وتجاوزي عن خطيئتي، ويوم يخلع الشباب المصري السوداني من فتيان وفتيات كل الزينة التي أضفتها عليهم مدارس الليسيه الفرنسية، وفكتوريا الإنجليزية، والمدارس الأمريكية، ويخرجوا إلى أهليهم خاشعين خاضعين نادمين يعتذرون من الآثام التي ألموا بها أو قارفوها في حق بلادهم وفي حق آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم وأسلافهم وأعقابهم.
بل يوم يخرج المهدي عن أمواله لمصر والسودان، ويعفر وجهه في ثرى النيل الأعظم، ويستغفر الله مما كسب من الإثم في حق مصر والسودان، أرض آبائه وأجداده، بل في حق أبيه الَّذي لم تتورع بريطانيا عن إهانة عظامه وهو ميت لا يملك دفعًا عن نفسه.
إنه يوم الجلاء الأعظم -يوم يقف كل مصري سوداني أيامه وساعاته للتكفير عما فرط منه، ويوم يعمل جاهدًا في إزالة كل أثر للاحتلال في نفسه، ويوم يخرج إلى الطريق ليميط الأذى عنه استعدادًا لمقدمِ الأجيال الحرة التي ترث أرضًا طاهرة لم تلوثها غفلة القرون الماضية أو ضعفها أو استكانتها أو رضاها بالذل والمهانة طمعًا في مال زائل ومجد حائل.
إنه يوم الجلاء الأعظم، يوم لا يسمع ثرَى مصر لسانًا أعجميًا من أهله أو من غير أهله ينطق بغير اللغة التي ينطقها الشعب المصري السوداني، ويوم لا يخرج المصري السوداني فتتحداه تلك الطوائف من شذّاذ الأمم ناطقة بغير لسانه وساخرة من لسانه.
إنه يوم الجلاء الأعظم، يوم يستطيع المصري السوداني أن يقف على ثرى أرضه مطمئنًّا لأنه حرٌّ من أحرار، وينظر حوله متلفتًا يمنة ويسرة فلا يرى إلا وجوهًا عربية وبلادًا عربية تضم الأحرار أبناء الأحرار.
стр. 422
نحن العرب . . .
إني لأسألُ نفسي، كما يسألُ كل عربي نفسه: "إلى أين يسار بنا تحت لواء هذه الحضارة البربرية الحديثة؟ " وجواب هذا السؤال يقتضي العربي منا أن يلمح لمحًا في طوايا النفوس وخبايا السياسات، ويقدمَ الحذر بين يديه، ليكون على بينة من رأيه ومن مصيره أيضًا. ولعل القارئ قد فوجئ لإقحام هذا الوصف للحضارة الحديثة بأنها حضارة بربرية، ولكن لا يعجل بالعجب مما لا عجب فيه فإنه حق بيّن لا تخطئه العين البصيرة.
نعم! إنها حضارة لم يوجد لها مثيل بعدُ في التاريخ كله منذ كان آدم إلى يومنا هذا. حضارة قد نفذت إلى أسرار المادة فكشفت عنها كشفا يسَّر للبشرية أن تقبضَ على زمام الحياة وتصرِّفها في حيث شاءت وإلى حيث تريد، وجعلت الإنسان يشعر شعورًا لا خفاءَ فيه بأنه قادر على أن ينشيء التاريخ إنشاءً، ويبني الوجود بناء جديدًا، ويملأ ظلام الليل وضياء النهار حياة وقوة وجلالا، وينفث في الأشباح روحًا ويكسوها لحمًا ويعطيها من مقدرته ما يجعلها كائنًا متصرفًا بشيء أشبه بالعقل والإرادة. ونعم! إنها حضارة قد قامت أركانها على علم جم يعجز المتأمل عن إدراكه وبلوغ آفاقه، علم تدسس إلى ضمير الأرض والسموات فاسترق السمع إلى نجواه وإلى خواطره فقبس منها قبسًا مضيئًا أنار ظلمات هذا الوجود الَّذي لا يعلم ما انطوى عليه إلا الله الَّذي يعلم الخبءَ في السموات والأرض. ونعم! إنها حضارة أزرت بالحضارات كلها وجعلتنا نشعر بالقوة التي طواها الله في هذا "العالم الأصغر" حتَّى مكن له أن يكون سيد "العالم الأكبر" غير منازع.
نعم: إنها حضارة مجيدة عاتية، أحيت الإنسانية ورفعت شأنها، ولكنها على ذلك كله حضارة بربرية طاغية قد امتلأت فسادًا وجورًا وحماقة وفجورًا،
стр. 423
حضارة بربرية رفعت الإنسانية من ناحية العقل، ولكنها قتلت ضميرها ومزقت شرفها، وجعلتها تشعر بقوة غير شريفة ولا صالحة ولا أمينة في أداء حق الإنسانية عليها.
والعربي منا إذا نظر اليوم فينبغي أن ينظر أولا إلى هذه "البربرية" من الناحية التي لها مساس به وبحياته وبتاريخه على هذه الأرض، ليعلم إلى أين تريد هذه الحضارة أن تسوقه؟ وأي بلاء تريد أن تبتليه به؟
إن تلك الدول التي صارت دولا في تاريخ هذه الحضارة البربرية وبمعونتها تريدنا على أشياء وتريد بنا أشياء لابد لكل عربي أن يراها بعين لا تغفل. هذه الدول التي ادعت ولا تزال تدعي أنها خاضت غمار الحرب المبيدة الثانية دفاعًا عن حرية البشر في الحياة، وعن رفع مستوى المعيشة في هذه الأرض، ترتكب كل يوم من ضروب الخيانات والغدر والنذالة ما لم يشهد التاريخ مثله، كما لم يشهد مثل حضارتها هذه البربرية.
هذه أمريكا وبريطانيا وروسيا وفرنسا جميعًا ولا نستثني تزعم كل يوم أنها تغضب للحق، حق الناس في الحرية، وتثور استنكارًا للمظالم التي تفرض على الشعوب العاجزة عن دفع الظلم، وأنها تحوط الإنسانية من أن يدنسها باغ أو طاغ بجبروته وبطشه، وهي جميعًا لا تزال تملأ جنبات الأرض عجيجًا وضجيجًا إذا رأت ضيما أصاب شعبًا من الشعوب، وتتنبل كل منها بالدفاع عنه وبالذياد عن حقه المهتضم، ونرى أمريكا خاصة ومن دونها جميعًا تذيع بين الناس وتشيع أنها حامية الحضارة، وأنها حامية الناس من البغي، وأنها لم تخض غمار الحرب إلا لهذا وحده: أن تحمى الحضارة من الدمار، وأن تحمى الناس على اختلافهم من البغي. وكذلك تفعل بريطانيا أيضًا، وهكذا تزعم روسيا، وهكذا تتبجح فرنسا.
ولكن -هذه فلسطين فلذة أكباد العرب قد شهدت أنذال الأمم يطأون ديارها منذ سكنت الحرب العالمية الأولى، ثم أخذوا يسيلون عليها سيلا منذ ذلك اليوم يريدون أن يجلوا العرب عن بلادها ليحتلوها وينشئوا في ربوعها دولة يهودية، فإذا بنا نرى أمريكا تعينها بالمال واللسان والقلب، ونرى بريطانيا تغريهم
стр. 424
بما يريدون وتصبرُ على إذلالهم لها صبرًا لم يعرفه قط تاريخ بريطانيا التي كانت تسمى رجال العرب المجاهدين "رجال العصابات"، ونرى روسيا وفرنسا تلوذان بالصمت المطبق لا تقول ولا تنبس ولا تتحرك دفاعًا عن الحضارة، ولا دفاعًا عن الهضيمة التي تراد بالإنسانية، كما تحركت من قبل.
وهذه تونس والجزائر ومراكش تجرى فيها المذابح الوحشية التي لم يعرف التاريخ مثلها. فتسيل دماء أربعين ألف عربي ما بين عشية وضحاها، بين سمع سفراء الدول وبصرها، فلا نرى أمريكا ولا بريطانيا ولا روسيا تثور أو تغضب أو تقول، وتمضي فرنسا الباغية تنفذ سياستها في تدمير شعوب برمتها. تدمر حضارتها وماضيها وقواها وتستل الأرواح من أبدانها بالسلاح غدرًا وغيلة، وتمتهن الرجال وتسب الأديان وتفتك بالأحرار، ويرى ذلك ويسمعه سفراء أمريكا وبريطانيا وروسيا المدافعات عن الحرية وعن الحضارة وعن الإنسانية.
نعم، وهذه فرنسا أيضًا تقيم الولائم للسباع والوحوش في جزيرة مدغشقر، فتفتك بأهل الجزورة فتكا لا رحمة فيه ولا هوادة والعالم كله يسمع، والإشاعات تتناقل خبر المجازر وتسميها "إخماد ثورة" وتقف بريطانيا صامتة عليها الوقار، وتدير أمريكا ظهرها قد شغلتها هيئة الأمم المتحدة التي تنظمها للدفاع عن حريات البشر ورد البغي عنهم! وتنكب روسيا على إصلاح معايش خلق الله ورفع الضَّيْم عنهم بالمساواة بينهم في حقوق الحياة!
وهذه بريطانيا ترتكب شر الأفاعيل في السودان وفي إفريقية، وتقول لأمريكا وفرنسا وروسيا إني أريد أن أكفل لهؤلاء الناس استقلالهم، أريد أن أرد عنهم اعتداءَ بني جلدتهم الطامعين في استعمارهم، وأريد أن أترفق بهم حتَّى أرفعهم من حضيض الجهالات لكي يصبحوا شيئًا في تاريخ هذه الإنسانية، فهي تقتل منهم كما تقتل السائمة، وتدعهم عراة بل تجبرهم على أن يظلوا عراة ليخرجوا لها من ثمرات الأرض ما يرفع مستوى معيشتهم. وتعرف ذلك أمريكا وفرنسا وروسيا فيقولون لها أن نعم، ولك الشكر، ونعم ما تفعلين!
стр. 425
وهذه أمريكا تنطلق من معزلها مرة واحدة لتقول للعالم إني أحمي الضعفاء وأجبر كسر المحتاجين، وأعين على نوائب الحق، وأدفع الظلم عن الناس، وأرفع الضيم عن المضيم، وترى كل هذا ويراه سفراؤها ورجال جامعاتها في الشرق، فلا تكون نصرتها لنا إلا بأن تذهب إلى جزيرة العرب وإلى إيران وإلى بلاد كثيرة من بلادنا لتأخذ البترول، وتقول لنا سأعطيكم من المال مبلغًا ضخمًا ترفعون به مستوى معيشتكم، فلا تحملوا المصالح الأجنبية في بلادكم على محمل سيء أيها الرجال العقلاء. أما مسألة مصر والسودان، وأما مسألة مراكش وتونس والجزائر وهذه المذابح والمجازر، وأما مسألة فلسطين وما فيها من الجور والبغي والعدوان والنذالة، وأما مسألة العراق وسائر البلاد العربية، فذلك كله أمور تتم على وجه آخر إذا جاء حينها، وأنا لا أستطيع أن أتدخل في شئون الدول، بل الأمر كله متروك لهيئة الأمم المتحدة إن شاء الله، فاطمئنوا.
