من أساليبها في اتخاذ الصنائع، وإضعاف الأخلاق، وابتزاز الأموال، وفتح أبواب الهجرة لصعاليك الأمم، وقذف الأرض بكل سخافة من سخافات المدنية، وحجبها عن كل جد وكل عمل يراد به خير هذه البلاد. وأما السودان، فلم يزالوا به حتى كادوا ينتزعونه جملة واحدة، وحتى قسموه إلى جنوب وشمال، وحتى حرموا على أهل الشمال أن يخالطوا أهل الجنوب، وحتى حرموا على أبنائه أن ينالوا قسطهم من العلم والحرية والتجربة في هذه الدنيا المملوءة بالعلم والحرية والتجربة.
وأما برقة وطرابلس فقد انتهت بهما الحرب إلى أن صارتا تحت سلطان بريطانيا المباشر، ولا يدري أحد ماذا يجري فيهما هناك الآن على وجه التحقيق، ولكنهما على كل حال تحت سلطان بريطانيا وشريكتها أمريكا.
وأما تونس والجزائر ومراكش فهي أسوأ بلاد العربية كلها حالا بوقوعها تحت سلطان فرنسا. وفرنسا هذه أمة أهل جبروت وحماقة وجهل، فهي تتخذ العسف وتصطنع القسوة في كل عمل تعمله في تلك البلاد. ولكن ليس يدرى على وجه التحقيق ما الذي تضمره بريطانيا وأمريكا لفرنسا وحكمها في تلك البلاد. أَتريد حقًّا أن تؤازر (١) فرنسا مرة أخرى على استعادة بعض مجدها وسلطانها في هذه الدنيا، وبذلك يزداد طغيانها وبغيها على أهل تونس ومراكش والجزائر؟ أم تراهما يريدان أن يحتالا حتى يزيلا فرنسا عن تلك البلاد ليفرضا معًا عليها سلطانًا بريطانيًّا أمريكيًّا - إما متعاونتين وإما منفصلتين؟ ومهما يكن من شيء فالذي فيه هذه البلاد اليوم، أو الذي يخشى أن يقع عليها غدًا هو أن السلطان الأجنبى هو السائد فيها قوة واقتدارًا.
فأنت ترى غير مرتاب أن هذه الأمة العربية التي تعيش في كل هذه البلاد العربية، قد أصبحت هدفًا لأطماع دولتين متحدتين في أغراضهما وأهدافهما: هما بريطانيا وأمريكا. فهل يشك في هذه الحقيقة أحد؟ كلا ولا ريب، وإذن
стр. 457
فنحن أمة واحدة مقسمة اليوم إلى أمم متعددة تواجه في الميدان جبهة واحدة لها أغراض لا تختلف ولا تفترق. وهذه الجبهة الواحدة لم تزل تتعاون بأسلوب بعد أسلوب في تنفيذ أغراضهما في كل بلد من بلادنا، وتتآزران على فرض سلطانهما مجتمعًا أو مفترفًا، وتتوسلان إلى ذلك بالوسائل التي تتاح لكل منهما في كل بلد من هذه البلاد.
فالآن وقد تبين أننا أمة واحدة مقسمة إلى أمم، وأننا نلقى عدوًّا واحدًّا هو بريطانيا وأمريكا مجتمعتين يضربان بسلاحهما غدرًا هنا وهناك وثمة بلا رحمة ولا شفقة ولا إنسانية، فقد أصبح لزامًا علينا وفرضًا لا مخلص لنا منه أن ننظر إلى الحقيقة الواحدة التي لا يختلف عليها إلا من نزع الله من قلبه البصيرة الهادية إلى سُبل الرشاد، ألا وهي الاتحاد التام في لقاء هذا العدو.
ومنذ سنوات أجمعت طائفة من أمم العرب على تكوين الجامعة العربية، واشترطوا في الأمة التي تصير عضوًا في هذه الجامعة أن تكون مستقلة. ومعنى ذلك هو الاستقلال المعترف به دوليًّا، لا الاستقلال الحقيقي، فإنهم لو طلبوا ذلك لما كان في الجامعة العربية عضو واحد من هذه الأمم التي ذكرنا. فالجامعة العربية كما هي الآن لا تفي البتة بحاجة العرب، ولا تقوم على الأساس الصحيح الذي ينبغي أن تقوم عليه. نعم إن الجامعة العربية لم تقصر في الدفاع عن حق العرب جميعًا تقصيرًا تُلام عليه، وهي تبذل غاية جهدها في صد عدوان المعتدين عليها، وتبذل أقصى جهدها في أم المشاكل العربية، وهي مشكلة فلسطين التي سوف تكون يومًا ما، أول شرارة تنطلق في تاريخ العرب الحديث لتنير لنا الطريق السوى الذي ينبغي للعرب أن يسلكوه.
ولكن لابد منذ الآن أن تعمل الجامعة العربية على ضم سائر البلاد العربية الأرض واللسان، لتكون شعوب هذه البلاد كلها جبهة واحدة، ذات سياسة واحدة، وأهداف واحدة، وقيادة واحدة، حتى نلقى في الميدان ذلك العدو الواحد المتآزر على هلكة العرب، وهو بريطانيا وأمريكا. وإنه لا معنى لأن تبقى فلسطين وتونس ومراكش والجزائر وبرقة وطرابلس غير ممثلة في جامعة الدول
стр. 458
العربية تمثيلًا صحيحًا كسائر الدول العربية، فإن مهمة الجامعة هي أن تعمل على أن تجعل هدفها الأول أن تتخذ كل وسيلة لضم شتات العرب في هذه الدنيا، كما فعل اليهود من أهل الأجناس المختلفة في توحيد قيادتهم وجعل قضيتهم قضية واحدة، وهم معتدون على أرض ليست لهم، ونحن أهل أرض واحدة نملكها نحن العرب ملكا لن ينازعنا فيه أحد. وليس من الرأي ولا من الحكمة أن نترك هذا العدو الواحد يلقانا في أكثر من جهة واحدة وهو صاحب القوى الطاغية الباغية، وأن نظل نحن متفرقين ليس يجمعنا نظام واحد تحت قيادة واحدة تعمل لهدف واحد هو تحرير البلاد العربية كلها جملة واحدة من هذا النير المضروب عليها. وكما قلت من قبل إننا شعب واحد، وقضيتنا قضية واحدة، فلا معنى لأن نجعل هؤلاء يتلعبون بنا، ويقسموننا ويفرقون بين قلوبنا، ويشغلوننا حينًا بهذه القضية، ثم يعملون فينا حتى نيأس، فإذا بقضية أخرى تستنفد جهودنا، ثم أخرى ثم رابعة. كلا! هذا فساد في الرأي وضلال قديم قد جربناه فألفيناه وبالا علينا ونقضًا لقوانا وتمكينًا للعدو من أنفسنا.
إنه لابد من تجديد النظر في شأن الجامعة العربية، فإن العرب قد هبوا بعد هذه الحرب من رقدة طالت عليهم، وهم مقبلون على العالم شُعثًا غُبرًا كما أقبل آباؤهم من قبل، وهم ينظرون إلى مدنية عظيمة قد بلغت غايتها وهي اليوم في سبيل الانحدار إلى الهوة العميقة التي طمرت فيها مدنيات سالفة لم تكن أقل منها شأنًا ولا أضعف خطرًا. وينبغي أن تعلم جامعة الدول العربية، أو الجامعة العربية، أن عملها ليس سياسة محضًا بل هو أيضًا حض وتحريض وبعث لهذا الجيل من الناس المعروف باسم العرب، حتى تتم يقظته وحتى يعرف أي شيء يستقبل وأي شيء يستدبر، ليرث هذه المدنية التي أوشكت أن تزول عن وجه هذه الأرض.
إنه قول جرئ، ولكنه حق ملء السمع والبصر، حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلنأخذ أهبتنا قبل أن تأتي الساعة التي نضطر فيها إلى العجلة التي كان لنا عنها مندوحة، إن كل عربي قد فرض عليه واجب هو أقدس الواجبات في هذه الدنيا -ألا وهو الأمانة التي يرث بها الأرض ويكون فيها
стр. 459
خليفة يصلح فيها ولا يفسد ولا يسفك الدماء ولا يأكل حقوق الناس بالبغي والعدوان. والجامعة العربية إذا بُنيت على هذا الأصل وقامت على هذه الفكرة، فقد أدت للبشرية أكبر خير أُدي إليها على وجه الدهر، وقد استنقذت حضارة الإنسان من الهلاك المحقق على يد الجنس الأوربي، بل لعلها لم توجد في هذا الوقت من هذ العصر إلا لتؤدى هذه المهمة وحدها بعد أن تجمع شمل العرب وتقف بهم صفًّا واحدًا يقاتل طغيان عدوها المستبد الذي يلقاها بسلطانه الجائر، ويقاتل أيضًا ذلك السلطان الذي انفجر من ملتقى القارتين، أوربة وآسية، لكي يكون دمارًا لنفسه وللحضارة الأوربية الفاسدة الضحلة.
ونحن العرب -فيما أرجو- لن نباع منذ اليوم في سوق الرقيق التي يسمونها "هيئة الأمم المتحدة"، فقد عرفنا بالتجربة كيف فعلت هذه الهيئة في مسألة فلسطين وسواها من عربدة القوِي الذي أطارت صوابه نشوة السلطان المُسكر.
стр. 460
شهر النصر
كان محمد ﷺ ، قبل أن ينبأ (١) رجلًا من العرب، ثم كان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث (٢) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود مثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. ومن يومئذ صار هذا الرجل من العرب رسول الله الذي وجبت على الناس كافة طاعته والامتثال لأمره فيما نهى عنه وما أمر. وذلك أول الإسلام الذي نفض العرب من بواديهم حتى ملأوا الأرض عدلا وإيمانًا وتكبيرًا باسم الله العلي الأعلى.
وقد فجئه الحق وهو بغار حراء في يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فيومئذ نزل أول القرآن إذ قال له الملك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي! " فقالت خديجة: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لَتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
فكان كما قالت ﵂، فلم يخزه ربه الذي أرسله بالحق ليهدى الناس إلى صراط مستقيم. وذلك أول الإسلام.
стр. 461
ثم كانت سنة ثنتين من الهجرة، ففي يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان كانت غزوة بدر الكبرى، وهي الوقعة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، وأعز الإسلام ودمغ الكفر وأهله، وكانت فيصلا في تاريخ الإسلام. ويومئذ حقق الله للمؤمنين ما وعدهم إذ يقول: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ثم قال الله تعالى يمن على المؤمنين ما أكرمهم به: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فكانت بدر الكبرى هي المنة العظمى على البشر جميعًا، إذ أتاح الله يومئذ للمسلمين أن يسيحوا في الأرض، وأن ينصروا الله وأن يجعلوا كلمته هي العليا، وأن يردوا العرب إلى شريعة أبيهم إبراهيم ﵇ وهي الحنيفية السمحة، فانكشفت خلائق العرب بنبلها وكرمها وعدلها وصفائها حتى لم يبقَ على ظهر الأرض من بلغته الدعوة، أو من رأي هؤلاء الأحرار المؤمنين حتى تبع قبلتهم وآثرهم بالحب، فمكن الله للعرب أن يفتحوا الأرض ويثلوا العروش ويملكوا ما أظل ملك كسرى وقيصر في ثمانين عامًا، وأقاموا حضارة قامت على العدل والمساواة والإنصاف والتسامح، وعلى رعاية أهل الأديان وحياطتهم، وعلى رد بغي الباغين وعدوان المعتدين من أي مِلة كانوا.
