الغرب وامتحنت بهم الحضارة الغربية. ولست أشك ساعة في أنهم لا خير فيها البتة، مهما دل ظاهر تدليسهم أو تدليس الصحافة بأسمائهم على أنهم يفعلون خيرًا أو أنهم سوف ينتهون إلى خير ولست أرتاب البتة في أن الخير كل الخير هو في زوالهم جملةً واحدة من مكانهم، لكي يتسنى لهذه الشعوب العربية والإسلامية أن تهتدي إلى الحق في حياتها وفي جهادها وفي أهدافها.
وأنا أعلم أن رجال العلم من أي أقسامه كانوا، لا يزالون يتعبَّدون أنفسهم لكثير مما لا نفع فيه لأممهم، بل لعلهم لا يزالون يترفعون عن هذه الشعوب الفقيرة الجاهلة، والتي هي شعوبهم، ظنًّا منهم أنها شعوب لا تستطيع أن تبلغ ما بلغ الناس في العلم، فضلا عن أن يدركوا سوابق العلماء في هذه الفترة من زماننا، فضلا عن يسبقوا أمم الحضارة الحاضرة في ميدان هذه العلوم. وهم في خلال ذلك -إلا من عصم الله- يبسطون ألسنتهم بسطًا شديدًا في أعراض هذه الشعوب، فيقرفونها بكل مَسَبَّة، ثم يصرفون وجوههم إلى أوربة وأمريكا وغيرهما كأنما هم منها ومن صميمها، لا من هذه الشعوب البائسة التي ظنوا أن الموت كتاب محتوم عليها.
وأنا أعلم أن أكثر أهل السلطان في هذا الشرق، لا يزالون يعيشون في عزلة لا يبالون قليلا ولا كثيرًا بما فيه خير بلادهم، وأنهم يحتقرون جماهير الشعوب احتقارًا ينسرب في خاصّ كلامهم كما ينسرب في أكثر أفعالهم. وهم فئة قليلة فتنتها النعمة والترف واللذاذات، حتى ما تبالى أن تصب على أممها ضروبًا من المظالم كان ينبغي أن تترفع عن ارتكابها، لا رحمة بالناس، بل مخافة من الناس، فالشعوب إذا هاجها ما [يهيجها] لم تبق على شيء وإن كان في بقائه خيرها.
وأنا أعلم أن أهل الدين -إلا من رحم ربك- قد رَمْوا بدينهم ظِهريًّا، وإن لبسوا لباسه وتشبهوا على الناس وغرَّوهم باسم هذا الدين. وهم يأكلون باسم الدين نارًا حامية، وهم قد فقدوا بفقد آداب هذا الدين كل شيء يجعل لهم عند الناس مكانة ترفعهم عن الشبهات، وبذلك أصبحوا كالعامة التي تحتاج إلى من يقودها ويهديها.
стр. 597
وقصارى ما يقال هو أن الحياة في هذا الشرق على اختلاف نحله ومذاهبه وأديانه وأحزابه، قد صار كأهل سفينة جُنَّ أكثر من فيها، وكلهم يريد أن يقود السفينة كما خيلت له طوائف وساوسه وأوهامه، مستبدًّا بما يرى من الرأي. ولكني مع ذلك لن أيأس ساعة من أهل الخير، لن أيأس من رجل أو رجال توقظهم هذه البلوى المحيطة بالجماعة، فيدفعها حب الحياة وحب الخير إلى نفض غبار القرون عن أنفسهم، ثم تنشط من عقالها إلى قيادة هذه الناس بقوة تنفث في هؤلاء جميعًا رُوحًا مسدِّدة هادية تبرئهم مما أصابهم، وتستنقذ منهم من يصلح للبقاء والعمل في جيل جديد، له هدف معين، وله طريق لا يفارقه، وله همة جياشة تجعله يطوى المسافات المترامية طيًّا حتى يصل إلى غايته لم يلحقه كلل ولا سآمة ولا إعياء.
فأنا أكتب لرجل أو رجال سوف يخرجون من غمار هذا الخلق، قد امتلأت قلوبهم بالقوة التي تنفجر من قلوبهم كالسيل الجارف، تطوح بما لا خير فيه، وتروى أرضًا صالحة تنبت نباتًا طيبًا.
ومهما كان من أمر تلك الطوائف التي ذكرتها، ومهما كان رأيها في هذه الشعوب التي تنتمي إليها، ومهما عدت شعوبها سائمة ترعى أيامًا معدودة حتى تتخطفها أرماح الأجل، فمن هذه (السائمة) سوف ينفرد رجل يقود الشعوب بحقها لأنه منها: يشعر بما كانت تشعر به، ويألم لما كانت تألم له، وينبض قلبه بالأماني التي كانت تنبض في قلوبها. وهو وحده الذي يعرف كيف يرفع عن عيونها حجاب الجهل، ويطرح عن كواهلها قواصم الفقر، ويملأ قلوبها بما امتلأ به قلبه من حب هذه الأرض التي تعيش فيها مضطهدة ذليلة خائفة.
إنه الرجل الذي قد خُلطت طينته التي خلق منها بالحرية، فأبت كل ذرة في بدنه أن تكون عبدًا لأحد ممن خلق الله على هذه الأرض، فهو يشرق من جميع نواحيه على أجيال الناس كلها كما تشرق الشمس ترمى بأشعتها هنا وهنا، ولا يملك الناس إلا أن ينصبوا لها وجوههم وأبدانهم ليذهب عنهم هذا البرد الشديد الذي شلهم وأمسك أوصالهم عن الحركة. وهو يسير بينهم فتسري نفسه في نفوسهم، فتموج الحياة فيهم بأمواجها التي لا يقف دونها شيء مهما بلغت قوته أو جبروته.
стр. 598
ألا إن الشرق العربي لينتظر صابرًا كعادته هذا الرجل. وإني لأحس أن كل شرقي قد أصبح اليوم يتلفت لا من حيرة وضلال، بل توقعًا لشيء سوف يأتي قد أَنى (١) زمانه، ففي كل نفس منه خاطرة تختلج. وهذا الإحساس فينا هو الذي يحملنى على الإيمان بأن ذلك كائن عن قريب، وأننا قد أشرفنا على زمن قد كتب الله علينا فيه أن نجاهد في سبيله، ثم في سبيل الحق والحرية والعدل، لأننا نحن أبناء الحق والحرية والعدل، قد ارتضعنا لبانها منذ الأزل البعيد. وكل ما دخل علينا في القرون الماضية من المظالم والأكاذيب والاستبداد، لم يستطع أن يخفت ذلك الصوت الذي تتجاوب به نفوسنا باسم الحق والحرية والعدل.
إن هذه الشعوب التي تُرَى اليوم كأنها على بلادها أسمالٌ بالية ممزقة، قد بدأت تحس أن عليها أن تتجدد أو أن تزول، وطبيعة الحياة تأبى لها أن تزول، فهي لابد أن تتجدد. وهذا الدافع وحده سوف يمهد للرجل المنتظر أن يزأر زئيره فتصغى له آذان الملايين من أبناء الشرق، ثم تنطق من مجاثمها إليه مجيبة لندائه، فإذا انطلقت إليه أرسالًا (٢)، فيومئذ لن يقف في طريقها أولئك الساسة المنافقون، ولا أولئك العلماء المتبجحون، ولا أولئك الديَّانون المخادعون، بل سوف يصيرون تبعًا، وقد طال ما خيلت لهم نفوسهم أنهم الرؤوس والسادة.
فأنا إن كتبت، فإنما أكتب لأتعجل قيام هذا الرجل من غمار الناس، لينقذنا من قبور جثمت علينا صفائحها (٣) منذ أمد طويل. وليس بيننا وبين هذا البعث إلا القليل، ثم نسمع صرخة الحياة الحرة العادلة يستهل بها كل مولود على هذه الأرض الكريمة التي ورثناها بحقها، ليس لنا في فتر (٤) منها شريك.
стр. 599
على حد منكب
قلت قديمًا في الرسالة (١) إن الشيخ إبراهيم اليازجى ومن لف لفه كالمعلم الشرتونى، هم أصحاب حشد وتخليط في جمع اللغة. وآفة الحشد والاستكثار ترك التبصر ومجافاة التمحيص. ثم يأتي الناس بعد ذلك فيأخذون هذا الحشد على ثقة وأمن، فتزداد بلبلة الناس في شأن اللغة. فما كل أحد يصبر على تتبع الكلام المبعثر في الشعر والنثر، ثم جمعه وتأليفه، ثم النظر في أصوله ومبانيه، ثم تمحيص المعاني المختلطة ورد كل قرينة منها إلى أختها.