هكذا يرى العربي فعل هذه الدول القائمة على الحضارة والمدافعة عن تاريخ الإنسانية وعن شرفها وعن حريتها: فإذا رأتنا نقول لها الحق، غضبت وزعمت أننا قوم نتعصب على الأجانب بجهلنا وغباوتنا وحماقاتنا الموروثة، وصدقوا، فنحن جهلاء أغبياء، لأننا صدقنا يوما أن روسيا هبت لتدفع الظلم عن الطبقات المهضومة الحقوق، وأن بريطانيا ثارت لتدفع الشر عن الإنسانية المهددة بالجبروت والطغيان، وصدقنا فرنسا أنها هي الداعية إلى العدل والمساواة والإخاء، وصدقنا أمريكا أنها البريئة المدافعة عن حقوق البشر وتساويهم في هذه الحياة لا فرق بين صغير الأمم وكبيرها، أو ضعيفها وقويها، إننا جهلاء وأغبياء، لأننا أبحنا بلادنا للأجانب ليرفعوا لنا مستوى العلم والثقافة، ومستوى العيش والحياة، فأكرمناهم وآويناهم وخدعنا بهم، وحرصنا على أن نجعلهم لا يشعرون بأننا نريد أن نكون حربًا عليهم، فأنشأوا ما أنشأوا من مدارس ومتاجر وأوغلوا في بيوتنا وأراضينا فسرقوا منا قلوب أبنائنا وأموال أغنيائنا وفقرائنا، واستبدوا بالأمر دوننا، وتركونا لا نستطيع أن ننفذ في بلادنا ما تنفذه كل دولة من القوانين والأحكام. فإذا أردنا نحن أن نفعل شيئًا قليلا مما تفعله الدول لحماية أرضها وأموالها، ثاروا علينا من الشرق والغرب ومن يمين وشمال يرموننا بالتعصب،
стр. 426
ويمنون علينا أنهم هم الذين رفعوا مستوى معيشتنا، وهم الذين علمونا كيف نلبس وكيف نأكل وكيف نشرب.
فهل يحل منذ اليوم لعربي أن يصدق أكاذيب هذه الأمم الباغية في دعواها ومزاعمها؟ هل يحل لعربي أن يثق بأن أهل هذه الحضارة التي اشتملت على روائع الفن والعلم والفلسفة، قد صاروا حقًّا أهل حضارة تستحق أن تسمى حضارة لأنها قربت المسافات بالطائرة التي تخطف في جو السماء خطفًا، ومست موات الأرض فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وألقت السحر في بنان الإنسان فإذا هو طبيب يدفع عوادي الموت عن رجل في النزع ليس بينه وبين الموت حجاب؟ هل يحل لعربي أن يصدق شيئًا من هذا كله وهم يكذبون على خلق الله العرب ويغررون بهم ويخدعونهم ويقتلونهم ويذبحونهم بلا رحمة ولا شفقة ولا ضمير يفزع من كل هذه الجرائم البشعة في تاريخ الإنسانية!
تعس العلم وتعس الفن وتعست الفلسفة، وتعست هذه الحضارة البربرية، إذا كان هذا خلقها وهذا ضميرها! وما نفع العلم والفن والفلسفة إذا هي خلطت لنا نحن العرب بالكذب والوحشية حتَّى في الأعمال التي يصفونها بأنها علمية خالصة (١). إننا على ضعفنا وجهلنا وفقرنا أكرم نفوسًا، وأعلى أخلاقًا، وأنبل قلوبًا من أهل هذه الحضارة البربرية التي لا يثور أهلها إلا لحاجة في نفوسهم، والذين لا يفزعون مما ترتكب أيديهم من الوحشية في بلادهم وفي بلاد غيرهم من البشر.
ليعلم أهل هذه الحضارة في أوربة وأمريكا، وينبغي أن نعلمهم نحن في بلادهم وبين ظهرانينا أننا لن نهاب بعد اليوم أن نكاشفهم بعداوة عربية، لا كعداوتهم هم. تلك العداوة الممزوجة بالرقة والخداع والكذب والتغرير، إنها عداوة طالب الحق الَّذي ينتصف لعدوه من نفسه، وينتصف لنفسه من عدوه، والذي لا يغمط حقًّا ولا ينكر معروفًا، ولكنه لا ينسى أن عدوَّه هو عدوه!
стр. 427
ولقد سمع أحد رجالنا، هو ابن شبرمة، يومًا عروة بن المغيرة وهو ينشد هذه الأبيات:
لا أتقى حسَك الضغائن بالرُّقى ... فعْل الذليل، ولو بقيت وحيدا (١)
لكن أعد لها ضغائن مثلها ... حتَّى أداوى بالحقود حقودا
كالخمر خير دوائها منها بها ... تشفي السقيم وتبرئ المنجودا (٢)
فقال: لله در عروة! هذه أنفس العرب.
فهذه نفوسنا، لن تهادن من يعادينا عداوة طويت على الضغائن الصغيرة المحتقرة، فإذا أنابوا وانتصفوا لنا من أنفسهم، وعرفوا قبح ما أَتَوْا وشناعة ما ارتكبوا، فيومئذ نصافحهم مصافحة العربي الَّذي لا يضمر الغدر ولا الغيلة ولا الفتك، ولا يعرف الكذب ولا المخاتلة.
стр. 428
الحكم العدل
يسمع كل عربي ويقرأ أن بلاده في حاجة إلى "الدعاية" لها في بلاد الأجانب، وبخاصة في أمريكا التي صارت اليوم ملتقى الأمم التي يسمونها الأمم المتحدة. وصارت هذه الكلمة حلوة على ألسنة رجال الصحافة العربية وعلى ألسنة رجال السياسة العربية، فكلهم يقول لك أو يكتب لك إننا تعوزنا "الدعاية" لبلادنا في الخارج. ولا بأس في أن يستحلى رجال الصحافة ورجال السياسة كلمة يديرونها على ألسنتهم، ويجدون في طعمها وفي نبرتها وفي جرسها لذة تحملهم على ترديدها واللجاج بها، ولكن البأس كل البأس أن يفضى استحلاء هذه الكلمة إلى استحلاء صب الملامة والتأنيب على أنفسنا، ونحت أَثلْاتنا (١) بالتعنيف على ما نرتكب من تقصير في حق أوطاننا. ولو كان ذلك التقصير حقًّا محضًا لا يعتوره رأي ينقضه، لكان كثرة اللجاج فيه عملا لا خير فيه البتة. ومع ذلك فلنفرض أنَّه حق محض، فما وراء ذلك؟
نعم إنه لحسن أن نظهر الناس على وجه الحق في مطالبنا، وعلى بشاعة الظلم المضروب علينا، وحسن أن ندعو الناس إلى سماع حجتنا؛ وحسن أن نزيل من أوهام أولئك الخلق ما علق بعقولهم عنا؛ وحسن أن نبدي لهم حقيقة أنكروها أو أنكرتها علينا السياسات فصدقوا السياسات وكذبوا أعينهم وأسماعهم. كل ذلك حسن، ولكن ليس بالحسن أن نأخذ الأمور من أقفائها لا من وجوهها، وأن ندع الرأي البين إلى الرأي الخفي، وأن نغفل الحقيقة الواقعة ونبصر الرجاء الَّذي لا يدري المرء أيتحقق له أم لا يتحقق.
فمسألة "الدعاية" تكاد اليوم تكون منصبة كلها على الدعاية في "أمريكا"، إذ لا سبيل إلى الدعاية في روسيا بحال من الأحوال، وبريطانيا هي طرف النزاع
стр. 429
في مسألة مصر والسودان ومسألة فلسطين وفي سائر المسائل الشائكة التي يعاني العرب منها ما يعانون؛ وكذلك شأن فرنسا في مسألة بلاد تونس ومراكش والجزائر، فلم يبق إلا أمريكا، وهي التي يدور حديث رجال الصحافة ورجال السياسة في وجوب الدعاية لقضايانا في أرجائها.
فلننظر إذن إلى جدوى هذه الدعاية علينا هناك، وفي إمكانها قبل جدواها، وفي حقيقتها قبل جدواها وإمكانها.
فأمريكا لم تزل تزعم منذ الحرب الماضية أنها نصير العدل والحق، وأنها عدو البغي والعدوان، وأنها صديق الأمم المستضعفة، وأنها تبغض أشد البغض كل الاستعمار، أي أنها الحكم العدل الَّذي لا يرى بغيًا ولا عدوانًا ولا مظلمة إلا نبض قلبه إشفاقًا، وتحركت دماؤه اشمئزازًا وأنفة، وأبى إلا أن يكون كما أراده الله أن يكون حكما عدلا لا يرده عن إقرار الحق والعدل جهد يبذله، ولا دم يريقه، ولا مال ينفقه في سبيل الحق والعدل والحرية.
وهي لا تزال تحقق ذلك -فيما ترى بكل ما آتاها الله من قوة وحيلة ومعرفة، فهي تتدسس إلى قلب روسيا لتكشف الغطاء عن هذا الوحش الباغي المستقر بين جنبيها، والذي يخشى أن يكون أشد بغيًا وعدوانا من الفريق الأول الهالك "ألمانيا". وهي تتسلل إلى خفايا السياسات في أرجاء أوربة لتظهر العالم على أساليب روسيا في العمل لإدخال كل أوربة في حوزتها وتحت سلطانها، وهي ترسل جيوشًا لا تحصى من الخبراء والمخبرين ليستطلعوا طلع الحقائق التي تسترها روسيا في كل حنية من حنايا هذه الأرض، وهي تؤوي إليها كل شريد أو طريد ناله عسف الروس وبطشهم وتفسح له صدرها، وتفسح له الصحف أيضًا حتَّى يقول للناس ماذا تحاول روسيا أن تخبأ عن الناس، وكيف تفعل روسيا بالناس، إلى آخر هذا كله.
بل أعظم من ذلك أنها لم تتردد لحظة واحدة في أن تبذل -كل البذل لتركيا واليونان حتَّى يتاح لهما أن يصدا عن نفسهما بلاء الروس وبطشهم واضطهادهم، وأن تكونا جبهة مزودة بالقوة التي تعينهما على الجرأة فلا يروعهما تهديد الروس
стр. 430
ولا تخويفهم. ولم تتوان صحف أمريكا عامة عن أن تجعل مسألة تركيا ومسألة اليونان من أعظم المسائل التي تشغل الرأي العام حتَّى يتهيأ للكونجرس أن يؤازر حكومته في سياستها التي أرادتها لدرء خطر الروس عن هذين البلدين.
كان هذا كله ليس يشك فيه أحد، ورأت أمريكا أنها إنما تؤدى بذلك حق الإنسانية عليها، وتؤدى حق المكانة التي تبوأتها عند الناس، وتؤدى ما يجب على الحكم العدل الَّذي لا يبغي إلا إقرار الحق والعدل، وإزهاق الظلم والجور.
ولكن ما الَّذي فعله هذا الحكم العدل في شأننا نحن العرب؟ كان أول ما فعله أنَّه طلب باسم الحق والعدل أن تبيح فلسطين أرضها لصعاليك الأمم فتؤويهم وتمهد لهم أن يقيموا في قلب بلاد العرب دولة يهودية تفعل بهذه العرب ما تشاء، وسكتت باسم الحق والعدل عن المحرضين من يهود بلادها على انتزاع الأرض عامرها وخرابها من يد العرب لتكون في يد صعاليك اليهود، وغفلت باسم الحق والعدل عن شعب يسكن هذه الأرض منذ آلاف السنين تريد اليهودية أن تفقره وتذله وتنتزع منه أرض آبائه وأجداده بالجور والعدوان والنذالة الحديثة التي تسمى قوة المال. ثم أرسل الحكم العدل رسلا من عنده ليدرسوا القضية مع طائفة أخرى من البريطانيين، فخرجت رسل الحكم العدل وهي ترى أن العرب أمة متأخرة، وأنه لابد لليهود من أن يستعمروا هذه الأرض ليرفعوا عن هذه الأمة المتأخرة أساطير الجهل وغشاوة البؤس - ولو أفضى ذلك إلى أن يخوضوا في الباطل خوضًا حتَّى يبلغوا الحق!
