ومن قرأ كتاب الطبري في تاريخه أو تفسيره علم أن هذا حق، وأن الرجل كان فارغًا للعلم لا يلفته عنه شيء قط، ولا يدع شاردة ولا واردة إلا تقصاها وحققها ورأى فيها الرأي الذي لا يكاد ينقض. والفرق بينه وبين البلاذرى لا يخطئه بصير بهذا العلم فليس من الحجة في شيء أن يقال (في عصرنا هذا): إن البلاذرى لم يذكر هذا، فيكون ذلك كافيًا في الرد على ما ذكره الطبري. وهذا شيء بين لا يحتاج إلى جدال كثير.
وإذن فالدكتور قد اشتط وركب مركبًا لا يليق بمثله حين نفى خبر عبد الله ابن سبأ، وخبر الكتاب الذي فيه الأمر بقتل المصريين بعد الذي قد رأيت من تهافت أسلوبه في البحث العلمي؛ وإذن فالدكتور قد خالف سنة العلم والعلماء في نفي الأخبار وتكذيبها بلا حجة من طريقة أهل التمحيص، بل تحكم تحكما بلا دليل يسوقه عن فضيلة البلاذرى وتقديمه على الطبري، وبلا مراجعة للصورة التي طبعت عليها الكتب، وبلا دراسة لنفس الكتب التي ينقل عنها كما هو القول في ابن سعد والبلاذرى معًا. وإذن فيحق لنا أن ننقل هنا كلمة للدكتور طه نفسه قالها عندما ذكر أصحاب محمد ﷺ ، وذكر الخلاف الذي كان بينهم، وذكر أو زعم أنهم تراموا بالكبائر وقاتل بعضهم بعضًا، وزعم أنه لا ينبغي لنا أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم هم في أنفسهم، فقال في ص ١٧٢ من كتابه:
"ينبغي أن نذهب مذهب الذين يكذبون أكثر الأخبار التي نقلت إلينا ما كان بينهم من (فتنة) واختلاف. فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد على أن نكذب التاريخ الإسلامي كله منذ بعث النبي، لأن الذين رووا أخبار هذه الفتن، هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي والخلفاء. فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا، وما ينبغي أن نصدق بعض التاريخ ونكذب بعضه الآخر، لا لشيء إلا لأن بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا".
وهذا حق، ولكن الدكتور يحتج به في معرض الطعن في الصحابة ومعرض القول في نسبة الأخطاء الماحقة إلى أصحاب محمد ﷺ ، ثم يعود فيسقط هذا
стр. 562
الرأي، ولا يبالي به، ويخالفه أشد المخالفة في معرض رد الرواة الذين رووا لنا خبر الفتنة الخبيثة التي تولى كبرها عبد الله بن سبأ اليهودي. ولماذا يفعل ذلك لا ندري، بل الحق أننا ندري ولكننا نأبى أن نتعجل القارئ بحكم لم نأت فيه بالبينة التي تدفع كل أقوال الدكتور في قضية هذا اللعين ابن السوداء، فللقارئ علينا حق لا يحل لنا أن نخونه فيه، وحقه هو أن يرى حجج الدكتور كلها أولا، ثم حججنا متابعة ثانيًا، ثم نعطيه الحكم ليأخذه أو يدعه على هدى وبصيرة. وموعدنا المقال الآتي بإذن الله.
стр. 563
٢ - الفتنة الكبرى
وإذن، فقد أراد الدكتور طه أن يقول إن الفتنة الكبرى التي أفضت إلى قتل عثمان إنما كانت "فتنة عربية نشأت من تزاحم الأغنياء على الغنى والسلطان، ومن حسد العامة العربية لهؤلاء الأغنياء" في ص ١٠٩ فمن أجل تحقيق هذه الكلمة الكبيرة ركب كل مركب في تصوير الحياة الإسلامية الأولى بعد الفتوح بالصورة التي تنتهي به إلى هذا الغرض وحده دون سواه، وهو الغنى والمال والسلطان، وتزاحُم الأغنياء على الغنى والمال والسلطان، وحسد العامة العربية لأصحاب الغنى والمال والسلطان. وأنا -كما قلت آنفًا- لن أحاول أن أنقض هذه الصورة، ولن أعمل عملا في الرد عليها إلا بمقدار ما ينبغي في سياق التحقيق التاريخي لناحية من نواحي هذه الفتنة. ولكن الدكتور كشف عن هدف آخر حين جاء معرض هذه الفتنة، فنفى خبر عبد الله بن سبأ اليهودي، وخبر الكتاب الذي كتب فيه الأمر بقتل رؤوس وفد مصر. وهذا الهدف هو أن ينفي عن اليهود الشركة في دم عثمان، والتحريض على قتل الإمام، فركب مركبًا وعرًا خالف فيه أسلوب العلماء في جرح الأخبار، وكذب الرواة في شيء بغير برهان، وصدقهم في شيء آخر بغير برهان أيضًا، وهو نفسه ينعى في كتابه على "الذين يكذبون الأخبار التي نقلت إلينا ما كان بين الناس من فتنة واختلاف"، فقال في ص ١٧٢: "فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد على أن نكذب التاريخ الإسلامي كله منذ بعث النبي، لأن الذين رووا أخبار هذه الفتن، هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي والخلفاء. فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا. وما ينبغي أن نصدق بعض التاريخ ونكذب بعضه الآخر، لا لشيء إلا لأن بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا". بيد
стр. 564
أن الدكتور طه نفسه، قائل هذا الكلام، قد فعل ذلك فكذبهم حين روى الرواة ما لا يعجبه، وحين رووا ما يؤذيه، وفعل ذلك أيضًا فصدقهم حين رووا ما يروقه، وحين رووا ما يرضيه. فإن الذين رووا أخبار الغنى والمال والسلطان، هم الذين رووا أخبار عبد الله بن سبأ اليهودي وأخبار الكتاب الآمر بقتل وفد مصر، فلم أخذ شيئًا بغير برهان، ونفى أخاه بغير برهان؟
والشيء البيِّن هو أن الدكتور الجليل أراد كما قال في ص ١٣٤ أن يكبر المسلمين في صدر الإسلام "عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديًّا، وكانت أمه سوداء، وكان هو يهوديًّا ثم أسلم لا رغبًا ولا رهبًا، ولكن مكرًا وكيدًا وخداعًا". وهذا قصد حسن ونية جميلة، ولكن الحق أحسن منهما وأجمل. وليس يجمل بنا ولا بالدكتور طه أن يغالط في الحق لشيء يراه هو أو نراه نحن حسنًا جميلا. والتاريخ لا يكتب بالتحكم، وإنما يكتب بالرواية، ثم بالاستدلال، ثم ببذل الجهد في سد الفجوات، وسبيل ذلك أن تأخذ من الماضي أسبابًا وعللا وحوادث ذات خطر، فإن استقامت أن تمتد معك إلى الحاضر الذي تؤرخه، فهي حقيقة بأن تكون شيئًا من التاريخ يوشك أن يكون حقًّا كله أو بعضه.
ولست أحب أن أعلم الدكتور طه، ولكني سأضع بين يديه حقائق لا يدخلها الريب أبدًا، ثم أسأله أن ينظر فيها، وأن يحكم هو بيني وبينه. وسأختصر القول اختصارًا، فإن أكثر مادة هذا الحديث مما لا أظن بالدكتور أن يجهله أو يغفل عنه.
فلنعد إلى حديث قديم كان قبل البعثة بقليل، وكان شديد الخطر في تاريخ العرب، وكان يوشك أن ينتهي إلى حدث جليل في تاريخ مدينة رسول الله ﷺ . فقد كان يسكن هذه البلدة الكريمة بنو أم واحدة وأب واحد من قبائل الأزد بن الغوث: أمهما قيلة، وأبوهما حارثة بن ثعلبة، وهؤلاء هم الأوس والخزرج، وكان يعيش بينهم هذا الجيل من اليهود الذي سكن جزيرة العرب، أو سكن المدينة، فكان من خبر ذلك شيء لم يكن مثله مثلا بين بني هاشم وبني أمية،
стр. 565
وهو الحرب المتطاولة بين هذين الحيين اللذين ولدتهما أم واحدة وأب واحد، ويسكنان معًا بلدة واحدة. وظل هذا القتال بين الحيين متجدد النيران إلى أن كان "يوم بُعاث"، وهو كما قال ابن سعد ج ٣ قسم ٢ ص ١٣٥: "آخر وقعة كانت بين الأوس والخزرج في الحروب التي كانت بينهم. . . وكانت هذه الوقعة ورسول الله ﷺ بمكة قد تنبأ ودعا إلى الإسلام، ثم هاجر بعدها بست سنين إلى المدينة".
ونشأة هذه العداوة العجيبة بين الأخوين: الأوس والخزرج، واقتتالهما هذا القتال المر العنيف حقبًا متطاولة، ودخول اليهود في الحلف، بعضهم مع الأوس وبعضهم مع الخزرج، لا يصيبهم من أذى القتال بين هذين الحيين الأخوين إلا القليل، وتداعيهم باسم اليهودية إذا حزب الأمر، فيكونون يدًا واحدة على هذه العرب، ليس له معني إلا أن تكون هذه اليهود هي التي أرَّثت الحرب والعداوة بينهما لتؤثِّل في هذه الأرض أموالا وآطامًا وحصونًا تكون لها عدة وقوة، وتظهرها على أهل البلاد المالكين لها، وتصرف وجه هؤلاء القوم عن الزراعة والتجارة وتثمير الأموال، وتبقى يهود هي صاحبة الزراعة والتجارة وتثمير الأموال بالربا ومآكل السحت (١). وهذا عمل يهود في كل جيل، وفي كل أمة، وفي كل زمان إلى يوم الناس هذا.
ثم لا يلبث أن يلقى رسول الله ﷺ رهطًا من الخزرج عند العقبة، وكانت يهود كما قال ابن إسحاق، قد عَزُّوهم ببلادهم، أي غلبوهم عليها واستأثروا بها، فلما دعاهم رسول الله إلى الإسلام قالوا له: "إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك. فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك". فيؤلف الله قلوب الأوس والخزرج، وهم الأخوان، على الإسلام فيفشو فيهما فُشوًّا ظاهرًا. ولا يلبث رسول الله أن يهاجر إلى المدينة، فلا يبقى حي من الأوس والخزرج إلا دخله الإسلام وظهر فيه. فيمر
стр. 566
شأس بن قيس ين يهود بني قينقاع -وكان شيخًا عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج، فيغيظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فيقول: "قد اجتمع ملأ بني قيلة (يعني الأوس والخزرج) بهذه البلاد! لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار. فيأمر فتى شابًّا من يهود أن يجلس إليهم فيذكر "يوم بعاث" وما كان قبله، وينشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. فيفعل هذا اليهودي، فإذا الجماعة المؤتلفة على الإسلام تتنازع وتتفاخر، فيتواثب رجلان من الأوس والخزرج، فيقول أحدهما لصاحبه: "إن شئتم رددناها الآنَ جذَعة" (١)، ويغضب الفريقان جميعًا ويقولون: "قد فعلنا، موعدكم الظاهرة (يعنون مكانًا بعينه) ويتداعون: "السلاحَ السلاحَ". ويخرجون إلى موعدهم، فيبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فيخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى إذا جاءهم قال: "يا معشر المسلمين! الله الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم؟ " فيعرف الأنصار، أوسهم وخزرجهم، أنها نزعة من الشيطان (٢) وكيد من "عدوهم"، فيبكون ويتعانقون، ثم ينصرفون مع رسول الله سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس اليهودي. (عن ابن إسحاق وغيره).
