إلا أن تبقى في مصر لتشارك مصر في الدفاع عن أرض مصر العزيزة -على بريطانيا بطبيعة الحال!
"أفتظن هذه الفئة أن الله قد سلب الشعب المصري فطرته السليمة، حتى تخدعه كل هذه الترهات الباطلة التي يرسلها كهنة السياسة من كهوف المفاوضات على وادِيه المحرَّم؟ لئن ظنوا فقد خابت ظنونهم وباءوا بأخيب الرأي وأبعده عن مواقع الصواب. إن الذي بيننا وبين بريطانيا قد بان وتكشَّف لكل ذي بصر. نعم لقد مضَى على مصر دهر وهي مخدوعة بالمفاوضة، مخدوعة بقدرة السياسة على نيل الحقوق المهضومة، ولكن لم يبق في مصر بعد اليوم شابّ في قلبه ذرّة من إيمان بالحرية، في عقله ذرة من حسن التقدير وصدق التفكير، إلا وهو يعلم صدق العِلْم أن المفاوضة معناها كذب القويّ على الضعيف، وذلة الضعيف بين يدي القويّ. ونحن ننظر صابرين إلى هذا العبث الدائر بين رجال قد أحدُّوا أنيابهم، وأعدُّوا مخالبهم، رجال قد عرَّضوا مقاتل أُمتهم لهذا الضاري المفترس ليقضم منها حيث شاء كما شاء، ثم يقول للفريسة: لقد أعددت لك الأطباء والممرضين ليضمدوا جراحك ويحقنوا دمك، ويدفعوا عنك عادية الرَّدَى! وكذلك تكون شفقة الأسود الرحيمة!
"إن القضية المصرية أبسط قضيّة على وجه الأرض: غاصب قد أقرّت الدول جميعًا منذ سنة ١٨٨٢ أنه غاصب معتدٍ، ومغصوبٌ لا يزال يصرخ منذ ذلك التاريخ، ويقول لأهل الدنيا: أنقذوني. فما معنى الدخول في المفاوضات بيننا وبين بريطانيا؟ إن العالم كله مطالب بإخراج بريطانيا من مصر، ونحن لا نحب أن نفاوض بريطانيا ولا ينبغي لنا أن نفعل، بل الذي ينبغي هو أن نفاوض الدول كلها إلا بريطانيا في شأن إخراج هذا الغاصب وإجلائه عن برّنا وجوّنا وبحارنا، وفي صدِّه عن عُدوانه على أعراضنا وعلى طعامنا وعلى أرزاقنا وعلى أخلاقنا وآدابنا وثقافتنا. . .
"إن بريطانيا دولة قوية ما في ذلك شك، ولكننا أقوى منها لأننا أصحاب حق. فليعلم هؤلاء المفاوضون أن مصر لن تقبل الدنيّة في مستقبلها ومستقبل
стр. 352
أجيالها، وليعلم هؤلاء المفاوضون أنهم لا يملكون التصرف في رقاب أهل مصر الحاضرين، ولا في رقاب الأجيال الآتية، وأنهم وإن كانوا مصريين كراما، إلا أن مصر خالدة على وجه الدهر، وهي أكرم منهم على أبنائها ورجالها الآتين. ونحن الشباب الناشيء نعرف أننا لن ننال لأنفسنا ولبلادنا حقها وحريتها إلا بالحزم والعزم وترك التهاون، والإقلاع عن هذه الخبائث التي يسمونها المفاوضات، ونسميها نحن المساومات. ونحن الشباب الناشيء نعرف أن الحياة لا معنى لها إذا خلتْ من الشرف والكرامة، وأن الشرف والكرامة عندئذ هي الموت. فلنمت كِرَامًا صادقين، فذلك خير من أن نعيش أذلَّاء مستعبدين. ولتعلم هذه الفئة أنها تسير بمفاوضاتها في وادٍ، وأن الشباب يسير في وادٍ غيره، فليحذروا مغبة ما يفعلون، وخير لبريطانيا أن تفهم هذا ولا تتجاهله، فربما جاء يوم لا ينفعها فيه هذا التجاهل، وكان خليقًا أن ينفعها الفهم وحسن الإدراك".
هذا حديث الشباب أيها الشيوخ، فاحذروا غدًا، فإن القوة التي تتجمع في الصدور قد أوشكت تنقض السُّدود التي رفعتها بريطانيا وشيدتها وجعلتكم عليها قُوَّامًا وحُرَّاسًا. أيها الشيوخ شاركوا الشباب قبل أن يأتي يوم لا يُغنى عنكم عقلكم ولا استبصاركم ولاتَلَبُّسُكم بأثواب السياسة ومُسُوح الحكمة وعمائم الوقار. وذلك يوم قد دنا أوانه.
стр. 353
بعض الذكرى . . . .!
كان ذلك منذ عشرين سنة، وكنت فتى لا يملُّ الدُّؤوب والسعي، وكانت أول مرة أدخل فيها بيت ذلك الشيخ (١) الضئيل البدن المعروق اللحم، الذي ينظر إليك أبدًا كالمتعجب. وكان الذي سعى بي إليه حبٍّ قد ملأ قلبي له، وإجلال قد أخذ عليّ العهد أن أفي لهذا الشيخ ما حييت وفاءَ الذكرى ووفاء العلم ووفاء الاقتداءِ؛ وكنت يومئذ قد حضرت بعض دروسه في مسجد البرقوقي، وقرأت عليه شيئًا من كتاب أبي العباس المبرّد، وكان يعدُّني كبعض ولده لسابق معرفته بأبي -رحمهما الله-. وكنت يومئذ سقيم الجسم خفيف اللحم نحيل التجاليد ثائر الشَّعر، فإذا لقيته فربما كان يقول لي: "كأنك آيبٌ من سفر بعيد أيها الفتى". فكنت أفهم عنه، فإذا انقلبت إلى الدار عدوت إلى المرآة لأرى ماذا حمل الشيخ على مقالته التي لم يزل يقولها لي ويدي على يده أو في يده، فما أرى سوى وجه شاحب ضامر، وعينين غائرتين كأنهما تنظران إلى شيء بعيد في جوف وادٍ سحيق عميق. فأقول لنفسي: هذا جُهْد التحصيل وكدُّ النفس في قراءة هذه الأسفار القديمة التي تباعدت معانيها وتقادمت عهودها.
طرقتُ بابه في ذلك اليوم على غير ميعاد، ففتح لي صغير من حَفَدته وقادني إلى غرفة الشيخ، فإذا هو جالس على حشيّة على بساط كالح من تقادم الأيام، وعلى يمينه خزانة كتب مطوية في جوف الجدار، وأمامه صينيّة صفراء من نحاس فيها أداة القهوة، وعلى يساره كتب مركومةٌ، وفي يمناه قلم يكتب. فلما سمع حسّي رفع إليّ بصره وسكن، وظل كذلك ساعة وأنا بين يديه يأخذني ما قرُب وما بَعُد من هيبته، وجعل ينظر إليَّ فأطال النظر؛ ثم لم يلبث أن قال بصوت خافت ما كنت لأتبينه لولا أني عرفت الذي يقول وكنت أحفظه، وهي هذه
стр. 354
الأبيات من شعر بعض الأعراب:
رأتْ نِضْوَ أسْفَارٍ، أُميمةُ، شاحبًا ... على نضو أسفارٍ، فجُنَّ جنونُها (١)
فقالت: "مِنَ أيِّ الناس أنت؟ ومن تَكُنْ ... فإنك راعي صِرْمةٍ لا يَزيُنها (٢)! "
فقلت لها: "ليس الشُّحوبُ على الفتى ... بعارٍ، ولا خيرُ الرجال سمينُها
عليك براعي ثَلَّة مُسْلَحِبَّةٍ ... يَرُوحُ عليه مَخْضُها وحَقِينُها (٣)
سمينِ الضواحي، لم تُؤَرِّقه ليلةً ... -وأنعمَ- أبكارُ الهموم وعُونُها (٤) "
وكان الشيخ حسنَ التقسيم للشعر حين يقرؤه، فيقف حيث ينبغي الوقوف، ويمضي حيث تتصل المعاني، فإذا سمعت الشعرَ وهو يقرؤه فهمته على ما فيه من غريب أو غموض أو تقديم أو تأخير أو اعتراض، فكأنه يمثله لك تمثيلا لا تحتاج
стр. 355
بعده إلى شرح أو توقيف، وكان في صوت الشيخ معنى عجيب من الثقة والاقتدار، وفي نبراته حين ينشد الشعْر معنى الفهم للذي يتلوه عليك، فلا تكاد تخطئ المعاني التي ينطوي عليها، لأنها عندئذ ممثلة لك في صوته. والصوت الإنسانيّ هو وحده القادر على الإبانة عن المعاني الخفية المستكنَّة في طوايا النفوس أو في أحاديث النفوس.
وربَّ رجل أو امرأة تسمع كلامه أو كلامها وأنت لا تعرف عن أحدهما شيئًا، فيخيّل إليك وأنت تسمع أنك قد نفذت على نبرات هذا الصوت إلى أعمق الأعماق المدفونة في هذه النفس الإنسانية التي تحادثك، وهذا شيءٌ لا يكون إلا في ذوى النفوس الصادقة الصافية البريئة من حشو الحياة وسفْسافها، وهذه النفوس وحدها هي القادرة على أن تجعل الصوت بمجرَّده لغةً مبينة عن أغمض المعاني التي تعجزُ لغات البشر عن حملها وأدائها.
وأنت محتاج حين تسمع "لغة الصوت" أن تكون يقظ النفس حيَّ الإحساس، نفَّاذًا إلى المعاني المتلفِّعَة بالغموض، حسن التيقظ للنبرات التي تدل على ضمير اللفظ، سريع الخاطر في إدراك هذا الموج المتلاحق من الحركات المختلفة. فإذا كان الذي تسمعه كلامًا يُتلى أو يُنشد كالشعر مثلا، وكان الذي ينشده قد عاش ساعة في معانيه حتى تلبَّس بها ونطق لسانه معبرًا عن لسانها وعن لسان قائلها الأول، كان عليك أن تكون لينا طيّعًا سريع التبدُّل جرئ النفس في غمرات العواطف، حتى يتاح لك أن تعيش أنت نفسك في هذه المعاني ساعة تتلى عليك وعندئذ تغشاك غمرة لذيذة تدبُّ في غضون نفسك، فتحسُّ كأنك تُبعث بعثًا جديدًا في حياة جديدة حافلة بالصُّور التي قلما يدركها العقل إلا مُشوَّهة مشيَّأةً (١) متخالفة التركيب، فلا يزال يجهدُ في تلفيق أجزائها حتى لا يبقى من أصولها الحيَّة الصريحة الصادقة شيء البتة. فإن استطعت يومًا أن تجد في نفسك أنك مستطيع أن تكون على هذه الصفة، فقد فهمت الشعر ونفذت إلى أغواره، وإن عجزت عن بيان ما فيه.
стр. 356
وفي الناس ناسٌ، وقليلٌ ما هم، قد أجادوا "لغة الصوت" إجادة بارعة، وإن كانوا في أكثر الأحيان لا يدركون أنهم يحسنون منها شيئًا، وذلك لطول ما انطوَوْا على أنفسهم حتى غمروها في بحر النسيان. وربما سمعتَ أحدهم وهو يتكلم، فما يكاد ينطق حرفًا أو حرفين حتى تحسَّ كأن كل معاني نفسه تنسرب في نفسك واضحة بيَّنَة، وأنك قد عرفت منه ما يكاد يخفيه عن الناس جميعًا؛ لأنه متكبر أو قانط أو هيَّاب جزوع، وهذا الضرب من الناس هم أشد خلق الله حرصًا على إخفاء آلامهم، وأبعدهم رغبة في الاستمتاع بالعذاب الذي يقاسونه، لأنهم يظنون أنهم بذلك قد حازوا النصر على آلامهم، وعلى الناس أيضًا؛ إذ استطاعوا أن يواروا عنه خبءَ ما في نفوسهم الحزينة المعذبة.
