← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فاصلا"، وهذا مع الأسف لم يحدث قط، وأخشى أن أقول إنه لن يحدث قط. ثم ليأذن لنا سيادته أن نوجه نظره الكريم إلى الذي ذكرناه وذكرته الصحف ولم يستنكره أحد من يهود مصر، وهو ذهاب بعض المسئولين من اليهود في ثغر الإسكندرية كي يثنوا البطريق الأعظم للروم الأرثوذكس عن إذاعة حديثه. أهذا أيضًا إقحام للدين في السياسة. وليأذن لنا سيادته أن نقول له إننا نعيش في أرض مصر، واليهود يعيشون معنا فيها لا في المريخ، وأننا نعلم علمًا يقينًا أن جمهورًا كبيرًا من شباب اليهود في مصر، يجري بينهم الحديث وبين المصريين، فلا نجد أحدًا منهم يكتم مشايعته لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، بل يفرح بها ويصر على التصريح بأنها خير لبلادنا، وأنه ينبغي علينا نحن العرب أن نعاون على إنشاء هذه الدولة، وأن نعيش معًا في سعادة وأمن ورخاء! ! ! وليأذن لنا سيادته أيضًا أن ننبهه إلى أن هذه الساعة التي جاش فيها العالم الإسلامي والعربي، ليدفع عن فلسطين الجور الذي أرادت هيئة "الأمم المتحدة" التي تصرفها روسيا وأمريكا وبريطانيا، هي ساعة فاصلة في تاريخ العرب والمسلمين ونصارى الشرق جميعًا، وليأذن لنا أن ننبهه أيضًا أن النار المشتعلة الآن تفصح كل الإفصاح عن المعنى الذي ينطوى عليه تقسيم فلسطين، فكيف ذهب عن فطنة سيادته أن يذكر كلمة واحدة صريحة تفصح أيضًا كل الإفصاح عن استنكاره واستنكار طائفته لهذا التقسيم الجائر الذي أرادت أن تفرضه على العرب هيئة الأمم المتحدة؟ وليأذن لنا سيادته أيضا أن ننبهه إلى أن الصهيونية تدعي أنها تتكلم باسم يهود العالم جميعًا، وأن جميع الدلائل إلى اليوم تدل على أن كثرة يهود العالم منضمة إليهم، فما هو الضمان الذي يقدمه لنا سيادته حتى تطمئن قلوبنا إلى أن يهود مصر ليسوا كيهود سائر العالم؟ وليأذن لنا سيادته أيضًا أن ننبهه إلى أن الصهيونية قد أذاعت منذ القديم أنها تريد أن تستولي على أرض إسرائيل كلها من الفرات إلى النيل، وأن هذا مطبوع منشور في كتبهم، وأنه حين ذاع نبأ التقسيم وقف مفلوك صهيوني يستنكر

стр. 527

التقسيم ثم يرضى به على مضض، لأنه الخطوة الأولى التي تفضي إلى استيلائهم على أرض بني إسرائيل كلها من الفرات إلى النيل، وأنا لا أظن أن مثل هذا مما يغيب عن الرجل الفاضل العالم أحد أعضاء المجمع اللغوي العربي (١). وليأذن لنا سيادته أن نذكره بوصية الله لنا في محكم تنزيله إذ يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فالمسلمون والعرب جميعًا سوف يقاتلون من يقاتلهم من الصهيونيين، أما سائر اليهود فلن يعتدى عليهم مسلم ولا عربي ماداموا في ذمتنا ولا يؤلبون علينا. فهل يأذن سيادته بأن يعلم أن المسألة ليست مسألة سياسية نريد أن نقحم الدين فيها، بل هي مصير العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟ وهل يأذن لنا أن نسأله أن يدفع عن يهود مصر كل شك وريبة بأن يصدر ييانًا صريحًا عن موقف يهود مصر في مسألة التقسيم؟ وهل يأذن لنا سيادته أن نطالبه ونطالب أبناء ملته من يهود مصر بأن يفعلوا فعلا صريحًا واضحًا يدل على أن عواطفهم هي عواطف الأمة المصرية تشعر بشعورها وتتألم بألمها؟ وهل يأذن لنا سيادته أن نقول له إن هذا الذي يجرى الآن ليس "ظرفًا عصبيًا" كما جاء في كلامه، بل هو أوضح من ذلك، هو حرب بيننا وبين يهود العالم وكل من يناصرهم من الأمم، وأنها حرب سوف تستمر إلى أن يستقر الحق في قراره ولو طالت مئة عام؟ أفليس من الحكمة إذن أن يتخلى الحاخام الأعظم عن العزلة التي يريدها لنفسه ويدخل هو وأبناء طائفته في الجهاد الذي كتب علينا نحن العرب من مسلمين ونصارى ويهود لكي ندفع عن بيت المقدس أدناس الصهيونية؟ هذه كلمة مجاهد عربي يتقدم بها إلى الحاخام الأعظم تعليقًا على حديثه الذي سوف يبقى مذكورًا في تاريخ الإسلام والعرب، لم أعمد فيها إلى شرح أشياء أعرفها حق المعرفة، إنتظارا لما يكون من عمل سيادة الحاخام الأكبر. وليعلم سيادته أن الأحداث أسرع من لمحات البرق في السحاب المتراكب،

стр. 528

فليبادر إلى الخير مبادرة من عرف وجه الحق فلم يحجم به عن الجهاد خوف ولا فزع ولا إرهاب. إن عمل الحاخام الأكبر هو "الحد الفاصل" الذي ينتظره اليوم أربعمائة مليون مسلم قد استيقظوا وأدركوا أن يهود العالم قد أعلنوا عليهم الحرب، فلن يخدعهم بعد اليوم شيء عن الطريق الذي سار فيه آباؤهم من قبل، فنصرهم الله وأيدهم وهزم أعداءهم وأعلى كلمتهم وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.

стр. 529

إياكم والمهادنة "ما هكذا تُورَدُ يا سَعْدُ الإبْل ! " (١) إنما حملت أمانة هذا القلم لأصدع بالحق جهارًا في غير جَمْجَمَة ولا إدهان. ولو عرفت أني أعجز عن حمل هذه الأمانة بحقها لقذفت به إلى حيث يذل العزيز ويمتهن الكريم. وقد قصرت نفسي إلى هذا اليوم على مجلة "الرسالة" لأنها ملاذ الأقلام الحرة التي لا تثنيها عن الحق رهبة، ولا تصدها عن البيان مخافة. وقد جاء اليوم الذي لم يعد يحل فيه لامرئ حر أن يكتم قومه شيئًا يعلم أنه الهدى، فمن كتمه في قلبه فقد طوى جوانحه على جذوة من نار جهنم، تعذبه في الدنيا ويلقى بها في الآخرة أشد العذاب. وأنا جندي من جنود هذه العربية، لو عرفت أني سوف أحمل سيفًا أو سلاحًا أمضى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نذرت على هذا القلم أن لا يكف عن القتال في سبيل العرب ما استطعت أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكانًا أقول فيه الحق وأدعو إليه، لا ينهاني عن الصراحة فيه شيء مما ينهي الناس أو يخدعهم أو يغرر بهم أو يغريهم بباطل من باطل هذه الحياة. والأمر بيننا وبين يهود سافر كإشراق الصباح لا يغطيه شيء، ولا تعمى عن جلائه عين، فهو الحرب الضارية التي لا ترحم. فمن شك في هذا فإنما يشك عن دَخَل (٢) وفساد لا عن يقين خطأ يلتمس فيه العذر. والحرب معنى معروف

стр. 530

للبشر منذ كانوا على هذه الأرض، ولها أساليب لا يجهلها خبير بها ولا غير خبير، ومَن جهل هذه الأساليب أو تجاهلها أو دعا قومه إلى إطراحها والإغماض عنها فإنما يدعوهم إلى الهلكة والفناء والخزي وذل العصور والآباد. فكل كلمة تقال منذ اليوم في أمر هذه الحرب فهي إما تحريض على القتال، أو تثبيط عنه. وكل امرئ منا محاسب بما يقول علا شأنه أو سفل، فإن الحرب لا تعرف شريفًا ليس لسانه بشريف، ولا تتنكر لمغمور يضئ عنه بيانه أو عمله. وقد قرأت في هذه الأيام الأخيرة وسمعت كلمات لا يرفعها أو يشفع لها أن يكون قائلها فلان أو فلان. فإن قيادة هذه الحرب لن تكون لمن يهادن في الحق الأبلج (١)، أو يجامل في المحنة المهلكة. فمن ذلك أني سمعت الأئمة على منابر المسلمين تذكر الناس بأمر فلسطين وما حل بها وما يراد فيها، ثم تعقب على ذلك بتذكير الناس بأن في بلادهم مواطنين من يهود -هم كما يقولون- أهل ذمة، لهم ما لأهل الذمة والمعاهدين من الأحكام في ديننا ودين نبينا. وقرأت أيضًا بيانًا من "هيئة وادي النيل" أذاعه رئيسها سعادة محمد على علوبة باشا يقول لنا فيه: "إن لكم مواطنين من اليهود في مصر، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وقد شاعت حولهم شائعات السوء فقيل إنهم يمدون الصهيونية بالمال، وإنهم يضنون بمالهم فلا يساهمون معكم في رد عدوان الباغين. ونحن على يقين من أن إخواننا اليهود في مصر -وهم أصحاب الملايين- سيبذلون من مالهم للعروبة في محنتها كما تبذلون، وسيسارعون إلى تكذيب هذه الشائعات ببذلهم وعطائهم لا بأقوالهم وتصريحاتهم". ولست أدري ما الذي يحمل هؤلاء القوم على ركوب هذا المركب في تغطية عيون الناس عن أفاعيل يهود منذ كان لهم على هذه الأرض مكان يسرحون فيه؟ فإذا كانوا يريدون أن لا تقع الفتنة بين يهود مصر وبيننا، فكفاهم أن يذكروا أن العرب والمسلمين منذ كانوا لم يضطهدوا هذا الجنس من خلق الله إلا عقابًا

стр. 531

لشيء جنته أيديهم، ثم يتركونهم وادعين لا يمسهم شر ولا عنت تحت ظل هذه الدول العربية والإسلامية. وإذا كانوا يريدون أن يفتوا الناس بأن يهود هم أهل ذمة لهم ما لأهل الذمة في أحكام الإسلام، فقد أخطأوا. ولا يستطيع متأول أن يتأول على دين الله أن هؤلاء اليهود أهل ذمة أو معاهدون كما توجب أحكام الإسلام لمن يوصف بهذه الصفة. وكان حسب هؤلاء أن يأمروا الناس بالتطوع للقتال والتبرع بالمال، وأن يصفوا لهم هذه الحرب الملعونة التي تشنها علينا العصبية الصليبية من أوربة وأمريكا، وأن ينفضوا قلوب الناس حتى يبتدروا مراكزهم في صفوف المقاتلين، فإن الحرب كما يقولون جدها جد وهزلها جد. فإذا كان هذا العبث مقبولا يومًا ما، فإنه اليوم فت في عضد الأمة المسكينة التي أحاطت بها الأمم لتأكلها "أكل الضروس حلت له أكلاؤه" (١). فليقلع هؤلاء الواعظون عن عظة فيها الهلاك لأقوامهم، والذل لأبنائهم، والعبودية لبلادهم. أما النداء الذي أذاعه علوبة باشا فقد أفزع كل حريص على خير أمته وبلاده. وكيف لا يفزع امرؤ يقرأ نداء موجهًا إلى عامة الشعوب العربية ثم شعب مصر خاصة وفيه هذه الثقة المطلقة بأن اليهود برآء من كل قادحة تقدح في إخلاصهم للقضية العربية! ! وفيه هذا اليقين الذي لا يتزلزل بأنهم سوف يجودون بأموالهم وأنفسهم في سبيل فلسطين العربية! ! ويأتي هذا البيان من رجل معروف الاسم، مشتغل بالقضايا السياسية والوطنية والعربية، ينظر إليه الشباب نظرة التوقير والإجلال لما يقول. ونحن لا ندري هل وقف على شيء غاب عن الناس جميعًا وعرفه هو، فاستيقن أن ظاهر أمر يهود مصر غير باطنهم، وأنهم إنما يرسلون الأموال إلى الصهيونية ذرًّا للرماد في عيون الناس، وأنهم يتولون تهريب الأسلحة إلى الصهيونية رحمة بالعرب ودفاعًا عن قضيتهم، وأنهم يجمعون الشبان اليهود ليبثوا فيهم الدعوة إلى الهجرة إلى أرض الميعاد، ليدخلوا فلسطين ويكونوا عونا للعرب على إخوانهم من اليهود الصهيونيين! !