وأنا لست أروى لك هذا إلا لتقف على كيد يهود كيف كان؟ ولتعرف كيف كان ترفقهم إلى إثارة العداوة بين هذين الحيَّين منذ قديم؟ ولتنظر لم كانوا يحبون أن تظل هذه العداوة حية متوقدة ليأكلوا من ثمراتها مالا وغلبة وسلطانًا على العرب؟ ولتقارن هذا كله بما لا يزال يجرى إلى أيامنا هذه على يد هذه الشرذمة الخبيثة من بني إسرائيل!
стр. 567
ثم ينزل الله جلت أسماؤه في أمر هذه الفتنة يخاطب المسلمين الذين كان رسول الله بين أظهرهم، لم يمت بعدُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وإذن، فنحن لا نستطيع أن نكبر أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج عن أن يطيعوا فريقًا من اليهود حتى كادوا يردونهم بعد إيمانهم كافرين، ولا أن ننزههم عن ذلك وهم تُتلى عليهم آيات الله وفيهم رسوله! كما فعل الدكتور طه حين أراد أن ينزه أهل الصدر الأول من الإسلام في سنة ٣٥ من الهجرة بعد أن قبض الله إليه نبيه بأكثر من عشرين سنة، وبعد أن نشأت ناشئة من الشباب لا يدَّعى أحد أنهم جميعًا كانوا أحرص على إيمانهم من أصحاب محمد وأنصاره الأولين. وهذا خبر واحد رويته، فإن شئت أن أروي الأخبار كلها لما وسعني كتاب أشرح فيه أمر هذه الفتن التي أرَّثتها اليهود في عهد رسول الله ﷺ ، ولا يسعني أن أنص على كل آيات كتاب الله التي نزلت في أخبار هذه الفتن. وحسبى أن أذكر من نسى أن أخبار المنافقين والآيات التي نزلت فيهم، كانت كلها في المدينة لا في مكة، وأن ذلك دليل على أن النفاق كان حيث تكون يهود، وأن "الأعراب" لم يذكروا إلا في السور المدنية مقرونًا بالنفاق والمنافقين، وأن قول الله تعالى في سورة براءة ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ نزلت في بني أسد وغطفان، وهم كانوا حلفاء يهود في الجاهلية وفي زمان الإسلام، وهذا شيء أرجو أن يتذكره الدكتور حتى نعود إليه.
ولم يكن كل هذا المكر والكيد والإيقاع عملا جاء عفو الخاطر من يهود، ولا كان مأتاه من إساءة لحقتهم من حلفائهم الأوس والخزرج من المؤمنين غير المنافقين، بل هو شر انطوت عليه يهود لا يزايلهم ولو أحسن المسلمون إليهم، وهو حقد وضغينة وكفر وعدوان على أهل هذا الدين، وهم كما وصفهم الله أشد الناس عداوة للذين آمنوا بمحمد صلوات الله عليه. ودليل ذلك أن رجالا كثيرًا
стр. 568
من الأوس والخزرج كانوا يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فكانوا يصافونهم المودة بهذه الأسباب، ويستنصحونهم في أمورهم دون أن يشكوا فيهم أو يتوجسوا منهم خيفة. فأنزل الله في محكم كتابه ينهاهم عن فعل ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وهؤلاء "الذين قالوا آمنا" هم الذين نزلت فيهم الآية السابقة قبل هذه في سورة آل عمران: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وهذه الآية وسبب نزولها يدل دلالة صريحة على أن أهل الإسلام الأول، كانوا لا يزالون يعدون الحلف بينهم وبين يهود حلفًا صادقًا لا غش فيه، وأن يهود كانت تظهر المودة وتخفي أشد العداوة وأشد الغيظ على هؤلاء الذين آمنوا بمحمد ﷺ ، وأنهم كانوا يتخافتون بهذه العداوة، وأنهم كانوا يخدعون هؤلاء المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، حتى إذا صدَّقهم بعض المؤمنين عادوا فأظهروا الكفر ليفتنوهم ويخدعوهم عن دينهم. فإذا صح هذا، وهو صحيح، ورسول الله بين أظهرهم، فهو أحق بالصحة في سنة ٣٥ من الهجرة، لا نكبر أهل الصدر الأول من الإسلام عن أن يقعوا في مثله وفي أشد منه.
ويستطيع الدكتور طه، ويستطيع كل من أطاق القراءة، أن يقرأ كتب السير والمغازى منذ هاجر رسول الله من مكة إلى المدينة، إلى يوم دعاه ربه إلى الرفيق الأعلى، فسيجد أنه لا تكاد تنتهي وقعة بدر الكبرى بالنصر الأعظم لجند الله حتى يسلم رأس النفاق عبد الله بن أُبي بن سلول وجماعته من المنافقين، وكانوا أعوان يهود، ومن يومئذ ينفجر النفاق ويستشرى خطره، حتى تنزل فيه الآيات الكثيرة، وحتى يطلع الله رسوله على خبايا نفوسهم وعلى أعيانهم. ومن يومئذ
стр. 569
يجاهر بعض اليهود بنقض العهد الذي كتبه رسول الله بينه وبينهم عند مقدمه المدينة، فيكون مقتل اليهودي أبي عَفَك، ثم تكون غزوة يهود بني قينقاع، ثم استعانة أبي سفيان بن حرب بيهود بني النضير ينقلون إليه أخبار نبى الله. ثم يكون ما كان في يوم أحد من خروج عبد الله بن أبي بن سلول المنافق مع رسول الله حتى إذا بلغ رسول الله أُحُدًا انخزل ابن أبي في كتيبة أشياعه وهو يقول: "أيعصيني ويطيع الولدان؟ "، ثم يهزم المسلمون، فإذا عادوا إلى المدينة شمت بهم عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه المنافقون، وأظهرت اليهود القول السئ، يقولون: ما محمد إلا طالب ملك! ما أصيب هكذا نبى قط! أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه. ثم لا تمضي خمسة أشهر حتى يحاول يهود بني النضير قتل رسول الله غدرًا حين جاء منازلهم، فأتمروا أن يطرحوا عليه صخرة من فوق البيت الذي هو تحته، فجاءه الوحي بما هموا به. ثم يخرج أبو رافع سلام ابن أبي الحقيق اليهودي بعد أشهر إلى "غطفان" ومن حولهم من مشركى العرب، يغريهم بقتال رسول الله ﷺ . ثم. . .
ولا تزال تمضي من حدث إلى حدث، ومن غدر إلى غدر، ومن نفاق إلى نفاق، واليهود رأس ذلك كله، والعاملون عليه، والموغلون فيه، إلى أن تنتهي إلى خبر اليهودية التي وضعت السم في الشاة ودعت رسول الله ﷺ وهو بخيبر، فأكل من شاتها ثم نبئ أنها مسمومة فلفظها.
فما معنى هذا كله؟ معناه أن اليهود لم يفتر لهم لسان ولا يد ولا غش ولا غدر ولا خديعة ولا ضغن منذ ظهر أمر رسول الله ﷺ ، وأن هذه الشحناء لم تكن عن إساءة لحقتهم من الذين آمنوا بل كانت عصبية يهودية محضًا، وخليقة مركبة في طباع هذا الجنس من البشر، وأن النفاق كان طرفا من دسائسهم ومتنفسًا لأضغانهم على أهل هذا الدين، وأن الله قد وصفهم وصف الحق إذ يقول تباركت أسماؤه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا
стр. 570
مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وهذه الصفة التي وصفهم الله تعالى بها، لم تنقطع ولن تنقطع ما بقى على الأرض مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وسترى في الكلمة الآتية كيف استطاع اليهود أن يفسدوا على المسلمين أمورًا كثيرة، وأن يثيروا فتنة كادت تذهب بالإسلام كله لولا أن الله قد وعد عباده أن يظهر هذا الدين كله ولو كره الكافرون.
стр. 571
٣ - الفتنة الكبرى
كان من البيّن -كما رأيت قبلُ- أن يهود الحجاز قد شبوا في الجاهلية نار العداوة بين بني أم واحدة وأب واحد، يسكنون بلدة واحدة، وهم الأوس والخزرج، فتمادت الحرب بين الأخوين أحقابًا من زمن الجاهلية حتى كادوا يتفانون في يوم "بُعاث" الذي كان قبل هجرة نبي الله ﷺ إلى المدينة بست سنين. وكان الذي كان بين هذين الأخوين أمرًا جللًا شديدًا على بعض عقلاء الأوس والخزرج، إذ صاروا إلى ما وصفهم به أصحاب بيعة العقبة الأولى من الأنصار إذ قالوا لنبي الله: "إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بيننا"، ويهود يومئذ "قد عَزُّوهم ببلادهم" أي غلبوهم عليها واستأثروا بها، كما قال رجال من الصحابة وكما قال أكثر رواة التاريخ القديم. وكان بعض اليهود يحالف الأوس، وبعضهم يحالف الخزرج، ولكنهم كانوا يدًا واحدة إذا جد الجد، فيخرجون من معارك هذين الأخوين لا يصيبهم شرٌّ كثير أو قليل، بل كانوا يقولون لهم: "إن نبيًّا مبعوث الآن قد أظل بزمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإِرَم" وشغلت الحرب والعداوة هذنى الحيين، فانصرفوا عن الزراعة واستولت عليها يهود، وشغلتهم عن التجارة فاستبدت بها يهود، وشغلتهم عن حماية أرضهم فعاثت فيها يهود. وأخذت يهود تبنى في المدينة وما جاورها آطامًا وحصونًا كثيرة متفرقة، وتجمع في هذه الحصون ما استطاعت من السلاح والحلقة (١) وعُدة الحرب، وهي شيء كثير جدًّا كما ظهر ذلك بعد فتح هذه الحصون والآطام على يد رسول الله وأصحابه من المهاجرين والأنصار. ولم يكن ذلك من فعلهم في المدينة وما جاورها وحسب، بل كان مثله أيضًا في جنوب الجزيرة، في اليمن وتلك البقعة من نجران وصنعاء إلى ناحية البحرين، كانوا
стр. 572
يقيمون الحصون والآطام ويجمعون فيها السلاح فيكثرون الجمع، وينشئون لأنفسهم مدنًا أو شبه مدن في هذه النواحي كلها، هي لهم خالصة لا يساكنهم فيها أحد.
نعم، ينشئون المدن والحصون والآطام ويجمعون السلاح، ويحالفون من جاورهم من الأعراب والبدو، ويوقعون بين حلفائهم العداوة والشر، في المدينة وفي غير المدينة من جزيرة العرب. فماذا كانت تريد يهود بإعداد كل هذه العدة من البناء والسلاح وإيقاد البغضاء، وصرف وجوه الناس عن أسباب الحياة إلى معترك الحرب؟ كانت تريد في المدينة مثلا أن تسقط البلاد في أيديهم خالصة لهم، بعد أن يتفانى الأوس والخزرج في حروبهم التي يؤرّثونها بينهم، كما رأيت ذلك من فعلهم يوم رأى شأس بن قيس اليهودي، ما رأى من صلاح ذات البين بين الأوس والخزرج بالإسلام، فيرسل إليهم فتى من يهود يناشدهم ما تقاولوا من الشعر في حروبهم، فتكاد الحرب تقع بين الأوس المسلمين والخزرج المسلمين، لولا أن أدركهم رسول الله فردهم إلى عقولهم وأطفأ كيد اليهودي شأس بن قيس. ومن قارن بين فعل يهود قديمًا وفعلهم حديثًا في فلسطين، ومن إقامتهم الحصون والآطام والمدن في المدينة وغيرها من الجزيرة، وما فعلوا من إنشاء المدن والحصون والمستعمرات حديثًا في فلسطين، عرف أن هذه شيمة يهود منذ قديم، وهذا هو أسلوبهم قديمًا وحديثًا حذوك النعل بالنعل. وإذن فقد كانت تريد يهود أن تنشيء دولة في المدينة شمالا وفي اليمن جنوبًا كما تريد اليوم أن تنشيء دولة لليهود في فلسطين، وفي غير فلسطين أيضًا.