وقد قرأت في عدد الرسالة (٩٠٨) ما نقله الأستاذ محمود أبو رية من كتاب نجعة الرائد لليازجى: (هو منه على حد منكب: أي منحرف عنه دائم الإعراض) وما عقبت به الرسالة من قول أقرب الموارد: (وفلان معى على حد منكب: أي كلما رآنى التوى ولم يتلقنى بوجهه، وهو كقولهم: فلان يلقانى على حرف). وأستطيع أن أوسع لليازجى والشرتونى في هذا الموضع مكان العذر، فقد نقلا، ولكنهما لم يتنخَّلا الكلام ولم يمحصاه. والذي أوقعهما في هذا الوهم، هو حب الاستكثار، ثم اطمئنانهما إلى شيخ قديم كان من أئمة العربية، ولكنه كان أيضًا عريض الدعوى، جريئًا على التوهم، كثير التخليط في اجتهاده، بل كان يدلس فيما يكتب، إذ كان يأتي بالشيء يوهمك أنه مما نقله عن الرواة قبله، وهو في الحقيقة مما اخترعه بسوء رأيه وقلة معرفته بغامض كلام العرب -ولا أعني غريبه، فهو كان قيما بالغريب حفظًا ونقلا. وهذا الشيخ القديم هو الخطيب التبريزى شارح الحماسة. ويدل شرحه للحماسة على
стр. 600
ما ذكرت من صفته، وعلى شيء آخر، هو ضعفه الشديد في فهم دقائق الشعر العربي. ثم على شيء آخر أيضًا، هو أنه مشغول بالنحو وما إليه وبالإغراب في بيان وجوهه المختلفة. وهذه الكلمة التي نقلها اليازجى والشرتونى عنه، هو صاحبها، وهو مدعى هذا المعنى لها، ولم ترد في شعر قديم، ولا نثر معروف، على الوجه الذي توهمه التبريزي واحتال له. وإنما أتى الشيخ من سوء فهمه لما تولى شرحه من شعر الحماسة.
جاءت الكلمة في شعر للبعيث بن حريث بن جابر الحنفي، أحد بني الدُّؤَل ابن حنيفة بن لجيم. . . بن بكر بن وائل، وهي أبيات جياد مختارة، يذكر فيها طروق طيف صاحبته على بُعْد الزيارة، ثم مسيره في البلاد، ثم يفخر بنفسه وبمحاماته دون عشيرته وذبه عن مآثرها ومجدها، يقول في مطلعها:
خيال لأُمِّ السَّلْسَبيل ودونها ... مَسيرةُ شهرٍ للبريد المُذَبْذَبِ! (١)
حتى يفخر بما فعل في نصرة رجلين من قومه هما (يزيد) و (عبس)، كانا استصرخا به في مُلِمَّة من ملمات الحروب، فنصرهما وحامى عنهما، واستنقذهما، وهم يومئذ جميعًا في غربة عن ديار عشيرتهم، قال البعيث في ذلك:
وإن مَسِيري في البلاد ومنزلي ... لبالمنزل الأقصى إذا لم أُقَرَّبِ (٢)
ولست، وإن قُرِّبْتُ يومًا ببائع ... خَلاقي ولا ديني ابتغاء التحبُّبِ (٣)
ويَعْتَدُّهُ قوم كثير تجارةً ... ويمنعني من ذاك دينى ومنصبى
دعانى يزيد، بعد ما ساء ظنه، ... وعَبْسٌ، وقد كانا على حَدِّ مَنْكَبِ
وقد علما أن العشيرة كلَّها، ... سوى مَحْضَرِي، من خاذلين وغيَّبِ
فكنتُ أنا الحامى حقيقة وائل ... كما كان يَحْمِي عن حقائقها أبي
стр. 601
ويظهر لي أن البعيث كان قد خرج هو وصاحباه (يزيد وعبس) إلى خراسان في ولاية أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ومن أجل ذلك قال: "ومن دونها مسيرة شهر للبريد المذبذب".
قال التبريزى في شرح البيت: "أي أشرفا على الهلاك. هذا إذا رويت بفتح الكاف. يقال: أصابه نَكْبٌ من الدهر ومَنْكَب ونَكْبة ونُكُوب كثيرة. ومنه حافر نَكِيب ومَنْكُوب: إذا أثَّر فيه حجر أو غيره. ويروى (على حد منكِب) بكسر الكاف. يعني أنهما كانا مهاجِرَيْن له. يقال: فلان معي على حد منكِب: أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه. وتنكَّب عني: أي اجتنبني. والمنكب من كل شيء جانبه وناحيته. ومثله قولهم: فلان يلقاني على حرف. وفي القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾. ويجوز أن يريد بقوله: (بعد ما ساء ظنه) بعد تسلط اليأس والقنوط من الحياة" (١).
والذي حمل التبريزي على التفسير الذي اجتهد فيه، وادعى فيه دعوى ليس عليها بينة من نفس الشعر، ولا من كلام العرب، بعد أن قارب المعنى الصحيح في الشعر بقوله "أي أشرفا على الهلاك" -أنه أتى من سوء فهمه الذي بدر إليه في معنى قوله: "دعانى يزيد بعد ما ساء ظنه وعبس" فتوهم أنه أراد (بعد ما ساء ظنه في)، ثم ازداد في توهمه فزعم مهاجرَة كانت بين البعيث وصاحبيه عبس ويزيد، لكي تتسنى له المداخل إلى دعواه في تأويل الكلام على وجهٍ توهمه واخترعه، ثم أثبته بقوله "يقال: فلان "معى على حد منكب". وهو شيء لم يقله غير التبريزى نفسه، بالمعنى الذي فسره به، وكان من حيرته أن عاد في آخر شرحه يقول: "ويجوز أن يريد بقوله (بعد ما ساء ظنه) أي بعد تسلط اليأس
стр. 602
والقنوط من الحياة"، كأن الأول الذي فهمه هو الصواب وكأن هذا الثاني جائز على تمريض (١).
وأخطأ التبريزى فيما فهم من قول الشاعر (ساء ظنه)، أخطأ أيضًا في هذا التفسير الذي قال إنه (يجوز) أن يكون من وجوه تأويلها، فالعرب حين تأتي بقولها (ساء ظنه) في مثل هذا الموضع، إنما تريد بالظن: ذميم الخواطر التي تخامر نفس المحارب حين يحمر البأس، إذ يحدث نفسه بالهرب والفرار حبا للحياة وحرصًا على الأموال، فيرتكت أخلاق اللئام والأنذال والجبناء في ترك المحاماة عن الأعراض مخافة الموت المطبق. فمن ذلك قول أشابة بن سفيان البجلى.
ومُسْتَلْحَمٍ يدعو، وقد ساء ظنه، ... بمهلكة، والخيلُ تَدْمَى نُحورُها
كررت عليه، والجياد كأنها ... قنًا زاعِبىّ، لم تَشِنْها فُطورُها (٢)
فنهنهتُ عنه أولَ الخيل، إننى ... صبور، إذا الأبطال ضجَّ صَبورُها
والمستلحم: من قولهم: استلحم (بالبناء للمجهول) أي روهق في القتال واحتوشه العدو من هنا وهنا. فهو يدعو باسم عشيرته، وقد حدث نفسه بالفرار. وهذا البيت هو نفس معنى بيت البعيث. إلا أن هذا قال: "بمهلكة"، والآخر قال: "وقد كانا على حد منكب" بفتح الكاف. وهو أيضًا ما قاله التبريزى أولا، ثم أخذه حب الاجتهاد، فظن ظنًّا خطَأً جعله رواية للبيت، بكسر الكاف، ثم توهم وتصنع الاجتهاد، ثم ادعى ما ادعى.
وقول زفر بن الحارث الوالبى (المؤتلف: ١٣٠)
وإني بذات الرِّمْثِ لم أُلْفَ عاجزًا ... ولا ورَعًا يوم التهايج أعزلا (٣)
منعتُ ابن ورّاد وقد ساء ظنّه ... وأنقذت من تحت الأسنة نوفلا
стр. 603
بل لقد قال عروة بن الورد يتمدح بنصرته قومه (بنى عوذ) حين اشتد القتال عليهم بماوَان فقال:
تدارك عوذًا، بعد ما ساء ظنها، ... بماوَان، عِرْقٌ من أُسامة أزهرُ
يعني نفسه حين نصرهم، وقد أوشكوا أن يفروا عن أعدائهم. ويقول موسى ابن جابر الحنفي (عم البعيث صاحب الأبيات المذكورة آنفًا):
وَجُدْتُ بنفس لا يُجاد بمثلها ... وقلت: اطمئني، حين ساءت ظنونُها
وما خير مال لا يقى الذمَّ رَبَّهُ ... بنفس امرئ في حقها لا يهينها
أي حين خطر له أن يفر من حومة القتال
هذا أول سوء قصد التبريزى إلى المعاني. أما ثانيهما فما استخفه من الفرح باجتهاده، حتى عجل فلم يقف على كلمة "حد" ولم يحاول أن يفهمها، إلا على الوجه الذي بدر إلى عقله، وهو الحد الفاصل بين شيئين. بيد أن العرب تقول: "حد الظهيرة" و"حد المطر" و"حد الخمر" و"حد الموت" وكثير من مثل ذلك، وتعنى بالحد الشدة والبأس والصلابة والعنفوان. وقد قال موسى ابن جابر في أول كلمته التي ذكرناها آنفًا:
ألم تريا أنى حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت، والموت دونها
وقد روى هذه الأبيات أبو تمام في حماسته، وشرحها التبريزى نفسه، فشغله الاجتهاد في إعراب "دونها" مرفوعة، عن تمحيص العبارة، وعن الوقوف على معنى "حد الموت"، وفر إلى النحو والعروض يسود الصحف بوجوه تأويلها. ونسى أن يفسر "حد الموت"، وهي سورته وشدته وتلهبه في المعترك وهذا هو المعنى الذي جاء في قول البعيث "حد منكب": أي سورة النكبة وشدتها في القتال، ولم يعن الحد الفاصل بين شيئين.
