إن هذا المؤتمر ضرورة لازمة ألجأتنا إليها بريطانيا وأمريكا وأشياعهما من الدول الشريفة النبيلة التي قامت لنصرة الحق والعدل والمساواة! وبريطانيا وأمريكا وأشياعهما لا يريدون أن يدركوا أن هذه ساعة حاسمة في تاريخ العالم العربي والإسلامي ومن يعيش معهما من الأمم التي وقعت تحت سيطرة الاستعمار، وهم يماطلون ويراوغون ويتملصون من الفروض التي كتبوها على أنفسهم في ميثاق الأمم المتحدة، وهم يأبون أن يعترفوا بأننا شعوب تريد أن تعيش حرة لأن هذا هو حقها في الحياة، فينبغي إذن أن نجيّش كل قوانا وأن نعد العدة لإقناع هاتين الدولتين ومن يلوذ بهما بأننا قوم نأبى أن نعيش عبيدًا في دنيا لم يخلقها خالقها إلا لتكون أرضًا للأحرار، وأننا أمم لها من الحقوق مثل ما لبريطانيا وأمريكا وأشياعهما، وأن الله لم يخلق هؤلاء الناس ليسودوا العالم ويستعبدوا أهله بالظلم والعدوان والكذب والتغرير.
إننا لا نريد عدوانا على أحد، ولكننا قد أبينا أن نقبل العدوان من أحد كائنًا من كان، وبالغًا من القوة والبطش والجبروت ما بلغ. وقد أعذر من أنذر.
стр. 492
لا هَوَادة بعد اليوم
لا يحل لعربي منذ اليوم أن يرفع يده عن سلاح يعده لقتال عدو قد أحاطت به جيوشه من كل ناحية. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يدع ثغرة من ثغور العدى إلا سدها بنفسه أو ولده أو صديقه. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يضع عن عاتقه عبء الكد والكدح التماسًا للراحة أو الدعة. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يتواكل ويقول لنفسه: لقد تعبت، وما يضرنى أن أترك هذا لفلان فهو كافيه. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يقول: غدًا أفعل ما حقه أن يفعل اليوم. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يخدع نفسه عن حرب دائرة الرحى بيننا وبين اليهود وأشياعهم من أمم الأرض. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يكتم الحق عن أهله أو عن عدوه، ويقول هذه سياسة وكياسة وترفق. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يمالئ قومًا يكاشفونه بالعداوة والبغضاء ونذالة الأخلاق. ولا يحل لعربي منذ اليوم أن يقبل من رجال السياسة تأجيل شيء من قضايا العرب، فهي كل مترابط لا ينفك منها شيء عن شئ.
لقد عرف كل عربي وكل مسلم على ظهر هذه الأرض ما آلت إليه القضية المصرية السودانية في مجلس الأمن، وعرف كل عربي وكل مسلم ما صارت إليه قضية فلسطين في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، فهل بقي بعد هذا مجال لناظر حتى يقول: سوف أحتال بالسياسة حتى أنال ما هو حق لي؟ !
إن بريطانيا وأمريكا وسائر الدول التي تدير لهما الساقية، قد كشفت عن طواياها بما لا يدع لأحد علة يتعلل بها أو يتشبث، فقد قالوا الكلمة الصريحة الواضحة بأنهم عدوٌّ لنا وحرب علينا، وأنهم يبغون أن يحطموا هذا الجيل العربي، وأن يسلطوا على رقابه أنذال اليهود وأوباش الاستعمار، وأنهم يعتقدون أننا قوم لا نصلح لأن نحكم أنفسنا بأنفسنا، أو أننا أمم قُصَّر لم نبلغ رشدنا ولا يظن بنا
стр. 493
بلوغ الرشد. فهذا ترجمة موقف الدول المعادية حيال قضية مصر والسودان وحيال قضية فلسطين.
وسر هذه العداوة -ولا نكتم الحق- هو أن أوربة وأمريكا جميعًا لا يزالون يعيشون في أنفسهم إذا ذكر العرب في أحقاد صليبية لم تستطع المدنية ولا استطاع العلم، ولا استطاعت سهولة المواصلات، ولا استطاعت كثرة الهجرة والرحلة، أن تنفيها عن قلوبهم، بل لعلها زادتهم أضغانًا على أضغان، ولا تزال أوربة وأمريكا تقول: خطر الإسلام وخطر العرب، كما كانوا يقولون الخطر الأصفر والخطر الأسيوي. وإذا كان بعض ساستنا الذين لقوا ساسة الأوربيين والأمريكيين قد انخدعوا بظاهر من القول حين سمعوا أحاديث أولئك المرائين المنافقين من ساسة أوربة وأمريكا، وظنوا أن لين القول دليل على صدق العقيدة، حتى أجروا في أحاديثهم ذكر "عطف أمريكا على العرب" و"عطف بريطانيا على العرب"، فقد ضلوا ضلالا مبينًا. إن أوربة وأمريكا لا تعرف العطف على العرب، بل هي العدو، وهي البلاء المصبوب علينا، وإلا فكيف تعطف بريطانيا على العرب وهي التي لا تزال تفعل الأفاعيل في مصر والسودان؟ وكيف تعطف أمريكا على العرب وهي التي خذلت مصر والسودان في مجلس الأمن؟ وكيف تعطف بريطانيا وهي التي ورّطت الدنيا كلها في مشكلة فلسطين، ثم تجئ فتطلب من هذه الدنيا أن تحل لها المشكلة؟ وكيف تعطف أمريكا وهي التي تمد اليهود بالمال والقوة والسلاح والدعاية؟ وكيف وهي التي تبيح لشركات النشر والإذاعة والصحافة أن تدلس وتكذب وتخدع في شأن العرب، ولا تجد منكرًا ينكر، ولا لسانًا يدافع، ولا قلمًا يشمئز من هذه الوسائل التي تطفح بالغدر والبغي والنذالة؟ !
إنهم جميعًا يظاهرون علينا اليهود ويظاهرون علينا الاستعمار، ويفعلون ذلك علانية لا يستخفون، ففيم نحتال نحن بالمداورة أحيانًا خشية أن نثير علينا هؤلاء المظاهرين ومخافة أن نُرْمى بالتعصب؟ فيم نخاف ونحن في معمعة هذه الحرب التي تشنها علينا بريطانيا وأمريكا بالاستعمار وباليهود؟ ولم نخاف أن نتعصب
стр. 494
لحريتنا واليهود يتعصبون لعدوانهم جهارًا؟ إن العرب قد عاشوا على ظهر هذه الأرض أكثر من ثلاثة عشر قرنًا فكانوا أمةً وسطا لم تظلم ولم تضطهد، بل نصرت المظلوم وآوت المضطهد، ورفعت النير عن رقاب الأمم مجوسها ونصاراها ويهودها، حتى جاء أمر الله وذهبت ريحهم وغلبت عليهم الأمم. فتاريخ العرب كله دليل على أن هذا الجيل من الخلق يأنف أن يظلم وأن يضطهد، ولكنه يأنف أيضًا أن يقبل الظلم والاضطهاد، فإذا رد الظلم عن نفسه ودفع الاضطهاد عن حماه، وحمى حوزته دون عدو باغ، أو توقى شرًا يوشك أن يتوغل في قلب حياته، فما يفعل ذلك عن تعصب أو حقد أو جهالة، بل هو الحق ووسائل الحق!
وإذا كان فيما نفعله، أو فيما يحب أن نفعله، شيء يؤخذ على أنه صرامة وشدة وحنبلية متزمتة، فبما اضطررنا إليه فعلناه. وإليك مثلا هذه الدول العربية التي بدأت تضج ضجيج البعير آذاه العبء الفادح من غول الاستعمار الأدبي والسياسي والاقتصادي، والتي بدأت تعرف أن كل باب من أبواب الحياة قد وقف عليه ديدبان من اليهود أو من الأجانب الطارئين، ليذودوا العربي عن الانتفاع ببلاده التي هي له ملك متوارث منذ أقدم عصور التاريخ -يذودونه عن الانتفاع بتجارة بلاده، لأن شياطين التجارة ومردتها فئة من هذه اليهود وهذه الأجانب، ويذودونه عن الانتفاع بمعادن أرضه، لأن أبالسة الحديد والنار هم أصحاب المناجم في أرضه وبلاده، ويذودونه عن الانتفاع بقوى شعبه، لأن خزان المال من اليهود والأجانب يضربون العمال بالفقر والذل والبؤس، ولا يدعون لهم متنفسًا، ولا طريقًا إلى بلوغ المستوى الذي يحق لهم بجهودهم التي يجودون بها، فتكون لليهودي والأجنبي غنى ومالا وثروة وعجرفة وتغطرسًا على هذه الأمة العربية، ونكبة وبلاءً واستعمارًا كأنه جوامع (١) من غليظ الحديد مضروبة في أوتادها الراسخة في جوف الأرض العربية. هكذا هو، فماذا تفعل هذه الدول؟
стр. 495
أليس من الحق لكل بلد عربي أن يسن قانونًا لأهله أو قانونًا لحكومته إذا استطاع- أن يحرم على كل يهودي وأجنبى أن ينشيء شركة إلا إذا كان كل عامل فيها وكل موظف من أهل البلد، وأن تكون أرباح الشركة لا تزيد على قدر معلوم، وأن يكون الدخل وقفًا على البلاد التي يستثمر فيها جهوده، فلا يخرج مالا ولا يختزنه في مصارف بلاد أخرى غير البلاد التي استوطنها، وزعم أنه جاء ليسدى إليها خيرًا بعلمه أو فنه أو صناعته أو تجارته؟
أليس من الحق لكل بلد عربي إذا هو رأي هذه الأجانب وهذه اليهود تملأ عليه الجو، وتأتيه مهاجرة من كل مكان هجرة حرة غير مقيدة أن ينظر لنفسه ومصالحه، ويعرف أن هؤلاء خطر ينبغي درؤه واتقاؤه بكل وسيلة؟ فإذا منعنا الهجرة أو قيدناها فأي تعصب في هذا؟ وإذا كنا نعلم علم اليقين أن هؤلاء الطارئين هم من حثالة اليهود وحثالة الأجانب، وأنهم أرذل خلق الله أخلاقًا وأقلهم علمًا وأخسهم نفوسًا، فأي تعصب في أن نقول للعالم كله إننا نأبى أن نؤوى هذه الحثالة القذرة في بلادنا وبين أهليها، وأن تمنعهم أن يتدسسوا إلى حمى أعراضنا بنذالاتهم وفجورهم وعهرهم وبالخبث التي انطوت عليه دخائلهم؟ وإذا كنا نعلم علم اليقين أن هذه الحثالة الخبيثة، وهذه الرمم الإنسانية تفعل في شوارعنا وطرقاتنا ما لا تستطيع أن تفعل مثله في بلاد غير بلادنا التي وقعت تحت بطش الاستعمار قرنًا أو بعض قرن، فأي تعصب في أن نسن قانونًا يوجب ترحيل هؤلاء الطارئين، أو يوجب نزع الجنسية المصرية أو العربية أو السورية عن هذه الفئة التي جاءت دخيلة على بيوتنا وديارنا وأخلاقنا؟
إن من حق البلاد العربية أن تفعل ذلك ولا تبالي بنقد منتقد ولا هجوم متهجم، ولا إقذاع مبطل ولا سفاهة مدخول السريرة خبيث الطوية. كلا إنه ليس حقًّا لها وحسب، بل هو فرض لا مناص من أدائه والقيام عليه وحياطته كل الحياطة، إن هذه اليهود وهذه الأجانب هي ذرائع الاستعمار، وهي أداة البطش التي سلطها الاستعمار على رقابنا، وهي الخبيثة المردية التي تفشَّى داؤها حتى أَوْهَى القوى وأوهن العزائم، وأكلنا لحمًا طريًا وتركنا عظامًا نخرة.