стр. 532

حسبكم أيها الساسة القدماء! لئن ظننتم أنكم بأمثال هذا الكلام تستطيعون أن تلينوا الصخر من قلوب يهود مصر حتى ينحازوا إليكم، ويكونوا لكم أعوانًا على أبناء جلدتهم، فقد خاب ظنكم وخاض بكم الأباطيل المركومة. إنه ما من يهودي على ظهر هذه البسيطة إلا وهو صهيوني متعصب يخفي تحت ذلته ومسكنته غوائل الغدر والفتك. إن يهود العالم على قلب رجل واحد: يريدون أن يلتهموا هذا الشرق العربي كله، ويكونوا سادته وكبراءه والحاكمين بأمرهم في كل ثنية من ثنايا أرضه. لا نقول لكم اقرأوا كتب الصهيونية لتعلموا، بل اقرأوا كتابهم الذي يدينون به، واسترقوا السمع فيما يجرى على ألسنتهم وهم يتخافتون بينهم، وادخلوا بِيَعَهم، وانظروا في وجوههم، وتفرسوا في سمتهم وشمائلهم وحركاتهم، فيومئذ تعلمون أن تحت هذه الصفحة البريئة المتلألئة أخطبوطًا سفاحًا قد قتله الظمأ إلى دمائكم ولوَّعه الشوق إلى فرائس أموالكم وبلادكم. وليس بسياسي من لم يعرف عدوه معرفته بنفسه التي بين جنبيه. وليس بسياسي من كتم هذه المعرفة عن قومه في ساعة القتال والحرب. ولا تظنوا أن يهود تنخدع لكم عن أنفسها حتى تنالوا منها شيئًا تعلم أنه خذلان لدينها وعقائدها وأهوائها ومطامعها منذ كان لهم في هذه الأرض مجال يتحركون فيه. إن الذين نشروا هذا النداء إنما يخادعون أنفسهم وأهليهم عن حقائق ما يجرى على أعينهم وبمنظر منهم ومسمع؛ وهذه صحف تنشر كل يوم من خبائث يهود في أرض مصر ما يفزع، وتضع أيديكم على الجريمة وهي تنشأ في قلب بلادكم، فكيف يتاح لكم أن توفقوا بين ثقتكم بغيب مكنون في قلب اليهود، وظاهر يأتيكم من أفعالهم علانية غير مستور أو محجوب؟ نحن لا نريدكم أن تحرضوا الناس على الفتك باليهود، فالعربي أنبل نفسًا من أن يفتك ويغدر. بل نريدكم أن تدعوا هذه العظات والسياسات المتعفنة جانبًا، وأن تلقوا إلى قومكم بالحقائق مجردة من كل مهادنة أو مراوغة، حتى يعلم شباب العرب أن في قلب بلادهم قوي يخشى أن تغلب عليهم وتنتزع منهم أمرهم، وتفت في محصدات (١)

стр. 533

عزائمهم، ولتستولى على الأمد (١) قبل أن نطيق نحن صدقًا أو عدلا فيما كتب علينا من هذا القتال المر. أيريد أن يعلم من كتب هذا النداء أشياء قد غابت عنه؟ فليعلم أن يهود مصر يبذلون اليوم آلافًا مؤلفة من الأموال لشراء قطع متجاورات من الأرض في مشارف مصر، يدفعون فيها من المال ثلاثة أضعاف ثمنها أو أكثر. وليعلم هؤلاء أن يهود مصر قد فرغوا منذ عشر سنوات من الاستيلاء على تجارة الجملة كلها في أرض مصر. وليعلم هؤلاء أن هذه الفئة القليلة من يهود قد استطاعت في زمن الحرب أن تتغلغل في نواح كثيرة من أعمال لم يكن ليهود مصر بها عهد. وما من شيء من هذا كله إلا وهم يأتونه على هدى وبصيرة وتدبير محكم، ناظرين إلى شيء واحد، هو أن الدولة اليهودية سوف تكون في فلسطين، وأنهم يومئذ مطالبون بأشياء يؤدونها لدولتهم، وهي أشياء مفهومة معروفة، الغرض منها أن تخفق راية يهود على هذه البقعة من الأرض ممتدة من شاطئ الفرات إلى ضفاف النيل. أيها الناس لا تستهينوا بأمر يهود! انظروا ماذا كان من أمرهم منذ عشرين سنة، ثم انظروا إلى خبرهم اليوم، من كان يظن أن لليهود شأنًا أو خطرًا في هذه الدنيا منذ عشرين سنة، إلا من هدى الله؟ ثم انظروا اليوم إلى هذه الفئة القليلة من سكان هذه الأرض كيف استطاعت أن تغلب على عقول الأمم والساسة، وأن تغطى على الحق وهو مشرق كعين الشمس، وأن تدفع أكبر دولة في الأرض وهي أمريكا إلى ارتكاب أبشع جريمة في تاريخ الإنسانية، وأن تدلس على الرأي العالمى كله حقائق هذه الجريمة، وأن تشترى بأموالها القلوب والأمم والناس والأفراد. انظروا إلى هذا كله قبل أن تتكلموا، واتقوا غضب الله قبل أن تزل ألسنتكم بالوعظ المهلك لأنفسكم وأهليكم. ألا تخافون أن تكون هذه القوة المدمرة التي ذكرتموها في ندائكم -قوة أصحاب الملايين- وسيلة لتسلط يهود يومًا ما على ساستكم ورجالكم وحكوماتكم، وأن تكون تهديدًا لكم ولأممكم بالمجاعات والاضطرابات

стр. 534

الاقتصادية والسياسية، وأن تكون أسلوبًا من أساليب تأليب الأمم عليكم في هذه المحنة حتى تعطوا المقادة ليهود وأنتم صاغرون؟ أيها الساسة لا تستهينوا، فمن استهان بعدوه فقد فرط، ومن استهان بعدوه فقد مكنه من مقاتله، ومن استهان بعدوه فقد منحه فرصة للفتك به. واعلموا أنها الحرب بيننا وبين يهود. والحرب لا تلهو. وهذه الفئات التي تقيم في أوطان العرب من اليهود سوف تكون يومًا ما "طابورًا خامسًا"، بل هي اليوم كذلك. واعلموا أن اليهود قد مرنوا على أساليب التجسس وتحسس الأخبار في هذه الحرب، وأنهم كانوا أعوانا للأمم المقاتلة في حرب الأعصاب، وأنهم قوم مردوا على النفاق منذ قديم الآزال، فكيف تأمنون جانبهم، وتطالبون قومكم أن يأمنوا جانبهم؟ ثم أراكم تدعون يهود للتبرع بأموالها في سبيل قضية العرب، بل أن يبذلوا أموالهم لتقاتلوا بها أهلهم وعشيرتهم، فبئس الشيء تطلبون. إن أول ما في هذا الجهل بالطبيعة البشرية، ثم غاية الجهل بطيعة هذه الفئة من يهود التي ظلت أكثر من ألفي سنة تنطوى على نفسها، وتحافظ على روابطها، وتجعل دينها هو قوميتها ووطنها، لا وطن لها ولا قومية إلا اليهودية صرفًا خالصة لا تشوبها شائبة من محبة وطن له أرض وسماء، إلا أرض الميعاد -إلا فلسطين- إلا أرض إسرائيل من شاطئ الفرات إلى ضفاف النيل. ثم ألا تخافون أن يتبرع لكم هؤلاء اليهود بآلاف من أموالهم أو أموالنا على الأصح، يخادعونكم بها ثم يهربون إلى قومهم الملايين، يعينون بها عليكم، ويكسبون بها غفلتكم عنهم وعن حركاتهم وأعمالهم ودسائسهم في قلب بلادكم؟ أيها الساسة اطلبوا سياسة أخرى غير هذه تكفيكم شر يهود. إننا لا نريد منهم مالا، ولا نريد منهم حبًّا للأوطان التي أظلتهم وحمتهم، ولا نريد منهم رجالا يقاتلون في صفوفنا، وإن ديننا لينهانا عن أن نقبل منهم شيئًا، اطلبوا أيها الناس سياسة أخرى تضمن لكم أن تعرفوا خبء يهود، وأن تصطنعوا من الأسباب ما يكفل لكم قطع أيديهم وألسنتهم عن التدسس والتجسس والمكيدة والغدر. لا تأمروا الناس بالفتك بهم، بل نحن العرب نحمى الذمار حتى عدونا نحمى ذماره، ولكن دبروا

стр. 535

أمركم وسنوا من القوانين ما ينهي يهود الأوطان العربية عن الغدر بهذه الأوطان التي حمتهم وهم مشردون مضطهدون قد مزقهم الناس كل ممزق. إن العالم العربي اليوم قد استيقظ من غفوة طالت، وهو اليوم لا يسمع للساسة القدماء إلا كما يستمع المقاتل البطل إلى صيحات الجبان المذعور، فليعلم هؤلاء أنه أولى بهم أن يمنحوا الشباب من حكمتهم وتجاريبهم وعقلهم ما يهديهم ويقويهم، لا أن يعظوهم بالمواعظ التي تحفر تحت أقدامهم هوة مظلمة بعيدة القعر ليس يسمع في أرجائها إلا هماهم الموت وهو يدب والغًا في دم أو منشبًا مخالبه في فريسة. ارحموا الناس وارحموا أنفسكم أيها الرجال.

стр. 536

ويحكم هبُّوا ! أيتها العرب! أيها المسلمون! إنكم لا تُغْلَبون اليوم عن قلة، ولئن كتب الله عليكم أن تُغْلَبوا فإنما تغلبون بإثم ما اقترفت نفوسكم، وما اجترحت أيديكم، وما فرطت عقولكم، وما نسيت قلوبكم، وما أضعتم من حق تؤدونه لأنفسكم وأسلافكم وذريتكم، ووالله ما أراكم تغلبون عن جهالة، فقد وهبكم الله عقولا راجحة، ونفوسًا حرة، وعزائم قد أذلت لكم أعناق الأمم منذ كان لكم في الأرض شأن يذكر. وإن الله مبتليكم بمحنة لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصة، بل هي محنة لعامتكم وخاصتكم في نواحي الأرض، فإن أحكمتم الرأي وصدقتم العزم، وعرفتم عدوكم من صديقكم -ولا أرى لكم في هذه الدنيا صديقًا- فقد آن لكم أن تنهجوا للبشرية منهجًا مستقيما وصراطًا سويًّا. فلا تقولوا إنما نحن ضعفاء، فالضعيف من ظن في نفسه الضعف وان كان أقوى الأقوياء، ولا تقولوا إنما نحن جهلاء، فالجاهل من استهزأ بالعلم وتهاون في طلبه وإن كان أعلم العلماء، ولا تقولوا إنما نحن فقراء، فالفقير من جهل أن الله قد آتاه العزم والجلد والعقل، وإن كان أغنى الأغنياء. فاصدقوا أنفسكم وثقوا بالله الذي امتحنكم بهذه المحنة، فإنه ناصركم على عدوكم، ومخرج لكم من خبء أنفسكم خيرًا كثيرًا قد غاب عنكم وعن الناس دهرًا طويلا. وإياكم والخوف، فإنه الآفَةُ الملتهمة، وما استشعر الخوف عزيز إلا ذَلَّ، ولا قَوِىٌّ إلا خار، ولا أَبِىٌّ إلا تضرع لكل خسف يراد به. انظروا! فهذه فلسطين قد اجتمعت الأمم على أن تمكن فيها لأنذال يهود مكانًا يتبوأه طغاة المال وطواغيت الفجور وأبالسة الشر، وقد أخذوا يمدونهم بالمال والسلاح ليقهروكم وتكون لهم الكبرياء في هذه الأرض.