стр. 604
وأما ثالث الثلاثة، فإنه عجل كعادته ولم يتثبت من معنى "على" في قوله "على حد منكب" فمعنى "على" في مثل هذه العبارة ينظر إلى معنى "في" أو "عند" ومن ذلك قول الحطيئة:
وإن قال مولاهم، على جُلِّ حادث ... من الدهر: ردُّوا فضل أحلامكم، رَدُّوا
أي عند حادث جليل ينزل بهم. وكذلك قول الفرزدق:
على ساعة، لو كان في القوم حاتم ... على جوده، ضنت به نفس حاتم
أي: في ساعة شديدة، لو شهدها حاتم لضن بالماء على أصحابه.
ورحم الله إمام العربية شيخنا المرصفي، فإنه لم يعرج على سوء فهم التبريزى واستطالته في الدعوى، وقد قرأت عليه أبيات البعيث هذه أيام قراءتى عليه شرحَه لحماسة أبي تمام. وقد جاء في المطبوع من شرحه عند ذكر هذا البيت: "على حد منكب" بفتح الكاف، مصدر ميمى من نكبه الدهر ينكبه بالضم نكبًا: أصابه بنكبة. يريد، وقد أرهقهما العدو فبلغ منهما كل مبلغ".
هذا، ومعنى الأبيات الثلاثة الأخيرة أن عبسًا ويزيد حين حمى القتال، حدثتهما نفسهما بالفرار وهما في سورة نكبة كريهة مستأصلة، فدعوا -كعادة العرب في الاستغاثة والتداعى عند القتال- فقالا "يآل بكر بن وائل"، وقد عجلا فظنا أنهما يدعوان عشيرتهما، وبينهما وبين العشيرة "مسيرة شهر للبريد المذبذب"، إذ كانوا في خراسان كما قلت آنفًا، لا في ديار قومهما وكانت هذه الدعوة وسوسة من وساوس النفس الأمارة، فالعشيرة كلها كما يعلمان، علما ليس بالظن، غائبة بعيدة، والقليل الذي حضر منها خاذل لهما مشغول بنفسه، إلا أنا، فإني حاضر لم أغب، وإذا دعيت فلا أخذل من دعاني. فإذا دعوا فقالا "يآل بكر بن وائل" فهما لم يدعوا أحدًا سواى أنا وحدى
فكنت أنا الحامي حقيقة وائل ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي
стр. 605
فالبيت الثاني "وقد علما أن العشيرة كلها" بيان واعتذار عن كذبه في قوله: "دعانى يزيد. . . وعبس" وهما لم يدعواه باسمه هو، بل هتفا باسم عشيرتهم "بكر بن وائل" ومن أجل هذا المعنى قال البيت الأخير الذي بلغ به غاية الفخر بنفسه، وحق له. فقد كان سيدًا شريفًا شاعرًا، وكان أبوه حريث سيدًا شريفًا شاعرًا، وكذلك كان سائر أعمامه وبنى أعمامه.
وفي البيت رواية أخرى جادلت عنها كتبى في هذين اليومين، فلم أهتد إليها لطول الترك والنسيان. وهي "وقد كانا على حَزِّ منكَب". أي في ساعة نكبة شديدة. والحز والحزة اليسير من الوقت، لأنه من معنى الحز وهو القطع. يقولون: "على أي حزة أتانا فلان! " أي في أي وقت ضيق حرج أتانا! ويقولون: "جئتنا على حزة منكرة" أي في ساعة منكرة شديدة. "وكيف جئت في هذه الحزة؟ ". ويقول أبو ذؤيب، يذكر جفاف الماء في شدة الحر، وانقطاعه حين لا يطاق الصبر عنه
حتى إذا جَزَرَتْ مياه رُزُونِه، ... وبأيِّ حَزِّ مُلاوة تتقطَّعُ! ! (١)
يقول: في أي ساعة منكرة شديدة ينقطع الماء، حين لا يستطاع الصبر عنه! فهذه الرواية تؤيد تفسيرنا، وتنفي عنه تحريف التبريزى وانتحاله واختراعه واجتهاده وأرجو أن يفسح لي القارئ العذر في الإطالة، كما أفسح الناس لتخليط التبريزى والناقلين عنه.
стр. 606
ذو العقل يشقى (١). . .
لولا أني أكره خلائق السوء، لما حملت هذا القلم لأرد به على هذا الذي تكلف مؤونة الجدال عن صاحبه (٢)، ولولا أنه كتب ما كتب في الرسالة، وهي مألف قديم يحن إليه هذا القلم، لما غلبني على ما أدبت به نفسي من هجر صغائر الأمور. ومن خلائق السوء عندي أن يجهد كاتب قلمه في نقد ما أكتب، ثم أغفل رده إلى الحق إن أخطأ، أو متابعته على الصواب إذا أصاب. ومهما يكن رأيي فيما كتب الأستاذ، فإني أجد الحق يلزمنى أن أعود إليه بالتذكير والإبانة، غير متلجلج في استنقاذه مما تورط فيه، ولا مستنكف أن يكون في بعض كلامي هذا تكرار لما قلت، مما أرجو أن يكون إنما غفل عنه غير متعمد إن شاء الله. وأنا أقدم بين يدي الأستاذ الفاضل، معذرتى في أن أسامحه فيما وصف به ما كتبت، وما وقر في نفسه وأبان عنه بقوله إني اندفعت في سياق منبرى، أسرد الأدلة الخطابية، وأستثير النوازع العاطفية. وكان خليقًا به قبل أن يقول ما قال، أن يعرف أسلوبي فيما أكتب، ثم ينظر إلى بعيني مبصر متحقق: أصحيح أنى ألجأ إلى الخطب المنبرية، والأدلة الخطابية، والنوازع العاطفية، أم الحق أنى أتحرى أمرًا أنا مسئول عنه بين يدي ربى، أو على الأقل: أعتقد أنا أنى مسئول عنه بين يديه سبحانه؟ ! وإذا كان كثير من الناس قد نسوا أنهم محاسبون يوم القيامة، فإني لم أنس بعد، وأسأل الله أن يعينني على أن لا أنسى، وإن عد الأستاذ الفاضل هذا الكلام أيضًا خطبة منبرية، أو استثارة عاطفية!
ولعل قراء الرسالة، لم يقرأوا ما كتبت في مجلة "المسلمون" (٣) ولست
стр. 607
أحب أن أعيد عليهم ما كتبت هناك، ولكني أحب أن أبين لهم عن أصل هذا النزاع الذي نازعنيه الأستاذ الفاضل. وذلك أنى رأيت كاتبًا بسط لسانه بسطًا عريضًا في دين جماعة صحبوا رسول الله ﷺ ، هم: معاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، وأمه هند بنت عتبة، وعمرو بن العاص. ثم أدخل معهم سائر بني أمية. وزعمت في هذه المقالة أيضًا أنى لن أناقش منهجه التاريخي: "لأن كل مُدَّع يستطيع أن يقول: هذا منهجي، وهذه دراستي" وقلت: "وأيضًا فإني لن أحقق في هذه الكلمة فساد ما بنى عليه الحكم التاريخي العجيب، الذي استحدثه لنا هذا الكاتب، بل أدعه إلى حينه" وقلت: "بل غاية ما أنا فاعل: أن أنظر كيف كان أهل هذا الدين ينظرون إلى هؤلاء الأربعة بأعيانهم، وكيف كانوا -هؤلاء الأربعة- عند من عاصرهم ومن جاء بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم".
وأظن أني بهذه الكلمات قد حددت كل التحديد غايتى فيما أكتب. أظن ذلك، وأظن أيضًا أن لكل كاتب بعض الحرية! ! في أن يحدد ما يريد لنفسه في سياق ما يريد أن يكتب. وبخاصة إذا كان يريد أن يعرف الناس بشيء هم قد غفلوا عنه، وبخاصة في زمن أصبح العلم فيه لجاجات تكتب كما تكتب مقالات الصحف اليومية في المنازعات الحزبية! وبخاصة في أمر فيه نذير شديد من الله سبحانه! وبخاصة إذا كان هذا الكاتب يؤمن بأن الإنسان مسئول بين يدي ربه عن كل ما يقول وكل ما يكتب وكل ما يفعل!
بيد أن الأستاذ الفاضل ظن أنه كان يجب عليّ أو لا غير هذا. إذ ظن أن صاحبه نقد معاوية نقدًا تاريخيا، فطالبنى أن أبين أن الوقائع التي ذكرها في كتابه غير صحيحة، ثم زاد شيئًا آخر عجل إليه فزعم أنى لا أستطيع أن أفعل شيئًا من ذلك، لأن صاحبه نقلها من كتب التاريخ ولم يخترعها اختراعًا، ولأنها معروفة لدى الصغير والكبير؟ ! فأظن أنا أيضًا أنى بينت عن طريقى في الكلمات التي نقلتها آنفًا، وأنى سوف أترك هذا إلى حينه. فلست أدري لم يعجل الأستاذ الفاضل كل هذه العجلة على امرئ مِثْلى، فيضربه بالعجز عن ذلك قبل أن يبين
стр. 608
عن حجته؟ فهذه العجلة هي هي التي أُنْكِرها على صاحبه، وأنكر أن تكون أدبًا يتأدب به العالم أو المتعلم، ومن الحق على كل عاقل أن ينهي نفسه عنها، وأن ينهي من يرتكبها، لأنها مخالفة لكل أصل من أصول العلم والتعلم، ولأنها تورث مرتكبها نفس الداء الذي أتى منه صاحبه الذي تهجم على ضمائر خلق الله، فكاد يقطع قطعًا جازمًا بنفاق معاوية وأبي سفيان وهند وعمرو بن العاص وسائر بنى أمية! من أين يعلم أنى عجزت أو أني سوف أعجز؟ لا أدري!