* * *
لما سمعت الشيخ ﵀ ينشد تلك الأبيات، تمثَّلت لعيني تلك المأساة الخالدة بين الرجل الصادق والمرأة التي أحبَّها، وكانت تطمع أن يكون لها كما خيّلَت لها أوهامها، وأن يأتيها بتحقيق أحلامها -أي أحلام حواء منذ كانت حواءُ على اختلاف العصور وتباين الحضارات. فهذا أعرابيٌّ محب لصاحبته "أميمة" التي ذكرها في شعره، فدارت به الأيام في فيافي الحياة ملتمسًا ما يحقق به أماني هذه المرأة المحبوبة، ثم عاد إليها وقد أذابت البيد منه ما أذابت بظمئها وشمسها وجوعها ومخاوفها. فلما رأته شاحِبًا مهزولا رثًّا أسوأ حالا مما عهدته، أنكرته وقد أثبتته معرفة. فجنَّ جنونها لأنها محبةٌ قد أخطأت في الرجل الذي تحسب كل ما كانت تؤمله، وخانها ما كانت تتمثله في أحلامها من صحة وشباب وأناقة وجمال. وما أسرع ما تتنكر المرأة إذا خاب ظنها وتبددت أحلامها، وفاجأتها الحقيقة العارية كالشيء الذي يخالف ما كانت تتوهم!
كانت المفاجأة صارخة في نفس أميمة، فلم تلبث أن غلبتها تلك الطبيعة المتقلبة الغدَّارة التي طال عهد المرأة بها، فأظهرت كأنها لا تعرفه ولم تلقَه ساعة عن دهر. وجرى على لسانها ذلك الحديث الذي يرويه لنا المحبّ، فقالت: مِن
стр. 357
أيِّ الناس أنت؟ ولم تقف عند هذا فأبدت الفزع منه لئلا يخونها ما في حنايا ضلوعها فيظهر على لسانها فعادت تقول: ومن تكنْ؟ ولكن أنَّى للمرأة الضعيفة التي زلزلت المفاجأةُ بنيانها أن تكتم حقيقة نفسها؟ لقد كانت منذ هنيهة تسأله سؤال الجاهل من هو ومن يكون، فإذا بها تنهار من شدة ما تعاني من اهتزاز كيانها، فتقول له مقالة الناقد الساخر، محاولة أن تبدى عن احتقارها وازدرائها لما ترى، فزوَتْ عنه وجهها وهي تقول: لو كنت رَاعِيَ إبل لكنت خليقًا أن تنكر النفوسُ والأَعْيُن ما ترى من حقارتك وبذاذتك (١)، فكيف ترجو أيها المحب المغرور أن تكون حسنًا في عين من تحبُّ، وأن تكون زينًا لامرأة أحبتك؟ وهكذا المرأة -إلا من عصم الله. . .
فهم الشاعر المحبُّ مرمى كلامها فأنف لنفسه، فانطلق يسخر منها بعد أن تكشَّف له ضمير المرأة الغادرة. فقال لها: ليس الشحوب على الفتى بعارٍ، ولا خير الرجال سمينها، وإذا كان شحوبي قد ساءك وآذاك حتى أنكرت مني ما تعرفين، فنعم ولك العُتْبى عليَّ. عليك بمن يزينك. اطلبي لنفسك راعي غنم قد اطمأنت به وبها الحياة، فعاش خافضًا وادعا لا همَّ له إلا بطنه، حتى امتلأ وتضلّع وغدا سمينًا بضًّا جميلا كأحسن ما تأملين، فأنتن أيتها النسوة إنما تحببن من الرجال الزينة وحدها، كأنكنَّ إنما تتخذن الرجال حليًا لا أصحابًا ولا أزواجًا. وهكذا المرأة، هي لضعفها يؤثر لحياتها كل ظاهر يدلُّ على القوة فهي تؤثر البدن القوي على البدن الضعيف، وتؤثر اليسر على الخصاصة، وتؤثر القناعة على الطموح، وإن كان قلبها يؤثر بالحب ذلك الضعيف الفقير الطمَّاح الذي أضرَّ به الكدح، ولكن قلب المرأة هو آخِر ما تهتم له إذا جاءها بمن لا ترضاه لحياتها؛ فالمرأة مفتونة بكل ما يدل على القوة الظاهرة، ولا تكاد تبالي شيئًا بالقوة المستكنَّة كالعلم والعقل والجهاد والصبر؛ لأنها تريد أن تحيا حياة مطمئنة محفوفة بما يحسدها عليه النساء سواها لا أن تحيا مجاهدة في عذاب حبيب مجاهد.
стр. 358
ومنذ سمعتُ الشيخ ينشد تلك الأبيات، وقفتُ على كلمة في هذا الشعر لا أزال أعجب لها وهي: "أبكارُ الهموم وعُونُها" "أبكار الهموم"! يا لها من كلمة عبقرية! إن مزيَّة هؤلاء الأعراب البُدَاة على سائر من نطق بالعربية هي هذه الجرأة العجيبة التي تنقضُّ على اللغة فتنفضُها نفضًا وتختار من ألفاظها كلمة تضعها حيث تشاء، فلا تراها تقلق في مكانها أو تضطرب، وهم بذلك يختصرون المعاني كلها في كلمة واحدة يخبأون فيها أحلامهم وخيالهم وأحاسيسهم وأسرار قلوبهم، كما خبأ هذا الأعرابي كل ما كان في نفسه في "أبكار"، ودلَّ بها على المعاني التي كانت تضطرم في قلبه حتى أضنته ومسحت وجهه بالشحوب، وعرقت لحمه بالهزال، وصيَّرته إنسانًا مُنكرًا في عين من يُحب.
فهذا الأعرابي الجرئ، والمحب المزدَرَى، والساخر المستخفُّ عندئذ بالناس وبالنساء وبالحياة، قد أراد أن يُعْلِم "أميمته" الباغية أنها إذا كانت تؤثر عليه أمرًا غضًّا ناضرًا ناعمًا لم تؤرِّقه هموم النفس ولم يُضرَّ به الكدح في بوادي الأحلام والآلام والآمال، فإنه غنيٌّ عنها، وعن سائر نساء العالمين -وأن أمثالها لسنَ له بهمٍّ، وأن له من حاجات نفسه وهمومها "أبكارًا" كأبكار النساء و"عونا" كعونها، فهو راض بها وبما يلقى في سبيلها من أرقٍ وسُهادٍ. وأراد أن يُعلمها أنه لا يأسى على ما فاته من بِكْرٍ ولا عوانٍ، فإن للنفس الشاعرة همومًا "أبكارًا" لم تمسسها يدٌ ولا فكرٌ ولا حُلُم، تجد النفس المحبة فيها ما يجد المحبّ في العذراء الحييَّة العصيَّة من فتنة وجمال ونضرة وشباب، ولا يزال يداورها ويحاورها ويشقى بالسعي في طِلابها شقاء لذيذًا له في القلب نشوة أو سُعار، وهي "أبكار" لا تزال عذراء على وجه الدهر لا تغيّر منها الأيام شيئًا، ولا تُنيل الطالبَ المحبَّ إلا متاع الحبّ المجرد من شهوات الأبدان، بل هي تغتذى بالأبدان فتضنيها وتنهكها لتبقى هي أبدًا أبكارًا.
وللنفس أيضًا هموم "عُون" قد أصاب الناسُ منها ما أصابوا، ولكن بقيت منها للنفوس الشاعرة بقية فاتنة بما فيها من دلال وكبرياء وقدرة على الامتناع عند
стр. 359
الإمكان، ونُبْل في الخضوع والتسليم عند العجز، فهي تداور صاحبها وتحاوره حتى تشقيه شقاءً لذيذًا ثم تُنِيلُه ما يشاءُ حتى يرضى.
ولقد عجبتُ للشيخ يومئذ وهو يكرّر: "لم تؤرِّقه ليلة، -وأنعمَ- أبكارُ الهموم وعُونُها" فقد كان في صوته ما جعلني أنسَى أني لم أزلْ واقفًا أنصتُ لدبيب هذه الحياة في جو الغرفة، ثم خرجتُ من عنده ولا يزالُ صَدى صوته يردِّد في نفسي تلك الكلمات المصورِّة المبدعة: "أبكارُ الهموم وعُونُها".
стр. 360
نافقَاء اليَربُوع
لي صديق، أطال الله بقاءه، يعيش في الدنيا وهو خارج منها. هذا غاية نَعْته وصِفته: "يعيش في الدنيا" وهو حريص عليها، لا حرصَ البخيل الذي يجمع المال، ولا حرصَ المستمتع المستهتر باللذات، ولا حرص الطامح الطامع في الخلود، كلا هو حرصٌ على حِدتِه وعلى حِياله لا يُشبهه في الناس إلا القليل. هو حِرصٌ على التعجُّب منها ومما فيها، وهو حرصٌ على النظر في الأشياءِ والحيرة في فهمها، واضحة كانت أو مبهمة، وهو حرْصٌ على استيعاب الحياة كما هي عند الناس من نُظرائه ومن غير نظرائه. ولا يخرجُ من كل هذا الحِرْص الشديد على الدنيا التي تحت عينيه إلا بطول التساؤل وبتنازُع الحيرة، وبالخوف مما كان ومما لم يكن. هذه واحدةٌ.
وعجيبٌ أنه أبدًا مولَعٌ بهذا الحرص وَلوعَ المحب بحبِّ جديد. وهو نفسه يعلم أنه حرص عقيم لا يجدي عليه شيئًا في معرفة الدنيا ولا في التثبُّت من شيء من أحوالها، ولكنه يزدادُ به على الأيام وَلُوعًا وكلفًا وغرامًا حتى يستهلك نفسه في السؤال والبحث والتقصّي عن أشياءَ لا تغني عنه شيئًا، ولا يغني عقله في إدراكها، ولا يغني قلبه في الإيمان بشيء منها. وهو يأبى أن يُلْقى عن كاهله هذا العبءَ الثقيل الفادح، وإن كان يثق كل الثقة بأنه شيء لا جدوَى من حَمْله، ولا من الصَّبر على بلواه. هذه ثانيةٌ.
وثالثة الأثافي، كما قال أسلافنا، أنه إنسان حيٌّ النفس قابلٌ للتلقِّي، فكل شيء من حوله يثير في نفسه الفضول، وينشُر عليه ذلك الحرصَ الشديد على المعرفة، مجديةً كانت أو غير مجديةٍ، لا يبالي، فإذا هو كالمغموم إذا اعترضه ما يعوقُه عن الاستقصاءِ. وأشدُّ من ذلك هولًا أنه لا يكادُ ينسى شيئًا مما ائتمنَته نفسه على استقصائه، إذا قطعه ذلك العارض البغيض إلى نفسه، فإذا عادَ إلى
стр. 361
ما لابدَّ له منه عاد أشدَّ رغبة في النفاذِ والاستقصاءِ والبحث. فهو بذلك مُعَانٌ على الحرصِ على الدنيا وما فيها بالذي انطوت عليه جوانحه، وبالذي فطرت عليه نفسه، فهو لا يرى خلاصًا، أو لا أرى أنا له خلاصًا، من هذه العادة المتمكنة، أو هذه الخصلة الكامنة في أعمق أعماق طبيعته.
فهو بهذا الذي وصفت: "يعيش في الدنيا"، ولكنه "خارج منها" بشيءٍ آخر، وإن كان متصلا بهذا كله أشد الاتصال. فهو لا يكادُ يعبأُ بنفسه شيئًا، بل هو لا يعرف أن له نفسًا موجودة، أو أصحُّ من ذلك أنه يشك كل الشك في وجود نفسه، فهو أبدًا مختلَسٌ من نفسه بالبحث عن نفوس الناس. وهذه مَثْلبة الفضول، فإنها تمنعُ المرءَ عن التأمل في نفسه، فإذا أراد أن يتأملها فكأنما يتأمل شيئًا غريبًا ليست بينه وبينها وشيجةٌ أو آصِرةٌ أو عاطفة. ومن أجل ذلك تراه يدور من حياته هو في مثل الحلقة المفرغة لا يدري من أين بدأ ولا أين انتهى، ولا يعرف أهذا هو الحق في فهم نفسه أم الحق سواه. ويذهب ويعود في البحث ولكنه لا ينتهي إلا إلى شيء واحد هو أنه لا يدري.
كنتُ على وشك أن أكتب شيئًا حين أسرع هذا الصديق إلى التلفون ليسألني هل قرأتَ جريدة "المصري"، وما جاء فيها من الذي سمّته "النص الحرفي لمشروع اتفاقية صدقي - بيفن، ولبروتوكول الجلاء والسودان": وذلك في عدد الأحد ١٠ نوفمبر سنة ١٩٤٦، وكنت قد فرغت لساعتي من قراءته ومن التعجب لما جاء فيه. وأنا لا أستطيع أن أطمئن إلى نصٍّ مخْتَلس لا أدري أحقٌّ هو أم باطل، ولكني قرأته فإذا لم يكن هو النص فكأنه هو، لأنه أشبه مُعْوَجٍّ بحقيقة العوَج. ولا أظن أن الإنجليز يبلغ بهم صدق الطبيعة أن يقولوا في السياسة شيئًا على وجهه وعلى استقامته. فلذلك خُيّل إليَّ أن في هذا النص طرفًا من الحقيقة الدالة على طبيعة الاعوجاج في ألسنة هؤلاء الساسة الإنجليز، ولست أعجل إلى مثل هذا النص المختلس فأقول في عبارته قولا، فإن العجلة في مثل هذا شيءٌ لا غناء فيه، كما لا غناءَ لك في إقناع الإنجليز بأن الحق الذي لك هو حقك، إذا كان الإنجليزي يرى أنه ليس حقًّا لك، وإن ظاهرتْك الدنيا كلها على حقك.
