساعة وأنا بين يديه يأخذني ما قرُب وما بَعُد من هيبته، وجعل ينظر إليَّ فأطال النظر؛ ثم لم يلبث أن قال بصوت خافت ما كنت لأتبينه لولا أني عرفت الذي يقول وكنت أحفظه، وهي هذه

стр. 354

الأبيات من شعر بعض الأعراب: رأتْ نِضْوَ أسْفَارٍ، أُميمةُ، شاحبًا ... على نضو أسفارٍ، فجُنَّ جنونُها (١) فقالت: "مِنَ أيِّ الناس أنت؟ ومن تَكُنْ ... فإنك راعي صِرْمةٍ لا يَزيُنها (٢)! " فقلت لها: "ليس الشُّحوبُ على الفتى ... بعارٍ، ولا خيرُ الرجال سمينُها عليك براعي ثَلَّة مُسْلَحِبَّةٍ ... يَرُوحُ عليه مَخْضُها وحَقِينُها (٣) سمينِ الضواحي، لم تُؤَرِّقه ليلةً ... -وأنعمَ- أبكارُ الهموم وعُونُها (٤) " وكان الشيخ حسنَ التقسيم للشعر حين يقرؤه، فيقف حيث ينبغي الوقوف، ويمضي حيث تتصل المعاني، فإذا سمعت الشعرَ وهو يقرؤه فهمته على ما فيه من غريب أو غموض أو تقديم أو تأخير أو اعتراض، فكأنه يمثله لك تمثيلا لا تحتاج

стр. 355

بعده إلى شرح أو توقيف، وكان في صوت الشيخ معنى عجيب من الثقة والاقتدار، وفي نبراته حين ينشد الشعْر معنى الفهم للذي يتلوه عليك، فلا تكاد تخطئ المعاني التي ينطوي عليها، لأنها عندئذ ممثلة لك في صوته. والصوت الإنسانيّ هو وحده القادر على الإبانة عن المعاني الخفية المستكنَّة في طوايا النفوس أو في أحاديث النفوس. وربَّ رجل أو امرأة تسمع كلامه أو كلامها وأنت لا تعرف عن أحدهما شيئًا، فيخيّل إليك وأنت تسمع أنك قد نفذت على نبرات هذا الصوت إلى أعمق الأعماق المدفونة في هذه النفس الإنسانية التي تحادثك، وهذا شيءٌ لا يكون إلا في ذوى النفوس الصادقة الصافية البريئة من حشو الحياة وسفْسافها، وهذه النفوس وحدها هي القادرة على أن تجعل الصوت بمجرَّده لغةً مبينة عن أغمض المعاني التي تعجزُ لغات البشر عن حملها وأدائها. وأنت محتاج حين تسمع "لغة الصوت" أن تكون يقظ النفس حيَّ الإحساس، نفَّاذًا إلى المعاني المتلفِّعَة بالغموض، حسن التيقظ للنبرات التي تدل على ضمير اللفظ، سريع الخاطر في إدراك هذا الموج المتلاحق من الحركات المختلفة. فإذا كان الذي تسمعه كلامًا يُتلى أو يُنشد كالشعر مثلا، وكان الذي ينشده قد عاش ساعة في معانيه حتى تلبَّس بها ونطق لسانه معبرًا عن لسانها وعن لسان قائلها الأول، كان عليك أن تكون لينا طيّعًا سريع التبدُّل جرئ النفس في غمرات العواطف، حتى يتاح لك أن تعيش أنت نفسك في هذه المعاني ساعة تتلى عليك وعندئذ تغشاك غمرة لذيذة تدبُّ في غضون نفسك، فتحسُّ كأنك تُبعث بعثًا جديدًا في حياة جديدة حافلة بالصُّور التي قلما يدركها العقل إلا مُشوَّهة مشيَّأةً (١) متخالفة التركيب، فلا يزال يجهدُ في تلفيق أجزائها حتى لا يبقى من أصولها الحيَّة الصريحة الصادقة شيء البتة. فإن استطعت يومًا أن تجد في نفسك أنك مستطيع أن تكون على هذه الصفة، فقد فهمت الشعر ونفذت إلى أغواره، وإن عجزت عن بيان ما فيه.
следующие страницы →