стр. 496
وها نحن الآن مقبلون على حرب بيننا وبين اليهود، وحرب بيننا وبين الاستعمار، وكلاهما حرب لا هوادة فيها ولا مفر منها، فكيف يجوز في العقول أن ندع العدو بين ظهرانينا يعيث فسادًا وخيانة وتجسسًا، بل يأخذ من أموالنا ويرد على أموال عدونا، فيضعفنا ويقويه، وينهكنا وينميه، ويوهننا ويضريه؟ إن من القوانين الدولية في زمن الحرب أن تضع الدولة يدها على أموال أعدائها جملة واحدة، فتستثمرها في حقها وبحقها لتكون لها قوة وعتادًا، ومن القوانين الدولية أن تقبض الدولة على أبناء الدولة المعادية فتأسرهم في المعتقلات حتى تضع الحرب أوزارها، خشية أن يفجروا في الأرض ويكونوا عيونًا عليها، وبلاء في داخلها، و"طابورًا خامسا" في شعبها، فهل شك أحد في ذلك أو استنكره أو بغض إلى دولته فعل ذلك؟ كلا! وإذن فكيف يجوز للعرب منذ اليوم، وقد شرعوا في الجهاد وعزموا على أن يحطموا أغلال الاستعمار، وأن يقوضوا عرش اليهودية الباغية، أن يتهاونوا في الضرب على يد هذه التجارة اليهودية في قلب بلادهم، أو أن يهادنوا هذه الشرذمة الوبيئة التي تعيش بين ظهرانيهم، أو أن يبيحوا لأعوان الاستعمار من شذاذ الأمم والأفاقين أن يسرحوا حيث شاءوا من بلادهم، وأن يستولوا على ما يشاؤون من أموالهم وأرزاقهم، وأن يدخلوا فينا ليكونوا عيونًا علينا في هذه الحرب التي تدور بيننا وبين يهود، وبيننا وبين الاستعمار والمستعمرين.
ومن الذي حمل اليهود على الهجرة إلى مصر مثلا؟ أليست هي الفكرة الصهيونية؟ ومن الذي حمل الأجانب على الهجرة أيضًا إلى بلادنا؟ أليس هو الاستعمار؟ فكيف ندع الصهيونية والاستعمار يجوسان خلال الديار ونحن في مَعْمَعان (١) القتال؟ وأنا أضرب مثلا لم أزل أتتبعه منذ قامت اللجنة التي وكل إليها كتابة تقرير عن فلسطين، ومنذ رفعت قضية مصر والسودان إلى مجلس الأمن.
стр. 497
فمنذ ذلك الحين وأنا أنظر وأتسمع، وأتفرس الوجوه، وأتوسم الشمائل، فإذا هذه اليهود وهذه الأجانب قد خفتت أصواتها، ولانت أخلاقها، وهذبت غطرستها، وحلت لنا ألسنتها، وابتسمت لنا وجوهها. ولم أكن أجهل أن ذلك كله نفاق ورياء وخديعة يظنون أنها تخدعنا عن طوايا قلوبهم. فلما كان من أمر القضية المصرية السودانية ما كان، وظهر من مستور اللجنة المزورة ما ظهر، إذا هذه الأصوات الخافتة قد صارت نعيقًا، وإذا الأخلاق اللينة قد صارت عرامًا، وإذا الغطرسة المهذبة قد انقلبت فجورًا متمردًا، وإذا الألسنة الحلوة قد صارت مرًّا زعاقا (١)، وإذا الوجوه المبتسمة قد شاهت بالتجهم وإذا الشمائل المؤدبة قد صارت عجرفة وطغيانًا، وإذا هذه الخلائق الفاجرة تمشي على أرضنا تيهًا وخيلاء كأنها جنس وحده ونحن عبيده وأذلاؤه، وإذا نظرات الازدراء وكلمات التحقير تقال على مسمع منا ومنظر بلا حياء ولا أدب ولا خلق، وإذا كلمة "عربي" تتردد مرة أخرى على ألسنة هؤلاء الأنذال الجبناء في كل مكان بعد سكوتهم عن النطق بها خوفًا وفزعًا أن يكون قد دنا موعد نصر العرب في قضية فلسطين وقضية مصر والسودان. هذا كله شيء تتبعته أنا ومن أعرف، بلا زيادة ولا دعوى كما تفعل هذه الخبائث من يهود وشذاذ الآفاق.
إنها الحرب المبيرة أيها العرب، فلا تكن يهود التي ضرب الله عليها الذل والمسكنة والتشرد في جنبات الأرض، أحمى منكم أنوفًا وأشد منكم حفاظًا، وأقوى منكم حمية، وأجرأ منكم قلوبًا ولا تكن يهود أيها العرب أشد محافظة على باطلهم منكم على حقكم. واعلموا أيها العرب أن الذي بيننا وبين يهود والذي بيننا وبين الاستعمار دم لا تطير رغوته ولا ينام ثائره، وقد جدت الحرب بكم فجدوا يا أبناء إسماعيل ويا بقية الحنيف إبراهيم، ولا يهولنكم مال اليهود، ولا بطش بريطانيا، ولا مخرقة أمريكا، فإن الحق لله، وكلمة الله هي العليا.
стр. 498
حديث الدولتين
الآن حَصْحَصَ الحق، ولم تبق في نفس ريبة تحجبها عن رؤية الحقيقة سافرة بينة واضحة تكاد تنطق وتقول هأنذا فاعرفوني؛ فهذه بريطانيا أمّ المكر والدسائس قد دخلت أرض فلسطين العربية ليقول قائد جيشها يومئذ حين وطئت قدماه المدنستان هذه الأرض المطهرة: "هذه آخر حرب صليبية"، فكان ذلك إعلانًا عما اعتمل في نفوس أولئك الغزاة من سخائم الحقد والضغينة والعصبية الجاهلية الموروثة، ثم لم تلبث هذه الدولة أن نكثت عهودها للعرب، وكانت قد قطعت هذه العهود على نفسها لتستجر معونة العرب لها في الحرب العالمية الأولى. ولم يكن ذلك فحسب، بل إنها كانت تكيد للعرب من وراء حجاب فقطعت عهدًا آخر يناقض عهودها للعرب، وكان هذا العهد لرجل غير مسئول من الأفاقين الصهيونيين المتعصبين. فلما دخلت فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى أظهرت أنها دولة لا تستطيع أن تنقض عهدها فإن العهد هو شرفها الشامخ الباذخ النقى الطاهر، فمن أجل ذلك أصرت على أن تحمى اليهود الذين جاءوا من أرجاء بلاد الله ليحتلوا أرض فلسطين. وظلت وكالات الأنباء تطمس حق العرب فيما تنشره الصحافة، وتجلو باطل اليهود جلاء منيرًا حتى انخدعت الدنيا كلها بالترهات التي تحوكها هذه الشركات الصهيونية.
وثار العرب يطلبون حقهم ويريدون طرد هؤلاء الدخلاء من أرض الآباء والأجداد، فوقفت بريطانيا تذود عن باطل اليهود فتفتك بالعرب فتكا وحشيًّا، تعذب طلاب الحق وتهينهم وتشردهم لا ترعى حرمة لطفل ولا شيخ ولا امرأة، وضربت الغرامة على القرى والدساكر والبلاد لأهون سبب، وهي في أثناء ذلك ترخى للأفاقين من اليهود وتغريهم بالعرب وتمهد لهم في الحكومة حتى يستولوا
стр. 499
على السلطان، وتحميهم من شر العرب وبأسهم، وتسلطهم على رقاب المسلمين والنصارى أهل فلسطين. وجعلت صحفها وشركات أنبائها تذيع على العالم الأكاذيب، وتصور العرب في صورة المعتدين الباغين، وتسمى الأحرار من أبناء إبراهيم وإسماعيل عصابات ولصوصًا وفتاكا، وترميهم بالبهتان والكذب، وتستر عن العالم كله فظائع ما ترتكبه في حق الأحرار المجاهدين.
وظلت بريطانيا على ذلك الطغيان الفاجر تعمل بالدسيسة والوقيعة والكذب والتغرير، حتى جاءت الحرب العالمية الثانية، فقام الأبالسة من رجال السياسة البريطانية يفتلون في الذروة والغارب (١) من هذه العرب حتى لانوا وانخدعوا بأن بريطانيا سوف تنصفهم وتعطيهم حقهم يوم تضع الحرب أوزارها، وهي في خلال ذلك تجند اليهود في جيوشها وتزودهم بالسلاح وتدخلهم فلسطين وتظهر الكراهة لما تفعل، وتبطن الغدر فيما تريد، فاحتشدت من اليهود جيوش جرارة في فلسطين باسم الديمقراطية والدفاع عنها، وباسم الاضطهاد الذي أنزله النازيون بهم في أوربة، وبغير ذلك من الأسباب الكثيرة التي تعلقت بها السياسة البريطانية.
ووضعت الحرب أوزارها، واشتد ساعد اليهود، وهم أهل المال وحُرّاسه، فأعانوا بريطانيا، ثم لم يلبثوا أن كشفوا القناع في أمريكا وهم فيها القوة الظاهرة في انتخاب رئاسة الجمهورية وأصحاب الشركات والأموال في نواحي الاقتصاد الأمريكي، وهم شياطين الصحافة والمستولون على إعلاناتها وشركات أنبائها ورجال تحريرها، فإذا أمريكا تندفع في طريق الصهيونية غير عابئة بالحق الظاهر، ولا بمصالحها في بلاد العرب، ولا بكرامتها بين الأمم ولا بسمعتها في دواوين التاريخ. وإذا هي أشد بغيًا على العرب من بريطانيا، وإذا صحافتها أشد جلافة من الهمجي الذي لم يهذبه تأديب ولا تثقيف.
стр. 500
هكذا كان أمر بريطانيا وأمر أمريكا، وإذا هيئة الأمم المتحدة ترسل لجنة إلى فلسطين لتضع تقريرًا، وإذا هذا التقرير فجور ليس بعده فجور، ولا عجب فإنها لجنة كانت أول أمرها ضالعة مع اليهود، فقسمت أو أشارت بأن تقسم فلسطين قسمة جائرة بين العرب واليهود. أما العجب العجاب فهو أن نرى بريطانيا العظمى ذات السلطان والبأس والبطش، تذل لعدوان اليهود على جنودها وعلى جلد ضباطها وشنقهم واختطافهم وتعذيبهم، ثم يأتي قرار التقسيم الذي اقترحته اللجنة، فإذا بريطانيا تزعم أنها سوف تجلو عن فلسطين وتدع العرب واليهود لكي يحلوا هذه المشكلة المستعصية على ساسة بريطانيا العظمى أيضًا! ! . . .
فماذا تريد بريطانيا بهذا الانسحاب المفاجئ بعد أن كانت هي سر النكبة التي نزلت بساحة العرب مسلمهم ونصرانيهم في فلسطين وفي سائر بلاد العربية؟ لا جرم أنها تريد أن يقع القتال بين العرب واليهود، وتخرج هي سالمة من هذا الصراع، وهي في خلال ذلك سوف تعطي اليهود من المعونة والسلاح، ويجهد أسطولها خفية في تهريب الأفاقين إلى فلسطين.
أما أمريكا فهي تضحك الثكالى بسياستها في هذه المشكلة، فهي تلجأ إلى هيئة الأمم المتحدة ويقوم مندوبها في اجتماع اللجنة الخاصة ببحث مشكلة فلسطين، ويكشف القناع عن سياسة هذه الدولة المحدثة في السياسة ويقول إن حكومته تؤيد مشروع تقسيم فلسطين، وتؤيد سياسة الهجرة التي اقترحتها لجنة التحقيق في تقريرها، وليس هذا فحسب، بل تتبرع هذه السياسة الأمريكية فتقترح تجنيد قوة دولية من المتطوعين بواسطة هيئة الأمم المتحدة، لكي تتولى الإشراف على تنفيذ قرارات الجمعية العمومية.
فماذا تريد أمريكا بهذا التدخل المفاجئ، بعد أن كانت بمعزل عن الغلو في السياسة الاستعمارية، ولها مصالح كثيرة في بلاد العرب تعمل جاهدة على تثبيتها وتوطيدها؟
لا ريب في أنها تريد أن تحل محل بريطانيا في حمل خبائث الاستعمار بعد أن شاخت أمُّ الخبائث، ولا ريب في أن نفسها تسول لها أن اليهود أهل جد
стр. 501
وعمل وإتقان وأصحاب مال وافر وأنهم إذا تم لهم إقامة دولة يهودية في قلب البلاد العربية، فذلك إيذان باستيلائهم على الميادين الاقتصادية كلها، وأن يهود إذا فعلت ذلك ضمنت لأمريكا الحق الأول في السياسة الاقتصادية في الشرق الأوسط كله. وإذن فأمريكا تريد أن تلتمس أسبابًا للتدخل في مسألة فلسطين، فهي تؤيد اليهود مستهينة بمصالحها في بلاد العرب، لكي يقع القتال بين العرب واليهود، وتنتهز هي الفرصة فتعين اليهود بالمال والسلاح والرجال، ثم تلعب هي وبريطانيا لعبًا خبيثًا في هيئة الأمم المتحدة لكي يجندوا جيشًا دوليًا لتنفيذ مشروع التقسيم بالقوة، ويكون قوام هذا الجيش من أهل العصبية الصهيونية الذين استشرى أمرهم في بلاد أمريكا. ويومئذ تدخل أمريكا الشرق الأوسط كله بصك توقعه لها هيئة الأمم المتحدة - أي سوق الرقيق الدولية.