стр. 537

وانظروا! فهذه دولة الباكستان قد اجتمعت فيها كلمة المسلمين على أن يكونوا أمة عدتها مئة مليون، فإذا عباد البُدِّ (١) (بوذا) قد دمروا عليهم من كل مكان يذبحونهم ويقتلونهم ويفتكون بالنساء والأطفال، ويهتكون أعراض الحرائر، ويدخلون على المصلين في مساجدهم فيضعون السيوف في رقابهم والخناجر في ظهورهم، ويغتالون الآلاف من الآمنين، والدنيا كلها تسمع وتبصر، فلا تجد فيهم منكرًا ولا مستبشعًا ولا معترضًا على ضراوة عباد البُدّ. وانظروا! فهذه أندونيسيا تُجْمِع هيئة الأمم المتحدة على تركها فريسة للطغاة البغاة من شرذمة الخلق الذين يسمون بالهولنديين. ويزعمون لكم أن مجلس الأمن قد أمر بوقف القتال، فإذا هولندة تضرب صفحًا عن حكم هذا المجلس، وتوغل في تقتيل هؤلاء المساكين بالنذالة المعهودة في المستعمرين الذين لا يفرقون شيئًا بين هؤلاء البشر وحيوان الغاب، بل لعلهم بحيوان الغاب أرحم، وعليه أحرص، إبقاء على جلده أو فروه مما يرتفقون (٢) به في صناعة أو تجارة. وانظروا! هذه بلاد المغرب من حدود مصر إلى أطراف المغرب الأقصى قد ضربت عليها فرنسا بالأسداد، وحمت عنها كل بارقة من خير، وسامت أهلها عذاب التقتيل والاضطهاد، وسلبتهم كل قوة تتيح لهؤلاء الأبطال الصناديد أن يعيشوا في بلادهم عيشة الكفاف، وشردت كل من دعا قومه إلى المطالبة بالحق المغصوب، وأراغت (٣) أن تجعل هذه البلاد الشريفة ذيلا ملحقًا بالجمهورية الفرنسية. وانظروا فهذه مصر والسودان قد فغر لها الوحش البريطاني فاهُ يريد أن يقضم السودان قضمة واحدة ليجعله قطعة من أوغندة وجنوب إفريقية، ويدع مصر ترعة إن شاء منع عنها الماء حتى يقتل أهلها جوعًا وظمأ، وقد قضى في ديارنا أكثر من خمس وستين سنة حتى هدم كيانها. وسلط عليها لصوص الأجانب واليهود،

стр. 538

حتى ما تكاد تجد مصر حيلة في سن القوانين التي تحمي بلادها من استبداد اللص الطارئ بصاحب البلد المقيم. انظروا لكل بلد تنطق فيه العربية، أو يذكر فيها اسم الله مقرونًا باسم محمد ﷺ ، تروا حربًا تشن على أهل العربية والإسلام بلا هوادة، وبأوقح الأساليب وأخفاها: أيتها العرب! أيها المسلمون! إنها الحرب. إنها المذابح! إنها الحالقة (١) التي أجمعت أمم أوربة وأمريكا أن تستأصل بها قوتكم وتجعلكم عبيدًا أذلاء في أرض الله. إنها الفتن المظلمة التي أطبقت عليكم من كل مكان، فجعلت فيكم رجالا ونساء وخلقًا كثيرًا صاروا عدوًّا لأنفسهم وبلادهم وإخوانهم، جهلا وعنادًا وتقليدًا وسوء رأي. إنه لم يبتل قوم في تاريخ هذه الدنيا بمثل ما ابتليتم به، فقد مضت القرون وأنتم في غفلة عن عدو قد استفحل أمره واستوت قوته واستمر مريره (٢)، فدخل عليكم بلادكم فاستعبدكم فيها وحاربكم بعلمه وجهلكم، وقوته وضعفكم، واجتماع كلمته وتخاذلكم، فلما أفقتم من الغفوات الطويلة لم تجدوا في أيديكم مالًا ولا سلاحًا ولا علمًا، فليس لكم منذ اليوم إلا الشيء الذي هو أقوى من المال والسلاح والعلم: الإيمان بحقكم، والصبر على لأواء هذه الحرب الضروس. فآمنوا واصبروا، فإن قوة الإيمان وحدها تدمر حصون البغى، وتدفعكم إلى طلب المال والسلاح والعلم، وتطهر قلوبكم من كل ضعف، ولا تأسوا على قتيل في هذه الحرب، فإن كل دم يراق من دمائكم إنما هو غيث تغاثون به يغسل عنكم أدرانكم، ويسقى ثرى جف، فينبت لكم أبطال الوغى وصناديد القتال في كل ميدان من ميادين هذه الحرب. أيتها العرب! أيها المسلمون! اطلبوا المال من وجوهه، ودبروا أمركم في حياتكم، فإن المال قوة غاشمة

стр. 539

تضارع أقوى قوي الطبيعة التي لا يقف دونها شيء. واطلبوا السلاح من حيث استطعتم، فإن السلاح ناصر من لا ناصر له إلّا قوته فأنشئوا المصانع والمعامل وأخفوا أمركم حتى لا يطلع عليه العدو الذي يعيش بين ظهرانيكم من الأجانب واليهود. واطلبوا العلم حيث استطعتم، فالعلم حياة ابن آدم، لا حياة له بدونه، وهو عون المال والسلاح والحافظ عليهما والقائم بأمرهما. وكل طالب علم فهو مجاهد في سبيل الله وفي سبيل أهله وبلاده، فلا تفتروا عن طلبه. وليعلم كل طالب عِلْم أو مال أو سلاح أنه إنما يفعل ذلك لأمرين: أولهما تحقيق معني الكرامة الإنسانية، والآخر تحقيق الحرية لبلاده وأمته. أيتها العرب! أيها المسلمون! لست أكتب لكم لتقرأوا، ولكني أنذر قومى في ساعة لا ينبغي للمرء فيها إلا أن يصدق أهله. أنذركم بعداوة الأمم لكم ولمجدكم وتاريخكم، فرببوا لهم أضغانكم وغذوها وحوطوها ونشئوا صغاركم على بغض هذه الأمم التي حشدت لكم عصبية الجاهلية، وعصبية الصليبية، وعصبية الاستعمار، وعصبية الألوان. أرضعوا كل مولود لبان الأضغان والأحقاد على هؤلاء الطغاة، وأمروهم أن يعيشوا في هذه الأرض لشيء واحد هو أن يقاتلوا أهل البغى والعصبية حتى تستأصلوا هذه الشأفة الخبيثة من أرض الله التي أورثهم إياها قائمين بالقسط والعدل والرحمة وإيتاء كل ذي حق حقه. وإنه لا ينجيكم من هذه البلية إلا أن تتمرسوا بصدق العداوة، فهي التي توقظ فيكم كل عزيمة غافلة، وتهديكم إلى مواطن الضعف في نفوسكم، وإلى مكامن الغدر في نفوس أعدائكم، ومن جهل مواطن الضعف في نفسه كان خليقًا أن يصاب منها، ومن عمى عن مكامن الغدر في نفس عدوه كان قمينًا أن يرتكس (١) في مهاويها. لقد فضح الصبح أعداءكم وأضاء لكم عن خبايا قلوبهم، فلا يكن أمركم عليكم غمة، فأنتم بيبن اثنتين: إما المكاشفة بالعداوة السافرة في غير مداورة أو سياسة، وإما أنْ ترضوا لأنفسكم أن تصيروا

стр. 540

طعمة لهذه الأمم الباغية على الشرذمة اللئيمة من إسرائيل. وما أظنكم ترتضون الثانية فليس لكم إلا الأولى. أيتها العرب! أيها المسلمون! لقد انقضت دهور وأنتم تساقون إلى قدر لا يعلم غيبه إلا الله، فاستبد بكم قوم أولى ضرار وبأس شديد، فأفسدوا قلوب جمهرة من أبنائكم وذراريكم، فنشأت تحت ظلال هؤلاء الطغاة ناشئة من أنفسكم تعاظم أمرها، وصار لها فيكم مكانة تتبوأها. وكل ذي مكانة أو سلطان أو ثروة فهو ملئ بأن يخدع الجماهير وهم أسرع إلى طاعته ومتابعته فيما يخدعهم به، فاحرصوا على ألَّا تتبعوا الرجال على أسمائها بل اتبعوا الهدى وإن جاءكم على يد المحتاج الراغب، وتبينوا المدلس عليكم من الناصح لكم. ولا تقولوا هؤلاء سادتنا وكبراؤنا، فما أضل البشر إلا سادتهم وكبراؤهم. ولا تترددوا إن رأيتم معوجًّا أن تقوموه مهما بلغ من الشأن، فإن تقويمكم إياه أبقى له وأجدى عليه. ولا تخروا على آراء السادة والكبراء صُما وعميانًا، بل اسمعوا نبضات القلوب، فرب لسان ينطق بالخير وهو ينبض بما فيه فسادكم وفساد أمر بلادكم. وأبصروا وتبصروا، فإنه لا يعطى المقادة إلا السائمة التي تقودها عصا الراعي لا العقل والإدراك. احملوا سادتكم وكبراءكم على وضح الصراط، فكل ضال منهم سوف يضل خلقًا منكم كثيرًا ويورده موارد الهلاك. أيتها العرب! أيها المسلمون! إنها ساعة في تاريخكم ليس بعدها إلا النصر أو الهزيمة، وكل امرئ منكم يحمل تبعة لا يسقطها عنه عذر، ولا يعذره في أداء حقها شيء. وأنتم أربعمائة مليون نسمة لا عصابة قليلة في الأرض، فإن كنتم صفًّا واحدًا وبنيانًا مرصوصًا، فاعلموا أنه لن يغلبكم شيء، ولن تهد هذا البنيان قوة مهما بلغت على ظهر هذه الأرض، فتماسكوا وتقاربوا وتعاونوا، ولا تدعوا ثغرة يدخل منها عليكم عدوكم لينقض هذا البنيان الذي بناه آباؤكم وأسلافكم في آلاف السنين، وأنتم الأعلون إن شاء الله، وليهود الذلة والمسكنة مضروبة عليهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 541

أيتها العرب! أيها المسلمون! لا تهابوا أهل العصبية الصليبية في أمريكا وأوربة، ولا تثقوا بأحد منهم، ولا تهادنوهم في حقكم، ولا تناصروهم كما ناصرتموهم من قبل فغدروا بكم وتألبوا عليكم وامتهنوكم وقابلوا حقكم بالازدراء، والتحقير في هيئة الأمم المتحدة، وأنكروا كل يد أسديتموها إليهم، ومزقوا أوطانكم، وسلطوا عليكم فواجر أممهم، وأرادوا أن يدمروا أوطانكم، وأن ينشئوا لجراثيم اليهود وكرًا خبيثًا في الأرض المقدسة في سرارة (١) بلادكم. فإن فعلتم فيومئذ يعلم هؤلاء الأخباث والأشرار أن العرب وأهل الإسلام وأهل دين المسيح في الشرق، كلهم على قلب رجل واحد يريدون أن يقيموا في هذه الأرض شريعة الإنسان العادل لا شريعة الوحش الضاري في ظلمات الأدغال والغابات. يا ساسة العرب! إياكم وخداع الناس، ولا تخادعوا ربكم الرقيب عليكم، فيوشك أن يحل عليكم غضب من ربكم ثم غضب الناس عليكم، ولا تبيعوا تاريخكم وتاريخ آبائكم وذريتكم بعرض زائل ومجد مزيف، واعلموا أن قومكم قد ثاروا من مضاجعهم ليطلبوا حقهم بحد السيف، فلا تكونوا مخذلين ولا واعظين ولا متهاونين. واعلموا أنها الحرب! شذاذ الأمم وصعاليك اليهود بين ظهرانيكم، والبغاة الطغاة عن أيمانكم وعن شمائلكم يلتمسون الفرصة ليمحقوا العرب والمسلمين ويطحنوهم طحنًا. فهبوا جميعًا إلى الجهاد فمن نجا فقد فاز بالنصر وبرضوان الله عليه، ومن قتل فقد فاز بالشهادة وجنة الخلد والذكر الذي لا يفنى. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

