← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

من مذكرات عمر بن أبي ربيعة حديث غد . . . (قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة) (* *): خرجتُ في صفر من سنة أربعين أريدُ المدينة أزورُ فتيانًا من أصحابي بها، وأتحسَّس الأخبارَ أخبار الفتن المشئومة التي توزَّعت قلوب المسلمين، وأنظر ما فعل بُسْر بن أبي أرطاة بِمُهاجَر رسول الله ﷺ ، فقد بلغنا أنه أحدث فيها أحدَاثًا عظامًا. غادرت مكة يوم غادرتها وهي كالتنور المتوقد، فقد ذابت عليها الشمس، واحتدمَ وَهجُها وبقينا نتنفس بين أخشبيها (١) لظى من فيح جهنم، حتى يحس المرء كأنّ الدمَ يفورُ فورانًا في عروقه، وقد خدر النهارُ من حوله فلا ريحٌ ولا روحٌ، فلكلّ نَفَسٍ لذعة في الخياشيم والصدر تنشف الرِّيق حتى يكادُ اللسان ينشقُّ من فرط جفافه، وحتى يكاد يظن أنه الجنون. ما أصبرنا يا أهل مكة على صياخيدِها (٢)، وما أحبها إلينا على شدة ما نلقى من لأوائها! بورِكتْ أرضًا وتعالى من حرَّمها وتقدَّست أسماؤُه. كان النهارُ حرًّا ماحقًا منعنا التأويب، فكان سيرُنا كله إدلاجًا (٣) تحت غواشى الليل إلى أن يُشفِرَ الفجر وطرفًا من النهار. ولشدَّ ما أعجبني الليل وراعني حتى تمنيتُ أيّامئذ أن الدهر ليل كلُّه، فقد كنت أسرى تحت سماءٍ زرقاء ملساءِ صافية كأن النجومَ في حافاتها وعلى صفحتها دُرٌّ يتلألأ على نحرِ غانيةٍ وأنا تحت

стр. 387

أنفاسها كالشارب الثمل. وكيف تفعل هذه البيداء بنا وبقلوبنا؟ قيظٌ يسلخُ جلد الحية ويذيبُ دماغ الضبِّ، لا يلبث أن تنفحنا بعده بنسيمٍ هفافٍ كأن الليل يتنفس به ليخفف عنا بلاء نهارنا، ويفوح من بُرُود الليل شَذا الأقاحيّ (١) فيفغم (٢) الفضاءَ كلَّه أحيانًا حتى يخيل إليّ أن البادية المجدبة قد استحالتْ روضة تنفث أزهارُها الطيبَ من حيث استقبلتُ، فأجد لها روحًا على كبدي وواحة فأعبُّ من أنفاسها عبًّا حتى أقول لقد سَكِرتُ من غير سُكرٍ. ثم ما أندى رويحةَ الفجر على قلوب السارينَ في هذه المهامه السحيقة المتقاذفة (٣)! فإن عبِيرَها وبَرْدها والنور المشعشع على أرجائها يجعلك تحسُّ حسًّا لا يكذب بأنك تحيى في لذاذات لا ينقضي منها أربٌ ولا يستحيل لها مذاقٌ. ولقد حبب إلى الخروجُ إلى البادية كلما وجدتُ في نفسي طائفًا من سآمة أو مللٍ، فيا بُعدَ ما بين الحاضرةِ وجوّها الكامِد الجاثم ليلا ونهارًا، وبين هذه الرّحاب المتمادية التي يبثُّها النهارُ لواعجه وحرقه، ويأتي الليل فيناجيها نجوى خافتةً بما في ضميره العميق المشتمل على أسرار الحياة برِّها وفاجِرها، وتقف النجومُ على أرجاء سمائها مصغياتٍ مشرقات زاهرات كأنما يومِضُ بعضُها لبعضٍ فرحًا بما سمعت من تلك الأسرار المصونة المكتمةَ. * * * كلما أوغلنا في البادية وفي قلب الليل ازددتُ فتنةً بليالي الصحراء وتهامُس رمالها وتَناجى كواكِبها، وأسمعُ للَّيل هَسهسةً كأنها أحاديثُ قُلوب عاشقة قد تدانى بها السِّرارُ، فتمضي الساعات والعيسُ ماضيةٌ بنا فلا نملّ ولا نكلُّ ولا نحسُّ وحدة ولا مخافةً، كأنّا قد دخلنا الحرم الآمنَ الذي لا يراع اللائذ به. وجعلتْ نفسي تتجدَّد وتتطهر كأن برد الليل قد غسلها فما تشوبُ نقاءها شائبة.

стр. 388

وبعد ليال أفضتْ بنا المسالك إلى "الرَّبَذَةِ" التي بها قبر أبي ذرّ الغفاري رضوان الله عليه، فلم يبق بيننا إلى المدينة سوى ثلاثة أميال، وأدركنا الفجر وإننا لعلى مشارفِها، فقلنا نعوجُ بها فنصلي الفجر ثم نرتحل حتى نبلُغ المدينة في نهار يومنا هذا. فلما أنخنا جمالنا وقمنا إلى الصلاة، سمعت صوتَ قارئ قد تأدَّى إلينا من بعيدٍ، فتلمَّسته حتى تبينتُ صوتًا رَاعِدًا تقيًّا كأنه الجبالَ والرمالَ والدنيا كلَّها تهتزُّ على نبراته القوية العنيفة الصادقة، وكأنه يمضي في إهاب الليل المهلهل فيفْريه فريًا ويمزقه بِمُدى من النور، وكأنه يسيلُ في البطحاءِ كالسَّيل المتقاذفِ فتموج فيه رمالها كأمثالِ الجبالِ نُسفتْ من قراراتها، وكأنّ ألفاظهُ هَبَّاتُ عاصفة تفضُّ دُرُوع الليل فضًّا، وكأنّ نغماتِه أنوار مشعشعة تخالطُ هذا كلَّه فتملأ الفجر فجرًا من نُورِها ونور ألفاظها ومعانيها. وأول ما تبيّنْتُه حين دنوت منه بحيث أسمع قراءته: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ , إلى آخر الآيات، فلما أخذ يكبر سمعت التكبير يملأ جنبات الأرضِ كلها مترددًا ظاهرًا كأن لم يبق في الدنيا شيء إلا كبر بتكبيره. فرغ الرجل من صلاته ووضع عمامته وبقى حيثُ هو قليلا ثم قام، فأضاءَه لي ذَرْوٌ (١) من نور الفجر الناهد من قبل المشرق، فإذا رجل في السبعين من عمره وافر اللحية أبيضها، أسمر شديد السمرة طوالٌ جُسامٌ فارعٌ كأنه صعدة (٢) مستويةٌ، أصلعُ الرأس شديدُ بريق العينين، نظر إلينا نظرةً وحيَّى ثم انفتل راجعًا إلى فسطاط مضروب قريب من حيث كان يُصَلِّي. رأيتُه وهو يمشي كأنه قائدٌ يحسُّ

стр. 389

كأن الجحافِلَ من ورائه تمشي على أثره. وبعد قليل جاءنا رجل كأشد من رأيتُ من الناس نَفاذَ بَصَر، فحيَّانا وقال: من الناس؟ قلت: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومى. قال: ابنُ العِدْلِ (١)؟ رحم الله أباك، فقد شهد معنا المشاهد بعد عام الفتح. قلت: فمن يكون الرجل الذي أوى إلى فسطاطه يرحمك الله؟ قال أو ما عرفته؟ إنه محمد بن مَسلمة الأنصاري صاحبُ رسول الله وصاحب أبي بكر وعمر. قلت: فما جاء به، وقد سمعنا أن رسول الله نهى عن أن يرتدَّ المرءُ أعرابيًا بعد الهجرة، وأنه ذكر ثلاثًا من الكبائر منها "التعرُّبُ بعد الهجرة"، فيعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرًا. قال: صدقت يا بُني، ولكن لذلك خبرٌ: كانَ محمد بن مسلمة فيمن ثبت مع رسول الله يومَ أُحُد، فأعطاهُ رسول الله سيفًا وقال له: "إنه ستكون فتنة وفُرقة واختلافٌ، فإذا كان ذلك فأت بسَيفِك أُحُدًا فاضربْ به عُرْضَه حتى تقطعه، واكسر نبلك واقطع وتَرَك، واجلس في بيتك حتى تأتيك منيّة قاضية أو يد خاطئة، فإن دَخَلَ عليك أحدٌ إلى البيت فَقم إلى المخدَع، فإن دَخَلَ عليك المخدع فاجثُ على ركبتيك وقل: بؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاءُ الظالمين". وقد فعل حين كانت هذه الفتن بين عليّ ومعاوية فكسر حدّ سيفه وقعد في بيته، وأطاعَ نبيَّه وعصى الشيطان الذي استزل هذه الناس التي يقتل بعضُها بعضًا. ولقد قضى في مكانه هذا ثلاث سنواتٍ يدعو ربه أن يصلح بين هاتين الفئتين من المسلمين التي جعلت تتفانى على دُنْيا فانيةٍ، وعسى ربك يستجيبُ لدعاءِ هذا الرجل الصالح فتحقن الدماءُ وتوصَل الأرحامُ ويعزُّ بهم دين الله في هذه الأرض. (قال عمر): فسألتُ الرجل أن يستأذن لي على أبي عبد الرحمن محمد بن مسلمة، فذهبَ ثم جاء يُومئ إليَّ أن أقْبِل. فدخلت على أبي عبد الرحمن

стр. 390

فسطاطه فإذا فيه سيف مُعلَّقٌ على جانب منه، فلما سلَّمتُ رد التحية وقال: مرحبًا بك يا ابن أخي! ما جاء بك؟ قلت: زائرٌ إلى مدينة رسول الله يا أبتاه. فدعاني أن أجلس، فوالله لقد أخذتني للرجل هيبَةٌ ما وجدتها لأحد ممن لقيت من صحابة رسول الله، ولا من أمراءِ المسلمين، وكانت عيناهُ تَبِصَّان في سُدْفَة (١) الفسطاط كأنهما قِنْديلان يلوحانِ في ظلامٍ بعيدٍ. وجعلتُ أنظر يمينًا وشمالا فلا ألبث أن أثبت نظري على سيفه المعلق، فلما رأي العجَب في عينيّ قال: لعلك تقول، لقد كسر سيفه، وهذا السيفُ معلق بحيث أرى! ثم قام واستنزل السيف واخترطه (٢) فإذا هو سيفٌ من خشب. ثم قال: لقد فعلت ما أمرني به رسولُ الله ﷺ واتخذتُ هذا أُرْهبُ به الناس. * * * (قال عمرُ بعد حديث طويلٍ): قلت له: يا أبتاه والله لقد آنستني وأدنيتني وأطلقت لساني فلو سألتك! قال: سل ما بدا لك يا ابن أخي. قلت: لقد حدَّثتني عن قتلك كعب بن الأشرف اليهودي، وعن قتل يهودَ أخاك محمودًا ﵁، فهلا حدثتني عن إجلائك يهودَ عن جزيرة العرب في زمان عُمَر؟ فقال: رحم الله الرجل، فقد كان شديدًا في الحق حافظًا للعهد، ولكن يهودَ قومٌ غُدُرٌ، أساءُوا الجوار وخانوا العهد وتآمروا على المسلمين، فعزمَ عمرُ على أن يجليهم عن أرض العرب ليقطعَ غدرهم ويحسم مادة النفاق في هذه البقعة المباركة. فأرسَلَ إليّ وقال "لقد عهد إليك رسول الله مراتٍ أن تجلى يهود، فأنا أتبع سنته وأعهد إليك أن تجلى لي يهود عن أرض العرب، فلا تظلمهم ولا تؤذِهم، ولكن لا تدعْ منهم صغيرًا ولا كبيرًا ولا طفلا ولا امرأة حتى تستوثق من جلائهم بجموعهم عن أرضنا. ولئن عشت لأجْلِيَنَّهم عن كل مكان كبَّر فيه