وإذن فالأمر كما ترى بَيّن كإسفار الصباح، وهو أن هاتين الدولتين الاستعماريتين تتخذان أسلوبين مختلفين في الظاهر متفقين في الباطن، يفضى إلى حمل العرب على قتال يهود. ونِعم ما أرادا.
ونحن العرب نقبل منهما هذا التحريض الخبيث، لأننا نريد أن نقاتل اليهود قتالا لا هوادة فيه، فإن دماءنا ليست أغلى من حريتنا وشرفنا وديننا. ولعل أمريكا قد سمعت لأولئك الأفاقين اليهود الذين يزعمون لها أننا نهدد على غير طائل وإنما هي جعجعة ولا طِحْنَ لها (١)، فآثرت أن تكشف سوءتها وقبيح نيتها للعرب وتصالح اليهود وتتملقهم وتحطب في حبالهم. فلتعلم أمريكا ولتعلم بريطانيا أنا لسنا كاليهود ولسنا كسواهم من الذين يجرؤون لأنهم يحملون أسباب الغدر والخيانة والإبادة، فلو لقوا أعداءهم وجهًا لوجه لفروا واندحروا صاغرين. إن العرب ليريقون دماءهم في سبيل الحرية والشرف والنبل وإن كانت كثرة السلاح مما يعوزهم، وفرق بين النذل الجبان والشريف الشجاع، فهذا يكون أقل السلاح حصنًا له وحافزًا ومحرضًا، وذلك إذا رأى حملة صدق انتثرت نفسه وطار قلبه
стр. 502
وألقى عدته وسلاحه وأغمض في الأرض هاربًا. فهذه يهود وهذا نحن أيها المخدوعون. . .
إن بريطانيا وأمريكا وصحافتها قد استعلنت لنا بأحقادها فلنعلن نحن أحقادنا. وإن يهود قد استغرت بقوتها وبمعونة بريطانيا وأمريكا ومظاهرتها لعدوانها علينا، فلا تأخذنا بعد اليوم رحمة بيهود، فقد رحمناهم يوم اضطهدوا، وآويناهم أيام شردوا، وأفسحنا لهم بلادنا وقد طردتهم الأمم المسيحية القديمة طرد الكلاب الجربى، ولكنهم أنكروا ذلك ونسوه، وعضّوا اليد التي مسحت آلامهم وجروحهم على مر العصور. ونعم ما فعلت يهود، فإنها قد أيقظتنا من غفلتنا، ويسرت لنا أن ننقذ العالم عاجلا أو آجلا من عربدة هذا الجيل الذي طهر الله أسلافه، وصب لعنته على الأخلاف لعنة باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها. . .
стр. 503
بَلْبَلَة
لستُ امرءًا قانطًا ولا متشائمًا ولا يائسًا من خير هذه الأمة العربية، بل لعلني أشد إيمانًا بحقيقة جوهرها وطيب عنصرها وكرم غرائزها، بل لعلني أشد إيغالا في الإيمان بأنها صائرة إلى السؤدد الأعظم والشرف السري والغلبة الظاهرة إن شاء الله، وأنها هي الأمة التي أرصدها بارئ النسم لرد العقل على هذه الإنسانية المجنونة في هذه الحضارة الهوجاء. فالعرب مذ كانوا هم الجوهرة التي أطبقت عليها صحراء الجزيرة، فما زالت تكتمهم في ضميرها وتحنو عليهم وتمنعهم من كل فساد داخل حتى صفا ماؤهم ورق شبابهم وأضاؤوا من جميع نواحيهم. فلما جاءهم محمد بن عبد الله بشيرًا ونذيرًا وهاديًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صار كل رجل من صحابته نجمًا يهتدى به الضال ويأتم به المسدَّد. ويومئذ تمت المعجزة الكبرى في تاريخ العالم، فانطلقت هذه الفئة الصالحة من عباد الله كأنها السيل المتدفع، وكأنها الرياح العاصفة، وكأنها الأشعة المتلألئة، وكأنها قدر الله، فدكّت حصون الروم، وثلّت عروش الفرس، ودوّخت جبابرة الأمم، حتى ورثوا أرض الله وأقاموا فيها الحق والعدل بالميزان والقِسط، وجاءت سلالتهم فجددت حضارة الدنيا، وإذا الذين كانوا بالأمس بداة جفاة غلاظًا فيما يرى الناس من أهل الحضارات السالفة، هم الناس وهم العلم وهم أصحاب الإمرة في كل فن وعلم وسياسة وتدبير ملك. إنها لمعجزة لم يوفها مؤرخ حقها من المجد والقوة والظهور.
فهذا الجيل من عباد الله مطوي على صلاح كثير وخير عميم وقوة خارقة، لا أظن أن الزمن قد ذهب بها ومحقها، فلذلك أراني وملء قلبي الإيمان بأنه سوف ينتهي إلى الغاية التي كتبت له في تاريخ هذه الإنسانية. وعسى أن يكون
стр. 504
زمن ذلك كله قد أتى وأظل، فإني أسمع نشيش الحياة وهي تتخلق في مرجل الوجود وقد أحاطت به النيران المجنونة المتضرمة من كل مكان. ولكن لابد لتحقيق ذلك كله من عمل يتولّاه رجال من هذه الأمة، فينفخون في الضرم حتى تستعر النار الخالدة لتنفي عن هذا الجيل كل خَبث ألمَّ به من أدران الحضارة التي يعيش فيها عالمنا اليوم. غير أني أخشى أن يكون الإهمال والعجلة وقلة المبالاة وأخذ الأمور بالإستخفاف، مما يفضى إلى فوات الفرصة التي أمكنت، ويقضي على هذا الأمل الذي يضئ لنا من بعيد ينادينا إلى ما فيه خيرنا وخير هذا الناس.
ويخيل إليّ أننا نعيش اليوم في عصر بلبلة واختلاط، وهذا شيء قد أصاب أممًا كثيرة من قبلنا، فلم يعقها ذلك عن إدراك الغايات التي حرصت على السعي إليها وعلى بلوغها. بَيْدَ أنه لابد لأمة أرادت أن تخلص من هذه البلبلة أن يتجرد من رجالها ونسائها فئة لا ترهب في الحق سطوة ولا بطشًا ولا اضطهادًا ولا تدخر دون مطلبها جهدًا ولا عزيمة، ولا يثنيها إخفاق، ولا تلفتها فتنة، ولا يصرفها الفرح بقليل تناله عن الكدح في سبيل ما ينبغي أن تناله.
وقد أراد الله لمصر أن تكون في هذا العصر قدوة العرب ومجتمع أمرهم وكعبة قصادهم، وهذه البلبلة في مصر أشد ظهورًا وغلبة منها في غيرها من بلاد العرب، فأخوف ما نخافه أن تظل مصر غافلة عن شر هذه البلبلة فتعدى سائر العرب بالأسوة والقدوة، فينتشر الأمر انتشارًا يعجز المخلصين أن يلموه. فبين ظهرانينا اليوم ألوف من الطلاب العرب قد جاءوا من كل قطر لينهلوا من علم مصر، ويعودوا إلى بلادهم ليجاهدوا في سبيلها، فإذا أعدتهم هذه البلبلة فسوف يحملونها معهم إلى بلادهم فيفرقوا المجتمع من كلمة أممهم، ويرتكس الأمر حتى يصبح ولا علاج له. هذا، وأنت لا تعدم صدى البلبلة في الصحف والكتب والمجلات المصرية التي أخذت تزداد انتشارًا واتساعًا، فكيف لا يخشى أن يعم هذا البلاء كل بلاد العرب ويتغلغل في نواحيها؟ ويومئذ نصبح طعمة للأمم الضارية التي تحيط بنا من كل مكان، وتحد لنا أنيابًا عصلا تنهشنا بها يوم يتاح لها أن تنقض على هذه الفريسة التي لا تدفع عن نفسها.
стр. 505
فمن شر هذه البلبلة، ما ترى من سوء تدبير الأحزاب السياسية المصرية، فهي قائمة على نزاع دائم في سبيل الحكم، يكيد بعضها لبعض، ويأكل بعضها بعضًا، ولا يرعى أحد لأحد حرمة. وتنشيء هذه الأحزاب صحافة يكون هم محرريها للتشهير بمن يخالفهم في الرأي والمذهب، فيدلسون الحقائق، ويكتمون الحق، ويفترون على الناس الكذب، ويلوون ألسنتهم بالحديث ويحرفون أعمال من يعادونهم تحريفًا لئيما مستهجنًا، كل ذلك ابتغاء مرضاة رؤساء الأحزاب وأصحاب الأمر فيها. هذا، على أن هذه الأحزاب قد نشأت أو أنشئت بغير أهداف مُبَيَّنة للناس تعاهدهم على أن تسعى إليها، وبغير برنامج لإصلاح هذه الأمة التي لم تجد لها نصيرًا من أبنائها، وبغير نظام ينفي عن الحزب الدخلاء والملوثين وذوي الأغراض الخبيثة.
ثم يأتي بعد ذلك نوع من الصحافة يتلبس بالورع، ويتظاهر بالتقوى، ويتخشع بالبراءة من التعصب، ويبدي للناس أنه طالب خير للناس، وأنه مريد لنفع هذه الأمة وعامل على ترقيتها وتهذيبها وهو في خلال ذلك يدس لها سمًّا زعافًا ومنية قاتلة، شيئًا فشيئًا ورويدًا رويدًا وساعة بعد ساعة، حتى لا تمجه الألسنة لأول مذاق، ثم إذا بان طعمه شيئًا لم تستنكره، ثم يستمر حتى إذا دام قليلا ألفته وربت عليه، ثم إذا زادته شيئًا لم يكن إلا طيبا مستساغًا، ثم إذا الناس يطلبونه أو يخيل إليهم أنهم يطلبونه لأنه مما يتصل بأدنأ الغرائز الحيوانية والشهوات البهيمية، ويجند لكل هذا الخبث جمع من الكُتاب الذين ضلوا عن حقيقة أنفسهم، وطائفة من الشباب الذين أفسدتهم المدارس الأجنبية والجامعات الغريبة عن هذه الأمة، وهذا الضرب من الصحافة الخبيثة هو البلاء المستطير الذي لم يجد إلى اليوم من يكشف عن طواياه الخبيثة وأساليبه القاتلة، وعن دبيبه في رأي هذه الأمة العربية دبيب الضلالة في قلب الغرير المفتون.
ثم يأتي بعد ذلك كتاب وعلماء ورجال من أصحاب الرأي ليس في قلب أحد منهم تقوى لله ولا خشية للإثم ولا محبة للحق، فيرى أحدهم الرأي الفطير (١)
стр. 506
فلا يلبث أن يمسك القلم فيجري السواد على بياض الورق، فإذا هي مقالة أو كتاب أو رأي أخبث منه صاحبه والناطق به، فيأخذه المبتدئ المتطلع، فيعتقده كأنه لقطة نفيسة بغير تحقيق ولا تمحيص، فإذا سمع رأيًا يخالف ما قرأ لهذا الكاتب البليغ أو الأستاذ الكبير أو الفيلسوف القدير، أنكره وأدبر عنه، فيزيده هذا الإنكار لجاجة، وتزيد اللجاجة عنادًا، ويملأه العناد كبرًا، فيعمى عن الحق وهو بين، ولا يزال يهوى في العناد حتى يصير ذلك عادة في مسألة بعد مسألة ورأي بعد رأي، وإذا هو عند نفسه أكبر من أن يأخذ عن فلان لأنه يخالفه في الرأي.