ومثل هذا في الجراءة ما أتبعه من أسئلة إذ يقول:
"من الذي ينكر أن معاوية حين صير الخلافة ملكا عضوضًا لم يكن ذلك من وحي الإسلام، إنما كان من وحي الجاهلية؟
"ومن الذي ينكر أن بنى أمية بصفة عامة لم يعمر الإيمان قلوبها، وما كان الإسلام لها إلا رداء تلبسه وتخلعه حسب المصالح والملابسات؟ . . .
"ومن الذي ينكر أن يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه على المسلمين مدفوعًا إلى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام!
"ومن الذي ينكر أن معاوية قد أقصى العنصر الأخلاقي في صراعه مع على، وفي سيرته في الحكم بعد ذلك إقصاء كاملا لأول مرة في تاريخ الإسلام، وقد سار في سياسة المال سيرة غير عادلة، فجعله للرشوة واللهي (١) وشراء الضمائر في البيعة ليزيد؟
"هذه وأمثالها أمور مسلمة في التاريخ، لا يستطيع الأستاذ شاكر أن ينكرها بحال. ونحن نعجب كثيرًا حين نجده في مقاله يلبس مسوح الوعظ والإرشاد. . . ."
نعم يا سيدي الشيخ! نعم! فإني لمحدثك عمن ينكرها: أنا أنكر هذا كله وينكره المؤمنون من قبلى. وإذا كنت أنت وصاحبك تسلمان بها، فأنا لا أستطيع أن أسلم بها. وتقول: هذه دعوى ليس عليها بينة! فأقول: نعم، هي في هذا
стр. 609
السياق ليس عليها بينة، إلا أن آتيك بالدليل على بطلان ما ذهب إليه صاحبك الذي توليت الدفاع عنه. بيد أنك أسأت حين عجلت إلى شيء لم تعرف ماذا أقول فيه، وكيف أستطيع أن أتناوله بالنقد والتمحيص. ولو أنت صبرت حتى تعرف، لأتاك البيان عما أنكرت وما عرفت من أخبار صاحبك، التي وصفتها بأنها متلقفة من أطراف الكتب، لا أقول بلا تمحيص وحسب، بل أقول أيضًا بالحرص الشديد على تتبع المثالب القبيحة، وبالحرص المتلهف على اجتناب المناقب الفاضلة، وبالغلو الأرعن في سياق المثالب وفي تفسيرها، وفي تحليلها، وفي استخراج النتائج من مقدمات لا تنتجها، كما يقول أصحاب المنطق.
وأنا أحب أن أخلع معك مسوح الوعظ والإرشاد خلعا لا رجعة بعده! فتعال أيها الشيخ إلى غير واعظ ولا مرشد! تعال حدثني وأحدثك، ودعنى ودعك من: "قال الله تعالى" و"قال رسول الله ﷺ " فإنهما في زماننا هذا -من مسوح المتدينين بلا دين! دعنا نعرف الكتب التي بين أيدينا لا نرفع بعضًا ونضع بعضًا، لأن هذه كتب تاريخ لا يوثق بها، ولأن هذه كتب أصحاب دين ووعظ وإرشاد يوثق بها! ثم ننظر بعدئذ بالعقل المجرد ماذا يكون؟ !
ودعنى أيها السيد أعيد عليك ما قلت في مقالك: "ونحن نقر أن معاوية كان حسن السيرة على عهد عمر، فولاه أعمال دمشق، ولكنه قلب المِجَنّ للتعاليم الإسلامية بعد مصرع عثمان. . . ." ولا أسألك من أين علمت أنه كان حسن السيرة على عهد عمر؟ ولكني أسألك: ألست تعلم أنه قد نشب الخلاف بينه وبين علي؟ فتقول: نعم ولابد. ثم أسألك: ألست تعلم أنه كان لهذا شيعة ولذاك شيعة؟ فتقول: نعم، ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن كل شيعة قد غلت في صاحبها وتعصبت له؟ فتقول نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن الأمر حين انتهى إلى معاوية واجتمع عليه الناس في عام الجماعة إذ أسلم إليه الحسن أمر الخلافة -لم تزل شيعة على باقية في الناس كشيعة معاوية؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن الخلاف بين الشيعتين ظل مستعرًا مدة بقاء معاوية ومن بعده؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن الحسين بن علي قتل في
стр. 610
عهد يزيد بن معاوية؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن مقتل الحسين وما تبعه من الحوادث في عهد يزيد بن معاوية قد أوقد نار العداوة بين شيعة على وشيعة معاوية؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن شيعة كل منهما قد انتشرت في الناس بما بينهما من العداوة؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن من هاتين الشيعتين العالم والجاهل؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن كل عالم أو جاهل كان يحدث عن خبر شيعته وخبر شيعة عدوه؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك ألست تعلم أن هذه الأخبار ربما كان فيها الصحيح والسقيم والصادق والمكذوب كما يكون في كل شيعتين متنابزتين؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن الأمر سار على ذلك إلى ما بعد انقضاء دولة بني أمية؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أنها استمرت إذن على ذلك منذ سنة ٤٠ من الهجرة إلى وقت تدوين الكتب، أي في أواخر القرن الأول؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أنه ليس في أيدى الناس كتاب مكتوب قبل ذلك العهد؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أن طريق القوم كان هو الرواية فحسب؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم عندئذ أن العقل يوجب أن تعرف راوي كل خبر حتى تتبين من أي الشيعتين هو؟ فتقول: نعم ولابد. فأسألك: ألست تعلم أنه ظلم قبيح أن تأخذ الخبر لا تدرى من رواه، فتطعن به في أحد الرجلين، معاوية أو على، وأنت لا تأمن أن يكون كذبا صرفا؟ فتقول: نعم ولابد.
فإذا صح كل هذا عندك ولم تشغب عليَّ فيه، فإني أراك رجلا صالحا، فهل تظن، ولا أقول هل تحقق عندك، أن هذا الطَّعَّان في معاوية وأهله، قد ميز هذا كله قبل أن يكتب ما كتب؟ فإن كان قد صح لك، فأنا أحب أن أعلم كيف صح لك، حتى أتبعك على الحق. وإن لم يكن صح عندك، وهو لم يصح عندي بعد، فدعني عند قولي لك: أنا أنكر هذا كله وينكره المؤمنون من قبلى واذكرني دائما بأني لا أعد أمثال هذه الروايات المجردة من رواتها، وفي مثل هذا الموضع المشتبه من العداوات، شيئًا يمكن أن أسلم به. فإني لا أحب أن
стр. 611
أستهلك عقلي في العبث والجهالات. واعلمْ أنى لا أنقاد لما لا بينة عليه، وأن للعقل شرفًا لا يرضى معه بالتدهور في مواطئ الغفلة وسوء الأدب. ولو أنت لم تعجل لكان البيان آتيك بعد قليل عن الذي أستطيعه من ذلك وما لا أستطيعه، غفر الله لك، أقولها خالصة من قلبي، بلا مسوح وعظ أو إرشاد!
وأنا أخذتك من أهون المآخذ في طريق العقل، فهناك طرق أخرى أشق وأصعب في تمييز هذا العبث لم أدفعك إليها، وأرجو أن تصبر حتى تعرفها يوما، أو أن تحاول أنت أن تصل إليها بما أوتيت من حسن العقل، فإن المحاولة خليقة أن تفضى بك إليها. ولكن شرطها أن تدع العصبية لآراء الرجال، وبخاصة إذا كان هؤلاء الرجال ممن يبنون أقوالهم على الغلو والتسرع وسوء الفهم، وقبح المقصد، ومعاندة الحق لهوى في النفوس يعلمه الله وحده، ولكن يدل مطلعه على أنه هوى. فإذا فعلت استطعت أن توفر على نفسك مطالبتي بنقد الحوادث التاريخية التي رواها صاحبك "نقدا موضوعيا"! ومع ذلك فسأفعل حيث كتبت كلامي ما يرضيك. ولكن على شرط أن أجد عندك ما أحب لك من حسن الظن فيك: أن تعرف أن النقد الموضوعى الذي زعمت، ينبغي أن يسبقه التحقق من صحة هذه الحوادث تحققًا ينفي كل ظنة. وأستطيع أن أظن أنى قدمت لك في هذه الكلمة ما يجعلك تقف من هذه الروايات التاريخية! موقف المتردد على الأقل، أنفة لعقلك وأدبك أن يزلا حيث زل من دافعت عنه.