стр. 391

المسلمون لله، فإنهم أهل فسادٍ ونفاقٍ وخَبَث". فخرجتُ إلى طوائف اليهود في خيبر وسقتهم مستقبلًا بهم الشام، فلما بلغنا غايتنا أقبل عليّ رجل من ولد الحارث أبي زينب اليهوديّ ثم قال لي: لقد كنت مسترضعًا فينا يا أبا عبد الرحمن، وكنت أنت وابن الأشرف رضيعي لَبَانٍ، فما لبث أن جاء هذا الدين واتبعتم ذلك النبيّ حتى قتلت أخاكَ ورضيعَك، وها أنت تخرجُنا من ديارنا وأرضِ أجدادنا، وترمينا في ديار الغُربة، فهلا كنت تركت كل ذلك لغيرك أيها الرجل! فقلت له: يا أخا يهودَ، لئن كنت قتلتُ رضيعي فقد قتل قومُك أخي محمود بن مسلمة غدرًا، وعرضتم لحرم رسول الله بالتشبيب والبذاءة والسفَهِ، وأردتم أن تغدروا بنبي الله وتدلوا عليه صخرة لتقتلوه، أفتظن يا أخا يهودَ أنَّا تاركوكُم تعيثون في الأرض فسادًا، وتكفرون النِّعم، ولا ترعونُ حرمة ولا ذِمامًا ولا عهدًا، وتتآمرون على المسلمين تحت الليل، وتعدون عليهم غارِّين آمنين؟ ووالله لقد صبر عليكم عُمَر صبرًا طويلًا، ولو كان حَزَّ رقابكم جزاءً بما تصنعون لقلَّ ذلك لكم. قال ابن الحارث: لشدَّ ما تِهْتُم علينا أيها الناسُ، فوالله ليكونن لهذا اليوم الذي أذللتمونا فيه وفضحتمونا وأجليتمونا عن أرضنا وأرض آبائنا يوم مثله يكون لنا عليكم، فقد جاء في كتبنا أنه سوف يجئ يوم تدخل فيه اليهودُ على أبناءِ يعرب هؤلاء فتذيقهم بأسًا شديدًا وعذابًا غليظًا، حتى ترى اللُّقمة في يد المسلم قد أدناها إلى فيه فإذا على رأسه رجالٌ من أشدَّاءِ يهود تنفِّره حتى يدعَها لهم. ولتدخلنَّ نساؤنا على نسائكم حتى لا تبقى امرأة منكم إلا نامت بشرّ ليلةٍ ممّا تَلْقى من نسائنا، ولنسوقنكم كما سقتمونا حتى نجليكم عن ديار آبائكم وأجدادكم ولنفعلن الأفاعيل حتى تكون لنا الكلمة العليا ونحن يومئذ أحق بها. والله ما نصبر على ما آذيتمونا إلا انتظارًا لما يكون غدًا كما قال لنا أنبياؤنا. وكأني أنظر إلى غدٍ، فأرَى وجوه الأحباب من بني إسرائيل قد سقطت عليكم من كل فج كأنهم جرَادٌ منتشرٌ تأكل يابسكم وطريَّكم، ولا تدعُ لكم موطئ قدم إلا كان تحته مِثْل جَمْرِ النار. وإنكم لتقولون إن الله قد ضرب علينا الذلة والمسكنة. فوالله لئن

стр. 392

صدقتمُ اليوم إذْ أَمِر أمرُكم (١)، لتعرفنّ غدًا أننا شعب الله الذي لا يرضى له الله بالذلة والمسكنة، ولقد كنا ملوك الأرض فدالت دولتنا كما دالت من قبلها دول، ولكن الله بالغُ أمره يوم تدولون كما دُلْنا ويعودُ الأمر إلينا، فنحن قوم أولوا بأس شديد، ونحن أهل الكتاب الأوّل، ونحن أتباع الحقِّ. فإذا جاء ذلك اليوم يا أبا عبد الرحمن فستعلمون أينا أشدُّ تنكيلا. فوالله لنتخذَّنكم لنا أعوانًا على أنفسكم، ولنضربَن غاديكم برائحكم ومقبلكم بمدبركم، ولنوقعنَّ الفتنة بينكم حتى يُصْبح الرجل مِنكم مؤمنا ويمسي كافرًا، وليكوننَّ لنا من أنفسكم رجالٌ يخربون بيوتهم وبيوت آبائهم وهم عنا رضوان ولنا مطيعون! قال محمد بن مسلمة: فسمعتُ الرجل يقول قولًا كبيرًا، فقلت له: لئن صدقَ أنبياؤكم فكانَ ذلك، فما صدقوا إلا ليصدقوا رسول الله في خبره، فأنتم اليوم أشتاتٌ مبعثرون في جنبات الأرض، وليزيدنكم ربُّكم فُرقةً وشتاتًا، فإذا جاء ذلك اليوم فدخلتم علينا أرضَنا وعلا أمركُم في حيث يشاءُ الله منها، فلكي تتم فيكم كلمة الله وليعذَّبكم وليستأصل شأفتكم من أرْضه، ولتكونوا عبرةً للطاغين من أمثالكم، فقد قال الصادق المصدّق رسول الله: "تقاتلكم يهودُ فتسلَّطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهوديّ ورائي فاقتله"، فوالله ليكونن ذلكَ كما أرادَ الله، ويومئذٍ يعض طُغاتكم وطواغيتكُم أطراف البنان من النَّدم، فالعربُ هي ما علمت يا ابن الحارث لا ينامُ ثائرها (٢) ولا يُخطم أنفها بخطام. (قال عمر) قلت: يا أبا عبد الرحمن! وإن ذلك لكائنٌ؟ قال: يا بني، ما علمي بالغيب! ولكنه إذا جاء فليقضيَنَّ الله بيننا قضاءَه، ويكونُ يومئذ فناؤهم على أيدينا، فأمرُ المسلمين إلى ظهور، وأمر يهود إلى حُكم الله الذي ضرَب عليهم الذِّلة والمَسْكَنَة إلا بحبلٍ من الله وحبل من الناس. والله يحكم لا معقِّب لحكمه.

стр. 393

مصر هي السودان دخلت المسألة المصرية السودانية في ساعة حاسمة لابد فيها من العمل والتسديد والحزَامة والتصميم، وأصبح لزامًا على أهل الرأي ورجال السياسة أن ينزعوا الخوف من قلوبهم ويطرحوا التردّدَ جانبًا، ويقبلوا على المعركة مستبسلين لا يخافون. وقد صار أمر مصر والسودان إلى مصير ليس في تاريخ مصر والسودان أسوأ منه، فكل نكولٍ عن أداء الواجب وعن التنبيه والتحذير خيانة لوادي النيل لا يغتفرها لنا آباؤنا ولا أحفادنا من بعدنا. وإذا أضعنا اليوم حق مصرَ والسودان علينا، فقد ضاع كلُّ ما ترجوه بلادُ العرب والمسلمين من أطراف الصين إلى أقاصي المغرب الأقصى، وإذا الفرصة السانحة قد أفلتتْ من يد هذه الأمم إلى غير رجعة. فمسألة مصر والسودان ليست إذن مسألة مفردة برأسها بل هي أمّ المسائل العربية والشرقية جميعًا، وموقفنا حيالها هو المحكُّ لكل ما يرجوه الشرق ويؤمله. بيد أن مسألة مصر والسودان قد أصابها من البلْبلة على مر السنين الطوال ما يُخشى معه أن يدعَ للعدوّ منفذًا يتدَسسُ منه إلى إحداث الفرقة والتنابذ، وقد بدا شيءٌ من آثارهما في العهد الأخير بعد أن استطاعت الدولة الخدّاعة أن تستميل قلوب نفر من أهل المطامع ورجال السوء في السودان وغير السودان. فلابُدّ إذن أن نبدئ ونعيدَ في بيان الحقيقة التي لا تطمس نورها الأكاذيب الملفَّقة، ولا يُطفئ رونقها طول الإهمال والترك. وإنا لنأسف أن قد مضى على كبار ساستنا زمانٌ وهم يظنون أن علاج المسألة المصرية مفصولة عن السودان هو الطريقُ إلى نيل الحق من غاصب وادي النيل، فأصبح الناس وإذا هم يرون ضلال الساسة الغابرين في بتر قضية وادي النيل وشطرها إلى شطرين سموها باسم المسألة المصرية والمسألة السودانية. ولو هم عملوا، منذ ولَّاهم الله سياسة هذه الأمة،

стр. 394

على أن القضية واحدةٌ، وتجزئتها مفسدة للجزءين كليهما، لسار تاريخ مصر والسودان غير هذا السير الخبيث الذي ساقتنا بريطانيا في سراديبه المضللة المظلمة. إن الجزء المسمى بمصر من هذا النيل المنحدر من منابعه إلى مصبه في البحر الأبيض المتوسط، جزءٌ يسيرٌ من مجرى هذا النيل، وهو واقع في صحراء جرداء لولا هذا الجزء من النيل لاتَّصلت رمال الجانب الشرقي والجانب الغربي من الصحراء وتصافحت على مسيله. وهذا الجزءُ الخصبُ بمدّ النيل، خط ضيق محصور أكثره بين الجبال والرمال، ولا يرجو أهله منه خيرًا إلا باسم النيل وبماء النيل وبركة النيل. فإذا حبس النيل ماءه أو منع بركته، أو وُجد على الجزء الجنوبي منه (وهو السودان) من يحبس ماءه ويمنع بركته، انقلبت هذه الأرض المصرية نقمة على أهله وشرًّا وبلاءً. والتاريخ يحدِّث منذ قديم الأزمان بأنه ما امتنع ماء النيل أو قل إلَّا حدثت في مصر المجاعات والقحوط التي أهلكت الحرث والنسل، حتى اضطُرّ أهل مصر في كثير من أزمان القحط أن يأكل الرجل لحم أخيه وولده من شدة المَتْرَبة التي حاقت بهذا البلد الخصيب. فالنيل هو كل شيء في بلدٍ لا تمطره السماء إلا غبًّا (١)، وليس فيه ما يُغني أهله عن أن يجعلوا مادة حياتهم وأرزاقهم مما تخرجه الأرضُ التي يكدحون في زراعتها كدحًا شديدًا، والتي لا تنفع فيها زراعة إلا إذا استوفت حظَّها من ماء هذا النيل. وقديمًا قامت في هذا الجزء الأدنى من النيل أممٌ وحضارات لا تزال آثارها باقية إلى هذا اليوم، وكان أوْلى بقيام هذه الأمم والحضارات الجزء الأعلى وهو السودان، لولا أن أهل الزمن الماضي فرُّوا من وقدات الشمس المحرقة في السودان إلى هذا الجزء الأدنى فأقاموا الحضارات على حفافيه، ولكنهم ما فعلوا ذلك إلا وهم مطمئنون إلى أن الجزء الأعلى ليس فيه دولة قائمة يمكنها أن تردَّ هذا النيل عن مجراه إلى قرارة هذا الوادي الذي سُمى "مصر". ولو كان هناك

стр. 395

شيء مثل ذلك لرأينا، كما رأينا في شأن الوجه القبلي والبحري، رجالا ينصبون أنفسهم لضَمّ الشمال إلى الجنوب وتوحيدهما حتى لا يكون في الأرض الواحدة دوَلٌ متقسّمة يناوئ بعضها بعضًا، فلا تقوم لواحدة منهما قائمة، ولا يكون لواحدة منهما مجدٌ أو حضارة أو تاريخ، وبذلك بقى النيل الأعلى (السودان) في سَلْم دائما، إذ لم تكن فيه دولة مناوئة، وبقيت صلته بمصر كصلة أي بلدٍ من بلاد الدنيا يكون في أرضها جزء متروك لم يُعمر بالهجرة أو الاستصلاح والاستثمار. وهذا الترك لا يدل على اقتطاع هذا الجزء، بل على أن الحاجة لم تدفع بعدُ إلى استصلاحه أو استثماره. هذا هو التاريخ القديم في العلاقة بين جزئي النيل "مصر والسودان". ومضى التاريخ على هذا إلى أن جاء العصر الأخير، فقام شمال النيل "مصر" ليضم الجنوب "السودان"، كما قام الشمال من أمريكا لضم الجنوب إليه، وكما قام جزءٌ من بريطانيا نفسها ليضمَّ إليه بلاد الغال وأرض إسكتلندة. ولو بقى شمال أمريكا منفصلًا عن جنوبه، وبقيت بلاد الغال وبلاد إسكتلندة على أحوالها التي كانت عليها منذ قرون، لما كان في الدنيا شيءٌ يسمى الولايات المتحدة، ولا شيء يسمى بريطانيا. وإذن فضَمُّ السودان إلى مصر بالحرب لا يمكن أن يسمى "فتحًا" بل هو ضمٌّ فحسب، فلذلك يخطئ بعض الساسة الذين يحتجون في المسألة المصرية السودانية بهذا الشيء السخيف الذي يسمونه "حق الفتح". وكل ما هنالك هو أن هذا الجزء المتروك من أرض مصر أو أرض السودان -كما تشاء- كان لابد في ضمه من بعض الحرب حتى تستقر الحال ويستتبّ النظام، كما حدث في كل بلاد العالم منذ أقدم عصور التاريخ، في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهذا شيءٌ بديهيّ لا يحتاج إلى زيادة. ويتبع هذا الخطأ في الاحتجاج بحق الفتح خطأ آخر أقبح منه، وهو احتجاجُ من يحتجُّ بما أنفقت الأرض الشمالية على الأرض الجنوبية من الأموال، وهذا أيضًا فاسدٌ كل الفساد. فكل دانق أنفقته مصر في السودان هو حق السودان على مصر، كحقّ أي قرية في أرض مصر، وكحق كل شارع أو مديرية. فينبغي إذن