وتزيد الدولة هذا الأمر ضراوة واستعارًا، فتولى الأمور غير أهلها، وتضع الناس في غير منازلهم، وتكرم فلانًا بإلحاقه بوظيفة كذا لأنه من أشياع الحزب الذي يتولى الحكم، فإذا خافت عليه أن ينتزع من مكانه إذا جاءت وزارة أخرى، ألحقته بعمل لا يقبل العزل. فإذا جاء وزير للمعارف مثلا وله أصحاب مِن شيعته ممن عرفوا بشيء من الأدب ألحقه بالمجمع اللغوي مثلًا تكريمًا له، فيريد هذا الرجل أن يحقق معنى هذا التكريم على ما خيلت، فينبري لإبداء الرأي فيما لا يحسن، ويكشف عن عورة من الجهل لا تستر. وليتها كانت رأيًا بدا له فكان صاحبه الأول، كلا، بل هو يعمد إلى آراء أماتها الذي أمات الخرافات والأساطير فيخيل إليه أنه -وهو الأديب المؤلف الكاتب- مستطيع أن يحيي هذه الرمم البالية برأيه وحجته وحسن معرضه، فكيف تكون مغبة هذا الجهل على شاب ناشيء يقرأ ملفقات السخف المدلس، وليس عنده قدرة على تمحيصه.
ويأتي آخر يلقيه وزير صديق مثلا على كرسي الجامعة ليدرس العلم لطلاب العلم، فإذا هو عازم على أن ينشيء علمًا جديدًا لطلابه، فيبحث في تجاريب عقله عن أشياء يخيل إليه أنها فن جديد وبلاغة جديدة وعلم لم يصل إلى إدراكه سابق ولن يناله لاحق إلا بالتلقي عنه والوقوف بين يديه. ويخرج هذا الأستاذ جيلا من مساكين الطلاب لا يحسنون شيئًا إلا التعصب له والتسمي باسمه والتشبه به في فساد الرأي وقلة العلم وضعف الملكة. ويجتمع منهم ومن شيخهم فئة تتهجم على العلم بغير علم، فإذا أراد أحد أن يقف في سبيلها تناعقت باسم حرية الرأي
стр. 507
وحرمة الجامعة. فكيف تكون العاقبة إذا خرج مثل هؤلاء على الشباب الناشئين بأمثال آرائهم المقيتة الجاهلة، وعلى رأس كل منهم تاج مكتوب عليه "دكتور في الآداب" أو "دكتور في الفلسفة" أو "دكتور في التاريخ"؟ وكيف يسلط هؤلاء على عقول ناشئة العرب، يفتنونهم بالألقاب والأسماء، وبتعاون هذه الفئة المضللة على نصرة بعضهم لبعض؟
فإذا بقى الأمر على ما ترى في أمر زعمائنا، وفي أمر سياستنا، وفي أمر اجتماعنا، وفي أمر أدبنا، وفي أمر صحافتنا، وفي أمر مدارسنا وجامعاتنا: فكيف نرجو أن نصل إلى غايتنا؟ وكيف يتاح لهذه الشعوب العربية الكريمة أن تتأهب للمعركة الفاصلة في تاريخ العرب؟ وكيف تجتمع كلمة العرب على بلوغ الهدف الأعظم، وهو هدف يرمي إلى إنقاذ الإنسانية كلها من ردغة الخبال (١) التي ألقت بها فيها حضارة ضخمة، ولكنها قد حشيت شرًّا كثيرًا وخبثًا؟
ولو شئنا أن نتقصى ظواهر هذه البلبلة في أشياء كثيرة مما يتعرض لها الشعب مرغمًا أو مريدًا أو مخدوعًا لأطلنا، فما من شيء إلا وقد اختلط فيه الأمر على غير هدى. وإذا شئت أن تقدر سوء ما جنينا من شرها، فجالس من شئت من طوائف الشباب وجاذبهم الحديث، واستدرجهم إلى المناقشة في رأي أو علم أو فن، تسمع العجب العاجب من الخلل في موازين الأشياء، والحيرة المطبقة في تقدير ما يقع تحت أبصارهم وأسماعهم، والعجز المضطرب عن ضبط الرأي، والضعف المطلق عن القيام بحق العقل والإدراك. وأكبر من ذلك كله أنهم أصبحوا لا يرون صاحب رأي إلا وهو دونهم، فلا يسلم من انتقاصهم ونقدهم، فإذا صححت لهم وأردت أن تقيمهم على الطريق استكبروا وأعرضوا، فكيف تأتي أنت فتعلم حامل شهادة الحقوق أو الطب أو الأدب أو الفلسفة شيئًا يستيقن هو في نفسه أنه قد فرغ منه وعلمه علمًا ليس بعده إلا العروج إلى سماء الخلود.
وكذلك الأمر في طبقات أخرى من العلماء إلى الأدباء إلى رجال القلم إلى
стр. 508
أصحاب الصناعات إلى عامة الناس. وهذا شيء مخوف مدمر للجهود التي بذلتها طائفة من السلف القريب في تسديد خطى هذا الشعب وترقيته وتهذيبه وتطهيره من الجهل والبلادة والغفلة. وإذا طال ذلك ولم نعالجه في مدارسنا وجامعاتنا وصحافتنا، وفي دور التسلية، وفي أندية المجتمع، فالعاقبة الوخيمة بالمرصاد لمن أهمل وأضاع وترك الأشياء تمضي في غير عنان وعلى غير هدى.
ونحن الآن أحوج ما نكون إلى صحافة جديدة حرة لا تخاف شيئًا ولا تخشى، تدل على مواضع العيب لا للطعن والتشهير وسب هذه الأمة، بل لعلاجها والدفاع عنها ونصرتها على نفسها. ونحن الآن أحوج ما نكون إلى شباب من الكُتاب وشيوخ من المحنكين يخلصون الرأي لهذه الأمة، فلا يدعون الفرصة تفوت ويحملون الشعلة الجديدة إلى الجيل الجديد الذي لم يلوثه العناد والكبرياء واللجاجة والمراء. ونحن الآن أحوج ما نكون إلى طائفة ممن خبروا الحياة وعرفوها ليكونوا شهداء على مدارسنا وجامعاتنا وصحافتنا، تستعين بهم الدولة على نهج جديد يمنع عن جماهير الشباب وطوائف الأمة كل ما نريد هذه البلبلة إيغالا وضراوة.
إن الزمن يمضي مضاء حثيثًا كالنار في الهشيم، فإن شئنا أن نحيي وأن نستعد للذي أعدنا الله له من الظهور في الأرض، وإصلاح ما اختل من شئونها، فعلى كل قادر أن يجمع أمره، وأن يدعو أصحابه، وأن يلم الشعث المتفرق ممن يظن فيهم خيرًا، لكي يتعاونوا جميعًا على رد هذا البلاء بالرفق في مواضع الرفق، وبالبأس في مواضع البأس، وبالبتر حيث لا يجدى شيء إلا البتر بلا هوادة ولا رحمة. . .
стр. 509
لسان السياسة البريطانية
دعت السفارة المصرية في لندن إلى مأدبة عشاء تكريمًا لأعضاء الغرفة التجارية المصرية الإنجليزية، في يوم الخميس ٦ نوفمبر سنة ١٩٤٧، وكان من المدعوين السير ستافورد كريبس وزير التجارة البريطانية، فقام السير ستافورد وألقى على الحاضرين خطبة من أخطر الخطب التي تناولت شئون مصر السياسية والتجارية، وقد نشرت الصحف البريطانية هذه الخطبة في الصدر، وترجمتها أكثر الصحف العربية، ومع ذلك فلم أجد أحدًا علق عليها بما ينبغي أن يقال في تفسيرها وتأويل مراميها.
كان من أول مرامى السير ستافورد أن يبين بأجلى بيان أن "التعاون الثقافي" و"التعاون التجاري" بين مصر وبريطانيا كفيلان بأن ينتهيا على مر الأيام إلى حل النزاع السياسي الناشب بين الدولتين، وهو يرجو أن ينسأ الله في أجله حتى يرى هذا الحل الموفق بين المتنازعين. وقال إن هذا النزاع بين مصر وبريطانيا ليس سوى "خلاف" يسير في تاريخ طويل حافل بعلاقات المودة، وبالذكريات الجميلة بين البلدين فيما يعتقد. وزعم أنه على يقين من أن الصلات التجارية والروابط الثقافية إذا هي سارت على نهج موافق ينفي عنها كل ما يزعج أو يثير الخواطر، فإنه سوف يعيش بإذن الله حتى يرى حلا موفقًا مرضيًا يفض ذلك الخلاف السياسي اليسير، ويومئذ تخرج الدولتان منه وقد أصبحت الصلات التي بينهما أقوى، وأصبحت المودة أصدق، وأصبحت النفوس أسلم. وزعم أيضًا أن هذا الضرب من الصلات والروابط سيظل هو الغالب بين الأمتين على كل خلاف سياسي. ثم امتلأت جوانب هذه الخطبة بإشارات خفية إلى أسلوب بريطانيا في الاستبداد التجاري الذي اعتصرت به الحياة من أمم كثيرة غير مصر والسودان،
стр. 510
وإلى التهديد الملثم بأن بريطانيا مضطرة إلى تحطيم هذا التعاون إذا أصرت مصر على إنفاذ قانون الشركات الذي أصدرته منذ عهد قريب، ثم لم ينس السير ستافورد كريبس الوزير البريطاني عادة قومه في المن الخبيث البغيض المتلفع بالعواطف الإنسانية النبيلة، فزعم أن عطف بريطانيا على مصر في محنة الكوليرا كان مبعثه العطف الإنساني البالغ والرثاء العميق، لا الدافع السياسي أو الحافز التجاري. وفي الخطبة كثير من أمثال هذه التلفيقات العجيبة.