стр. 362
ونحن منذ كانت سنة ١٩١٩ أخذنا نجهل كيف يعامَلُ هؤلاء الناس، فإن ذلك الخَطَل الذي ضَرَب على آذاننا وأبصارنا وقلوبنا، والذي يسمونه "المفاوضة" قد جرَفنا في عُباب مُتلاطم من الحيرة والضلال، فما نكاد نبصر ولا نعي ولا نعقل شيئًا من حقيقة هذا الشعب الإنجليزي أو ساسته الذين يتصرفون في أمور الدنيا كأنهم وارثوها وأصحابها الذين تلقَّوا مقاليدها من يَدِ الله القدير العزيز. وكنت أظنُّ أن التجارب قد حنَّكت رجالنا فعرفوا مواعيد هؤلاء القوم، وأدركوا كيف تكون مواثيقهم منذ علا أمرهم في الأرض، وكيف كان تاريخ معاهداتهم منذ كان لهم شأن في هذه الدنيا يكتبون من أجله المعاهدات. بيد أن ذلك لم يكن، لأن رجالنا يستضعفون أنفسهم، ويظنون أن هذا الشعب لا يمكن أن يظفر بحقه إلا بمداورة الإنجليز والترفق في معاملتهم، حتى ينالوا من أيديهم ما تيسَّر! وهذا عجبٌ! بل هو غفلةٌ، بل هو كدْح أحمقُ في سبيل لا شيء. فقل لي بربك كيف يستطيع إنجليزي أن ينزل لنا عن شيء هو يريدُ أن يؤمن بأنه حقٌّ له، وإن كان حقًّا موروثًا متحدّرًا مع أصل البشرية كلها، وهو الاستقلال والحرية! . . . .
خلق الله في دوابّ الأرض دابة يسميها العرب اليَرْبُوع تكثر في بلادهم، وهي نوعٌ من الفأر قصير اليدين جدًّا، وله ذنب كذنب الجُرَذ يرفعه صُعُدًا، وفي طرفه شبه النّوَارة ولهذا اليربوع أسلوب فردٌ في حياطة نفسه وأموره، حتى إنه يتخذ لعشيرته رئيسًا يقف حارسًا على جِحرَة اليرابيع يحميها، فإذا قَصَّر في الحراسة، وهجم على اليرابيع من جراء غفلته وإهماله هاجمٌ أفزعها أو أضرَّ بها، انقلبت على ذلك الرئيس فقتلتْه وأقامت غيره مقامه. ويتخذ كل يربوع منها جِحرَةً يلوذ بها، ويجعلها سبعةً لها سبعة أبواب. فيبدأ أول ما يبدأ بالجحر الذي يسمونه "الرَّاهطَاء" فيغطيه بالتراب حتى لا يبقى منه إلا على قدْر ما يدخل الضوء منه إلى جحره هذا، ثم يحتفر جحرًا يسمونه "الحَاثِيَاء" يحثو عنده التراب برجليه ليخفي مدخله ثم يحتفر آخر يسمُّونه "الدَّامَّاءُ" لأنه يُدَمِّمه بتراب نَبيثَته (١) حتى لا يَنْفذَ
стр. 363
منه عدُوّ، ثم ينشيء جحرًا آخر يقالُ له "العانقاءُ" يملؤه ترابًا، فإذا فجأه ما يخاف اندَسَّ فيه إلى عنقه. ثم يَحْفر "القاصِعاء" وهو جحرٌ يسدُّه سدًّا محكمًا لئلا يدخل عليه منه حيّة أو دابة. ثم يحفر "النافقاءَ" ويجعل على فَمه غشاءً رقيقًا، فإذا أُخِذ عليه بقاصعائِه عدَا إلى هذه النافقاء فضربها برأسه ونفق منها ومرق خارجًا. ثم يجعل سابع سبعةٍ جحرًا يقال له "اللُّغز" يجعله بين القاصعاءِ والنافقاءِ، يحفره مستقيما إلى أسفل، ثم يعدلُ به عن يمينه وشماله عُرُوضًا تعترض، يُغَمِّيه ليخفي مكانه بذلك الإلغاز، فإذا طلَبه طالب بعصًا أو سواها نَفَق من الجانب الآخر.
أفرأيت إلى كل هذه الحيطة وكل هذا التدبير! فإن تعجبْ فإنك واجد في الخُلُق الإنجليزي أكثر من هذا مداورةً وتَفَلُّتا وإلغازًا ومراوغه. والإنجليز أنفسهم يعلمون أنهم كذلك وأنهم يخفون في سرائرهم ما لو اطَّلعْت عليه لاستصغرت من احتيال هذه الدابة ما استكبرت. ومن أراد أن يدخل على الإنجليز جحرَتهم وقع في مَتاهة لا يدري معها من أين ولا إلى أين. فمن العجيب الذي لا ينقضي عجبه أن يظن رجالٌ من رجالنا أن في طوقهم أن يراوغوا الإنجليز فيستولوا على جحراتهم المحتقرة في طبائعهم وأخلاقهم وعقولهم.
إن معنى المفاوضة والمعاهدة بيننا وبينهم هي أن يسعى الإنجليز جهدهم حتى تطمئن إليهم، فإذا فعلت أخذوا بيدك وقادوك إلى مثل جحرة اليربوع، فيدخلون بك من واحدٍ إلى ثان إلى ثالث، حتى إذا خُيل إليك أنك قد تمكنت منهم "نفقوا" من نافقائهم بأسهل مما كنت تتصوَّر. وهكذا شهدنا وعرفنا وخبرنا منذ احتلّوا بلادنا في سنة ١٨٨٢، فوعدوا الدنيا كلها -لا نحن وحَسْب- بالجلاء الناجز، ولكنه ظلَّ وعدًا إلى هذا اليوم.
وجاءونا اليوم يعدوننا أيضًا أن يَجْلوا عنا بعد عام أو عامين أو ثلاثة -أيُّ ذلك كان. فمن الذي يصدق هذه اليرابيع! ومن شفيعهم وضمينهم في كل هذا؟ أهو الخطُّ المكتوب، أم اللفظ المنطوق، أم سوابق العهود المؤكدة والمواثيق الغليظة! ! إنها لغفلةٌ أن يرى امرؤ نفسه أقدرَ على خديعة هذه اليرابيع من قدرتها هي على خديعته. وليس يعلم شيئًا من ظن أن الإنجليز ينفضون أيديهم من شيء
стр. 364
هو كائن في أيديهم. الإنجليز يرابيعُ بالطبع والممارسة، حتى إن "النفَاق" الذي علمته في أخلاق اليرابيع، قد صار أيضًا خُلُقا من أخلاقهم يشهدون هُم به على أنفسهم، ويشهدُ عليهم به تاريخهم منذ كان لهم التاريخ. وهذا النفاق المطبوع هو الذي جعلهم أقدر شعوب الأرض في كل شئون السياسة. وما مواعيدهم، ولا معسول ألفاظهم، ولا روعة دعوتهم إلى الحرية، ولا كمال إخلاصهم في تحرير الجنس البشري من غوائل النازية، ولا صبْرهم على المكاره في سبيل المثل الأعلى للإنسانية -كل ذلك ليس ببعيد عنا في زمن الحرب الماضية. لقد نطقوا بكل شيء، ولكنهم لم يحققوا شيئا مما نطقوا، فكيف نرضى لأنفسنا أن نؤمن بأنهم فاعلون معنا شيئًا لم يردهم خجل ولا حياء عن نكث مثله وإخلافه، بل أكبر من ذلك أنهم فعلوا نقيضه ودافعوا عن فعله بمثل القوة والبلاغة التي كانوا يزيّنون بها لأمم الأرض أن تُعينهم في أيام محنتهم وبلواهم!
ومن عجائب الإنجليز أنهم يعلمون علمًا ليس بالظن أنهم معتدون متغطرسون ظالمون، يأكلون الحقوق أكلا لا يرعون فيه حرمة ولا ذمة. ومع ذلك فهم من طول ممارستهم للنفاق قد انتهوا إلى أن أقنعوا أنفسهم بأن هذا الاعتداءَ وهذه الغطرسة وهذا الظلم ليس له وجود حقيقيّ، بل العكس هو الصحيح، وهو أنهم وحدهم دون سائر العالمين أهل العدل والنَّصَفة والتواضع، وأنهم هم الذين جاءوا إلى الدنيا ليردوا الحقوق إلى أهلها، وأنهم هم القُوَّام على هذه الرسالة السامية. ولذلك ترى كلام رجالاتهم كلامًا نَيرًا مضيئًا فاتنًا ساحرًا إذا عرضوا لمعنى الحرية وما أطافَ بها، ويُخيل إليك أن إيمانهم بهذه المثل العليا إيمان لا يعتوره نقصٌ. وهذا حق، ولكنهم إذا جاءوا إلى تنفيذ ما يقولون رأيتهم أهل بغْى وعُدْوان فيما ترى ويرى الناس، ولكنهم هم يصرّون على أن هذا هو الحق الذي لا محيصَ لك ولا للناس عن الأخذ به، تقول: وإن كان بغيًا وعدوانًا، فأقول: وإن كان بغيًا وعدوانًا!
والإنجليزي يرى أن هذه الأمانة التي حُمِّلها هي الأمانة، وأنه مؤدِّيها على وجهها، فإن أنت خالفته وزعمتَ له أنه يجورُ عليك جورًا عبقريًّا قال لك: إنك
стр. 365
شديد المُماكَسَة (١) مولَعٌ بالجدال، ويحاول أن يبسُط لك الأمر بسطًا حتى تقتنع بأنه غير ظالم، بل هو العادل الذي لا يعرف العدل أحدٌ سواه. ومن شاء أن يناقض هذا الذي أقوله فلينظر إلى حُجَّة هذا الشعب في موقفهم أو احتلالهم للهند. وفي احتلالهم لمصر من أجل الهند. فالهند مستعبدة ظُلمًا وجورًا، وهم يريدون أن يحللوا بقاءهم في مصر، لأن فيها قناة السويس، وهي التي تؤدي أو تسهل الطريق إلى بلاد الهند. فإذا خرجت القناة من أيديهم كان ذلك وبالا مستطيرًا على مصالحهم في الهند! فينبغي عندهم أن ترضى مصر بالأمر الواقع، وهو بقاؤهم حراسًا على القناة، لئلا تضيع مصالحهم في البلاد التي استعبدوها واستذلوها وأفقروا أهلها وأكلوا أموالها وأعروْا ذَرَاريها، وهتكوا الستور عن أحرار نسائها. يا له من منطق! وهل في طاقة أحدٍ أن لا يقتنع برأيهم في حفظ كيان هذه الإمبراطورية الضخمة! كلا بل ينبغي أن يُطيع العالم وأن يَسمع. فلو أن الإنجليز فرَّطوا لهوَى العلم البريطاني إلى الرغام في أرض الهند، ولبقيت الهند عارية لا تجدُ هذا الدفءَ الحلو اللذيذ، ولا هذا الظل الوارف الناعم الذي ينشره عليها علم بريطانيا!
فحدثني أيها الصديق ماذا تريد بعد ذلك أن أقول لك في هذه المعاهدة التي تريد إنجلترا أن توقعها مصر راغمة أو راضية! دَعْ عنك الحيرة، ودع عنك تقلب الرأي، واختر لي أنت رأيًا أصير إليه. وإلا فإني أقول لك كما قلت دائمًا: إن المعاهدة بيننا وبين بريطانيا، هي أن ندخل معها في جُحر اليربُوع حتى إذا استقرَّ بنا المقام قليلا "نفقتْ" كما يمرق اليربوع من نافقائه إذا سُدّت عليه المسالك!
стр. 366
ساعة فاصلة . . .!