هكذا كان أمرهم في الجاهلية، ثم يرسل الله رسوله ويهاجر إلى المدينة فلا يكاد يفعل حتى يمتلئ تاريخ الإسلام منذ ذلك اليوم بأخبار اليهود وفتنتهم وتأريثهم العداوة بين العرب المشركين والعرب المؤمنين، وبسعايتهم في تأليب الأحزاب على رسول الله، وبغدرهم ونكثهم ودسائسهم، لم يكفوا ساعة عن التماس غرة المؤمنين والمؤمنات، وعن ابتغاء الوقيعة بين المؤمنين أنفسهم، ويمتلئ تاريخ الإسلام عنذ ذلك اليوم أيضًا بأخبار المنافقين، وقد أجاد الله لنا
стр. 573
صفتهم في كتابه، وبين لنا أحسن البيان صلتهم باليهود وإيواء اليهود لهم، ويكثر ما نزل من الآيات في شأن اليهود والمنافقين جميعًا، مقرون ذكرهما معًا. وتكون أول سورة نزلت من القرآن في المدينة هي السورة التي تذكر فيها (البقرة)، يقول الطبري في تفسيره ج ١ ص ٨٤ بإسناده عن ابن عباس: "إن صدر سورة البقرة إلى المئة منها نزل في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم". ثم ماذا؟ ثم تكون آخر سورة نزلت بالمدينة، أو آخر سورة نزلت من القرآن، هي سورة "براءة" أو سورة "التوبة"، تلك السورة التي فضحت اليهود والمنافقين وهتكت عن سرائرهم، وكشفت عما كانوا يبيتون من القول ومن الكيد، والتي يقول الله فيها: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، والتي سماها بعضهم "الفاضحة" و"المُخْزِية" و"المُنَكِّلَة" و"المُشَرِّدّة" و"المُدَمْدِمة" دلالة على ما جلبت على اليهود والمنافقين من الفضيحة والخزى والتنكيل والتشريد والدمدمة. ثم تكون هي السورة التي يذكر فيها "الأعراب" الذين حول المدينة من حلفاء يهود، ست مرات.
تنزل أول سورة من القرآن (١)، فإذا هي في اليهود والمنافقين، وتنزل آخر سورة من القرآن فإذا هي في اليهود والمنافقين ومَن حول المدينة مِن الأعراب حلفاء يهود، وينزل ما بينهما من القرآن في عشر سنوات متواليات يصف ما كان من أمر هؤلاء، وينذرهم، ويكشف عن دسائسهم وكيدهم، فإذا بك ترى تاريخ الإسلام في هذه الحقبة -منذ هاجر رسول الله إلى أن توفاه الله- حافلا بالغدر والكيد والتأليب ونكث العهود ونقض المواثيق. ويكون أول ذلك أن تسلم طائفة من أحبار يهود سماهم أصحاب السير والتاريخ، يسلمون نفاقًا في عهد رسول الله ﷺ (كما فعل كعب الأحبار وعبد الله بن سبأ وغيرهما في عهد عمر وعثمان)، فكانوا يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم
стр. 574
ويستهزئون بدينهم، ويحدثنا ابن هشام عنهم فيقول: "فاجتمع يومًا في المسجد ناس منهم، فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون بينهم خافضى أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفًا"، فهل تجد أوضح ولا أبين من هذا في صفة المتآمرين حين يجلسون يتخافتون بينهم أمرًا يكيدون به ويبيّتونه؟ ويظل هذا حال المنافقين وحال اليهود معًا إلى أن يدعو الله إليه رسوله. يأوى المنافقون إلى أشياخ من اليهود يتآمرون يومًا بعد يوم عشر سنوات متواليات، ويكون على رأس هؤلاء المتآمرين رجال كأمثال رفاعة بن زيد ابن التابوت اليهودي الذي أظهر الإسلام وأبطن النفاق، فيسميه المسلمون "كهف المنافقين"، لأنهم كانوا يخلون إليه، ويتآمرون فيه بليل، ويستودعون ظلام هذا الكهف السميع البصير سرَّ تآمرهم وخفي كيدهم. ورسول الله في خلال ذلك كله يجاهدهم ويرجو هدايتهم، ويظل يفعل ذلك ثمانى سنوات غير قانط ولا يائس، يصلى على من مات من المنافقين ويستغفر لهم، فإذا طال ذلك أنزل عليه ربه في سورة "براءة" آخر سورة نزلت، أشد آية في القرآن خاطب الله بها عبده ونبيه محمدًا ﷺ : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ثم ينهاه أشد النهي فيقول: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. كلمات قاطعة وأوامر حاسمة كحد السيف! !
عشر سنوات والقرآن ينزل على رسول الله في المنافقين واليهود مقرون ذكرهما معًا! ! عشر سنوات تقرأ تاريخها في كتب السيرة فلا تمضي صفحة واحدة إلا وفيها ذكر لليهود والمنافقين معًا، عشر سنوات واليهود والمنافقون معًا يؤلبون على رسول الله القبائل ويفتنون المسلمين، ويدبرون الكيد للمؤمنين والمؤمنات ولرسول الله، حتى كان ما كان من اليهودية التي دست له ولأصحابه السم في الشاة فينبأ ﷺ بما فعلت، فيلفظ بضعة اللحم من فمه ﷺ .
ثم ماذا؟ ثم يحدثنا أصحاب رسول الله ﷺ ، ويحدثنا منهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ﵁ فيقول: "كان آخر ما تكلم به ﷺ أن قال:
стр. 575
"أخرجوا اليهود من الحجاز، أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب". آخر كلمة ينطق بها ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة! آخر كلمة تجرى على لسانه وهو يلبى دعوة ربه إلى الرفيق الأعلى! ويروى الرواة هذه الكلمة، ويأتي علماؤنا أحسن الله جزاءهم فيقفون عند هذا الحديث ينظرون ما سر هذا الأمر الحازم القاطع؟ إنهم لا يهتدون إلى سر، ولا يقفون على خبر، إلا أن يقولوا جميعًا كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الأموال ص ٩٩: "وإنما نُرَاه قال ذلك ﷺ لنكث كان منهم، أو لأمر أحدثوه بعد الصلح". رويدكم أيها العلماء! إنه تأويل متهافت، ولا تجعلوا الظن أصلا في التأويل. لقد كان أولى بكم أن تسألوا أنفسكم: أي نكث ذلك الذي كان من يهود الحجاز ومن أهل نجران؟ وكيف ذهب خبره فلم يرو لنا؟ وأي أمر ذلك الذي أحدثوه بعد الصلح؟ وكيف غاب عنا خبره؟ ولكن غفر الله لكم وجزاكم خيرًا إذ لم تقطعوا برأي تدلسونه على الناس كما يفعل أدعياء العلم وكذبة العلماء في عصرنا هذا، بل قلتم جميعًا كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "إنما نراه" (بضم النون) أي إنما نظنَّه ظنا. ولكن ما قيمة الظن في أمر كهذا الأمر؟ وكيف تريدون أن تفسروا حديثًا بظن من الظنون لم تأت به رواية، ولم يعرف له خبر يؤيده من حوادث التاريخ؟
كلا أيها العلماء! إنها آخر كلمة تكلم بها رسول الله وهو معرض عن الدنيا مقبل على الآخرة، آخر كلمة ينطق بها لسان نبي الله الذي لا ينطق عن الهوى. كلَّا، فالأمر أعظم وأجل وأخطر مما تظنون. إنها كلمة من كلمات النبوة! إنها تنبيه من الله على لسان نبيه إلى أحداث ستكون، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسى كافرًا. لقد كشف الغطاء ويتجلى لرسول الله غيب ما سيكون، فرآه وهو على فراش الموت كما رآه المؤمنون عيانًا من بعد: فتنة ماحقة في الحجاز وما جاورها، وفي نجران وما أَطاف بها. نار مشعلة فيما حول المدينة من الحجاز، وأخرى مستعرة فيما حول نجران من اليمن. إنه يقولها ﷺ لا لشيء كان بل لشيء سيكون، يراه هو ولا يراه أصحابه ﵃.
ولقد نزل الموت برسول الله ﷺ كأشد ما ينزل حتى دعا بقدح من ماء،
стр. 576
يدخل يده فيه ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: "اللهم أعني على سكرات الموت. اللهم أعني على كرب الموت. ادن مني يا جبريل! ادن مني يا جبريل! ادن مني يا جبريل" وعنده ﷺ خميصة (ثوب من خز) يأخذها فيلقيها على وجهه، حتى إذا اغتمّ بها وضاق ألقاها عن وجهه وهو يقول "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ويقول أيضًا: "لئن بقيت لا أدع بجزيرة العرب دينين"، وتكون آخر كلمة يتكلم بها وهو في مثل ما ترى من كرب الموت: "أخرجوا اليهود من الحجاز، أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب": أي أدركوا النار قبل أن تشتعل، أنقذوا العرب من فتن لا تبقى ولا تذر! احذروا يهود الحجاز، واحذروا أهل نجران خذوا عليهم طريق الفتنة وأخرجوهم قبل أن يخرجوكم ويسفكوا دماءكم أيتها العصابة القليلة المؤمنة! ويقبض الله إليه نبيّه قبل أن يقول لهم في هذا الأمر قولا لا يضلون بعده، وتبقى هذه الكلمة بغير تفسير حتى يقول العلماء في سرها ما قالوا رجمًا بالغيب.
ثم ماذا؟ ثم لا تكاد تتم بيعة أبي بكر حتى تنفجر الردة في أماكن بعينها من جزيرة العرب، فتقول عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين قولا يروى لنا، لم يلق إليه أحد بالا إلى يوم الناس هذا: "توفي رسول الله ﷺ فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها! اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب وصار أصحاب محمد كأنهم معزى مطرة، في حُش، في ليلة مطيرة، بأرض مَسْبَعَة (١). فوالله، ما اختلفوا في واحدة إلا طار أبي بحظّها وغنائها عن الإسلام". ويحدثنا أيضًا عروة بن الزبير بن العوام: "وقد ارتدت العرب إما عامة، وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم ﷺ ، وقلتهم وكثرة عدوهم".