كان الإسلام فيصلًا حقًا في تاريخ الأديان، وكان أول أمره في يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، وكانت غزوة بدر الكبرى التي نصر الله فيها أهل الإسلام من العرب في يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. ثم شاء الله أن يدور الزمن دورته على مجد العرب وحضارة العرب، وأن تكون مصر والسودان مناط آمال العرب في هذا العصر، وشاء ربك أن ينعقد إجماع مجلس
стр. 462
الأمن على أن تعرض قضية مصر والسودان في يوم الثلاثاء بعد أن تخلو من رمضان ثماني عشرة ليلة من سنة ١٣٦٦ من الهجرة، وهو اليوم الموافق للخامس من أغسطس سنة ١٩٤٧ من ميلاد المسيح عليه أفضل الصلاة والسلام. إنها إن شاء الله بشرى الحق بأن الله قد كتب لقضية مصر والسودان أن تخرج من معمعة مجلس الأمن مؤيدة بنصر الله ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. فهذا شهر مبارك قد عوّد الله فيه العرب والمسلمين أن ينصرهم على عدوهم، وأن يمكن لهم في الأرض، وأن يؤيدهم بالنصر في ساعة العسرة حيث هم قليل مستضعفون يخافون أن يتخطفهم الناس. . .
ولا يستهينن أحد بخطر هذه القضية، فإن مصر والسودان هي قلب إفريقية أولا، ثم هي قلب العالم العربي، ثم هي قلب العالم الإسلامي كله. فالنصر الذي سوف تناله إن شاء الله على بريطانيا هو نصر لهذه الثلاثة واجتماع لكلمتها، وتاريخ جديد لحياة إفريقية وحياة العرب وحياة الإسلام.
إنها ساعة فاصلة في تاريخنا، فعلى كل مصري سوداني أن يعد عدة الجهاد، وأن يملأ منذ اليوم كنانته، وأن ينصر هذا الوفد الذي سافر إلى أمريكا بيده وقلبه ولسانه، وهذا فرض واجب لا يكاد يسقط عن أحد منا من ذكر أو أنثى. فإننا في ساعة يصنع فيها التاريخ، ولن يخطئ المخطئ المتعمد، أو يولى المقاتل المتهيب إلا كان ذلك فَتًّا في أعضاد المجاهدين الذين رموا بأنفسهم في وطيس المعركة.
ونحن نناشد زعماء الأحزاب الذين تعوّدوا الخلاف والنزاع أن يكفوا غرب ألسنتهم عن إخوانهم الذين سبقوهم اليوم إلى جهاد عدوهم، وأن يوجهوا قدرتهم على الطعان إلى نحور القوم الذين اغتصبوا حقنا وآذونا وضربونا بالذل والهوان أكثر من ستين عامًا، ولم يرعوا فينا شيئا من إنسانية أو شرف. وكل كلمة تنال من وفدنا إلى أمريكا هي ضرب من التخذيل يسوء مصر والسودان، ويسر بريطانيا التي تحاول اليوم أن تملأ الدنيا علينا كذبًا، فلا نكونن إذن حربًا على أنفسنا، وعونًا على اهتضام حقها، ونصرًا لأعدائنا على أنفسنا.
стр. 463
وحقيق بمصر والسودان في هذه الساعة الفاصلة التي شاء الله أن يوافق تاريخها الساعات الفاصلة في تاريخ العرب والإسلام -حقيق بها أن تتوجه إلى الرجل العربي الشريف الأصل الكريم المحتد الطاهر النسب، والذي إن شاء كان النصر الأعظم الحاسم لقضية مصر والسودان، وكانت كلمته القضاء الفصل والحجة الدامغة لأباطيل بريطانيا ودعواها، الرجل الذي هو ثانى اثنين (١) في السودان، فشق الإنجليز ما بينهما بالدسيسة والوقيعة والتخذيل حتى فرقوا بين الأخوين.
فإلى الرجل الذي مثلت بريطانيا بجثمان أبيه الطاهر، وإلى الرجل العربي المسلم الذي يؤدي حق ربه وحق عباده خاشعًا متخشعًا لله، وإلى المصري السوداني الذي أراد الله أن يمتحنه بأعظم المحن في هذه الساعة الفاصلة في تاريخنا، وفي هذا الشهر المبارك من شهور الإسلام -إلى السيد المهدي:
إنك أيها الشريف رجل من العرب ثم رجل من المسلمين قد أكرمك الله وأيدك وبارك لك وأعانك، والرجل العربي المسلم لا يتخلف عن نصرة الحق بل هو كما قال له ربه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. والرجل العربي المسلم لا يلدغ من جحر مرتين، وبريطانيا قد لدغتنا جميعًا مرارًا كثيرة. أليس زعمها أنها حريصة على استقلال السودان وكفالة حرية أهله في تقرير مصيرهم، هو نفسه ما كان يوم دخلت مصر زاعمة أنها لا تريد إستعمارا ولا اعتداء، وأنها إنما تريد تثبيت العرش صدقة وتبرعًا، فإن استتب عادت إلى بلادها وجلت عن بلادنا؟ فهل فعلت أيها السيد الشريف العربي المسلم؟ إني لأنزهك عن أن تخدع بكذب بريطانيا فهي أكذب من هذه الحياة الدنيا وأغدر:
وخلائق الدنيا خلائق مومس ... للمنع آونة وللإعطاء
طورًا تبادلك الصفاء، وتارة ... تلقاك تنكرها من البَغْضاء
فهذه بريطانيا العدو المحتال الذي من شيمته أن يوقع بين المتحابين ليحطم
стр. 464
بأسهما جميعًا. وهذه مصر التي ربطها الله بالسودان منذ أقدم الأزل والتي هي قطعة من السودان يراد بترها منه، فإلى أيهما أنت أقرب، وفي هوى أيهما أنت أرغب؟
إننا ندعو الله الذي هدانا وهداك إلى الإسلام أن يهديك إلى الحق ويسددك وينصرك، وأن يوفقك إلى ما يتمناه قلب كل مصري وسوداني: أن تكون ناصر الإسلام وقاهر الأعداء ومُحِقّ الحق ومبطل الباطل، فتضع يدك في يد أخيك السيد الميرغني وتخرجا على بريطانيا مرة أخرى واحدة تعلنان أن مصر والسودان أمة واحدة وأن بريطانيا كاذبة فيما ادعت علينا وعليكم، وأن لا حياة لأحدنا إذا اقتطع عن صاحبه. افعل هذا أيها السيد الشريف العربي، تكن أعظم مجاهد في تاريخ إفريقية وتاريخ العرب وتاريخ الإسلام. افعل هذا في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والذي نصر الله عباده ببدر وكانوا يومئذ مستضعفين في الأرض يخافون أن يَتَخَطَّفهم الناس. افعل هذا أيها الشريف العربي تنل بكلمة واحدة مجد الأبطال ومجد الملوك، ويصبح اسمك هدى ومنارًا لكل عربي وكل مسلم ما بقى على الأرض عربي أو مسلم. إنني أدعوك باسمي وباسم الصداقة التي كانت بينك وبين أبي رحمة الله عليه. أدعوك دعوة رجل صائم لله وأدعو الله أن يهديك ويؤيدك بنصره ويمكّن لك، وفي هذا الشهر الطاهر المبارك يرجو المسلم أن تستجاب دعوته: فاللهم أعنا وانصرنا بالهدى. اللهم خَذِّل عنا أعداءنا. اللهم أنقذنا وارحمنا وكن عونًا لنا ولإخواننا في الدين والعروبة.
أيها الشريف العربي، إننا وقوف نترقب، ونتوق، ونتلهف. وظني فيك أنك فاعل ما أراد الله من نصرك لأهله، وأنت أهل الخير ومعدن الكرم وابن الصناديد الأماجد من بني قحطان. السلام عليك أيها الرجل سلام أخ وابن أخ.
стр. 465
في الماضي
كنت أتمنى أن يكون لي مكان هذا القلم الأصم قلم حي نابض يصحبني حيثما سرت، ويلهمه الله من دقة الحس ما يجعله يتلقف كل خاطرة تومض في أعماق نفسي، ويشعر بكل هاجس يعتلج في سر ضميري، وإلا فإن الكاتب ذا القلم أعجز من أن يطيق لمّ هذا الشعث المنثال المتتابع من الخواطر والهواجس التي تنتابه وتعتريه وهو يرى أو يسمع أو يفكر. وفي هذا اليوم بعينه كنت أشد الناس ضراعة في التمني أن لو أتاح الله لي مثل هذا القلم النابض الحي حتى يأخذ عني وعما يحيط بي، ويسجله قبل أن تمسحه عن قلبي يد الدقائق والساعات التي جعلها الزمن رصدًا على الأفكار تمحوها بالنسيان، أو تطمسها بالفتور، أو تعفيها بتراب الحوادث التي تجد في كل لحظة من لحظات العمر.
* * *
خرجت أنا وصديقان لي، هما الأستاذ علَّال الفاسي الزعيم المراكشى الصابر على لأواء (١) الجهاد في سبيل بلاده، والأستاذ يحيى حقى القصاص المبدع في زمن ليس للإبداع فيه قيمة ولا قدر، وكان الذي دعانا إلى هذا الخروج فنان كهل قد ودع الصبا ولكنه تشبث بعطره ونفحاته وتوهجه، فلا تزال تشم من فنه حين يتحدث عنه شذًا لطيفًا من عنفوان الصبا والشباب، وذلك الفنان هو الصديق الأستاذ حسن فتحي المهندس الذي أبى أن يتعبد للهندسة، بل أرادها أن تكون عبدًا له يخدم فنه الذي يعيش فيه ويعيش به.
كان يوم الأحد السادس عشر من رمضان سنة ١٣٦٦ يومًا قائظًا ومدًّا (٢)
стр. 466
يجعل العرق ثقيلا كثيفًا يضجر النفس ويأخذ بالأنفاس، فلما ركبنا السيارة، وتخففنا من بعض ثيابنا، واستقبلتنا لفحات الهواء الساخن، انتعشت القلوب ودبت فيها الحركة، على سكونها وفتورها من شدة الصيام وحاجة الأبدان إلى الماء في مثل هذا اليوم، وعندئذ بدأ الفنان يتحدث عن الوجه الذي يقودنا إليه فطاف علينا من حديثه مثل الظل حتى نسينا أننا في رمضان في يوم قائظ تحت الشمس. إنه ماض بنا إلى أثر عربي قديم في ناحية "بيت القاضي" يقال له "قاعة محب الدين الشافعي" وتعرف أيضًا بقاعة "كتخدا". فلما أوشكنا على دخول القاهرة القديمة شممت روائح مصر الإسلامية، وتمثلت لعيني خوالى أيامها، ورأيت كأن هذه الجموع التي تسير في الطرقات كأنما انبعثت من الماضي البعيد بلباسها وشمائلها وآدابها رائحة غادية تحت عيني، وكان حديث الفنان يُحْيى هذه الصور في نفسي حياة جديدة، حتى كدت إخالنى أحدثها وأسمع رجع حديثها، وأرى الثياب الفضفاضة، والعمائم البيض، واللحى المرسلة، والسمت الوقور، والمشية الهادئة، وكأن كل شيء قد انقلب فجأة فصار ماضيًا لم تمسخه يد الحضارة الغربية الحديثة، ولم تمح من بهائه وروائه ذلك الجمال الوديع اللطيف المطمئن القانع بالحياة كما شاء الله أن تكون.
ثم نزلنا من السيارة، وفتح لنا باب القاعة التي صارت في عداد الآثار، فما كادت قدمي تطأ بلاطها الضخم حتى أحسست كأن قلبي ينتفض من فجاءة الذكرى، وكأنى دخلت دارى التي ألفتها وعشت فيها، وسمعت في أرجائها غمغمة الحديث وقهقهة الضحكات، والتي سعيت في نواحيها طفلا وشابا وكهلا حتى نشأت لها في قلبي مودة لا تبليها الغربة، ولا تطمس آثارها الرحلة في أرجاء الدنيا، وتطارح الزمن المشِت المفرق بين الأحباب والأحباب. ففي هذا المكان عهدتني أجلس على أريكة موشاة بالثياب المطرزة، وأستقبل هذه "الفسقية" الجميلة التي أراها في وسط القاعة، مزينة أرضها بالرخام الملون المرسوم على أشكال تستريح إليها العين راحة لا يعدلها شيء من متاع هذه الأرض. ومن هذا المكان عهدتنى أرى تلك الحلية الهائلة التي كأنها محراب
стр. 467
الدهر، مصنوعة منمقة، قد أجلَّها وأدقها الصَّنَع الماهر الذي لم يعبأ بالزمن كيف يمضي ويتصرم، بل كان كل همه أن يتقن الفن الجميل الثابت الذي يريك الإبداع في صورة حية باقية تشعرك بأن الحياة هي الاستمتاع بفن الحياة لا بأشياء الحياة. ومن هذا المكان كنت أرسل طرفي إلى القبة العالية التي تتوسط السقف كأنها هامة مفكرة كل أفكارها أحلام جميلة سامية لم تتدنس بالمطامع الدنية التي يكدح في سبيلها الإنسان على أديم هذه البسيطة.