إذا المرءُ لم يحْتَلْ وقد جَدّ جِدّه ... أضاع وقاسَى أمرَه وهو مُدْبِرُ
ولكن أخو الحزْمِ: الذي ليس نازلا ... به الخطْبُ إلا وهو للقصْدِ مبصرُ
فذاك قريع الدهر، ما عاش، حُوّلٌ ... إذا سُدَّ منه مَنْخِرٌ جاش مَنخرُ (١)
وأيُّ خطب! ! فنحن أمة قدِ عاشت أكثر من أربع وستين سنة تجاهد عدُوًّا لدودًا، واسع الحيلة، كثيرَ الأعوان، ينفثُ سمه حيث مشى، ويُخفي غوائله ليكون فتكه أخْفى وأنكى وأشدَّ. فاتخذ لنفسه من صميم هذا الشعب رجالا خدعهم عن عقولهم، وزيَّن لهم أن يعملوا في الدسيسة للأرض التي أنبتتْ عليهم شحومهم ولحومهم وحملتهم على ظهْرها هم وآباءَهم وأبناءهم وذَرَاريهم، وأظلَّتهم سماؤها بالظل الوارف الظليل، وسكَبَتْ في نفوسهم سرَّ الحياة، وسقاهم نيلها بدَرهِ الذي اشتدَّت عليه أبدانهم وأحوالهم، ومهّد لهم من المتاع ما أطغاهم، وكان خليقًا أن يملأ قلوبهم شكرًا، وألسنتهم حمدًا وثناءً. وزاد فأطلق في جنَبات هذا الوادي أسرابًا من صعاليك الأفاعي الأجنبية، أَخافت الوَادِع، ولدَّغت السليم، وذادَتْ عن سُهول هذا الوادي كل حيّ من أبنائه حتى ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبتْ وضاقت عليهم أنفسهم. ولم يزل ذلك دأبنا ودأب عدوِّنا حتى أتاح الله الحرب العالمية الأولى فاستعلن من ضغينته وبغضائه ما اكتتم، وأعلن الحماية على أرض مصر. فلما خرج ذلك العدوّ من لأوائها (٢) منصورًا مظفَّرًا، لم يبال الشعب المصري العزيز بسطوة ولا بأسٍ ولا قوةٍ من حديد
стр. 367
ونارٍ، فثار ثورته العجيبة في أوائل سنة ١٩١٩، وما كان يخيّل للعدو الباغي أن ذلك شيء ممكن، وبعد لأي ما تحقّقَ من أنه شعب حديدُ العزم لا تُرْهبه القوة الباطشة ولا العدوان الغشوم. فاحتال له حيلة أخرى يفرّق بها بين الرجل وأخيه، والأب وبنيه، والأم وفلذات أكبادها، فرمانا بالداهية الدَّهياءِ التي جعلت الناس يختلفون بينهم على غير شيء إلا الحُكم والسلطان، وتدسَّس إلى قلوب الرجال شيطانٌ مريدٌ هو: تلك الحزبية والعصبية للأشخاص، فكادت تنقض بناءَ هذه الأمة حجرًا حجرًا.
ثم كان من رحمة الله أن جاءت الحرب العالمية الثانية، فخرج منها عدونا مرة أخرى منصورًا مظفرًّا، فلم يبالِ الشعب المصري وخرج يقول له: "اخرجْ من بلادي، ورُدَّ عليّ جنوب الوادي" وكادَ يكون ما كان في سنة ١٩١٩، ولكن العدو كان أسرع حيلة وأرشق حركة، فنَصَّبَ رجالا منَّا ليحملوا بلادهم على سبيل مضَلَّة. فكانت هذه المفاوضات الخبيثة التي ظلَّت تدور شهرًا بعد شهرٍ إلى غير نهاية إلى يومنا هذا، بيد أن الشعب نفسه ظل هادئًا متربصًا طوال هذه الشهور وهو عالم أن المفاوضة كلامٌ لا يغني فتيلا، وأن "الجلاءَ" حقٌّ لا ينازعه فيه أحد، وأن ضَمَّ السودان إلى أخته مصر حقٌّ لن يعوقه عنه بطشٌ ولا جبروت، وأن الحرية حقُّ البشر منذ يولدون إلى أن تُطمَّ عليهم القبورُ. ومضت الأيام والشعبُ يسمع لجَاج المفاوضة وهو غيرُ راضٍ، ولكنه استنكف أن يحولَ بين طائفة من أبنائه وبين ما يظنون فيه الخير لبلادهم، فتركهم يعملون ليعرفوا أخيرًا ما عرفه هو بفطرته النقيّة: أنْ لا خير في مفاوضة الغاصب القويّ حتى يردّ على المغصوب الضعيف ما سلَبَ منه، وأن الإباء هو خُلُق الأحرارِ، وأن العزْمَ هو المنقذ من ضلال السياسة، وأن اجتماع الكلمة على الجهاد في سبيل الحق هو الخلاصُ وهو سبيل الحرية.
وقد انتهت الآن هذه المفاوضات وجاءنا المشروع الذي يرادُ لنا أن نصدّق عليه ونقبله، فللأمة حقُّها اليوم أن تقول كلمتها، ولكل مصريّ أن يقول كلمته، وليس لهيئة المفاوضة ولا لرئيس الوزارة أن يفتاتَ على حق الشعبِ بشيء
стр. 368
لا يرتضيه الشعبُ، فإن هذه ساعة حاسمة في تاريخ الشعب المصريّ، بل ساعة حاسمة في حياة أبنائنا الذي يدبون على الأرضِ، وحياة النّسْل المصري الذي يسرِي في الأصلاب حتى يأتي قدرهُ وإنه لهوْلٌ أي هول أن ينفرد رجُلٌ أو فئة من رجالٍ بالتصرُّف في هذه الأنفس البشرية كأنهم أصحابها وخالقوها والنافخو الحياة في أبدانها. فالله الله أيها الرجال في مصاير بلادِكم وأبنائِكم وورثة المجد القديم الذي يطالبهم كما يطالبنا بأن نعيش أحرارًا في بلادنا، وبناةً لأمجادِنا، وحَفَظةً على تاريخ أجدادنا. وليأذن لنا أولئك الذين يظنون أنهم كما قال الشاعر:
وعلمتُ حتى ما أُسائل واحدًا ... عن عِلْمِ واحدة لكي أزدادها
وليأذن لنا أولئك الذين يظنون أنهم مالكو رقاب هذا الشعب بمالهم أو جاههم أو سلطانهم، وليأذن لنا أولئك الذين هانت عليهم أنفسهم فضاقوا ذرعًا بإباء هذا الشعب أن يكون ككلْب الرفقة يشركهم في فضلة الزَّادِ، فإذا ضجروا به قالوا له اخسأ أيها الكلب، وليأذن لنا المخلصون من الكُتاب الذين يظنون أن التساهل والتغاضىَ لا بأسَ به ما دُمنا لا نملك أسطولا ولا طائراتٍ ولا سلاحًا ولا قنابل ذرّية، وأنه لذلك لابد لنا من أن نحالف حليفًا قويًا ينصرنا إذ بُغى علينا، ويردّ عنا إذا زحف عدو إلينا -ليأذن لنا أولئك جميعًا أن نتكلم بلسان مصر المظلومة المهضومة؛ فإنها هي وحدها التي ينبغي أن تنطق وتقول، فإن قولها هو القول الفصل، لا قول العلماء الذين يرون أن لا علم إلا علمهم، ولا قول أصحاب المال والسلطان، ولا قول المتهاونين الذين يرضون من نيل الحق أيسر ما ينال.
إن هذه المعاهدة الجديدة التي تمخضت عنها المفاوضات الطويلة تقوم على أربعة آساس:
الأول: أن الجلاء سيتم بعد ثلاث سنين.
الثاني: أن تعد مصر بأن تقوم مع إنجلترا بالعمل الذي تتبيَّن ضرورته في حالة تهديد سلامة أي دولة من الدول المتاخمة.
الثالث: مجلس دفاعٍ مشترك يقرّر الرأي في الذي سموه "تهديد السلامة"
стр. 369
وجعلوا له حق تنظيم الأسباب التي تسهّل مهمة اشتراك الجيش المصري مع الجيش الإنجليزي في الحرب.
الرابع: أن تكون الأهداف الأساسية في مسألة السودان هي تحقيق رفاهية السودانيين وتنمية مصالحهم وإعدادهم "إعداد فعليًّا" للحكم الذاتي، وممارسة حق اختيار النظام المستقبل للسودان، وإلى أن يتم ذلك بعد التشاور مع السودانيين تظل اتفاقية سنة ١٨٩٩ سارية وكذلك المادة ١١ من معاهدة ١٩٣٦ - هذا محصَّل ما تقوله المعاهدة الجديدة.
ومصر تقول إنها لا تثق بالمواعيد الإنجليزية المتعلقة بالجلاء فقد بلتْ ذلك أكثر من ستين عامًا فلم تر إلا شرًّا، وإنها لا تريد أن تُقِرَّ ساعة واحدة للإنجليز بالبقاء الشرعي في بلادها فكيف ترضاه وتوقع عليه وتعترف بشرعيته ثلاث سنوات طوالا. ونقول إن تحديد السنوات خداع وبيل العواقب غير مأمون البقاء فإنها لا تدري ماذا عسى أن يكون غدًا أو بعد غدٍ، وإن الإنجليز قادرون إذا شاؤوا على الجلاء في أقل من ستة أشهر جلاء كاملا عن كل بقعة من بقاع هذا الوادي، فالإطالة مُرَادَةٌ لنفسها لأسباب جهلها من جهلها وعلمها من علمها. وقبيح بامرئ ذاق الذل من وعود الإنجليز ستين عامًا أن يجهل شيئًا عن مثل هذا الوعد المدخول المكتم بالأسرار.
أما الأساس الثاني: فإن مصر تقول إن بلاء البلاد المتاخمة لمصر هو كبلائها مِثلا بمثل. فالإنجليز هم الجاذب الداعي إلى أن يعتدى عليها معتدٍ طاغٍ يريد أن يضرب إنجلترا في مكامنها، كما كانوا سببًا في عدوان الألمان والإيطاليين على مصر في الحرب الأخيرة السالفة. فلماذا يريد الإنجليز أن يتخذونا أعوانًا وأنصارًا على إذلال جيراننا، وأن يجعلونا نعترف ضمنًا بأن لهم حق الدفاع عن هذه البلاد التي سلطوا عليها بَغْى استعمارهم؟ ولماذا تسفك مصر دماء أبنائها في سبيل المحافظة على هذه الإمبراطورية التي ملأت رحاب الأرض جورًا؟
ثم إن هذا العدوان إذا وقع، فهو النذير العريان بالحرب العالمية الثالثة، والمعتدى فيه معروف منذ اليوم للإنجليز ولغير الإنجليز. والأسباب الداعية إلى
стр. 370
انفجار هذا البارود راجع إلى أسباب أخرى غير الرغبة في التوسُّع. وهو جشع الاستعمار القائم اليوم في هذا الشرق الأوسط والشرق الأدنى والهند. يوم يقع هذا العُدوان فالدنيا كلها ستهبّ هَبة رجل واحد، ولا يدرى أحدٌ منذ اليوم كيف يكون الأمر غدًا وأين تكون مصلحته، فعلام تريدنا إنجلترا أن نتعجَّل، وأن ندخُلَ نحن في حروبها التي ضرَّمتْ نيرانها منذ كانت، وأن نفرض على أنفسنا منذ اليوم قيدًا لعل غدًا يأمرنا أن نعود إلى خلافه حتى لا نكون طعمة للمنصور إذا كانت إنجلترا هي الخاسرة؟ أليس يقول لنا ذلك المنصور يومئذ، لقد قاتلتموني وحاربتموني فأنا أستحلّ دياركم وبلادكم وأقداركم بحكم الفتح؟ فماذا تقول مصر يومئذ؟ ومن زعَمَ أن سياسة الدنيا سوف تجرى غدًا على النهج الذي جرت عليه حتى اليوم، فقد أنكر عقله وأنكر تلك القوى العاملة التي تؤثر في سياسات العالم. ثم لماذا تريد إنجلترا أن تكون قيمة على مستقبلنا ونحن شعبٌ حيٍّ حرٌّ يريد أن تكون بلاده ملكا له ليتوخى لها مراشدها التي ينبغي أن يتوخاها؟ وإذا كان الإنجليز يؤمنون بأن مصلحتنا غدًا ستكون في أن نكون معهم يدًا واحدة، فعلام الجزع إذن؟ أو يظنون أننا نخرج غاصبًا من بلادنا ثم ندعها نُهْبى تتعاورها أيدي لصوص الأمم فلا نؤازرهم فيما نرى أن لنا فيه منفعة وصلاحًا؟ اللهم إن الإنجليز يعلمون أننا على حق في هذا كله وأنهم هم المبطلون، وإنما يريدون بهذا النص أن يمكثوا في بلادنا سادة يستضعفوننا ويمنعوننا أن نفعل في بلادنا ما نريد، أي أن نظل أمة لا جيش لها، ولا مصانع فيها ولا قوة لها، وأن تظل "مجالا حيويًا" لها ولأشياعها وأفاعيها من نفايات الأمم وحثالات الشعوب، وأن يكون وجودهم بيننا معوانًا لهم على تفريق كلمتنا وتشتيت قلوبنا، وأن يظل المصري يحس بهذا الإحساس القبيح الذي يوهن القوى، وهو أنه غريب في بلاده.