стр. 396

أن ننفي من احتجاجنا كل شيء يسمى نفقات أنفقت في السودان، فإن كل ذلك هو حق السودان الذي إذا قصَّرْنا في أدائه وجب عليه أن يطالبنا به بالكلام أو بالسيف أو بكليهما. ومن المؤلم أن يكون هذا الأسلوب الذي جَرَى ولا يزال يجري على ألسنة بعض الساسة، هو خديعة بريطانية قديمة لم نزل ننزلق في مداحضها ونزل، حتى كادت تكون نكبة عقلية ألمَّتْ بهؤلاء الساسة. فلابد إذن من وضع هذه الحجج حيث ينبغي أن توضع في زوايا الإهمال، وأن ينظر الساسة إلى الحق الطبيعي الذي يجب لمصر على السودان، والذي يجبُ للسودان على مصر، وأنا أقدِّم فأقول إن حق السودان على مصر هو الأصل، وهو الحق الأعظم، وهو الحق الذي لا يمكن مصر مهما بلغت من قوة ومجد وحضارة أن تتنصَّل منه أو تتبرأ، فإذا فعلت، فذاك هلاكها وضياعها في هذا العصر وإلى الأبد البعيد. إن السودان كما كان قديمًا، وكما هو الآن، هو حياة الأرض التي تسمى باسم "مصر"، فزراعتها وتجارتها ومالها وأهلها وتاريخها وحضارتها، كل ذلك فضل أتى به النيل. والنيل فيما بعد أسواره إلى منابعه واقع في الأرض التي تسمى السودان، فإذا أبى السودان أن يُفْضِلَ على مصر بالقدر الكافي من ماء النيل، فقد حدثت المجاعات، وهلكت الزراعة وبارت التجارة وذهب المال واندثرت الحضارات وانطمس التاريخ، ولم يبق في الدنيا دولة تسمى نفسها الدولة المصرية، بل مكان في الصحراء يقال له مصر ليس إلا، مُجَردًا من كل ما تكون به دولة أو أمة. فالحقيقة التي ينبغي أن لا نتمارى فيها بالعصبية أو الكبرياء هو أن السودان هو سيد هذا الوادي الذي يمده النيل بمائه، وإذن فالسودان هو أحق الشقيقين باسم الدولة، فإما أن يسمى وادي النيل كله باسم الدولة المصرية برضى أهل السودان، أو أن يسمى هذا الوادي باسم الدولة السودانية برضى أهل مصر. فهذا هو الوضع الصحيح للمسألة المصرية السودانية. ومن البيّن الذي لا خفاء فيه أن السودان كَنزٌ كله، بمائه ومعادنه وغاباته وحيوانه وكل شيء فيه، والذي في مصر من ذلك لا يعدل واحدًا من ألف من

стр. 397

هذه القوى الطبيعية المكنوزة في أرضه وجباله وسمائه. وهذه القُوَى هي التي تجعل لصاحبها السيادة العليا على الذي يستمدُّ من فضلها. فمصر تستمد من قُوى السودان جزءًا يسيرًا وهو الماء، وتستمده برضى أهل السودان ومسالمتهم وأخوَّتهم، فمن العبث إذن أن تدَّعى مصر "سيادة" على السودان، بل الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن سيادة السودان هي العليا، وأن مصر جزء من السودان، وهو جزء عظيم خصب صالح للاستثمار في الزراعة وغيرها استثمارًا عظيما، فمن مصلحة السودان أن يُفْضِل الماء على هذا الجزء لتزدهر زراعته وحضارته ويكون للسودان ذخرًا من القوة يضارع القوة التي فيه. والسودان محتاج إلى هذا الإفضال لأن المنطقة الصالحة للزراعة في مصر أعظم وأجدى من المنطقة الواقعة في الجزء المعروف اليوم باسم السودان. ومن هذا تعرف كيف دبَّر الله لهذين الشطرين العظيمين أن لا يجد أحدهما مَنْدُوحَة تغنيه عن صاحبه، وتفرض على كل واحد منهما أن يتشبث بصاحبه، فإذا تنابذا وتنافرا وتدابرا وتقاطعا، حاق بهما جميعًا ما يحيق بكل أخوَين متنابذين متدابرين، وهو الهلاك والضياع الذي تُخاف مَغَبتَه. وأنا لا أظن أن في الدنيا شيئًا هو أوضح للعقل السليم من هذا الذي ينبغي أن يكون بين مصر والسودان، أي الحقوق الطبيعية التي يفرضها وجود هذين الشطرين المتجاورين: شطر لا بقاء له وحده وهو مصر؛ وشطرٌ هو القوَى الكامنة التي تعطى البقاء للشطر الأول، وذلك هو السودان. والشطر الأول منهما "مصر" هو الذي مهد الله له سبيل القوة والتاريخ والعلم فكان في الوجود أسبق الشطرين إلى قيام الدولة فيه، والشطر الآخر باقٍ ساكنٌ قار. . . شيخ وقور رزين لا يفارق خَلْوَته إلا بسيب من العطايا والمنح التي يرسلها إرسالا إلى الشطر الأول ليحيى ويقوى ويكون سلطانًا في أرضه، وتاريخًا في الزمن، وحضارة في العالم، ولكن الشيخَ هو سرّ السلطان والتاريخ والحضارة - هو السودان. وذلك حسْبُه. وقد كتب الله لمصر أن تكون كما هي الآن، وأن تكون دولة في الدول لها سلطان ظاهِر ولها عمل في بعض السياسة، ولها آمال في تحرير نفسها وتحرير العرب وتحرير الشرق من بُغاة الاستعمار في أوربة وأمريكا وروسيا، فكيف يجوز

стр. 398

في عقل عاقلٍ أن تدع أباها الذي يمدها بكل هذه القوة ينخزلُ عنها وينفصل ليقع في يد الدولة المستعمرة المعروفة في الناس باسم بريطانيا؟ إن مصر هي السودان، ولا مصر بلا سودان، وإذا كانت إنجلترا نفسها تدّعي أن الهند لازمة لها، وقناة السويس لازمة لها، وكذلك روسيا فيما تدّعيه، وكذلك أمريكا في دعوى مصالحها في الأرض والبحر والجوّ، فكيف يجوز في عقل عاقل أن يُراد لدولة ترجو أن تكون دولة في هذه الدنيا العريضة المتراحبة -وهي ليست إلا خطًّا محرومًا حظَّ الحياة وأسباب البقاء- بانفصال السودان المفضل المتكرِّم عليها بأسباب القوة التي تمكنها من أن تكون دولة؟ إن واجبنا اليوم هو أن نموت في سبيل السودان، لأن السودان هو حياتنا، ونحن بضْعَةٌ منه، فدفاعنا عنه وموتنا في سبيله هو دفاع الولد البارّ عن أبيه، والذي لا حياة له ولا عزّ ولا مجد إلا بحياته وعزه ومجده. نحن لا نريد سيادة على السودان بهذا المعنى العاميّ الجلْف، فإن السودان هو سيّد هذا الوادي، ولكننا نريد أن تبقى مصر حيَّة قوية في كنف السودان أبينا ومادة حياتنا. إننا لن نفرِّط ساعة في السودان لأن الدولة المصرية ليست شيئًا، ولن تكون شيئًا في هذا الوجود إلا بالسودان. ولو أنصف القَدَرُ وأنصف الناس، لكان ينبغي أن تسمى "الدولة المصرية" الدولة السودانية. أما بريطانيا فهي تريد السودان، لأنها تدرك هذا كله حق الإدراك وتعلم أنها إذا بقيت في السودان، تحكمتْ في حياة مصر كلها، وزادت عليه ما في السودان من كنوز لا تزال مطمورة تحت تاريخ الحياة الإنسانية المتقادمة منذ أبعد الآباد. فليحذر السودان ولتحذر مصر، فإن مصر هي القوة الحقيقية لأهل السودان، والسودان هو الحياة الحقيقية لمصر. فإذا انفصل أحدهما عن الآخر ماتا كلاهما بين أنياب الوحش الذي لا تشبع نهمته ولا تسكن ضراوته.

стр. 399

لا تدابَروا أيها الرجال ! زعموا أن رجلا ضلّ له بعير فأقسم لئن وجده ليبيعنَّه بدرهم، فأصابه، فقرن به سِنَّوْرًا وقال للناس: "أَبيع الجمل بدرهم، وأبيعُ السنور بألف درهمٍ، ولا أبيعهما إلا معًا". فقيل له: "ما أرخصَ الجملَ لولا الهرّة! " فذهبت مثلا! والظاهرُ أن بعض ساستنا لا يفتأون يفعلون فِعْل هذا الأعرابيّ، كأنما كُتبَ عليهم أن يتحدَّوْا دائمًا إرادة هذا الشعب المسكين المصفد في الأغلال الوثيقة، وكأنما كُتب عليهم أن يختلقوا العِنادَ اختلاقًا حتى يضيعوا عليه كل فرصة سانحة لنيل حقوقه المهضومة منذ قديم الأيام، وكأنما كُتبَ عليهم أن يتعيَّشوا بنكَبَات هذا البلد وآلامه. وإلَّا فليحدثنا هؤلاء الساسة فيم يختلفون اليوم، وعلامَ يتدابرون تدابُر الذئاب التي قال فيها القائل: وكنتَ كذئب السَّوْء، لما رأى دمًا ... بصاحبه يومًا، أحالَ على الدَّمِ! (١) لقد ظلَّت المسألة المصرية السودانية منذ أكثر من نصف قرن وهي تتخبط في أساليب السياسة البريطانية وتكاذيبها وخُدَعها وتغريرها بعقول الرجال، وتكاثرت النكَبات على مصر والسودان، واتخذت بريطانيا صنائع لها لبسوا ثوب الصديق وهم ألدُّ عدوٍّ وأبشعُه وأخلاه من الشرف والمروءة، ولم تزل مصر والسودان تجاهد بطبيعتها الحرة الصريحة المكنونة في صدور أهل هذا الوادي الحر النبيل، فغلبت الشرّ وقهرَته، واستعلنتْ على أبْين ما تكون وأكمله، فانتهينا من ذلك الوباء الفتاك الذي كان ينخر في جسم هذا الوطن، والذي كان يتهادى عليه من سماهم الناس "زعماء" -انتهينا من وباء "المفاوضة" ومن حصر المسألة المصرية

стр. 400

السودانية في حيازة بريطانيا وشرف تاجها وَوُعودها المبذولة بألفاظٍ من سراب. وهذه النتيجة وحدها هي حَسْبُ مصر والسودان من جهادِهما، فإنه لم يكن من المعقول أن يقف مغصوب ضعيف ليفاوض غاصبًا قويًّا مفاوضة الندّ للندّ كما كان "الزعماء" يزعمون! ووالله ما ندري كيف كان يجوز ذلك في عقولهم "الزعيمة"؟ وكيف كانوا يخدعون الناس عن عقولهم "المزعومة"! ! ولكنه كانَ، وعلم أسرار ذلك عند الله خالق الزعماء! ثم خرجنا من بلاء المفاوضة إلى عرْض قضيتنا -قضية مصر والسودان- على مجلس الأمن أو هيئة الأمم المتحدة لتحكم بيننا ويين بريطانيا المغتصبة الجريئة على حقوق خلق الله، وعلى الإيقاع بين الأمم والشعوب، وعلى خلق المشكلات التي لا وجود لها، كما فعلت في فلسطين، ثم تظاهرها بعد ذلك بأن حلّ هذه المشكلات هو همُّها، وهو تعبٌ صبَّه الله عليها وحمَّلها إياه، وهي كانت تتمنى لو زعمت أن الله لم يصبَّ عليها هذا التعب ولم يحمّلها عبء حله وتصريفه حتَّى تبلغ إرضاء المختلفين في هذه المشكلات! ! وهي تريد أن تخدع الأمم في مجلس الأمن أو في هيئة الأمم المتحدة بهذا الكذب الأبلق (١)، وعندها من أفانين الدعاية وأساليب الصحافة، ومن رجال القلم واللسان ما يعينها على إجازة هذا الكذب الصِّرف إلى عقول الرجال في مجلس الأمن أو سواه. وهي تعلم أن هؤلاء الرجال قليلا ما يعرفون من سيئاتها ومظالمها وبغيها وجرائمها وآثامها في هذا الشرق الَّذي ابتُلى بها وبخداعها. وظني بساستنا، هداهم الله، أنهم يعرفون هذا حق المعرفة، فإن لم يكونوا يعرفونه فقد نُبهوا مرارًا ويومًا بعد يوم، فهم الآن على أتم علم بما يُخاف وما يُتجَنَّبَ في ساعة العُسرة التي نحن فيها منذ فتح الله مغاليق القلوب المُصْمتة فأدركت أن المفاوضة عبث لا يُجدي ولا يغني، وإنما هو الجهادُ العامُّ في سبيل نيل الحق المغصوب. فما معنى هذا التدابُر إذن؟