ثم جاءت مسألة مصر والسودان، فإذا نحن نموج ونضطرب ونفزع من هول الغدر البريطاني وهذه المظالم الاستعمارية، وإذا الحكم العدل يصم آذانه ويستغشى ثيابه باسم الحق والعدل حتَّى لا تروعه صرخات المظلومين والبائسين، وإذا صحافته تضن بكلمة واحدة أن تقولها في إنصاف هذا الشعب من الظالمين والباغين عليه، بل لعل أكثرها ذهب إلى خلاف هذا وألح فيه.
وليس يقول أحد وهو يَجِدُّ إن هذا الحكم العدل يجهل قضية فلسطين؛ ولو هو كان يجهلها حقًا لكان أول ما تفرضه عليه هذه الحكومة التي تبوأها في
стр. 431
العالم أن يرسل إلى فلسطين رجالا من أهل سياسته، ورجالا من أهل صحافته ليدرسوا وينبشوا وينقبوا ويكشفوا خفايا الدسائس اليهودية والبريطانية كما يفعلون في روسيا وفي أوربة وفي سواهما من بلاد الله. وليس يقول أحد وهو يَجِدُّ إن هذا الحكم العدل يجهل قضية مصر والسودان، فلو كان حقا يجهلها لفعل مثل ذلك حتَّى يتاح له أن يقف على أسرار هذه القضايا ليحكم بين الناس بالعدل والقسطاس مادام مصرًّا على أنَّه حكم عدل لا يبغي من وراء عدله إلا إقرار الحق وإزهاق الباطل. ولو فعل لرأينا الصحف في بلاده تملأ الدنيا عجيجًا وضجيجًا وبحثًا وتنقيبًا وكشفًا عن خفايا السياسات كما تفعل في مسائل روسيا وأوربة.
لا، بل أكثر من ذلك أن لهذا الحكم العدل رجالا طالت إقامتهم في مصر والسودان، وفي فلسطين والشام، منهم رجال الصحافة ومنهم رجال الجامعتين الأمريكيتين ورجال المدارس الأمريكية، ومنهم رجال الشركات ومنهم غير هؤلاء ممن يُذْكَرون بأسمائهم ومن لا يُذْكَرون. فماذا يفعل هؤلاء جميعًا؟ أي معروف يسدونه إلى البلاد التي طالت إقامتهم بين أهلها فعرفوهم وخبروهم؟ أليس فيهم إنسان واحد فيه قدرة على أن يعرف خفايا الدسائس اليهودية والبريطانية في بلاد مصر وبلاد الشام وفلسطين؟ أليس لأحد منهم لسان ينطق بالحق دفاعًا عن أمم يكتم الاستعمار حقها ويبطش بها بطشًا وحشيًّا لا رحمة فيه؟ كلا بل فيه، ولكنهم حرب علينا ولايريدون أن يقولوا لبلادهم، وكأن بلادهم لا تريدهم أن يقولوا -وإلا ففيم صمتهم، وفيم ممالأتهم لبريطانيا ويهودها وأفاقيها جميعًا من حثالات الأمم؟ أم ترانا لا نستحق عدل الحكم العدل؟ أم نحن لسنا بأهل لأن تقال في حقوقنا كلمة تجعل الحكم العدل يتنبه إلى أن في الدنيا شعبًا تبلغ عدته أكثر من مائة مليون وعشرين مليونًا من الأنفس البشرية قد ضربه الاستعمار اليهودي والبريطاني والفرنسي ضربات مبيرة مبيدة بغير شرف ولا ورع ولا إنسانية.
أيقال إن رجال الجامعات والمدارس، وهم أهل العلم والثقافة والأدب، ليسوا سوى جماعة يعيشون في سراديب العلم والفلسفة لا يعرفون ما يجري على
стр. 432
أديم هذه الأرض؟ وأنهم لا يخالطون أحدًا ولا يخالطهم أحد؟ وأنهم رجال مقنعون بالأثواب الجامعية من فرع الرأس إلى أَخمص القدم، فهم عمى لا يبصرون إلا نور العلم، وصم لا يسمعون إلا نداء الحقائق الخالدة في الفلسفة؟
كلا كلا! إنهم يسمعون ويبصرون، ولكنهم لا يريدون أن يبينوا عما يسمعون وعما يبصرون، فإذا أبانوا فلن يبينوا عن الحق، بل يبينون عن خلافه مما سمعوه من أعوان بريطانيا وأشياع يهود، ويطعنون فينا كل طعن، ولا يرون بأسًا من تعظيم أخطائنا وإخفاء صوابنا أو حقنا. بل يمنون علينا أن فعلوا لنا وفعلوا، وهم يعلمون علم اليقين أننا لو قد كنا أحرارًا في بلادنا لفعلنا لأنفسنا ما لا يستطيعون هم ولا سواهم أن يفعلوه لنا.
ثم فليخبرونا: أنحن الذين يجب علينا أن نتولى الدعاية لبلادنا في بلادهم؟ أيجب علينا أن نذهب إلى الحكم العدل الَّذي يرسل إلى بلاد الله سوانا من يعرف خبايا أسرارها، فنقول له بألسنتنا إن حجتنا كذا وكذا، وفضائلنا كذا وكذا، ونعدد له مناقبنا ووجوه حقنا ومظالم عدونا، فإذا به يسمع لنا ويقنع بما نقول نحن، وينسى كل ما تقول بريطانيا واليهود، وإذا الرأي العام الأمريكي قد أصبح معنا! !
كلا ليس هذا بمنطق ولا حق، بل الحق هو أن الحكم العدل هو الَّذي يجب عليه أن يتتبع حقائق القضايا ويرسل رجاله ورجال صحافته ليعرفوا ويسألوا، ويجب عليه أن يطالب المقيمين من أهله في بلادنا أن يقولوا الحق غير متجانفين ولا باغين ولا تابعين للأهواء والعصبيات، وأن يتولى هو وصحافته بيان الحق في ذلك كله حتَّى يستطيع أن يحكم بالعدل، وإلا كان حَكَمًا لا يصلح للحُكْم.
أما دعاتنا الذين يحرضوننا على "الدعاية" لأنفسنا في بلاد الحكم العدل، فليعرفوا أن الصحافة هنا لن تقبل منا أن ننشر ما نشاء إلا أن ندفع عليه مالا كثيرًا، وهم ينشرون لنا على أنَّه "إعلان" لا أكثر ولا أقل، وأن القارئ سوف يقرؤه على أنَّه إعلان لا أكثر ولا أقل. فإذا كان لنا أن نرجو خيرًا من الحكم العدل، فهو يوم يلين قلبه ويرق ويشعر أننا أهل لأن ترفع عنا المظالم، ويومئذ يرسل إلينا من يسألنا
стр. 433
ويستخبرنا ويعود لقومه قضاة الحق أن أنصفوا مظلومًا طال ظلمه، وأما قبل ذلك فلا. وإن كان هذا لا يمنع أن نبذل من الجهد ما نرجو أن يوقظ الحكم العدل من سباته الَّذي طال كما طال ظلمنا. وقبل ذلك فلنحذر أن نلوم أنفسنا على تقصير لم يكن، لأنه ليس تقصيرًا بل هو معرفة للحقيقة الظاهرة وهي أن الحكم العدل لا يريد أن يكون معنا نحن العرب دون الناس جميعًا - حكما عدلًا.
стр. 434
هي الحرية
قالوا في قديم الأمثال: "ليس المتعلق كالمتأنق"، فالرجز الذي أنعم الله عليه بسعة العيش، وأرخَى باله من هموم الحياة، مطيق أن يتأنى فيما يختار لنفسه متذوقًا ومتخففًا حتَّى يرضى، أما الَّذي قَدَر الله عليه رزقه فهو كالسهم في الوتر المشدود ترمي به يد الحاجة إلى هدف يتخايل له أو يتحقق، وهو لو أراد لما أطاق إلا الَّذي فعل لأنه مدفوع بالاضطرار. ورب سارق لم يجد من السرقة بُدًّا لأنه دفع إليها بحاجة طبيعية لا يطيق أحد خلافها، وهو التعلق بالحياة والإبقاء على النفس، فهو يريد أن يطعم الغريزة التي تلهب أحشاءه بالجوع المهلك. ومهما تكن روادع نفسه، ومهما تكن قوتها، فهو منتهٍ إلى ساعة لا يجد عندها إلا أن يمد يده ليأخذ شيئًا يمسك عليه رمقًا يوشك أن يتبدد. وما مد الرجل يده، ولكن الحياة هي التي مدتها، فهو خليق أن لا يكون عندئذ مسئولا عما فعل. وكذلك الشأن في أحداث كثيرة تكون في هذه الحياة الدنيا وفي هذا الناس، فإن المجتمع الإنساني يعنف بأبنائه أحيانًا ويعتسف بهم أضل المجاهل، لأنه لا يبالي بأن يكفل لأبنائه جميعًا حاجتهم التي لا غنى لأحد منهم عنها، ولأنه يغفل في فورانه عن الطبائع الأولى التي تتطلب زادها من الحياة، والتي إذا فقدت هذا الزاد لم تبق على شيء، ولم تَرْعَ شيئًا، ولم تَرْعَوِ عن شيء. وهذا ضلال قديم في نظام المجتمع الإنساني، أراده الأنبياء بالإصلاح، وأراده عقلاء المفكرين بالتغيير، فأدركوا شيئًا ووقف بهم العجز عن كثير، لا من عجز في هدايتهم أو آرائهم، بل من عجز المجتمع عن أن يدرك سمو الأغراض التي رمى إليها الأنبياء والمفكرون.
وفي عصرنا هذا أمثال كثيرة على تغلغل الفساد والجهل والعسف وقلة المبالاة
стр. 435
في قلب المجتمع الإنساني. أمثال يكون فيها الأفراد هدفًا منصوبًا لاضطهاد جماعة الأمة أو الشعب، وأمثال تكون فيها الأمة هدفًا لاضطهاد جماعة الدول أو الشعوب.
فليس في الأمم اليوم أمة لا تتداعى وشادى باسم الحرية: حرية الفرد، وحرية الفكر، وحرية العقيدة، وحرية التجارة إلى آخر هذا الحشد من الحريات، فهي بذلك تقرر جميعًا أن الحرية أكبر أغراضها، وهذا طبيعي، لأن الحرية هي إحدى الطبائع المستقرة في الإنسان الفرد، وهو يطلبها طلبًا حثيثًا ملحًّا، حتَّى ولو اضطر أن يستعبد نفسه لعمل يكدح في سبيله طول حياته، ولكن غايته من هذا الكدح هي أن يتحرر من الكدح وهذا إحدى عجائب الطبيعة البشرية.
نعم إن الحرية غاية الفرد التي يسعى إليها وهو وحيد في مشاعره وفي بعض وجوده، ولكنه إذا صار فردًا من جماعة كان للجماعة سلطان على هذه الحرية وتصرفها، وهو شيء من حقها أيضًا. ولكنها إذا أرادت أن تتعسف وتحرمه حريته فقد أساءت من حيث أرادت الإحسان، ولا تكون الجماعة رشيدة حتَّى تعرف أن الحرية حاجة طبيعية لابد للفرد من الاستمتاع بها على وجه من الوجوه، فلابد إذن من أن تتيح أوسع ما يمكن من مجال تتصرف فيه الحرية على الأسلوب الَّذي يجعلها وافية بحاجته الطبيعية. ومن هنا يأتي الفرق بين نظام ونظام، فيكون هذا بغيضًا مملولا، وذاك محببًا مألوفًا.