وخليق بي وبك، أن نقف قليلا عند هذا. نقف حيث وقف بنا أمر رسول الله أن: "أخرجوا اليهود من الحجاز، أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب"،
стр. 577
نقف حيث وقفت بنا آخر كلمات تكلم بها ﷺ ، وحيث وقف بنا قوله وهو في كرب الموت "لئن بقيت لا أدع بجزيرة العرب دينين"، وحيث وقف بنا قول أم المؤمنين عائشة: "اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب"، وحيث وقف بنا حديث عروة: "ارتدت العرب. . . ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى". ثم نأخذ جميعًا نقرأ تاريخ حروب الردة في كتب القدماء من المؤرخين، وماذا قالوا في أسبابها، ونقرأ تاريخها أيضًا في كتب المحدثين من المؤلفين والمؤرخين، ونقرأ أيضًا كتب المستشرقين الذين يجلّهم الدكتور طه ويرفع بذكرهم رفعًا شديدًا فماذا نجد؟ نجد غموضًا شديدًا كأننا نسير في ليلة مظلمة في بطن واد عميق، عن يمينه جبل شامخ وعن يساره جبل شامخ قد أطبقا عليه جميعًا. وإذا الردة في كتب القدماء أخبار مجموعة كما اتفق لهم أن يجمعوها، لم ينظر أحد في أسبابها، ولا في الحوافز التي أغرت العرب بها، ولا في أمر المرتدين وصفتهم وعلاقة بعضهم ببعض، ولا في وجه الشبه الذي يجمع بينهم قبل أن يرتدوا. وإذا الردة في كتب المحدثين أخبار أيضًا حاول أصحابها أن يرتبوها ما استطاعوا، فلما نظروا في أسبابها، وفي حوافزها، وفي صفة أهلها وفي علاقة بعضهم ببعض، وفي وجه الشبه الجامع بينهم قبل أن يرتدوا -إذا بهم يخلطون خلطًا شديدًا كأنهم يبحثون عن درة في بحر من الوحل. وإذا المستشرقون يملأون كتبهم كعادتهم بالجهل الذي يضرب بعضه في وجوه بعض.
نعم، نقرأ تاريخ الردة في كل هذه الكتب جميعًا، فإذا هي خالية جميعًا من ذكر اليهود ومن ذكر المنافقين إلا كلمة شاردة ككلمة عائشة وكلمة عروة بن الزبير بن العوام تعرض في كتب القدماء، وإذا المحدثون من المستشرقين الخائضين فيما ليسوا له بأهل، لا يكادون يذكرون اليهود والمنافقين في حرب الردة، وإذا هذا عجب من أعجب أمرهم، فهم أشد ولعًا بالبحث عن الأسباب واستقصائها ونبشها من أن تخفي عليهم هذه الحقيقة البينة التي بين أيديهم، حقيقة اليهود والمنافقين وما كاد لهم من خطر في تاريخ الإسلام منذ هاجر رسول الله إلى أن قبضه الله إليه! ! وإذا بك ترى المؤلفين من رجالنا قد ضلوا إلى حيث
стр. 578
أضلهم أساتذتهمِ من المستشرقين، فغفلوا عن تعليل الردة كيف كانت؟ وكيف بدأت؟ ومن بدأ بها؟ وكيف تم أمرها؟ ولم يسأل واحد منهم نفسه. أليس من العجيب الذي لا يقضى منه عجب أن يقضِي نبي الله عشر سنوات منذ هاجر إلى المدينة حتى قبضه الله إليه، فلا يمضي يوم واحد لا يلقى فيه أشد البلاء من كيد يهود، ومن كيد أشياعهم وصنائعهم من المنافقين، ثم يظل رسول الله هذه السنوات العشر وهو يقاتل اليهود ويقاتل مكايدهم في الأوس والخزرج، وفي القبائل، وفي الأعراب حول المدينة، ثم يظل رسول الله يتلقى الوحي عن ربه هذه السنوات العشر، فإذا أول سورة تنزل عليه وهي البقرة، أكثرها في ذكر اليهود والمنافقين وبيان حالهم وصلة بعضهم ببعض وائتمارهم جميعًا بالمؤمنين الذين اتبعوا ما أنزل الله على رسوله. وإذا آخر سورة تنزل عليه ﷺ وهي براءة كلها في صفة اليهود والمنافقين، وفي الكشف عن أقوالهم ودسائسهم وكذبهم وخداعهم حتى فضحتهم ونبأتهم بما تخفي صدورهم من الكيد والغيظ والنفاق، ثم يكون آخر ما يتكلم به ﷺ وهو في كرب الموت: "لئن بقيت لا أدع في جزيرة العرب دينين"، وأمره لصحابته: "أخرجوا اليهود من الحجاز، أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب"، ثم يقبض الله إليه رسوله ويبايَع أبو بكر، وما هي إلا أيام قلائل حتى تشتعل نيران الردة في أماكن بعينها من جزيرة العرب شمالا وجنوبًا وشرقًا وغربًا -أليس من العجيب الذي لا يقضى منه عجب أن لا نجد بعد هذا كله شيئًا في كتب القدماء أو المحدثين -أو المستشرقين إن شئت- ذكرًا لليهود والمنافقين في أمر الردة؟ أهكذا ينتهي فجأة من تاريخ العرب ذكر اليهود والمنافقين بموت رسول الله ﷺ ؟ أيجوز في العقول أن تظل يهود وأشياعُها من المنافقين تكيد للإسلام ولرسول الله وللمؤمنين والمؤمنات عشر سنوات كاملة متتابعة يومًا بعد يوم، فإذا لحق رسول الله بالرفيق الأعلى (في سنة ١١ من الهجرة) نزعوا أيديهم من كل كيد، وبرئوا من كل حَدَث كان بعد ذلك في تاريخ الإسلام- برئوا من الردة (في سنة ١١ من الهجرة)، وبرئوا من مقتل عمر (في سنة ٢٣)، وبرئوا من الفتك بعثمان بن عفان ﵁ (في سنة ٣٥).
стр. 579
ولكن كيف غاب عن أصحاب رسول الله ﷺ معنى قوله: "أخرجوا اليهود من الحجاز، أخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب"؟ وكيف غفل قدماء علمائنا عن معنى هذا الحديث وفيم قيل؟ وكيف ذهل المؤرخون القدماء عن أن يربطوا بين تاريخ الردة وبين تاريخ اليهود والمنافقين؟ وأخيرًا كيف كانت الردة في الإسلام؟ وما آثارها التي تخلفت عنها؟
هذا حديث أحدثك به إن أنسَأ الله في أجلي حتى ألقاك في مكاني من هذه الصفحات.
стр. 580
الفتنة الكبرى
اطلعت على الكلمة التي نشرت في هذا العدد تعليقًا على مقال لي عن كتاب الدكتور طه حسين عن الفتنة "الكبرى" فلما قرأته آثرت أن لا أضيع على قراء الرسالة صفحات في نقد كلام الدكتور شوقى ضيف، فعجلت بكتابة هذه الكلمة.
وليأذن لي الدكتور طه حسين أن أوجه الكلام إلى الدكتور شوقى ضيف، في بعض ما جاء في رده عليَّ.
فأول ذلك أن الدكتور شوقى قد أطال في كلام أكثره موجود في كتاب الدكتور طه. كأنه أراد أن يشرحه، وكان وكنا في غنى عن مثل هذا الشرح.
والثانية أنه أطال أيضًا في الأسباب الموجبة لنفي قصة عبد الله بن سبأ، ونحن لم نقل أننا نثبتها برواية الطبري وحسب، بل قلنا إن الدكتور طه زيف القصة بأسباب لا تستقيم، وهذه الأسباب مذكورة في مقالى ولم يتنبه الدكتور شوقى إلى ضعفها وتهافتها. أما إثباتنا لها فسيأتي فيما بعد بطريق آخر غير الذي ظنه الدكتور ضيف.
والثالثة أنه ذكر عن ياقوت شيئًا في شأن تفسير الطبري وتاريخه، وهو أن الطبري روى في تاريخه أشياء عن رجال ليسوا بثقات، وأنه لم يرو عنهم مثل ذلك في تفسيره لمكانهم من التهمة في رأيه، وشرح ذلك أن للطبري رأيًا في قوم ليسوا بثقات، فنزه التفسير عنهم لأنه أمر دين تجب فيه الحيطة الشديدة؛ أما التاريخ فليس لمثل هذه الحيطة فيه مكان. وموازين المحدثين والمفسرين في رد الرجال وتجريحهم لا يمكن أن تطبق على أهل التاريخ وسواهم من أُدباء ورواة. ولو صح ذلك لأسقطنا رواية التاريخ كله، ورواية الأدب كله، ورواية اللغة كلها، وأظن أن
стр. 581
الدكتور ضيف لم يعط هذا الأمر حقه من النظر والتدبر. ولست فيما أظن أيضًا مكلفًا بشرح أصول هذه الفنون لكل امرئ لم يطلع عليها أو لم يعرفها حق المعرفة، إلا أن يسأل سؤالًا منزهًا عن مواضع اللجاجة في الانتصار لفلان أو فلان.
والرابعة أنه تسرَّع في ذكر أشياء نعفيه من نقدها، لأنها تطول وشرحها يطول أيضًا. ولكني على ثقة من أن الدكتور طه يعرفها كما أعرفها، وتبين موضع الغمز فيها.
ومهما يكن من شيء، فإني كتبت ما كتبت عن "الفتنة الكبرى" ولم أتممه بعد، ولعل الأستاذ لو صبر قليلا لرأي ما يرضيه أو يقنعه. أما العجلة فلا تأتيه بشيء إلا تراكب الخطأ على الخطأ، ونحن إنما نكتب لنزيل الأخطاء لا لنراكمها بعضها على بعض.
وليعذرني الأستاذ إذا رأى أني لم أبين له البيان الشافي في مسألة الرواية في التاريخ والحديث والتفسير، وكيف تكون وما شروطها، وما ينبغي أن ينظر إليه الباحث مرة، ويتجاوز عنه أخرى في هذه الأشياء، فإن شاء أن يتحرَّاه على وجهه، فليسأل الدكتور طه نفسه، فهو يدله على المصادر التي تعينه على بيانها إن شاء الله. . .
стр. 582
هذا زماننا
أراد جماعة من الذين كتب الله عليهم أن يرتزقوا باصطناع السياسة، أن يعقدوا معاهدة بينهم وبين بريطانيا يقضون بها في أمر العراق على ما خيلت لهم أنفسهم وأنفس البريطانيين، ووقف بيفن يتعجبُ ممن زعم أنه يضع توقيعه الكريم على معاهدة فيها بخسٌ لحقوق العراق! وليس هذا بعجيب من ساسة بريطانيا، فقوام السياسة البريطانية هو الخداعُ، والإصرار على الخداع، وتسويغ الخداع، حتى يبلغُ الأمر مبلغ الصَّفاقة المهذّبة في عرف الساسة البريطانيين. ولسنا نلوم بريطانيا ولا ساستها على هذا المذهب القبيح، فهم إنما يترفقون إلى غاياتهم بما وسعهم من الدهاء والمكر، ولكنّا نلوم أولئك المتبجحين ممن راموا أن يكونوا أهل سياسة في هذا الشرق العربي أو الإسلامي، إذ يخادعون أنفسهم ويخادعون أهليهم عن فساد بين في أمر هذه المعاهدات، وهم بذلك إنما يدمّرون شعوبهم بما في أنفسهم من العجز واللجاجة وقلة المعرفة بسياسة الشعوب التي انبعثت من رقدتها مطالبةً بالحياة الحُرة الكريمة. ومصداق هذا ما وقع في العراق، فلم يكد يظهر طرفٌ من سر تلك المعاهدة الخبيثة التي أرادت بريطانيا أن تكبل بها العراق، حتى هبَّ الشعب الأبى هبة واحدة فقوض أركان تلك المعاهدة على رؤوس "بناة الإمبراطورية"، وعلى رؤوس أذنابهم من الساسة المرتزقة، فدل ذلك دلالة بينةً على عجزهم ولجاجتهم وقلة معرفتهم بسياسة الشعوب الناهضة المريدة للحياة والحرية.