стр. 401

معناه أن هؤلاء الساسة قوم تصرفهم أهواؤهم، لا حقوق هذا الوطن الَّذي أعطاهم حق الحياة فيما أعطى، ومعناه أيضًا أنهم قوم جَمدوا على سياسة لا يحسنون غيرها ولا يفهمون الأشياء إلا على أسلوبها. وهو أخسُّ الأساليب، ومعناه أيضًا أنهم يجهلون معنى خروجنا من أسر المفاوضات وارتفاعنا بقضية وادي النيل إلى مجلس الأمن أو هيئة الأمم المتحدة. ولو همْ نفوْا من صدورهم هذه الشحناء القديمة البغيضة لأدركوا موقف مصر والسودان حق الإدراك. فالأمم لا ترتفع إلى مجلس الأمن أو هيئة الأمم إلا في القضايا التي تهدد السِّلم العالمى، أي التي يخشى أن تجر إلى حرب مبيدةٍ بين الأمم، فإذا ارتفعت أمتان إلى المجلس أو الهيئة لكي يحكم بينهما؛ فمعنى ذلك أنهما قد بلغا مبلغًا يمكنُ أن يسمى "حالة حرب" كما يقولون اليوم، وإذن فاحتكامنا إلى مجلس الأمن معناه أن ههنا "حالة حرب" يُرادُ من مجلس الأمن أن يتداركها. فإذا كان ذلك كذلك فهل في عقل عاقل أن تكون أمة في ساعة أشبه بساعة حرب، فإذا رجال من قادتها يقومون ليتنابزوا بالألقاب ويتكايلوا بالتهم، ويتدافعوا بالبغضاء، ويبسطوا ألسنتهم في حديث الماضي الَّذي عفَّى عليه الزمن حين عفَّى على أسبابه وهي المفاوضات التي كان قوم يستأكلون بها كراسي الوزارات ومقاعد البرلمان؟ ألا فليعلم هؤلاء جميعًا أننا لا نريد أن ننصر قومًا على قوم فما بنا إلى أحد منهم حاجة، وأننا إنما نريد لهذا الوطن أن يخرج من المحن منصورًا مؤزّرًا ظافرًا بالحق المسلوب. إن مصر والسودان قد أعلنت على بريطانيا -باحتكامها إلى مجلس الأمن- ما يمكن أن يسمى حربًا بغير سلاح، فكل مصر سوداني هو اليوم جندي منوط به حراسة الثغرات التي يتدسس منها العدوّ الأكبر وهو بريطانيا، لا فرق بين كبير وصغير، ولا زعيم ولا تابع، فأهل هذا الوادي جميعًا يدٌ واحدةٌ وسواسيةٌ كأسنان المشطِ في التكليف الَّذي كلفوا به، وعلى كل منهم أن يبذل ما وسعه من النصيحة والمشورة اللذين سيتولون الدفاع عن حق الوطن في ذلك المكان الَّذي سنحتكم إليه. وخيرٌ لأولئك الذين يقولون: إن فلانا هذا لا يصلح لعرض القضية المصرية

стр. 402

السودانية على مجلس الأمن أو هيئة الأمم أن ينزعوا هذا الإفك من ألسنتهم فإنه مضَلة ومفسَدة وخذلان للوطن لا لفلان أو فلان، وخير لهم أن يقضوا الليالي الطوال في درس الحجج التي سنتقدم بها لإقناع رجال يجهلون كل الجهل تاريخ النكبة البريطانية التي صبَّها الله على رأس مصر والسودان، وخير لهم أن يستخرجوا آثام بريطانيا وضروب بغْيها في مصر والسودان، وفي الهند، وفي فلسطين، وفي سائر بلاد الشرق ليعرضوها جملة واحدة تصريحًا أو تلميحًا ليكشفوا لرجال مجالس الأمن عن فظائع بريطانيا وأفعالها البشعة منذ سلطها الله على هذه البلاد، فإن أكثر التاريخ الَّذي يقرؤه هؤلاء مكتوب بأقلام بريطانية وأهواء بريطانية. وإلا فحدثونا مَن مِن رجال مجلس الأمن، فضلا عن شعوب هؤلاء الرجال، عرف ألوان الخساسات التي ارتكبت في دنشواي، وفي فلسطين أيام الثورة العربية؟ إننا لن نذهب إلى مجلس الأمن وحده بالقضية المصرية السودانية بل سنذهب إلى كل فرد في روسيا وأمريكا وسائر الشعوب المشتركة في مجلس الأمن. وإننا لن نذهب بالقضية المصرية السودانية وحدها، بل سنذهب بجميع قضايا الشرق الَّذي ذاق نكال بريطانيا أكثر من قرن ونصف قرن. إننا نريد أن نُدخل قضيتنا وسائر قضايا الشرق في كل بيت وفي كل نادٍ وفي كل مصنع، وفي كل مكان فيه إنسان يعقل -كما تفعل بريطانيا الغادرة بباطلها الَّذي تنفثه في كل حنيَّة من حنايا هذا العالم، متظاهرة بأنها المدافعة عن الحق وعن الحرية وعن العدالة وعن رفع مستوى الشعوب! ! ويا له من كذب لا يفله إلا الحق الأبلج (١)! فأين نحن من هذا كله؟ أين؟ أفي البغضاء وتعداد المساوئ الماضية، وبسط الألسنة في المطويّ من الأحداث القديمة؟ إننا لن ننال شيئًا إذا فعلنا إلا الخزى والعار وعرض فضائحنا على أعين الناس! إننا أيها السادة محاربون، فافعلوا فعل المحاربين في ساحة القتال، لا فعل المتشاتمين على قارعة الطريق. واذكروا هذا الوطن، فهو أحق بالذكرى من ضغائنكم وإحنكم (٢) وثاراتكم. اجعلوا هذه كلها دَبْرَ آذانكم وتحت أقدامكم،

стр. 403

فإن الوطن يأمركم بهذا فأطيعوه ولا تطيعوا داعي الشهوات وكراسي الحكم ومقاعد البرلمان فكلها عرض زائل، وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وهي هي التي تتقدم إلى مجلس الأمن بقضيتها، لا فلان هذا ولا فلان ذاك؛ فالكلمة الآن لمصر التي أنتم أبناؤها، لا لأحدٍ منكم على حياله. فأجمعوا أمركم، ولا تحملنكم الكبرياء على تزييف القول إرضاءً لشهوات أنفسكم، فإنكم إن فعلتم كدْتم لبلادكم وأوطانكم وشرقكم كيدًا لا يكيده عدوّ حقود ولا شامت باغٍ لكم أهوال المصائب. وماذا تريد بريطانيا إلا اختلاف الكلمة وتفرّق الوحدة؟ ألم تدركوا بعد ماذا كان يريد كهفُ (١) بريطانيا بيفن حين زعم أنَّه لم يعرف أنَّه أخطأ إلا يوم عزمت مصر والسودان على رفع قضيتها إلى مجلس الأمن، فإنه زعم أنَّه أخطأ إذ أدار المفاوضات بينه وبين حكومة أقلية! ! ويا سبحان الله! إنه لم يُرد من تلك الأكثرية التي يعرّض بها إلا أن تكون خصومة ولدَدًا على حكومة الأقلية، وأن يستثير دفائن الأحقاد ويفت من عضد الأمة التي سوف ترغمه وترغم بريطانيا على احترام إرادتها وحقها. فإن لم يكن في الاتحاد والتناصر إلا قتل هذه الكلمة وما ترمي إليه، حتَّى يحمل الرجل حسرتها إلى الأبد- لكان ذلك واجبًا مفروضًا وخيرًا مرغوبًا فيه. وكيف جاز في العقول -أعني عقول بعض الساسة- أن الأمر أمر حكومة أقلية أو أكثرية! ! لا أدري، ولكنه كان. ومع كل ذلك، فالأمر كله تدليسٌ سخيف، ففي البلاد المنكوبة المهضومة الحقوق، لا رأي لأكثرية ولا أقلية بل الرأي للشعوب وللبلاد، أي للشعب من حيث هو تاريخ ماضٍ وتاريخ حاضر وتاريخ مستقبل، فحكومة الأكثرية لو هي خانت الأمانة وفرطت في حقوق البلاد ومهرت ووقعت وأسلمت المقاليد وعقدت المعاهدات وأقرها البرلمان وأجاز كل ما جاء فيها من تفريط -فذلك كله باطل، لأن الحق ههنا حق طبيعي متوارث في البشرية كلها، لا يغيّر رأي الأكثرية شيئًا من حقيقته وجوهره، ولا تمتلك الدولة القائمة في أرض البلاد المحتلة أو المهتضمة أن تنزل عن هذا الحق لأحد، فنزولها عنه عملٌ باطل من أصله.

стр. 404

وإذن فالذي يقيّد الأكثرية، ويؤيدها هو حق الشعب وهي بحرصها على هذا الحق تسمى أكثرية لا بغيره. فلو جاءت الأقلية وفعلت ما يدل على أنها حريصة على هذا الحق الطبيعي المتوارث الَّذي لا يمكن حكومة أن تتنازل عنه لأحد، فهذه الأقلية بمنزلة الأكثرية، لأنها هي المطالبة بالحق الطبيعي، وهذا شيء بيّنٌ واضح، اللجاجة فيه شهوة وعبث. أو ليس عارًا أن يكتب المرء مثل هذا لقومٍ كان لهم جهاد في سبيل بلادهم؟ إنَّه لعار. ألم يكن لهؤلاء أسوة حسنة في سورية ولبنان حين وقفت صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص، على ما كان يومئذ من اختلاف أشد وأعنف من اختلاف رجالنا؟ بلى قد كان. أيها الرجال! إن العالم كله ينظر إلينا، وإن قلوب الشرق كله تخفق إشفاقًا علينا وحبًّا لنا، وإن الأمم الجريحة التي مزق الوحش البريطاني أوصالها قد كفَّت عن الأنين لتسمع صوتكم وهو يُدوِّي في جنبات الأرض لتنسى عندئذ آلامها وأوجاعها، وإن فلسطين -وآه لفلسطين- إن الجزع ليأكل قلوب أبنائها مخافة أن تزل أقدامنا، وهم قد ناطوا بنا رجاء قلوبهم. فرفقًا أيها الرجال ولا تخذلوا شعبًا مجاهدًا كتب عليه أن يقاتل أنذال الأمم. أيها الرجال! لا يغرنكم هذا الوحش البريطاني، فإنه يضرب بقوامه وهو كالصريع فذَفِّفوا (١) عليه باتحادكم، وأجهزوا عليه بتناصركم، وانسوْا ما مضى وخذوا عُدَّتكم للذي سيأتي، فإنه النصرُ لمصر والسودان بإذن الله مذِلِّ الجبابرة، ومُرْغم الطغاة الغادرة، وناصر الأمم المتآزرة.

стр. 405

إنه جهاد لا سياسة ! عجبتُ أشدَّ العجب حين قرأتُ في الأسابيع الماضية خبر وساطة سورية ولبنان وغيرهما من بلاد العرب والتي أرادوا بها اجتلابَ التفاهم بين بريطانيا ومصر والسودان. ومعنى ذلك أن البلادَ التي دفعتها الغيرة والصداقة والقُربَى إلى هذه الوساطة، تَعْنِي أو تظنُّ أو تؤمِّل أن تكون المفاوضةُ بيننا وبين بريطانيا خيرًا من الارتفاع إلى مجلس الأمن أو الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، ليقضى بيننا فيما اختلفنا فيه! وللعجب من مِثْل هذا الفِعْل وجوهٌ كثرةٌ. فمن ذلك أننا ظللنَا نُفاوض هذه الدولة المتغطرسة سنين طوالا مغرَّرِين بالمفاوضة، فما أجدتْ علينا إلا ألوانا من البلاء، وعلمتنا ضروبًا من كَذِب الألسنة واحتيالها وخداعها، وعرفنا أن بريطانيا تراوغُ ما استطاعت المراوغةَ، وتتجنَّى ما أطاقت التجني، ولا نكسبُ نحنُ من ذلك شيئًا إلا الفرقَة والتدابُر والتنابُذ والتشاتُم، وهي كلُّها من مبيدات الأمم. نعم، وكانت العبرة التي لا عبرة بعدها أن القوم الذين ظلُّوا أكثر من خمسة وعشرين عامًا يُصرُّون على أن المفاوضة هي خير طريق لاستنقاذ حقوقنا من الأيدي الغاصبة، هم هُم القوم الذين عرفوا أن لا جدوى من المفاوضة، فقطعوها وآثروا أن يرفعوا الأمر إلى هيئة دولية تحكُم بيننا. هذا فضلا عن أن صريح الرأي، وصريح الدلالة، وصريح التجربة، تُوحي جميعًا بأن بريطانيا لم تستفد قطُّ من شيء في هذا الشرق المبتلى بها ما استفادت من مبدأ المفاوضة. فهو الَّذي أتاح لها في مصر مثلًا أن تُطفئَ جمرة الشعب المصري التي ظلَّت تتوهج فيما بعد سنة ١٩١٩، حتَّى صدق فيها قول المتنبي: وكم ذا بمصر من المضحكاتِ ... ولكنه ضحكٌ كالبُكَى فمن هذه المضحكات المبكية، ما كان من تغرير المفاوضين الذين جاءوا