والأمم اليوم في جماعة الدول بمنزلة الأفراد في الجماعة، فلابد للنظام الَّذي يريد أن يكون محببًا مألوفًا من أن يتيح للأمم جميعًا أوفر قسط من الحرية يتيح لها أن تتصرف على الأسلوب الَّذي يجعل الحرية وافية بحاجتها الطبيعية، فإذا لم تفعل ذلك جماعة الدول انتقضت الأمم المسلوبة حريتها ورأت ذلك النظام بغيضًا مملولا، وكرهته وكرهت أهله، وصارت حربًا على الجور والعسف حتَّى تنال حريتها وتستمتع بها طبقا لحاجتها الطبيعية. ومن أجل ذلك فيما زعموا، أنشأوا هيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
ولكن ماذا نرى من فعل جماعة الدول اليوم؟ إنها جميعًا قد أنكرت بأسلوب
стр. 436
يجمع بين الخسة والمكر والنفاق، أن تكون فلسطين المضطهدة أمة عربية مستقلة حرة كما تشاء الفطرة الإنسانية، وأرادوها أن تكون يهودية تفتح أبوابها لأنذال أمم الأرض، فهم يتدسسون إليها من كل حدب ومن كل فج، وهم يزمعون أن يغزوها بأجساد يهودية تتساقط من الطائرات على أرضها، وأرادوها أن تظل ساكنة هادئة مطيعة حتَّى تمتلئ جنباتها بالأنذال الذين يريدون أن يحولوها عن عربيتها إلى يهوديتهم.
وهذه الأمم التي كانت، ولا تزال تتداعى وتتنادى باسم الحرية، تسمع وتبصر، فيسكت بعضها ويمالئ بعضها، ويعاضد بعضها، وتأذن جميعها للصهيونية الخبيثة أن تزرع بذورها الخبيثة في الأرض الطيبة. فإذا قامت العرب تناديهم باسم الحرية حاوروها وداوروها وتنذلوا معها بكل أساليب الخسة والخداع والنفاق، لأنهم يريدون أن لا تكون الحرية حقًا لهؤلاء العرب، ويريدون أن تكون يهود عونًا لهم على سلب هذه الحرية من العرب، ولن يبلغوا بإذن الله ما يريدون.
ثم هذه مصر والسودان ظلت أكثر من خمس وستين سنة وهي تتفزع من ثقل النير المضروب عليها، فلما جاءت الساعة التي لا تطيق معها صبرًا على ضروب الذل والهوان التي لقيتها من احتلال جيوش بريطانيا، ومن احتلال شذاذ الآفاق الذين نزلوا أرضها فرتعوا في نواحيها كما يرتع السوس في الصوف في الصيف، كما يقولون، ولما جاءت الساعة وطلبت الفطرة الإنسانية في مصر حاجتها من الحرية التامة التي تتنادى بها تلك الأمم، لاذت تلك الأمم بالصمت ولجأت إلى الخداع وتلفعت بالنفاق، ويوشك أن تنكر على مصر والسودان حقوقهما في هذه الحرية العامة التي ينبغي أن تستمتع بها البشرية كلها أممًا وأفرادًا.
بل أعجب من ذلك أنها لجأت إلى أدنأ الأساليب يوم أرادت تفريق كلمة المصريين بأن يوقعوا الشقاق بين أهل دينين ظلا أجيالا يتعاشر أهلهما بالمعروف. فلما سقط في أيديهم وأخفق سعيهم وحبطت أعمالهم، انحازوا إلى أسلوب آخر هو تسليط جماعة من المرتزقة يقال لهم المراسلون الصحفيون، يذيعون عنا كل خبيث بكل لسان لا يرعون حرمة ولا ذمه ولا عهدًا. وحرضوا أيضًا أعوانهم من
стр. 437
الأجانب الذين عاشوا في مصر طويلا أو قليلا، ليجلسوا في المجالس ويذيعوا أن بلادنا وبلاد العرب جميعًا تسيء اليوم إلى الأجانب. ويعنون بذلك أنَّه منذ جلا الإنجليز عن جزء من مصر، صار المصريون وحوشًا مفترسة تعتدى على الأجانب وتهينهم وتزدريهم قولا وفعلا. وكل ذلك يتناقله المراسلون الصحفيون من المرتزقة، ويرسلونه ليذاع في الصحف في جنبات الأرض. ونحن نعلم علم اليقين أن هذا ليس من فعل المرتزقة أنفسهم، بل هو من حث بعض الدول وإغرائها لهم بأن يقولوا هذا ويذيعوه ويتناقلوه بينهم وبين من يلقون.
هذا، والأجانب أنفسهم قد عاشوا في مصر مع بريطانيا خمسًا وستين سنة، وهم يمتهنون المصريين ويسيئون إليهم في أنفسهم وأموالهم وأرضهم وعقائدهم، حتَّى ألفوا هذا النوع من الغطرسة، فلما جئنا اليوم نأباها عليهم كما تأباها بريطانيا وأمريكا وكل بلد قل شأنه أو ارتفع، تصاخبوا علينا، وراحوا يبسطون ألسنتهم وأفعالهم فينا وفي أخلاقنا وعاداتنا، فإذا أراد أحدنا أن يكفكف من شر أحدهم، انطلق يزداد صخبًا وجلبة يستصرخ الدنيا كلها على هؤلاء المتوحشين الذين يسمون المصريين. ومع ذلك فمصر منذ عشر سنوات هي مصر اليوم لم يزد ما كان يلقاه الأجانب أمس فيها من رد وقاحتهم وجرأتهم علينا، على الَّذي يلقونه اليوم من ذلك، ولكنهم سمعوا ألسنة هؤلاء المرتزقة تذيع عنا الأباطيل، فانطلقوا يتصايحون علينا كأننا صادرنا أموالهم وأجليناهم عن بيوتهم، ونصبنا لهم المشانق، وأعملنا فيهم استئصال الشأفة كما كان يفعل طاغية ألمانيا باليهود! !
ثم تأتي المرتزقة من المراسلين فتزعم أن بلادنا قد أصبحت متطرفة في الحماسة للحرية، وأن كلمة "مصر للمصريين" قد أصبحت أهم كلمة في مصر، ويقوم صعلوك منهم يقول: "ولذلك لا يعجب المرء كثيرًا حينما يراهم (يعني المصريين) قد ضلوا الطريق! ولكننا نعجب حينما نتساءل: إلى متى سوف يستمرون في اندفاعهم الَّذي لا يكبح جماحه من أجل الحرية؟ ".
ونحن نأسف لأن الشعب المصري لا يزال هادئًا صابرًا على كل هذه الوقاحة
стр. 438
التي يصبهَا علينا مرتزق بين ظهرانينا، ونأسف لأن حكومتنا المصرية لا تزال هادئة صابرة، بل مجاملة أشد المجاملة لهذا النوع من المرتزقة. وكان خليقًا بأية حكومة في الدنيا -لا حكومة مصر- أن تعرف أولئك الذين أذاعوا أنباء غير صحيحة في طائفة من المسائل التي تتعلق بمصر، وأن تقول لهم إنكم كذبتم، فإما أن تكفوا عن إذاعة هذه الأكاذيب، وإما أن تغادروا بلادي. ثم ترفع كل الأدلة التي تفضح كذب هؤلاء الكذابين من المرتزقة إلى حكوماتهم، وأن تبرئ ذمتها من دخيل لا يرعى أدبًا ولا خلقًا، ولا يعرف قدره ولا أقدار الناس!
إننا نطلب الحرية وسننالها، وسنكون أحرارًا في بلادنا نسوسها بالسياسة التي نرتضيها لأنفسنا. ونحن لن نرضى لأنفسنا إلا الإنصاف، ننصف أنفسنا، وننصف من يعاشرنا من الأجانب. ولكن إذا ظن الأجانب أن هذا الإنصاف الَّذي لهم ينبغي أن يكون على ما تعودوه منذ خمس وستين سنة، من امتهان المصريين ومن الغطرسة عليهم، ومن بقائهم طبقة واحدة ترى أنها أنبل منا، وأشرف منا، وأحسن عقلا منا، وأولى بثروتنا منا، وأحرى بالامتياز من كل مصري يعيش على أرض مصر -فيومئذ سوف ننصفهم أيضًا، ولكن بما نرضى به نحن غضبوا أو رضوا، وضجوا أو سكتوا.
أما الدول التي تتنادى باسم الحرية، والتي تنكر على مصر والسودان، وعلى فلسطين، وعلى العراق، وعلى بلاد المغرب كلها -أن تكون أممًا حرة، فلتفعل ما تشاء، لأن هذه العرب لن تهادن إلَّا مَن يهادنها ولن تجامل إلا من يجاملها، ولن تعاون إلا من يعاونها، ولن تمد يدها إلا إلى من يمد لها يدًا نقية من الغدر والفتك والنفاق.
الحرية حق طبيعي، فنحن بالغوه ومدركوه شاءت الأمم أم أبت. والقوة الدافعة إلى طلب الحرية غريزة فطرية، فنحن خاضعون لها حتَّى تحقق غايتها شاءت هذه الأمم أم أبت. والإنصاف طبيعة فينا، فنحن سننصف أنفسنا وننصف من يعاشرنا، رضى بذلك من رضى وكرهه من كره. وهذا كله شيء ليس لنا فيه خيار، لأننا كدنا نموت ونريد أن نحيا. ونحن نتعلق في حياتنا هذه كالجائع
стр. 439
المشرف على الهلاك حين يتعلق بكسرة خبز ورشفة ماء، هي الحرية، وأما هم فيريدون أن يتأنقوا ويتنبلوا ويتفاصحوا باسم الحرية التي يريدون بها حريتهم هم مقرونة بالاعتداء على سواهم من الشعوب المتعلقة بالحرية أمثالنا نحن.
وسوف يأتي على الناس يوم وتظهر العرب، وتعلم هذه الأمم كيف تكون الحرية، ثم تقودها إلى هذه الحرية مرغمة كما يُقاد الجمل.
стр. 440
قضى الأمر . . .
قضى الأمر، وانتهت الحكومة القائمة عن ترددها، وألفت الوفد الَّذي سيذهب إلى مجلس الأمن ليعرض موضوع الخلاف الَّذي بيننا وبين بريطانيا. وعن قليل سيسمع العالم كله لقضية مصر والسودان، ويصغى إلى حجتنا التي ستلقى إليه، وإلى حجج بريطانيا في دفاعها عن الَّذي تدعيه. ولو كان الأمر أمر عدل وإنصاف وبعد عن التحيز وأنفة من الظلم، لما بالينا أن ندعو حكومتنا أو شعبنا إلى خطة سوى عرض القضية كما هي، بلا حاجة إلى تتبع سوءات بريطانيا وعورات أفعالها. ولكن لا عدل ولا إنصاف، بل هو التحيز والظلم. هذا ما ينبغي أن نتوقعه بعد الَّذي كان من موقف الأمم الغربية والأمة الروسية من أعظم قضايا الشرق وأوضحها برهانا وأبينها حجة، أعنى قضية فلسطين.
ولسنا نقول هذا تثبيطًا لوفدنا أو لشعبنا؛ كلا فإن القضية المصرية السودانية قضية للجهاد لا للسياسة. فلنفرض أن الأمم ظلمتنا وتحيزت لبريطانيا فجارت علينا وضلعت (١) معها فلن يضيرنا ذلك، بل هو الداعي الأعظم إلى الاستماتة في الجهاد إلى أن ننال حقنا غير منقوص ولا مهتضم. ولكن هذا الأمر المخوف أو المتوقع يوجب علينا أشياء لا مناص لنا من المحافظة عليها والحرص على أدائها.