زعم السير ستافورد أن الروابط الثقافية والتجارية كفيلة بحل ما سماه "خلافًا" سياسيًّا، وهو يرمي بهذا إلى تحقير هذا "الخلاف السياسي" الطارئ، لأن تاريخ العلاقات البريطانية المصرية فيما يدعى حافل بعلاقات المودة وبالذكريات الجميلة! ! فهل سمعت أذن بأغرب من هذه الدعوى؟ إن أجمل الذكريات بيننا وبين بريطانيا هو احتلالها أرض مصر والسودان أكثر من خمس وستين سنة، وسعيها الحثيث في فصم عُرَى مصر والسودان فصما لا مجاملة فيه ولا هوادة. إن هذا الخطيب السياسي يعلم أنه يلقى خطبته في دار السفارة المصرية التي دعت لتكريم أعضاء الغرفة التجارية المصرية الإنجليزية، ولكنه يتجاهل هذا ويستهين بالمنزلة السياسية التي ينبغي أن تكفل لدار السفارة المصرية، فيقف ليحط من قدر النزاع السياسي بين مصر والسودان وبريطانيا، ويسميه "خلافًا يسيرًا"، كأن حرية شعب واستقلال أمة ليس شيئًا يقام له وزن بإزاء ما يسميه العلاقات التجارية والروابط الثقافية؟ ونحن نعجب لِمَ سكت رجَال السفارة عن رد هذا التحقير للهدف الأعظم الذي أراقت مصر والسودان في سبيله ما أراقت من دماء، وجادت في سبيله بالأموال والأرواح والأبناء، وصبرت في الجهاد من أجله على مُرّ الحياة وبَأْسائها صبرًا طويلا كله آلام وتباريح؟
إن كل حرف في خطبة السير ستافورد كان كأنه يقهقه ساخرًا من هذا الشعب الذي يريد أن يعيش حرًّا في بلاده، فكيف فات من سمع هذه الخطبة من المصريين أن يقف ليعلم السير ستافورد أن النزاع السياسي بيننا وبين بريطانيا هو الحياة وهو الحرية، وهو الهدف الذي لن تلفتنا عنه مودة نشأت من رابطة ثقافية أو علاقة تجارية؟
стр. 511
ثم ماذا يعني السير ستافورد بقوله إن العلاقات التجارية والروابط الثقافية كفيلة بحل هذا النزاع السياسي؟ إنها كلمة يلقيها وهو يقدّر كل ما وراءها من سياسة بريطانيا في إذلال شعوب الأرض التي وقعت تحت سلطانها الجائر. فعلاقة بريطانيا التجارية بالبلاد الضعيفة هي أن تجعل رؤوس الأموال مستثمرة في البلاد في يد فئة من الخونة أو فئة من الأجانب، وبذلك تضمن لتجارتها ميدانًا هي صاحبة الكلمة الأولى فيه وتضمن أن يكون لهذه الفئة من الخونة أو الأجانب السيادة التامة على الشعب المستذل البائس الفقير الجاهل، وتضمن أن لا تقوم لهذا الشعب قائمة ما دامت هذه الفئة هي صاحبة القوة المدمرة في الحياة، وهي قوة المال، وتضمن أيضًا ناسًا من هؤلاء الخونة وهؤلاء الأجانب يقولون للبلد الفقير الجاهل البائس الذي سُلب قوة المال: لم لا تفعل أنت مثل الذي نفعل؟ وهم يعلمون أنه غير مطيق أن يفعل، لأن قيادة أخطبوط القوة المالية في أيديهم هم لا في يد الشعب المسكين. وليس في الدنيا شيء هو أوضح من هذه السياسة اللئيمة، فإن مصر والسودان كادت في بحر سنوات معدودة أن تكون أقوى دولة على شاطئ البحرين الأبيض والأحمر، وأعظم دولة في إفريقية، وذلك في عهد محمد علي، وأدخلت من ضروب الإصلاح والتدبير في مجتمعها وفي سياستها وفي صناعتها وزراعتها، ما لا غناء في ترديده الآن، فأبت بريطانيا أن ترى دولة قوية تنازعها سيادة الشرق الأوسط، كله، فألبت عليها الدول حتى حطمت أسطولها في نفارين، ثم تخونتها من أطرافها حتى انكمشت في أضيق رقعة، ثم انتهت إلى احتلال مصر والسودان مرة واحدة في سنة ١٨٨٢. ومنذ ذلك اليوم وبريطانيا تدعي أنها جاءت لإصلاح أمرنا، فإذا هذا الإصلاح قاصر على أن تطلق يد الخونة والأجانب في مال مصر وثرواتها، وأن تحرم الشعب المصري من كل خير، وتضطهده وتقاتله بأخبث الأسلحة، ثم تتركه جائعًا عاريًا جاهلا لا يطيق أن يدفع عن نفسه. فأي خير جنيناه من هذه العلاقات التجارية بيننا وبين بريطانيا إلا الذل القاتل والإذلال المهين؟
وما الذي فعلته بريطانيا منذ سنة ١٨٨٢ لهذا اليوم؟ إنها لم تأل جهدًا في
стр. 512
فتح باب الهجرة للأفاقين واللصوص والمجرمين من كل جنس وملة، وأطلقتهم على هذا البلد الأمين يعيثون في أرجائه فسادًا، وحمتهم بامتيازاتها وامتيازات الدول، ويسرت لهم أن يعيشوا عيشة البذخ والرفاهية إلى يوم الناس هذا. وقد ذكر السير ستافورد أن مصر كانت في زمن هذه الحرب الأخيرة "تستمتع برخاء غير طبيعي في عدة وجوه، على حين كانت بريطانيا على النقيض تمامًا، فقد كانت مجبرة على الإتفاق عن سعة في الخارج خلال فترة الحرب، لحماية نفسها وحماية الديمقراطية في العالم"، وهو يعلم أحسن العلم أن هذا الرخاء لم تعرفه مصر ولا المصريون، ولا السودان ولا السودانيون، بل عرفته الجاليات من الأجانب الذين عاشوا في مصر أو الذين وفدوا على مصر. وهو يعلم أحسن العلم أن الذين تسميهم بعض الصحف تندرًا بأغنياء الحرب، وترمز إليهم برجل مصري يلبس لباسًا محدثًا عليه، ليسوا سوى فئة قليلة إذا قيست بالآلاف المؤلفة من الأجانب الذين عقدوا الأموال وجمعوها وصاروا شيئًا بعد أن لم يكونوا إلا حضيضًا موطوءًا، وأنا أعرف مئات من هؤلاء الأجانب كانوا يعيشون قبل الحرب عيشة الكفاف بل عيشة الصعاليك، فإذا كلهم قد أصبحوا من الثروة والعزة بحيث إذا رأيت أحدهم ظننت أنه قوة إلهية تمشي على الأرض المصرية لتستذل هذا الشعب المصري، وكأنها لم توجد ولم تخلق إلا لهذا وحده. وبقى الشعب المصري أسوأ حالا مما كان فيما قبل سنة ١٨٨٢، فما الذي فعلته بريطانيا؟ وما دعواها في إصلاح هذه البلاد؟
وهذا كله بين لكل مصري، وهو أشد بيانًا ووضوحًا في عيني السير ستافورد كريس، ومغالطته قى الحقائق التي يعلمها لا هدف لها إلا أن تدل على أنه سياسي بريطاني حقًّا؟ !
ثم ما هذه الروابط الثقافية التي يرجو أو يزعم أو يحقق السير ستافورد أنها كفيلة بأن تغطي هذا النزاع بين الدولتين: بين الدولة المتغطرسة المستبدة التي تحتل بلادنا، وبين الشعب المسكين الذي ظل خمسًا وستين سنة يجاهد في نيل استقلاله والتمتع بحرية الدولة المستقلة؟ لقد أغنانا السير ستافورد عن طلب الدليل
стр. 513
بأن ذكر عدد الطلاب الذين أكرمت بريطانيا وفادتهم في هذه السنة ففتحت لهم أبواب جامعاتها. ولسنا ندري كيف يرجو السير ستافورد أن يكون هؤلاء الطلبة الذين درسوا في بريطانيا عاملا في حل النزاع السياسي بين مصر وبريطانيا؟ ولكنا نعلم يقينًا أنه ما من شاب نعرفه ذهب إلى بريطانيا وعاد إلى مصر وهو مصري القلب واللسان إلا وهو مظلوم مضطهد في هوة من هوى النسيان، وأنه ما من شاب نعرفه منهم عاد إلى مصر وهو يبرأ منها بلسانه وقلبه وجوارحه إلا كفلته بريطانيا ومهدت له حتى يتبوأ المنزلة التي تنبغى لمثله. ونحن لا نحب أن نسمى أحدًا باسمه، ولكني أعرف أن آلافًا غيري يعرفون أحسن مما أعرف، وعندهم من خبر ذلك أوثق مما عندي. أفهذا هو التعاون الثقافي الذي رمى إليه السير ستافورد؟
لا ريب في أن هذا هو التعاون الثقافي الذي يعنيه، وهو لا يلقى بالا كثيرًا إلى شيء غيره من ضروب التعاون الثقافي لنشر العلم والمعرفة. بل إن بريطانيا نفسها لم تعن منذ دخلت مصر والسودان إلا بهذا الضرب وحده، وما أظن أحدًا يجهل ما كان من أمر البريطانيين يوم دخلوا مصر فمزقوا مدارسها، وعملوا عمل الحريص على نزع كل شيء يفضي إلى تعليم الشعب المصري من يد المصريين، وأصروا على أن يأتوا بداهية من دهاتهم هو دنلوب، ليضع برامج التعليم المصري. فكانت العاقبة أننا بقينا إلى هذا اليوم نرتطم في الأوحال التي قذفنا بها دنلوب، ونعيى عن إصلاح التعليم بعد الذي ابتلى به، وبعد تلك الفئة من الرجال الذين أنشأتهم الثقافة البريطانية وأنشأهم دنلوب على ما يريد وأعطتهم بريطانيا مقاليد التحكم في وزارة المعارف المصرية.
ولم يقف الأمر عند شأن التعليم بعدئذ، بل سار على هذا النهج في كل عمل في الوزارات المصرية، منذ كان وزير الاحتلال مصطفى فهمي باشا إلى هذا اليوم إلا من عصم الله. ومع ذلك فالفساد الذي لحق الإدارة المصرية كلها من جراء هذا الضرب من التعاون الثقافي، قد تغلغل وضرب بجذوره في كل شيء حتى في الاجتماع المصري. وكل هذا بين لا خفاء فيه. ولنا عودة إليه إن شاء الله.
стр. 514
ثم إن تعجب فاعجب لهذا الغضب الرقيق والعقاب الحلو الذي جرى على لسان السير ستافورد كريبس من جراء "تهور" الحكومة المصرية في سن قانون الشركات. إن هذا القانون لا يكاد يعد شيئًا إذا قيس بقوانين الشركات وغير الشركات في بريطانيا نفسها ثم في سائر بلاد العالم، ولكن السير ستافورد يغضب هذا الغضب الرقيق ويعاتبنا هذا العتاب الحلو، لأن هذا القانون ينال شيئًا قليلا من الأجانب الذين يعيشون في مصر. وكيف لا يعاتب ولا يغضب علينا، والأجانب هم الناس، وهم مصر، وهم أصحاب المصالح الحقيقية كما كانت تقول بريطانيا قديمًا.
إن الذي يريده السير ستافورد، أو الذي تريده بريطانيا، شيء واضح هو أنه لا يحل للشعب المصري أن يفكر ساعة واحدة في أن يسن في بلاده قانونًا يقيد حرية الأجانب أو يحد من ضراوتهم وفجورهم، وإلا فعلى هذا الشعب المصري أن يحتمل تبعة هذه الجرأة وهذه الوقاحة التي تدفعه إلى الحد من سلطان سادته وأصحاب الكلمة العليا في بلاده. ولذلك رأينا الصحف البريطانية تغمز وتلمز أيضًا حين صدر قانون إقامة الأجانب في مصر، مع أن مثل هذا القانون في بريطانيا نفسها يجعل الأجنبي يعيش في أرضها وعليه مَلَكانِ يكتبان كل شيء حتى ما توسوس به نفسه. ولكننا لا نستطيع أن نسن في بلادنا قانونًا كقانونهم وإلا فإننا متعصبون يضطهدون الأجانب، وهذا التعصب كفيل بأن يقضى على كل نهضة في بلادنا، وكفيل بأن يزعزع ثقة الأمم فينا، وكفيل بأن يمنع عنا مدد بريطانيا الصالحة التقية الورعة! !
إن هذه الخطبة التي ألقاها السير ستافورد كريبس هي خلاصة موجزة لأسلوب بريطانيا في إذلال الشعوب، وإذلال شعب مصر خاصة، فعسى أن لا يفوت الحكومة المصرية أن توغل في شرحها وتتحسس سائر مراميها، لكي تعرف أن ساعة الجد قد دنت، وأنه ليس بيننا وبين بريطانيا إلا العداوة المكشوفة، وأن علينا أن نعمل رضيت بريطانيا أو أبت، وعلينا أن نصابرها وأن نحتمل الضنك والبأساء في سبيل إنقاذ مصر والسودان من براثن هذا الوحش الضاري.
стр. 515
لبيك يا فلسطين !
لقد عزمت الأمة العفيفة النبيلة الورعة، وهي بريطانيا العظمى بلا مراء، أن ترفع يدها عن فلسطين، وأن تجلو بجنودها عن هذه الأرض المطهرة، وأن تترك الأمر لأصحاب البلاد، هكذا، يصرفونه على ما توجبه مصالحهم! ! وفي هذا الوقت نفسه قامت روسيا السوفيتية الغامضة تؤازر أمريكا الصريحة في صهيونيتها على تقسيم فلسطين تقسيما لا يدري المرء كيف يصفه، أهو حماقة، أم جور، أم صفاقة، أم نذالة مركبة في طبائع الأمم الجشعة؟ ثم رأينا بريطانيا هبت تستنكر هذا الذي تبيته روسيا وأمريكا لفلسطين.
هذا ملخص ما يدور في أمر فلسطين دون تزويق أو تدليس. ونحن لا نريد أن نبخس بريطانيا حقها في هذا الموقف الذي تقفه من مسألة فلسطين، ولكنا أيضًا لا نريد أن نلغى تصرف العقل فنصدق أن هذه الأمة البريطانية تفعل هذا حُبًّا للعرب، وحفاظًا على حريتهم، ورغبة في معونتهم ونصرتهم. فإنها هي التي نفثت في هذه الصهيونية الخبيثة من روحها منذ دخل الرجل الصليبي "ألنبى" أرض الآباء المطهرة، وهي التي ضمنت لهؤلاء الصعاليك إنشاء وطن قومي في فلسطين، وهي التي أغضت عن تسلل هؤلاء اللصوص إلى بلاد ليست لهم، وهم الذين نكَّلوا بالعرب تنكيلا لم يشهد التاريخ أفجر منه ولا ألأمَ أيام ثورة العرب عليهم وعلى جلائهم من اليهود، وهي التي استعانت باليهود في الحرب العالمية الثانية ودربتهم وجندتهم وفتحت لهم أبواب الأرض المقدسة، وهي التي أعانت تهريب اليهود وحمتهم ووقفت تعبث في مراقبة الهجرة اليهودية، وهي التي صبرت على إذلال اليهود لها وعلى جلدهم جنودها وضباطها واغتيالهم وخطفهم واتخاذهم رهائن، هذه بعض فضائل بريطانيا وشيء من نبيل مواقفها في مسألة فلسطين! !