وجعل صديقنا الفنان يحدثنا وهو يتدفق من نواحيه عن روعة هذا الذي نرى وعن جلاله وعظمته، وعن هذه الضخامة الهائلة في البناء، وكيف استطاع بانيها الفنان أن يحفظ النسب بين ضخامتها وبين سائر ما في القاعة كالأبواب وغيرها حتى لا يشعر الإنسان بالرهبة والمخافة والارتياع، بل يشعره بأنه مالك هذا كله والمستولى عليه والمستمتع به، فهو يروض الفخامة والضخامة حتى تكون أليفة مستأنسة محبة إلى رائيها وصاحبها، فجعل الأبواب بين بين لا تطول قامة الرجل إلا قليلا، ولم يجعلها هي أيضًا عالية ضخمة فخمة، فيحس المرء عندئذ بالقلة والذلة والغربة والوحشة في البيت الذي هو سكن النفس ومكان ارتياحها؛ وكنت أسمع هذا ونحوًا منه؛ ولكن لم يأخذني منه شيء، فإني كنت أسمع همسات من هنا وهنا ومن ثم، هي همسات الآباء والأجداد تذكرني بما أضعناه من فن نحن أنشأناه وتعهدناه وقمنا عليه وأتقنا دقيقه وجليله، ثم رحنا نستعير أشياء الناس نتشبع بها ونتصنع، على غير هدى ولا بصيرة ولا فن، وأكاد أقول ولا حياة، فنحن أحياء ولا أحياء، لأننا نستعير حياتنا ولا ننشئها إنشاء، ونتزين بزينة مسلوبة نحن فيها كالصعلوك الأشعث الأغبر في ثياب ملك. كنت أسمع حديث الأسلاف، وأسمع في صوت صديقنا الفنان وهو يشرح ويبين بكاء وحسرات وتنهدات وآلامًا كأنه وقف يؤبن أعزّ أحبابه متجلدًا خاشعًا بين أقوام لا يحسون ما يحس ولا يشعرون بما يشعر به. إنه خليق أن ييأس، ولكنه يجاهد حتى ينتزع الأمل من بين دواعي اليأس، يريد أن يستنقذ الدرة المضيئة قبل أن تلفها الأمواج الطاغية العاتية وتذهب بها إلى حيث لا رجعة.
стр. 468
كنت كالمأخوذ لا أريد أن أفارق هذا الملك الذي أعيش في رحابه. إنها قاعة صغيرة، ولكنها قد اتسعت حتى رأيتها تشمل كل هذه الأرض المصرية لأن كل شيء فيها منتزع من طبيعة الأرض وجوّها وسمائها وأيامها ولياليها واختلاف فصولها، ومن طبائع أهلها وشمائلهم ونوازع قلوبهم ومن كل شيء يقول أنا مصري عربي. وأخيرًا فارقتها على رغم، ولم أدر حتى انتهينا أو انتهت بنا السيارة إلى قاعة أخرى أو أثر آخر بني بعد جيل من زمان هذه القاعة، فكان الفرق بينًا. فقد أخذ الضعف يغزو القوة، ولكن القوة أبت إلا أن تتبدى كما هي برغم هذه الطوارئ التي تنتابها أو تعمل فيها. فههنا أثر الضعف الإنساني إذا بدأ الإنسان يشعر بأنه غير حر وغير مريد للحرية، وأنه مروع في حياته بشيء لا يملك له دفعًا ولا ردًّا، فهو يتخاذل وكذلك يتخاذل فنه ويتخاذل بناؤه. وهو حائر لا يدرى ما يأتي وما يذر، فإذا فنه حائر لا يدرى ما يأتي وما يذر، وهو مختلط الإرادة، وإذا فنه مختلط يأخذ بأسبابها الأولى ولكنه لا يلبث أن يحيد عنها إلى شيء ليس منه ولا من خاص طبائعه. ومع كل ذلك فإن النفحة الخالدة لا تزال عالقة به تجعله قوة صريحة مصممة مريدة للبقاء.
ثم خرجنا إلى آخر أثر زرناه وهو "بيت السحيمي"، وهو بيت كامل -لا قاعة ولا جزء من بيت- وأخذنا نطوف في أرجائه ونواحيه، فهذه غرفة الضيوف، وهذا مصلى الرجال، وهذا مكان الطعام، وهذه غرفة استقبال النساء، وهذه غرف النوم، وهذا مصلى النساء، وكلها موزعة على مساحة الأرض في الطابق الأسفل والأعلى على نظام هندسي فيه شيء من التحرّر من أسر الهندسة الدقيقة، فتكاد تشعر بأن بانيه لم يكن يبالي أن يتقيد بشيء، بل يريد أن يكون حرًّا طليقا يفضى من مكان إلى مكان كما يشاء له هواه. وكنت كلما دخلت منها مكانًا أحسست بشيء فيه ينادينى، فلما دخلنا القاعة الأولى هتف بي الهاتف إلى الصلاة، فقمنا نصلى، فكأنى ما صليت في دار قط سوى هذه الدار. إن في البناء روح إسلامية عجيبة، فيه ورع وصدق ومحبة وتخفف من ثقل هذه التكاليف الداعية إلى الكدح والطمع والعدوان، وفيه ألفة لم أحس بمثلها قط، ولم أشعر إلا يومئذ أن أصدقائي الذين معي هم أصدقائي لا معارفي، ألقاهم بوجه
стр. 469
وأستدبرهم بوجه، ولم أجد إلا يومئذ تلك اللذة المنعشة بالأخوة تجمع بين الرجلين على اختلاف الدار والنشأة، وخفق قلبي خفقة كأنه يقول لعلال الفاسي: مرحبًا بك من أخ جمعت بيني وبينه أخوة هذا الدين النبيل الذي جعل أهله أمة واحدة فكانت خير أمة أخرجت للناس.
ومضينا نطوف بالدار العجيبة، فكأني كنت أسمع حس أهلها وهم يتنادون، وأراهم وهم يسعون وأشهد إماءهم وعبيدهم وهم يطوفون عليهم، وأرى الضيوف وهم يتسامرون. فلما دخلت غرفة استقبال النساء، ورأيت الذوق اللطيف والنوافذ عليها المشربيات الدقيقة الصنع، والخزانات القائمة في الجدران بنقشها البديع، ورأيت "الصفَّة" التي يلمع رخامها وتتحلى بزينة من رسومها الدقيقة وأعمدتها القائمة كأنها ساق غانية راقصة، ورأيت ذلك الزجاج الملون بالألوان الهادئة الناعمة، وهذا الجو الساطع بالغنى والنعمة، الساكن بالوقار والطمأنينة، الناعم بالرقة والجمال؛ عندئذ أخذنى مثل الحلم فرأيت ربة الدار في حليها الأنيق وثيابها الموشاة، وضفائرها المرسلة، ووجه ينير في جنبات هذه القاعة بالنبل والكرم والحفاوة بضيوفه من الأصحاب والأحباب، وسمعت حديثهن المتخافت باللفظ المرقق والصوت الناعم المنغم، وانتهت إلى ضحكاتهن الحيية التي كأنها ابتسامة مشرقة من وراء نقاب. رأيت الماضي ينبعث كله بفضائله ورذائله، ورأيتنى أعيش ساعة أتنسم نسمات من حياة أجدها في دمى، كما يجدها كل مصري وعربي في دمه، ولكننا كدنا ننساها بطول الترك وقلة العمل على استحيائها واستنقاذها واستعادتها، حتى نتعلم منها كيف نكون أحرارًا في التعبير عن سر طبائعنا الكامنة في أعماق قلوبنا وضمائرنا. إن هذا الفن الذي أوحت به حضارة لها أصول لا تزال قائمة في نفوسنا، وفي تربة أرضنا، وفي جو سمائنا -ينبغي أن ينبعث جديرًا مرة أخرى بما يلائم حاجتنا، وبما يعنينا على تمييز أنفسنا بين الناس فلا ندخل في غمار حضارات الأمم التي لا يجمع بيننا وبينها وطن ولا خُلق ولا دين ولا أدب ولا جنس ولا دم ولا شيء مما يتقارب به الناس أو يختلفون، وتمنيت عندئذ أن أفيق من أحلامى فأجدنى قد رجعت إلى داري فإذا هي تنفحني
стр. 470
بهذه النفحات التي تحيي النفس لأن فيها شيئًا من سر هذه النفس. فلما خرجنا من بيت السحيمى حقّق الله طرفًا من هذه الأمنية.
لقد حملنا صديقنا الفنان إلى داره، وهي في عمارة كسائر عمارات القاهرة في ظاهرها، وهو يسكن منها شقة كسائر الشقق التي يسكنها سائر المصريين، بيد أن المصريين يعيشون عبيدًا لهذه الهندسة الغربية الغريبة عن بلادهم، ويسكنون فيها إلى أنماط من الحياة ليست لهم وليسوا منها في شيء. أما هو فما كاد يفتح لي الباب حتى هبت تلك النفحة المسكرة من الماضي المنبعث حيًّا نابضًا كأحسن ما تنبض الحياة. لقد رفعت هذه الأبواب الحديثة الثقيلة ووضعت مكانها الستائر من النسيج العربي الشرقي بألوانه وتقاسيمه وفنه، ووضع مكان بعضها أبواب مشبكة، وأقيمت هنا وهنا المشربيات الدقيقة، وبسطت الأرض بالبُسُط العربية الرسم المصرية الصنع، وهذه الأرائك والمناضد والقناديل وكل شيء يجعل البيت عربيًا هادئًا مطمئنًّا في وسط هذه المعمعة الطاحنة الفوارة التي تسحق طبائعنا، وتمسخ قلوبنا، وتحيل أذواقنا، وتجعلنا عالة على الأمم، نأخذ منها عارية (١) لا تزيدنا حضارة بل تزيد بؤسًا وشقاء وحيرة ونفورًا وقلقًا في هذه الحياة وفي هذه الأرض، وفي هذه الطبيعة التي تكتنفنا من حولنا، وفي هذه الطبائع التي تستولي على دخائلنا وضمائرنا.
هذا بيتى! هكذا قال لي قلبي، فاطمأننت وكان الصوم والتعب قد بلغا منا جميعًا، فآوينا إلى مضاجعنا، فلما قمنا إلى إفطارنا، وأضيئت القناديل (بالكهرباء) ورأيت ظلال المشبك على الجدران وطالعتنى المشربية من ناحية البيت، رأيتنى أحيا في هذا الغموض الهادئ بقلب جديد نابض مؤمل في الحياة، مستبشر راض عنها غير يائس منها. وتمنيت لكل مصري أن يقضى في الماضي يومًا من كل أسبوع حتى يجدد حياته، وحتى يتاح لنا بذلك أن نجدد لأنفسنا فنًّا وعيشة وسيرة وحضارة ليست مسلوبة ولا منتزعة ولا مستعارة من أحد من خلق
стр. 471
الله، بل هي فننا نحن وعيشتنا نحن وحضارتنا نحن، تألفها نفوسنا وقلوبنا، ويعرفنا الناس بها وتكون علمًا علينا، وتدل على أننا نصنع الفن فنجيد، ونبنى الحضارة فنبدع كما أبدع آباؤنا ﵃. يوم واحد تعيشه في الماضي وتحس أنك قد عشته وتملَّيت بالعيش فيه، لهو ذخيرة لا تنفد تعينك على فهم طبيعة الأرض التي تسكنها، وعلى الوصول إلى كنه ما تنطوى عليه نفسك، وهو بعث للهمة الراقدة وإحياء للقوة الكامنة، وتحرير لنا من أسر التعبد للمدنية الغربية على غير هدى وفي غير طائل. يوم في الماضي يحرر المرء من أسْر الحاضر، فإذا نالت النفس حريتها فهي خليقة أن تعرف طريقها إلى تحرير أمة من استعباد أمة أخرى، أرادت أن تفرض عليها إرادتها وحضارتها معًا. ونحن مقبلون على اليوم الذي ينبغي أن تملأ قلوبنا حرية مستمدة من أصولنا البعيدة، لا حرية مستعارة من الأمم المعاصرة، فلنرجع إذن إلى الماضي قليلًا، ففيه المدد الذي لا ينفد والمَعِين الذي لا يغيض.