فقد كان من سياسة بريطانيا قديمًا أن تمزق وحدة هذا الشعب وتوقع بين أبنائه العداوة والبغضاء وقد فعلت، فصارت أحزابنا أحزابًا تسيِّرها شهوات رجال يتطلعون إلى مناصب الحكم كما يتطلع الظمآن إلى الماء أو سراب الماء وكان من سياستها أن تلاين وتساير حتَّى يصبح السودان شيئًا قائمًا بذاته أو كالقائم بذاته، ففعلت. وكان من سياستها أن تغرى شهوات قوم من أهل السودان بالحكم
стр. 441
أو السلطان، ففعلت، وانقسمت فئة من أبنائه مضللين بوعود كاذبة لن تتحقق، وخرجت عن بقية الشعب مؤزرة بالمال ففجرت ومردت، وبريطانيا من ورائهم تنفخ في نيرانهم حتَّى يأتي اليوم الَّذي يجعلونهم فيه حربًا على بلادهم وهم يظنون أنهم يعملون لخيرها وفلاحها. تم ذلك كله لبريطانيا، ولكننا مع ذلك لا نبالي به قليلا ولا كثيرًا، لأننا نعلم أن هذا الشعب المصري السوداني شعب كريم ذكي الفؤاد، تجتمع قلوبه عند المحنة يدًا واحدة على عدوه الباغي إليه الغوائل.
بيد أننا الآن في ساعة غير التي كانت بالأمس، فالقضية المصرية السودانية سترفع عن قليل إلى مجلس الأمن، أي مجموعة من الدول لبريطانيا عليها فضل، أو لها عليها تأثير. والزمن الَّذي ستعرض فيه لن يطول كما كانت تطول سياسة بريطانيا. وإذن فقد أصبح واجبنا نحن أن نتآزر ونتداعى ولا ندع هذه الفرصة تفلت منا ونحن عنها غافلون.
ليكن الوفد الذاهب إلى مجلس الأمن وفدًا لم تجتمع له الصفات التي تنبغي أن تجتمع لوفد مصر، وليكن رئيس الحكومة الَّذي سيرأس الوفد رجلا غير الَّذي كانت ترجوه بعض الأحزاب، وليكن أعضاء الوفد رجالا غير الذين كنا نتوقع أن يكونوا -ليكن كل ذلك، ولكن أليسوا مصريين سودانيين يجاهدون ما استطاعوا في سبيل حق مصر والسودان في الحياة الحرة التي تنبغي أن تكفل لكل حي ولكل أمة؟ أليسوا رجالا منا قد انبروا للمحاماة عنا في مجلس يخشى أن يكون أقرب إلى عداوتنا منه إلى صداقتنا؟ أليس مطلبهم هو مطلب مخالفيهم من سائر الأحزاب فيما يخص قضية مصر والسودان؟ بلى، وما أظن أحدًا من مخالفيهم يستطيع أن يقول خلاف هذا أو يدعي نقيضه.
وهذا المجلس الَّذي هو أقرب إلى العداوة منه إلى الصداقة لن يفرق بين مصري نختلف عليه أو مصري نتفق عليه. وبريطانيا لن تكون أقل عنفًا ولجاجة إذا كان الَّذي يرتفع بالقضية إلى مجلس الأمن إنسانًا اتفق المصريون والسودانيون عليه، لأنها تريد بكل ما تبذله أن تأكل حق هذا الوادي وتحيف على مستقبله، لا تبالى بما يسمى أقلية أو بما يسمى أكثرية. وإذن فالعقل قاض علينا بأن نلقاها
стр. 442
ونلقى مجلس الأمن يدًا واحدة وعلى قلب رجل واحد أيًّا كان هذا الرجل. ونحن نعلم أن هذه دعوة قد كثر الداعوان إليها فباءوا بالخيبة مرة بعد مرة، ولكن كان العذر عندئذ قائمًا، فإن الحكومة لم تكن قد ارتفعت إلى مجلس الأمن بعد، وكان هناك مجال لشهوات الأحزاب أن ينال أحدها فضل التقدم للدفاع عن حقوق مصر والسودان. أما الآن فقد قضى الأمر، فمصر والسودان تطالب أحزابها بحقها عليها، فإذا أحجم أحدها، أو أحد رجالها، عن الَّذي تقضيه عليه حقوق الوطن، فذلك "خائن"، خائن بالمعنى الصريح التام الشامل الَّذي تنطوى عليه هذه الكلمة.
وكلمة الخيانة كلمة عظيمة نأنف أن يتصف بمعناها مصري سوداني لأنها تصم صاحبها بأنذل ما يكون في طبيعة البشر، وهي جريمة لا تغتفر، وجزاؤها جزاء لا يحد. ولا نظن أحدًا أحب أن يعرض نفسه لها راضيًا عامدًا قط، بل الظن أنَّه إنما يخطئ وجه الصواب فيقع في أقبح العيب ويخوض في أشنع العار. وقد جاءت الساعة التي توجب على كل مصري سوداني أن يقف ساعة ساكنًا هادئا مفكرًا متورعًا خشية أن يقع في هذه الخطيئة أو يلم بهذا الإثم، وأن يحرر نفسه لحظة من شهواتها الجامحة، وينفض عن قلبه غبار أعوام من الأحقاد الحزبية والسخائم الوزارية، ليتطهر لوطنه ولبلاده، وليستهدى بهدى الوطن في ساعة المحنة. إنها أعظم خطيئة يقارفها مصري سوداني منذ اليوم، لأنها خذلان لوطنه في ساعة يرى فيها الأعداء يتناهشونه من كل مكان، ويريدونه بالشر من كل ناحية، ويكيدون له أخبث الكيد في كل أرض.
ولن يضير أحدًا أن يكون له رأي يخالف هؤلاء الرجال الذاهبين إلى مجلس الأمن في شئون لا علاقة لها بمجلس الأمن، فيدع عناد الرأي إلى مناصرة الحق -بل إلى مناصرة وادي النيل في حقه الطبيعي الَّذي لا يعرف الرجال وآراءهم وسياساتهم، بل يعرف حقه على أبنائه من أي رأي كانوا، وفي أي زمن ولدوا، وعلى أي دين نشأوا. أقول هذا وأنا غير يائس من أن تجتمع كلمة هؤلاء المختلفين على هذا الحق البيِّن الَّذي لا ينازع فيه عاقل.
стр. 443
وأنا أدعو "الكتَّاب" الذين أنتسب إليهم بهذا القلم، أن يجتمعوا على رأي واحد، ويقوموا مرة واحدة لدعوة الشعب إلى الطريق الحق، وأن يبرئوا أقلامهم من الأحقاد الصغيرة التي أنشأتها بينها بريطانيا يوم مزقتنا أحزابًا، ليملأوها بالحقد الأعظم على العدو الأعظم الَّذي لم يدع لنا عرضًا إلا هتكه، ولا فضيلة إلا لوَّثها، ولا كرامة إلا تهجم عليها بالتحقير والتشنيع. وإنما أوجه دعوتي إلى الكتَّاب، لأنهم هم أصحاب الرأي الأول، وهم بناة الأمم، وهم حياة الشعب، وهم القوة التي تؤازر الضعيف حتَّى ينال حقه، وتلطم الجبار حتَّى يدع الحق لأهله. إن التبعة الملقاة على كواهل الكتَّاب، هي أعظم تبعة ألقيت على مصري سوداني في هذه الساعة، فهي أعظم من تبعة الوفد الذاهب إلى مجلس الأمن، لأنه بدونها لا يستطيع أن يواجه هذه الأمم مواجهة النِّد للنِّد، ومواجهة صاحب الحق لظالمه، ومواجهة المؤمن بقضيته للكافر بهذه القضية. ولو فعل الكتَّاب ما يوجبه عليهم حق مصر، فلن يستطيع مخالف أيَا كان أن يفتَّ في عضُد الذاهبين بقضيتنا إلى مجلس الأمن، وليس اليوم يوم لهو ولا لعب ولا شهوات، بل هو يوم الجد والصبر والزهد، وظنّي بالكتَّاب أنهم أسرع الناس إلى معرفة مفصل الصواب في كل أمر، فلن يخطئوا أن يعرفوا ذلك وثرى مصر والسودان يهمس لهم داعيًّا مؤلبًا حافزًا على العمل لتحرير بلادهم من نير العبودية.
وأنا مؤمن بأننا سننال حقوقنا كلها كاملة، شاء مجلس الأمن أم أبى، وبأننا صائرون إلى ساعة تجتمع فيها القلوب المصرية السودانية على كلمة واحدة، شاء رؤساء أحزابنا أم أبوا، وبأن المستقبل قد بانت لنا معالمه، فإن عميت عنه عيون قد تقادم عليها الزمن فخبأ ضوؤها، ففي الوادي عيون ناظرة مبصرة لم تطمس نورها حزازات الماضي ولا شهوات الحكم، وأنهم هم الذين سيحكمون على الرجال حكما لن يرد، إنهم مصر والسودان أيها الساسة، فاحذروا مصر والسودان وأحكامها عليكم، فمن وضعته فهو الموضوع إلى يوم الفصل، ومن رفعته فهو المرفوع إلى آخر الدهر!
стр. 444
أسد إفريقية
إلى أسد إفريقية الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.
السلام عيك أيها الأمير ورحمة الله وبعد:
ملأت فضائلك البلاد، ونقبت ... في الأرض، يقذفها الخبير إلى العَمِى
فكأن مجدك بارق في مزنة ... قِبَل العيون، وغرة في أدهم (١)
واليوم مُقْذٍ للعيون بنقْعِه (٢) ... لا يهتدى فيه البنان إلى الفم
لم يبق غير شفافة من شمسه ... كمضيق وجه الفارس المتلثم
فأنت، أبقاك الله ومتعك بالعافية، قد كنت في تاريخ العرب الحديث نفحة علوية من مجد آبائنا الغر الميامين، وكنت في ضمير كل عربي صدى للأمانى البعيدة التي لا تزال ترددها دماؤنا في أبداننا العربية الحية، وكنت قبسًا من فضائل أسلافنا يحدث عن نفسه بلسان عربي مبين، وكنت برهانًا جديدًا لأهل البغي على أن العربي لا يذل أبدًا ولا ينام على الضيم يراد به. ثم كتب الله لك بعد عشرين سنة من الأسر أن تعود كما كنت عربيا حرًّا حَمِىَّ الأنف ذكى الفؤاد، تأنف لأمتك وعشيرتك أن يروا ميسم ذلهم وهوانهم على جبين أكرمه الله بالنصر مرة، وامتحنه بالأسر تارة أخرى. فعش في حمى مصر أيها الرجل أميرًا على
стр. 445
قلوب مليون نسمة من العرب وأربعمئة مليون من المسلمين، وجزاك الله عما قدمت للعرب أكرم جزاء وأوفاه.
كُنْتُ يومئذ في العقد الثاني من عمري شابًا ينبض بين جنبيه قلب يتلفت إلى مجد آبائه ويحن إلى تاريخهم حنينًا طويلا كأنه لوعة ثكلى على وحيدها، وكانت مصر كلها لا تزال ترسل الصرخة إثر الصرخة طالبة أن تنال في الحياة حريتها التي استلبها البغاة الطغاة شياطين الأرض، وكانت الدماء في أبداننا تريد أن تطفي ظمأ الأرض المصرية بما يجرى على ظهرها من دماء الشهداء حتَّى تمحوا عار الاحتلال عن هذه الأرض المطهرة، ولكن زعماءنا أبوا إلا السلم وطمعوا أن ننال حقنا بالمفاوضة، أي بخديعة الغاصب حتَّى ينخدع لنا فيترك لنا ما سلب.
ثم أصبحنا يومًا فإذا بنا نسمع عن "أسد الريف" الَّذي هب من غابه ونفض نواحيه وزمجر واجتمع للوثبة، وإذا هو يضرب يمينًا وشمالا لا يدع للأسبان متنفسًا حتَّى اضطرهم إلى أقبح مواطن الذل تحت قدميه، وأوردهم شرائع العار شَلًّا (١) وطردًا حتَّى سجدت له تلك الجباه المتغطرسة في حمأة من الضراعة والذل.
كانوا يريدون أن يسوموا أهل مراكش أن يسجدوا لهم في مثلها، فأبيت إلا أن تعرفهم أقدارهم تحت هاتين القدمين الطاهرتين النبيلتين، فأتم لك الله النصر عليهم كما شاء.