أما الموضوع الذي نصبت له كلامي في مجلة "المسلمون" فهو سب الصحابة، وأظن أن الأستاذ يوافقني على أن كلام صاحبك خرج أولا عن أن يكون تخطئة لمعاوية، ثم خرج عن أن يكون طعنًا فيه، ثم خرج عن أن يكون سبا. خرج من هذه المراتب الثلاث إلى مرتبة رابعة، هي أن معاوية برئ من الإسلام، والإسلام برئ منه. فأدنى مراتب هذا القول أن يكون منافقًا، وآخرها أن يكون كافرًا بما جاء به الرجل الذي آمن به المسلمون وأمروا أن يسموه "رسول الله ﷺ ".
ومن العسير أن أكتب في هذا الموضوع الآن دون أن أتوشح بذيل من ذيول
стр. 612
"مسوح الوعظ والإرشاد"، فليأذن لي الأستاذ قليلا أن أَرُدَّ فضلة من الثوب الذي خلعت حتى أستطيع أن أوضح له:
زعمت يا سيدي أن لي رأيًا، فقلت إني أثرت هذه العاصفة وحجتي الوحيدة: "أن كل صحابى رأى الرسول وسمع عنه قد اكتسب مكانة تحرم على كل إنسان أن ينقد أخطاءه أو يظهر أغلاطه". ويلك! نسبت إلى شيئًا لم أقله قط كما ستعلم بعد. فلا تنس إذن أن مثل هذا جائز أيضًا أن يكون وقع من مثلك قديما، فنسب إلى معاوية شيئا لم يقله كما نسبت أنت إلى شيئا لم أقله. ولكني كنت أحسن حظا من معاوية ﵁، فإن كلامي مكتوب منشور، أما معاوية، فقد روى الناس عنه شيئا ذهب أصله، لأنه لم يكتبه كما كتبت. صدقنى، فلست أدري من أين فهمت هذا الكلام الذي ترجمته؟ ولكن عذرك باد ظاهر، فإن دفاعك عن صاحبك دليل على أنك على الأقل تفكر كما يفكر، وهذه الطريقة هي نفسها طريقته التي أدعوك إلى فراقها حتى لا تهلك عقلك فيما لا يجدى. والذي قلتُه بعد الخطبة المنبرية التي زعمتها، والتي بدأتُها بقول رسول الله ﷺ "لا تسبوا أصحابي. . . ." هذا نصه: "وليس معنى هذا أن أصحاب محمد رسول الله معصومون عصمة الأنبياء، ولا أنهم لم يخطئوا قط ولم يسيئوا، فهم لم يدعوا هذا، وليس يدعيه أحد لهم. فهم يخطئون ويصيبون، ولكن الله فضلهم بصحبة رسوله، فتأدبوا بما أدبهم به، وحرصوا على أن يأتوا من الحق ما استطاعوا، وذلك حسبهم، وهو الذي أُمِروا به، وكانوا بعد توابين أوابين كما وصفهم في محكم كتابه. فإذا أخطأ أحدهم، فليس يحل لهم، ولا لأحد ممن بعدهم، أن يجعل الخطأ ذريعة إلى سبهم والطعن عليهم. هذا مجمل ما أدبنا به الله ورسوله. بيد أن هذا المجمل أصبح مجهولًا مطروحا عند أكثر من يتصدى لكتابة تاريخ الإسلام من أهل زماننا، فإذا قرأ أحدهم شيئا فيه مطعن على رجل من أصحاب رسول الله سارع إلى التوغل في الطعن والسب بلا تقوى ولا ورع. كلا بل تراهم ينسون ما تقضى به الفطرة من التثبت من الأخبار المروية، على كثرة ما يحيط بها من الريب والشكوك، ومن الأسباب الداعية إلى الكذب في الأخبار،
стр. 613
ومن العلل الدافعة إلى وضع الأحاديث المكذوبة على هؤلاء الصحابة"، (مجلة المسلمون عدد ٣ ص ٢٤٧).
وأنا أكره أن أنقل كلاما لي من مكان، ولكنك استكرهتنى على نقله، حتى لا يقع في عقل أحد من قراء الرسالة، أنى مستطع أن أقول هذه القالة المنكرة القبيحة بكل مسلم: إن للصحابة مكانة تحرم على كل إنسان أن ينقد أخطاءهم أو يظهر أغلاطهم. هذه يا سيدي كلمة قبيحة جدا، وأقبح منها أن تجعلها ترجمة لكلام مكتوب باللغة العربية التي تكتب بها وتقرأ فيما أظن، ثم تنسبها إلى امرئ يعرف حق الكلام ويلتزم مقاطعه ومطالعه وحدوده، وما يوجبه اللفظ من المعاني، وما يتناوله من دقيق الاستنباط. وأنا أشهد كل قارئ أنى لم أقل ما قوَّلتنيه، وأدع له حق الحكم بيني وبينك أن يكون في كلامي حرف واحد يدل على أنى أردت بعض هذا المعنى الذي ترجمته كما ترجم صاحبك تاريخ معاوية ومن معه من الصحابة وتاريخ سائر بنى أمية. أفتظن أن قولى إنه لا يحل لأحد أن يجعل "خطأهم" ذريعة إلى سبهم والطعن فيهم معناه أنهم لا يخطئون، أو أن أخطاءهم لا تنقد؟ وأين ذهب عمري إذن، إذا كنت لا أعلم أن الصحابة أخطأوا، وأن علماءنا ﵃، قد بينوا أخطاءهم حتى فيما هو من أمور دينهم؟ ولكن فرق كبير بين أن تذكر عمل الصحابي أو قوله، وتأتي بالبرهان على أنه مما أخطأ فيه، وبين أن تجاوز ذلك إلى الطعن فيه، ثم إلى سبه، ثم إلى إخراجه عن الدين، كما فعل صاحبك. وهذا فرق ليس بالخفي فيما أظن؛ ولا أظنك إلا تورطت فيه من شدة أثر صاحبك عليك، حتى خدعك عما أنت خليق أن تكون من أهله. هذه واحدة أرجو أن تكون راجعا عنها منتفيا من سوء أثر صاحبك عليك فيها.
وأخرى تبين فيها سوء أثر صاحبك عليك: وهي تحديدك، فيما تزعم، لمعنى "الصحابي" واستدلالك بالكلمة التي جاءت في الخبر عن عبد الله بن أبي "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". فهذه كلمة ذكرها، يخشى أن تدور على ألسنة المشركين الذين لا يميزون مؤمنًا عن منافق، وكلهم عندهم من أصحاب محمد ﷺ ، لا أن رسول الله يسمى المنافقين أصحابًا له! !
стр. 614
وكيف وقد نزل عليه من ربه نفاقهم وكفرهم، ونهاه أن يصلى عليهم، وبينهم له بأعيانهم، فمعاذ الله أن يسمى رسول الله أحدًا من المنافقين الذين يعلمهم "صاحبًا". فمن سوء الأدب أن يقول مسلم: "فعبد الله بن أُبَيّ من أصحاب محمد كما ينطق الحديث"؛ ومن قلة المعرفة بالعربية أن يقولها قائل، ومن التسرع البغيض أن يلجأ إليها باحث، ومن ضعف المنطق والفهم أن يحتج بها محتج. فهي حكاية قول يخشى أن يقولوه، لا تسمية له باسم الصحبة. أعوذ بالله من الخطل! ورحم الله العرب ولسانهم!
أما ما حاول الأستاذ أن يجعله تحديدًا لمعنى الصحابي، وهو ثلاثة أرباع مقاله، فأظننى لم أفهمه، ولم أدر ماذا كان يريد أن يقول ثم أخطأه. وأظن أنه أراد أن يقول في كل ما كتب: أن الصحابى هو الذي رأى رسول الله ﷺ وسمعه وآمن به ولازمه ومات على إيمانه، ولم يرتد. ولم يشهد له رسول الله بنفاق أو لم يُذْكَر فيه حكم خاص من رسول الله. وهذا حق، إلا أن الأستاذ أدخل شرط الملازمة، وهو باطل من وجوه كثيرة، لا أطيل بذكرها. ومع ذلك فإني أؤكد أن معاوية ممن صاحب رسول الله منذ رمضان سنة ثمان من الهجرة إلى أن توفي بأبي هو وأمي ﷺ في ربيع الأول من السنة الثانية عشرة من مهاجره إلى المدينة. وأما أبوه أبو سفيان فقد ولاه ﷺ نجران وصدقات الطائف، ورسول الله لا يولى منافقًا! ! وأما عمرو بن العاص، فلا أظن الأستاذ يستطيع أن ينكر هجرته ومصاحبته وبلاءه في الإسلام، وأما هند فأسلمت يوم أسلم زوجها أو بعده بيوم في سنة ثمان من الهجرة. وهجران الأستاذ لمعرفة تاريخ هؤلاء الأربعة، عادة اكتسبها من الكتب التي يقرؤها، كتب تُكْتَب بلا بينة ولا حذر ولا معرفة.