стр. 472
عبر لمن يعتبر
في اليوم الخامس من أغسطس ١٩٤٧ ارتفعت مصر والسودان بقضيتها إلى مجلس الأمن تطلب النصفة من بريطانيا التي اعتدت على استقلالها واحتلت أرضها من منبع النيل إلى مصبه، ووقف رئيس وفد مصر والسودان "محمود فهمي النقراشي باشا" يميط اللثام عن السياسة البريطانية منذ سنة ١٨٨٢، وكان لابد له من أن يكشف طرفًا من سوءات هذه الدولة التي قام كيانها على استعباد الشعوب وإذلالها واهتضام حقوقها. وكان الذي كشفه شيئًا ضئيلًا إذا قيس بما كان يمكن أن يقال أو يكشف من الأساليب الخبيثة التي دأبت بريطانيا على التذرع بها إلى عدوانها الوحشى على الأمم في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر الميلادى. وكان رئيس وفد مصر والسودان يذكر الماضي ويروى عن التاريخ أصدق رواية في أعف لفظ، فأبى له أدبه أن يصف أفعال بريطانيا باللفظ الذي ينبغي أن توصف به، والذي سوف يصفها به التاريخ بعد أن تسقط هذه الدولة من عداد الدول التي يكون لها في هذه الأرض سلطان يقوم على القوة الغاشمة، والدعاية الكاذبة، وعلى التضليل والافتراء والعبث بعقول الناس.
ولم يكد النقراشى يفرغ من عرض قضية بلاده على أعضاء مجلس الأمن، حتى هبَّ مندوب بريطانيا السير "ألكسندر كادوجان" يروى لمندوبي مجلس الأمن تاريخ هذا العدوان البريطاني رواية ملفقة مبتورة حشوها العبث بالتاريخ، والاستهانة بالجنس البشرى، والاستخفاف بعقول الذين يسمعون روايته المدلسة عن تاريخ حقبة من الدهر يستطيع كل مندوب ممن يسمعونه أن يفتح بعدها أي كتاب من كتب التاريخ الصحيحة، فيعرف مقدار السخرية التي سخر بها هذا الرجل من سامعيه وكان يسوق هذه الرواية المزيفة بأسلوب الواثق المطمئن بل
стр. 473
بأسلوب الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولا ريب في أن السير "ألكسندر كادوجان" هو أول من يعلم أن الذي يقوله باطل كله، ولكنه رجل من ساسة بريطانيا -أي رجل من أعظم الممثلين الذين يجعلونك تحس أن المسرح قد انقلب تحت عينيك حقيقة واقعة.
ونحن لن نعلق على ما قاله "النقراشي باشا" ولا على ما قاله "السير كادوجان"، فالحق أبين من أن يحتاج إلى إيضاح لمن أراد الحق والتمسه وحرص [على] (١) التثبت منه، ولست أظن أن أحدًا من مندوبي أمم مجلس الأمن يخفي عليه وجه الحق في الذي سمع من الرجلين. فإن كان بناء مجلس الأمن قائمًا على العدل والإنصاف وإيتاء كل ذي حق حقه، فقد نالت مصر إذن حقها من غاصبها كاملا غير منقوص ولا مشروط بشرط. وإن كان مجلس الأمن هو سوق الرقيق الحديثة التي أنشأتها الأمم الغالبة لكي تبيع خلق الله وتشتريهم على الهوى، فإن مصر والسودان سوف تعلّم هذا المجلس علمًا جديدًا لم يكن يتوقعه من أمة ضعيفة أضعفها الاستبداد البريطاني على مدِّ خمسٍ وستين سنة -لأنها أمة قوية قد علمها هذا الاستبداد أن الحقوق تنال بالجهاد المر، وبالدم المهراق، وبالإيمان الذي لا يتضعضع.
ولقد كان فيما قاله "النقراشى" وفيما قاله "كادوجان" عِبَرٌ لمن أراد أن يعتبر، ونحن العرب أحوج الناس اليوم إلى الاستفادة من العبر المواضى، فإن جهاد مصر والسودان حلقة من حلقات الجهاد الذي كُتِبَ علينا منذ احتلت بلادنا بريطانيا وفرنسا وسواهما من الأمم التي استعانت على ضعفنا وغفلتنا بقوتها ويقظتها وجشعها الذي لا يشبع ولا ينطفئ.
فأول هذه العبر أنه ينبغي للمجاهدين في سبيل بلادهم أن يحذروا كل الحذر من الخوف، فإن الخوف آفة الجهاد، وما ساور الخوف قلبًا إلا انتزع منه البصيرة التي هي رائد كل مجاهد. وما نفي الخوف امرؤ من قلبه إلا زلزل بجرأته قلب
стр. 474
خصمه وجعله يضطرب بين يديه وإن كان أقوى منه بأسًا وأشد صولة. وقد نفي "النقراشى" الخوف من قلبه، فوقف "كادوجان" بين يديه مضطرب الحجة حتى لم يجد لنفسه مناصًا من أن يلجأ إلى الأكاذيب القديمة التي ألفتها بريطانيا وبرعت في تزويقها وتزويرها تريد بذلك أن تسحر عقول الناس. ولو كان الساسة العرب قد حرصوا على أن يكون هذا موقفهم في كل أمر وفي كل عهد وفي كل ساعة، لما أتيح للاستعمار البريطاني والفرنسي أن يبقي ضاربًا بجذوره في بلادنا إلى هذا اليوم من أيام الناس. فهذه جرأة اللسان، فعلى ساستنا منذ اليوم أن يتبعوا ذلك بجرأة أخرى هي جرأة العمل، ولو فعل الساسة أفعالهم بجرأة وشمم وإباء على الضيم، لما رأينا اليوم بلدًا كمصر والسودان يعج بالمستهترين من الأجانب والمشردين وصعاليك الأمم، يستولون على أمواله وأراضيه وأخلاق بنيه باسم حرية المهاجرة وحرية التجارة وحرية العمل. لقد أظلهم الاستعمار البريطاني بظله وحماهم حتى بات المصري والسوداني غريبًا في بلاده، يأكله كل طارئ، ويدعه جوعان عريان منبوذًا في بلاده وتحت سمائه.
وعبرة أخرى هي أن التساهل مخافة العواقب شر كله. فقد رأى بعض ساستنا أنهم إنما يفعلون خيرًا كثيرًا لبلادهم إذا تساهلوا لبريطانيا في بعض الحقوق، ظنًّا منهم أن ينالوا من وراء ذلك حقوقًا أخرى هي أولى بالتقديم والنظر والاهتمام، فكانت العاقبة أن دخلنا مع بريطانيا في الدائرة المغلقة التي يسمونها "المفاوضة". فإذا نحن نضيع حقوقنا كلها جملة واحدة، وإذا بريطانيا تريد أن تحتج علينا اليوم بما تساهل به أولئك الساسة في حقوق بلادهم، فتأكل علينا حقنا كله حين تريد أن تمنعنا من أعظم الحقوق البشرية وهي الحرية. وتريد أن يقطع قلب مصر بقطع السودان عنها، لأن قومًا من الساسة غفلوا زمنًا طويلا عن رفض كل اتفاق لا يشمل السودان كما شمل الجزء الشمالى من وادي النيل وهو مصر، فارتضوا أن يعلقوا مسألة السودان ويأخذوا من عبث بريطانيا ما زورته لهم وخدعتهم به ثم هي اليوم تمن علينا أنها أعطتنا تلك الفضلات التي لا يعبأ بها إلا الذليل الخانع المقيم على الضيم.
стр. 475
وعبرة ثالثة هي أن زعماء الثورة على العدو ينبغي أن يظلوا أبدًا زعماء الثورة، لا رؤساء حكومات تحت ظل حماية مقنعة تسمى استقلالًا كذبًا وتضليلًا في العرف الدولى. فكان ينبغي لهؤلاء الزعماء أن يظلوا بمنجاة من إثم الحكم تحت ظل الاستعباد البغيض وأن يكونوا دائمًا أيقاظًا لا تنيمهم شهوة الحكم، وبذلك يضمنون لبلادهم أن تظل يدًا واحدة على العدو، وأن تظل يقظة متنبهة لا يخدعها لفظ "الاستقلال" عن الخبث الذي انطوى عليه وأن يصارحوا الشعب دائمًا بالحقيقة التي لا تستر، وهي أنه صار "مستقلا" في العرف الدولى، وأن يكشفوا له ما استطاعوا عن خدع الاستعمار الذي يعبث بهم. وإلا فأي خديعة كانت أكبر على هذا الشعب من خديعة الناشئة في المدارس والبيوت، وهم يقرأون ويسمعون أن مصر دولة مستقلة، وهي اليوم تقف لتقول للناس على رؤوس الأشهاد في مجلس الأمن إن الاستقلال الذي ضمنته بريطانيا! ! كان استقلالا مزيفًا، لأن الجنود البريطانية كانت لا تزال تحتل بلادنا ولأن السفير البريطاني كان ينصب الحكومات المصرية ويقيلها كما يشاء وتشاء دولته المستعمرة لبلادنا. لقد ظن أولئك الرجال أن هذه سياسة وكياسة وحسن تدبير، فإذا هي غفلة وحماقة وسوء تقدير. ولولا يقظة هذا الشعب الأبي الكريم، لما استيقظ هؤلاء الزعماء البتة، ولمضوا إلى الغاية في التنازع على الحكم وشهوات الحكم وفتن الحكم، فالشعب هو الذي انتهى بنا إلى مجلس الأمن لا الزعماء ولا أولئك الساسة.
وعبرة رابعة هي أنه ينبغي لزعماء الثورة أن لا يقبلوا البتة مفاوضة الغاصب على حق من حقوق البلاد، فإن حقوق الحرية مترابطة لا ينفك بعضها من بعض، ففيم يفاوض الإنسان إنسانًا قد سلبه حقوقه؟ إنها كلمة واحدة: "هات حقى"، ولا تدع المطالبة بالحق كاملا حتى يتركه لك أو تموت دونه. ومادام الغاصب لا يستطيع أن يفني شعبًا بأسره، فالشعب هو الظافر المنصور في النهاية، مهما لقى من عذاب وتنكيل واضطهاد وبؤس ولو كان هذا من فعل مصر والسودان منذ سنة ١٨٨٢ لما انقضت سنوات بعد سنة ١٩١٩ سنة الثورة، حتى كان الغاصب قد أسلم إلينا حقوقنا كاملة بلا معاهدة ولا مفاوضة. ولكن زعماء الثورة رموا بأنفسهم في المفاوضات، فكانت العاقبة أننا بقينا نفاوض بريطانيا سبعة عشر
стр. 476
عامًا، فإذا هي تعطينا معاهدة سنة ١٩٣٦ تحت الضغط والقهر والتهديد، وإذا هذه المعاهدة احتلال تام، ولكنه سمى في العرف الدولي "استقلالا".