وما الذي كانت تريده بريطانيا من تلك المعاهدة الباغية؟ كانت تريد أن تجعلها مثالا يحتذى في معاهدات تعقد بينها وبين مصر والسودان، ولبنان وسورية وجزيرة العرب واليمن وسائر بلاد هذا الشرق فجاءت ثورةُ العراق فزلزلت
стр. 583
قواعد هذا الوهم المنتشر الذي سوَّلت لبريطانيا نفسُها أنه بناء جديد تقوم على أساسه سياسة الإمبراطورية البريطانية الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية. جاءت هذه الثورة فكانت سُنّةً جديدةً في توجيه سياسة العرب توجيهًا غفل عنه المرتزقة من السياسيين القدماء في هذا الشرق، وجاءت فكانت برهانًا جديدًا على أن الشرق العربي والإسلامي لن ينام مرة أُخرى على خُدَع البريطانيين وخيانة المرتزقة من السياسيين، وعلى أن الحياة التي دبَّت في العرب لن تتسكع مرة أخرى في أوصال هذا الكيان القوي العميق المتراحب، بل سوف تتدفّق في نواحيه كلها إلى أن يستوى عوده على الهيئة التي تجعله كيانًا صحيحًا في هذا الكون الذي يغلى من حوله بالثورات السياسية والإجتماعية والاقتصادية والعلمية.
ليس هذا فحسب، بل علينا منذ اليوم أن ننظر ماذا كانت تريد بريطانيا بعقد هذه المعاهدات؟ كانت تريد أن تجمع دول العرب على معاهدات يكون لها فيها الغنم وعلينا الغرم، أي أن بريطانيا كانت تريد أن تستعبد العرب جملة واحدة وتسيرهم في أغراضها على نظام متفق لا تشذ عنه دولة عربية واحدة، سواء أكانت مستقلة استقلالا صحيحًا أم كانت مستقلة استقلالا مشوبًا بالعبودية للإمبراطورية البريطانية، ومعنى ذلك أيضًا أنها تعلم أن العرب سوف ينتهي بهم الأمر إلى أن يكونوأ أمة واحدة، فهي تريد أن تسبق الزمن وتجمع هذه الكتلة الواحدة في قبضة يديها حتى لا ينتشر عليها الأمر. وهذا غرض بين جدًّا، ودوافعه أشد وضوحًا واستبانة. فهل آن لنا أن نتنبه إلى الوضع الصحيح الذي ينبغي أن تكون عليه مطالب العرب فيما هم بسبيله من إحراز حقوقهم كلها جملة واحدة؟
لقد كتبت منذ سبعة أشهر كلمة في هذه المجلة بعنوان "شعب واحد، وقضية واحدة"، وذلك في العدد ٧٣٠ بتاريخ ٣٠ يونية سنة ١٩٤٧ قلت فيها: "إن قضية العرب قضية واحدة بينة المعالم: هي أننا لا نريد إلا أن تكون بلادنا جميعًا مستقلة حرة لا يحتل عراقها جنديٌّ واحدٌ، ولا تخضع جزيرتها لسلطان ملوك البترول، ولا ينال نيلها من منبعه إلى مصبه سلطان بريطانى أو غير بريطانى، ولا تقع شامها ولبنانها تحت سطوة غاصب ولا يعيث في أرجاء مغربها فرنسي
стр. 584
خبيث القول والفعل مجنون الإرادة" ثم قلت في آخرها: "وعن قريب سوف تقول حكومات العرب كلمتها، وسوف يجتمع رأينا على أننا لن نرضى، بأن نجعل قضيتنا أجزاء يتلعب بها هذا ويلهو بها ذاك. إنها قضية واحدة، يرفعها شعب واحد، مطالبًا بحق واحد، هو أننا أحرار في بلادنا". وأنا لا أنقل هذا لأعرض على الناس شيئًا مما كنت توقعت، بل لأقول إن السياسة البريطانية قد علمت علم هذا كله، فهي تريد أن تسبق الزمن لتضعنا في الإِصْر (١) الشديد الذي يسمى بالمعاهدات، ولتستعبدنا في أغراضها، ولتنتقم منا ومن تاريخنا، ومن قديمنا وحديثنا. وأقول إن ساسة الشرق وساسة العرب لا يزالون يعيشون في غفلة الخيانات القديمة التي تولى كبرها رجال ظنوا أنهم زعماء هذه الشعوب، أي أنهم قد ملكوا رقابها فهم يتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه، وذهبوا يفاوضون بريطانيا فيأخذون منها شيئًا وينزلون لها عن أشياء كثيرة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فتبت أيديهم ولعنوا بما قالوا، فقد جروا الشرق كله إلى مضلة لا يهتدى فيها سارٍ إلى علم.
ولكن الشعوب العربية كانت أشد منهم قوة، وأهدى إلى مواطن الحق، فما كادت تشب الثورة في العراق حتى نادى أهل العراق بالجلاء الناجز "عن جميع البلاد العربية"، وهذه الكلمة الشاردة هي كلمة الحق التي سوف ينتهي أمرنا إليها، أبى السياسيون القدماء أم رضوا. فالبلاد العربية من العراق إلى الجزيرة إلى الشام إلى لبنان إلى فلسطين إلى مصر والسودان، إلى تونس والجزائر ومراكش، أمة واحدة، والاستعمار فيها واحد، ومطالبها واحدة. فينبغي إذن أن تصاغ قضية العرب على هيئة واحدة، لا في السياسة الخارجية وحسب، بل في موقفنا جملة واحدة في وجه الطغيان الاستعماري كله، سواء جاء بهذا الاستعمار بريطانيا أو فرنسا أو أمريكا أو روسيا أو هولندة أو أية دولة على ظهر الأرض.
وينبغي أن تعدل سياسة الدول العربية جملة واحدة، فتطالب بمطلب واحد
стр. 585
لا تقبل فيه هوادة ولا تخضيعًا ولا مساومة، هو جلاء الاستعمار عن بلاد العرب كلها. ولقد سبق الشعب العراقي حكومته إلى هذا الرأي، فنحن نرجو أن يحمل الشعب العراقي حكومته على أن تصرح بهذا المطب تصريحًا رسميًا في بيان تصدره بطلب الجلاء الناجز عن جميع البلاد العربية، وتتعهد بأن لا تقبل مفاوضة ولا محادثة ولا مخابرة ولا مهادنة في هذا المطلب أبدًا. فإذا فعلت العراق ذلك، فعلى سائر الحكومات العربية أن تصدر مثل هذا البيان الشامل الذي لا يفرق شيئًا بين الوطن العربي كله ولا بين المستعمرين أيا كانوا.
إني أدعو الجامعة العربية ورجال السياسة الأحرار أن لا يفرقوا في الدعوة إلى الحرية، أدعوهم أن لا يفرقوا قضية العرب أجزاء كل جزء منها يخضع لسياسة تضعف أو تقوي في يد من يتولاها. فقد فهمت بريطانيا هذا، فأرادت أن تنشيء مثالا يحتذى في المعاهدات التي تعقد بينها وبين العرب، وأرادت أن تحمل فرنسا وأسبانيا على الاتفاق على أسلوب جديد يصطلحان عليه في الاتفاق مع بلاد المغرب العربي، يسير على أساس السياسة التي تريدها بريطانيا في اعتبار العالم العربي جملة واحدة تسخَّر في ركاب الاستعمار البريطاني والفرنسي والإسباني. فواجب الجامعة العربية وواجب الحكومات العربية أن تسبق هذه السياسة اللئيمة سبقًا يكفل للشعوب العربية أن تعرف الوجه الذي تسير فيه. فلا مناص إذن من أن تتفق كلمة الدول العربية على أن لا تعقد إحداها معاهدة قط مع إحدى الدول المستعمرة، وعلى أن لا تقبل تقسيم القضية العربية إلى أجزاء، وعلى أن تكون دعوتها ودعوة شعوبها صرخة واحدة مجتمعة في وجه الاستعمار على اختلاف ألوانه وأسبابه والقائمين به، وهي الجلاء الناجز عن بلاد العرب جميعًا، ثم عن بلاد الإسلام كلها في نواحي الأرض. فإذا توانت حكومات العرب، وإذا تلجلجت الجامعة العربية؛ فمغبة ذلك أن تفوت على هذه الشعوب زمنًا يطول أو يقصر، كانت خليقة أن تبلغ فيه ما تريد من نيل الحرية الكاملة، والاستقلال الناجز التام.
إن ضعف القائمين بالسياسة العربية، لا ينتهي إلا إلى ضياع الوقت وضياع
стр. 586
الحقوق. ونحن لا نطالب المستعمرين بشيء، لأنهم لا يملكون شيئًا هم قادرون على أدائه. إنهم مغتصبون، ونحن ثوار على هذا الغصب، وهم طغاة ونحن لا نقبل هذا الطغيان، وهم يملكون أسباب القوة المادية ونحن نملك أسباب القوة الروحية، وهم ظُلَّام ونحن لا نرضى بهذا الظلم، وهم يتحكمون بالاستعمار والاستعباد، ونحن نتعالى عن الاستعمار والاستعباد. فهذه القوة التي انطوى عليها حقنا، يقابلها ضعف ينطوى عليه افتياتهم علينا. ومصير ذلك كله إلى الغلبة والنصر إذا أحسن رجالنا الاستعداد لهذه الموقعة الفاصلة في تاريخ البشر.
لم يبق شيء في تاريخ البشر يحمل طابع الفساد والبوار والدمار، إلا هذا الجشع الذي يحمل أمم الغرب على أن يضعوا أيديهم على كنوز العالم؛ ليقاتل بعضهم بعضًا في حرب مبيدة مدمرة. وقد عرف هذا الغرب أن الشرق كنوز كله؛ فهو يجاهد أن يستولى عليها بما استطاع من الحيلة ومن اللؤم، ومن إهدار الكرامة الإنسانية، ومن قلة المبالاة بإفساد هذا الشرق وإفساد أهله حتى ينال منه منالًا يكفل له حرية التصرف في كنوزه. فعلينا أن نقف حُراسًا على كنوزنا لا نبيحها بعد اليوم لأحد. وعلى رجال السياسة منا أن يغيروا مناهجهم السياسية تغييرًا تامًّا يقوم على أساس واحد، هو أننا لن نعاون هذا الغرب على الفجور في الأرض، وأننا نمنع عنه مادة الفساد التي يريدها لتدمير حضارات العالم، وأننا قد عزمنا أن ننشيء مدنيّة جديدة وحضارة جديدة لا تقوم على الجشع ولا على الاستبداد. وأننا أحرار في بلادنا كل الحرية وإن اجتمعت دول العالم كله على إنكار هذه الحرية. ولا يصل العرب والمسلمون إلى هذا إلا بشيء واحد هو أن تجتمع الكلمة في الأرض العربية والأرض الإسلامية على هذا الشيء الواحد، وهو أن لا مفاوضة ولا معاهدة ولا مخابرة ولا مهادنة، وأن الشرق لن يستقر على قرار حتى تجلو الجنود المستعمرة عن أراضيه كلها، وأن كل عون للاستعمار في هذا الشرق من الأجانب واليهود الصهيونيين قد كتب عليهم أن يخرجوا من بلادنا إلى حيث شاءوا، وأننا لن نقبل دون هذا شيئًا يصرفنا عن الغرض الأعظم، وهو تجديد حضارة العالم على أسس من العدل والحق والمساواة والحرية. هذا هو المطلب الأعظم الذي ينبغي أن توجه إليه سياستنا كلها، لا تخدعنا عنه خطرفة
стр. 587
السياسيين المتهالكين الذي يقولون للشرق: أنت عاجز، فمن لك ببلوغ هذا المطلب البعيد المغرق في الخيال!