ولا أظن أني قرأت كلاما لم أفهمه، كالذي قرأته في مسألة الصحابة، وإن كان الأستاذ بالطبع يظن بكلامه غير ما أظن، ولكني أنصحه مرة أخرى أن يلتمس العلم في كتب من يُلْتَمَس عندهم العلم. وإذا كان يخشى على دينه -ومعذرة من ارتداء مسوح الوعظ والإرشاد- فليأخذ أمر دينه عن ثقة في تمييز الصحيح من
стр. 615
الزيف، والحق من الباطل، وليدعْ أصحاب الأهواء حيث رضوا لأنفسهم منازلهم من مزالق الهوى. وليستغفر ربه من الكلمة الكبيرة التي قالها حمية لصاحبه وغضبًا أنه "قد يوجد في القرن العشرين من هم أفضل بكثير من بعض من عاصروا الرسول العظيم". والظاهر أن الأستاذ لا يعيش في هذا القرن العشرين عيشة العارف البصير. والظاهر أيضًا أنه محتاج إلى معرفة كثير مما خفي عليه من شؤون أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن أمر دين الله الذي أكمله للمؤمنين، وأتم عليهم نعمته، ورضيه لهم ولنا دينًا. ونصيحة أخرى إلى الأستاذ أن يضع عن يده عبء القلم، فإنه ثقيل ثقيل. ولولا الحياء من أن أترك كلامه ومنطقه في الكتابة بلا مجيب، لخففت عنه ثقل الكتابة، وثقل الفكر، وثقل القلم جميعا، بالصمت عما جاء به ودهوره (١) في أمور قلت معرفته بها، ويعجز فكره عن معاناتها والسلام.
стр. 616
أعتذر إليكَ . .!
أكتب هذه الكلمة محزون النفس لشيء اجترمته، كان أولى بي أن أصبر حتى لا أزل عليه. وذلك أني قرأت كلمة في بعض المجلات يقول فيها كاتبها: "فإذا مُنِع الفقير حقه، فله أن يقاتل عليه، لأنه الله يأمر بقتال الباغين ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ , ولا شك أَن مانع الحق باغ". فاحتملتنى العجلة وسوء الظن، أن أرى الكاتب قد استدل بالآية في غير مكان الاستدلال بها. فساء قولى في الرجل بين جماعات من الناس، إذ لم يقع لي إلا أن الآية في اقتتال طائفتين من المؤمنين ثم بَغْي إحدى الطائفتين على الأخرى. ولما سكن بى الليل أمس (السبت ١٢ جمادى الآخرة سنة ١٣٧١) حاك في قلبي شيء لم أدر ما هو، وألح على أنى اكتسبت في أيامى هذه إثمًا أخشى أن لا أفلت من عقابه. وارتفعت لعيني هذه الآية بختامها ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فرأيت من العدل والقسط أن أرجع إلى تفسيرها، وإلى أقوال الأئمة في قتال أهل البغي، فعرفت ما لم أكن أعرف، أن بعضهم قد استدل بها في مثل ما استدل عليه الكاتب الفاضل، وإن كان لطريقة الاستدلال عندهم نهج غير نهجه، وقيد فيما أطلقه. وإذا أنا قد ظلمته ظلما لا ينبغي. فلم أزل منذ تلك الساعة أستغفر الله لما فرط مني وما جرى من لسانى من الكلم السئ، واستغفرت له بما أسأت إليه بظهر الغيب.
فلما قرأت الرسالة في صباح ليلتي (الأحد ١٣ جمادى الآخرة)، كنت أوشك أن لا أحمل القلم مرة أخرى للرد على الكاتب الفاضل في مقاله: "أجل .. ذو العقل يشقى" (١). ولكني وجدت السبيل قد تيسر لي أن أعتذر من سيئة اكتسبتها في الإساءة إلى رجل بظهر الغيب، لنفس الداء الذي نهيت الأستاذ عنه، وهو العجلة. وأنا لم أقصد نُهْيَتَه إلا لما فيه خير له ولي إن شاء الله.
стр. 617
وقد تبين لي بعد قراءة كلمته أنى أخطأت أيضًا في الذي كتبت به إليه، فوقعت بما كتبت في نفس ما نهيته عنه. وما كان أغنانى عن هذه الخصلة السيئة التي تجلب على غضب أستاذ فاضل، لم أسمع به ولم أعرفه، ولا أظنه يعرفني. والأستاذ الفاضل بلا ريب هو عندي أكبر مما ظن في نفسه، وإذا كان هو قادرًا على أن يضن بكرامته، فالواجب علي أنا من قبله أن أضن بكرامته. وإذا كانت كرامته تأبى أن تنزل منزلة يُوَجَّه إليه من أجلها شيء يقدح فيها، فأنا أيضًا أنزهه عما ظن في كلامي من "الشتائم والتنقص والسباب". وإذا كان كلامي الطويل العريض، كما وصف، ليس فيه شيء يقنع المنصفين، وليس هو إلا فقرات مبعثرة مضطربة أسوقها مساقًا مهلهلا لا يعرف الدقة ولا الحدود، وإذا كان كل ما أقوله لا أبغي منه إلا إرسال الكلام في الهواء، وإذا كنت عنده لست مؤرخا، ولم أخط كتابا في التاريخ، وأني أدخلت نفسي في قوم لست منهم، فأظن أن واجبه على الأقل أن يلغى كل ما أقول بمرة، فإن من الشقاء له أن يتعقب كلام كاتب هذا شأنه.
وأنا لا أستطيع صادقا أن أُفْهِم الأستاذ الفاضل شيئا مما أقول، فقد عرفت هذا بالتجربة، وإذا كان مما يرضيه أن أقول له إني مخطئ في كل ما قلت قديما، وما أقوله الآن، وما سوف أقوله إلى أن يكف لسانى وقلمى عن اللجاجة وإرسال الكلام، فأنا أقول له: إني أخطأت، وسوف أخطئ، ولن يسمع مني إلا ما أنا مقر على نفسي بأنه خطأ محض. وأزيده أنى عاجز كل العجز عن مقاومة حجته، وعن دفع براهينه، وعن التصدى لما يحسنه من العلم. بيد أنى أعود فأسأله أن يتغمد سوء أدبى بفضله، وإذا كان قد استخرج من كلامي سبابا وشتائم، فأنا أعيذه أن يكون غرضا لها، وأعتذر إليه، وأستغفر الله مما أزلفت إليه من إساءة، وله أحسن الأسوة في أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن بعض السفهاء لم يتورعوا قط عن سبهم والطعن فيهم، بأقبح اللفظ. فأين يقع مثلي من هؤلاء! فإني مهما ملكت من السباب والشتائم والبذاءة وسوء الأدب، فلن أبلغ بعض ما بلغوا من هؤلاء الصحابة، فلا عليه مني ومن سبابي وشتائمي. وليعلم الأستاذ الفاضل، إن
стр. 618
كان لا يعلم، أن هؤلاء السفهاء في الدنيا كثير، فإذا كان يغضب لكل سفاهة من سفيه، فإن شقاءه سيطول بغضبه، فدع السفهاء وليقولوا ما شاءوا، وكن أنت ضنينا بكرامتك، فإنها أعز وأغلى من أن تبذل على الألسنة. وتقبَّل إن تفضَّلتَ عذري وشكري واحترامي وتقديري، وعجزي عن مخالفتك، وحبى لرضاك، وقد بلغت مني في مقالك ما شئت، وناصيتى بيدك، وفي المثل: "ملكت فأسجح" (١). فافعل مؤيدا منصورا، والسلام.
стр. 619
كلمة تقال . . .! !
أخي الأستاذ علي الطنطاوي
سلام عليك. يقال في المثل: "كُرْهًا تَرْكَبُ الإبلُ السَّفَرَ" وقد استطعت أنت أن تُكْرِه القلم إلى ما أردت أن أنزهه عنه. فلولا ما أضمرتُ من قديم المودة لك، ولولا ما عرفت من صدقك، ولولا أننى أجلك عن أن تكون عجولا إلى غير صواب، ولولا أنى أكره أن تأخذ عني شيئًا لم أقله بلسانى، لولا ذلك كله، لكان أبغض شيء إلى أن أستكره نفسي على غير ما رأيتُ أنه أجمل لي وأصون. وإنك لتعلم، أيها الصديق القديم، أنى أكره أن أزداد من الشر، أو أن أتزود من لجاجة الباطل. والكتابة في زماننا هذا شر مستحكم، وباطل لجوج متوقح. وقد اقتحم وَعْرَها من لا يحسن المشى في سهولها، وتشهَّاها من لو أنصف نفسه لحال بينها وبين ما تشتهي، واتخذها صناعة من لو عقل لأعفى نفسه من مزاولتها. ولكن هكذا كان، ورحم الله الطائى إذ يقول لمحمد بن عبد الملك الزيات:
أبا جعفر، إن الجهالة أُمُّها ... وَلودٌ، وأمُّ العلم جَدَّاء حائلُ (١)
أرى الحَشْوَ (٢) والدهماء أضحوا كأنهم ... شعوب تلاقت دوننا وقبائلُ
غَدَوْا، وكأن الجهل يجمعهم به ... أبٌ، وذوو الآداب فيهم نَواقِلُ (٣)
وأنت تعلم أن من أنصب النَّصَب، أن تتصدى لإفهام من لا يفهم عنك،
стр. 620
فإذا بلغ الأمر أن تراه ينتصب لجدالك، فاذكر قول من قال: إذا أردت أن تفحم عالما فأحْضِرْه جاهلا. وقد لقيت أنا من شر ذلك ما لقيت، فآثرت أن أسلك سبيلى لا يشغلنى عنه متعلق بأذيالى، إرادة أن يصرفني عن الوجه الذي أردت.