وعبرة خامسة هي أن الذين يدخلون المفاوضات ويعقدون المعاهدات تحت ظلال السيوف، وبضرورة التهديد والقهر، كان ينبغي عليهم أن يكونوا ناسًا غير زعماء الثورة، أما زعماء الثورة حين يفعلون ذلك، فهم بين رجلين: إما مدلس كذاب يخدع الناس ويقول للناس هذه معاهدة الشرف والاستقلال، وهي ليست سوى معاهدة للاحتلال الدائم، وإما رجل ضعيف الرأي منخوب الفؤاد يوقع على المعاهدة ثم لا يجرؤ أن يقول لشعبه إن هذا الذي وقعت عليه احتلال لبلادكم فاحذروه وارفضوه وثوروا في وجهي ووجه من رضيه معى. وهذا الثاني لن يستطيع أن يقول ذلك، فهو مضطر إذن إلى التلفف والتلفيق والسكوت وادعاء الشجاعة حين يقول: "هذه معاهدة لولا القهر والتهديد لما وقعتها"، ويقولها في غمرة تلك الأمواج الهائلة من الخداع والأكاذيب التي اصطلح على نشرها بين الشعب الغافل المنكوب زعماء من أنفسنا، وساسة من أخبث ساسة بريطانيا في هذا القرن. يا له من عبث أيها الساسة المخادعون! وتبت أيديكم يوم وقعتم وثيقة أراد بها الغاصب إذلالكم وإذلال بلادكم فقبلتموها، وهو اليوم مُصِرّ على أخذ بلادكم بما جنت أيديكم من شرور تلك المعاهدة الخبيثة التي زعمتم أنها فرضت عليكم فرضًا. وقد كانت لكم مندوحة عن قبولها لولا الضعف والخور والجبن وشهوة الحكم التي استولت على قلوبكم.
وعبرة سادسة هي أن بريطانيا وكل دولة مستعمرة من هذه الدول الأوربية لا تتورع عن اتخاذ كل وسيلة تبلغ بها غايتها، فمن أجل ذلك ينبغي للشعب أن يعرف منذ الساعة الأولى رجاله ورجال عدوه، وأن يَسِمَ الخونة بسِمَة لا تزول، وأن يتناقل هذا التاريخ عامًا بعد عام وجيلا بعد جيل في البيت والمسجد والمدوسة والمجالس، فهذا وحده هو الكفيل بأن يعرف الشعب حقيقة كل زعيم تسول له نفسه أن يستغل غفلة الناس أو ذعرهم أو لهفتهم فيغرر بهم في مزالق السياسة الاستعمارية، فإن مصر والسودان ظلت أعوامًا تأبى أن تعترف باتفاقية سنة
стр. 477
١٨٩٩ التي فرضتها بريطانيا على مصر والسودان على يد رئيس وزراء كان خليقًا أن يخون بلاده، ثم جاء الموقعون على معاهدة سنة ١٩٣٦ فقبلوا أن يكون لهذه الاتفاقية الباطلة التي لم تعترف بها مصر قط -ذكر في معاهدتهم الوبيلة الخبيثة. فلو كان الشعب يومئذ على ذكر لما كان من شئون الخونة السابقين وما فعلوه، لما جازت عليه الكلمة الملعونة في معاهدة سنة ١٩٣٦، ولثار يومئذ على هؤلاء الزعماء لأنهم أهدروا كل جهاده الماضي، وكل ما أراق من دماء وأضاع من جهود، وأنفق من سنين بنص موبوء في معاهدة موبوءة.
ولن نفرغ من ذكر العبر الكثيرة التي توحي بها هذه الساعات في المعركة الفاصلة بيننا وبين بريطانيا في مجلس الأمن وفي كل عبرة من هذه العبر خير كثير يرجى أن لا يفوت العرب إذا حذروا وانتبهوا وآثروا السلامة مما وقعنا نحن فيه. ومن حسن الحظ أن أكثر زعماء العرب اليوم من مراكش وتونس والجزائر وليبية وفلسطين والعراق هم اليوم أشد إحساسًا من أسلافهم بالتبعة الملقاة على كواهلهم، وأقوى إيمانًا بالحقوق الإنسانية من بعض زعمائنا في الماضي، ولكن ينبغي لهم أن يجتنبوا كل الاجتناب أن يقبلوا مفاوضة الغاصبين أو معاهدتهم أو الدخول معهم في حديث السياسة والكياسة واللباقة، فإن هذا وإن أفاد قليلا، فإنه شر مستطير على مستقبل الشعب في الشئون السياسية، وفي النواحي الأخلاقية. وحسب هؤلاء الزعماء العرب ما جربته مصر من مطاولتها والمد لها أكثر من تسع وعشرين سنة باسم المفاوضات والمعاهدات، حتى فقد الشعب كثيرًا من إيمانه بحقوقه، ولولا أن الله أتاح لنا هذه الحرب الأخيرة لتنفض عن عيوننا النوم والتخدير الذي أصابها باسم المفاوضة لظللنا إلى اليوم نيامًا تجرنا بريطانيا وراءها طمعًا منا في أن ننال شيئًا من حقوقنا بمفاوضتها ومعاهدتها.
أيها الزعماء العرب لا تخونوا بلادكم: أي لا تفاوضوا بريطانيا أو سواها من الدول المستعمرة ولا تعاهدوها ولها في بلادكم ظل من سلطان، ولا تخافوها ولا تخشوا لها بأسًا ولا قوة واحرصوا على أن تبقى شعوبكم عالمة بحقيقة ما يحيط بها بكل أسلوب تستطيعونه، وإياكم والحكم فإنه الفتنة المبيدة والآفة
стр. 478
الحالقة (١) والبلاء المبين. لقد كان لكم فينا عبرة فاعتبروا، وقفوا منذ اليوم أيقاظًا لا تغفلون، فربَّ ساعة سوف تأتي علينا وعليكم فنناديكم للجهاد، فهبوا معنا واحذروا أن يكون بينكم زعيم يسول لكم أن الخير في الرضى والتراضي والتساهل، فإن ذلك هو الوبال، وهو آخرة العرب إن فعلتم، إن مصر والسودان قد بدأت أول الجهاد؛ فاستعدوا أيها العرب!
стр. 479
اتقوا غضبة الشعب !
أجلت قضية مصر والسودان في مجلس الأمن إلى يوم الثلاثاء التاسع من سبتمبر سنة ١٩٤٧، بعد أن تمتعت بريطانيا بالخذلان الذي كان مثله أبعد شيء عن بالها منذ عشرات سنوات وحسب. فقد تعودت بريطانيا أن تأمر أو تدسَّ فيطاع أمرها أو دسُّها، وتخرج ظافرة من كل معركة تدور بينها وبين أمة من الأمم التي ابتليت بشرها الذي لم تنطفئ له جمرة منذ نجمت قرون هذه الدولة في تاريخ العالم الحديث. ونحن نسأل الله أن يتمَّ الخيبة على هذه الدولة الطاغية بانهيار نظامها الاقتصادى، ليخلص العالم من الأخطبوط الفاجر الذي ضم في أحشائه وبين جوارحه دولا برمّتها من الهند إلى العراق إلى مصر والسودان إلى جنوب أفريقية -إلى عالم كان يتمدّحُ شعراؤها بأن الشمس لا تغيب عن ملكه، وأنها هي التي حملت أمانة الجنس الأبيض و (عبءَ الرجل الأبيض) في تحضير الأجناس الملونة، أي استعبادها وظلمها، وإغراء فرنسا وبلجيكا وهولندة وسواها من أقزام الدول باستعباد جزء من هذه الشعوب، تسومها الخسف بكل نذالة تدخل في طوق هذه الأمم.
إن مجلس الأمن هو اليوم بين اثنين: إما أن يُشهد العالم كله على أنه أقيم على حق، وأنه حافظٌ وازعٌ ينهي الطغاة عن الإيغال في طغيانهم، وإما أن يشهد العالم كله على أنه سوق حديثة للرقيق والنخاسة أقيمت لتتاجر بعباد الله بلا حياء ولا ورع. فكان تأجيل قضية مصر في هذه المرة، بعد المناقشات التي دارت فيه دليلا على أن مصر والسودان قد استطاعت شيئًا ما أن توقظ طرفًا من ضمير هذا المجلس، ومن ضمير الأمم التي اشتركت فيه، واستطاعت أيضًا أن تجعل بريطانيا مغمورة في ركام الفضائح والفظائع التي ارتكبتها في مصر والسودان، والتي تصر على المضي في ارتكابها بكل جرأة لا تستحى.
стр. 480
ونحن نحب أن نثنى ثناء خالصًا من قلوبنا على الرجل المصري السوداني، الذي لم يزعزعه تهديد بريطانيا وترويعها، ولم ينل من قلبه الخوف، ولم تثنه عن الهدف الأعظم حِيَل ولا أشراك ولا جدال ولا تغرير، فانطلق يبين عن أهداف مصر والسودان وعن حقوقها وعن البلاء الذي نزل بها بيانًا شفى صدور المصريين والسودانيين جميعًا. إننى لم أعجب بهذا الرجل لأنه سياسي بارع، ولا لأنه قانوني ضليع، ولا لأنه خطيب مفوّه، ولا لأنه رئيس حكومة -كلا بل لأنه أول رجل بعد أن ذهب مصطفى كامل- وقف وحده في عرين الأسد البريطاني ليسمع الدنيا كلها أن هذا الأسد البريطاني قد اعتدى عليه وبغي وطغى وظلم وتجبر، وفعل الأفاعيل الخسيسة التي أراد بها استعباد مصر والسودان. إنه الرجل المسئول الوحيد الذي قام في مجلس دولى يطعن بريطانيا العظمى طعنا متداركا غير راحم ولا مشفق ولا هياب، وهو يعلم أنه يطعن بهذا الطعن دولا كثيرة من أعضاء هذا المجلس. لقد كان محمود فهمي النقراشى رجل مصر، لأنه كان وطنيًا يتكلم بلسان الجروح التي مزقت جسد أمته، لا بلسان السياسي المحتال الذي يريد أن يرضى هذا ويتجنب غضب ذاك. وهذا وحده هو السّرّ الأعظم الذي جعل قضية مصر والسودان أعظم قضية عُرِضَت على مجلس الأمن وأخطرها، وهذا وحده هو الذي أوقع التخاذل في الصفوف التي جمعتها بريطانيا، وظنت أنها سوف تنصرها في باطلها نصرًا مبينًا ترجع بعده مصر والسودان خاشعة خاضعة تحت ظلال الخذلان الذي أمّلت بريطانيا أننا سوف نمنى به.
لقد ضرب النقراشي مثلا خالدًا في تاريخ مصر الحديث فدل بذلك على أنه رجل يركن إليه في ملمّات الأحداث. مرت على مصر والسودان حقبة كان الذي يقول فيها بمثل قالة النقراشى في مجلس الأمن يُعد رجلا مخبولا خياليًّا تسخر منه الصحف والمجالات، وتزدريه جماهير من المخدوعين، ويتخذ هدفًا لكل دعابة تجري بها ألسنة الهازلين من أحلاس (١) النوادي والقهوات. إن هذا الرجل جدير
стр. 481
بأن يرفع اسمه منذ اليوم حيث لا تنال مكانه أسماء الدجالين والمنافقين الذين ظهروا في تاريخ السياسة المصرية منذ سنة ١٩١٩ إلى يوم الناس هذا. فحسبه فخرًا ومكانة أن يكون هو الذي استطاع أن يجمع إرادته وعزمه وحزمه، فلم يصرفه خوف أو إغراء عن تحقيق كَلِمَة مصر والسودان الخالدة، وعن إعلان هذه الكلمة في أرجاء الدنيا، وهي: "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء".
* * *
ويقابل هذا الرجل الصادق رجال آخرون من صنائع بريطانيا -كانوا من صنائعها القدماء منذ تحركت مصر والسودان في سنة ١٩١٩ تطالب الدولة الباغية باستقلالها، وتريق دماءها وتبذل مهجها، ويأتي أحدهم فيكون سيفًا مسلولا على أعناق إخوانه المصريين يتعسف بهم عسف الجبار المارد، وإن كان هو في نفسه ليس بجبار ولا مارد إلا كما كان أبو حية يسمى قضيب الخشب الذي يحمله سيفًا هندوانيًا (١) -وإنما كان جبروته وتمرده يومئذ من جبروت بريطانيا وتمردها- فهو دمية تلعب بها لا أكثر ولا أقل.