стр. 406

بمعاهدة ١٩٣٦، والذين استطاعوا أن يصبُّوا في آذان الشعب من الكلام الفاتن حتَّى احتفل بها احتفاله المذكور على أنها "معاهدة الشرف والاستقلال"! ! ومن ذلك أن ترى شعبًا قد أُوذى وامتُهِن وحقر على يدِ فئة من طُغاة العسكريين فإذا هو يحمل ممثل هذا الشعب بعدَ قليل على الأعناق! ونحنُ لا نذكر هذا رغبةً في ذكره، ولكن الذين توسَّطوا ينبغي لهم أن يعرفوا هذه الفظائع التي أورثتنا إياها مبادئ المفاوضة وما يتبعُها. ومن العجب أيضًا أن سورية ولبنان تعلم حقّ العلم، وتعلم بالتجربة التي جربتها مع الفرنسيين، أن المفاوضة لا تجدى، وأنها لم تنلْ حقَّها إلا حين كانت يدًا واحدة تطالب بحقها المغصوب، فلم تقبل معاهدة ولا شروطًا ولا وعودًا تعد بها فرنسا، وأصرَّت على ذلك إصرارَ الكِرامِ القادرين، فإذا فرنسا تجلو بجيوشها جميعًا عن كل بقعةٍ من بقاعها، وكل مكتب من مكاتبها. فالذين يعرفون هذا في أنفسِهم، إذا هم أتوا خلافه أو أرادوا غيرهم على إتيان خلافه، إنما يزيدون العجبَ عجبًا ولا ريبَ. أما العجبُ فهو أن هذه الدول التي بذلت وساطتها نسيتْ موقف بريطانيا في مسألة السودان كل النسيان، وغفلت عن السرِّ الَّذي دفع بها إلى إيثار التشدّد على المساهلة، والصراحة على المواربة. وذلك أنها لا تريدُ أن تفصِل السودان عن مصر مُكايدة لها أو انتقامًا منها، بل لأنها لا تريدُ الجلاءَ عن مصر كلَّ الجلاء، وهي تعلم أن السودان هو مصر، فبقاؤها فيه هو بقاؤها في مصر سواءً بسواء. ولكن بريطانيا لا تريدُ أن تفضح نفسَها بالإصرار على البقاءِ في أرض مصر، فاخترعت قصة الدفاع عن مصير السودان واستقلاله أو تهيئته للحكم الذاتي وأنه لابُدَّ لذلك من أن تبقى فيه حتَّى يتهيأ ويستعدَّ، وأن تمنع مصر الباغية من العدوان على السودان! ! وهذا كله تدْليسٌ بيّنٌ، وكنا نرجو أن يعرف المتوسِّطون حقيقة هذه المسألة على وجهها فيكفُّوا عن الوساطة التي تعودُ بنا إلى المفاوضة -أي إلى تعذيب الشعب المصريّ السودانيّ سنين أُخَر، وإلى بقاءِ العالم كله جاهلا بعدالة قضية مصر والسودان على وجهها الصحيح.

стр. 407

وأما أعجبُ العجبِ: فهو أنهم نسوا ما تُلاقي فلسطين على يد البريطانيين اليوم، من إرخائها الحبْل لنذالة الإرهاب اليهودي ومعاونتها في هجرة اليهود بأساليبها الخدَّاعة، واحتمالها في ذلك الأمر ما لم تكن تحتملُ قليلا أو كثيرًا من مثله حين ثارتِ العربُ على ظلمها وبغيها وعدوانها هي وأشياعها من يهود. وهل ننسى، نحن العرب، لم وعدت بريطانيا شُذَّاذَ اليهود الذين ضربَ الله عليهم الذلة والمسكنة، بأن ينشئوا في فلسطين وطنًا قومًّا، ثم معاونتهم لهم في ذلك، ثم إغضاءَها عن جشع اليهود بعد ذلك وطلبهم إنشاءَ "دولة يهودية" تقوم في قلب الأوطان العربية التي تحيط بها من كل ناحية؟ إن الوساطة لا تكون حقًّا إلا حين تتوسَّط بين شريفين كريمين يُحْسِنان تقدير الوساطة. فما الَّذي رأته سورية ولبنان وسواهما من الشرف والكَرم في تاريخ بريطانيا في بلادِ العرب حتَّى تركب هذا المركب الوعر؟ الجواب: لا شيء، بل النقيضُ هو الصحيح. * * * وأنا لا أكتب هذا عتابًا ولا ملامةً، فأنا لا أشك في أنهم جميعًا إنما أرادوا الخير، وظنوا الخير، وعملوا للخير، ولكن غير ذلك كان أولى وأدلَّ على فهم الحقائق. لقد وقعت الحربُ العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨) فإذا الشعوب العربية فِرَق مقطَّعة بين الدولتين الباغيتين فرنسا وبريطانيا، وكان رأي العرب مفرَّقًا ضائعًا في فوضى الاضطراب الَّذي أعقبَ الحرب، ومع ذلك فقد قامت الثورات في كل مكان مطالبة بالحقوق الواضحة التي لا جدال في وضوحها، فأنكرتها علينا بريطانيا وفرنسا، ولكنَّا مع ذلك ثُرْنا وبقينا نثور في كلّ مكانٍ. ثم جاءتنا الحرب العالمية الثانية، فإذا رَأْى العرب مُجْتمعٌ غير مفرَّق كما كانَ بعد الحرب الماضية، وبدأنا نثورُ فإذا الثورات قد خمدت بعد قليلٍ، وإذا نحنُ نوشِكُ أن نتفرق بعد اجتماع. ولعل هذا رأي غريبٌ مع ما نرى من قيام الجامعة العربية، ومن تصريحها في مناسبات كثيرة بأنها تؤيد مطالب مصر

стр. 408

أو مطالب غيرها من الأمم العربية: بالإجماع. بيد أن السبب الَّذي من أجله أخشى تفرُّق الكلمة هو ما رأيت من أمثال هذه الوساطات التي تردّ كلُّها إلى سبب واحدٍ، هو أن الرأي العربيّ لم يدرُسْ القضايا دراسة مستوعبةً، ولم يتخذ لنفسه خُطَّة بيّنةً واضحةً في كل قضية. وأظنُّه لو فعل ذلك لنفى من قلبه خاطرَ هذه الوساطات بين أقوام العرب، وبين الدول المتغطرسة التي لا أمانة لها، ولا هدفَ لها إلا استعباد هذا الشرق بأساليب "مطابقة لمقتضى الحال". وإنه لأولى بنا جميعًا، نحن العربَ، أن نصارح بالعداء كلّ أمة من أمم الطغيان الاستعماري، وأن نحذرَ كلَّ الحذر مزالق السياسة وأساليبها الخدَّاعة، فإننا أمم مجاهدةً، وينبغي أن تظل مجاهدة حتَّى تنال حقها في كل مكان، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. والمجاهد مُقاتلٌ، لا صاحب سياسة ومُوَاربة ومداراةٍ، فإن ضرَرَ هذه الثلاثة على الشعوب المجاهدة أكَبُر من أن نَغْفُل عنه أو نتهاون فيه. وأنا أتعجَّبُ أحيانًا: لماذا لا تتعاونُ الدول العربية جميعًا والدول الشرقية الخاضعة للاستعمار، فتهبّ هبَّة رجل واحد، وتقاطع هذه الدول الباغية، وتقول لها: إني لن أتعاون حتَّى أنالَ كلّ حقوقي كاملة غير منقوصة! وهذا شيءٌ ليسَ بغريبٍ بعد قيام هيئة الأمم المتحدة التي يزعمون أنها أنشئت للمحافظة على سلام العالم، والتي تنقض مبادئها كل حجة تقالُ في مسألة مخافة العُدْوان على هذه الأمم بعد خروج الجيوش المحتلة من أراضيها، ولو فعلنا ذلك، وأبينا أن نُلْقى السَّلَم حتَّى تحلّ هذه القضايا الكثيرة التي عمَّدتها بريطانيا وأشياعها من الدول المستعمرة، لكان قريبا أن ننال كل ما نريد، ولكان ذلك معوانا للشعوب العربية والشرقية على الشُّعور بقوَّتها وعزتها واجتماع كلمتها، ولكان ذلك وِقاءً لنا من أن نكون كما نحن الآن: خداعٌ يُراد يمصر، وخداع يُرادُ بالسودان، خداع يُراد بالمغرب، وخداعٌ يرادُ بالهند وما جاوَرَها. إنه ليس عجيبًا. بل الدلائل على صدقه وعلى صلاحه ما رأينا من نتائجه بعد قيام الجامعة العربية التي لا تزال في أول نشأتها. فالجامعة العربية على قلة وسائلها

стр. 409

وقلة تجربتها، قد جعلت العالم الغربي كله يتنبَّه إلى أن في الدنيا شيئًا من القوة لا يَنفع في الخلاص منه سلاحٌ فتَّاك ولا غطرسةٌ حربية. فإذا اجتمعت الكلمةُ في الشرق كله، وهبَّت الأمم الشرقية كلها مرة واحدة لاستيقظ العالم كله على صوت هذه الضجة المدوِّية، ولطالبت الأمم الغربية نفسها بدراسة هذه المسائل المعقدة وفهمها على وجهها الصحيح، لا على الوجه الَّذي ظلَّت بريطانيا وسواها من حكومات الاستعمار تعمل جهدها سنين مطاولة على تدليسه وبثِّه في صحافتها وكتبها وإذاعاتها. فلا سبيل إلى ردّ هذه الأكاذيب جملة واحدة إلا بأن نشعر العالم جملة واحدة بما نريد، فيتنبَّه ويستعدُّ للمعرفة، فنتخذ عندئذ كل وسيلة إلى إفهامه عدالة قضايانا، ونكشف له عن الأكاذيب التي أذيعتْ عليه من قبْلُ، ونفضح أساليب سياسة الاستعمار في تشويه الشعوب وقضايا الشعوب. هذا رأيٌ، وطريقة العمل له ميسرة وواضحة. وهو شيءٌ كبيرٌ، ولكن صاحب الحقّ الَّذي يستهوِل الإقدام على بيان حقه بالأساليب التي ينبغي اتخاذها وإن عظمت، لن ينال شيئًا إلا العجز، وتراكم العجز بعد العجز، ثم ضياع حقه إلى الأبد. ولقد بدأت مصر والسودان تخرج بقضيتها عن محيط المفاوضة إلى الاحتكام إلى الدول الممثلة في هيئة الأمم المتحدة، فينبغي على كل عربي وشرقيّ أن يحرّضَها على ركوب هذا الطريق وإن شق مسلكه، وينبغي على كل دولة عربية وشرقية أن تقف صحافتها وإذاعتها صفًّا واحدًا للجهاد في سبيل مصر والسودان -أي في سبيل فلسطين وليبية ومراكش والجزائر وتونس والهند وما وَالَاها، أي في سبيل الدفاع عن حقوق جميع الشعوب التي ذاقت مرارة الاستعمار ونكاله أجيالا أو أعوامًا. والعاقبة للمجاهدين الصابرين على لَأْوَاء (١) الجهاد وبأسائه.

стр. 410

الخيانة العظمى . . .! كثرت لجاجة الصحف البريطانية ومراسليها في مسألة مصر والسودان، ولا تزالُ تلحُّ في ترديد الأقوال التي تشكك في عرض قضية الجلاء عن وادي النيل -مصره وسودانه- على مجلس الأمنِ أو أية هيئة دولية يكون من حقّها أن تنظر مثل هذه القضية، ولم تزل هذه الصحف ومراسلوها يدسُّون كلمة "العودة إلى المفاوضة" دسًّا عجيبًا حيث يحتاج إليها الكلام وحيث لا يحتاج، وهذه عادة قديمة وأسلوب عتيق كسائر أساليب بريطانيا في الخُدَع التافهة التي تسمِّيها سياسة. ولسنا ندري على أيّ أساسٍ يبنى هؤلاء المراسلون، أو الموحون إليهم، كلامَهم وثرثرتهم هذه. ولكن الشيء الَّذي لا نشكّ نحنُ فيه ألبتّة، والذي ينبغي أن تعرفه بريطانيا ومن ترسلهم إلى مصر والسودان ليحملوا إليها أنباء هذه البلاد -هو أن الشعب المصريّ السوداني قد قال كلمته منذ اليوم، وقد قَضى على كل سياسيِّ يخرجُ على إجماع الشعب بالخيانة العظمى كما تفهمها الشعوب- لا كما تفهمها الحكومات. وقد انعقد إجماع الشعب على اختلاف الأحزاب التي ينتمى إليها: ١ - بأن لا مفاوضة بينا وبين بريطانيا بَتةً وقولا واحدًا. ٢ - وأن الجلاء كلمةٌ يرادُ بها أن تجلوَ بريطانيا عن وادي النيل لا عن مصر دون السودان. ٣ - وأن طلَب الجلاء ينبغي أن يعرضَ على هيئة دولية لها شرفٌ تخافُ أن يُثْلَم، ولها مكانة تتحرَّج عن سقوطها في أعين البَشَر. ٤ - وأن التجربة قد دلَّت على أن بريطانيا خِلْوٌ من هذين الشرطين، وهما شرطان لابُدَّ منهما لمن نرتفع إليه بقضيتنا أو من نفاوضه فيها.