стр. 542

لا تَمَلُّوا شدَّ ما فزعتُ حين قرأتُ في صدر الأهرام (الاثنين ٥ يناير ١٩٤٨) نبأ تلك المحاولة الجديدة للتوفيق بين فرنسا والمغرب (أي مراكش). وقد آثر الموحي بهذا المقال أن يسمى هذا الأمر "محاولة جديدة" ولكني أعلم أنها ليست سوى "حيلة" أخشى أن تغرر بكثير من قراء العربية، لقلة اطلاعهم على أنباء هذا الشعب الأبي السجين الذي ضربت عليه فرنسا نطاقًا من الكتمان والصمت، لم يضرب على شعب قط في هذه الدنيا، ولا في بلاد السوفيت. وأنا أحب أن أكشف الغطاء عن هذه "الحيلة" التي يُرادُ بها تضليل الناس عن حقائق كالشمس ظاهرة لكل من متعه الله بنعمة البصر. وأحب أن أصفي (١) هذا الكلام لقرَّاء "الرسالة" لأنهم همُ الفئة الحية التي تقرأ لتعلم وتعمل بما تعلم. فهذا الشيء الذي سماهُ بعضهم "محاولة جديدة للتوفيق بين فرنسا والمغرب"، ليس شيئًا سوى محاولة من فرد واحد يعاونه قليلٌ من الناس على إحداث خرق في إجماع أمة كاملة، وصدع بنيان مرصوص لم أعلم فيه إلا خيرًا وتماسكا وبقاء على كلمة الحق التي لا تزول، وهي "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء والاستقلال" إن كان ثمة حاجة إلى مفاوضة أو معاهدة. وبلاد المغرب ثلاثة: تونس، والجزائر، ومراكش، وفي كل قطر من هذه الأقطار الثلاثة حزبٌ له الكثرة الساحقة، بل لا يكادُ يوجد فيه أقلية حتى نقول إن لهذا الحزب كثرة ساحقة، بل الحزبُ هو الأمة، وهو التعبير الصادق عنها. وهذه الأحزابُ لا يمكن أن تسمى أحزابًا بالمعنى المعروف في مصر والذي كان وليد الاحتلال البريطاني الذي فرَّق الكلمة وباغض بين القلوب.

стр. 543

ففي تونس الحزبُ الدستورى، ورئيسه الحبيب بورقيبة. وفي الجزائر حزبُ الشعب، ورئيسه أحمد مصالى الحاج، ومندوبه في مصر والسودان هو الشاذلي المكى. وفي مراكش حزبُ الاستقلال ورئيسه محمد علال الفاسي. وفي المنطقة الخليفية عن مراكش حزبُ الإصلاح ورئيسه عبد الخالق الطريس. وهذه الأحزابُ هي المعبره عن بلاد المغرب كلها، ورؤساؤها جميعًا مقيمون الآن في مصر، وجميعهم على رأي واحد قد أذاعوه في كل وقت وفي كل بلد، وهو "لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال" وهم جميعًا لايزالون إلى هذه الساعة على هذا الرأي لم يتحوَّل عنه أحدٌ منهم، ولن يتحوَّل بإذن الله. وإجماعُ هؤلاء الرجال هو إجماع أمم المغرب كلها، شعوبًا وأفرادًا. وهؤلاء الرجال هم الذين شرَّدتهم فرنسا أو إسبانيا وَسجنتهم ونفتهمْ واضطهدتهم، وباعدَت بينهم وبين أهليهم وحلائلهم وأبنائهم، وأرادت أن تقصم أعوادهم فلم تجد إلا بأسًا ومضاءً ومصابرة وجهادًا في سبيل الحق الأول لكل شعب وهو الحرية والاستقلال. وهؤلاء الرجال هم الذين بقوا إلى اليوم لا ينخدعون بما انخدعت به أمم من قبلهم من مفاوضات ومعاهدات ومحادثات، وسياسات خربة خراب ذمم اليهود. ومن هؤلاء الرجال وحدهم يؤخذ حديث ما بين فرنسا والمغرب، وعلى هؤلاء الرجال وحدهم يعتمد، وإلى هؤلاء الرجال وحدهم تُلْقِى شعوب تونس والجزائر ومراكش بالمقادة، بعد أن جرَّبتهم وعرَفتهم واطمأن قلبها إليهم وإلى ما يأتون وما يذرون. وهم قوم لا يفتات عليهم، ولا يقضى على شعوبهم وهم غُيَّب. وهم رجال يعملون ولا يدَّعون ولا يتظاهرون، ولا يخادعون الناس بشيء لم يكن، أو بسلطان لهم لم ترضه بلادهم وشعوبهم، وهم قائمون على الدعوة إلى تحرير بلادهم، ولهم مكاتب في مصر والشام، وفي فرنسا وإنجلترا وأمريكا، لم تزل تتكلم بالكلمة الواحدة التي لا حِوَلَ عنها وهي: "لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال". فما هو إذن "حزبُ الشورى والاستقلال" الذي اتخذ لنفسه رئاسته محمد ابن الحسن الوزاني هداه الله، واحتمل ثقل النيابة عنه محمد العلمي العربي سدَّد الله خطاه، إنه حزب كما تسمى الأحزاب، ولكني أعلم ويعلم كل من وقف

стр. 544

على حقيقة النبأ في بلاد المغرب، أنه حزب لا يتبعه من شعب مرَّاكش أحد إلا من شذ عن إجماع أمة قد جاهدت منذ سنة ١٩١٢ وظلت تقاتل فرنسا وإسبانيا إلى سنة ١٩٣٣، لم تضع السلاح إلا بعد أن فنيت صفوة المجاهدين، وقلَّ الزاد وعزَّ السلاح وحوصروا حصارًا شديدًا أكثر من إحدى وعشرين سنة كاملة. وما أظن أحدًا نسى جهاد البطل الذي أذلَّ هامات الإسبان والفرنسيس حتى خدعوه وأمّنوه ثم غدروا به، وهو الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابى. إن هذا الحزب الذي قدَّم إلى المقيم الفرنسى الباغى الجنرال جوان "مذكرة ضافية لتعمل حكومة باريس على تحقيق ما ورد فيها بما يحفظ حسن العلاقات مع فرنسا" لا يعبر البتة عن عزيمة شعب مراكش، بل يعبر عن رأي رئيس الحزب ونائبه وحدهما. فنحنُ نعلم علم اليقين أن حزب الاستقلال، وحزب الإصلاح في مراكش، هما صاحبا الرأي الأول والأخير في هذا الأمر الذي يتعلق بإجماع الشعب المراكشي، وأن الأمة المراكشية كلها من وراء كلمتها: "لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال"، ونحن نعلم أن جلالة محمد الخامس ملك مراكش يعلم أن الشعب جمع على أن لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال، وأنه هو نفسه الذي يتولى قيادة الدعوة إلى أن لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال. وقد استطاع نائب حزب الشورى هذا، أعني الأستاذ العلمى أن يوجه نظر الصحافة المصرية إلى هذه البدعة التي مضت عليها شهور منذ قام محمد بن الحسن الوزاني داعيًا إلى الاتفاق مع فرنسا أو على الأصح مظهرًا رغبته في الاتفاق مع فرنسا، بعد ابتعاده عن حزبه الذي نشأ فيه، وهو حزبُ الاستقلال الذي يرأسه محمد علال الفاسى. وقد نجح الأستاذ العلمى مرتين، ولكن هذه الأخيرة هي أشدهما خطرًا. ولو علمت الصحافة المصرية أن شأن حزب الشورى الذي ذكرناه، لا يكاد يكون شيئًا في بلاد مراكش، لطوت هذه الصحيفة مرة واحدة، ولرجعت حديثها عن شأن مراكش إلى رؤساء حزب الاستقلال وحزب الإصلاح وسائر الأحزاب المغربية في تونس والجزائر، ولو فعلت لعلمت أن هذه "المحاولة الجديدة" ليست سوى محاولة برجل زعيم حزب، نعم، ولكن بغير شعب.

стр. 545

وكان حقًّا على هذه الصحف المصرية أن ترجع إلى مكتب المغرب العربي لتقف منه على حقيقة ما تقول. وكان حقًّا عليها أن تعتبر هذا الحزب بأشباهه عندنا من الأحزاب التي لا شعب لها إلا رئيسها، وكان حقًّا على هذه الصحف أن تعرف أن سائر رؤساء أحزاب المغرب مقيمون في مصر منفيون عن بلادهم فكان لزامًا أن ترجع إليهم قبل أن تنشر أشياء تمزق أصحاب الحق على أن لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال. وكان حقًّا عليها أيضًا، إذ نسيت أن تفعل هذا، أن تفكر في شأن حزب الشورى المفاوض الجديد، فهو مقيم تحت ظل السلطان الفرنسى هناك في مراكش، وهؤلاء سائر رؤساء الأحزاب المغربية مشردون منفيون مهاجرون إلى مصر، لكي يخدموا بلادهم ويجاهدوا في سبيلها وهم بنجوة من سلطان فرنسا فأي هذين أولى بأن يكون هو المطالب بحق بلاده؟ وأيهما أولى بأن يؤذن له ويُستمع؟ وأيهما أصدق تعبيرًا عن رغبة الشعب الذي ظل إحدى وعشرين سنة يقاتل في كل بقعة من بقاع المغرب وحيدًا مجهولا حتى تفانى شيوخه وهلك كهوله وذُبِحوا ذَبْحَ فتيانه، وورَّثوا أبناءهم أحقادًا لا تموت على فرنسا وعلى الطغاة من أشباهها. وهؤلاء الزعماء الذين ذكرناهم آنفًا هم بقية السيف، وهم المشردون المعذبون، وهم العاملون الصادقون الذين آثروا الجهاد على أموالهم وأنفسهم وأهليهم وذراريهم، وخرجوا يطوفون في الدنيا ليؤلبوا العالم كله على بغى فرنسا وطغيانها وعدوانها وظلمها، وقد تركوا وراءهم شعوبًا تدين لهم بالطاعة، ولا ترضى أن تدين لأحد سواهم، لأنهم إنما يعبرون عن سر عزائمها ونياتها، أي عن الجهاد في سبيل بلادهم بلا هوادة، وإلى أن ينالوا حقهم كاملا لم تتخوَّنه (١) مكايد الاستعمار وخُدعه. وقد اتعظ هؤلاء الأبطال الصناديد بما لقى بعض إخوانهم من أمم الشرق، حين زلِقَت أقدامهم فزلوا في المهاوى المظلمة المتشعبة التي تسل القوي من نفس سالكها، ألا وهي هوّة المفاوضات والمعاهدات والمحادثات، التي ابتدعتها شياطين الاستعمار الذين يعرفون باسم ساسة بريطانيا، ففرقوا بين الأخوين، وباعدوا بين العشيرتين، ومدوا المطامع لخائنة الأعين، (٢)