كلا، ليس الشرق عاجزًا بل هو أهل لما حُمِّل، وإن تراءى للناس على غير الحقيقة المستكنة وراء هذا الطوفان من الفقر والجهل والفساد. فإذا عزم العرب وعزم رجاله وقواده أن يفعلوا، فلن يحول بينهم وبين ما يبتغون شيء جل أو تفاقم. بيد أننا اليوم في حاجة إلى الأخذ بهذا المبدأ الواحد، وإلى إزالة أولئك السياسيين القدماء عن مكان القيادة في بلادنا، وإلى تقدم الفئة الصالحة إلى هذه التبعة الجليلة لتحملها حملا لا يعجزها ولا يصرفها عنه خوف ولا تردد. ولقد سبق العراق، وسوف تتبعه سائر البلاد العربية والإسلامية، ولن نلبث قليلا حتى نرى في هذا الشرق عجائب القوة العظيمة التي انطوت عليها جوانحه، فلابد من أن تفسح الحكومات الطريق للعمل القوي الماضي الذي لا يرتد عن غايته، ولابد من أن تدفع الشعوب عن نفسها طغيان السياسيين المخادعين المنافقين، ولابد من أن يتولى العرب بأنفسهم حل هذه القضية الواحدة بالصبر والمقاطعة، وبالعزم والجلاد وبالتضحية الكبرى في سبيل إنقاذ البشر من فتن كقطع الليل المظلم، ومن فساد جارف كالسيل المتدفق، ومن طغيان قذر قد ارتطم فيه هذا العالم القديم الذي قام على أسس فاجرة من الجشع.
أفيقوا أيها الناس، واستيقظى أيتها الحكومات، وتقدمى أيتها الجامعة العربية باسم العرب الى حمل التبعة العظيمة والزمن أسرع منكم، فبادروه بالعمل والصرامة، وبالصدق والإخلاص، فإن حياتكم وحياة أممكم معقودة بشيء واحد، هو ثباتكم على المبدأ الأعظم، وأخذكم بالقوة التي استودعها الله في قومكم وغفلتم عنها أجيالا طوالا. هبوا فقد أَنَى (١) زمنكم وأعدَّكم الله لشيء أنتم بالغوه في الناس وفي أنفسكم.
стр. 588
الحرية! الحرية !
أصبحت الجامعة العربية حديث العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، قد ناطوا بها كل آمالهم في بلوغ غاياتهم وإدراك ما تتمناه قلوبهم وضمائرهم، وحسب الجامعة أن تكون قبلة أربعمائة مليون عربي ومسلم في دنيا كلها عدوّ لنا يبغينا الغوائل. ولكن لا حسب، فليس من الحق أن نترك الجامعة تسير وحدها في الطريق دون أن ترتفع أصوات طلاب الحق تؤيدها وتسددها وتشير عليها بالرأي بعد الرأي، فإن رجال الجامعة رجال من أنفسنا، قد رضيت العرب أن تعهد إليهم بقيادة هذه الشعوب المطالبة بالتحرر من قيود الاستعمار التي ضربت علينا ونحن في غفلة عن الدنيا الضارية التي أرسلت علينا وحوشها ترتع في حمانا، وتستأثر بخير بلادنا، وتنال منا نيلا شديدًا.
وقد آن أوان تغيير ما كان وما سار عليه العمل في السنوات الماضية. فالجامعة ترى كما هي كل عربي ومسلم منذ وضعت الحرب العالمية الماضية أوزارها، أن أوربة الجائعة التي لا تشبع، قد خرجت من تحت أنقاض الحرب المدمرة وهي أشد ضراوة ووحشية مما كانت قبل الحرب وفي زمان الحرب. وأنها تريد أن تلتهم كل شيء فتشبع ونجوع نحن، وتعبث ونئن نحن، وتستغرق في الترف وناعم العيش وإن أغرقتنا نحن في الضنك وبؤس الحياة. فهذه روسيا تريد أن توغل حيث أطاقت وحيث تيسر لها أن تتوغل. وهذه بريطانيا الكاهنة العتيقة العاتية تريد أن تتلو زمازم (١) كهانتها على شعوبنا لتنيمَنا مرة أخرى على الخسف الذي نمنا عليها أجيالا طوالا. ثم هذه ثالثة الثلاثة أمريكا التي لا ينطفئ أُوار ظمئها إلى البترول، تريد أن تستنفد كل شيء ما استطاعت، لتنعم هي به
стр. 589
وبكل ما يطيق العلم أن يحدثه من ترف أو قوة، فتدخل مع بريطانيا في الحلف الاستعماري، لا تبالى أن تناقض تاريخ الأحرار القدماء من رجالها وبناة مجدها.
وترى الجامعة كما يرى كل عربي مسلم، أن الشرق العربي والشرق الإسلامي لم يقرَّ له قرار منذ سكنت نار الحرب، فقد انبعثت أندونيسيا تريد الحرية فلم يبال بها أحد، وانبعثت الهند تريد الحرية فأناموها بأن أدخلوها في نظام الدومنيون، وهبت مصر والسودان تجادل عن حقها في مجلس الأمن فأصمت الأمم الداعية إلى الحرية آذانها، وعلقوا القضية في هيكل الوثنية الحديثة التي تعبد إله الشهوات، وثار العراق يريد أن يحطم قيود الذل فأرادت بريطانيا أن تختدعه عن نفسه فأبى إباء الأحرار، وماج المغرب العربي في تونس والجزائر ومراكش، فضربت عليه فرنسا حكم الجبروت وألقت بينه وبين العالم أسدادًا من فولاذ الظلم والطغيان، وسكت العالم الجديد عن هذا البغى اللئيم الذي ليس له رادع من نفسه ولا من الناس. وفارت مدغشقر فأطفأ المستعمرون تلك الأرواح المستعرة بأسنة الحراب. وأخيرا كشفت روسيا وبريطانيا وأمريكا وسائر الدول الصليبية قناع النفاق والرياء، فقضت أن تطلق على فلسطين أنذال البشرية من يهود، ليطردوا العرب من أرض آبائهم وأجدادهم منذ كان للعرب على هذه الأرض تاريخ، فأجمعت الأمم الإسلامية على أن ترد على العدوان وإن اجتمعت الدنيا كلها على تحقيقه ومناصرته.
ترى الجامعة العربية كل هذا كما يراه كل مسلم وعربي، ولكنها لا تزال تسير في أمر هذه الثورة الجامحة -التي يريد بها العرب والمسلمون أن يطهروا أنفسهم من الاستعباد، وأن يطهروا أرض الله من البغى والعدوان- سيرةً لم يسرها قبل مطالب بحق يعلم أنه حق لا نزاع فيه. فهي تشغل نفسها مثلًا بقضية فلسطين وحدها -على خطر شأنها- وتنسى ما يجرى في مراكش وتونس والجزائر، وما يحدث في العراق، وما هو كائن في مصر والسودان، وما لا يزال يحدث في أندونيسيا وسائر البلدان والأمم المطالبة بالحرية. ولعلها تقول إنها تنظر في الأهم
стр. 590
ثم المهم، وإنها لا تريد أن تخرج عن الأصل الذي وضعت له والذي يدل عليه اسمها وهو "جامعة الدول العربية"، لا جامعة العرب، ولا جامعة الإسلام، ولا جامعة الشرق. وهذا حق، ولكن ما الذي يحسبها (١) على هذا وحده؟ وما معنى أن تقصر أمرها على الدول العربية "المستقلة" في ظاهر الأمر؟ إن هذه الدول العربية "المستقلة" ليست مستقلة في حقيقة الأمر، وإلا ففيم ثورة مصر والسودان؟ وفيم ثورة العراق؟ وفيم غليان شرق الأردن؟ فليس من الرأي أن تظل الجامعة العربية مقيدة بأشياء هي حبر على ورق؛ بل ينبغي أن تضم إليها رجالا من تونس والجزائر ومراكش، وينبغي أن تضم إليها رجالا من سائر الدول الإسلامية والشرقية ممن لهم مع العرب صلات لا يمكن أن تقطعها هذه القواطع المزيفة، وينبغي أن تعلن الجامعة العربية أنها قد أخذت على عاتقها أن تدافع عن حرية العرب وحرية المسلمين، وينبغي أن تكون هي المؤتمر العام الذي ينضم إليه كل ناشد للحرية في هذه الأرض مهما اختلفت الأجناس والأديان.
بل ينبغي أن تجمع الجامعة العربية في يدها أمر السياسة العربية والإسلامية جملة واحدة، وأن تضع المبادئ التي يجب على كل أمة تنضم إليها أن تعمل بها، وأن تكون هي المعبرة عن النداء العام الذي تنادى به هذه الأمم والشعوب وهو: الحرية! وينبغي أن تسير في ذلك كله مرة واحدة، فلا تفرق قضية الحرية إلى قضايا كل واحدة منها تعالج على أسلوب يخالف أخاه أو يتخلف عنه.
إن روسيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وسائر الدول المستعمرة، أو أذيال الدول المستعمرة، قد اتفقوا جميعًا على العرب والمسلمين وأهل الشرق، ففيم نتأخر نحن أو نحجم أو نتلجلج؟ ولم لا نعمل جميعًا جملة واحدة، ويدًا واحدة، وفي وقت واحد، وأي عائق يعوق المطالبين بالحرية والناشدين لها عن اجتماع الكلمة على هذا الحق الذي لا يملك أحد أن يمنحه أحدًا، لأنه عطية الله ونعمته، ليس لأحد أن يسلبه؟ وكيف يسلبه وهو قوام هذا البنيان الإلهي؟ فإذا خلا هذا البنيان
стр. 591
من الحرية، فقد خلا من الحياة وانهدم، وكان أنقاضًا تسعى على أرض تلفظها، وتستظل بسماء تلعنها.
إن جامعة الدول العربية، إنما تتكلم اليوم باسم الشعوب العربية لا باسم الحكومات وحدها. فلتعلم الجامعة أن الشعوب قد سئمت هذه السياسة العتيقة البالية، سياسة المداورة والمحاورة، سياسة الظنون الخداعة، سياسة المغررين الذين يحسبون أن سينالون حقوقهم بالمفاوضات والمحادثات والمخابرات والمخادعات. فلتحذر إذن أن تقف دون الغاية التي تسعى إليها شعوبها، ولتخط الخطوة الواسعة التي خطتها الشعوب في سبيل درك الحرية وانتزاعها من يد الجبابرة الظالمين. إنها اليوم أعظم قوة في هذا الشرق العربي والإسلامي، فلزام عليها أن تنطق بإرادة هذه الشعوب مجتمعة، لا بإرادة حكومات تغرَّر بها السياسة، ولا بإرادة أفراد مهما بلغ سلطانهم فهو دون سلطان الشعوب التي يمثلونها، بل ينبغي أن تكون الجامعة هي الرقيب الذي لا ينام على إرادة هذه الحكومات وعلى إرادة هؤلاء الأفراد، طبقًا لإرادة الشعوب وحدها.