стр. 516
وبعد أن فعلت كل هذا طلبًا للأجر والحسبة من الله خالقهم وخالق الصهيونيين، زعمت أنها ولا شك نافضة يدها من هذا الأمر، وجالية بجنودها عن هذه الأرض، وتاركة الناس أحرارًا يدبرون شئونهم بأيديهم! فكيف يفهم العقل من كل هذا أن بريطانيا تعترض على مسألة التقسيم لأنها تريد خيرًا للعرب، وتحافظ على وعودها لهم، وتعمل على رد شر اليهود ومن يعاونهم عن هذه الأمة المسكينة؟ ! كيف يا شياطين السياسة؟ !
إن لها من وراء كل هذا التنكر للتقسيم أربًا آخر لا ندري ما هو على التحقيق، ولكنا إذا عرضناه على أفاعيل بريطانيا منذ كانت بريطانيا، فلن نعدم الشك في نيتها، ولا الاهتداء إلى موضع الدَّخَل (١) في تصرفها، ولا آيات الكذب في دعواها. وقبل هذا وذاك، لا يستطيع قلب عربي أن يطمئن إلى أن بريطانيا وأمريكا، وهما الدولتان المتعاونتان على الخير والشر، تختلفان في هذه المسألة بعينها، إلا أن يكون اختلافهما تعمية وتدليسًا لشيء هو أجدى عليهما وعلى الصهيونيين اليهود من اتفاقهما! وليكن الأرب المكنون بعد ذلك ما يكون!
ونحن العرب لا نحب أن نلقى إثم هذه الصهيونية الجائرة على أمريكا وروسيا للذي نراه اليوم من موقفهما وتشددهما وحرصهما على تقسيم فلسطين، لا لأنهما أمتان بريئتان، بل لأن الدوافع التي تحملهما على هذا الحرص وهذا التشدد إنما جاءت بعد أن فعلت بريطانيا فعلتها، وأصَّلت لهذه الخبائث أصلا قويًا في الأرض المطهرة، ونزعت من يد العرب كل حول وطَوْل في تصريف شأن بلادهم، وبعد أن تكرمت بريطانيا علي العالم كله بإحداث مشكلة لا حل لها إلا الحل الذي تفصم به كل عقدة خبيثة تستعصي على المحاول.
إننا لا نريد أن نخدع مرة أخرى بنفاق بريطانيا وأكاذيبها وتصنعها لأعين الناس بالبراءة وحب الخير والحرص على الوفاء بالعهود وإنجاز المواعيد، وبريطانيا تريد أن تذهب في أمر فلسطين مذهبًا جديدًا لتكون شهيدًا جديدًا يستنزل العطف
стр. 517
والمحبة من قلوب العرب، وتريد أن تقف هذا الموقف لأنها تريد أن تخدع مصر والسودان، وتخدع سورية ولبنان، وتخدع العراق والباكستان، وتخدع كل ناطق باللسان العربي في مشارق الأرض ومغاربها. ولكننا لن ننخدع مرة أخرى أيها الشهيد الذي استحل دم الأحرار في مشارق الأرض ومغاربها.
هذه بريطانيا، وأما أمريكا، فقد طالما ذهبت فى الدفاع عن الحرية مذهبًا كريمًا، ولكن ذلك شئ كان ثم انقضى، فأمريكا اليوم دولة تصرفها الأحقاد الكثيرة، وعلى رأس هذه الأحقاد إصرارها على التعصب البغيض إصرارًا لا هوادة فيه، حتى فى قلب بلادها. ثم يلي ذلك تحكم اليهود وتسلطهم على رؤوس أموالها، وعلى شركاتها، وعلى مجتمعها، وعلى رجال سياستها. فالشعب الأمريكى اليوم أُلعوبة تلهو بها الصهيونية اليهودية وترفعها وتخفضها كما تشاء، ولسنا نحن الذين نقول هذا، بل هذا ما تقوله فئات من الأحرار الأمريكيين أنفسهم، ولكن هؤلاء الأحرار لا حول لهم ولا طَوْل، لأن كل شيء هناك فى قبضة اليهود، ولأن رئيس الولايات المتحدة، أيًّا كان هذا الرئيس، لا يكاد يصل إلى كرسي الرئاسة إذا خذلته اليهود وأعرضت عنه في الانتخابات، فهو بالاضطرار يدور حيثما داروا به حتى يصير رئيسًا للولايات المتحدة، فإذا صار رئيسًا، فهو في قبضة اليهود أيضا طمعًا وخوفا واضطرارا. وتظن أمريكا، أو يظن ساستها، أنهم إذا ناصروا إنشاء الوطن اليهودي، أو الدولة اليهودية، فهم بذلك سوف يخلصون من قبضة هذا الوحش اليهودي، وأنهم يومئذ قادرون على أن يطردوه من بلادهم ويقولون له: هذه بلادك فاذهب إليها. وهذا تسويل من شياطين اليهود، وباطل من أباطيلهم يدندنون به في آذان هؤلاء الساسة، فاليهود يريدون أن ينشئوا الدولة اليهودية، لا ليسكنوها ويتركوا البلاد التي أكرمتهم وأضافتهم وخلطتهم بأنفسها، كلا بل يريدون بهذه الدولة أن يسيطروا على قلب العالم، وهو الشرق الأوسط، وأن يحتفظوا بسيطرتهم في سائر بلاد الله كما هي، ليكون لهم السلطان في الأرض، والغلبة على الأمم جميعًا مسلمها ونصرانيها، فكلاهما عدو لها، وهي تحمل لهما جميعًا عداوة لا تفتر ولا تموت. والذين يستنكرون
стр. 518
أن يكون هذا هدف اليهود، لم يقرأوا شيئًا من كلام الصهيونيين، ولم يعرفوا أن هؤلاء اليهود يطمعون طمعًا لا يشكون فيه، وهو أن الخلافة في الأرض ستكون لهم، وأن هذا الشعب المختار، هو الذي اختاره الله لسيادة الدنيا واستعباد البشر غير اليهود! فأمريكا مخدوعة هي وساستها، إذا ظنت أنها بمناصرتها لهؤلاء السفاحين اليهود، سوف تكسب شيئًا إلا ذل الحيرة والاضطراب.
وأما روسيا الغامضة، فسلطان اليهود فيها ليس أقل منه في أمريكا، وهم الذين يسولون للروس أنه إذا أنشئت في فلسطين دولة يهودية، وإذا ناصرها الروس حتى تكون، فمعنى ذلك أن روسيا سوف تجد منفذًا لها إلى قلب العالم، أي إلى الشرق الأوسط وأن اليهود لن يخذلوا المذهب الشيوعي، بل سيفسحون لدعاته المكان، ويجعلون فلسطين مأوى لهم وملاذًا وكهفًا، وأن تعاون الروس واليهود سوف يخلص روسيا من سلطان بريطانيا وأمريكا في هذه الرقعة من الأرض، وأن اليهود في حاجة إلى معونة إحدى الدول الكبرى، فإلا تعنهم روسيا وهي أقرب إليهم من أمريكا وبريطانيا، فباضطرار ما يبسطون أيديهم إلى أمريكا وبريطانيا ويعاهدونهما على الخير والشر في التسلط على هذا الشرق الأوسط. وروسيا دولة تصرفها فكرة غالبة كفكرة اليهود هي الاستيلاء على أغنى بقاع الأرض، لتستطيع أن تنشر مذهبها، وأن تتوسل بهذا المذهب إلى هدم الكيان الاجتماعي في الأمم، فإذا تم لها ذلك استطاعت أن تحكم هذه الأمم وتصرفها على ما يشاء لها هواها. فهي يومئذ صاحبة السلطان الأعلى، وهي القوة المدمرة وهي الظافرة في الميدان الاجتماعي والسياسي، وهي يومئذ قد أمنت أن تخشى لبريطانيا العظمى والولايات المتحدة بأسًا أو قوة.
هذا تفسير هذه المشكلة المعقدة التي تريدنا بريطانيا، وتريدنا أمريكا، وتريدنا روسيا، على أن نكون فيها كالشاة المذبوحة لا نألم السلخ. فتبًّا لهم جميعًا، والله المستعان.
بقى شيء آخر لا يخطئه أحد إذا فكر فيه، وهو أن هذه الدول جميعًا تعلم علم اليقين أنها ترتكب جريمة من أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية، جريمة لم
стр. 519
ترتكب مثلها أمة من الأمم المتوحشة فضلا عن الأمم الجاهلة، فضلا عن الأمم المثقفة التي تدعي أنها حارسة الحضارة الإنسانية والقائمة عليها -تلك هي إقحام شعب على شعب آخر ليجليه عن بلاده، وليستذله، وليستعبده. إن هذه الدول جميعًا تعلم أن هؤلاء اليهود هم أبشع خلق الله استبدادًا إذا حكموا، وهي تعلم أنهم خلق قد خلت نفوسهم من كل الشرف والنبل والمروءة، وأنهم خلق تملأ قلبه العداوة والبغضاء والحقد على البشر جميعًا، وأنهم خلق لا يتورع عن شيء قط يرده عن اقتراف أحط الآثام في سبيل ما يريد- إنها تعلم هذا وأكبر منه وأشنع، ومع ذلك فهي تريد أن تطلق هذه الوحوش الضارية من غابات الجهل والعصبية والحقد، لتعيث في هذا الشرق الأوسط كله بفجورها وبغيها وضراوتها، فتهدم ما تهدم، وترتكب ما ترتكب، باسم الحضارة والمدنية والثقافة. . . فيا لها من جريمة! يا لها من جريمة أيتها الأمم الحارسة لتراث الحضارة الإنسانية! !
ثم بقى شيء وراء ذلك كله، ينبغي لكل عربي أن يعلمه، ولاسيما أولئك الذين يتعرضون اليوم لسياسة هذا الشرق العربي، وهذا الشرق الإسلامي كله -هو أن أقدام هذه الدول الثلاث على مناصرة المجرمين الصهيونيين تنطوي على معنى قد استقر في أنفسهم وغلب عليها، وهو احتقارهم للعرب وازدراؤهم لهم ولمدنيتهم ودينهم وحضارتهم واجتماعهم ودولهم وملوكهم، وقديمهم وحديثهم، وأن هذا لبان ارتضعوه منذ كانت الحروب الصليبية، وأن الثقافة والعلم وسهولة اتصال الأمم بعضها ببعض، كل ذلك لم يغير شيئًا من عقائد الصليبية الأولى في هذا الشرق العربي، وكل ذلك لم ينفع شيئًا في نزع السم الذي اختلط بالدماء وجرى في العروق مع نسمات الهواء ومضغات الغذاء. وأنه لولا هذا الداء القديم، وهذه العلة المستعصية، لما ارتضت هذه الدول أن تبدى كل هذه الجرأة على الحق في مشكلة فلسطين، بل لوقفت كما وقفت من قبل في مسألة دانزيج وغيرها مناصرة لحق الناس في الحرية كما تزعم. هذا معنى لا يفوت عربيًا مسلمًا كان أو نصرانيًّا، لأن هذه الدول تتصرف بأحقاد جاهلة عمياء، لا ببصر وتمييز وعدل.
стр. 520
وغاب عن هذه الدول جميعًا شيء واحد، هو أن هذه الأمم التي يصبُّون عليها أحقادهم المرذولة وسَخائمَهم العتيقة، قد لقيت من قبل أشد مما تلقى اليوم، ومع ذلك فقد استطاعت أن تخرج على الدنيا طاهرة نبيلة لا تحمل حقدًا ولا ضغنًا، فانتشلت الحضارة الإنسانية من أوحال الجهل العميق الذي كانت تعيش فيه أوربة وأمريكا وروسيا، ورفعت النار لكل مهتد حتى اهتدى.
إن هذه العرب لا تنام على ذل أبدًا، فلتعلم هذا روسيا، ولتعلمه بريطانيا، ولتعلمه أمريكا، وليعلمه الأفاقون من اليهود.