стр. 546

فهب فريق من هنا يقاتل فريقًا من أهله هناك، ووقفت بريطانيا بينهما تنظر وتضحك وتسخر، وتحرك هذه الدمى إلى أن تنقطع الحبال فتهوى في الهوة السحيقة الملعونة، هوَّة المفاوضات والمعاهدات والمحادثات. لقد عرفوا ذلك فأبوا أن يكونوا طعامًا لمستعمر جبّار يريد أن يتلعَّب بهم، فاختاروا ما هو أهدى لأممهم وأبقى في وحدتها، وأشد لقوتها، وأنأى بها عن العداوات بين بعض الشعب وبعض. لقد عرفوا أن قيادة الثُّوار، تقضى عليهم أن ينظروا إلى خير هؤلاء الثُّوّار قبل أن ينظروا إلى خير أنفسهم، وعرفوا أن الذي هم مقدمون عليه هو الجهاد الذي لا ينتهي حتى ينتهي هذا الاستعمار البغيض، وأن الأمم المجاهدة في سبيل حقها ينبغي أن تظل مجاهدة حتى تنال حقها، وأنه ينبغي أن ينشأ الجيل من شباب الأمة بعد الجيل، وهو يرى أمامه مجاهدين لا يفترون ولا يضعون السلاح، فذلك أحرى أن يملأ قلب الجيل حميّة وأنفة ورغبة في بلوغ الكمال في العلم والمال والسلاح، حتى يجاهدوا كما جاهد آباؤهم وإخوانهم من قبل. وعرفوا أن المهادنة في مثل هذا إنما هي مهادنة تورث الشعب ضعفًا، وتمكن للدساسين والخبثاء أن يتخافتوا بينهم في الدعوة إلى ما يفت القوي ويضعضع العزائم، فلا يلبث أن ينفض عن المجاهدين من تخاذل وآثر الراحة على لأواء الجهاد. وعرفوا أيضا أن الشعب الثائر غير الشعب الذي يتبحبح في مسارح السلم، فأولهما ينبغي أن يظل ثائرًا لا يعرف اللين أو التسليم أو الأخذ بيد والإعطاء بالأخرى. وفيم يلين أو يسلم أو يأخذ بيد ويعطى بأخرى؟ أفي الحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية؟ أنبئوني أي شيء من هذه الثلاثة يتجزَّأ حتى يقبل اللين أو التسليم أو الأخذ بيد والإعطاء بأخرى، وهو جوهر المفاوضات والمعاهدات والمحادثات. لقد عرف هؤلاء النفر الذين ﵃ ورضيت عنهم أممهم، أن الذي بينهم وبين فرنسا هو الحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية، فعلى فرنسا أن تسلم وأن تلين وأن تعطي بيد ولا تأخذ شيئًا، لأنها لن تأخذ إذا أخذت إلا ذلك الذي أعطت. وهذا بداهة العقل، وبداهة النفس الطيبة، وبداهة الفطرة الإنسانية التي لا تنخدع بزيف الكلام ومزوَّقه. إما الحرية والاستقلال، وإما الصراع في سبيل الحرية والاستقلال، ولا مفاوضة على شيء ينبغي أن يتم جميعًا أو لا يتم البتة على

стр. 547

نقصان وتخوُّن وتمزيق، ولا معاهدة لحرّ على ترك شيء من حريته لغاصبه وسالبه والمهيمن عليه بالطغيان والجبروت، فهو إن شاء منع وإن شاء أعطى. كلا، إنه الحق فلا معاهدة ولا مفاوضة ولا محادثة إلا بعد الاستقلال وجلاء آخر جندي فرنسي وإسباني عن أرض المغرب كله: تونس والجزائر ومراكش. وإن في البلاء الذي ابتليت به مصر والسودان والعراق وشرق الأردن وسواها من البلاد، لعظة لكل امرئ أضاء في قلبه الإيمان بالحرية والكرامة الإنسانية. وما الذي يريده حزب الشورى الجديد في مراكش؟ أيريد أن تلقى بلاد المغرب على يده ما لقينا من بلبلة وضياع وهلاك وضعف؟ أيريد أن يرى الشعب المراكشي أحزابًا يأكل بعضها بعضا، ويتشاحن ضعيفها وقويها على مناصب الحكم؟ أيريد أن يرى كل أسرة في بلاد المغرب قد مزقتها الأهواء وعصفت بها عواصف الشهوات الخفية إلى متاع قليل من متاع هذه الدنيا من مال أو سلطان؟ أيريد أن يرى الشعب يتلهف تلهف البائس المسكين على فتات ما تجود به عليه فرنسا في معاهدة يقال له اليوم إنها "معاهدة الشرف والاستقلال" ثم يقال له بعد غد إن هذه المعاهدة نفسها "حماية بالثلث"؟ أيريد أن يرى بعد قليل شباب بلاده وهم يتطاحنون على أسماء رجال لو انكشف الغطاء عنهم لكانوا سوأة في كيان الشعب لو عقل لسترها كما كان يئد أهل الجاهلية بناتهم خشية الخزي والعار؟ أم يريد أن يرى هؤلاء الشباب وهم لا يثقون بأحد من رجالهم بعد كشف الغطاء عن فضائحهم، فيكونون حربًا على بلادهم يطعنون أنفسهم كل طعنة نجلاء بقولهم: "إننا شعب لا يصلح للاستقلال"؟ أيريد هذا الشعب الذي لقيته أمم من قبلهم فاوضت وحادثت وعاهدت، فخرجت من ذلك كله منهوكة مجرحة معذبة تمتهن أشرف شرفها بأخس قول وأرذله؟ .. حاشا لله أن يريد حزب الشورى لبلاده مثل هذا. وأنا أعرف الوزّانى منذ أكثر من عشرين سنة، فأنا أسأله بالعهد الوثيق أن يفيء إلى ما فيه مرضاة الله، وما فيه خير بلاده وخير أمته، وأن يدع فرنسا بشرِّ النظرين (١)، لا يقربها إلا

стр. 548

مقاتلا مجاهدًا رافعًّا باسم بلاده وحريتها واستقلالها وكرامتها. وما خُلق الإنسان إلا للجهاد في هذه الحياة حرًّا كريمًا، فإذا سلب الحرية وذيد عن الكرامة، فعليه أن يجاهد في سبيلهما جهادًا متطاولًا هو وأبناؤه وذراريه لا تداخلهم سآمة ولا ضجر ولا ملل مستعينًا بالله الذي ينصر المستضعفين في الأرض وينصر الذين لم يملوا الجهاد فيلجأوا الى المهادنة أو المفاوضة. أيها الإخوان الصناديد! جاهدوا وصابروا ورابطوا ولا تملوا حتى يأتيكم نصر الله، ولا تعجلوا على ربكم فإن الله لا يمل حتى تملوا، فإذا مللتم فيومئذ يحيق بكم ما حاق بكل من هادن في حقوق بلاده.

стр. 549

كلمة أخرى قرأت كلمة الأستاذ محمد العربي العلمى في عدد الرسالة (٧٥٩) يردّ على ما كتبته في قضية الاستقلال الذي تطالب به بلاد المغرب، ومن حق الأستاذ أن يردَّ، ومن حقه أن يعلمني ما أجهل، ومن حقه أن يرشدني إلى وجه الصواب فيما زعمت أو رأيت، كلّ هذا من حقه، ولكن ليس من حقه أن يخرج الكلام عن جادّته، أو أن يستنبط منه أشياء ليست فيه كقوله إني عرضت للوطنيين من أهل المغرب "فاتهمت زعماءهم وأهل الرأي فيهم بالسفه والغفلة والتخاذل والتهاون في حقوق البلاد أو ما يشبه ذلك من أنواع التهم". فهذا شيء مردُّه إلى ما كتبتُ لا إلى ما يقول به الأستاذ العلمى. والسفه والغفلة وما يشبه ذلك من أنواع التهم! ! كلمات كبيرة لا يحلّ للأستاذ أن يدّعى أنى أردتها بغير برهان من نص كلامي الذي كتبته. ثم كرر الأستاذ العلمى أن الذي جاء في كلمتى إنما هي أشياء أُلقيت إليّ فحكيتها بلا تحقيق ولا روية، أو ألقيت إليّ فاعتقدتها كل الحقّ وأغفلت ما وراءها. وأظن أيضًا أن هذا شيء غير لائق به أن يقوله، فضلا عن أن يكتبه. ولم أكن أظن أن الأستاذ العلمى يجترئ على أن يصفني بأنى أُذُن تصرفه عن الحق صداقة صديق أو عداوة عدو، ولكنه فعل، فلا أقل من أن أجزيه بالصفح عنه إكرامًا لصديقي الأستاذ محمد بن الحسن الوَزّانى، فهو رسوله وسفيره والنائب عنه. ثم رأيت الأستاذ أكرمه الله يزعم أنى بما كتبت إنما كنت أحاول أن أحدث في الائتلاف الوطنى المغربى "ثلمة" وأن ألقى حوله "بذرة من بذور الشقاق". وهذا شيء كثير، ولكني أعود فأصفح عن الأستاذ، لا لشيء إلا لأنى أترك الحكم في هذا الأمر لمن يقرأ فيفهم، وما أظن أحدًا ممن يطلع على ما كتبت يستطيع أن يقول إني "حاولت" هذا الذي زعمه الأستاذ.

стр. 550

ثم رأيت الأستاذ يقول: "ولعلي لا أكون فضوليًا إن زعمت أن الذين ذكرهم الأستاذ شاكر من زعماء تونس والجزائر ليسوا معه على الرأي الذي نسب إليهم"، وأنا لم أنسب إليهم شيئًا قالوه إلا قولهم "لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال"، وليس يهمنى أن يكون الأستاذ العلمى فضوليًا أو غير فضولى، ولكن الذي يهمنى ويهمّ قراء الرسالة وسائر العرب والمسلمين هو أن الذي حكيت عن زعماء تونس والجزائر صحيح قد اتفقوا عليه وقيدوه بالكتابة كما جاء في بيان سُمُوّ الأمير الجليل محمد بن عبد الكريم الخطابى الذي نشره في صحيفة الأهرام. وقد جاء فيه أن الأمير أعزّه الله خابر جميع "رؤساء الأحزاب المغربية ومندوبيها" فاتفق رأيهم على تكوين "لجنة تحرير المغرب العربي" من كافة الأحزاب الاستقلالية في كل من تونس والجزائر ومراكش على أساس مبادئ الميثاق التالى: ثم جاء في نص هذا الميثاق "د- لا غاية يسعى لها قبل الاستقلال -هـ- لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر -و- لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال". وقد وقع هذا الميثاق جميع من ذكرتهم في كلمتى ومن لم أذكرهم من رجال الأحزاب المغربية في تونس والجزائر ومراكش، ومن بينهم الأستاذ محمد العربي العلمى، والأستاذ الناصر الكتانى نيابة عن حزب الشورى والاستقلال. والعجيب الذي لا يقضى منه عجب هو أمر الأستاذ العلمى، فقد كتبت كلمتى للرسالة بعد أن قرأت في الأهرام (الاثنين ٥ يناير ١٩٤٨) تحت عنوان "محاولة جديدة للتوفيق بين فرنسا والمغرب"، وقد جاء في هذا النبأ ما نصه: "ويقول الحزب في مذكرته إنه يعتزم تحقيق المطالب الوطنية وهي استقلال البلاد -في نطاق وحدته الجغرافية والسياسية، وفي دائرة ملكية دستورية- من طريق المفاوضات، والاتجاه بالمغرب في مرحلة انتقال تسمح له بأن ينظم شئونه تنظيمًا حرًّا وبأسرع الطرق إلى تحقيق سيادته التامة واستقلاله المضمونين بمعاهدة تحالف وصداقة تبرم في ظل الحرية والمساواة بين المتحالفين. ويمكن تهيئة الجو السياسي الملائم لتحقيق ما تقدم، بأن يعلن رسميًا باسم فرنسا حق الشعب المغربي في تدبير شئونه في وقت قريب، وبأن تعتبر مصالح المغاربة ذات أسبقية في بلادهم، مع الصيانة التامة لسيادة البلاد واستقلالها الوطني".