ولقد قرأت كلمتك في الرسالة، فأسفت أشد الأسف، لأني عرفت منها أنك لم تقرأ ما كتبتُه في مجلة "المسلمون" وفي أربعة أعداد منها. ولو كنتَ قرأتها لما كتبت ما كتبت، لأني لا أشك في ذكائك وحسن فهمك، فأنا لم أتعرض في شيء منها لبنى أمية أو بنى العباس، ولا لحكمهم، ولا لسياستهم؛ فعجبت أشد العجب كيف يمكن أن تكون معى أو على في أمر لم أقل فيه كلمة، ولا يعلم أحد ممن كتب رأيي فيه، ولا كيف أقول إذا أنا تعرضت للبيان عنه؟ فمن أجل ذلك عجبت، لأنك لم تنصف على عادتك من الإنصاف.
وأنا محدثك باختصار عن هذا الذي كتبته. أصل ذلك كله أنى رأيت من كتب من المُحْدَثين في شأن تاريخ الماضين من أسلافنا، يكتب أو يتحدث بأسلوب أقل ما يقال فيه أنه مشوب بالحماقة الشديدة، مختلط بالجهالة المتراكبة، في معرفة أصول التاريخ، مغموس في حمأة من الافتراء والتطاول، مستنقع في أهواء سيئة رديئة. وزعمت أن للناس أدبا وأسلوبا في كتابة التاريخ، وأن للمسلمين خاصة أدبًا وأسلوبًا في التاريخ ينبع من أصل دينهم، في العدل، وفي حسن النظر، وفي الأناة في طلب الحق، وفي كف اللسان عن التهجم بالقول السئ على عباد الله بلا بينة، وفي التناهي عن اقتفاء المرء ما ليس له به علم، وفي التثبت من الأخبار قبل تصديقها. وهو أدب كما تعلم كان قديما في كتبنا، ولكن حضارة هذا القرن قد نشرت وباء شديد الفتك، ذهب بأكثر هذا الأدب، وأخذت في طريقى أضرب المثل على هذا بكاتب رأيته لم يتورع عن سلب الناس دينهم، ولم يخش الله في نفي الإسلام عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي تصوير أعمالهم بصورة أعمال المنافقين، وفي أخذ الروايات الباطلة وجعلها دليلا على الغميزة في إيمانهم، وفي رد الروايات الثابتة الصادقة بروايات كاذبة ادعاها مدع من الرافضة، إلى غير ذلك مما سأبينه فيما أكتب في مجلة
стр. 621
"المسلمون" وزعمت أن هذا ليس ديدن هذا الكاتب وحده، بل صار ديدنا لأكثر من يكتب الآن في شيء من تاريخ هذه الأمة المسلمة، حتى صار الطعن في صحابة رسول الله أمرًا مرتكبا بلا حذر.
وما دمت لم أزد في كلامي على هذا، فلست أدري بعدُ ما الذي يحملك على أن تخذلني أو تنصرني في أمر لم أنطق بعد فيه بكلمة! نعم! قد يكون رأيي فيما أبديت أنت فيه رأيك، مخالفا لك، ولكني لم أتكلم بعد فتعرف حجتى فيه. بل لعلى إذا كنت لك مخالفا، ثم عرضت عليك خلافي لك، أن تكون أسرع إلى موافقتى شك إلى الخلاف عليّ، حين ترى فيما أقول صوابا يرضيك. أليس هذا جائزا، وممكنا أيضًا؟ فإذا رأيتنى بلغت في سياق مقالاتى في "المسلمون" إلى ذكر دول الإسلام، فعندئذ فقل، فأنا أقبل منك ما تقول. واعلم أنى لا آنف أن أصير إلى الحق إذا عرفته. ولقد عشت على هذه الأرض زمانا طويلا، واعتقدت منذ عقلت آراء كثيرة، ثم تبين لي أن الحق في خلافها، فرجعت عنها جملة، ولم أبال بما كنت أرى. ولعلك أنت خاصة تعلم من ذلك ما لا يعلمه غيرك.
وأنا أحب أن ترجع إلى ما كتبته في مجلة "المسلمون" ولا تأخذ كلام أهل اللجاجة، فإنهم أوهموك، فيما أظن، أنى قلت شيئا، والحقيقة أنى لم أقل بعد فيما تناولته أنت شيئا، وأنا أعيذك أن تتورط، في هذا الشر الذي نجاهد جميعا في دفع الناس عنه، وهو أخذ الأقوال بلا بينة، وبلا حجة، وبلا برهان. ولك مني تحية كنت أحب أن تبلغك، على غير هذه الراحلة المكرهة على ارتكاب طريق دنسته الأقدام، والسلام.
стр. 622
فيم أكتب !
إلى أخي الأستاذ الزيات
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد، فقد دعوتنى فاستجبت لك، رضى بك وعنك. بيد أنى أجبتك ساخطا على نفسي، والجمرة الموقدة أبرد مسا من سخطة امرئ على نفسه. كنت عزمت أن أدع هذا القلم قارا حيث هو، في سِنَةٍ لا تنقطع، يعلوه صدأ لا ينجلى. وظللت أيامًا أسأل نفسي: فيم أكتب؟ فيم العناء والنصب؟ علام أزهق أيامى في باطل لا ينقشع؟
* * *
بقى ما كتبته لك آنفًا معلقًا يومًا كاملا، حتى خلتنى مخلفًا لك موعدى. والساعة ذكرت أمرًا: ذكرت أنى ختمت مقالاتى المتتابعة في الرسالة، منذ خمس سنوات تقريبا، بسؤال آخر: "لمن أكتب؟ " (١). وقلت يومئذ إني لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولم أكتب؟ ولكني أحس من سر قلبي أنى إنما أكتب، ولا أزال أكتب، لإنسان من الناس لا أدري من هو، ولا أين هو. أهو حي فيسمعني، أم جنين لم يولد بعد سوف يقدر له أن يقرأنى؟ ووصفت يومئذ شراذم الساسة الذين لوثوا تاريخ الحياة الإسلامية والعربية، في حيث كان الإسلام وكانت العرب. ووصفت رجال العلم المتعبدين لسادتهم من أهل الحضارة الفاسدة التي تعيش بالمكر والحقد والفجور. ووصفت أصحاب السلطان في الشرق، وهم حثالة التاريخ الإنساني، ووصفت أهل الدين، إلا من رحم ربك، الذين يأكلون بدينهم نارًا حامية. وزعمت أنى لن أيأس من رجل أو رجال توقظهم هذه البلوى المطبقة المحيطة بنا، فيدفعهم حب الحياة وحب الخير، إلى نفض غبار القرون عن أنفسهم.
стр. 623
ثم ذكرت هذا الرجل الذي طواه الغيب إلى ميقاته، فأنا أكتب له حتى يخرج من غمار هذا الخلق، وينفرد من هذه (السائمة)، ليقود الشعوب بحقها لأنه منها: يشعر بما كانت تشعر به، ويألم لما كانت تألم له، وينبض قلبه بالأماني التي تنبض به ضمائر قلوبها. رجل خلطت طينته التي منها خُلِقَ بالحرية. فأبت كل ذرة في بدنه أن تكون عبدًا لأحد من خلق الله. يسير بين الناس فتسرى نفسه في نفوسهم، وتموج الحياة يومئذ بأمواجها، ثم لا يقف دونها شيء مهما بلغ من قوته وجبروته. وزعمت أن الشرق العربي والإسلامي، ينتظر صابرًا كعادته هذا الرجل، وأننا قد أشرفنا على أمر قد كتب الله علينا فيه أن نجاهد في سبيله، ثم في سبيل الحق والحرية والعدل، لأننا نحن أبناء الحق والحرية والعدل، قد أرضعنا الدهر بلبانها منذ الأزل البعيد.
ثم ختمت كلامي بهذه الفقرة: فأنا إن كتبت، فإنما أكتب لأتعجل قيام هذا الرجل من غمار الناس، لينقذنا من قبور جثمت علينا صفائحها منذ أمد طويل. وليس بيننا وبين هذا البعث إلا قليل، ثم نسمع صرخة الحياة الحرة العادلة، يستهل بها كل مولود على هذه الأرض الكريمة، التي ورثناها بحقها، ليس لنا في فِتْر منها شريك" (١).
كتبت هذا يومئذ، والناس في ظلمة ليل بهيم. ومنذ ذلك اليوم والأحداث في الشرق العربي الإسلامي آخذ بعضها برقاب بعض. وحركت الأحداث المتتابعة نواعس الآمال، فهبت تمسح من عيونها النوم المتقادم. ثم حملقت في أكداس الظلام المركوم، فأوهمتها اليقظة أن الظلام من حولها يومض من بعيد ببصيص من نور. فتنادت الصيحات بانقشاع الظلم: وافرحتاه! وصرخت وأنا في محبسي: واحسرتاه! أعمى رأي الظلام نهارا!
كانت الدنيا يومئذ ظلامًا، ونعرفها نحن ظلاما. والمعرفة دائما تفضى إلى خير. ثم أصبحت الدنيا أشد ظلاما. ونتوهمها نحن نورا ينبثق. والتوهم مفض
стр. 624
أبدا إلى أفحش الشر. المعرفة بناؤها على الصدق، والتوهم عماده الكذب. ولا فلاح لشيء إلا بالصدق وحده.