لقد نادت فلسطين غير نيام، نادت أيقاظًا يحملون بين ضلوعهم تلك الشعلة الخالدة في تاريخ الإنسانية، والتي نحن القوَّام عليها والقائمون بها، والتي نحن لحاملوها حيثما سرنا في الأرض -شعلة الإيمان بالله الواحد القهار- إن كل سلاحٍ سلاحٌ مفلولٌ إذا لقى سلاحنا، لأننا لا نقاتل بالتدمير والخراب، بل بالتعمير والإنشاء ورد الحقوق على أهلها وإن كانوا قد ظلمونا ونكلوا بنا من قبل. ولتعلم هذه الأمم العدو لنا جميعًا أن المعجزة التي كانت يومًا ما، سوف تكون مرة أخرى يوم ننبعث من ظلماء هذه الحوادث سراعًا إلى نجدة أمنا فلسطين، فتنبثق الأرض عن جنود الله القدماء:
عن كل أروَعَ ترتاعُ المنونُ له ... إذا تجرد، لا نِكسٌ ولا جحِدُ (١)
يكاد حين يلاقى القِرْن من حنق ... قبل السِّنان على حوْبائه يرِدُ
قلوا، ولكنهم طابوا، وأنجدهم ... جيش من الصبر لا يفنى له عدد
إذا رأوْا للمنايا عارضًا لبسوا ... من اليقين دُروعًا ما لها زَرَدُ (٢)
هذه ليست خطابة ولا حماسة أيتها الأمم، بل هي الحق، وهي عادتنا وعادة الله فينا، والله غالب على أمركم وأمرنا، ونحن جند الله في الأرض على رغمكم، وإن سخرتم أو كذَّبتم!
стр. 521
فلسطين: ثلاثة رجال
أحب أن أقدم بين يدي كلامي هذا كلمة أو كلمتين لابد منهما: الأولى، أن أبتهل إلى الله أن يبرئ قلوبنا من الجبن والخور والبخل، وأن يؤيدنا بالصبر والقوة، وأن يرفع عنا غضبه ومقته، فقد كتب علينا الجهاد في سبيله بما استطعنا. وأحب لكل كاتب وقارئ أن يتوب إلى الله مما اكتسب من إثم يده أو قلبه أو لسانه، ليتجرد إلى الجهاد وهو طاهر مصمم لا تلفته الدنيا عن الدفاع عن الحق.
والثانية: أني كنت كتبت عن قضايا العرب وعن فلسطين، فكنت لا أزال أذكر الإسلام وأشفعه بذكر نصارى الشرق، لأني أعدهم منا ومن أنفسنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا. وكنت أرى أن نصارى الشام والعراق قد بذلوا من الجهود في قضايا العرب ما صرح عن مكنون أنفسهم وعن إخلاصهم الذي لا يدفع، وأنهم جزء لا يتجزأ من العالم العربي ومن العالم الإسلامي، وكنت أتخوف أن يقف قبط مصر مترددين عن المشاركة الصريحة في جهاد العرب والمسلمين في مسألة فلسطين، ولكني أشهد الله اليوم أن قبط مصر قد ملأوا قلوب العرب والمسلمين غبطة بهم وإكبارًا لهم، وحرصًا على مودتهم حرصًا لن يعمل فيه بعد اليوم دس ولا كيد ولا وقيعة. إنه لا يحل لامرئ مسلم أو عربي بعد اليوم أن يرتاب أو يتشكك في نبل هؤلاء الإخوان الذين نصرونا في ساعة العسرة لا تدفعهم إلى هذه النصرة رغبة ولا رهبة.
وسأسجل في هذه الكلمة مآثر لرجلين من أجل النصارى شأنًا، لأنهما وقَفَا في الجهاد موقفًا يوجب علينا أن نخلد ذكرهما في تاريخ العرب وتاريخ
стр. 522
المسلمين، ولا سبيل إلى جزاء هذين الرجلين إلا بأن نرفع ذكرهما في هذه الساعة وإلى أبد الدهر، لأنهما قطعا السبيل على كل خبيث من شياطين السياسة القذرة التي انبعثت في أوربة وأمريكا، وعلى شياطين اللؤم الصهيوني الدنئ.
أما الأول فهو الشيخ الجليل الصادق غبطة بطريرك الأقباط الأرثوذكس الأنبا يوساب، فقد اجتمع المسلمون والعرب في المسجد الجامع الأزهر في يوم الجمعة ٢٢ المحرم سنة ١٣٦٧، فإذا الناس يفاجأون بمقدم القمص متياس الأنطوني سكرتير غبطته مندوبًا من قبله، ومعه إخوانه من رؤساء الأقباط في مصر، القمص جرجس إبراهيم رئيس الكنيسة القبطية الكبرى، والقمص عبد المسيح سعد، والقمص مرقص غالي. ودخول هؤلاء الأربعة الكرام إلى المسجد الجامع في ساعة الجمعة، ونيابتهم عن غبطة البطريق الأعظم في شهود هذا اليوم المشهود وخطبتهم الناس في هذا المسجد، ومشاركتهم في أكبر مؤتمر إسلامي في مصر، قد دل دلالة صريحة على أن الأنبا يوساب البطريق الأعظم، هو رجل قد نور الله قلبه بالحق، وآتاه من الفطنة والصدق والأمانة في دينه وخلقه ما يجعل عمله هذا أمانة في عنق كل مسلم وعربي، يحميها ويدفع عنها ويعتز بها ويكرم أصحابها في عامة أمورنا وخاصتها. وقد فعل ذلك من تلقاء نفسه غير متردد، فدل ذلك على أنه رجل سياسي مخلص، وعلى أنه يدرك تمام الإدراك كل ما يحيط بهذا الفجور الصهيوني من الخبائث، وعلى أنه يأبى أن يدخل بين أقباط مصر ومسلميها مفسد يبغى الوقيعة.
ومن قبل ما وقف هذا البطريق الأعظم موقفًا رد كيد البريطانيين في نحورهم، وذلك في حادثة الزقازيق التي دبرتها بريطانيا لإفساد ما بين المسلمين والأقباط، فلولا حكمة هذا الرجل النبيل، لكان هذا الحادث البغيض سببًا في اشتعال نار الفتنة التي أشعلت بريطانيا مثلها من قبل لتفرق كلمة الأمة تفريقًا يجعل بعضها لبعض عدوًّا. ونحن نحمد الله إذ جعل في إخواننا القبط رجلًا كهذا الرجل الجليل، يقف حارسًا يقظًا على أمته وأمتنا، يرد عنها كل مكيدة. ومادام في الأقباط هذا الرجل وأمثاله، فالمسلمون والعرب جميعًا لا يبالون بعد اليوم أن
стр. 523
يبذلوا مهجهم في الذود عن إخوانهم، وفي حمايتهم، وفي الدفع عن كل شيء يسوءهم، ما بقى على ظهر هذه الأرض مسلم يؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر. إنه دَين في أعناقنا للقبط، نسأل الله أن يهبنا القدرة على أدائه وإن أَبَوْا هم أن يقبلوا عن هذه المأثرة جزاء.
وأما الرجل الآخر فهو كصاحبه يتلألأ قلبه بنور الإخلاص والإيمان، تكلم فأبان عن نفس حرة أفزعت "اليهود المسئولين في مدينة الإسكندرية" أي يهود مصر، فأقبلت طائفة منهم تريد أن تثني هذا الرجل الجليل عن إذاعة حديثه، فأجابهم بأنه ما قال ما قال إلا وهو يعتقد أنه قول صريح سليم، وليس إقحامًا للدين في السياسة، وأنه يقصد حماية التراث المقدس للمسيحية، وأنه إنما يتكلم عن عقيدة وإيمان بما يقول. ذلكم هو الرجل النبيل غبطة البابا كريستوفورس الثاني بطريرك الإسكندرية وإفريقية للروم الأرثوذكس.
وقد جاء في هذا الحديث أن غبطة البطريق الأعظم للروم قد دهش لإنشاء دولتين في فلسطين، ودهش أيضًا من أن تكون أمريكا والاتحاد السوفيتي هما الداعيتين إلى هذا التقسيم. ثم قال:
"إنه لتزداد دهشتنا أن تعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذه المحاولة الجريئة رغم أحداث التاريخ الدالة على فساد هذه الفكرة وخطرها. ولهم العبرة فيما حاوله الإمبراطور جوليان الروماني. لا ندري كيف فكرتا في وضع الأراضي المسيحية المقدسة في حماية أولئك الذين رغبوا دائمًا، جماعات وأفرادًا، في أن يعيشوا حتى يروا اليوم الذي لا يسمع فيه ذكر للمسيح. وهل يستطيع إنسان أن يتصور اليهود حرسًا وحماة للأمكنة المقدسة. وهم الذين سيعمدون إلى تدنيسها بمجرد السيادة فيها؟
"ونحن نرى أيضًا أنه لا يمكن أن يسمح للفاتيكان أن تكون له السيادة في فلسطين، فإن الحروب الصليبية قد برهنت على فساد هذه الفكرة. ولهذا فإننا نحن الروم الأرثوذكس نرى في حالة إلغاء الانتداب الدولي على الأراضي المقدسة، أو عدم وجود دولة عربية مكان هذا الانتداب، أن تعطي للمسلمين
стр. 524
حماية هذه الأراضي، لأنهم منذ مارسوا حكمها في هذه القرون الطويلة، برهنوا على أنهم جديرون بثقتنا".
وهذا كلام أقل ما يقال عنه إنه كلام رجل مؤرخ عالم بصير لا يدفعه إلى ما يقول هوًى لشيء ولا رهبة لمكروه. فإن غبطة البابا كريستوفورس قد قضى طفولته وشبابه في فلسطين، قد عرف بنفسه شعور اليهود ضد العرب وضد الأرض المقدسة، كما قال متكلم بلسان البطريركية الرومية.
وقد أثبتُّ حديث البطريق الأعظم بتمامه لأنه سوف يصبح وقائله جزءا لا يتجزأ من تاريخ الإسلام، ولأننا نحن المسلمين نحب أن نحمل المنن في أعناقنا فنحافظ عليها ونرعاها وندافع عنها ونجزيها أحسن الجزاء، إن حديث هذا الشيخ الأجل سوف يصير من تاريخنا يرويه أربعمائة مليون عربي ومسلم في مشارق الأرض ومغاربها، وهو حديث يفسر كل ما كنا نقول به من مشايعة الدول الأوربية والأمريكية للصهيونية الفاجرة، قائمة على الصليبية الحمقاء. فهم يحاربوننا حربًا صليبية لا يستثنون فيها مسلمًا ولا نصرانيًّا في الأرض الإسلامية والعربية وقد كان بعض الناس يعيب علينا هذا الرأي، ولكن حديث البطريق الأعظم قد كشف الغطاء عن كل ذلك، ومهد للتاريخ أرضًا جديدة يدرس فيها هذا الصراع بين أهل الشرق العربي الإسلامي من مسلمين ونصارى، وبين الغرب الصليبي من نصارى ويهود. ولكن نصارى الشرق غير نصارى الغرب، فهؤلاء قوم ملئت قلوبهم أحقادًا صليبية مظلمة لا عقل فيها ولا ضمير لها، أما نصارى الشرق فهم يعرفون تمام المعرفة أن نصارى الغرب قوم مفترون جاهلون متعصبون يريدون أن يدنسوا هذه الأرض المقدسة باليهود عداوة للمسلمين غير ناظرين إلا بالعين الصليبية البغيضة، لا بعين الإنصاف والحق كما ينظر نصارى المشرق. وحسبنا هذا البيان من البطريق الأعظم، فإنه حسنة لن ينساها له مسلم إلى أن تقوم الساعة.
وقبل أن أنتهي إلى ذكر الرجل الثالث أحب أن أنبه القارئ، وأنبه قومي العرب في كل مكان، وفي مصر خاصة، إلى أنه ما كاد "يهود مصر" يعلمون
стр. 525
نبأ إذاعة هذا الحديث في الصحف حتى تبادروا إلى غبطته يريدون أن يثنوه عن نشره وإذاعته. فما معنى هذا الذي يفعله اليهود الذين خلعنا نحن عليهم الجنسية المصرية؟ وماذا تقول حكومتنا في هؤلاء القوم الذين يريدون أن يكونوا أعوانًا للصهيونية في قلب بلادنا في هذه الساعة؟ أو يحدث هذا في مصر في الأسبوع الماضي، وإذا بنا نقرأ اليوم (٨ ديسمبر سنة ١٩٤٧) أن الشرطة العراقية ألقت القبض عند الحدود العراقية السورية على ثلاثة يهود عراقيين من موظفي شركة الزيت العراقية ومعهم جهاز إرسال لاسلكي. فما معنى هذا؟ ليعلم اليهود أن العرب لن يقبلوا أن يكون للطابور الخامس عمل في بلادهم.