стр. 551

هذا ما جاء في المذكرة التي قدمها حزب الشورى والاستقلال إلى الجنرال جوان المقيم الفرنسى، وهو صريح في النص على تحقيق "استقلال البلاد من طريق المفاوضات"، وهذا هو الذي دفعني إلى كتابة ما كتبت عن حزب الشورى والاستقلال، وهو الذي دفعني إلى أن أتوسل إلى الصديق محمد بن الحسن الوزاني "أن يفئ إلى ما فيه مرضاة الله، وما فيه خير بلاده وخير أمته، وأن يدع فرنسا بشرّ النظرين، لا يقربها إلا مقاتلا مجاهدًا رافعًا باسم بلاده وحريتها وكرامتها واستقلالها"، كما جاء في آخر كلامي. وقد تحدث الأستاذ العلمي إلى مندوب الأهرام بما يطابق هذا المبدأ، بيد أنى رأيته في اليوم الثاني يوقع على ميثاق لجنة التحرير الذي ينص نصًّا صريحًا على أنه لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال. فهذا تناقض بين لا ينقضى منه العجب، كما لا ينقضى عجب القارئ حين يقرأ كلمته في الرد عليَّ فيراه يقول إني أزعم "أن زعماء تونس والجزائر في القاهرة يرون رأي علال الفاسى في القعود وعدم المفاوضة"، ثم قوله إنه يؤكد لي "أن فكرة لا مفاوضة هذه إنما نشأت منذ قريب لا أجد داعيًا لاشتغال قراء الرسالة بها"، ومعنى ذلك أنه يرى أن عدم المفاوضة قعود عن الجهاد، وأن كلمة "لا مفاوضة" كلمة مستحدثة لا عهد لحزب الاستقلال ولا لحزب الشورى والاستقلال بها، ثم يختم مقاله بأن يؤكد لي بأنه "لن يدخل في أية مفاوضات إلا بعد إعلان الاستقلال"! ! فهذا تناقض مُرٌّ شديد المرارة. وأنا لا أكتب هذا لأرد على الأستاذ العلمي، فإن هذا التناقض العجيب المر الشديد المرارة، جعلني أرى أن لا فائدة من الرد، ولكني آثرت أن أعرض على القراء شيئًا كنت أخشى أن يفوتهم الاطلاع عليه، وهم في حاجة إلى الاطلاع على مثله. وأما ما جاء في كلامه من ذكر فلان وفلان من رجال المغرب، فلست أنبرى، ولا يحق لي أن أنبرى، للدفاع عنه، لأنى كما قال الأستاذ: "غير متفطن إلى أنى أتحدث عن بلاد لم أرها، وليس لي من أسباب العلم بها وبأهلها إلا القليل أو ما دون القليل! ".

стр. 552

بقى شيء واحد يشق على مثلي أن يرضى عنه، وهو إقحام الأستاذ لأسد الريف الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابى في معرض هذا التناقض المر الشديد المرارة. فهذا البطل الذي نشأنا منذ الصغر ونحن نمجد اسمه، ونسمو بأبصارنا إليه، ونحوطه بقلوبنا وإيماننا، ونجعله المثل الأعلى للعربي الأبى الذي لا يقبل ضيمًا ولا يقيم على هوان، هو نفسه الذي علمنا بفعله لا بلسانه أنه "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء والاستقلال". فقد هبّ أسد الريف وانطلق يجاهد بالسيف، وأبى أن يسلم للفرنسيس والإسبان شيئًا إلا سيفه بعد أن تقطعت أسباب الجهاد بالسيف، وأعرض عن كل مهادنة بينه ويين الفرنسيس والإسبان، واحتمل بلاء النفي والتعذيب صابرًا راضيًا مستعينًا بالله على أعدائه. أفلم يكن مما يرضى الفرنسيس والإسبان أن يهادنهم هذا الأسد ويفاوضهم ويأخذ منهم شيئًا ويسكت عن أشياء؟ بلى، لقد كان يرضيهم ولا شك، ولكنه لم يفعل، فمعنى ذلك كما فهمناه وكما فهمه الناس هو أن أسد الريف يرى رأيًا واحدًا هو أن "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء والاستقلال"، ولذلك احتمل ما احتمل، وصبر صبر المؤمنين الذين لا يفتنهم عن الحق عذاب ولا نفي ولا تشريد. وإذا لم يكن الأستاذ العلمي قد فهم هذا من بطولة أسد الريف، فليحدثنا إذن ماذا فهم؟ وفيم كان صبر أسد الريف وبطل العرب على البلاء الغليظ عمرًا طويلا تحيا فيه رجال وتموت رجال؟ وفيم كان جهاده وقتاله واحتماله رؤية أبنائه وهم يسقطون في ميدان الوغى بين يديه؟ أفعل كل ذلك ليفاوض، فيأخذ شيئًا ويغضى عن أشياء؟ حاشا لله. أما الأستاذ محمد بن الحسن الوزانى، فأنا لم أرده بإساءة كما أراد الأستاذ العلمي أن يقول، بل كان كل كلامي منصبًا على المبدأ الذي جاء في المذكرة المرفوعة إلى المقيم الفرنسى الجنرال جوان، وهو مبدأ المفاوضة في الاستقلال، وهو مبدأ فاسد لن يسكت قلمي عن هدمه وتقويضه، ولو قال به أعز الناس علي وأكرمهم في قلبي، وهو عندي مذهب أقلية، ولو قالت به أمة بأسرها. وسأبقى ما حييت أدعو الأمم التي ابتليت بالاستعمار إلى مبدأ واحد هو أن "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء والاستقلال"، فهو عندي مذهب أكثرية، ولو لم يقل به إلا فرد واحد طريد شريد لا يجد في الأرض مكانًا يؤويه، أو عشيرة تنصره، أو أذنا تسمعه. وكل حزب يدعو إِلى المفاوضة، فهو عندي حزب بغير شعب ولو تبعته الجماهير

стр. 553

المضللة، وكل زعيم يدعو إليها فهو زعيم بغير شعب، وإن استطاع أن يجمع الألوف تصرخ من ورائه مؤيدة وناصرة، وقد كتبت هذا مرات في قضية مصر والسودان، وفي قضية العراق، وفي قضية الهند. فكل ما جاء في كلامي عن حزب الشورى والاستقلال، فهو مبني على هذا الأصل، وأظن أن الأستاذ الوَزَّانى يعرف هذا مما قرأه من كلامي منذ قديم، وأظن أنه فهم من كلامي عنه غير الذي فهم الأستاذ العلمي، وأظن أنه لم يغضب حين قرأ ما كتبت مثل الغضب الذي احتمل الأستاذ العلمي حتى كتب ما كتب، مما كان ينبغي أن ينزه عنه قلمه البليغ الجرئ. وأنا أختم هذه الكلمة بأن أدعو صديقي محمد بن الحسن الوَزَّانى إلى صراط الحق، إلى أن "لا مفاوضة إلا بعد الجلاء والاستقلال"، وأتوسل إليه مرة أخرى أن ينسى نفسه، وأن يملأ قلبه إيمانًا بالحق الأعظم، وهو حق شعبه وبلاده في الاستقلال والحرية والكرامة، ذلك الحق الذي لا يتجزأ ولا يقبل مفاوضة ولا مهادنة، وأدعوه إلى الجهاد الشديد في سبيل هذا الحق الذي لا تستطيع فرنسا ولا إسبانيا ولا بريطانيا ولا الدنيا كلها مجتمعة أن تمحو منه شيئًا أو تغير منه قليلا أو كثيرًا. أيها الزعماء كونوا يدًا واحدة، ولتكن دعوتكم واحدة، واصبروا في جهادكم، ولا تفاوضوا عدوكم في حق شعوبكم، ولا تخاذلوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا فتذهب ريحكم، واعلموا أن المفاوضة ليست سوى ملل من طول الجهاد ومشقته، وأن الملل من كواذب الأخلاق، وأن الزعيم لا يكون زعيما إلا بأخلاقه، وقوام أخلاقه الصدق في كل شيء -في العداوة والصداقة، وفي الحب والبغض، وفي الرضى والغضب. سدد الله خطاكم، ومهد لكم سبيل الهدى، وطهر قلوبكم من كل كذب لا خير فيه.

стр. 554

١ - الفتنة الكبرى بادرت إلى قراءة كتاب "الفتنة الكبرى" الذي صنفه الدكتور طه حسين، لأنه أول كتاب له عن رجل من رجال الصدر الأول من الإسلام، وهو "عثمان بن عفان" أمير المؤمنين وخليفة رسول الله ﷺ ، وأنا أعرف للدكتور مكانه من العلم والتحقيق، وحسن تأتيه في تخريج الكلام؛ فمن أجل ذلك أيقنت أنه سيملأ هذا الكتاب علمًا يضارع قدر هذا الرجل، ويوازن خطر الفتنة التي اضطرم سعيرها في آخر خلافته، وانتهى باغتيال خليفة رسول الله اغتيالا لم يعرف تاريخ الإسلام أبشع منه ولا أفظع. وقلت لنفسي قبل أن أتجاوز الكلمة الأولى من الكتاب: إن طه خير من يصور للناس هذه الأحداث المختلطة المضطربة، وخير من يهديهم في شعابها إلى مفصل الرأي ومقطع البيان. وقديمًا ما ضل الناس في بيداء هذه الفتنة المظلمة، وقديمًا ما أخطأ الكتاب فهم هذا الحادث الجلل، وقديمًا ما حار الناس في أمر المسلمين الذين ذبحوا خليفتهم كما تذبح الشاة المظلومة، وقديمًا وحديثًا ما خاض الناس، فما خاضوا إلا مضلة لا يهتدى فيها سار إلى علم يفضى إلى جادة واضحة أو إلى غاية معروفة. رميت بنفسي وعقلي في هذا الكتاب، وأنا على مثل هذه الثقة التي وصفت، وبمثل هذا الأمل الذي أملت، فما كدت أفرغ حتى رأيت الكتاب كله يختلج بين يدي. ولست أحب أن يعرف القارئ لم اختلج الكتاب. فهذا حديث طويل لو بدأت أقصه لما عرفت أين أنتهي، فأنا طاويه عنه؛ لأنى أوثر أن أدع قلبه حيث هو من الاستقرار والأمن والرضى، وأنا أفعل هذا وإن شاء هو أن أنشر هذا الذي طويت، وأفعله وإن كره لنفسه هذا الاستقرار والأمن والرضى. وحسب القارئ أن ينظر معي إلى موضعين في هذا الكتاب، لم ينقض عجبى منهما ولن ينقضى عجبه حين يقف على خبرهما.

стр. 555

وأسبق القلم فأزعم أنى أسلم جدلا، كما يقولون، بأن كل الذي أتى به الدكتور طه صحيح في جملته وتفصيله، وأن الصورة التي أراد أن يصور بها تاريخ عثمان ﵁ وتاريخ أصحابه ومعاصريه صحيحة أيضًا في جملتها وتفصيلها، وأزعم فوق ذلك أنى لا أخالفه في شيء منها خلافًا ما، وأنى لو كتبت تاريخ عثمان، وتاريخ الفتنة، لم أقل إلا بما قال إذ ذكر هذه الفتنة الخبيثة فقال ص ١٠٩ "فالفتنة إذن إنما كانت عربية نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد العامة العربية لهؤلاء الأغنياء". وأنت خليق أن تنظر في هذا التكرار لهذه الصفة "فتنة عربية" و"عامة عربية" لتعلم ماذا يريد بهذا التكرار، وما الذي يريد أن ينفيه من شركة أحد غير العرب في دم عثمان، وأنت خليق وحرى وجدور بأن تفعل هذا وأن تتأمل فتطيل التأمل؛ لأنك سوف تلقى بعد قليل شيئا جديدًا كل الجدة، وحسنًا كل الحسن؛ فما تكاد تمضي صفحات حتى ترى بابًا في ص ١٣١ يبدأ هكذا: "وهناك قصة أكبر الرواة (المتأخرون) من شأنها وأسرفوا فيها حتى جعلها كثير من القدماء والمحدثين مصدرًا لما كان من الاختلاف على عثمان، ولما أورث هذا الاختلاف من فرقة المسلمين لم تمح آثارها بعد، وهي قصة عبد الله ابن سبأ الذي يعرف بابن السوداء. قال الرواة: كان عبد الله بن سبأ يهوديًّا من أهل صنعاء، حبشي الأم، فأسلم في أيام عثمان، ثم جعل يتنقل في الأمصار يكيد للخليفة ويغرى به ويحرض عليه، ويذيع في الناس آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الدين والسياسة جميعًا". ثم يقول: "وإلى ابن السوداء يضيف كثير من الناس كل ما ظهر من الفساد والاختلاف في البلاد الإسلامية أيام عثمان، ويذهب بعضهم إلى أنه أحكم كيده إحكامًا، فنظم في الأمصار جماعات خفية تستتر بالكيد، وتتداعى فيما بينها إلى الفتنة، حتى إذا تهيأت لها الأمور، وثبت على الخليفة فكان ما كان من الخروج والحصار وقتل الإمام". فأنت ترى من هذا لماذا أصر الدكتور منذ قليل على أن يصف الفتنة بأنها "عربية"، وبأن العامة الذين كانوا شرار هذه الفتنة كانوا "عامة عربية" أي أنه