أما الأساس الثالث: فهو باطل كله لأنه مبني على الثاني، ولأنه شيء لا مثيل له في تاريخ معاهدات الدنيا كلها، ولأن أخطاره على مصر أخطار موبقة، فإن كلمة القوي هي العليا؛ فإذا قلنا لإنجلترا إننا نرى كذا وكذا، وقال إنجليز هذا المجلس: كلا إن هذا ليس لنا برأي! فمن يكون الفَيصل بيننا يومئذ؟ أليست
стр. 371
هي قوة الإنجليز نفسها؟ وإذا كانت مصر تخرج اليوم من استعباد خمس وستين سنة، فهل تظن أن الرجال المصريين الذين سيضمهم هذا المجلس، سوف يكونون أو يختارون إلا ممن ترضى عنهم إنجلترا وتقول إنها تستطيع "العمل معهم"؟ هل يظن غير هذا عاقل؟ يا لهذه من سخرية بنا وبعقولنا وبعقول كل من يقرأ هذه السفسطة الإنجليزية! .
أما الأساس الرابع، فإن مصر لم تعترف قط باتفاقية سنة ١٨٩٩ ولن تعترف بها، وهذه المعاهدة تريدنا أن نعترف بها، وتريدنا أيضًا أن نرضى سَلفًا عن أبشع المبادئ التي لا عقل فيها. وهي بتر جنوب مصر عن شمالها. فالسودان ليس أمّة نحن مستعبدوها بل هي جزء من مصر من أقدم عصور التاريخ، وهي أهم لمصر من مصر نفسها بشهادة عقلاء الساسة من إنجليز وغيرهم. ولو فرضنا أن فئة أضلتها الأموال الإنجليزية والوعود البريطانية والأكاذيب الملفقة، قامت من السودان وقالت: إني أريد أن أكون أمة وحدي ودولة وحدي، فهل يُقبل هذا إلا إذا قبلت إنجلترا مثلا أن تقوم إسكتلندة -وبين الإسكتلنديين والإنجليز من الفروق ما لا يوجد مثله بين مصر والسودان- فتقول: سوف أكون أمة وحدي ودولة وحدي. أفترى إنجلترا تقول يومئذ نَعْمَ ونُعْمَةُ عَيْنٍ (١) وتخلى بينهم وبين ما يريدون، أم تخضعهم يومئذ بقوة السلاح وبالحديد والنار كعادتها في كل بقاع الدنيا؟ ونحن ولله الحمد ليس بيننا وبين السودان مثل هذا، بل السودان كله، إلا من طمس مالُ الإنجليز قلبَه، كلمة واحدة على أنه جنوب مصر لا أنه أمة وحده أو دولة وحده. إن مصر لا تستطيع أن تفرط في بتر السودان من جسمانها، فإن في ذلك هلاكها وهلاك السودان جميعًا. فليقلع عن هذا الرأي كل من غفل عن حقيقة الوطن المصري أو الوطن السوداني، فمعناهما سواء.
بقى شيء واحد هو أن إنجلترا قد خرجت من هذه الحرب في المرتبة الثالثة من دول العالم. فإذا جاءت الحرب الثالثة فإنجلترا خارجة منها لا محالة كما
стр. 372
خرجت فرنسا -أي إنها سوف تخرج ولا تملك غير الجزيرة البريطانية إن بقيت لها، فعلام نربط مصايرنا بمصير مُظْلمٍ يُفزّع أهله منذ وضعت الحرب الأخيرة أوزارها؟ وكان ينبغي أيضًا أن لا يغيب عن أذهان أولئك الأذكياء أن هذه الفرصة إذا أفلتت لن تعود، فإن إنجلترا اليوم لا تملك أن ترغمنا على شيءٍ، وإنها لتهددنا وتبدئ وتعيد في تهديدها، ولكننا إذا صبرنا وعزمنا وأبينا ميسمَ الذل الذي تريد أن تَسِمَنا به، فهي لن تملك إلا التسليم بلا قيد ولا شرط. فكان عليهم أن يكونوا أبصر بخير هذه الأمة المجاهدة المصرية، وأجرأ على تلك الأمة الإنجليزية، ولو فعلوا لرأوا عجبًا، فإننا إنما أُتينا من قبل الخوف والهيبة والعجز عن إمضاء العزيمة على وجهها ولكن لم يفت الأوان بعد، فاحملوا على أنفسكم أيها المفاوضون المصريون واملأوا قلوبكم إيمانًا بالله، وإخلاصًا للوطن، وأجمعوا رأيكم وارفعوا النير عن هذا الشعب بالإباء والأنفة والحميّة، ورفض المفاوضة والمعاهدة، فإن إنجلترا لن تملك يومئذ صرفًا ولا عدلا، فإن لم تفحلوا فالله من ورائكم محيط. واحذروا غضبة الشعوب فإن لغضباتها مواسم ككيّ النار هي ذل الدهر وسُبّة الأبد.
стр. 373
احذَرِي أَيتُها العَرَب
اليوم، لقدْ أحدّ الجزَّار شفرته وشمّر عن ساعديه، وأقبل على الذبيحة يريدُ أن ينحرَها نحرًا فذًّا، وهي راضية عنه داعية له، مستسلمة بين يديه، مقرّةٌ له بأن ذَبْحها هو نجَاتُها، وأن شفرته هي كما قال الراجزُ في دَلْوه:
"قاتِلَتي وملؤُها حياتي"! ! (١)
وبالأمس -في سنة ١٨٨٢ - وطئت إنجلترا أرضَ مصر لتدعم ما تزعزع من أركان عَرْشِها، كما زعمت وزعم لهَا من لا يتورَع ولا يتحرَّج، ومنذ ذلك اليومِ والسكّين ماض في تمزيق أشلاء ذلك البَدَن المخدَّر بالأكاذيب وبالغفلة وبالجهل وبالخيانة، والذي كان يُسَمَّى العالمَ العربي والعالم الإسلامي. وما مضى إلا قليلٌ حتى طارَتْ أشلاءُ هذا البدن بِدَدًا متفرقة مفَصَّلَةً، ذهبتْ مصر وحدها، وذهب الشامُ وَحْدَه، وذهب العراق وحده، وذهبت مراكش وحدها، وذهبت طرابُلس وحدها، وذهبت تركيا وحدها، وقطعت عُنُق الخلافةِ، وقضى الأمرُ.
واليوم يوشِكُ أن يكون ما كان بالأمسِ ولكن على أسلوب آخر: أن تُحْشَد هذه المِزَقُ المقطعة حَشْدًا جديدًا لتساق إلى يوم الحشر، لتساق مَخدَّرة بالأكاذيب وبالغفلة وبالجهل وبالخيانة مَرَّةً أخرى إلى الهُوّةِ المضطرمة التي لا تُبقى على حيٍّ، إلى الحرب الثالثة.
* * *
هذه إنجلترا تريدُ مرّة أُخرَى أن تعود بحِيَلها ورجالها وأعوانها وصنائعها، وبمداوراتها وسياساتها، لتضرب الضربة الأولى كما ضربتْها في سنة ١٨٨٢، وتخضع أعناق المصريين شاهدَهم وغائبَهم لأحكام معاهدةٍ عجيبة ظاهرها فيه
стр. 374
الرحمة (أي الدفاع عن مصر والشرق) وباطنُها من قِبَله العذَاب أي نكال الحرب الثالثة. ولن تفرغ منها -إذا قدّرَ الله أن تفرغَ، ولا قَدَّر- حتى تحملها لتدور بها على أمم العرب واحدة بعد واحدةٍ، لتنال منها صَكًّا مكتوبًا، بالأسلوب الإنجليزي ولا ريب، يجعلها جميعًا في قبضة الأسد البريطاني ليوم الحَشرِ، فعندئذ تسوقهم جميعًا كعادتها إلى المجزرة الكبرى مُقدَّمين في الصفّ الأول ليكونوا قُرْبانًا لجبّار الحروبِ، ووقاءً للدَّم الإنجليزي أن يُهْرَاق منه في حروب الإمبراطورية البريطانية إلّا ما لابُدَّ منه تَحِلَّة القسم (١) وردَّ العين الحاسدة، كما حدث في الحرب الأولى والحرب الثانية، حيث لم يُسفَك من الدم الإنجليزي إلا الأقل، وحملَت العبءَ كله تلك الأنعام البشرية التي جُمِعت من الأسْود والأبيض، من بقاع إفريقية وأرجاءِ الهند ومن نَواحِي هذه الإمبراطورية التي تقبّل الشمسُ مواطئ أقدامها حيثما دارت في مَدَارها.
فاحذري أيتها العرب. . . احذري.
إن السياسة البريطانية هي السياسة البريطانية، أي هي الجشَعُ المحتالُ المخادعُ الذي يستَلُّ منك أعزَّ ما تحرصُ عَلَيه بالشدِّ والإرخاء والترغيب والترهيب والظهور والاختفاء، حتى تنهارَ النفوسُ وتسكُنَ من جَهْدٍ أو إعياء. انظري ماذا فعلتْ، أو ماذا كانت تريد أن تفعلَ بمصر. شهرٌ بعد شَهْرٍ بعد شَهْرٍ والدُّنيا كلُّها من حولنا تعج عجيجًا بالمفاوضة والمعاهدة وبالأخذ والردّ، وبالموافقة والمعارضة، وباللين والشدة، وبالسكينة والصخب، حتى دارت الرؤوس على أعناقها، وتحيَّرت العيون في حَمَاليقها، وتشتَّت منارُ الهُدَى وخيفَ على صاحب الرأْي أن يزول عن رأْيه، ومازالت إنجلترا تمدُّ للطامعين مدًّا وهُمْ يسعَون وراءَ ألفاظها الخلَّابة حتى أعيتْهم، وكادت لهم كيدًا شديدًا حتى أطغَتْهم فطغوا، وأرادوا أن يضربوا على عقول هذه الأمة وألسنِتها بالقهر والعنف والاستبداد حتى تدَعَ العقلَ واللسانَ، وتقبلَ منهم ما أرادوا هم أن يفرضوه علينا فرضًا.
стр. 375
ولكن يأبى الله أن يكونَ لهذا الكيد كله قرارٌ، فهذه الفئة التي ظنَّت أنها سوف تخدعُ إنجلترا عن نياتها الملفَّقة في الألفاظ الكاذبة، قد جاءَها البرهان الساطِعُ القاطِعُ، بأن هذه الدولة "المفاوضة" تضع الألفاظَ على قدرِ ما تريدُ، لا على قدر ما يريدُ مفاوضُها أن يفهم فإذا خيَّلتْ له نفسُه أنه فاهمٌ من النصٍّ ليقول لها ويبين عن فحوى ألفاظها أرسلت عليه شيئًا يردّه إلى صوابه. فبالأمس كان المفاوض المصريّ يزعم لمصر أنه جاءها "بوحدة وادي النيل"، وأن النصّ المتعلق بالسودانِ كان خيرًا كلّه، وأنّ وأنّ. . . فما أصبح الصباحُ حتى طلع عليه شيءٌ من أشياء بريطانيا يقول له: جاوزتَ حَدَّكَ فاستبقِ، وإن بريطانيا لا ترضى هذا التفسير المصنوع من جانب واحد، وأن السودان وديعة في اليد البريطانية، والودائع مستردَّة، والخيانة فيها تفريطٌ لا يليق بالشرف البريطاني! فنحنُ في السودان أمناءُ عليه، ولن ندعَه لمصر العادية الباغية تفعل فيه ما تشاءُ كأنه جزءٌ مِنها! ! بل لابُدّ لنا من أن نبقى هناك حرَّاسًا حتى يبلغ السودان رشده بعد السنين التي يقتضيها بلوغه الرُّشْد! وعندئذ يكون للسودان أن يختار بعد أن يكون قد تهيأ لحكم نفسه بنفسه.