لقد قام النقراشى يعلن ملأ الأمم في نواحي الأرض، أن هذه ساعة فاصلة في تاريخ مصر والسودان، وأنه قد عزم على طرد الإنجليز من بلاده، وأنه لن يقبل مهادنة، ولا مفاوضة ولا مراوغة بعد اليوم، وأن بلاده توشك أن تنفجر، وأن البلاء على الأبواب لن يمنعه ضغط الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وأن مصر والسودان قد أبت إلا طرد بريطانيا من بلادها كلها بلا مهلة ولا تريث ولا مواعيد، ووقف مندوب بريطانيا يصر إصرار البغاة الطغاة على أن المعاهدة تخول له احتلال أرضنا، ويستدل مرة بعد أخرى بالذي كان في مفاوضات صدقي - بيفن وكأنه يريد أن يقول إن صدقى قد قبل ما يأتي هذا الرجل -يعني النقراشي- فينكره ويرفضه، ويكذب على مصر والسودان فيدعى أنها تريد طرد بريطانيا وجلاءها جلاءً تامًّا ناجزًا عن أرض وادي النيل كله، على غير ما تدل عليه مفاوضات صدقي - بيفن.
стр. 482
وفي خلال ذلك يقف صدقي باشا الذي اتخذته اليوم بريطانيا حجة على مصر، ليقول إن خير الوسائل لنيل حقوق مصر والسودان من بريطانيا هي المفاوضة، كأن هذا الرجل لم يعلم بعد أنه ظل روح ويغدو ويتلاعب هو وتتلاعب بريطانيا، وكانت العاقبة أن أفضى الأمر به إلى الاستقالة، بعد التكذيب الخبيث الذي كذبت به بريطانيا كل شيء قاله في تفسير بروتوكول السودان. لقد كان العذر متسعًا لامرئ سواه إن قال بمثل الذي يقول به. ومتى يقول هذا الرجل هذا الكلام؟ يقوله في ساعة الحرب التي شنتها مصر والسودان على بريطانيا!
إننا لا نبالي كثيرًا ولا قليلا بما يقوله هذا الرجل وأمثاله، وليس من همنا أن نقف عنده لنفنّده، بل همنا أن نبين أن وراء كلامه معنى آخر، هو أن بريطانيا لما أحست بتباشير الخذلان الذي سوف تناله في مجلس الأمن، وعرفت أنها لن تستطيع أن تواجه العالم بالأباطيل التي كانت تواجه بها المفاوضين فيرهبونها ويخشون بأسها، فلجأت عندئذ إلى قدماء صنائعها في وادي النيل ليخذلوا قلوب الناس ويخوفوهم ويوقعوا بينهم يبغونهم الفتنة، ويكون ذلك فَتًّا في عضد النقراشى، وتمهيدًا لانقلاب يحدثونه مرة أخرى بالقهر والتهديد، وبخيانة من يستحلى موارد الخيانة لبلاده -لمال يناله، أو جاه يحرزه، أو أبهة يختال فيها، أو أمل يمنى بإدراكه على يد بريطانيا صاحبة النعم الجزيلة والآلاء التي لا تنفد!
إن بريطانيا تبذل الآن كل جهدها في ردّ مصر والسودان عن الطريق الذي لا طريق غيره لمن أراد أن ينال حقه، وأن يجعل هذا الحق ذِكْرًا مذكورًا في قلوب الأبناء والأحفاد حتى لا تنطمس معالمه، وحتى لا ينخدع الناس عنه بقليل مدلس عليهم كما حدث في تاريخ مصر والسودان منذ سنة ١٩٢٤ إلى هذا اليوم، حتى بلغ البلاء أن صار الناشئة يقولون: "مصر والسودان دولة مستقلة"، وكلهم يعلم ويرى ويشهد بعينيه الغزاة في ثيابهم يروحون ويغدون في الشوارع والطرقات، ويغشون دور الملاهي ويقيمون المدارس المعادية لروح مصر والسودان في قلب بلادنا، ويحمون لصوص الأجانب، وينصرونهم على أبناء البلاد بكل ما استطاعوا.
стр. 483
ومصر والسودان لن ترتد مرة أخرى إلى طريق "المفاوضة بين مصر وبريطانيا" ولن ترتد إلى تعليق مسألة السودان وجعلها مسألة قائمة على حيالها، ولن ترتد إلى الاعتراف بالورقة الباطلة التي كتبت في سنة ١٨٩٩ لتشرك بريطانيا مصر في حكم السودان. فإذا كان صدقي باشا قد علم من الثقة الذي أوعز إليه أن هذه الخطة هي الباقية، وأنها هي التي سنصير إليها بعد انهزامنا في مجلس الأمن، وأنه لا محيص لمصر والسودان من المفاوضة قبل الجلاء عن وادي النيل كله -فقد كذب الذي أوعز إليه بذلك. وليعلم صدقي باشا أن الرائد لا يكذب أهله (١)، وأننا نحن أصدق حديثًا من الذين يعتمد هو على حديثهم، فمصر والسودان قد علمت اليوم علمًا ليس بالظن أن مفاوضات صدقي - بيفن، كانت زلة وقى الله شرها، وأن الله سخر النقراشى ليقيل مصر والسودان من تلك العثرة المردية، وأن مصر والسودان قد عزمت أمرها على أن لا تضع يدها في يد بريطانيا مادام لها على أرض وادي النيل ظل تستظل به أفاعيها، وثعالبها، ووحوشها وصنائعها أيضًا.
وخير لصدقي باشا ومن كان على شاكلته أن يعلم أشياء كثيرة، فلا يغرر بنفسه في مهالك بريطانيا التي تطأ بأقدامها كل من يخدمها إذا رأت في ذلك خيرًا ينفعها. خير له أن يعلم أن الزمن الذي كان هو فيه أحد أبطال السياسة، قد انقلب كله وذهب وعفَّى عليه الذي عفي على مآرب كثيرة. وخير له أن يعلم أن الجيل الذي يعيش في هذه الأيام غير الجيل الذي كان يرهب سوط الجلاد ويخاف وسْمَ السياط على أبدانه، وخير له أن يعلم أن العِلْمَ القليل الذي كان يناله الرجل فيتبجَّح به ويخيل إليه أنه صار عقلا وحده، قد حل محله عقل كثير لا قبل لأحد بدفعه بعد اليوم. وخير له أن يعلم أن الدُّرة التي تتوهج اليوم بالإخلاص لمصر والسودان، خير من كل الدُرّ القديم الذي زيفته بريطانيا وملأت قلبه نعمة وجاهًا وسلطانًا، وخير له أن يعلم أن دَمَ أي صعلوك مصري سوداني مخلص
стр. 484
لبلاده، قد صار أكرم على مصر والسودان من دماء السادة الذين سادوا بالخيانة والنفاق والخداع. وخير له أن يعلم في أول ذلك كله وآخره أن احتقار مصر والسودان، وازدراء هذا الشعب النبيل ووصمه بأنه لم يبلغ بعد المرتبة التي تخوّله أن يتبوأ مكانه في العزة والكرامة -لن ينفع بعد اليوم صاحبه والمتحدِّث به، والعامل على تثبيته في أذهان من يحدثهم. وخير له أن يعلم أنه لا يزيد على أن يكون فردًا من أفراد هذا الشعب لا أكثر.
ليس من همّي مرة أخرى أن أتناول قول صدقي بالنقد أو التفنيد، ولكن كل همي أن أدُلّ ناسًا من خلق الله الذي نبتت لحومهم، وجرت دماؤهم، وامتلأت بيوتهم خيرًا من ماء النيل الذي يجمع مصر والسودان، على أن شعب مصر والسودان قد حزم أمره على أن يستأصل شأفة الماضي كله ويقطع دابر المنافقين المختالين بغير سلطان أتاهم، وأنه قد أجمع عزمه على أن يحطم سلاسل الاستعباد كلها، وأنه لن يقف دون غايته لرهبة أو رغبة، وأنه عرف أن الساسة قد خدعوه زمنًا طويلا فأيما سياسي من القدماء، ممن كان من صنائع بريطانيا أو من المخدوعين بشرف بريطانيا، تسول له شياطين نفسه بعد اليوم أن يظن أنه أهدى من النقراشى وأعظم وأقدر، وأنه بالغ ما لم يبلغه النقراشي بالمفاوضة والمساومة على حقوق مصر والسودان فمصيره أن ينال من بأس هذه الأمة الناهضة المتدفقة العارمة شرًّا كثيرًا كان أحوط له أن يلوذ منه بملاذ كريم، هو يستظل بظل الأمة التي ولدته وأنشأته وكرمته بالانتساب إليها. فإذا أبى أحدهم إلا أن يطلب لنفسه مجدًا بدعوة بلاده إلى المفاوضة أو خيانة بلاده بقبول عون بريطانيا له حتى يبلغ الوزارة كما بلغها بعضهم من قبل على أسنة الحراب البريطانية، فإنه سيعلم يومئذ أن الشعب المصري السوداني أشد منه ومن بريطانيا بأسًا وظلما ومصابرة على الجلاد، وسيعلم أنه قد قدر فخاب فامتحن امتحانًا شديدًا كانت له عنه مندوحة.
أيها الساسة القدماء! احذروا غضبة الشعب، فلكل شعب غضبة كالنار المشعلة تأكل الأخضر واليابس، وهذا أوان غضبة مصر والسودان بعد أن يبس الثرى بيننا وبين بريطانيا.
стр. 485
مؤتمر المستضعفين
كانت جلسة مجلس الأمن في يوم الأربعاء ١٠ سبتمبر ١٩٤٧ هي الحكم الفاصل في قدر هذا المجلس وفي بيان قدرته على فض النزاع الذي ينشب بين الدول صغيرها وكبيرها. وكان ظن الذين دعوا إليه وأنشأوه -أو كانت دعواهم- أن هذا المجلس قد أنشيء ليكون فيصلا في الخصومات التي يخشى أن تفضى إلى حرب، وأنه هو المهيمن على السلام وحفظه في هذا العالم المائج المتدافع. فجاءته قضية مصر والسودان، وليس في قضايا الدنيا كلها ما هو أوضح منها وأبين، ووجه العدل فيها ظاهر لكل ذي عينين عمشاوين فضلا عن عينين بصيرتين، ومع ذلك كانت كل جهود هذا المجلس العجيب أن يقول للمتخاصمين: اذهبا فاطلبا شيئًا تصطلحان عليه! وليس في الدنيا ما هو أعجب من هذا، متخاصمين أعجزهما أن يجدا للصلح مكانًا بينهما، فيقول لهما الحاكم الوازع: اذهبا فاطلبا صلحًا! !
ونحن لا نريد أن نطعن في هذا المجلس، ولا أن نقول إنه شيء لا قيمة له ولا غناء فيه، ولا أنه أوشك أن يصبح سببًا في فساد العالم ودافعًا جديدًا لتقريب ساعة الحرب، ولا أنه كشف عن قدر من العجز يحل للناس معه أن يطلبوا حله ويسرِّحوا وفود الأمم المشتركة فيه إلى بلادهم، لا نريد شيئًا من هذا، بل نرى أنه مجلس لابد من بقائه على ما هو عليه، ولابد من ذهاب كل دولتين متخاصمتين إليه، فإنه يتيح للمظلوم أن يفضح ظالمه ويكشف عن آثامه التي يسترها عن العالم بالأكاذيب والتمويه. ولكن كل ما نريده هو أن يتفضل هذا المجلس بأن ينفي عن نفسه نقيصة الغش والخداع، فإنه أنبل وأعظم من أن يرتضيهما لنفسه، فقد زوّر عليه الذين أنشأوه فوضعوا له اسمًا لا يناسب جلالة قدره ولا حقيقة معناه، وألصقوا به شيئًا ليس من الإنصاف أن يلصق به، وهو المحافظة على الأمن
стр. 486
العالمى الذي يقتضي أول ما يقتضي أن تتساوى الدول المشتركة فيه في السيادة على الأرض التي يشملها اسم الدولة، حتى لا يقع التنازع بين سيادة وسيادة، فيختل التوازن ويصير الأمن العالمى مهددًا بالزوال.