ثم أراد الله أن يعرفنا ويعرفك أن أنذل من النذل ناصره على نذالته، فهبت إليك تلك الدولة الأخرى المعروفة باسم فرنسا، وهي يومئذ ثانية أمم الأرض فألبت عليك جيوشها وجحافلها "وبيتانها" (٢)؛ وفزعوا إلى نصرة الأسبان المهزومين، وظلوا يستجيشون عليك، أنت الضعيف الفرد، كل ما آتاهم الله من بسطة في العلم وقوة في البأس، حتَّى غلبوك على أمرك، ثم خدعوك، ثم غدروا بك، ثم نفوك على عادتهم من فساد الطوية وحقارة الفعل. فأصبح كل عربي
стр. 446
على ظهر الأرض يحس أنَّه الأسير المنفي المغدور به، وانطوت قلوبنا على بغض لا ينام لهذه الأمم التي لا شرف لها ولا ذمة ولا عهد.
ثم تقضت الأعوام وشارفتُ الأربعين، وإذا أنت حر طليق في أرضي وبلادي، فما كدت أسمع ذلك حتَّى انطوت أيامى وعدت كما كنت في نحو العشرين، شابًّا يحس دماءه تغلي لهذا النبأ كأنني انطلقت من الأسْر وخرجت من المنفي لأعيش حرًّا طليقًا كما تعيش أنت اليوم في مصر. ومصر هي أم المروءات، فإن ساء ذلك فرنسا أمَّ الغدر والخيانة، فإننا لن نفارق أخلاقنا وأخلاق آبائنا لكي نعينها على آثامها ومساوئها، بل سنرد عليها بغيها مهما لقينا في ذلك من سوء أخلاقها وقبح فعالها.
ونحن لا نعلم علمًا يقينا ماذا فعلت بك هذه الأمة الحريصة على ابتذال عرضها بين الأمم، أيام كنت في مَنْفاها، ولكن كفانا طول الاستقصاء أن نعلم أنها حرمت على تلك الألسنة العربية الصغيرة في أبنائك أن تعرف منطق آبائها وأسلافها، فقد اضطرتها بجبروتها وقسوتها أن تتجافي عن الكلمة العربية التي تمثل للعربي أمجاد أمته في ألفاظ من نور هذه اللغة الشريفة. وسيقولون إنك أنت الَّذي أردت لأبنائك أن ينشأوا على ذلك اللسان الفرنسي، ولكن كذبوا فما من عربي يطيق أن يدع أبناءه الأحرار في أسر لغة أخرى غير اللغة الحرة التي عاش عليها آباؤهم وأجدادهم. ولست أشك في أنهم قد اتخذوا لذلك كل وسيلة حتَّى لم يدعوا لك حيلة تدفع بها عن قلبك حسرة الأب العربي وهو يرى أبناءه ينشأون غرباء عن لسان أمهاتهم اللائى أرضعنهم بدَرّ عربي حر آبٍ للضيم طالب للعزة والشرف والنبل.
وقد أراد الله غير ما أرادوا، فها أنت اليوم بين أهلك وعشيرتك من أهل مصر، وهؤلاء أبناؤك هم أهلنا وإخوتنا، وهذه مصر بلادهم لهم فيها ما لنا، فعن قليل يهدم اللسان العربي ذلك اللسان الفرنسي، ويرتد العربي عربيًّا كما أراد الله له أن يكون، كما ردك الله حرًّا كما أراد لك أن تكون. وأما فرنسا فقد رد الله غيظها في صدرها حتَّى يأكل منها ما بقي مما تستطيل به على الناس.
لا تأس أيها الرجل على ما فات، فإن في الَّذي لقيه الناس من بعدك لعزاء لك
стр. 447
عما لقيت في منفاك، وإن الَّذي أنت فيه اليوم لهو نعمة مَنَّ الله بها عليك لتحمل مرة أخرى سيف الجهاد في سبيل أمته التي أنزلت بها فرنسا من بطشها ومظالمها ما لا قبل لأحد بالصبر على مثله. وقد ردك الله إليها لترى رأي العين ماذا فعل بعدك هؤلاء القوم بقومك، ولتشهد مصارع الأحرار من أنصارك، ولتملأ قلبك من القوة التي تفل الحديد وتنسف الجبال وتجتاح الجيوش - قوة الإيمان بالله الَّذي لا يخذل من نصره ونصر أولياءه بالحق في يوم الجهاد.
إن فرنسا لم تدع في تونس والجزائر ومراكش مكانًا إلا نفثت فيه من سمها، أو ضربت فيه بإبرتها (١)، أو تدسست إليه بغدرها وجهالتها. إنها أمة لم ترع ذمة للإنسانية ولا للمروءة ولا للشرف ولا لشيء مما يصير به الإنسان حيًّا متميزًا من سائر الوحوش والضوارى -أمة تفتري على الناس افتراء مقيتًا ثم تتبجح على الناس باسم الحرية والإخاء والمساواة، أمة من الأذلاء لم يكد الغازى يغزو بلادها في الحرب الماضية حتَّى ألقت سلاحها وسجدت على مواطئ قدميه تمسح عنهما غبار الغزو ضارعة متذللة، أمة لم تأنف آلاف مؤلفة من أبنائها أن تطلب التجنس بالجنسية الألمانية يوم أصابتها هزيمة واحدة في أول حرب تهزم فيها، ولم تستنكف نساؤها أن تفتح الأغلاق للغزاة غير متورعات ولا كريمات.
إننا أيها الأمير نبغض هذه الأمة كأشد ما يبغضها دمك الَّذي يجرى في عروقك، لأننا إخوة جمعتنا رحم واحدة هي العروبة؛ ونحن لا نخصها وحدها بهذا البغض، بل نبغض كل أمة على غرارها قد استحلت مرعى البطش واستطابت ثمار البغي والعدوان. فنحن العرب لم نولد لنعيش، بل ولدنا لنعيش أحرارًا في الدنيا، ولنعلم أهل الدنيا معنى الحرية، وكيف تكون الحرية. ولئن قعد بنا اليوم عجز عن تعليم هذه الناس، فعن قريب سوف يأذن الله لنا بأن نأخذ بالأسباب التي تتيح لنا أن نعلمهم ما خلقنا من أجله، وعن قريب تنقشع عن عيون كثيرة ضلالات كثيرة أوهمتها أن العرب أمة متخلفة قد نفض الزمن منها يديه فصارت كَلًّا وعالة على أهل الأرض.
стр. 448
إِن العربي من أمثالك هو الَّذي سيشهد تراب هذه الأرض في يوم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا أن فضائل البشرية كلها لم تزل حية على فطرتها الأولى في هذه القلوب الزكية المطهرة، قلوب العرب، وأن العالم سيكون أسرع تقبلا للمعاني العربية في الحرية والإخاء والمساواة من تقبله لتلك المعاني الفرنسية التي تلفعت بالجشع واللؤم والغدر والخداع، وأن العربي هو وحده الَّذي يستطيع أن يحقق على هذه الأرض معنى الحرية والإخاء والمساواة لأنه حر بالفطرة لم يألف ذلًا قط، ولأنه أخ لمن آخاه لأنه لا يعرف الغدر، ولأن الناس عنده سواء لأنه لا يفتات على أحد ولا يفترى على سواه من الناس.
وأنت أيها الأمير سيف من سيوف الله، ونحن جند من جنود الله فعش بيننا سيفا مصلتًا مسلولا على أعناق البغاة والطغاة والظلمة، حتَّى يأتي اليوم الَّذي كتب الله لك أن تكون فيه ذبحًا لعدونا وعدوك ونصرًا لأمتنا وأمتك، ومخرجًا لبلادنا وبلادك من ظلمات الأسر إلى نور الحرية.
والسلام عليك ورحمة الله
стр. 449
شعب واحد، وقضية واحدة !
يقول العربي الأول:
وحولي من هذا الأنام عصابة ... توددها يخفي، وأضغانها تبدو
فما العيش إلا أن تصاحب فتية ... طواعن، لا يعنيهم النحس والسعد
إذا عربي لم يكن مثل سيفه ... مضاء على الأعداء أنكره الجد
يضارب حتَّى ما لصارمه قوى ... ويطعن حتَّى ما لذابله جهد (١)
فهذا العربي الَّذي اكتنفته عصابة شر أخرجت له أضغانها، قد كاد يمثل لنا أمر العرب كلهم في أيام الناس هذه. فما من أمة من الأمم الغربية وأشباهها إلا أحاطت بنا عداوتها من كل جانب، تسر ذلك حينًا وتستعلن به أحيانًا كثيرة. وليتها رأت ذلك حسبها من وغر الصدور، بل جاوزت ذلك إلى الاستخفاف بمئة مليون من الناس خلق الله، تنظر إليهم كما ينظر السيد إلى عبده ورقيقه، وتعاملهم كما تعامل المرأة الطاغية أمَة جعلها الله تحت يدها، فهي تسومها الخسف كأشد ما يبغي الضعيف حين يستمكن له سلطان وبطش وقد مضت العبر بأن هؤلاء القوم لا يكادون يفهمون إلا اضطرارًا، وبالقهر والغلبة، كما لم يفهم السادة يوم استبدوا أن الرقيق لن يصبروا طويلا على الذل، حتَّى جاء اليوم الَّذي حمل الرقيق على المركب الوعر فثاروا واستنقذوا حريتهم قوة واقتدارًا. وكذلك نحن لن نبلغ شيئًا في إفهام أولئك القوم أن عملهم سئ العاقبة، مهما توصلنا إلى إفهامهم بالدعاية والمناشدة، بل لن نبلغ شيئًا إلا يوم يستوي لدينا بحق معنى الموت ومعنى الحياة الحرة، فضلا عن معنى الموت ومعنى الحياة الذليلة.
فمن العبث إذن أن ندعو هؤلاء القوم إلى سواء بيننا وبينهم، لأن القوة قد
стр. 450
أسكرتهم فأطاشت حلومهم، وتركتهم لا يدركون إلّا ذلك المعنى الخسيس للحياة، معنى الفائدة العاجلة بغير نظر إلى عدل وَلا نصفة. وهم قوم تقوم حضارتهم على تزييف الشرور حتى تبدو في صورة الخير، وتدليس شريعة الوحش حتى ترى شريعة إنسان أنعم الله عليه بالعقل والعاطفة ليوازن بينهما موازنة تجلب عليه السعادة في الدارين. ومن العبث أن تحتال عليهم بما يسمونه "السياسة"، فالقوى وحده هو الذي يعرف كيف يستفيد من "السياسة" أما الضعيف فاعتماده على السياسة وبال مستطير الشر، يهدمه ويصرعه، ويمكن لعدوه أن يفترس منه حيث شاء وكيف شاء.
فلا مجاز لنا نحن العرب إلا أن نعرف أنفسنا، وأن ندرك حقيقة حياتنا؛ وأن نؤمن بأن القوى لا ينال بقوته بل باستسلامنا، وأنه لا يحيف علينا ببطشه بل بتهاوننا واستصغارنا لشأن أنفسنا؛ وأن أجهل الجهل أن يظن ظان أن مئة مليون من خلق الله يمكن أن يفنوا على بكرة أبيهم بسطوة ساط أو بغي باغ، وأنهم هباء لا يزن في ميزان القوة جناح بعوضة، وأنهم غنم مسيرون يُهاهِى (١) بهم راع عنيف تسوقهم عصاه إلى حيث أراد. نعم لا معدى اليوم لكل عربي من أن يحس في قلبه مؤمنًا بما يحس، أنه خُلِقَ لعصيان أمر الرعاة الطغاة، وأنه مأمور من عند مَن خَلَقَه أن يثبت في مكانه لا يطيع عصا الراعى ولا زمجرته ولا زئيره ولا إرهابه، وأنه مكلف يحمل أمانة من لدن دبت على الأرض قدم عربية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها من عجم ومن عرب.