هذه هي السياسة الصريحة المتكشفة، وهذه هي بريطانيا على حقيقتها، وهذه هي ألفاظها المكتوبة مفسرة في تصريح حاكم السودان. فليت شِعْري ما الذي يظنُّه امرؤ في نَفْسه ذَرةٌ من الإيمان بحقّ الإنسان في الحرّية، ما الذي يظنه كائنًا بعد ذلك في تفسير نصوص المعاهدة التي يُرادُ لنا أن نرتبط بها مع هذه الإمبراطورية؟ ومهما تكنْ نصوصُ المعاهدة، ومهما يُقَلْ في تسويغها أو تقريظها، وسواءٌ أكانتْ هذه المعاهدة المعروضة اليوم أم غيرُها، فهل يحِلُّ لمصريٍّ أوعربيٍّ أن يأْمَنَ على بلادهِ بعد هذه الخَديعة التي لا تعرفُ وَرَعًا ولا حياءً؟ !
وليس هذا فحسب، لقد قال حاكم السودان ما شاء، فماذا كان جواب الحكومة المصرية على هذا التصريح العجيب!
كان الجواب أن ينشر رئيس الوزراء كلمة يحتج فيها على تصرف حاكم
стр. 376
السودان، وأنه قد تجاوز حدود وظيفته من حيث هو حاكم إداري، ومن حيث هو موظف مصري بريطاني معًا! أيكون حقًّا حاكم السودان هو المسئول عن تصريحه، وهو ينسبُ ما يقول إلى الحكومة البريطانية بلسانه! هذا، ومن الغفلة أن يظن ظانّ أن رجلا إنجليزيًا يدير شيئًا من أمور هذه الإمبراطورية يجرؤ أن يتكلم من ذات نفسه بالنيابة عن حكومته ويوقعها في ورطة سياسية كهذه الورطة. إذن أفما كان أولى وأجمل وأكرم وأنبل وأشجع أن يوجه الاحتجاج رأسًا إلى الذي أنطق هذا الرجل بما نطق به وأن يقال لهذه الحكومة البريطانية "المفاوضة" إنك أنت الملومة لا هذا الرجل! ولكن هكذا كان.
فما الذي سيكون غدًا أيها الرجال المدافعون بأقلامكم وألسنتكم إذا جاءتكم لجنة الدفاع المشترك، وجاء البريطاني، ونطق لسانه بما لا تطيقه هذه الأمة ولا ترضى عنه؟ أتظنون أن موقف الرجال المصريين الذين سيختارون ليكونوا أعضاء في هذه اللجنة ممن تستطيع أن "تعمل معهم"، سوف يكون أكرم أو أولى أو أشجع من موقف رئيس الوزارة السابق حيال تصريح حاكم السودان؟ ستقولون كما قلتم: هذا مطعنٌ في الضمير الوطني المصري. . . وكلَّا! ليس هذا مطعنًا، فإن الرجال الذين سيختارون لهذه اللجنة سيكونون ممنِ "صُنِعوا على عين بريطانيا" منذ احتلت مصر في سنة ١٨٨٢ إلى هذا اليوم. ولأن يقال إن هذا الذي نقول مطعنٌ خير من أن تُلقى مصر كلها تحت أقدام بريطانيا وفي تنور حروبها، لتكون دماءُ أبنائها فداءً للدم البريطاني الطاهر المقدس.
* * *
أيتها العرب احذري. . . احذري هذا المصير الذي يرادُ لمصر لا قدر الله أن تصير إليه. ولئن كان هذا يومنا نحن، فغدًا يومكم ليُعرض عليكم مثل الذي عُرض علينا، لتكون لكم "لجنة دفاع مشترك" كلجنتنا نحن، فاحذري أيتها العرب، ولا تقرى بينك وبين بريطانيا معاهدة أبدًا، فإن بريطانيا تريد بجمعكم اليوم على مثل هذه المعاهدة، كالذي أرادته بكم جميعًا يوم وطئت أقدامها أرض مصر في سنة ١٨٨٢، تريد أن تمزقكم بعد أن تكونوا وقودًا لنيران الحرب الثالثة.
стр. 377
أيتها العرب احذري. . . فإذا كنت نازلة في ميدان الحرب الثالثة فانزليها حرة لتموتي حرة، ولكن لا تُلقى بفلذات الأكباد في أتون الحرب المسعورة، ليكونوا هناك عبيدًا ويموتوا عبيدًا، كما تريد المعاهدات الإنجليزية بنا وبأبنائنا وبناتنا وأوطاننا.
أيتها العرب احذري. . . لقد لبثتْ إنجلترا تدس لكم وعليكم وتنشِّئ فيكم أجيالا من الخلق صاروا لها صنائع وأعوانًا، أرادوا ذلك أو لم يريدوه، وعرفوه أو جهلوه، وعين إنجلترا بصيرة نفاذة فهي تختارهم وتمهد لهم، وتحمِلهم بسلطانها وبحيلتها وبتهديدها حتى ترفعهم إلى الذروة التي تجعلهم أهلا للمكانة في بلادهم، ثم لا تزال تعمل هنا وهناك بأنامل بصيرة قادرة متدسسة حتى يتم اختيارهم، فيتولوا هم زمام هذه الشعوب المسكينة، ثم تقول لهم كما قال الأول:
فعِثْ فيما يليك بغير قصدٍ ... فإني عائثٌ فيما يليني
وإذا هؤلاء المساكين الذي ارتفعوا إلى غير أقدارهم ومنازلهم يكيدون لأممهم من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، وإذا سياسة الأمم الناهضة في أيد لا تُحسن إلا العيث والفساد، ومصايرها على ألسنة لا تُحسن إلا التغرير والدهان والممالقة.
أيتها العرب احذري .. ودعى المفاوضة والمعاهدة بينك وبين بريطانيا حتى ترد إليك كل حقوقك كاملة غير منقوصة ولا متهضّمة، فإذا فعلتْ فانظري في مراشدك. أما إذا قال لك هؤلاء: وماذا تفعلين أيتها العرب إذا لم تفاوضي إنجلترا وتعاهديها؟ إذا ألقوا إليك هذا السؤال العاقل الحكيم الذي يفرض عليك أن تتركي نصيبًا من الحرية من أجل كواذب الآمال والوعود، فاعلمي أن هذا التعاقل "الشديد" فسادٌ في الطبائع التي تلقيه عليك:
يرى الجبناءُ أن العجزَ عقلٌ ... وتلك خديعةُ الطبع اللئيمِ
стр. 378
وأنتم أيها الكتاب العرب: هذه أمانة القلم تعرض اليوم عليكم. وهي أثقل الأمانات، فاحملوها بحقها أو دعوها بحقها، فإن الأيام أسرع مُضيًّا من البرق في حواشي الغمام. ومن حمل أمانته فعليه أن ينذر قومه قبل أن يأتي يوم لا تغنى فيه النُّذر، وقبل أن يأتي يوم لا يردّ فيه البكاءُ على فائت!
стр. 379
من اسْترعَى الذئب ظَلم
في سنة ١٩٢٧ عرفت رجلًا إنجليزيًا، فنشأت بيني وبينه مَوَدة، وكان رجلًا حريصًا على أن يعرف أشياء كثيرة على وجهها الصحيح، وكان صادق اللسان فيما يبدو لي منه. وإن كنت قَلِقَ الشك في صدق اللسان الإنجليزي! وكانَ لطيف المعشر طلق المحيَّا، فيه دُعابة رقيقة لا تبلُغُ العُنْفَ ولا يتجاوز بها حدَّها. وبقينا معًا سنة كاملةً؛ فكان كأكمل الناس أدبًا، وأَزْكَنهم (١) عقلًا وأبعدهم عن الملاحاةِ والمغاضبة وسوءِ العشرةِ. كان إذا تقصَّى مِنِّي أمرًا أخلصتُه القول، فقد ظننتُ أني جرَّبْتُه وعرفته ونفذت في طوايا ضميره. وكان هو يحدّثني فلا أشكُّ أبدًا أنه كسائر أهل جلدته، بل كان خَلْقًا غير الخلقِ فيهم، فهو يقول ويعني ما يقول، وليس كأمثالهم يَتَسَلَّل من إهابٍ ليدخلَ في إهابٍ. ولم أزل أطمئنّ إليه وإلى حديثه وإلى بثِّه ما في نفسي ونفس بلادي مِنْ شعورٍ، فكان لا يتردَّدُ في إعطاءِ الحق لمن له الحق، ولا يرضَى أن يكونَ ظالمًا ولا متعنتًا ولا مدافِعًا بالعصبية أو الكبرياءِ أو المماراةِ.
وفي سنة ١٩٢٨ جاءت امرأتُه من بلادها ودعاني مرَّاتٍ فما لبثتُ أن رأيتُ هذا الرقيق الوديع المنصِف ينقلبُ خشنًا جريئًا على الباطل جائرًا في الحكومة، مُتعنتًا فيما كان بالأمسِ يعطي النَّصفةَ فيه، وإذا هو شديد اللَّدَد تيَّاه الخصومِة، وإذا هو ينسلخُ من إهاب ليدخلَ في إهابٍ كفعل سائر قومه، فكانَ ذلكَ آخر عهدي به، وكان من عاقبته أني كرهتُ هذه الإنجليزية العجيبة التي يقال فيها ما قال الشاعر: "كالعُرِّ يكمُنُ حينًا ثم ينتشرُ" (٢). فإنّ مجئ امرأته أعداهُ كما يُعْدى الجَرَب، فثار ما كمن فيه منه ثم اسْتَشْرى، فإذا هو وافِدُ قومٍ هُم ما هُمْ.
стр. 380
وفي هذه السنة التي انتفض عليه فيها عُرُّ قومه، جلسنا يومًا نتحدّث فجرى الحديث إلى ذكر السودان، فقال لي إن قضية مصر في مسألة السودان ليست إلا دعْوَى لا خير فيها، فإن هذا النَّيل الذي تزعمون أنه يربط بين مصر والسودان رباطًا لا انفصام له لا ينفعكم في إقرار الحجة لدعواكم أن مصر والسودان أمَّة واحدة أو ينبغي أن تكون أمة واحدة. وقال: أرأيت إلى نهر الدَّانوب، كيف يجوزُ في العقول أن يَدعى مُدَّعٍ ممن يعيش على مدّه أنه يُوجِب توحيد الأمم التي عليه لتكون أمة واحدة؟ أو ليسَ إذا قام شعبٌ من شعوب الدانوب فادَّعى بمثل ما تدّعون، فإن الواقع كله يبطلُ حجَّته، والعقل يوجب أنْ يشكَّ المرءُ في صحة إدراك هذا الشعب؟ فهذه هذه، فليس ينفعُ قضيَّة مصر أن تدَّعى أن النيلَ بينكما هو الرباط الذي يوجب أن تصيرَ مصر والسودان أمة واحدةً. والعجبُ العجابُ عندي أنَّ حديث السودان كان قد جرى بيننا قبل أن يمسَّه عُرُّ قومه، فلم يقتصر يومئذ على أن يسكت؛ بل كان قد وافقني على ما ذكرتُ لهُ من حجة في قضية السودان، فإذا هو قد نسى كُلّ هذا بعد أن ارتدَّ إلى سِنْخه (١) وطبيعته. . . وهكذا الإنجليز.
ومضى الزَّمنُ، وإذا بنا نسمع إحدى الببَّغاوات (٢) التي سُلِبَت العقل وكُسِيَت الريش الجميل، تردّد هذا القول المدخول الفاسدَ من جميع نواحيه، ولو كان قائله إنجليزيًّا لهانَ الأمرُ، وهو هيّن على كل حالٍ، ولكنه مع أشَدّ الأسف سُوداني بالمولد والإهابِ، أما قلبُه فقد بيع بالمزادِ فوقع في قبضة الرَّجُل الذي رفعتْه إنجلترا بين عشية وضُحَاها من وهدة البؤس والحرمانِ، وكان فيهما رجلًا فاضلًا، إلى ذروة الغِنَى والجاه، فأصبح بعدهُما جانحًا إلى النقصان ساعة بعد ساعة.
زعمت الببّغاء أنّ ليس في الدنيا شيءٌ يقال له وحدة وادي النيل، كما أنه ليس في الدنيا شيءٌ يقال له وحدة نهر الدانوب، وأنّ الذي يُبْطِلُ هذه يُبْطِلُ تلك
стр. 381
في مقام الاحتجاج، ويخرجُ من هذا إلى أن السودان ينبغي أن يكون أمّة وَحْدَه، وأن مِصْر أو أثرياء مصر! "ينصبون فخاخًا تخفى أغراضهم الحقيقية ببراعة بالغة خلف الثوب اللامع من الدين واللغة والتاريخ، وهو الثوب الذي اصطنعوه بأيديهم". هكذا قالت الببغاء التي يزعمون أنها رئيس تحرير جريدة النيل وعضو في وفْد حزب الأمة في لندن لهذا التاريخ!