ونحن نقترح أن يسمى هذا المجلس "مجلس الأجاويد"، وقد اخترت هذه التسمية لقصة سمعتها: ففي الشطر الجنوبى من وادي النيل المعروف عندنا باسم "السودان"، والمعروف عند بريطانيا وأشياعها باسم السودان المصري الإنجليزي، ألف الناس إذا تخاصموا أن يلجأوا إلى جماعة من أصحاب الرأي يسمونهم "مجلس الأجاويد"، فيأتي المتخاصمون فيذكرون أسباب خصامهم، وتنظر الجماعة في أمر هذا الخصام، ثم ترى رأيها فتقول لأحد المتخاصمين: أكرمنا وانزل عن كذا، وتقول للآخر: وأنت فأكرمنا أيضًا وانزل عن كذا. ولا تزال تأخذ من هذا ومن ذاك، فإن قبل المتخاصمان أن ينزل كل منهما عن شيء وينزل خصمه عن مثله، فذاك، وإلا رفعت الجماعة يدها عن الأمر كله وقالت للمتخاصمين: لقد نفضت يدي، فاذهبا فاصنعا ما تشاءان!
فمجلس "الأجاويد" هذا أشبه شيء بمجلس "الأمن" لولا أن الأول طابق اسمه مسماه، وأن الآخر كذب اسمه على مسماه. فمن الحسن كل الحسن أن يغير هذا المجلس اسمه ويبقى هو، لأنه مكان يتاح للدول فيه أن يعرف بعضها بعضًا على حقيقته بغير تدليس ولا تجمل ولا مواربة. وهذا في نفسه غاية مطلوبة ومنفعة لا مراء في أنها خير ينبغي الحرص على إدراكه وتحصيله، بل نقول أكبر من ذلك: إن تسريح وفود الدول المشتركة في [هذا] المجلس شر ينبغي اتقاؤه، لأنه يحول بين الدول وبين إدراك هذه الغاية المطلوبة والمنفعة العظيمة.
وندع مجلس "الأجاويد" وما وحل فيه من عجز وضعف واحتيال على تفادى الحزم، ومن فراره عن وجه الحق فيما يعرض عليه من الخصومة، فإنه لم يخلق لمثل ما نطالبه به حين نذكر حقوق مصر والسودان أو سواهما من أمم الأرض. ندعه لننظر في خاصة أمرنا نحن دون أن نعبأ شيئًا بما فعل هذا المجلس، أو سوف يفعله.
стр. 487
وملخص تاريخ القضية المصرية السودانية، كما يعرفه كل أحد، هو أن مصر والسودان كانت فيما قبل سبتمبر سنة ١٨٨٢ دولة واحدة لها حدود معروفة معترف بها في المحافل الدولية كلها لا ينازعها فيه منازع. وفي سبتمبر سنة ١٨٨٢ اتخذت بريطانيا ما كان من أمر الثورة العرابية التي قام رجالها للمطالبة بحقوق الشعب الدستورية، ذريعة للتدخل في شئون مصر الداخلية، وكانت نيتها مبيتة على العدوان على استقلال مصر والسودان، وإخضاع هذه الدولة للسيطرة البريطانية الاستعمارية التي كانت يومئذ في عنفوان شدتها. فتم لبريطانيا ما أرادت، وانتهكت حرمة الشرائع الدولية، وادعت أنها أرادت تثبيت عرش خديوي مصر في ذلك الوقت محمد توفيق. ولما رأت أن الدول الأوربية المستعمرة قد بدأت تناوئها، زعمت أنها لن تلبث إلا قليلا حتى تجلو عن أرض مصر والسودان مرة واحدة في أقرب وقت مستطاع، حددته أحيانًا وتجاهلت تحديده أحيانًا أخرى. وظلت تماطل وتتعسف وتؤوّل، وتكذب وتفترى على مصر والسودان أخس افتراء، وهي في خلال ذلك تهدم كيان هذه الدولة المصرية هدمًا تامًا بحجة الإصلاح حينًا، وبحجة المحافظة على "حقوق" الأجانب في مصر وعلى مصالحهم.
فلما جاءت الحرب العالمية الأولى، انتهزت بريطانيا هذه الفرصة وأعلنت الحماية على مصر والسودان دون أن تعبأ شيئًا بحقوق شعب مصر والسودان، وهي مطمئنة إلى سكوت الدول الحلفاء على فعلها في هذه الساعة الحاسمة من تاريخ العالم. ثم انتهت الحرب وهب الشعب المصري السوداني يطالب بريطانيا باستقلاله، ولكن بريطانيا لم تلبث أن وجدت منفذًا لتفريق كلمة هذا الشعب، فلوحت للزعماء بأنها تريد إنصاف مصر والسودان، وظلت تستدرجهم حتى قبلوا مبدأ مفاوضة بريطانيا في حقوق مصر الطبيعية، فأقبل هؤلاء الزعماء على مفاوضة بريطانيا منذ ذلك الوقت، فكانت زلة وخيمة العواقب في تاريخ مصر والسودان، ولو لم يكن لها من الشر إلا أنها أفضت إلى تعليق مسألة السودان من كل المفاوضات إلى سنة ١٩٣٦، لكان ذلك حسبها من البلاء الذي ليس بعده بلاء.
стр. 488
ولما حدثت مفاوضات سنة ١٩٣٦ الخبيثة، وانتهت بمعاهدة الاحتلال التي فرضت على مصر فرضًا تحت ظل الاستبداد والتهديد والتخويف، وقعت زلة أخرى أكبر من زلة المفاوضات نفسها، وهي ذكر الورقة الباطلة المعروفة باسم اتفاقية سنة ١٨٩٩ - فكان ذكرها كأنه اعتراف بشرعيتها، واجتماع كل هذه الأخطاء واحتشادها منذ سنة ١٩٢١ إلى هذا اليوم، هو الذي مكّن لبريطانيا أن تقف في مجلس الأمن لتتكلم بالكلام الذي لا معنى له إلا أنه تزوير للحقائق، ولكنه تزوير اعتمد على هذه الأخطاء نفسها. فلولاها لما كان لبريطانيا كلام يقبله عقل عاقل، ولشق عليها أن تدلس في الحقيقة البينة، وهي أنها دولة معتدية حكمها كحكم سائر الدول المعتدية في الدنيا. ومع ذلك، فإن شيئًا من هذا لم ينفع بريطانيا، فالدول قد علمت ولا ريب أن بريطانيا معتدية بعد أن كشف النقراشى القناع عن الفضائح التي كانت مكتومة عن الناس وعن الدول، وبعد أن أبان فارس الخوري عن أساليب بريطانيا في قهر الدول الضعيفة وابتزاز حقوقها.
فلما أحجم مجلس الأجاويد عن أن يقطع برأي في مسألة مصر والسودان، وخاف أن يمس كرامة بريطانيا الدولة الشريفة النبيلة إذا هو حكم لمصر والسودان بالحق، وتنزه عن وصف بريطانيا العفيفة الطاهرة بأنها دولة معتدية على حقوق الدول المسالمة -رجعنا من حيث بدأنا في سنة ١٨٨٢، أي أننا وقفنا وحدنا لنقول للعالم مرة أخرى، هذه دولة معتدية، فلابد من رد اعتدائها ودفع عدوانها وبغيها بأي وسيلة تتاح لنا. فينبغي إذن أن ننذر بريطانيا إنذارًا لا رجعة فيه، بأن تسحب جنودها من كل بقعة كان يرفرف عليها علم مصر والسودان في سنة ١٨٨٢ دون نظر إلى معاهدات سابقة أو عرف جار، أو اتفاقات باطلة. فإذا فعلنا فقد نبذنا إليه على سواء (١)، وأعذرنا أنفسنا أمام هذا العالم الجشع من الدول المستعمرة.
стр. 489
ونحن شعب لا طاقة له بحرب بريطانيا بالسلاح، لأنها ظلت خمسًا وستين سنة تنزع من أيدينا كل سلاح، وتضعف جيشنا بكل أسلوب، وتحيط بنا من كل مكان، حتى لا نجد لأنفسنا منفذًا نستطيع أن نستجلب منه السلاح الحديث الذي يعيننا على حربها. هذا حق، ولكنه على وضوحه ليس بشيء، فإن الأمة التي تريد استقلالها وتحرص عليه لن تمنعها قلة السلاح من أن تفعل شيئًا كثيرًا تستطيع به أن تنال ما تريد. وبريطانيا لن تستطيع أن تفني هذا الشعب المصري السوداني إذا هب لقتالها مجردًا من كل سلاح إلا سلاح العزيمة والتضحية وبذل المهج وإرخاص النفوس والدماء في سبيل الوطن.
وبريطانيا ترى أن من مصلحتها أن يستقر السلام في هذا الشرق الأدنى، وهي تتخذ هذا حجة لبقائها في مصر والسودان وفلسطين والعراق، فينبغي أن نبحث عن الأسلوب الذي يفسد عليها هذا السلام الكاذب الذي تنتهك هي حرمته باحتلال أرض هذه الشعوب، والعالم العربي كله يعلم أن مصر والسودان هي قلب بلاده فإذا ظل هذا القلب ضعيفًا مأسورًا في قيود الاستعمار فالعالم العربي عاجز عن أن يفعل شيئًا في سبيل النهضة التي تجيش بها صدور أبنائه، وهو أيضًا عرضة للبقاء الطويل تحت نير الاستعباد الأوربي الفاجر المتعصب، وهو أيضًا لحم على وضم (١) ينال منه كل طارئ وأفاق ما يشاء، ويصب عليه من ازدرائه واحتقاره ما تسول له نفسه الخبيثة، لأنه يعلم أنه قوى في حماية هذه الدول الطاغية المستعمرة جميعًا. فلزام إذن على هذا العالم العربي كله أن يهب هبة واحدة للجهاد -من أقصى مراكش إلى حدود العراق بغير استثناء- متخذًا كل وسيلة من المقاطعة إلى المحاربة الظاهرة والخفية جميعًا.
وهذا الغرض السامي يتطلب منا أن نجمع شملنا، لا في مصر والسودان وحدهما، بل في كل مكان من هذا العالم العربي، وفي كل ناحية من نواحي
стр. 490
العالم الإسلامي. وينبغي أن يتجرد منا جميعًا رجال يجوبون هذه الدنيا لتأليب الشعوب العربية والإسلامية على عدوان هؤلاء المعتدين، ولعقد المودة بيننا وبين الشعوب التي أظهرت مودتها لنا ودفاعها عنا. وينبغي ألا يفزعنا شيء فإننا مأكولون، والمأكول لا يبالي أن يأكله هذا أو ذاك، وجرأته هي وحدها الكفيلة بأن تضمن له ضربًا من الحرية في الاختيار. ومع ذلك فعسى أن يحدث شيء لم يكن أحد يتوقعه، فننال حقنا كاملا دون أن نطوق أعناقنا بمنة يمتنها علينا شعب أو دولة. وحسبنا أن بريطانيا تريد أن يستقر هذا الشرق وهذا العالم الإسلامي حتى توغل هي في عدوانها، فلنمنعها هي وأشياعها مما يريدون.
هذا العمل الجليل لا يغني غناءه إلا إذا تعاونت الحكومات العربية والإسلامية معًا، وتعاونت شعوبها أيضًا مع هذه الحكومات تعاونًا شاملا كاملا لا ثغرة فيه، فأول ما ينبغي أن تقوم مصر والسودان فتدعو إلى عقد مؤتمر عام لكل الشعوب الصغيرة المجاهدة في سبيل الحرية والاستقلال، وأن يتولى هذا المؤتمر العام تحديد الخطط التي ينبغي أن نسير عليها حتى نبلغ هذه الغاية التي تُقِضّ مضجع بريطانيا ورأس أشياعها أمريكا لنسارع إلى دعوة هذا المؤتمر العام إلى عقد أول اجتماع في أقرب فرصة مستطاعة، فإن الإرجاء مفسدة للجهود وإضعاف للقوى وإضاعة للوقت، والإسراع لا يضر بل هو أنفع شيء مادام الهدف الأسمى هو أن نزعج بريطانيا وأمريكا أولا، وأن نتفق على الخطط العامة التي تكفل لنا نيل حقنا من هذه الشعوب المستعمرة العادية على استقلالنا وحريتنا.
وهذا المؤتمر لا يتعارض قط مع عمل الجامعة العربية، لأنه محدد الهدف، ولأنه يقوم على أساس واحد هو الاتفاق على أساليب الجهاد كلها، وعلى حشد القوى التي تعين عليه، وعلى اختيار الفئة الصالحة للتجول في أرجاء العالم لإثارة الشعوب العربية والإسلامية ودعوتها إلى أخذ حقها دون مساومة أو مفاوضة وعلى تحديد أعمال القائمين بالدعوة في كل مكان، وعلى التمهيد لعقد الصلات بيننا وبين الشعوب التي تناصرنا على نزع ربقة الاستعمار عن أعناق الأمم المستضعفة في كل مكان، مهما اختلفت ألوانها أو أجناسها أو أديانها.