فالعربي اليوم هو أعظم الناس حملا للتكليف، لأنه يحمل وزر ما هو فيه من ضعف ينبغي أن ينفض عن نفسه آصاره (٢)، ويحمل حق أجيال مقبلة توجب عليه أن يعمل ويمهد لها في هذه الأرض، ويحمل أيضًا أمانة آباء وأجداد وأسلاف مهدوا له هذه الدنيا التي يسكنها من أطراف الهند إلى أقصى مراكش، ومن حدود تركيا إلى أقصى السودان. هذا، وهو يعيش في عالم عدوّ له قد قبض
стр. 451
على زمام الكون، واستولى على عناصر القوة، ونال أسباب السماء وأطاعته نواحي الأرض، فأي تكليف أشق من التكليف الذي يحمله هذا النبيل المسكين الذي يعيش في الدنيا مشردًا مضطهدًا مجهولا مهضوم الحق يوميًا بملفقات العيوب؟
وأول ما يجب على هذا العربي منذ اليوم أن يضع بين يديه صورة أرضه التي توارثها عن آبائه بالحق الذي لا ينازعه فيه منازع إلا مستطيلا أو متهجمًا: أرض تبلغ مساحتها مساحة قارتين من قارات الدنيا، ثم يقول لنفسه: هل يستطيع أحد أن يبيدني ويبيد أهلى وعشيرتى ويستأثر بهذه الأرض يفلحها أو يعمرها أو يقيم فيها للإنسانية حضارة أو دولة؟ وهل يستطيع أحد أن يقسرنى قسرًا على ما لا أريد أن أفعله مما يحب هو أن يتم له؟ وهل يستطيع أحد أن يأخذ قلبي من بين جنبى ليصرفه في هواه كما يشتهي أو يريد؟ وجواب ذلك كله "كلا! " ولا ريب. ففيم إذن أخدم نفسي لمن لا يريد إلا إذلالي، والفتَّ في عضدى، وأكل أرضى وما أنبتت من نبات وحيوان وإنسان؟
فهذا شأن الفرد الواحد، فما ظنك إذن بمئة مليون يكونون على قلب هذا الفرد الواحد، يدًا واحدة، ورأيًا واحدًا، وعملا واحدًا، وإصرارًا على أن لا ينازعنا أحد في حق نحن أصحابه وحماته والمكلفون بحياطته ورد العادية عنه؟ فإذا آمن العربي بهذه العقيدة التي لا مناص له عن الإيمان بها، فهل يدور في وهمك أن أحدًا يجرؤ على غصب العرب على ما لا يريدون، أو حملهم على شيء يصرون إصرارًا على أن لا يقبلوه؟
إن قضية العرب قضية واضحة بينة المعالم: هي أننا لا نريد إلا أن تكون بلادنا جميعًا مستقلة حرة، لا يحتل عراقها جندي واحد، ولا تخضع جزيرتها لسلطان ملوك البترول، ولا ينال نيلها من منبعه إلى مصبه سلطان بريطاني أو غير بريطانى، ولا تقع شامها ولبنانها تحت سطوة غاصب، ولا يعيث في أرجاء مغربها فرنسي خبيث القول والفعل مجنون الإرادة. وهذا كله شيء لا يملك كائن من كان أن يجبرنا على خلافه أو على الرضى به.
ونحن العرب قد أصبحنا دولا لكل دولة منا سياسة يخشى أن تكون ناظرة إلى
стр. 452
استجلاب منفعة خاصة ببلد دون بلد، ويخشى أن تكون كلمتنا في قضية العرب لا تزال محصورة في دائرة أصحاب الأقلام دون أصحاب الحكم والسلطان، ويخشى أن تكون أعمالنا مفرقة لا تجتمع إلى نهاية واحدة في وقت واحد. وإذن فلابد منذ اليوم أن نسن لأنفسنا سياسة جديدة في كل شأن من شئون العرب، تجتمع بها كلمتنا وأهدافنا وأعمالنا حتى تبلغ الغاية جملة واحدة، ويدًا واحدة وفي وقت واحد. وينبغي أن لا نرضى منذ اليوم أن تفرق قضية العرب وتجعلها قضايا ممزقة: هذه قضية مصر والسودان، وتلك قضية فلسطين، والأخرى قضية طرابلس وبرقة، والرابعة قضية تونس، والخامسة قضية الجزائر، والسادسة قضية مراكش، والسابعة قضية العراق .. بل إن هذه القضايا كلها قضية واحدة لا تنفك منها واحدة عن أختها أبدًا.
والعمل لهذه القضية الواحدة ينتظم أفراد العرب، من ملوك إلى وزراء إلى ساسة إلى أصحاب الأعمال إلى جماعات المثقفين إلى عامة الناس، ويحمل عبئها كتاب العربية لأنهم هم اللسان الناطق بما يعتلج في صدور هذه الفئات كلها، وهم المسددون لخطوات الشعب، وهم بناة المبادئ، والمدافعون عنها والداعون إليها، وهم الذين يحملون الحكومات العربية على انتهاج خطة واحدة، وعلى الإيمان بمبدأ واحد، وعلى الوقوف في ساعة العسرة موقفًا لا ترتد عنه قيد أنملة لإيمانها بأن العرب قوة لا تلين لغامز (١)، وبأنهم أهل أرض تقع في قلب العالم لا يطيق معتد أن ينال منها نيلا، إذا ثبتت له كعادة آبائهم وأجدادهم في الدفاع عن الحوزة والحمى.
ونحن العرب نجهل اليوم أننا قوة كأقوى ما في هذه الأرض، يجهل ذلك أفرادنا متفرقين. وتجهله حكوماتنا موزعة الأهواء والأهداف، ويجهله ساستنا بما كتب الله عليهم من محنة هذه السياسة. فنحن اليوم أحوج ما كنا وما نكون إلى معرفة حقيقة هذه القوة، وإلى إدراك ما تقتضيه هذه القوة أيضًا.
стр. 453
فالرجل الذي يعرف أنه قوى ينبغي أن يجعل قوته عملا ظاهرًا لا يرتد مخافة إرهاب أو نكبة أو شر يلاقيه. فإذا شاء رجال العرب وأماثلهم أن يصبحوا في تاريخ العرب مجدًا لا ينكسف ضوؤه أبد الآبدين، فليستلهموا تاريخ أسلافهم الذين خرجوا من أرضهم وديارهم شعثًا غبرًا جياعًا، ولكنهم خرجوا أيضًا مؤمنين بأن كلمة الله هي العليا، وأن حقهم، وإن قل ناصره، أقوى من باطل سواهم وإن كثر أعوانه والعاملون له. وعليهم أن يزأروا زئير الأسد في غابه، حتى يستيقظ النائم، ويتأهب الأعزل، ويجتمع المتفرق، وعليهم أن يحاصروا عدوهم بالمدافعة عن حقهم، قبل أن يحاصرهم بالتهجم على حقوقهم، وعليهم أن يعلموا علم اليقين أن العربي حين يمد يده إلى سيفه، فهو يمدها إلى قوة زاخرة لا تزال تنحدر إليه منذ آلاف السنين بمدد لا ينضب من العزة والشرف والمجد الذي تناله يد المتطاول.
إننا قوة لن يتجاهلها أحد مهما بلغت قوته إلا كنا شجى في حلقه، لا مجازًا وبلاغة، بل هي الحقيقة المجردة عن كل مبالغة.
* * *
إننا قوة سوف تجبر بريطانيا وروسيا وأمريكا وسائر أمم الغرب على أن تعرف أن العرب، قد أفاقوا في العصر، وأنهم قد عزموا على أن ينالوا حقهم أو أن ينتزعوه انتزاعًا من كل من تسول له نفسه أن يهتضم حقوق الناس ويأكل أموالهم ويعيث في بلادهم فسادَا وطغيانا وشرًّا. إننا نحن العرب أمة واحدة في دول متعددة، وسنكون أمة واحدة تحمى حقوق الضعفاء من أي الناس كانوا. إننا نحن العرب أمة قوية وإن ظن الناس بنا الضعف، ونحن أصحاب هذه الرقعة من الأرض، سوف تكون خالصة لنا دون الناس لا تشاركنا فيها دولة بريطانية؛ أو دولة صهيونية أو دولة فرنسية.
وعن قريب سوف تقول حكومات العرب كلمتها، وسوف يجتمع رأينا على أننا لن نرضى بأن نجعل قضيتنا أجزاء يتلعب بها هذا ويلهو بها ذاك، إنها قضية واحدة، يرفعها شعب واحد، مطالبًا بحق واحد، هو أننا أحرار في بلادنا.
стр. 454
هذه بلادنا
هذه بلادنا: العراق، وسورية، ولبنان، وفلسطن، وشرق الأردن، وجزيرة العرب، واليمن، ومصر والسودان، وبرقة، وطرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش -هذه بلاد العرب التي ينطق أهلها اللسان العربي ويدين أكثرهم بالإسلام، فهما من أجل ذلك جبهة واحدة ممتدة من الشرق إلى الغرب، وتملأ رحابها أكبر قارة على وجه هذه الأرض. وهي جميعًا أرض بكر لم ينبش العلم ذخائرها المدفونة تحت ثراها الغني، ولم تنل يده إلا قليلا مما تقله أرضها من حيوان ونبات، ولم تنفطر روحها بعد عن الإنسان الجديد الذي انساح فيها من قبل يوما ما، فملأها عدلا وكانت ملء جنباتها ظلمًا وعدوانًا وبغيًا وكفرًا بالله، ثم بالطبيعة البشرية المطهرة من أدران الحقد والأثرة والجشع وقلة الإنصاف.
فلنلق نظرة عليها جميعًا بلدًا بلدًا، لنر ماذا فعل الله بأهلها، وماذا كتب عليهم، وماذا قدر لهم.
فالعراق أغنى مشارف الجزيرة العربية وأكرمها تربة، وقد نزلت عليه بريطانيا محتلة وسامته الخسف سنين حتى عقدوا معه معاهدة لم تمنع بريطانيا من التدسس بسلطانها إلى جميع مرافقه، فهو لا يستطيع أن يؤدي حق أرضه عليه كما يجب، وسلطان بريطانيا هناك سلطان جائر عنيف لا يزال كما كان على أول عهد الاحتلال، ويخشى أن يزداد فيه سلطانها وسلطان شريكتها ووارثتها أمريكا، بما جد من شئون النفط والبترول وما إليهما.
وأما سورية ولبنان، فقد جلت عنهما فرنسا جلاءً تامًا على أثر الأحداث العالمية التي جاءت مع الحرب الماضية، فاستردتا استقلالهما بغير قيد ولا شرط. ولكن يخاف عليهما ما يخاف على سائر البلاد العربية من تسرب السلطان
стр. 455
البريطاني والسلطان الأمريكي، وطغيان هذا السلطان بالضرورة الملحة الملزمة، إذا قدر لهما أن تظلا محاطتين من جميع النواحي بالمواقع التي فيها لهذا السلطان أثر قوي.
وأما فلسطين، فهي الأرض المظلومة المضطهدة التي أراد بغي بريطانيا وأمريكا أن يجعلاها وطنًا لأعوانهم من نسل إسرائيل، ومعنى ذلك أن تصبح فلسطن كهف الجشع البريطاني الأمريكى، يعمل له وفيه جيل من خلق الله الذين عرفوا بالخسة وقلة المبالاة وعدم الورع فيما يأتون وما يذرون، وهم ولا ريب يؤيدون سياسة بريطانيا وأمريكا في فرض سلطان القوة وسلطان المال على هذه البقعة من الأرض المقدسة، وعلى كل مكان آخر يحيط بها من قريب أو بعيد.