فهذه الببغاء تجمع إلى نقيصة الترديد والتقليد نقائصَ كل واحدة منها شرٌّ من الأخرى هي الجَهْلُ بمعنى ما يقول، والكذب على أهل السودان، والجرأةُ في التهجُّم على الناسِ بما ليس يعلم، والتدليسَ في التاريخ، والعبثُ بمصير أمّته المصرية السودانية، وشرُّهن جميعًا ما يلوحُ في خَبِئ كلامِه مِنَ العَدَاوة البغيضة التي يؤرثها هو والمستأجرون من أمثاله بين مصر والسودان.
وقِصّةُ هذا الدانواب الذي يحتج به ذلك الإنجليزي ثم احتجَّت به الببغاء الملقَّنَة، قِصَّةٌ فاسدة المبنَى والمعنى، والإغماضُ في الاحتجاج بها دالٌّ على ضيقِ التصوّر وقلة العقْل وجُثُومِ الجَهْل في جمجمة قائلها. فهذا النهر ينحدر من منابعه في بادن مخترقًا ألمانيا ثم النمسا ثم هنغاريا ثم يوغوسلافيا ثم بلغاريا ثم رومانيا حيث ينتهي إلى مصبّه في البحرِ الأسودِ، فهو مشترك بين ست دُولٍ كُل واحدة منها لها خصائصها، حتى يبلُغ التباين بينها مبلغًا ليس بعده شيءٌ، في اللُّغة والعادات والآداب والتاريخ وأسباب الحياة كُلها تقريبًا. هذه واحدة.
أما الثانية فهذا النهر واقِعٌ في قلبِ أوربة، وهذه الدول كلها قائمةٌ على حِفافَيه متاخمة لدُوَل أُخرى تُحِيط بها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، فهو ليس نهرًا في صحراء جرداءَ كما نرى في نهر النيل الذي يحده من الشرق صحراء، ومن الغرب صحراء ومن الشمال بَحْر ينتهي إليه مصبه، وفيه دلتا مصر.
وأمّا الثالثة، فهو أنه ليسَ نهرًا تقوم على جوانبه الزراعة في خطٍّ ضيّقٍ في بلدٍ واحدٍ كالذي تراهُ في نيل مصر والسودان، بل لعلّ أكبر فوائده هي النَّقْل لا الزراعة وحدها.
وأما الرابعة فهي أن هذا النَّهْر يمرُّ في دُوَلٍ ستٍّ قوامُ حياتها الصناعة لا الزراعة
стр. 382
وحدها. أما نهر النيل فالزراعة هي قوامُ حياة أهله وسبَب أرزاقهم، والذي فيه من مادة الخِصْب يوجب أن يكون نهرًا للزراعة واستصلاح الأراضين البور التي تَحُفُّ به من شرق وغرب.
وأما الخامسةُ فهي أن إقامة السدود على نهر الدانوب لا يمكنُ أن يرادَ بها إلحاق ضَررٍ بالأرضين التي تقع على مُنحَدره، فإذا أرادَ ذلك مُرِيدٌ وعزمَ على أن يضر بلد بمنع ماءِ الدانواب عنه فقد وقعت الواقعة بين ستِّ دُوَلٍ كُلها متأهب للحرب في سبيل ردّ هذا البَغْي. فهو كما ترى أمر مستحيل بطبيعته.
وهناك قول كثير ولكنْ حَسبُنا هذا لمن يريد أن يَفْهم فهمًا، لا أن يردّد الأقوال ترديد الببَّغاوات التي تُبَاع وتشترى للأغراض الخبيثة التي تريدها إنجلترا بهذه الببغاوات المسكينة. فهذه المقابلة السخيفة بين مسألة الدانواب ومسألة النيل لا تدلّ على شيء إلا على جَهْل الناطق المردّد لها، ولا تقوم حُجّة إلا على خُبث النيَّات التي أخذت تندسُّ لتفرِّق أوصال هذا الوادي وتزايل بين روابطه التي لن تنفصم، بإذن الله.
ونحن نحمد الله على أن الأحرارَ أهلَ السودان ليس لهم برأي أن يقطعُوا أَرحامَهُم، ويُخربوا بُيوتهم بأيديهم، ويمزقُوا هذه الوشائج الممتدّة من أقصى عُهُودِ التاريخ إلى يومنا هذا. فنحن نسوق الحديث إلى هذه الببغاوات التي تنتسب إلى الشعب الأبيّ الحرّ لعلها تفيء إلى الحق، وإلى الذين يهادنون في الحق الأبْلج (١) مخافة أن يقالَ إن مصر تريد أن تبسط سلطانها على السُّودَان في زمن تنادى فيه الأمم بالحق الأبلج أيضًا في تقرير المصير. ولولا أن هذا كله تدليس خفيٌّ يُراد أنْ تروّعَ به القلوبُ، ثم يتغلغلَ خُفْية إلى معانٍ بعيدة يراد بها قتل السودانِ ومصر جميعًا، لكان الردّ عليه هو إهمالُه وازدراؤه.
إن هذا النيل الجاري بين الصحراء الشرقية والصحراء الغربية من أقصى الجنوب إلى أدنى الشمالِ يُوجِب أن نكون أمةً واحدةً، فليس مثله كمثل
стр. 383
الدانوب. فإنه إذا قُدّر للسودان أن يكونَ وحده مستقلًّا، وهذا أبعد البعيد، أو تحت سلطان إنجلترا، وهو الشيء الحادث والذي يُراد الإيغالُ في إقراره بفصله فصلًا تامًّا عن مصر، فإن الخطر الدَّاهم والداهية المصبوبة تكون على مصر جاثمة حاضرة في كل أوانٍ، فإن أسهل السَّهل أن تُضارنا إنجلترا في ماءِ النيل، وأن تمنع عنا رِفْده متى شاءت وتتخذه سلاحًا مخوفًا مفزعًا وحشيًّا للتهديد والإرهابِ بقطع مادَّة الحياة في مصر بل في الشرق الأوسط، فإن قحط مصر هو قحط الشرق الأوسط، بل قحط جُزْءٍ عظيم من حوض البحر الأبيض المتوسط. فإذا كان ذلك فبمن نستنجد؟ ومن أين نؤمل النُّصْرة؟ برمال الصحراء الشرقية وسوافى (١) الصحراء الغربية! ! إنه إذا كان مثل ذلك في أي مكانٍ من الدانوب لهبَّتْ أممٌ بأسرها -أمم صناعية- تدفع البَغْي دفعًا رادعًا رادًّا للحق مانعًا لاستمرار هذا البغي. أما مصر، فماذا تصنعُ أيها المأجورون للدسيسة الإنجليزية! أتدافع برجالٍ هدَّهم الجوعُ والظمأ والوباءُ؟ تعست الحماقة!
ولو كانت إنجلترا هي الأمة التي تسكن هذا الجزء من وادي النيل المسمى باسم مصر، لما تردَّدت ساعة واحدة من أجل هذا وحده أن تفتح السودان فتحًا وتنتهبه انتهابًا، وتحتج لفعلاتها فيه بكل حجةٍ. لأن النيل حياة إذا جاء بمدِّه، وموت إذا أمسك سَيْبه. وهذه إنجلترا نفسُها ليس لها حُجة في البقاء الذي تريده في الشرق الأوسط وفي قناة السويسِ وفي نواح أخرى كثيرة، إلا أنها إذا خُلِّيتْ جلبت على الإمبراطورية كل شرٍّ، وقطعت شُرْيان الحياة الذي يمدُّها بالطعام والمال والقوة والسلطان. أفيجوز في العقل أن تحتج إنجلترا بذلك في سبيل أن تبقى عند قناة السويس وفي فلسطين، ولا نحتجُّ نحنُ بأضرارٍ محققةٍ إذا كان في السودان إنسانٌ واحدٌ في يده قدرةٌ على الإضرار بمصر إضرارًا يصيب أبدان أهلها وأرواحهم، ثم أبدان ملايين أخر من أهل الأمم التي تجاورنا ونستعين بها وتستعين بنا.
стр. 384
ونحن لا نقول هذا ولا نسوق الحجة على هذا الوجه لندعى -كما يُراد لنا اليومَ أن ندَّعى- إنَّ لمِصْر حقًّا في استعمار السودان أو احتلاله أو الوصاية عليه أو غير ذلك من الأباطيل المضللة، بل لنقول إنَّ هذا وحده يوجبُ عقلًا أن يكون وادي النيل كلُّه دولةً واحدة، لها حكومةٌ واحدة، وتشريع واحدٌ، ونظامٌ نيابي واحدٌ، شأنُ السودان فيها كشأن أَسْوَان، وقنا وجرجا ومديريات مصر كلها، فإن موقع أية مديرية من هذه المديريات كلها هو من الناحية الجغرافية كموقع السودان؛ فلو جاز أن يُفصل السودان اليوم عن مِصر بحجة، فهذه الحجة تنطبق كل الانطباق على أسوان ثم قنا ثم جرجا إلى أن تبتلع النيل كله. وأيضًا فإن مكان السودان كمكانها من الناحية التاريخية والأدبية والأخلاقية والدينية. وإذن فالنيل يحدث بلسانٍ لا يكذبُ بأنه لا يمكن أن يتجزَّأ إلا أذا جاز التجزؤ على هذه المديريات حتى تُصبح كل واحدة دولة قائمة برأسها. والشعب الذي يسكن أسفل الوادي (المعروف باسم مصر)، والشعب الآخر الذي يسكنُ أعلاه (المعروف باسم السودان)، شعبٌ واحدٌ ناطقٌ بلسان عربيّ مبين لا يعرف نفاق اللسان الإنجليزي ولا تكاذُبه وخداعَه، بأنه أيضًا لا يستطيع أن يتجزأ، ولا هو قابل للتجزّؤ.
ولقد استزلَّ الشيطانُ بعض ساستنا؛ فأخذوا يقولون إنَّ مِصر لا تريد أن تستعمر السودان، بل تريد أن تمنحه الاستقلال الذاتي! فحِلًّا حلًّا (١) أيها الرجال، فإن هذا ما يريده الإنجليز، إنهم يريدون أن تقرُّوا بألسنتكم ما الحق شاهدٌ على بُطْلانه، وهو أن الشعب المصريّ شيء، والشعب السوداني شئٌ آخر، ويريدون أن تقولوا إن النيل ممكن أن يتجزَّأ، ولو بعضَ التجزّؤ، فإن هذا حسبهم منكم اعترافًا وتقريرًا. فتوبوا أيها الساسة من هذا الإثم، ولا يُرهبكم حقٌّ تقرير المصير، ولا مجلس الأمن، ولا هيئة الأمم المتحدة، فإن هذه الرهبة باطِلٌ كلُّها. توبوا أيها السَّاسة، ولا تخافوا من أكذوبة الدانوب، فهو النهر الوحيد
стр. 385
الذي تتعدَّدُ الدُّول على حفافيه، وهو نهر ليس له قيمة زراعية. واعلموا أنه لا يكاد يوجد في الدنيا كلها نهرٌ زراعيٍّ وَاقِعٌ مجراه في أكثر من أمةٍ واحدةٍ، وهذه الأمة الواحدة يكون لها كل السلطان عليه من منبعه إلى مصبّه. لا تخافوا أيها الساسة وتوبوا وتبرأوا مما قلتم، وخيرٌ لكم أن تدرسوا طبيعة النيل والأضرار المخوفة من تمزيقه، وأن تعرفوا ماذا تريدُ إنجلترا بفصل السودان عن مِصر وضمّه إلى الجزء المفضي إلى جنوب إفريقية والجنرال سمطس، فهناك البلاء الأعظم.
أيها المصريون السودانيون: إن النيل هو إفريقية كلُّها فاحذروا أن تضيعوا أوطانكم، وتُلْووا (١) بأمجادِكم، وتضعوا أعناقكم في نير العبودية السرمدية إذا احتوشتكُم (٢) العناصر الغريبة عن إفريقية النائمة التي بدأت تستيقظ من غفوة طالت عليها الآباد. احذروا كذب البغاة الطغاة المفسدين في الأرض، واحذروا ببغاواتهم وصنعاءهم فإنهم الحارقة الآكلة إذا استمكنوا منكم وأوضعوا (٣) خِلالكم يبغونكم الفتنة ويَسُومونكم ذُلا مستورًا ببهرج الاستقلال وتقرير المصير. لا تخافوا مجلس الأمن ولا هيئة الأمم إذا قدمتم إليهم قضيَّة فيها كل دليل لا يبطله شيء من تاريخٍ ولا عقلٍ ولا مصلحةٍ.