стр. 556

ليس لهذا اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ يد فيها، وأن ليس لليهود عمل في تأريث نارها. وهذا تخريج بين جدًا، لا يخالفنا فيه أحد ولا الدكتور طه نفسه فيما نعلم. ثم يمضي الدكتور في حديثه ليقول بعقب ذلك: "ويخيل إليّ أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافًا شديدًا. وأول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكرًا في (المصادر المهمة) التي قصت أمر الخلاف على عثمان، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان وانتقاض الناس عليه. ولم يذكره البلاذرى في أنساب الأشراف، وهو فيما أرى (أهم المصادر) لهذه القصة وأكثرها تفصيلا. وذكره الطبري عن سيف بن عمر، وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر". وأُراني مضطرا أن أنقل لك أيضًا ما قاله الدكتور بعد ذلك في ترجيح رأيه وبيان حجته قال: "ولست أدري أكان لابن سبأ خطر أيام عثمان أم لم يكن؟ ولكني أقطع بأن خطره، إن كان له خطر، ليس ذا شأن. وما كان المسلمون في عصر عثمان ليعبث بعقولهم وآرائهم وسلطانهم طارئ من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان. . . ولو قد أخذ عبد الله بن عامر أو معاوية هذا الطارئ الذي كان يهوديًّا فلم يسلم إلا كائدًا للمسلمين، لكتب أحدهما أو كلاهما فيه إلى عثمان، ولبطش به أحدهما أو كلاهما. ولو قد أخذه عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما أعفاه من العقوبة التي كاد ينزلها بالمحمدين (محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة) لولا خوفه من عثمان. . . ولم يكن أيسر من أن يتتبع الولاة هذا الطارئ، ومن أن يأخذوه ويعاقبوه" ثم يقول في ص ١٣٤: "فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج والاحتياط. ولنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء، وكان أبوه يهوديًّا وكانت أمه سوداء، وكان هو يهوديًّا ثم أسلم لا رغبًا ولا رهبًا ولكن مكرًا وكيدًا وخداعًا، ثم أتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه". ثم يقول: "هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ". هكذا يقطع الدكتور الرأي جملة واحدة! !

стр. 557

هذا هو الموضع الأول، أما الموضع الثاني فهو أشد الأشياء علاقة بهذا، ولكن الدكتور قطعه عنه قطعًا كريمًا فترك صفحة ١٣٤ ومضى على وجهه في هذا البحث الجليل إلى أن بلغ ص ٢٠٩ لكي يقول: "وهنا تأتي قصة الكتاب الذي يقول الرواة إن المصريين قد أخذوه أثناء عودتهم إلى مصر، فكروا راجعين. فهذه القصة فيما أرى ملفقة من أصلها"، ثم اختصر قصة الكتاب اختصارًا وقال: "كل هذا أشبه بأن يكون ملهاة سخيفة منه بأن يكون شيئًا قد وقع. والأمر أيسر من هذا. تلقى أهل الأمصار وعدًا من إمامهم فاطمئنوا إليه، ثم تبينوا أن الخليفة لم يصدق وعده! فأقبلوا ثائرين يريدون أن يفرغوا من هذا الأمر وأن لا يعودوا إليه حتى يفرغوا". ثم تبين للدكتور أن إلغاء هذا الكتاب الذي أرسل إلى والي مصر يأمره بقتل رؤوس الوفد الذي جاء من مصر، ليس يحل الإشكال في عودة الوفد بعد أن فصل عن المدينة راجعًا إلى مصر، وتبين له أيضًا أن الغرض الذي ذهب إليه من أنّ أهل الأمصار تبينوا أن الخليفة لم يصدق وعده، أي أنه كذب عليهم باللفظ الصريح، شيء غير مستساغ، فإنه سأل نفسه كيف تبينوا أنه كذب عليهم فلم يعرف كيف يجيب، فألقى الغرض كما هو وزاد عليه أنهم أقبلوا ثائرين، "فلما بلغوا المدينة وجدوا أصحاب رسول الله قد تهيأوا لقتالهم، فكرهوا هذا القتال وانصرفوا كائدين، حتى إذا عرفوا أن هؤلاء الشيوخ قد ألقوا سلاحهم وأمنوا في دورهم، كروا راجعين فاحتلوا المدينة بغير قتال". ولكن رَأَى الدكتور طه، وهو خير من يرى الآراء، أن هذا الغرض مدخول كله إذا لم يعزز بغرض آخر، ففكر وقدر، ثم نظر ثم قال: "وأكاد أقطع بأن قد كان لهم من أهل المدينة أنفسهم أعوان دعوهم وشجعوهم، ثم أعلموهم بما عزم عليه أصحاب النبي، ثم أعلموهم بعودة المدينة إلى الهدوء والدعة، ثم انضموا إليهم حين حاصروا عثمان". وهذه كلها كما ترى فروض وتخيل، وإقرار أيضًا بما أنكره في أمر عبد الله بن سبأ من تنظيم (الجماعات الخفية) التي تتستر بالكيد، فهو ينكر هذا المبدأ هناك ويقره هنا! ! ثم يمضي الدكتور في فروض، فرضًا من بعد فرض، حتى يريك كيف تعقدت الأمور فجأة إلى أن كان مقتل عثمان، ولكنه يختصر

стр. 558

ذلك اختصارًا غريبًا عجيبًا لم أعرف له مثيلا في كل ما كتب الدكتور وفرض وادعى ثم جزم الرأي وقطع به، مما يعرفه أكثر قراء العربية الذين قرأوا للدكتور منذ أول نشأته في الكتابة. ولست أحب أن أقف بك عند شيء إلا عند هذين الموضعين فأنا أكره الإطالة في تفلية كلام الدكتور، خشية أن لا أنتهي، فإن تحت كل حرف مما كتب علمًا كثيرًا لابد من تفليته وغربلته ورده إلى وجوه الحق التي زال عنها إلى سواها، وأنت ترى أننا اضطررنا اضطرارًا إلى الإطالة بالنقل، لئلا يفوت عليك شيء من لب حديث الدكتور وعلمه. وقد بدأ الدكتور حديثه في إسقاط قصة اليهودي ابن السوداء عبد الله بن سبأ فذكر أن "الرواة المتأخرين" أكبروا من شأنها وأسرفوا فيها، وأنها لم ترد في (المصادر المهمة)، وأن (ابن سعد) لم يذكرها وأن البلاذري لم يذكرها في أنساب الأشراف (وهو فيما يرى الدكتور أهم المصادر)، وأن الذي ذكرها هو الطبري "وأخذه عنه المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر" كما يقول الدكتور. ١ - وبدء الدكتور بقوله: "الرواة المتأخرين" فيه إيهام شديد، متعمد فيما يظهر! ! فإن الطبري ليس من الرواة المتأخرين، فهو قد ولد سنة ٢٢٥ ومات سنة ٣١٠، فهو معاصر (البلاذرى) وفي طبقة تلاميذ (ابن سعد) صاحب الطبقات. ٢ - أن سيف بن عمر الذي روى عنه الطبري هذا الخبر هو من كبار المؤرخين القدماء، فهو شيخ شيوخ الطبري والبلاذري، وهو في مرتبة شيوخ (ابن سعد)، فقد مات في زمن الرشيد، أي فيما قبل سنة ١٩٠ من الهجرة. فلا يقال عنه ولا عن الطبري أنهما من "الرواة المتأخرين" كما أراد الدكتور طه أن يوهم قارئه. ٣ - أن ذكر الدكتور (المصادر المهمة) فيه إيهام شديد وإجحاف جارف، فإذا لم يكن. كتاب الطبري من (المصادر المهمة)، فليت شعري ما هي المصادر المهمة التي بين أيدينا؟

стр. 559

٤ - أن الدكتور طه يعلم أن كتاب ابن سعد الذي بين أيدينا كتاب ناقص، وأنه ملفق من نسخ مختلفة بعضها تام وبعضها ناقص وبعضها مختصر. والدليل على ذلك مما نحن بسبيله أنه ترجم لعمر في ٨٤ صفحة، ولأبي بكر في ٣٣ صفحة فلما جاء إلى عثمان، والأحداث في خلافته هي ما يعلم الدكتور طه ويعلم الناس، لم يكتب سوى ٢٢ صفحة، فلما ذكر علي بن أبي طالب والأمر في زمنه أفدح لم يكتب عنه سوى ١٦ صفحة. هذا على أن في الكلام على طريق ابن سعد في تراجم الرجال شيء آخر غير كتابة التاريخ، فإنه لم يذكر في هذا الفصل إلا قليلا جدًّا مما ينبغي أن يكتب لو أنه ألف كتابه في التاريخ العام لا في الترجمة للرجال. وهذا شيء يعلمه الدكتور طه حق العلم ولا ريب. ٥ - أنه كان من حجة الدكتور في نفي خبر عبد الله بن سبأ اليهودي اللعين أن البلاذرى لم يذكره، وهو فيما يرى (أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلا): ثم عاد فنفى أيضًا خبر الكتاب الذي فيه الأمر بقتل وفد مصر، مع أن البلاذرى ذكره وأطال وأتى فيه بما لم يأت في كتاب غيره. ولا ندري كيف يستقيم أن يجعل عدم ذكره خبرًا ما حجة في نفيه، ثم ينفي أيضًا خبرًا آخر قد ذكره ولج فيه؟ وهذه الخمسة أشياء كنت أستحي أن أحدث الدكتور بها أو أناقشه فيها؛ لأنها من الوضوح والجلاء بحيث لا تخفى على رجل مثله خراج ولاج بصير بالعلم أحسن البصر. ولكن بقى شيء واحد أحب أيضًا أن يتاح لي يومًا ما أن أعرفه، وهو: هل كان في نص البلاذرى قديمًا ذكر عبد الله بن سبأ اليهودي ثم سقط أو أسقط من الكتاب؟ وهذا لا يتاح لي إلا إذا وقفت على نسخة قديمة وثيقة من كتاب أنساب الأشراف، فإن هذه النسخة التي بين أيدينا إنما طبعت في أورشليم، وطبعها رجل من طغاة الصهيونية، وقدم لها مقدمة لم تكتب لا بالعربية ولا بالإنجليزية بل باللغة العبرية! وليأذن لنا الدكتور أن نشك أكبر الشك في ذمة هذا اليهودي الصهيوني الذي طبع الكتاب في مطابع الصهيونية في أورشليم. فقد رأينا من قبل رجلا آخر حاطه الدكتور طه يومًا ما برعايته وعنايته واستقدمه إلى الجامعة المصرية، وكان يسمي نفسه "أبا ذؤيب" إسرائيل ولفسون، (وهو الآن في فلسطين يجاهد في سبيل الصهيونية)، فألف كتابًا في تاريخ اليهود في بلاد

стр. 560

العرب، وطبع في مصر، وقدم له الدكتور طه مقدمة أثنى فيها عليه ثناء بالغًا، ومع ذلك فقد وجدنا في الذي نقله من الأخبار والأحاديث تحريفًا وبترًا وانقطاعًا من نصوص محفوظة معروفة. أفلا يجوز لنا على الأقل أن نشك في أن اليهودي الآخر طابع كتاب البلاذرى، يفعل مثل هذا؟ إننا على الأقل نشك ونتوقف. هذا إلى أن طريقة التأليف القديمة وبخاصة ما كان على غرار تأليف البلاذرى، قد يترك المؤلف فيها شيئًا في مكان، ثم يذكره في مكان آخر، وكان أولى أن يذكر في المكان الأول، وهذا شيء يعرفه الدكتور كما نعرفه وأحسن مما نعرفه، أفلا يجوز أن يكون البلاذرى قد ذكره مثلا في ترجمة (عمار بن ياسر) أو (محمد ابن أبي بكر) أو (محمد بن أبي حذيفة) أو رجل ممن اشترك في هذه الفتنة؟ وهو يعلم أن الذي وجد من كتاب البلاذرى قسم ضئيل جدًّا طبع منه جزء في ألمانيا سنة ١٨٨٣، ثم تولى اليهودي الصهيوني طبع جزء آخر هو الذي فيه ترجمة عثمان في سنة ١٩٣٦، ثم طبع جزء آخر في سنة ١٩٣٨ قال الناشر في مقدمته المكتوبة بالعربية إن هناك حوادث جرت في عهد يزيد بن معاوية، هي وقعة كربلاء وموت الحسين "ولم تذكر في ترجمة يزيد، بل ذكرهما في تراجم بني أبي طالب، وذلك حسب ما اقتضاه نظام الكتاب وفقًا لتسلسل الأنساب" كما قال بنص كلامه. أفلا يجوز إذن أن يكون البلاذرى قد أدمج أمر عبد الله بن سبأ في مكان آخر كما فعل فيما لاحظه وذكره هذا اليهودي؟ كل هذا جائز، ولكن الدكتور حين يريد أن ينفي شيئًا لا يبالي أن يجتاز كل هذا ويغضى عنه، ليقول فيه بالرأي الذي يشتهيه ويؤثره غير متلجلج ولا متوقف. ثم كيف نسى الدكتور أن من لم يرو خبرًا ما ليس حجة على من روى هذا الخبر، وبخاصة إذا كان الرجلان من طبقة واحدة كالبلاذرى والطبري؟ بل لعل الطبري أقوى الرجلين وأعلمهما وأكثرهما دراية بالتاريخ وتحصيلا له، وهو الذي روى عنه أنه قال لأصحابه: "أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره قال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى فيه الأعمار قبل تمامه. فاختصره لهم في ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال لهم: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله! ! ماتت الهمم! ".