стр. 411

٥ - وأن كل دعوةٍ يُراد بها أن نعود إلى المفاوضة في حقٍّ من الحقوق المكفولة لسائر البشر، ليست إلا خيانة توجب على مُرتكبها ما توجبه سائر الخياناتِ من قصاصٍ. ٦ - وأن مصر والسودان أمةً واحدة، سوف تتولى بنفسها عقاب كل خائن. هذا مختصر ما ينبغي لبريطانيا وساستها أن يعلموه علم اليقين. أما مراسلوها وجواسيسها الذين كُلِّفوا بأن يحملوا إليها الأنباء التي تهتدى بها في سياستها التي تخصُّ مصر والسودان فقد كذبوها أفحش الكذب، لا لأنهم يريدون الكذبَ على أُمَّتهم البريطانية، كلا، بل لأنهم جهلوا كلَّ الجهل طبيعة الشعب المصري السوداني، وخدعتهم الظواهرُ عن حقيقة النار المضطرمة في أحشاء مصر والسودان، منذ استيقن شعب مصر والسودان أن بريطانيا أمة من أخلاقها الغَدْر والوقيعة وإخلاف الوعدِ والتلوُّن في ألفاظٍ من بهرج الكلام وزائفه ونحن لن ننصبَ أنفسنا لإفهام هؤلاء القوم ما طبيعة شعب مصر والسودان، ولكنَّا سنحدثهم عن مسألة المفاوضة نفسها كيف كان من أمرها، ولهم بعد ذلك أن يحكموا بما يشاؤون، فإن إخراجَ الغُرور من رأسِ المغرور أعسر من ردّ النور إلى عيْنَي الأكمه (١)؛ ولاسيَّمْا إذا كان غرورًا بريطانيًّا متغطرسًا. ففي أوائل القرن الماضي قام في مصر فتى ينادي في جنبات هذا الوادي: "بلادي! بلادي" فهبَّتْ مصر والسُّودان تتلفَّت مستجيبة لهذا الداعي النبيل الصوت، الحبيب النداء، القويّ الإيمان. لقد كانت مصر والسودان هي التي تنادي مصر والسودان، فهي دَمُه، وهي أعصابه، وهي نفْسه، وهي جنانه، وهي لسانه، وهي حقيقته التي صار بها هذا الفتى يُدعى بين الناس "مصطفى كامل". ثم أوحت مصر والسودان إلى فتاها أن يقذفَ في وجه بريطانيا ذاتِ البأس بكلمتها الخالدة: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء"، لأَن حقيقة مصر والسودان المستقرِّة في بنيان هذا الفتى كانت تعلم من سرّ ضميرها أن هذا هو الحق، وأما كلّ شيءٍ

стр. 412

سواه فباطلٌ وقبضُ الريح، كما قال سليمان. نظرت مصر والسودان إلى هذا الفتى الضئيل المعْرُوق وهي تبكى من فَرْطِ لهفتها وتخوُّفها ومن فرط ما كانت تشعرُ به يومئذ من العجز الَّذي استهلكها وأثقلها عن أن تكون مثله توقُّدًا ونشاطًا وقوة وحياةً، ولكنها آمنت به ورضيتْ عنه وجعلت دمعها شهادةَ الإيمان بحقّه وحقّها الَّذي أجراه الله على لسانه. ونجمت يومئذٍ فئة من خلق الله الذين شاءَ برحمته وحكمته أن يجعلَ مصر والسودان لهم منبتًا ومَباءةٌ كما جعلها منْبتًا ومباءةً لسائر الهوامِّ وخَشَاش الأرض وهَمج الجوّ، وقامت بريطانيا تتعهَّد هذه الفئة وتغذُوها وترضعُها من دَرِّها بُغيةَ أن تشتدَّ فتكون سباعًا وجوارحَ وأعوانًا لها على الفتك بهذا البلد الأمين، وما هو إلا قليلٌ حتَّى خرجَ منها خلقٌ يعْوى في وجه الفتى وينبَحُ ويهرُّ هريرًا لا ينقطعُ، ولكن مصر والسودان أبتْ إلا فتاها فأطاعتْه وأنكرت تلك الفئة التي نبتت أبدانها على شيء غير نيلها وتربة هذا النيل. ثم قبض الله إليه فتى مصر والسودان، فخرجت مصر والسودان في جنازته تبكي الصوت الَّذي ردَّد الكلمة الخالدة المنبعثة من سرّ أحشائها: "بلادي! بلادي! لا مفاوضة إلا بعد الجلاء"، خرجت مصر والسودان حتَّى سباعُ بريطانيا وعُواتها ونُبَّاحُها يبكون أيضًا، لأن في دمهم شيئًا من مصر كان يحن بهم إلى صوت بلادها ومأتمها ونواحها. بقيت مصر تذكُر فتاها، وتسمع صدى كلماته من حيثما تلفَّتت، حتَّى جاءت الحرب العالمية الأولى وخشعتِ الأصواتُ لهدّ القنابل ودوي الرصاص، فما كاد يسكتُ ناطق الحرب حتَّى انبعثت مصر بالقوة الدافعة التي جيَّشَها في قلبها هذا الفتى الشاب، وصرخت في وجه بريطانيا الظافرة: "حقّي! حقّي! أيتها الغاصبة". لم تَهبْ بأسها ولا سطوتها ولا جبروت الظفر المسكِر الَّذي ثملت بنشوته. ثم كان شيءٌ لا ندري كيف كان! ! كان منطق الحوادث يقضي بأن تردّد هذه الجماهير الثائرة كلمة مصر والسودان الخالدة: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء"، ولكنها اقتصرت يومئذ على

стр. 413

ما يتضمن ذلك النداء الحكيم الَّذي نادى به فتى مصر فجعلت تقول: "الاستقلالُ التام"، وخرجت بريطانيا تُقتِّل بالرصاص جمهورًا ثائرًا مطالبًا بحقه مستبسلًا في سبيله، فكلما انطلقت رصاصة انطلقت معها صيحةٌ واحدة من حناجر أمة بأسرها: "الاستقلال التام"، فكأنها رأتها تغني عن كلمتها: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء". فهما عندها كلمتان مترادفتان. وألحّت بريطانيا في التقتيل والفتك والعُدوان والبغي، وألحت مصر والسودان في الجرأةِ على باطل بريطانيا مطالبة بحقها وهو "الاستقلال التام"، ولم يكن يدورُ بخلدها شيء إلا هذا النداءُ وحده ليلا ونهارًا وبكرة وعشية ويومًا بعد يوم، ولم يكن يجرى في وَهْم الشعب الثائر المطالب بالحق أنَّ أحدًا سوف يقول: تعالى أفاوضكِ يا بريطانيا! فيَحذر عندئذ حذره ويعود إلى ندائه الأول الَّذي هو الكلمة المستكنة المضمرة في دَمِ هذا الشعب الذكي على قلة علمه، القوي على ضعفِ حيلته. ثم كانَ شيء لا ندري كيف كان! ! كان زعيم هذا الشعب الثائر "سعد زغلول"، وكان رجلا شيخًا، ولكن ناهيك به من شيخ، وكان خطيبًا حسبُك من خطيب، كان يسمعُ الهمهمة التي تدور في دم الشَّعب ولا تجد لها بيانًا، فيصوغ لها بيانًا من عنده ويلقى به إلى الشعب فإذا هو يسمعُ كل ما في ضميره مترجمًا في ألفاظٍ حية تتردَّد في أذنيه. وفُتِن الشعب بسعدٍ، بلسانه الَّذي ينطقُ بأسراره التي تتحيَّر في دمه ولا يعرفُ كيف يبينُ عنها، وأسلم القياد لرجل يهديه ويرشدهُ ويعبِّر عنه، ويلطم بشيخوخته الوقورة الصاحية شبابَ بريطانيا الظافرة الطائشة السَّكرى براحِ النصر. ثم كان شيء الله يعلم كيف كان! ! فإذا هذا الشعب المأخوذ بسعد، الفائر بالثورة في طلب حقه المتَهَجّم على بريطانية العاتية، المائج من منبع النيل إلى مصبه يطلبُ الحرية من قيوده وآصاره (١) فتتلقَّاه أسنّة الرماح البريطانية ويتخطّف أرواحه رصاصُ الوحوش ذاتُ

стр. 414

المدنية العريقة منذ كان أرسطو إلى هذا اليوم! ! إذا بهذا الشعب المنادى بالاستقلال التام يسمعُ دعوةً إلى مفاوضة بريطانيا لا يدري أحدٌ كيف جاءت وكيف تدسست إليه، وإذا سعدٌ هو المفاوض، فمشت مصر في آثار زعيمها ثقةً به وتسليما لهُ، ورجتْ لحكيمها الشيخ أن يرتدَّ إليها باستقلالها التام. . . كان هذا ولا يدري أحدٌ كيف كان! ! ولكن بقيتْ في مصر والسودان بقيَّة لم تزلْ تسمع صدَى كلماتِ الفتى الأوَّل، فهبَّت تصرُخ في وجه الشعب المطالب بالاستقلال التام! ! حذَار حذارِ، وألحَّت في صراخها ولكن مات صوتها في دويِّ الأصوات المطالبة بالاستقلال التام! وفي موْج الجماهير، وفي أزيز الرصاص وهديره وقصفه. وأخيرًا وقف رجلٌ يسخر من كلمة مصر الخالدة: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء" سُخرية لاذعة ملفَّفة في ثوب الدُّعابة المحبَّبة إلى هذا الشعب منذ قديم الأزمان، والذي يُدَاعب ويحب الدعابة ولا ينساها وهو في حبل المشنقة، أو في سياقِ الموت. وكانت هذه الدعابة أفْعَل من رصاص بريطانيا وحِرَابها ونذالتها جميعًا في قتل كلمة مصر والسودان: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء"، حتَّى صار من يقولُ بها معدودًا عند أصحاب العصبيات الجاهلية في عداد المجانين والموسوسين والبلهِ والملاحيس. نعم كان ذلك ولكن لا ندري كيف كان! ! ولكن بقي شيءٌ واحدٌ جهلته بريطانيا وجواسيسُها، وجهله كل مِفراحٍ طيَّاش من أصحاب العصبيات الجاهلية التي غلبت على قلوبهم وأعمت أعينهم. ذلك الشيء الواحد هو أن المفاوضات ظلَّت تجرى منذ بدأت إلى أن كانت سنة ١٩٣٦، والشعب يتبَعُ المفاوضة بقلبه عسى أن يرجع إليه الرجال المفاوضون بحق مصر كاملا غير منقوصٍ، وهو من ورائهم يدفعهم دفعًا رجاء أن ينفعهم ذلك فينتفع بنفعهم. ولكن. . . ولكن مرة أخرى، وفي الثالثة كان الشعب يفعل ذلك مجتمعًا، فلو سألتَ كل رجل وكل أنثى وكل طفل أيضًا: "هل ترجو من وراء هذه المفاوضات خيرًا؟ " فهو قائل لك: "يا سيدى، ياما جرَّبْنا" ثم يمضي لشأنه يائسًا تكادُ دماؤه التي تجري في عروقه تبكي من الحسرات التي تقطّع قلبه وتنهش ضمير حياته!

стр. 415

هكذا كانت مصر والسودان برغم المفاوضات الدائرة، وبرغم مطالبة الشعب مجتمعًا أحيانا بهذه المفاوضة. كانت الدّماءُ تجري في الأبدان المصرية السودانية وتُهَمْهم وتدمدمُ، ولكن الرجُل الَّذي يفهم معنى هذه الهمهمة الخفيَّة لم يكنْ موجودًا، وهي لا تستطيع العبارة عن نَفْسها بلسان ناطقٍ مبين. وبقينا جميعًا ننظُر، لأن عبارة أمثالنا لن تؤدّى إلى شيء، إذ لم يكن لأحدٍ يومئذٍ من قوة الاستجابة لنداء الدم المصري السوداني، ولا من استعداد الأبدان والعقول التي تجري فيها هذه الدماء، ما يجعَل لكلمة مصر الخالدة "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء" صدًى يتردّدُ فيستجيب له الوادي كُلّه كما استجاب للفتى الأوّل مصطفى كامل، وبقيت الأبدانُ العاقِلَةُ (والتي هي الشعب بأفراده) في ناحية، والدّم الَّذي يجري في هذه الأبدان نفسها في ناحيةٍ أخرى -وجعلَ الله بأسَنا بيننَا، فكانت إرادة الله ولا رادّ لما أراد. ثم كان شيءٌ ونحن ندري كيف كان. فقد سكنتْ زمجرة المدافِع، وعجيج القنابل الذرية، وقامَ رجالٌ يريدون مفاوضة بريطانيا، ولكنهم لم يلبثوا إلَّا قليلًا حتَّى سمعوا صوت الدَّمِ المصري السوداني ينطقُ من كُلّ ناحيةٍ لا مفاوضة إلا بعد الجلاء" فتمَّت المعجزة التي كان كل امرئ يترقَّبها، وكان لمصر والسودان النَّصْر بعد الهزيمة المنكرة الأولى، وظهرت كلمةُ الحقِّ حتَّى صار أكفَرُ الناس بها هو أشدَّهم إيمانًا، وأجودَهم في سبيلها بروحه وحياته، وعادت مِصْر والسودان إلى حقيقتها المستكنَّة في سِرِّ القلوب والدماءِ والأحشاءِ! "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء": كلمة حكيمة صريحةٌ قوية، ظاهرة المعنى، بيّنة الطريق، كريمة المنْبت لأنها بنت مصر والسودان -لا يسخرُ بها بعد اليومِ أحدٌ إلا كان دَمُه هو أوّل من يسخرُ منه ويزدريه ويلعنُه ويبرأ من الانتساب إليه. هذا ما كان من أمر المفاوضات بيننا وبين بريطانيا، فليفهمه من شاء كما شاء. وليقُل أصحاب الغرور المتغطرس، وليقل أشياعُهم من المضللين: هذا شعر، وهذه عاطفة، ولكنَّها ليستْ بحقيقة معقولة أو تحليل متّزنٍ. ونقول:

стр. 416

نعم! إذا شئتم، ولكنّ الشعوبَ هي العواطف أوّلًا، وعواطف الشعوب أصدقُ حُكمًا من عقول الساسة! وأخيرًا، ليعلم من لم يكن يعلَم من المتغطرسين أو من الساسة العقلاء الذين أظلَّتهم سماءُ مِصْر، أن دم الشَّعب قد نطقَ بالكلمة المتحيّرة فيه، وأجمعَ عليها، وكتبَ على نَفْسه أن يَنْفِي الخبثَ عن مصر والسودان. ومعنى ذلك أنَّ كل من خرج على إجماعه فقد خانَ وادي النيل خيانة عُظْمى، وأنّه رهنٌ بالقِصاصِ، وأن قصاصَ الشعوب أبقى على وجه الدهر من قصاص الحكومات. والكلمة الآن لمِصْر والسودان، لا لفلان الزّعيم ولا لفلان السياسيّ -فمن شاء أن يخالف عن كلمة مصر والسودان فليتقدّم، ولينظر ما هو لاق في غد أو بعد غدٍ.