стр. 491
إن هذا المؤتمر ضرورة لازمة ألجأتنا إليها بريطانيا وأمريكا وأشياعهما من الدول الشريفة النبيلة التي قامت لنصرة الحق والعدل والمساواة! وبريطانيا وأمريكا وأشياعهما لا يريدون أن يدركوا أن هذه ساعة حاسمة في تاريخ العالم العربي والإسلامي ومن يعيش معهما من الأمم التي وقعت تحت سيطرة الاستعمار، وهم يماطلون ويراوغون ويتملصون من الفروض التي كتبوها على أنفسهم في ميثاق الأمم المتحدة، وهم يأبون أن يعترفوا بأننا شعوب تريد أن تعيش حرة لأن هذا هو حقها في الحياة، فينبغي إذن أن نجيّش كل قوانا وأن نعد العدة لإقناع هاتين الدولتين ومن يلوذ بهما بأننا قوم نأبى أن نعيش عبيدًا في دنيا لم يخلقها خالقها إلا لتكون أرضًا للأحرار، وأننا أمم لها من الحقوق مثل ما لبريطانيا وأمريكا وأشياعهما، وأن الله لم يخلق هؤلاء الناس ليسودوا العالم ويستعبدوا أهله بالظلم والعدوان والكذب والتغرير.
إننا لا نريد عدوانا على أحد، ولكننا قد أبينا أن نقبل العدوان من أحد كائنًا من كان، وبالغًا من القوة والبطش والجبروت ما بلغ. وقد أعذر من أنذر.
стр. 492
لا هَوَادة بعد اليوم
لا يحل لعربي منذ اليوم أن يرفع يده عن سلاح يعده لقتال عدو قد أحاطت به جيوشه من كل ناحية. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يدع ثغرة من ثغور العدى إلا سدها بنفسه أو ولده أو صديقه. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يضع عن عاتقه عبء الكد والكدح التماسًا للراحة أو الدعة. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يتواكل ويقول لنفسه: لقد تعبت، وما يضرنى أن أترك هذا لفلان فهو كافيه. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يقول: غدًا أفعل ما حقه أن يفعل اليوم. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يخدع نفسه عن حرب دائرة الرحى بيننا وبين اليهود وأشياعهم من أمم الأرض. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يكتم الحق عن أهله أو عن عدوه، ويقول هذه سياسة وكياسة وترفق. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يمالئ قومًا يكاشفونه بالعداوة والبغضاء ونذالة الأخلاق. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يقبل من رجال السياسة تأجيل شيء من قضايا العرب، فهي كل مترابط لا ينفك منها شيء عن شئ.
لقد عرف كل عربي وكل مسلم على ظهر هذه الأرض ما آلت إليه القضية المصرية السودانية في مجلس الأمن، وعرف كل عربي وكل مسلم ما صارت إليه قضية فلسطين في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، فهل بقي بعد هذا مجال لناظر حتى يقول: سوف أحتال بالسياسة حتى أنال ما هو حق لي؟ !
إن بريطانيا وأمريكا وسائر الدول التي تدير لهما الساقية، قد كشفت عن طواياها بما لا يدع لأحد علة يتعلل بها أو يتشبث، فقد قالوا الكلمة الصريحة الواضحة بأنهم عدوٌّ لنا وحرب علينا، وأنهم يبغون أن يحطموا هذا الجيل العربي، وأن يسلطوا على رقابه أنذال اليهود وأوباش الاستعمار، وأنهم يعتقدون أننا قوم لا نصلح لأن نحكم أنفسنا بأنفسنا، أو أننا أمم قُصَّر لم نبلغ رشدنا ولا يظن بنا
стр. 493
بلوغ الرشد. فهذا ترجمة موقف الدول المعادية حيال قضية مصر والسودان وحيال قضية فلسطين.
وسر هذه العداوة -ولا نكتم الحق- هو أن أوربة وأمريكا جميعًا لا يزالون يعيشون في أنفسهم إذا ذكر العرب في أحقاد صليبية لم تستطع المدنية ولا استطاع العلم، ولا استطاعت سهولة المواصلات، ولا استطاعت كثرة الهجرة والرحلة، أن تنفيها عن قلوبهم، بل لعلها زادتهم أضغانًا على أضغان، ولا تزال أوربة وأمريكا تقول: خطر الإسلام وخطر العرب، كما كانوا يقولون الخطر الأصفر والخطر الأسيوي. وإذا كان بعض ساستنا الذين لقوا ساسة الأوربيين والأمريكيين قد انخدعوا بظاهر من القول حين سمعوا أحاديث أولئك المرائين المنافقين من ساسة أوربة وأمريكا، وظنوا أن لين القول دليل على صدق العقيدة، حتى أجروا في أحاديثهم ذكر "عطف أمريكا على العرب" و"عطف بريطانيا على العرب"، فقد ضلوا ضلالا مبينًا. إن أوربة وأمريكا لا تعرف العطف على العرب، بل هي العدو، وهي البلاء المصبوب علينا، وإلا فكيف تعطف بريطانيا على العرب وهي التي لا تزال تفعل الأفاعيل في مصر والسودان؟ وكيف تعطف أمريكا على العرب وهي التي خذلت مصر والسودان في مجلس الأمن؟ وكيف تعطف بريطانيا وهي التي ورّطت الدنيا كلها في مشكلة فلسطين، ثم تجئ فتطلب من هذه الدنيا أن تحل لها المشكلة؟ وكيف تعطف أمريكا وهي التي تمد اليهود بالمال والقوة والسلاح والدعاية؟ وكيف وهي التي تبيح لشركات النشر والإذاعة والصحافة أن تدلس وتكذب وتخدع في شأن العرب، ولا تجد منكرًا ينكر، ولا لسانًا يدافع، ولا قلمًا يشمئز من هذه الوسائل التي تطفح بالغدر والبغي والنذالة؟ !
إنهم جميعًا يظاهرون علينا اليهود ويظاهرون علينا الاستعمار، ويفعلون ذلك علانية لا يستخفون، ففيم نحتال نحن بالمداورة أحيانًا خشية أن نثير علينا هؤلاء المظاهرين ومخافة أن نُرْمى بالتعصب؟ فيم نخاف ونحن في معمعة هذه الحرب التي تشنها علينا بريطانيا وأمريكا بالاستعمار وباليهود؟ ولم نخاف أن نتعصب
стр. 494
لحريتنا واليهود يتعصبون لعدوانهم جهارًا؟ إن العرب قد عاشوا على ظهر هذه الأرض أكثر من ثلاثة عشر قرنًا فكانوا أمةً وسطا لم تظلم ولم تضطهد، بل نصرت المظلوم وآوت المضطهد، ورفعت النير عن رقاب الأمم مجوسها ونصاراها ويهودها، حتى جاء أمر الله وذهبت ريحهم وغلبت عليهم الأمم. فتاريخ العرب كله دليل على أن هذا الجيل من الخلق يأنف أن يظلم وأن يضطهد، ولكنه يأنف أيضًا أن يقبل الظلم والاضطهاد، فإذا رد الظلم عن نفسه ودفع الاضطهاد عن حماه، وحمى حوزته دون عدو باغ، أو توقى شرًا يوشك أن يتوغل في قلب حياته، فما يفعل ذلك عن تعصب أو حقد أو جهالة، بل هو الحق ووسائل الحق!
وإذا كان فيما نفعله، أو فيما يحب أن نفعله، شيء يؤخذ على أنه صرامة وشدة وحنبلية متزمتة، فبما اضطررنا إليه فعلناه. وإليك مثلا هذه الدول العربية التي بدأت تضج ضجيج البعير آذاه العبء الفادح من غول الاستعمار الأدبي والسياسي والاقتصادي، والتي بدأت تعرف أن كل باب من أبواب الحياة قد وقف عليه ديدبان من اليهود أو من الأجانب الطارئين، ليذودوا العربي عن الانتفاع ببلاده التي هي له ملك متوارث منذ أقدم عصور التاريخ -يذودونه عن الانتفاع بتجارة بلاده، لأن شياطين التجارة ومردتها فئة من هذه اليهود وهذه الأجانب، ويذودونه عن الانتفاع بمعادن أرضه، لأن أبالسة الحديد والنار هم أصحاب المناجم في أرضه وبلاده، ويذودونه عن الانتفاع بقوى شعبه، لأن خزان المال من اليهود والأجانب يضربون العمال بالفقر والذل والبؤس، ولا يدعون لهم متنفسًا، ولا طريقًا إلى بلوغ المستوى الذي يحق لهم بجهودهم التي يجودون بها، فتكون لليهودي والأجنبي غنى ومالا وثروة وعجرفة وتغطرسًا على هذه الأمة العربية، ونكبة وبلاءً واستعمارًا كأنه جوامع (١) من غليظ الحديد مضروبة في أوتادها الراسخة في جوف الأرض العربية. هكذا هو، فماذا تفعل هذه الدول؟
стр. 495
أليس من الحق لكل بلد عربي أن يسن قانونًا لأهله أو قانونًا لحكومته إذا استطاع- أن يحرم على كل يهودي وأجنبى أن ينشيء شركة إلا إذا كان كل عامل فيها وكل موظف من أهل البلد، وأن تكون أرباح الشركة لا تزيد على قدر معلوم، وأن يكون الدخل وقفًا على البلاد التي يستثمر فيها جهوده، فلا يخرج مالا ولا يختزنه في مصارف بلاد أخرى غير البلاد التي استوطنها، وزعم أنه جاء ليسدى إليها خيرًا بعلمه أو فنه أو صناعته أو تجارته؟
أليس من الحق لكل بلد عربي إذا هو رأي هذه الأجانب وهذه اليهود تملأ عليه الجو، وتأتيه مهاجرة من كل مكان هجرة حرة غير مقيدة أن ينظر لنفسه ومصالحه، ويعرف أن هؤلاء خطر ينبغي درؤه واتقاؤه بكل وسيلة؟ فإذا منعنا الهجرة أو قيدناها فأي تعصب في هذا؟ وإذا كنا نعلم علم اليقين أن هؤلاء الطارئين هم من حثالة اليهود وحثالة الأجانب، وأنهم أرذل خلق الله أخلاقًا وأقلهم علمًا وأخسهم نفوسًا، فأي تعصب في أن نقول للعالم كله إننا نأبى أن نؤوى هذه الحثالة القذرة في بلادنا وبين أهليها، وأن تمنعهم أن يتدسسوا إلى حمى أعراضنا بنذالاتهم وفجورهم وعهرهم وبالخبث التي انطوت عليه دخائلهم؟ وإذا كنا نعلم علم اليقين أن هذه الحثالة الخبيثة، وهذه الرمم الإنسانية تفعل في شوارعنا وطرقاتنا ما لا تستطيع أن تفعل مثله في بلاد غير بلادنا التي وقعت تحت بطش الاستعمار قرنًا أو بعض قرن، فأي تعصب في أن نسن قانونًا يوجب ترحيل هؤلاء الطارئين، أو يوجب نزع الجنسية المصرية أو العربية أو السورية عن هذه الفئة التي جاءت دخيلة على بيوتنا وديارنا وأخلاقنا؟
إن من حق البلاد العربية أن تفعل ذلك ولا تبالي بنقد منتقد ولا هجوم متهجم، ولا إقذاع مبطل ولا سفاهة مدخول السريرة خبيث الطوية. كلا إنه ليس حقًّا لها وحسب، بل هو فرض لا مناص من أدائه والقيام عليه وحياطته كل الحياطة، إن هذه اليهود وهذه الأجانب هي ذرائع الاستعمار، وهي أداة البطش التي سلطها الاستعمار على رقابنا، وهي الخبيثة المردية التي تفشَّى داؤها حتى أَوْهَى القوى وأوهن العزائم، وأكلنا لحمًا طريًا وتركنا عظامًا نخرة.