إني لا أزال أنذر الناس أننا نعيش اليوم في زمن غير الزمن الذي ألفوه منذ خمس سنوات وحسب، فاليقظة التي تدب اليوم في كيان الشعوب العربية والإسلامية أضخم وأعظم وأقوى مما يخطر ببال أحد، إنها القوة التي لا يقف دونها سلطان ولا طغيان ولا بأس. نعم، إن النظر العابر الخاطف لا يكاد يدل على هذه الحقيقة، ولكن النظرة المتأنية المتعمقة تستطيع أن تحس بهذه الحركة الجياشة التي فار فائرها تحت هذا الظاهر الساكن المطمئن. وإنما يغفل من يغفل عن إدراك هذه القوة، لأنه ألف شيئًا مضى، فقاس عليه شيئًا جديدًا يراه وهو متأثر بهذا الماضي، ولأنه مسوق في عنان هذه السرعة الخاطفة التي يجرى بها عالمنا الحاضر إلى الغايات التي لا يعلم غيبها إلا عالم غيب السموات والأرض. ولكن الجامعة العربية قد فرض عليها أن تنظر النظرة المتأنية العميقة لتدرك هذه الحقيقة التي لا تخفى، ثم تقيم سياستها على هذا الأصل وحده دون الأصول الأخرى التي ورثتها عن السياسات العتيقة، سياسة المفاوضات والمخادعات، وسياسة الأخذ والإعطاء، وسياسة تقسيم القضية الواحدة - قضية الحرية.
стр. 592
إني أنذر الحكومات، وأنذر الجامعة العربية بأن هذه اليقظة القوية العنيفة سوف تنكشف عن قريب، وأنها إذا لم تجد الحكومات، ولم تجد الجامعة العربية، قد تهيأوا للسير في خطاها. فهي ستدمرهم جميعًا، ويخشى يومئذ أن تنقلب هذه اليقظة فتنة هوجاء لا قائد لها تعصف بهم جميعًا عصف الرياح بهشيم النبات. فليتق الله كل عامل منا، ولينظر إلى غد، وليعرف حقيقة هذه الشعوب، وليأخذ نصيبه من التبعة التي ألقاها عليه مكانه من الناس ومن الشعوب.
إن قضية الشعوب العربية والشرقية والإسلامية "قضية واحدة"، فاكتبوا هذه الكلمة في كل مكان، ورددوها بكل لسان، واهدروا بها هدير الأمواج في هذه البحار المظلمة، فإنها كلمة النجاة لكم ولشعوبكم وللناس جميعًا.
إن ساعة الخطر الأعظم قد دنت وتطابقت علينا عقاربها من هنا ومن ثم، وإن بريطانيا أولا ثم أمريكا وروسيا وأذيالهم من أمم الاستعمار الصليبية، تدرك هذه الحقيقة كل الإدراك، فهي تريد أن تمزق شمل هذه القوة قبل أن تجتمع وتبدو جملة واحدة. فبريطانيا تريد أن تشغل كل قبيل منا أو كل دولة بشأن من شئونها التي تثير جماهير رجال السياسة القدماء، أولئك الرجال الذين نشأوا في أحضانها، أو في أحضان استعمارها الخبيث. وأمريكا تريد أن تشغل كل أمة منا باللعنة الماحقة التي تقوم عليها قوتها وهي البترول ومنابع البترول، تشتريه من هذه الأمم الفقيرة بأبخس الأثمان، فتنقله إلى بلادها فيكون أرخص ثمنًا من البترول الذي تستخرجه من نفس أرضها! وتخدع هؤلاء المساكين بالدولار تعطيه، وهو ليس عطية، بل محنة وبلاء واستعبادًا للإنسان الفقير الذي يظن أن المال هو كل شيء في هذه الدنيا. وأما روسيا فهي تعمل جاهدة على أن تأتي هذه الشعوب من طريق فتنتها عن الهدف الأعظم وهي الحرية، وتوجهها إلى الفتنة الخبيثة توقدها بين الغني والفقير، والمالك والمستأجر، والعامل وصاحب المال، حتى إذا صرفت الوجوه عن حقيقة الحياة -أي عن الحرية- دخلت فاستقرت وتحكمت واستبدت، وفعلت بنا ما فعل هؤلاء الديمقراطيون: زعموا أنهم يدافعون عن الحرية ثم سلبونا حريتنا، وتدعى روسيا أنها تريد المساواة بين الناس؛ فإذا دخلت
стр. 593
بيننا حرمتنا هذه المساواة. إن هذه الدول جميعًا على اختلافها واختلاف مصالحها قد اتفقت على مصلحة واحدة هي أن تقتلنا، ثم يأتي بعد ذلك تنازعهم واقتتالهم على أسلاب هذا القتيل.
فالجامعة العربية هي التي كتب عليها منذ اليوم أن تقف حيال هذه القوي مجتمعة لتردها عن هذا الهدف اللئيم الذي تسعى إليه، فلتجمع في لسانها ضمير هذه الشعوب المستهدفة للخطر الأعظم، ولتنطق بالكلمة الواحدة التي تعبر عن هذا الضمير، وهي أن قضية العرب والشرق والإسلام قضية واحدة، قضية لا تتجزأ لأن الحرية لا تتجزأ. والجامعة العربية تعلم -أو ينبغي أن تعلم- أنها إذا نطقت بهذه الكلمة وجعلتها أصل سياستها التي لا نقبل فيها مهادنة ولا مفاوضة ولا مجادلة، انبعث من ورائها قوة أربعمائة مليون نسمة تهتف من ورائها هتافًا يهدّ الجبال الراسيات، ويشتت بأس الأمم الطاغية بسلاحها ومدمراتها وجبروتها وبغيها ويهودها أيضا. إنهم أربعمائة مليون يهتفون بلسان واحد في وقت واحد: الحرية الحرية!
إنها قضية واحدة أيتها الجامعة! إنها قضية واحدة أيتها الحكومات! إنها قضية واحدة أيها الملوك والأمراء! فأجمعوا أمركم وتنادوا جميعا في مشارق الأرض ومغاربها -من حدود الصين إلى بلاد المغرب الأقصى، ومن أطراف الشام إلى جنوب إفريقية. تنادوا بالكلمة الواحدة التي تزلزل هذه الأرض التي امتلأت جوانبها بغيًا وظلمًا وفسادًا، تنادوا بحرف واحد وبلسان واحد، وفي وقت واحد: الحرية! الحرية! ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 594
لمن أكتب ؟
بيني وبينها أيام معتقة كأنها خمر في دِنان الزمن، فإذا ما قدّر الله لنا أن نجتمع يومًا، طارت بلبى نشوة ترمى بي إلى عالم ساكن ناضر ناعم النسمات، فأفارق بها عالمًا صاخبًا محترقًا لافح الرياح عاصف الأعاصير. واجتماعنا هو إحدى الأماني التي يقول في مثلها الشاعر:
أماني من سعدى رِواءٌ، كأنما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
وإذا اجتمعنا وتنهدت بيننا الأحاديث، فربما فاجأتني بالسؤال لا أتوقعه، فيردنى سؤالها إلى نفسي ردًّا عنيفًا لا أملك معه إلا أن أديم طرفي إلى هذا الوجه الذي يخفي وراءه نفسًا ثائرة، ولكنها ساكنة على ثورتها سكون الجبال الراسيات. ولست أدري أتلك إحدى لطائف الحيل التي تحب أن توقظنى بها من غفوة الأحلام، أم تلك يقظة دائمة في نفس لا تطيق إلا أن تكون متيقظة حين يدعوها الهوى إلى إغفاءة تريحها من ثورة نفسها واضطرابها؟ وأي ذلك كان، فهي قد أخذتنى أخذًا شديدًا حين استوت في جلستها وقالت: حدثني، لمن تكتب هذا الذي تكتبه؟ إنهم جميعًا نيام يغطون، فلو قذفتهم بالشهب أو الصواعق لناموا على وقعها أو إحراقها.
فلما أفقت على سؤالها، جعلت أردده في نفسي وأنا أملأ عيني من صفاء هذه الينابيع التي تترقرق في وجهها وفي عينيها. وأخيرًا قلت لها: لن أجيبك إلا حيث تقرأين كلامي، ودعينا لما بنا، فإن لقاءنا ساعةٌ فرت إلينا من هذا الفراق السرمدي.
стр. 595
لمن أكتب؟ لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولم أكتب؟ ولكني أحس الآن من سر قلبي أنى إنما كنت أكتب، ولا أزال أكتب، لإنسان من الناس لا أدري من هو، ولا أين هو: أهو حي فيسمعني، أم جنين لم يولد بعد سوف يقدَّر له أن يقرأنى؟ ولست على يقين من شيء إلا أن الذي أدعو إليه سوف يتحقق يومًا على يد من يحسن توجيه هذه الأمم العربية والإسلامية إلى الغاية التي خلقت لها، وهي إنشاء حضارة جديدة في هذا العالم، تطمس هذه الحضارة التي فارت بالأحقاد والأضغان والمظالم، ولم يتورع أهلها عن الجور والبغى في كل شيء، حتى في أنبل الأشياء - وهو العلم.
لم يخامر قلبي يأس قط من هذه الفترة التي نعيش فيها من زمننا، ولم يداخلنى الشك في حقيقة هذه الشعوب، وإن كانت لا تزال تعيش في بلبلة جياشة بأخلاط من الغرور والخداع والعبث، وفي أكفان من الفقر والجهل والمخافة، وفي كهوف من الظلم والاستبداد وقلة الرحمة. كل ذلك شيء أراه وأعرفه، ولكني أستشف تحت ذلك كله نقاء وطهرًا وقوة تدب في أوصال هذا العالم الذي أوجه إليه كلامي، وهو خليق أن يتجمع للوثبة في الساعة التي كتب له فيها أن يهب مرة واحدة تذهل الناس كما أذهلتهم من قبل، وهو خليق أن يكون سر الحياة الجديدة التي تضرب عروقها إلى عصور بعيدة في تاريخ البشر. ولعل هذه المحن التي أحاطت به من خارج، والتي استبطنته من داخل، هي حوافز البعث الجديد، وهي نار التمحيص التي تنفي خبثه كما ينفي الكير خَبَث الحديد.
أنا أعلم أن رجال السياسة عندنا لا يزالون أَوْزاعًا (١) من خلق الله لا ندري كيف نشأوا، وعلى أي شيء قامت شهرتهم ولا إلى أين تمضي أهدافهم، وهم فوق ذلك كله قد لوّثوا ضمائرهم وعقولهم وأخلاقهم وعزائمهم بأشياء لا يمكن أن تؤدى إلى خير وهم قد أشربوا فتنة بأخلاق الساسة الطغاة الذين ابتلى بهم
стр. 596
الغرب وامتحنت بهم الحضارة الغربية. ولست أشك ساعة في أنهم لا خير فيها البتة، مهما دل ظاهر تدليسهم أو تدليس الصحافة بأسمائهم على أنهم يفعلون خيرًا أو أنهم سوف ينتهون إلى خير ولست أرتاب البتة في أن الخير كل الخير هو في زوالهم جملةً واحدة من مكانهم، لكي يتسنى لهذه الشعوب العربية والإسلامية أن تهتدي إلى الحق في حياتها وفي جهادها وفي أهدافها.