وأنتم يا أخواننا وأهلنا وعشيرتنا في السودان احذروا الدولة التي تريد استقلالكم، وتريد أن ترعاه لكم، كما رعت غيره من قبل! ! فإن "مَنْ استرعى الذئبَ ظَلَم" (٤).
стр. 386
من مذكرات عمر بن أبي ربيعة حديث غد . . .
(قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة) (* *): خرجتُ في صفر من سنة أربعين أريدُ المدينة أزورُ فتيانًا من أصحابي بها، وأتحسَّس الأخبارَ أخبار الفتن المشئومة التي توزَّعت قلوب المسلمين، وأنظر ما فعل بُسْر بن أبي أرطاة بِمُهاجَر رسول الله ﷺ ، فقد بلغنا أنه أحدث فيها أحدَاثًا عظامًا.
غادرت مكة يوم غادرتها وهي كالتنور المتوقد، فقد ذابت عليها الشمس، واحتدمَ وَهجُها وبقينا نتنفس بين أخشبيها (١) لظى من فيح جهنم، حتى يحس المرء كأنّ الدمَ يفورُ فورانًا في عروقه، وقد خدر النهارُ من حوله فلا ريحٌ ولا روحٌ، فلكلّ نَفَسٍ لذعة في الخياشيم والصدر تنشف الرِّيق حتى يكادُ اللسان ينشقُّ من فرط جفافه، وحتى يكاد يظن أنه الجنون. ما أصبرنا يا أهل مكة على صياخيدِها (٢)، وما أحبها إلينا على شدة ما نلقى من لأوائها! بورِكتْ أرضًا وتعالى من حرَّمها وتقدَّست أسماؤُه.
كان النهارُ حرًّا ماحقًا منعنا التأويب، فكان سيرُنا كله إدلاجًا (٣) تحت غواشى الليل إلى أن يُشفِرَ الفجر وطرفًا من النهار. ولشدَّ ما أعجبني الليل وراعني حتى تمنيتُ أيّامئذ أن الدهر ليل كلُّه، فقد كنت أسرى تحت سماءٍ زرقاء ملساءِ صافية كأن النجومَ في حافاتها وعلى صفحتها دُرٌّ يتلألأ على نحرِ غانيةٍ وأنا تحت
стр. 387
أنفاسها كالشارب الثمل. وكيف تفعل هذه البيداء بنا وبقلوبنا؟ قيظٌ يسلخُ جلد الحية ويذيبُ دماغ الضبِّ، لا يلبث أن تنفحنا بعده بنسيمٍ هفافٍ كأن الليل يتنفس به ليخفف عنا بلاء نهارنا، ويفوح من بُرُود الليل شَذا الأقاحيّ (١) فيفغم (٢) الفضاءَ كلَّه أحيانًا حتى يخيل إليّ أن البادية المجدبة قد استحالتْ روضة تنفث أزهارُها الطيبَ من حيث استقبلتُ، فأجد لها روحًا على كبدي وواحة فأعبُّ من أنفاسها عبًّا حتى أقول لقد سَكِرتُ من غير سُكرٍ. ثم ما أندى رويحةَ الفجر على قلوب السارينَ في هذه المهامه السحيقة المتقاذفة (٣)! فإن عبِيرَها وبَرْدها والنور المشعشع على أرجائها يجعلك تحسُّ حسًّا لا يكذب بأنك تحيى في لذاذات لا ينقضي منها أربٌ ولا يستحيل لها مذاقٌ. ولقد حبب إلى الخروجُ إلى البادية كلما وجدتُ في نفسي طائفًا من سآمة أو مللٍ، فيا بُعدَ ما بين الحاضرةِ وجوّها الكامِد الجاثم ليلا ونهارًا، وبين هذه الرّحاب المتمادية التي يبثُّها النهارُ لواعجه وحرقه، ويأتي الليل فيناجيها نجوى خافتةً بما في ضميره العميق المشتمل على أسرار الحياة برِّها وفاجِرها، وتقف النجومُ على أرجاء سمائها مصغياتٍ مشرقات زاهرات كأنما يومِضُ بعضُها لبعضٍ فرحًا بما سمعت من تلك الأسرار المصونة المكتمةَ.
* * *
كلما أوغلنا في البادية وفي قلب الليل ازددتُ فتنةً بليالي الصحراء وتهامُس رمالها وتَناجى كواكِبها، وأسمعُ للَّيل هَسهسةً كأنها أحاديثُ قُلوب عاشقة قد تدانى بها السِّرارُ، فتمضي الساعات والعيسُ ماضيةٌ بنا فلا نملّ ولا نكلُّ ولا نحسُّ وحدة ولا مخافةً، كأنّا قد دخلنا الحرم الآمنَ الذي لا يراع اللائذ به. وجعلتْ نفسي تتجدَّد وتتطهر كأن برد الليل قد غسلها فما تشوبُ نقاءها شائبة.
стр. 388
وبعد ليال أفضتْ بنا المسالك إلى "الرَّبَذَةِ" التي بها قبر أبي ذرّ الغفاري رضوان الله عليه، فلم يبق بيننا إلى المدينة سوى ثلاثة أميال، وأدركنا الفجر وإننا لعلى مشارفِها، فقلنا نعوجُ بها فنصلي الفجر ثم نرتحل حتى نبلُغ المدينة في نهار يومنا هذا. فلما أنخنا جمالنا وقمنا إلى الصلاة، سمعت صوتَ قارئ قد تأدَّى إلينا من بعيدٍ، فتلمَّسته حتى تبينتُ صوتًا رَاعِدًا تقيًّا كأنه الجبالَ والرمالَ والدنيا كلَّها تهتزُّ على نبراته القوية العنيفة الصادقة، وكأنه يمضي في إهاب الليل المهلهل فيفْريه فريًا ويمزقه بِمُدى من النور، وكأنه يسيلُ في البطحاءِ كالسَّيل المتقاذفِ فتموج فيه رمالها كأمثالِ الجبالِ نُسفتْ من قراراتها، وكأنّ ألفاظهُ هَبَّاتُ عاصفة تفضُّ دُرُوع الليل فضًّا، وكأنّ نغماتِه أنوار مشعشعة تخالطُ هذا كلَّه فتملأ الفجر فجرًا من نُورِها ونور ألفاظها ومعانيها. وأول ما تبيّنْتُه حين دنوت منه بحيث أسمع قراءته: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ , إلى آخر الآيات، فلما أخذ يكبر سمعت التكبير يملأ جنبات الأرضِ كلها مترددًا ظاهرًا كأن لم يبق في الدنيا شيء إلا كبر بتكبيره.
فرغ الرجل من صلاته ووضع عمامته وبقى حيثُ هو قليلا ثم قام، فأضاءَه لي ذَرْوٌ (١) من نور الفجر الناهد من قبل المشرق، فإذا رجل في السبعين من عمره وافر اللحية أبيضها، أسمر شديد السمرة طوالٌ جُسامٌ فارعٌ كأنه صعدة (٢) مستويةٌ، أصلعُ الرأس شديدُ بريق العينين، نظر إلينا نظرةً وحيَّى ثم انفتل راجعًا إلى فسطاط مضروب قريب من حيث كان يُصَلِّي. رأيتُه وهو يمشي كأنه قائدٌ يحسُّ
стр. 389
كأن الجحافِلَ من ورائه تمشي على أثره. وبعد قليل جاءنا رجل كأشد من رأيتُ من الناس نَفاذَ بَصَر، فحيَّانا وقال: من الناس؟ قلت: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومى. قال: ابنُ العِدْلِ (١)؟ رحم الله أباك، فقد شهد معنا المشاهد بعد عام الفتح. قلت: فمن يكون الرجل الذي أوى إلى فسطاطه يرحمك الله؟ قال أو ما عرفته؟ إنه محمد بن مَسلمة الأنصاري صاحبُ رسول الله وصاحب أبي بكر وعمر. قلت: فما جاء به، وقد سمعنا أن رسول الله نهى عن أن يرتدَّ المرءُ أعرابيًا بعد الهجرة، وأنه ذكر ثلاثًا من الكبائر منها "التعرُّبُ بعد الهجرة"، فيعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرًا. قال: صدقت يا بُني، ولكن لذلك خبرٌ:
كانَ محمد بن مسلمة فيمن ثبت مع رسول الله يومَ أُحُد، فأعطاهُ رسول الله سيفًا وقال له: "إنه ستكون فتنة وفُرقة واختلافٌ، فإذا كان ذلك فأت بسَيفِك أُحُدًا فاضربْ به عُرْضَه حتى تقطعه، واكسر نبلك واقطع وتَرَك، واجلس في بيتك حتى تأتيك منيّة قاضية أو يد خاطئة، فإن دَخَلَ عليك أحدٌ إلى البيت فَقم إلى المخدَع، فإن دَخَلَ عليك المخدع فاجثُ على ركبتيك وقل: بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاءُ الظالمين". وقد فعل حين كانت هذه الفتن بين عليّ ومعاوية فكسر حدّ سيفه وقعد في بيته، وأطاعَ نبيَّه وعصى الشيطان الذي استزل هذه الناس التي يقتل بعضُها بعضًا. ولقد قضى في مكانه هذا ثلاث سنواتٍ يدعو ربه أن يصلح بين هاتين الفئتين من المسلمين التي جعلت تتفانى على دُنْيا فانيةٍ، وعسى ربك يستجيبُ لدعاءِ هذا الرجل الصالح فتحقن الدماءُ وتوصَل الأرحامُ ويعزُّ بهم دين الله في هذه الأرض.
(قال عمر): فسألتُ الرجل أن يستأذن لي على أبي عبد الرحمن محمد بن مسلمة، فذهبَ ثم جاء يُومئ إليَّ أن أقْبِل. فدخلت على أبي عبد الرحمن
стр. 390
فسطاطه فإذا فيه سيف مُعلَّقٌ على جانب منه، فلما سلَّمتُ رد التحية وقال: مرحبًا بك يا ابن أخي! ما جاء بك؟ قلت: زائرٌ إلى مدينة رسول الله يا أبتاه. فدعاني أن أجلس، فوالله لقد أخذتني للرجل هيبَةٌ ما وجدتها لأحد ممن لقيت من صحابة رسول الله، ولا من أمراءِ المسلمين، وكانت عيناهُ تَبِصَّان في سُدْفَة (١) الفسطاط كأنهما قِنْديلان يلوحانِ في ظلامٍ بعيدٍ. وجعلتُ أنظر يمينًا وشمالا فلا ألبث أن أثبت نظري على سيفه المعلق، فلما رأي العجَب في عينيّ قال: لعلك تقول، لقد كسر سيفه، وهذا السيفُ معلق بحيث أرى! ثم قام واستنزل السيف واخترطه (٢) فإذا هو سيفٌ من خشب.
ثم قال: لقد فعلت ما أمرني به رسولُ الله ﷺ واتخذتُ هذا أُرْهبُ به الناس.
* * *
(قال عمرُ بعد حديث طويلٍ): قلت له: يا أبتاه والله لقد آنستني وأدنيتني وأطلقت لساني فلو سألتك! قال: سل ما بدا لك يا ابن أخي. قلت: لقد حدَّثتني عن قتلك كعب بن الأشرف اليهودي، وعن قتل يهودَ أخاك محمودًا ﵁، فهلا حدثتني عن إجلائك يهودَ عن جزيرة العرب في زمان عُمَر؟ فقال:
رحم الله الرجل، فقد كان شديدًا في الحق حافظًا للعهد، ولكن يهودَ قومٌ غُدُرٌ، أساءُوا الجوار وخانوا العهد وتآمروا على المسلمين، فعزمَ عمرُ على أن يجليهم عن أرض العرب ليقطعَ غدرهم ويحسم مادة النفاق في هذه البقعة المباركة. فأرسَلَ إليّ وقال "لقد عهد إليك رسول الله مراتٍ أن تجلى يهود، فأنا أتبع سنته وأعهد إليك أن تجلى لي يهود عن أرض العرب، فلا تظلمهم ولا تؤذِهم، ولكن لا تدعْ منهم صغيرًا ولا كبيرًا ولا طفلا ولا امرأة حتى تستوثق من جلائهم بجموعهم عن أرضنا. ولئن عشت لأجْلِيَنَّهم عن كل مكان كبَّر فيه