وأما شرق الأردن، فقد كفتنا المعاهدة التي عقدت بينه وبين بريطانيا أن نقول فيه قولا يصفه بأفضل مما وصفته هذه المعاهدة، وهو أنه أرض بريطانية في قلب البلاد العربية.
وأما جزيرة العرب، فقد تدفق عليها سلطان بريطانيا وأمريكا من كل مكان، لأنه فرض أن آبار البترول تكاد تكون حقًّا خالصًا لهما، يدفعان في سبيل أخذه مالا قليلا زهيدًا، ثم ينقلانه إلى بلادهما ليكون ذخيرة من ذخائر القوة التي تحرك الآلات، وتنتج المصنوعات وتمد أمريكا وبريطانيا بكل أسباب القوة والغلبة في هذه الدنيا الجديدة التي لا حظَّ فيها إلا للقوى الغاصب. واستقلال جزيرة العرب أصبح اليوم مهددًا بتغلغل نفوذ ملوك البترول الذين يخدمون ولا شك سياسة بلادهم على أي وجه كانت هذه السياسة.
وأما اليمن فلبريطانيا هناك بعض السلطان، ويخشى بعد قليل أن يتدسس إليه سلطان أمريكا أيضًا وتصبح اليمن مضطرة إلى الخضوع لما خضعت له جاراتها العربية من سلطان هؤلاء الأقوياء.
وأما مصر والسودان، فمن الذي يجهل سلطان بريطانيا في أحد شقيه، وهو مصر، إنه سلطان قد ظلت السياسة البريطانية تمهد له منذ ستين عامًا بكل أسلوب
стр. 456
من أساليبها في اتخاذ الصنائع، وإضعاف الأخلاق، وابتزاز الأموال، وفتح أبواب الهجرة لصعاليك الأمم، وقذف الأرض بكل سخافة من سخافات المدنية، وحجبها عن كل جد وكل عمل يراد به خير هذه البلاد. وأما السودان، فلم يزالوا به حتى كادوا ينتزعونه جملة واحدة، وحتى قسموه إلى جنوب وشمال، وحتى حرموا على أهل الشمال أن يخالطوا أهل الجنوب، وحتى حرموا على أبنائه أن ينالوا قسطهم من العلم والحرية والتجربة في هذه الدنيا المملوءة بالعلم والحرية والتجربة.
وأما برقة وطرابلس فقد انتهت بهما الحرب إلى أن صارتا تحت سلطان بريطانيا المباشر، ولا يدري أحد ماذا يجري فيهما هناك الآن على وجه التحقيق، ولكنهما على كل حال تحت سلطان بريطانيا وشريكتها أمريكا.
وأما تونس والجزائر ومراكش فهي أسوأ بلاد العربية كلها حالا بوقوعها تحت سلطان فرنسا. وفرنسا هذه أمة أهل جبروت وحماقة وجهل، فهي تتخذ العسف وتصطنع القسوة في كل عمل تعمله في تلك البلاد. ولكن ليس يدرى على وجه التحقيق ما الذي تضمره بريطانيا وأمريكا لفرنسا وحكمها في تلك البلاد. أَتريد حقًّا أن تؤازر (١) فرنسا مرة أخرى على استعادة بعض مجدها وسلطانها في هذه الدنيا، وبذلك يزداد طغيانها وبغيها على أهل تونس ومراكش والجزائر؟ أم تراهما يريدان أن يحتالا حتى يزيلا فرنسا عن تلك البلاد ليفرضا معًا عليها سلطانًا بريطانيًّا أمريكيًّا - إما متعاونتين وإما منفصلتين؟ ومهما يكن من شيء فالذي فيه هذه البلاد اليوم، أو الذي يخشى أن يقع عليها غدًا هو أن السلطان الأجنبى هو السائد فيها قوة واقتدارًا.
فأنت ترى غير مرتاب أن هذه الأمة العربية التي تعيش في كل هذه البلاد العربية، قد أصبحت هدفًا لأطماع دولتين متحدتين في أغراضهما وأهدافهما: هما بريطانيا وأمريكا. فهل يشك في هذه الحقيقة أحد؟ كلا ولا ريب، وإذن
стр. 457
فنحن أمة واحدة مقسمة اليوم إلى أمم متعددة تواجه في الميدان جبهة واحدة لها أغراض لا تختلف ولا تفترق. وهذه الجبهة الواحدة لم تزل تتعاون بأسلوب بعد أسلوب في تنفيذ أغراضهما في كل بلد من بلادنا، وتتآزران على فرض سلطانهما مجتمعًا أو مفترفًا، وتتوسلان إلى ذلك بالوسائل التي تتاح لكل منهما في كل بلد من هذه البلاد.
فالآن وقد تبين أننا أمة واحدة مقسمة إلى أمم، وأننا نلقى عدوًّا واحدًّا هو بريطانيا وأمريكا مجتمعتين يضربان بسلاحهما غدرًا هنا وهناك وثمة بلا رحمة ولا شفقة ولا إنسانية، فقد أصبح لزامًا علينا وفرضًا لا مخلص لنا منه أن ننظر إلى الحقيقة الواحدة التي لا يختلف عليها إلا من نزع الله من قلبه البصيرة الهادية إلى سُبل الرشاد، ألا وهي الاتحاد التام في لقاء هذا العدو.
ومنذ سنوات أجمعت طائفة من أمم العرب على تكوين الجامعة العربية، واشترطوا في الأمة التي تصير عضوًا في هذه الجامعة أن تكون مستقلة. ومعنى ذلك هو الاستقلال المعترف به دوليًّا، لا الاستقلال الحقيقي، فإنهم لو طلبوا ذلك لما كان في الجامعة العربية عضو واحد من هذه الأمم التي ذكرنا. فالجامعة العربية كما هي الآن لا تفي البتة بحاجة العرب، ولا تقوم على الأساس الصحيح الذي ينبغي أن تقوم عليه. نعم إن الجامعة العربية لم تقصر في الدفاع عن حق العرب جميعًا تقصيرًا تُلام عليه، وهي تبذل غاية جهدها في صد عدوان المعتدين عليها، وتبذل أقصى جهدها في أم المشاكل العربية، وهي مشكلة فلسطين التي سوف تكون يومًا ما، أول شرارة تنطلق في تاريخ العرب الحديث لتنير لنا الطريق السوى الذي ينبغي للعرب أن يسلكوه.
ولكن لابد منذ الآن أن تعمل الجامعة العربية على ضم سائر البلاد العربية الأرض واللسان، لتكون شعوب هذه البلاد كلها جبهة واحدة، ذات سياسة واحدة، وأهداف واحدة، وقيادة واحدة، حتى نلقى في الميدان ذلك العدو الواحد المتآزر على هلكة العرب، وهو بريطانيا وأمريكا. وإنه لا معنى لأن تبقى فلسطين وتونس ومراكش والجزائر وبرقة وطرابلس غير ممثلة في جامعة الدول
стр. 458
العربية تمثيلًا صحيحًا كسائر الدول العربية، فإن مهمة الجامعة هي أن تعمل على أن تجعل هدفها الأول أن تتخذ كل وسيلة لضم شتات العرب في هذه الدنيا، كما فعل اليهود من أهل الأجناس المختلفة في توحيد قيادتهم وجعل قضيتهم قضية واحدة، وهم معتدون على أرض ليست لهم، ونحن أهل أرض واحدة نملكها نحن العرب ملكا لن ينازعنا فيه أحد. وليس من الرأي ولا من الحكمة أن نترك هذا العدو الواحد يلقانا في أكثر من جهة واحدة وهو صاحب القوى الطاغية الباغية، وأن نظل نحن متفرقين ليس يجمعنا نظام واحد تحت قيادة واحدة تعمل لهدف واحد هو تحرير البلاد العربية كلها جملة واحدة من هذا النير المضروب عليها. وكما قلت من قبل إننا شعب واحد، وقضيتنا قضية واحدة، فلا معنى لأن نجعل هؤلاء يتلعبون بنا، ويقسموننا ويفرقون بين قلوبنا، ويشغلوننا حينًا بهذه القضية، ثم يعملون فينا حتى نيأس، فإذا بقضية أخرى تستنفد جهودنا، ثم أخرى ثم رابعة. كلا! هذا فساد في الرأي وضلال قديم قد جربناه فألفيناه وبالا علينا ونقضًا لقوانا وتمكينًا للعدو من أنفسنا.
إنه لابد من تجديد النظر في شأن الجامعة العربية، فإن العرب قد هبوا بعد هذه الحرب من رقدة طالت عليهم، وهم مقبلون على العالم شُعثًا غُبرًا كما أقبل آباؤهم من قبل، وهم ينظرون إلى مدنية عظيمة قد بلغت غايتها وهي اليوم في سبيل الانحدار إلى الهوة العميقة التي طمرت فيها مدنيات سالفة لم تكن أقل منها شأنًا ولا أضعف خطرًا. وينبغي أن تعلم جامعة الدول العربية، أو الجامعة العربية، أن عملها ليس سياسة محضًا بل هو أيضًا حض وتحريض وبعث لهذا الجيل من الناس المعروف باسم العرب، حتى تتم يقظته وحتى يعرف أي شيء يستقبل وأي شيء يستدبر، ليرث هذه المدنية التي أوشكت أن تزول عن وجه هذه الأرض.
إنه قول جرئ، ولكنه حق ملء السمع والبصر، حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلنأخذ أهبتنا قبل أن تأتي الساعة التي نضطر فيها إلى العجلة التي كان لنا عنها مندوحة، إن كل عربي قد فرض عليه واجب هو أقدس الواجبات في هذه الدنيا -ألا وهو الأمانة التي يرث بها الأرض ويكون فيها
стр. 459
خليفة يصلح فيها ولا يفسد ولا يسفك الدماء ولا يأكل حقوق الناس بالبغي والعدوان. والجامعة العربية إذا بُنيت على هذا الأصل وقامت على هذه الفكرة، فقد أدت للبشرية أكبر خير أُدي إليها على وجه الدهر، وقد استنقذت حضارة الإنسان من الهلاك المحقق على يد الجنس الأوربي، بل لعلها لم توجد في هذا الوقت من هذ العصر إلا لتؤدى هذه المهمة وحدها بعد أن تجمع شمل العرب وتقف بهم صفًّا واحدًا يقاتل طغيان عدوها المستبد الذي يلقاها بسلطانه الجائر، ويقاتل أيضًا ذلك السلطان الذي انفجر من ملتقى القارتين، أوربة وآسية، لكي يكون دمارًا لنفسه وللحضارة الأوربية الفاسدة الضحلة.
ونحن العرب -فيما أرجو- لن نباع منذ اليوم في سوق الرقيق التي يسمونها "هيئة الأمم المتحدة"، فقد عرفنا بالتجربة كيف فعلت هذه الهيئة في مسألة فلسطين وسواها من عربدة القوِي الذي أطارت صوابه نشوة السلطان المُسكر.
стр. 460
شهر النصر
كان محمد ﷺ ، قبل أن ينبأ (١) رجلًا من العرب، ثم كان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث (٢) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود مثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. ومن يومئذ صار هذا الرجل من العرب رسول الله الذي وجبت على الناس كافة طاعته والامتثال لأمره فيما نهى عنه وما أمر. وذلك أول الإسلام الذي نفض العرب من بواديهم حتى ملأوا الأرض عدلا وإيمانًا وتكبيرًا باسم الله العلي الأعلى.
وقد فجئه الحق وهو بغار حراء في يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فيومئذ نزل أول القرآن إذ قال له الملك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي! " فقالت خديجة: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لَتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
فكان كما قالت ﵂، فلم يخزه ربه الذي أرسله بالحق ليهدى الناس إلى صراط مستقيم. وذلك أول الإسلام.