وأنا أعلم أن رجال العلم من أي أقسامه كانوا، لا يزالون يتعبَّدون أنفسهم لكثير مما لا نفع فيه لأممهم، بل لعلهم لا يزالون يترفعون عن هذه الشعوب الفقيرة الجاهلة، والتي هي شعوبهم، ظنًّا منهم أنها شعوب لا تستطيع أن تبلغ ما بلغ الناس في العلم، فضلا عن أن يدركوا سوابق العلماء في هذه الفترة من زماننا، فضلا عن يسبقوا أمم الحضارة الحاضرة في ميدان هذه العلوم. وهم في خلال ذلك -إلا من عصم الله- يبسطون ألسنتهم بسطًا شديدًا في أعراض هذه الشعوب، فيقرفونها بكل مَسَبَّة، ثم يصرفون وجوههم إلى أوربة وأمريكا وغيرهما كأنما هم منها ومن صميمها، لا من هذه الشعوب البائسة التي ظنوا أن الموت كتاب محتوم عليها.
وأنا أعلم أن أكثر أهل السلطان في هذا الشرق، لا يزالون يعيشون في عزلة لا يبالون قليلا ولا كثيرًا بما فيه خير بلادهم، وأنهم يحتقرون جماهير الشعوب احتقارًا ينسرب في خاصّ كلامهم كما ينسرب في أكثر أفعالهم. وهم فئة قليلة فتنتها النعمة والترف واللذاذات، حتى ما تبالى أن تصب على أممها ضروبًا من المظالم كان ينبغي أن تترفع عن ارتكابها، لا رحمة بالناس، بل مخافة من الناس، فالشعوب إذا هاجها ما [يهيجها] لم تبق على شيء وإن كان في بقائه خيرها.
وأنا أعلم أن أهل الدين -إلا من رحم ربك- قد رَمْوا بدينهم ظِهريًّا، وإن لبسوا لباسه وتشبهوا على الناس وغرَّوهم باسم هذا الدين. وهم يأكلون باسم الدين نارًا حامية، وهم قد فقدوا بفقد آداب هذا الدين كل شيء يجعل لهم عند الناس مكانة ترفعهم عن الشبهات، وبذلك أصبحوا كالعامة التي تحتاج إلى من يقودها ويهديها.
стр. 597
وقصارى ما يقال هو أن الحياة في هذا الشرق على اختلاف نحله ومذاهبه وأديانه وأحزابه، قد صار كأهل سفينة جُنَّ أكثر من فيها، وكلهم يريد أن يقود السفينة كما خيلت له طوائف وساوسه وأوهامه، مستبدًّا بما يرى من الرأي. ولكني مع ذلك لن أيأس ساعة من أهل الخير، لن أيأس من رجل أو رجال توقظهم هذه البلوى المحيطة بالجماعة، فيدفعها حب الحياة وحب الخير إلى نفض غبار القرون عن أنفسهم، ثم تنشط من عقالها إلى قيادة هذه الناس بقوة تنفث في هؤلاء جميعًا رُوحًا مسدِّدة هادية تبرئهم مما أصابهم، وتستنقذ منهم من يصلح للبقاء والعمل في جيل جديد، له هدف معين، وله طريق لا يفارقه، وله همة جياشة تجعله يطوى المسافات المترامية طيًّا حتى يصل إلى غايته لم يلحقه كلل ولا سآمة ولا إعياء.
فأنا أكتب لرجل أو رجال سوف يخرجون من غمار هذا الخلق، قد امتلأت قلوبهم بالقوة التي تنفجر من قلوبهم كالسيل الجارف، تطوح بما لا خير فيه، وتروى أرضًا صالحة تنبت نباتًا طيبًا.
ومهما كان من أمر تلك الطوائف التي ذكرتها، ومهما كان رأيها في هذه الشعوب التي تنتمي إليها، ومهما عدت شعوبها سائمة ترعى أيامًا معدودة حتى تتخطفها أرماح الأجل، فمن هذه (السائمة) سوف ينفرد رجل يقود الشعوب بحقها لأنه منها: يشعر بما كانت تشعر به، ويألم لما كانت تألم له، وينبض قلبه بالأماني التي كانت تنبض في قلوبها. وهو وحده الذي يعرف كيف يرفع عن عيونها حجاب الجهل، ويطرح عن كواهلها قواصم الفقر، ويملأ قلوبها بما امتلأ به قلبه من حب هذه الأرض التي تعيش فيها مضطهدة ذليلة خائفة.
إنه الرجل الذي قد خُلطت طينته التي خلق منها بالحرية، فأبت كل ذرة في بدنه أن تكون عبدًا لأحد ممن خلق الله على هذه الأرض، فهو يشرق من جميع نواحيه على أجيال الناس كلها كما تشرق الشمس ترمى بأشعتها هنا وهنا، ولا يملك الناس إلا أن ينصبوا لها وجوههم وأبدانهم ليذهب عنهم هذا البرد الشديد الذي شلهم وأمسك أوصالهم عن الحركة. وهو يسير بينهم فتسري نفسه في نفوسهم، فتموج الحياة فيهم بأمواجها التي لا يقف دونها شيء مهما بلغت قوته أو جبروته.
стр. 598
ألا إن الشرق العربي لينتظر صابرًا كعادته هذا الرجل. وإني لأحس أن كل شرقي قد أصبح اليوم يتلفت لا من حيرة وضلال، بل توقعًا لشيء سوف يأتي قد أَنى (١) زمانه، ففي كل نفس منه خاطرة تختلج. وهذا الإحساس فينا هو الذي يحملنى على الإيمان بأن ذلك كائن عن قريب، وأننا قد أشرفنا على زمن قد كتب الله علينا فيه أن نجاهد في سبيله، ثم في سبيل الحق والحرية والعدل، لأننا نحن أبناء الحق والحرية والعدل، قد ارتضعنا لبانها منذ الأزل البعيد. وكل ما دخل علينا في القرون الماضية من المظالم والأكاذيب والاستبداد، لم يستطع أن يخفت ذلك الصوت الذي تتجاوب به نفوسنا باسم الحق والحرية والعدل.
إن هذه الشعوب التي تُرَى اليوم كأنها على بلادها أسمالٌ بالية ممزقة، قد بدأت تحس أن عليها أن تتجدد أو أن تزول، وطبيعة الحياة تأبى لها أن تزول، فهي لابد أن تتجدد. وهذا الدافع وحده سوف يمهد للرجل المنتظر أن يزأر زئيره فتصغى له آذان الملايين من أبناء الشرق، ثم تنطق من مجاثمها إليه مجيبة لندائه، فإذا انطلقت إليه أرسالًا (٢)، فيومئذ لن يقف في طريقها أولئك الساسة المنافقون، ولا أولئك العلماء المتبجحون، ولا أولئك الديَّانون المخادعون، بل سوف يصيرون تبعًا، وقد طال ما خيلت لهم نفوسهم أنهم الرؤوس والسادة.
فأنا إن كتبت، فإنما أكتب لأتعجل قيام هذا الرجل من غمار الناس، لينقذنا من قبور جثمت علينا صفائحها (٣) منذ أمد طويل. وليس بيننا وبين هذا البعث إلا القليل، ثم نسمع صرخة الحياة الحرة العادلة يستهل بها كل مولود على هذه الأرض الكريمة التي ورثناها بحقها، ليس لنا في فتر (٤) منها شريك.
стр. 599
على حد منكب
قلت قديمًا في الرسالة (١) إن الشيخ إبراهيم اليازجى ومن لف لفه كالمعلم الشرتونى، هم أصحاب حشد وتخليط في جمع اللغة. وآفة الحشد والاستكثار ترك التبصر ومجافاة التمحيص. ثم يأتي الناس بعد ذلك فيأخذون هذا الحشد على ثقة وأمن، فتزداد بلبلة الناس في شأن اللغة. فما كل أحد يصبر على تتبع الكلام المبعثر في الشعر والنثر، ثم جمعه وتأليفه، ثم النظر في أصوله ومبانيه، ثم تمحيص المعاني المختلطة ورد كل قرينة منها إلى أختها.
وقد قرأت في عدد الرسالة (٩٠٨) ما نقله الأستاذ محمود أبو رية من كتاب نجعة الرائد لليازجى: (هو منه على حد منكب: أي منحرف عنه دائم الإعراض) وما عقبت به الرسالة من قول أقرب الموارد: (وفلان معى على حد منكب: أي كلما رآنى التوى ولم يتلقنى بوجهه، وهو كقولهم: فلان يلقانى على حرف). وأستطيع أن أوسع لليازجى والشرتونى في هذا الموضع مكان العذر، فقد نقلا، ولكنهما لم يتنخَّلا الكلام ولم يمحصاه. والذي أوقعهما في هذا الوهم، هو حب الاستكثار، ثم اطمئنانهما إلى شيخ قديم كان من أئمة العربية، ولكنه كان أيضًا عريض الدعوى، جريئًا على التوهم، كثير التخليط في اجتهاده، بل كان يدلس فيما يكتب، إذ كان يأتي بالشيء يوهمك أنه مما نقله عن الرواة قبله، وهو في الحقيقة مما اخترعه بسوء رأيه وقلة معرفته بغامض كلام العرب -ولا أعني غريبه، فهو كان قيما بالغريب حفظًا ونقلا. وهذا الشيخ القديم هو الخطيب التبريزى شارح الحماسة. ويدل شرحه للحماسة على
стр. 600
ما ذكرت من صفته، وعلى شيء آخر، هو ضعفه الشديد في فهم دقائق الشعر العربي. ثم على شيء آخر أيضًا، هو أنه مشغول بالنحو وما إليه وبالإغراب في بيان وجوهه المختلفة. وهذه الكلمة التي نقلها اليازجى والشرتونى عنه، هو صاحبها، وهو مدعى هذا المعنى لها، ولم ترد في شعر قديم، ولا نثر معروف، على الوجه الذي توهمه التبريزي واحتال له. وإنما أتى الشيخ من سوء فهمه لما تولى شرحه من شعر الحماسة.
جاءت الكلمة في شعر للبعيث بن حريث بن جابر الحنفي، أحد بني الدُّؤَل ابن حنيفة بن لجيم. . . بن بكر بن وائل، وهي أبيات جياد مختارة، يذكر فيها طروق طيف صاحبته على بُعْد الزيارة، ثم مسيره في البلاد، ثم يفخر بنفسه وبمحاماته دون عشيرته وذبه عن مآثرها ومجدها، يقول في مطلعها:
خيال لأُمِّ السَّلْسَبيل ودونها ... مَسيرةُ شهرٍ للبريد المُذَبْذَبِ! (١)
حتى يفخر بما فعل في نصرة رجلين من قومه هما (يزيد) و (عبس)، كانا استصرخا به في مُلِمَّة من ملمات الحروب، فنصرهما وحامى عنهما، واستنقذهما، وهم يومئذ جميعًا في غربة عن ديار عشيرتهم، قال البعيث في ذلك:
وإن مَسِيري في البلاد ومنزلي ... لبالمنزل الأقصى إذا لم أُقَرَّبِ (٢)
ولست، وإن قُرِّبْتُ يومًا ببائع ... خَلاقي ولا ديني ابتغاء التحبُّبِ (٣)
ويَعْتَدُّهُ قوم كثير تجارةً ... ويمنعني من ذاك دينى ومنصبى
دعانى يزيد، بعد ما ساء ظنه، ... وعَبْسٌ، وقد كانا على حَدِّ مَنْكَبِ
وقد علما أن العشيرة كلَّها، ... سوى مَحْضَرِي، من خاذلين وغيَّبِ
فكنتُ أنا الحامى حقيقة وائل ... كما كان يَحْمِي عن حقائقها أبي