стр. 417

الجلاءُ الأعظَم أكتب هذا وكُلّ ذرةٍ في ثَرَى مصر وفي جَوّها وفي مائها تَتَلفَّتُ حوَاليها لتنظُر إلى الضجَّة التي خفقت في جَنَبات الأرض المصرية لليوم المشهود -يوم الجلاءِ عن مُدُنِ الوجهين القبلي والبحري إلا ما استثنته بريطانيا غصْبًا وافتئاتًا. نعم هو الجلاءُ- جلاءُ الجندي المتغطرس الَّذي كان يمشي على أَديم مصر تيَّاها مستكبرًا متعاليًا ليذلَّ الشَّعب الَّذي احتقره وازدراه على قوّته وعلى سلطانه، ولم يعبأ به ؤلا بثيابه ولا بكبريائه. وكيف يفعل ذلك وهو الشعب الفقير الَّذي يسير في الطريق حافيًا في أسمالٍ؟ وكيف يفعل ذلك وهو الجاهلُ الَّذي لا يقرأ ولا يكتبُ ولا يعلمُ من أمر الدُّنيا إلّا ما حضر بين يديه؟ وكيف يفعل ذلك وهو الشعب الَّذي هَزَمته بريطانيا في موقعة التل الكبير سنة ١٨٨٢، ثم انساحت جيوشها في أَرضه تأخذُ ما تأخذ وتدعُ ما تدعُ وهو ساكنٌ قارٌّ راضٍ بالمذلَّة التي كتبها اللَّهُ عليه؟ هكذا كانَ يمشي كل جندي بريطاني على أرضِ مصر هو يحدّث نَفْسه بهذا كله، والمصريّ ينظر إليه نظرة ليس فيها الحقد ولكن فيها الاحتقار، ويبتسم إليه ابتسامة ليس فيها الرضى ولكن فيها السخريةُ، ويصافحه مصافحة ليس فيها الترحيب ولكن فيها الإيمان بأن الَّذي أَمامه إنسانٌ مغرورٌ يظنُّ أن الدنيا باقيةٌ له، وهي الدنيا التي تداولتها من قبله القرون والأمم فزالوا وبادوا، ونالها من بعدهم من كانوا لهم تبعًا أو عبيدًا. هكذا كان ينظر الشعبُ الجاهل الفقير المهزوم بزعمهم نظرة الفيلسوف الَّذي قَنِع بما عنده فاستغنى عما عند الناسِ، شعب فقيرٌ ولكنه عزيزٌ، شعب جاهل ولكنه مؤمنٌ، شعب مهزوم ولكنه مترفعٌ عن دنايا الأخلاقِ.

стр. 418

نعم هذا الجلاءُ، ولكن هل يقنع هذا الشعب به؟ وهل يزيلُه الفرحُ بما تمَّ عن الهدَفِ الَّذي رَقى إليه؟ إن بريطانيا قد عَلِمَتْ أن لا قِبَل لها بإبقاء جنودها مفرقةً في مُدُن مصر فتكون قَذى في العيون يحدث آلامًا تنبه النفوس يومًا بعد يوم إلى عُدْوانها وبغيها، فآثرتْ أن تحمل جنودها وتجمعهم في مكانٍ بعيد عن عيون الشعب، تريدُ أن تجعل مثل هذا العبث مِنَّةً يحملها الشعبُ المصري، فيكفَّ عن مطالبتها وعن كشف عيوبها وسيئاتها وخَبَثها. فلما رأت أن هذا الشعب العجيب قد فرح بجلائها عن بعض أرضه، ولكنه لم يكف عن مطالبتها، ولا عن إماطة اللثامِ عن رذائلها، قامت صُحُفها تزعم أن الصحف المصرية قد شنّت على بريطانيا "حملة سِبَاب" في نفس المكان الَّذي أشارت فيه إلى مسألة الجلاء إشارة عابرة. وهذا دليلٌ على أن موقف الشعب قد غاظها غيظًا شديدًا وأنها كانت تؤمل أن تخدعنا بهذا الجلاءِ من أماكن في أرض مصر إلى مكان واحد حصين في أرض مصر أيضًا، فلما كان غير الَّذي أرادت زعمت أنها "حملة سباب". ومن الَّذي يسبُّ؟ أمصر المسكينة التي احتملت وقاحة جيوشها وقوّادها منذ سنة ١٨٨٢، وصفاقة رجالها الذين جاءوا ليحكموا هذا الشعب بالقوة والبطش من أمثال كرومر وكتشنر واللنبى ولويد ومايلز لامبسن؟ أهي مصر المسكينة التي تسب اليوم بريطانيا وقد سمعت سفاهة الصحافة البريطانية على شعبها وهو يوصف بالرعاع، وسباب الصحف البريطانية للطلبة المصريين الذين كانوا يخرجون من مدارسهم للجهاد في سبيل وطنهم وبلادهم. إن مِصر حين تصف أعمال بريطانيا بالسفاهة والوقاحةِ والصفاقة -لا تسب بل تقرر حقائق وتسميها بأسمائها التي خلقت لها، ولم تخرج في ذلك عما وصفها الرجال المحايدون الذين وقفوا ينظرون إلى أعمال بريطانيا في مصر والسودان. فالشعب المصري لا يسب بريطانيا وإنما تسبُها أفعالها وأفعالُ رِجالها. وإذا أرادت بريطانيا أن لا تسمعَ المسبّة من الشعب المصري ومن سواه في أقطار الأرضِ، فلتقلع عن سياستها التي توجب لها هذه الصفات، والتي تدفع

стр. 419

أممًا كثيرة غير مصر والسودان إلى أن تصفها بأشد مما وصفتها به مصر والسودان. والعداوة التي بيننا وبين بريطانيا قائمة ما بقى في أرض مصر من منبع النيل إلى مصبه جندي بريطاني واحد، ولن نكفّ عن عداوتها وعن ذكر سيئاتها إلا إذا جلت جلاءً تامًّا عن كل مكان انتزعته من بلاد مصر والسودان بالكذب والمكر والخديعة والتدليس، ولن تكفّ ألسنة مصر عن وصف أعمالِ بريطانيا بأسمائها التي خلقت لها إلا إذا كفّت هي عن عُدوانها وأعطت كل ذي حق حقه. إنها عداوة باقيةٌ بيننا وبينها حتَّى تدعَ لنا أرضنا، وتدع للعراق أرضه، وتدعَ لفلسطين العربية أرضها، وتقاوم معنا كل باغٍ أعانته هي فيما مضى على بغيه وعدوانه، كالذي كان من أمرها في مسألة تونس ومراكش والجزائر وليبية وبلاد إفريقية التي أطلقت فيها يَدَ فرنسا وإيطاليا ليطلقوا لها يدَها في مصر وفي سوى مِصر. بل إن جلاء الجنود البريطانية لن يكفي وحده أن يكون مَدعاة لنسيان تاريخ بريطانيا وأفعالها، لقد دخلت بريطانيا بلادنا وبلاد سوانا، فاستعانت بشذاذ الأمم الَّذي لا يجدون في بلادهم ما يأكلون، وجاءت بهم إلى مصر والسودان وكل أرض كتب الله عليها أن تبتلى ببريطانيا وسياستها الاستعمارية، وحمت هؤلاء الشذاذ وشدت أَزرهم وملكتهم الأموال والأرزاق، ونفخت في قلوبهم كبرياءَ الحقيرِ الَّذي علا بعد ضعةٍ، ومدت لهم مدًّا طويلا حتَّى صاروا سادة علينا وهم يأخذون ما في أيدينا -أي يسرقون ما في أيدينا. أتت بالشذاذ من كل أمة وجعلتهم جاليات وأقليات وفرضت على نفسها حمايتهم فيما تزعم، واستنكفت لهم أن يتقاضوا في محاكم البلاد التي آوتهم بعد تشرد، وميزتهم عن أبناءِ البلاد في كل شيء حتَّى في معاملاتها التجارية، حتَّى صارت لهم قوة المال وفجور المال وطغيان المال، فعاثوا في الأرض فسادًا، يفسدون بيوتنا، ويتعالَوْن عنا، ويحتقرون أبناءنا ورجالنا، ويسخرون من آدابنا وعقائدنا، ويطعنون في أخلاقنا، ويشتموننا في الطرقات وهم في حمى بريطانيا ذات المجد والشرف! ! وأكبر من ذلك أنها حَمت هؤلاء الشذاذ حماية أخرى ليكونوا لها جنودًا في

стр. 420

ثياب مدنية، فأقطعتهم المدارس ينشئونها حيث يشاؤون، وجاءت بدنلوب ليضرب التعليم المصري ضربات قاضية لا تزال إلى اليوم باقية لا تدري وزارة المعارف كيف تخلص منها. وإذا هذه المدارس تأخذ أبناءنا من بيوتنا، فتضعهم بين جدرانها، وتنفث فيهم سمَّها، وتحقِّر لهؤلاء الصغار بلادهم وأهلهم، وتمتهن لغتهم حتَّى كانت تمنع طلبتها عن أن يتكلموا بالعربية بتة، ولا في أوقات الفسحة ما بين الدروس، فإذا فعل ذلك طفل منهم عوقب أشد العقاب، وداروا به على الفصول كأنه مجرم قد ارتكب أشنع جريمة يعاقب عليها القانون. وبقيت بريطانيا الممثلة في دنلوب ونظام دنلوب ورجال دنلوب تحمي الوباء وهذا البلاء حتَّى استفحل، وخرج جيل من أبناء مصر نفسها ينظر إلى بلاده كأنها أرض غريبة يحتقرها كما رأى أن الأجنبي يحتقرها، وكما رأى زميله الأجنبي يزدريها. وأكبر من ذلك أيضًا أنها أخذت هؤلاء المساكين الذين أضلَّتهم مدارسهم الأجنبية فآوتهم ونصرتهم ثم مكَنت لهُمْ وصاروا لها أشياعًا يثنون عليها ويفضلونها على سائر أهل الأرض وعلى أهل بلادهم. واتخذوا لذلك كل أسلوب يدل اتخاذه على أن بريطانيا لا تتورع عن أن تجعل أخسَّ الطبائع البشرية والشهوات الإنسانية سلاحًا تقاتل به الشعب الَّذي اعتدت عليه واستبدت به. فصار الشعب المصري يسمع مصريًّا مثله يبسط لسانه في تاريخ شعبه وفي أخلاق شعبه غافلا عن السبب الأول الَّذي كان داعيًّا إلى انهيار هذا الشعب، ألا وهو بريطانيا وشُذّاذها. فكل هذا وكثير سواه كان احتلالًا أدبيًّا ضرب على مصر والسودان كما ضرب عليها الاحتلال العسكري، فنحن لن نكتفي بأن يزول الاحتلال العسكري بجلاء الجنود؛ بل لابد من إجلاء ما ورَّثناه الاحتلال العسكري من نُظم ومن شيع ومن عادات ومن أخلاق؛ حتَّى لا يكون المصري والسوداني غريبًا في بلاد، مُمْتَهَنا في أرضه، مضروبًا بالفقر والجهل والهزيمة في دياره. ذلك هو يوم الجلاء الأعظم: يوم يعود إلينا أخونا المصري السوداني المقيم في بريطانيا "يعقوب عثمان" ليقول لبلاده إني أخطأت فاغفري لي زلتي