وننتهي من هذا التعليق لنضم إليه خبر الرجل الثالث الذي ينبغي أن يعرفه العرب والمسلمون، فقد أفضى سيادة حاييم ناحوم أفندي الحاخام الأكبر للطائفة الإسرائيلية في مصر بالتصريح الآتي:
"إني أرى أن مركزي بوصف كوني رئيسًا دينيًّا وروحيَّا لأبناء الطائفة الإسرائيلية، يحول بيني وبين الخوض على صفحات الصحف في أي مناقشات مهما كان نوعها أو الغرض منها. ولكن إزاء كثرة ما وجه إلينا من أسئلة واستفهامات أرى أن واجبي يحتم على أن أتوجه إلى السائلين وإلى جموع الأمة المصرية الكريمة بكلمة أرجو أن تكون حدًّا فاصلا لهذا الموضوع: فأبناء الطائفة الإسرائيلية التي أتشرف برياستهم الدينية هم جزء لا يتجزأ من الأمة المصرية، يشعرون بشعورها ويتألمون لألمها. فكيف إذن يحاول البعض التشكيك في عواطفهم نحو أبناء بلدتهم المصريين. إن دستور البلاد يكفل لنا جميع الحقوق الممنوحة لأبناء مصر الكريمة سواء بسواء، ولذلك فإن واجبنا نحو بلادنا يجعلنا نعمل بشعورنا كمصريين. وقد أصدرت أمري إلى رجال الكنائس الإسرائيلية بإقامة الطقوس الدينية ليعظوا فيها أبناء الطائفة على أن يتضافروا مع إخوانهم المصريين في هذا الظرف العصيب".
ونحن نشكر الحاخام الأكبر، ولكن ليعلم سيادته أنه قبل أن يتوجه إلينا بكلام يكون "حدًّا فاصلا" ينبغي أن يعمل هو وأبناء طائفته عملا يكون "حدًّا
стр. 526
فاصلا"، وهذا مع الأسف لم يحدث قط، وأخشى أن أقول إنه لن يحدث قط. ثم ليأذن لنا سيادته أن نوجه نظره الكريم إلى الذي ذكرناه وذكرته الصحف ولم يستنكره أحد من يهود مصر، وهو ذهاب بعض المسئولين من اليهود في ثغر الإسكندرية كي يثنوا البطريق الأعظم للروم الأرثوذكس عن إذاعة حديثه. أهذا أيضًا إقحام للدين في السياسة.
وليأذن لنا سيادته أن نقول له إننا نعيش في أرض مصر، واليهود يعيشون معنا فيها لا في المريخ، وأننا نعلم علمًا يقينًا أن جمهورًا كبيرًا من شباب اليهود في مصر، يجري بينهم الحديث وبين المصريين، فلا نجد أحدًا منهم يكتم مشايعته لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، بل يفرح بها ويصر على التصريح بأنها خير لبلادنا، وأنه ينبغي علينا نحن العرب أن نعاون على إنشاء هذه الدولة، وأن نعيش معًا في سعادة وأمن ورخاء! ! !
وليأذن لنا سيادته أيضًا أن ننبهه إلى أن هذه الساعة التي جاش فيها العالم الإسلامي والعربي، ليدفع عن فلسطين الجور الذي أرادت هيئة "الأمم المتحدة" التي تصرفها روسيا وأمريكا وبريطانيا، هي ساعة فاصلة في تاريخ العرب والمسلمين ونصارى الشرق جميعًا، وليأذن لنا أن ننبهه أيضًا أن النار المشتعلة الآن تفصح كل الإفصاح عن المعنى الذي ينطوى عليه تقسيم فلسطين، فكيف ذهب عن فطنة سيادته أن يذكر كلمة واحدة صريحة تفصح أيضًا كل الإفصاح عن استنكاره واستنكار طائفته لهذا التقسيم الجائر الذي أرادت أن تفرضه على العرب هيئة الأمم المتحدة؟
وليأذن لنا سيادته أيضا أن ننبهه إلى أن الصهيونية تدعي أنها تتكلم باسم يهود العالم جميعًا، وأن جميع الدلائل إلى اليوم تدل على أن كثرة يهود العالم منضمة إليهم، فما هو الضمان الذي يقدمه لنا سيادته حتى تطمئن قلوبنا إلى أن يهود مصر ليسوا كيهود سائر العالم؟
وليأذن لنا سيادته أيضًا أن ننبهه إلى أن الصهيونية قد أذاعت منذ القديم أنها تريد أن تستولي على أرض إسرائيل كلها من الفرات إلى النيل، وأن هذا مطبوع منشور في كتبهم، وأنه حين ذاع نبأ التقسيم وقف مفلوك صهيوني يستنكر
стр. 527
التقسيم ثم يرضى به على مضض، لأنه الخطوة الأولى التي تفضي إلى استيلائهم على أرض بني إسرائيل كلها من الفرات إلى النيل، وأنا لا أظن أن مثل هذا مما يغيب عن الرجل الفاضل العالم أحد أعضاء المجمع اللغوي العربي (١).
وليأذن لنا سيادته أن نذكره بوصية الله لنا في محكم تنزيله إذ يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فالمسلمون والعرب جميعًا سوف يقاتلون من يقاتلهم من الصهيونيين، أما سائر اليهود فلن يعتدى عليهم مسلم ولا عربي ماداموا في ذمتنا ولا يؤلبون علينا. فهل يأذن سيادته بأن يعلم أن المسألة ليست مسألة سياسية نريد أن نقحم الدين فيها، بل هي مصير العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟ وهل يأذن لنا أن نسأله أن يدفع عن يهود مصر كل شك وريبة بأن يصدر ييانًا صريحًا عن موقف يهود مصر في مسألة التقسيم؟ وهل يأذن لنا سيادته أن نطالبه ونطالب أبناء ملته من يهود مصر بأن يفعلوا فعلا صريحًا واضحًا يدل على أن عواطفهم هي عواطف الأمة المصرية تشعر بشعورها وتتألم بألمها؟ وهل يأذن لنا سيادته أن نقول له إن هذا الذي يجرى الآن ليس "ظرفًا عصبيًا" كما جاء في كلامه، بل هو أوضح من ذلك، هو حرب بيننا وبين يهود العالم وكل من يناصرهم من الأمم، وأنها حرب سوف تستمر إلى أن يستقر الحق في قراره ولو طالت مئة عام؟ أفليس من الحكمة إذن أن يتخلى الحاخام الأعظم عن العزلة التي يريدها لنفسه ويدخل هو وأبناء طائفته في الجهاد الذي كتب علينا نحن العرب من مسلمين ونصارى ويهود لكي ندفع عن بيت المقدس أدناس الصهيونية؟
هذه كلمة مجاهد عربي يتقدم بها إلى الحاخام الأعظم تعليقًا على حديثه الذي سوف يبقى مذكورًا في تاريخ الإسلام والعرب، لم أعمد فيها إلى شرح أشياء أعرفها حق المعرفة، إنتظارا لما يكون من عمل سيادة الحاخام الأكبر. وليعلم سيادته أن الأحداث أسرع من لمحات البرق في السحاب المتراكب،
стр. 528
فليبادر إلى الخير مبادرة من عرف وجه الحق فلم يحجم به عن الجهاد خوف ولا فزع ولا إرهاب. إن عمل الحاخام الأكبر هو "الحد الفاصل" الذي ينتظره اليوم أربعمائة مليون مسلم قد استيقظوا وأدركوا أن يهود العالم قد أعلنوا عليهم الحرب، فلن يخدعهم بعد اليوم شيء عن الطريق الذي سار فيه آباؤهم من قبل، فنصرهم الله وأيدهم وهزم أعداءهم وأعلى كلمتهم وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.
стр. 529
إياكم والمهادنة "ما هكذا تُورَدُ يا سَعْدُ الإبْل ! " (١)
إنما حملت أمانة هذا القلم لأصدع بالحق جهارًا في غير جَمْجَمَة ولا إدهان. ولو عرفت أني أعجز عن حمل هذه الأمانة بحقها لقذفت به إلى حيث يذل العزيز ويمتهن الكريم. وقد قصرت نفسي إلى هذا اليوم على مجلة "الرسالة" لأنها ملاذ الأقلام الحرة التي لا تثنيها عن الحق رهبة، ولا تصدها عن البيان مخافة. وقد جاء اليوم الذي لم يعد يحل فيه لامرئ حر أن يكتم قومه شيئًا يعلم أنه الهدى، فمن كتمه في قلبه فقد طوى جوانحه على جذوة من نار جهنم، تعذبه في الدنيا ويلقى بها في الآخرة أشد العذاب. وأنا جندي من جنود هذه العربية، لو عرفت أني سوف أحمل سيفًا أو سلاحًا أمضى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نذرت على هذا القلم أن لا يكف عن القتال في سبيل العرب ما استطعت أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكانًا أقول فيه الحق وأدعو إليه، لا ينهاني عن الصراحة فيه شيء مما ينهي الناس أو يخدعهم أو يغرر بهم أو يغريهم بباطل من باطل هذه الحياة.
والأمر بيننا وبين يهود سافر كإشراق الصباح لا يغطيه شيء، ولا تعمى عن جلائه عين، فهو الحرب الضارية التي لا ترحم. فمن شك في هذا فإنما يشك عن دَخَل (٢) وفساد لا عن يقين خطأ يلتمس فيه العذر. والحرب معنى معروف
стр. 530
للبشر منذ كانوا على هذه الأرض، ولها أساليب لا يجهلها خبير بها ولا غير خبير، ومَن جهل هذه الأساليب أو تجاهلها أو دعا قومه إلى إطراحها والإغماض عنها فإنما يدعوهم إلى الهلكة والفناء والخزي وذل العصور والآباد. فكل كلمة تقال منذ اليوم في أمر هذه الحرب فهي إما تحريض على القتال، أو تثبيط عنه. وكل امرئ منا محاسب بما يقول علا شأنه أو سفل، فإن الحرب لا تعرف شريفًا ليس لسانه بشريف، ولا تتنكر لمغمور يضئ عنه بيانه أو عمله.
وقد قرأت في هذه الأيام الأخيرة وسمعت كلمات لا يرفعها أو يشفع لها أن يكون قائلها فلان أو فلان. فإن قيادة هذه الحرب لن تكون لمن يهادن في الحق الأبلج (١)، أو يجامل في المحنة المهلكة. فمن ذلك أني سمعت الأئمة على منابر المسلمين تذكر الناس بأمر فلسطين وما حل بها وما يراد فيها، ثم تعقب على ذلك بتذكير الناس بأن في بلادهم مواطنين من يهود -هم كما يقولون- أهل ذمة، لهم ما لأهل الذمة والمعاهدين من الأحكام في ديننا ودين نبينا. وقرأت أيضًا بيانًا من "هيئة وادي النيل" أذاعه رئيسها سعادة محمد على علوبة باشا يقول لنا فيه: "إن لكم مواطنين من اليهود في مصر، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وقد شاعت حولهم شائعات السوء فقيل إنهم يمدون الصهيونية بالمال، وإنهم يضنون بمالهم فلا يساهمون معكم في رد عدوان الباغين. ونحن على يقين من أن إخواننا اليهود في مصر -وهم أصحاب الملايين- سيبذلون من مالهم للعروبة في محنتها كما تبذلون، وسيسارعون إلى تكذيب هذه الشائعات ببذلهم وعطائهم لا بأقوالهم وتصريحاتهم".
ولست أدري ما الذي يحمل هؤلاء القوم على ركوب هذا المركب في تغطية عيون الناس عن أفاعيل يهود منذ كان لهم على هذه الأرض مكان يسرحون فيه؟ فإذا كانوا يريدون أن لا تقع الفتنة بين يهود مصر وبيننا، فكفاهم أن يذكروا أن العرب والمسلمين منذ كانوا لم يضطهدوا هذا الجنس من خلق الله إلا عقابًا