стр. 561

ومن قرأ كتاب الطبري في تاريخه أو تفسيره علم أن هذا حق، وأن الرجل كان فارغًا للعلم لا يلفته عنه شيء قط، ولا يدع شاردة ولا واردة إلا تقصاها وحققها ورأى فيها الرأي الذي لا يكاد ينقض. والفرق بينه وبين البلاذرى لا يخطئه بصير بهذا العلم فليس من الحجة في شيء أن يقال (في عصرنا هذا): إن البلاذرى لم يذكر هذا، فيكون ذلك كافيًا في الرد على ما ذكره الطبري. وهذا شيء بين لا يحتاج إلى جدال كثير. وإذن فالدكتور قد اشتط وركب مركبًا لا يليق بمثله حين نفى خبر عبد الله ابن سبأ، وخبر الكتاب الذي فيه الأمر بقتل المصريين بعد الذي قد رأيت من تهافت أسلوبه في البحث العلمي؛ وإذن فالدكتور قد خالف سنة العلم والعلماء في نفي الأخبار وتكذيبها بلا حجة من طريقة أهل التمحيص، بل تحكم تحكما بلا دليل يسوقه عن فضيلة البلاذرى وتقديمه على الطبري، وبلا مراجعة للصورة التي طبعت عليها الكتب، وبلا دراسة لنفس الكتب التي ينقل عنها كما هو القول في ابن سعد والبلاذرى معًا. وإذن فيحق لنا أن ننقل هنا كلمة للدكتور طه نفسه قالها عندما ذكر أصحاب محمد ﷺ ، وذكر الخلاف الذي كان بينهم، وذكر أو زعم أنهم تراموا بالكبائر وقاتل بعضهم بعضًا، وزعم أنه لا ينبغي لنا أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم هم في أنفسهم، فقال في ص ١٧٢ من كتابه: "ينبغي أن نذهب مذهب الذين يكذبون أكثر الأخبار التي نقلت إلينا ما كان بينهم من (فتنة) واختلاف. فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد على أن نكذب التاريخ الإسلامي كله منذ بعث النبي، لأن الذين رووا أخبار هذه الفتن، هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي والخلفاء. فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا، وما ينبغي أن نصدق بعض التاريخ ونكذب بعضه الآخر، لا لشيء إلا لأن بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا". وهذا حق، ولكن الدكتور يحتج به في معرض الطعن في الصحابة ومعرض القول في نسبة الأخطاء الماحقة إلى أصحاب محمد ﷺ ، ثم يعود فيسقط هذا

стр. 562

الرأي، ولا يبالي به، ويخالفه أشد المخالفة في معرض رد الرواة الذين رووا لنا خبر الفتنة الخبيثة التي تولى كبرها عبد الله بن سبأ اليهودي. ولماذا يفعل ذلك لا ندري، بل الحق أننا ندري ولكننا نأبى أن نتعجل القارئ بحكم لم نأت فيه بالبينة التي تدفع كل أقوال الدكتور في قضية هذا اللعين ابن السوداء، فللقارئ علينا حق لا يحل لنا أن نخونه فيه، وحقه هو أن يرى حجج الدكتور كلها أولا، ثم حججنا متابعة ثانيًا، ثم نعطيه الحكم ليأخذه أو يدعه على هدى وبصيرة. وموعدنا المقال الآتي بإذن الله.

стр. 563

٢ - الفتنة الكبرى وإذن، فقد أراد الدكتور طه أن يقول إن الفتنة الكبرى التي أفضت إلى قتل عثمان إنما كانت "فتنة عربية نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد العامة العربية لهؤلاء الأغنياء" في ص ١٠٩ فمن أجل تحقيق هذه الكلمة الكبيرة ركب كل مركب في تصوير الحياة الإسلامية الأولى بعد الفتوح بالصورة التي تنتهي به إلى هذا الغرض وحده دون سواه، وهو الغنى والمال والسلطان، وتزاحُم الأغنياء على الغنى والمال والسلطان، وحسد العامة العربية لأصحاب الغنى والمال والسلطان. وأنا -كما قلت آنفًا- لن أحاول أن أنقض هذه الصورة، ولن أعمل عملا في الرد عليها إلا بمقدار ما ينبغي في سياق التحقيق التاريخي لناحية من نواحي هذه الفتنة. ولكن الدكتور كشف عن هدف آخر حين جاء معرض هذه الفتنة، فنفى خبر عبد الله بن سبأ اليهودي، وخبر الكتاب الذي كتب فيه الأمر بقتل رؤوس وفد مصر. وهذا الهدف هو أن ينفي عن اليهود الشركة في دم عثمان، والتحريض على قتل الإمام، فركب مركبًا وعرًا خالف فيه أسلوب العلماء في جرح الأخبار، وكذب الرواة في شيء بغير برهان، وصدقهم في شيء آخر بغير برهان أيضًا، وهو نفسه ينعى في كتابه على "الذين يكذبون الأخبار التي نقلت إلينا ما كان بين الناس من فتنة واختلاف"، فقال في ص ١٧٢: "فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد على أن نكذب التاريخ الإسلامي كله منذ بعث النبي، لأن الذين رووا أخبار هذه الفتن، هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي والخلفاء. فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا. وما ينبغي أن نصدق بعض التاريخ ونكذب بعضه الآخر، لا لشيء إلا لأن بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا". بيد

стр. 564

أن الدكتور طه نفسه، قائل هذا الكلام، قد فعل ذلك فكذبهم حين روى الرواة ما لا يعجبه، وحين رووا ما يؤذيه، وفعل ذلك أيضًا فصدقهم حين رووا ما يروقه، وحين رووا ما يرضيه. فإن الذين رووا أخبار الغنى والمال والسلطان، هم الذين رووا أخبار عبد الله بن سبأ اليهودي وأخبار الكتاب الآمر بقتل وفد مصر، فلم أخذ شيئًا بغير برهان، ونفى أخاه بغير برهان؟ والشيء البيِّن هو أن الدكتور الجليل أراد كما قال في ص ١٣٤ أن يكبر المسلمين في صدر الإسلام "عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديًّا، وكانت أمه سوداء، وكان هو يهوديًّا ثم أسلم لا رغبًا ولا رهبًا، ولكن مكرًا وكيدًا وخداعًا". وهذا قصد حسن ونية جميلة، ولكن الحق أحسن منهما وأجمل. وليس يجمل بنا ولا بالدكتور طه أن يغالط في الحق لشيء يراه هو أو نراه نحن حسنًا جميلا. والتاريخ لا يكتب بالتحكم، وإنما يكتب بالرواية، ثم بالاستدلال، ثم ببذل الجهد في سد الفجوات، وسبيل ذلك أن تأخذ من الماضي أسبابًا وعللا وحوادث ذات خطر، فإن استقامت أن تمتد معك إلى الحاضر الذي تؤرخه، فهي حقيقة بأن تكون شيئًا من التاريخ يوشك أن يكون حقًّا كله أو بعضه. ولست أحب أن أعلم الدكتور طه، ولكني سأضع بين يديه حقائق لا يدخلها الريب أبدًا، ثم أسأله أن ينظر فيها، وأن يحكم هو بيني وبينه. وسأختصر القول اختصارًا، فإن أكثر مادة هذا الحديث مما لا أظن بالدكتور أن يجهله أو يغفل عنه. فلنعد إلى حديث قديم كان قبل البعثة بقليل، وكان شديد الخطر في تاريخ العرب، وكان يوشك أن ينتهي إلى حدث جليل في تاريخ مدينة رسول الله ﷺ . فقد كان يسكن هذه البلدة الكريمة بنو أم واحدة وأب واحد من قبائل الأزد بن الغوث: أمهما قيلة، وأبوهما حارثة بن ثعلبة، وهؤلاء هم الأوس والخزرج، وكان يعيش بينهم هذا الجيل من اليهود الذي سكن جزيرة العرب، أو سكن المدينة، فكان من خبر ذلك شيء لم يكن مثله مثلا بين بني هاشم وبني أمية،

стр. 565

وهو الحرب المتطاولة بين هذين الحيين اللذين ولدتهما أم واحدة وأب واحد، ويسكنان معًا بلدة واحدة. وظل هذا القتال بين الحيين متجدد النيران إلى أن كان "يوم بُعاث"، وهو كما قال ابن سعد ج ٣ قسم ٢ ص ١٣٥: "آخر وقعة كانت بين الأوس والخزرج في الحروب التي كانت بينهم. . . وكانت هذه الوقعة ورسول الله ﷺ بمكة قد تنبأ ودعا إلى الإسلام، ثم هاجر بعدها بست سنين إلى المدينة". ونشأة هذه العداوة العجيبة بين الأخوين: الأوس والخزرج، واقتتالهما هذا القتال المر العنيف حقبًا متطاولة، ودخول اليهود في الحلف، بعضهم مع الأوس وبعضهم مع الخزرج، لا يصيبهم من أذى القتال بين هذين الحيين الأخوين إلا القليل، وتداعيهم باسم اليهودية إذا حزب الأمر، فيكونون يدًا واحدة على هذه العرب، ليس له معني إلا أن تكون هذه اليهود هي التي أرَّثت الحرب والعداوة بينهما لتؤثِّل في هذه الأرض أموالا وآطامًا وحصونًا تكون لها عدة وقوة، وتظهرها على أهل البلاد المالكين لها، وتصرف وجه هؤلاء القوم عن الزراعة والتجارة وتثمير الأموال، وتبقى يهود هي صاحبة الزراعة والتجارة وتثمير الأموال بالربا ومآكل السحت (١). وهذا عمل يهود في كل جيل، وفي كل أمة، وفي كل زمان إلى يوم الناس هذا. ثم لا يلبث أن يلقى رسول الله ﷺ رهطًا من الخزرج عند العقبة، وكانت يهود كما قال ابن إسحاق، قد عَزُّوهم ببلادهم، أي غلبوهم عليها واستأثروا بها، فلما دعاهم رسول الله إلى الإسلام قالوا له: "إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك. فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك". فيؤلف الله قلوب الأوس والخزرج، وهم الأخوان، على الإسلام فيفشو فيهما فُشوًّا ظاهرًا. ولا يلبث رسول الله أن يهاجر إلى المدينة، فلا يبقى حي من الأوس والخزرج إلا دخله الإسلام وظهر فيه. فيمر
следующие страницы →