стр. 421

وتجاوزي عن خطيئتي، ويوم يخلع الشباب المصري السوداني من فتيان وفتيات كل الزينة التي أضفتها عليهم مدارس الليسيه الفرنسية، وفكتوريا الإنجليزية، والمدارس الأمريكية، ويخرجوا إلى أهليهم خاشعين خاضعين نادمين يعتذرون من الآثام التي ألموا بها أو قارفوها في حق بلادهم وفي حق آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم وأسلافهم وأعقابهم. بل يوم يخرج المهدي عن أمواله لمصر والسودان، ويعفر وجهه في ثرى النيل الأعظم، ويستغفر الله مما كسب من الإثم في حق مصر والسودان، أرض آبائه وأجداده، بل في حق أبيه الَّذي لم تتورع بريطانيا عن إهانة عظامه وهو ميت لا يملك دفعًا عن نفسه. إنه يوم الجلاء الأعظم -يوم يقف كل مصري سوداني أيامه وساعاته للتكفير عما فرط منه، ويوم يعمل جاهدًا في إزالة كل أثر للاحتلال في نفسه، ويوم يخرج إلى الطريق ليميط الأذى عنه استعدادًا لمقدمِ الأجيال الحرة التي ترث أرضًا طاهرة لم تلوثها غفلة القرون الماضية أو ضعفها أو استكانتها أو رضاها بالذل والمهانة طمعًا في مال زائل ومجد حائل. إنه يوم الجلاء الأعظم، يوم لا يسمع ثرَى مصر لسانًا أعجميًا من أهله أو من غير أهله ينطق بغير اللغة التي ينطقها الشعب المصري السوداني، ويوم لا يخرج المصري السوداني فتتحداه تلك الطوائف من شذّاذ الأمم ناطقة بغير لسانه وساخرة من لسانه. إنه يوم الجلاء الأعظم، يوم يستطيع المصري السوداني أن يقف على ثرى أرضه مطمئنًّا لأنه حرٌّ من أحرار، وينظر حوله متلفتًا يمنة ويسرة فلا يرى إلا وجوهًا عربية وبلادًا عربية تضم الأحرار أبناء الأحرار.

стр. 422

نحن العرب . . . إني لأسألُ نفسي، كما يسألُ كل عربي نفسه: "إلى أين يسار بنا تحت لواء هذه الحضارة البربرية الحديثة؟ " وجواب هذا السؤال يقتضي العربي منا أن يلمح لمحًا في طوايا النفوس وخبايا السياسات، ويقدمَ الحذر بين يديه، ليكون على بينة من رأيه ومن مصيره أيضًا. ولعل القارئ قد فوجئ لإقحام هذا الوصف للحضارة الحديثة بأنها حضارة بربرية، ولكن لا يعجل بالعجب مما لا عجب فيه فإنه حق بيّن لا تخطئه العين البصيرة. نعم! إنها حضارة لم يوجد لها مثيل بعدُ في التاريخ كله منذ كان آدم إلى يومنا هذا. حضارة قد نفذت إلى أسرار المادة فكشفت عنها كشفا يسَّر للبشرية أن تقبضَ على زمام الحياة وتصرِّفها في حيث شاءت وإلى حيث تريد، وجعلت الإنسان يشعر شعورًا لا خفاءَ فيه بأنه قادر على أن ينشيء التاريخ إنشاءً، ويبني الوجود بناء جديدًا، ويملأ ظلام الليل وضياء النهار حياة وقوة وجلالا، وينفث في الأشباح روحًا ويكسوها لحمًا ويعطيها من مقدرته ما يجعلها كائنًا متصرفًا بشيء أشبه بالعقل والإرادة. ونعم! إنها حضارة قد قامت أركانها على علم جم يعجز المتأمل عن إدراكه وبلوغ آفاقه، علم تدسس إلى ضمير الأرض والسموات فاسترق السمع إلى نجواه وإلى خواطره فقبس منها قبسًا مضيئًا أنار ظلمات هذا الوجود الَّذي لا يعلم ما انطوى عليه إلا الله الَّذي يعلم الخبءَ في السموات والأرض. ونعم! إنها حضارة أزرت بالحضارات كلها وجعلتنا نشعر بالقوة التي طواها الله في هذا "العالم الأصغر" حتَّى مكن له أن يكون سيد "العالم الأكبر" غير منازع. نعم: إنها حضارة مجيدة عاتية، أحيت الإنسانية ورفعت شأنها، ولكنها على ذلك كله حضارة بربرية طاغية قد امتلأت فسادًا وجورًا وحماقة وفجورًا،

стр. 423

حضارة بربرية رفعت الإنسانية من ناحية العقل، ولكنها قتلت ضميرها ومزقت شرفها، وجعلتها تشعر بقوة غير شريفة ولا صالحة ولا أمينة في أداء حق الإنسانية عليها. والعربي منا إذا نظر اليوم فينبغي أن ينظر أولا إلى هذه "البربرية" من الناحية التي لها مساس به وبحياته وبتاريخه على هذه الأرض، ليعلم إلى أين تريد هذه الحضارة أن تسوقه؟ وأي بلاء تريد أن تبتليه به؟ إن تلك الدول التي صارت دولا في تاريخ هذه الحضارة البربرية وبمعونتها تريدنا على أشياء وتريد بنا أشياء لابد لكل عربي أن يراها بعين لا تغفل. هذه الدول التي ادعت ولا تزال تدعي أنها خاضت غمار الحرب المبيدة الثانية دفاعًا عن حرية البشر في الحياة، وعن رفع مستوى المعيشة في هذه الأرض، ترتكب كل يوم من ضروب الخيانات والغدر والنذالة ما لم يشهد التاريخ مثله، كما لم يشهد مثل حضارتها هذه البربرية. هذه أمريكا وبريطانيا وروسيا وفرنسا جميعًا ولا نستثني تزعم كل يوم أنها تغضب للحق، حق الناس في الحرية، وتثور استنكارًا للمظالم التي تفرض على الشعوب العاجزة عن دفع الظلم، وأنها تحوط الإنسانية من أن يدنسها باغ أو طاغ بجبروته وبطشه، وهي جميعًا لا تزال تملأ جنبات الأرض عجيجًا وضجيجًا إذا رأت ضيما أصاب شعبًا من الشعوب، وتتنبل كل منها بالدفاع عنه وبالذياد عن حقه المهتضم، ونرى أمريكا خاصة ومن دونها جميعًا تذيع بين الناس وتشيع أنها حامية الحضارة، وأنها حامية الناس من البغي، وأنها لم تخض غمار الحرب إلا لهذا وحده: أن تحمى الحضارة من الدمار، وأن تحمى الناس على اختلافهم من البغي. وكذلك تفعل بريطانيا أيضًا، وهكذا تزعم روسيا، وهكذا تتبجح فرنسا. ولكن -هذه فلسطين فلذة أكباد العرب قد شهدت أنذال الأمم يطأون ديارها منذ سكنت الحرب العالمية الأولى، ثم أخذوا يسيلون عليها سيلا منذ ذلك اليوم يريدون أن يجلوا العرب عن بلادها ليحتلوها وينشئوا في ربوعها دولة يهودية، فإذا بنا نرى أمريكا تعينها بالمال واللسان والقلب، ونرى بريطانيا تغريهم

стр. 424

بما يريدون وتصبرُ على إذلالهم لها صبرًا لم يعرفه قط تاريخ بريطانيا التي كانت تسمى رجال العرب المجاهدين "رجال العصابات"، ونرى روسيا وفرنسا تلوذان بالصمت المطبق لا تقول ولا تنبس ولا تتحرك دفاعًا عن الحضارة، ولا دفاعًا عن الهضيمة التي تراد بالإنسانية، كما تحركت من قبل. وهذه تونس والجزائر ومراكش تجرى فيها المذابح الوحشية التي لم يعرف التاريخ مثلها. فتسيل دماء أربعين ألف عربي ما بين عشية وضحاها، بين سمع سفراء الدول وبصرها، فلا نرى أمريكا ولا بريطانيا ولا روسيا تثور أو تغضب أو تقول، وتمضي فرنسا الباغية تنفذ سياستها في تدمير شعوب برمتها. تدمر حضارتها وماضيها وقواها وتستل الأرواح من أبدانها بالسلاح غدرًا وغيلة، وتمتهن الرجال وتسب الأديان وتفتك بالأحرار، ويرى ذلك ويسمعه سفراء أمريكا وبريطانيا وروسيا المدافعات عن الحرية وعن الحضارة وعن الإنسانية. نعم، وهذه فرنسا أيضًا تقيم الولائم للسباع والوحوش في جزيرة مدغشقر، فتفتك بأهل الجزورة فتكا لا رحمة فيه ولا هوادة والعالم كله يسمع، والإشاعات تتناقل خبر المجازر وتسميها "إخماد ثورة" وتقف بريطانيا صامتة عليها الوقار، وتدير أمريكا ظهرها قد شغلتها هيئة الأمم المتحدة التي تنظمها للدفاع عن حريات البشر ورد البغي عنهم! وتنكب روسيا على إصلاح معايش خلق الله ورفع الضَّيْم عنهم بالمساواة بينهم في حقوق الحياة! وهذه بريطانيا ترتكب شر الأفاعيل في السودان وفي إفريقية، وتقول لأمريكا وفرنسا وروسيا إني أريد أن أكفل لهؤلاء الناس استقلالهم، أريد أن أرد عنهم اعتداءَ بني جلدتهم الطامعين في استعمارهم، وأريد أن أترفق بهم حتَّى أرفعهم من حضيض الجهالات لكي يصبحوا شيئًا في تاريخ هذه الإنسانية، فهي تقتل منهم كما تقتل السائمة، وتدعهم عراة بل تجبرهم على أن يظلوا عراة ليخرجوا لها من ثمرات الأرض ما يرفع مستوى معيشتهم. وتعرف ذلك أمريكا وفرنسا وروسيا فيقولون لها أن نعم، ولك الشكر، ونعم ما تفعلين!

стр. 425

وهذه أمريكا تنطلق من معزلها مرة واحدة لتقول للعالم إني أحمي الضعفاء وأجبر كسر المحتاجين، وأعين على نوائب الحق، وأدفع الظلم عن الناس، وأرفع الضيم عن المضيم، وترى كل هذا ويراه سفراؤها ورجال جامعاتها في الشرق، فلا تكون نصرتها لنا إلا بأن تذهب إلى جزيرة العرب وإلى إيران وإلى بلاد كثيرة من بلادنا لتأخذ البترول، وتقول لنا سأعطيكم من المال مبلغًا ضخمًا ترفعون به مستوى معيشتكم، فلا تحملوا المصالح الأجنبية في بلادكم على محمل سيء أيها الرجال العقلاء. أما مسألة مصر والسودان، وأما مسألة مراكش وتونس والجزائر وهذه المذابح والمجازر، وأما مسألة فلسطين وما فيها من الجور والبغي والعدوان والنذالة، وأما مسألة العراق وسائر البلاد العربية، فذلك كله أمور تتم على وجه آخر إذا جاء حينها، وأنا لا أستطيع أن أتدخل في شئون الدول، بل الأمر كله متروك لهيئة الأمم المتحدة إن شاء الله، فاطمئنوا. هكذا يرى العربي فعل هذه الدول القائمة على الحضارة والمدافعة عن تاريخ الإنسانية وعن شرفها وعن حريتها: فإذا رأتنا نقول لها الحق، غضبت وزعمت أننا قوم نتعصب على الأجانب بجهلنا وغباوتنا وحماقاتنا الموروثة، وصدقوا، فنحن جهلاء أغبياء، لأننا صدقنا يوما أن روسيا هبت لتدفع الظلم عن الطبقات المهضومة الحقوق، وأن بريطانيا ثارت لتدفع الشر عن الإنسانية المهددة بالجبروت والطغيان، وصدقنا فرنسا أنها هي الداعية إلى العدل والمساواة والإخاء، وصدقنا أمريكا أنها البريئة المدافعة عن حقوق البشر وتساويهم في هذه الحياة لا فرق بين صغير الأمم وكبيرها، أو ضعيفها وقويها، إننا جهلاء وأغبياء، لأننا أبحنا بلادنا للأجانب ليرفعوا لنا مستوى العلم والثقافة، ومستوى العيش والحياة، فأكرمناهم وآويناهم وخدعنا بهم، وحرصنا على أن نجعلهم لا يشعرون بأننا نريد أن نكون حربًا عليهم، فأنشأوا ما أنشأوا من مدارس ومتاجر وأوغلوا في بيوتنا وأراضينا فسرقوا منا قلوب أبنائنا وأموال أغنيائنا وفقرائنا، واستبدوا بالأمر دوننا، وتركونا لا نستطيع أن ننفذ في بلادنا ما تنفذه كل دولة من القوانين والأحكام. فإذا أردنا نحن أن نفعل شيئًا قليلا مما تفعله الدول لحماية أرضها وأموالها، ثاروا علينا من الشرق والغرب ومن يمين وشمال يرموننا بالتعصب،
следующие страницы →