لقد طرأت على هذا العالم العربي والإسلامي طوارئ، فإذا لم يصدق نفسه فلا نجاة له. واحتوشته (١) الأمم المفترسة بأساليبها الظاهرة والخفية، فإذا لم يصدق النظر فلا خلاص له. لست قانطا ولا مقنطا. كما يتوهم من يحب أن يتوهم. ولكني أرى بلاء نازلًا بنا. ونحن نخوضه كأنه رحمة مهداة. وبئس ما نفعل؟ وبئس مطية الأعمال الكذب.
من حيث أتلفت أرى وجوها تكذب، ووجوها مكذوبا عليها. وأسمع أصواتا تخدع، وآذانا مخدوعة بما تسمع. وأقرأ كلاما غمس في النفاق وفي التغرير غمسا.
وألمح في عيون المساكين ممن قرأوه غفلة تتلألأ بفرحة ولكنها فرحة لا تتم عليها إلا بالعصى المطبق عن الحق والصواب. إن هذا كله إعداد للمجزرة الكبرى. حيث تذبح الآلاف المؤلفة منا بمدى حداد اسْتُخْرِج حديدها من معدن القلوب المضطغنة بالعصبية، المنهومة بالمنفعة. وأَمْهاها (٢) ماء الحقد الصليبى الوثني، وأرهفت بلذة الفتك الذي لا تطفأ ناره.
إن الذي نعيش فيه اليوم حياة قد مهد لها جبابرة الدهاة؛ لا أقول منذ عام أو عامين، بل منذ أكثر من مئتى عام. حطم كل شيء قليلا قليلا حتى خر البناء كله. ثم انبعثت من تحت الأنقاض حيات خبيثة تلبس إهاب البشر. غُذِيَت بالسم الذعاف حتى صارت لحمًا وسما. لا لحمًا ودمًا؛ ولا يعنيك أو يعنينى أن ننظر: أهي تعرف نفسها وتدرك أنها مسخت أفاعى في مِسْلاخ (٣) إنسان، أم تراها لا تعرف ولا تدرك؟ ليس يعنينى هذا ولا يعنيك؛ بل يعنينا -ويعنيها هي أيضًا- أن نصدق المعرفة أنها حيات تنفث سمها في حياة الناس؛ في حياة الغافلين النائمين. فمن استعصى عليها فتكت به؛ ومن أطاع لسمها مسخ كمثلها
стр. 625
حية تسعى. فإذا قدر لهذه الحيات أن تبلغ الغاية التي مسخت لها؛ فلن يتم ذلك حتى تكون الأرض العربية والإسلامية كلها خرابًا من البشر الأحرار؛ خرابا تعمره العُمَّار من أفاع وحيات وأصلال (١).
من مخافة هذا اليوم كنت أكتب قديمًا ما استطاع هذا القلم أن يكتب، ثم وجدتني فجأة في موج متلاطم من الضلالات، تتقاذفه ضلالات العلم المكذوب، وضلالات الرأي المدلس، وضلالات السياسة الخداعة. وإذا الأرض من حولي تعج بترتيل مظلم مخبول؛ وإذا السماء من فوقى تهتف بتسبيح كالح مزور؛ وإذا صوتى يضيع في سمعى؛ فهو إذن في أسماع الناس أضيع؛ وتردد في صدري شعر الحكمى؛ فاستمعت له وسكت:
مت بداء الصمت خير ... لك عن داء الكلام
إنما السالم من ... ألجم فاه بلجام
فلما دعوتنى فأجبت، انقلبت أسائل نفسي: فيم أكتب؟ فيم العناء والنصب؟ علام أزهق أيامى في باطل لا ينقشع؟ إن بيني وبين الأسماع والأبصار والقلوب، حجابا صاخبًا من غماغم الدجاجلة، وهماهم الأفاكين، وثغاء أهل (٢) الغش، وضغاء (٣) أخدان النفاق. . . ويذهب قولى باطلا ويضيع صوتى مختنقا، ولم أجن عندئذ من حياتى إلا شقاء يقول فيه القائل: "إن الشقىَّ بكل حبل يُخْنَقُ"، حتى حبل الحق والصدق! حتى حبل الحق والصدق! .. وإنك لتعلم: أن لو أنى عرفت للكتابة ثمرة، لما توقفت ساعة، ولما أبطأت دون ما وجب على.
بأي لسان أستطيع أن أفتق للناس أسماعا غير الأسماع التي طمها الكذب المسموع؟ وبأي قلم أستطيع أن أسلخ عن العيون غشاوة صفيقة لبسها بها
стр. 626
الكذب المكتوب؟ وبأي صوت أستطيع أن أنفذ إلى قلوب ضرب عليها نطاق من الكذب المسموع والمكتوب؟ بأي لسان، وبأي قلم، وبأي صوت؟ ولكنه، على ذلك كله واجب، وإن كان جهدا لا ثمرة له! وهو كذلك، وإذن فليس لي أن أسأل نفسي: فيم أكتب؟ ولم هذا العناء والنصب؟ وعلام أزهق أيامى في باطل لا ينقشع؟
وإذن فقد كُتب على أن أنصب وجهي لهذا الشقاء الصَّيْخود، لا أبالي أن أحترق، ولا أحفل أن أعود سالما، ولا آبه لما يصيبني، مادام حقا عليّ أداؤه. إنها أيام بلاء ومحنة من عدونا حيث بلغ منا كل مبلغ، ومن أنفسنا، حيث صار كل امرئ منا عدو نفسه وعقله، عدو تاريخه وماضيه، عدو مستقبله من حيث يدرى ولا يدرى. إنها أيام ضلال وفتنة، تدع الحليم الركين حيران بلا حلم ولا ركانة، تدع البصير المهتدي أعمى بلا بصر ولا هداية، تدع الصادق الحازم غفلا بلا صدق ولا حزامة. ولكنها على ذلك كله، كُتِبت على الحليم الركين، وعلى البصير المهتدى، وعلى الصادق الحازم -أن يعيش في شقائها بلا ملل، وأن يكون فيها كما قال شاعر الخوارج، عمران بن حطان، في أهل الدنيا:
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجُوَّعُ
فمنذ حملت إليك هذا القلم، استجابة لدعوة لم أجد ردها من الأدب ولا من الوفاء في شيء، عرفت أنى سوف أكتب كما كتبت قديما، لأتعجل انبعاث رجل من غمار أربعمائة مليون من العرب والمسلمين، تسمع يومئذ لحكمته الأجنة في بطون أمهاتها، وتهتدى بهديه الذرارى في أصلاب الآباء والأمهات.
ولكنك بعد، قد أنزلتني بحيث يقول القائل:
حيث طابت شرائع الموت، والمو ... تُ مرارا يكون عذب الحِياضِ
فأنا إن شاء الله بحيث أحببت لي أن أنزل، والسلام
стр. 627
أبصر طريقك (١)
منذ ظهر دين الله في الأرض، وتدافعت أمواجه شمالا وجنوبا وشرقًا وغربًا، وضرب تياره أسوار العالم المحيط به، وطهر بلادًا كثيرة وغسلها مما فيها من الشرك والكفر والإهلال لغير الله سبحانه، أخذت تتجمع في أطرافه عداوة لا تنام، وبقيت هذه العداوة تنازل جنود الله عامًا بعد عام في ثغور الإسلام. ثم احتشدت هذه العداوات المتفرقة في الثغور حشدا واحدا، بدأت به الغزوات المتلاحقة التي عرفت في التاريخ باسم الحرب الصليبية. وظلت هذه الحروب مشبوبة قرونا طويلة، وأداتها السلاح والجيوش والمواقع.
ثم انتهت حرب السلاح والجيوش، إذ وضع العالم الإسلامي سلاحه، بل أصح من ذلك، أن العالم الإسلامي يومئذ لم يكن معه سلاح يضعه أو يرفعه. وإذا كان فيه سلاح، فهو سلاح لا يغني عنه في لقاء هذه الأسلحة الجديدة التي جاءت مع الغزاة. ومن يومئذ انتقلت الحرب الصليبية من ميادين القتال إلى ميدان آخر: هو الحياة نفسها!
كانت خطة الحرب الصليبية الجديدة، هو دك الحياة الإسلامية كلها: تدك بناء هذه الحياة، وتدك علمها، وتدك آدابها، وتدك أخلاقها، وتدك تاريخها، وتدك لغتها، وتدك ماضيها. وفي خلال ذلك ينشأ بناء جديد لهذه الحياة، بعلم غير العلم الأول، وأدب غير الأدب، وأخلاق غير الأخلاق، وتاريخ غير التاريخ، ولغة غير اللغة، وماض غير الماضي. ويأتي يوم فإذا الهزيمة واقعة كما وقعت في الميادين. ويصبح العالم الإسلامي وليس معه من الحياة التي كان بها عالما
стр. 628
صحيحا، إلا بقايا لا تغني عنه، كما أصبح يوما في ميدان الحرب، ومعه بقايا أسلحة لا تغني عنه شيئا.
جاءت الغزوات الصليبية الجديدة متلاحقة سريعة نفاذة تنشر طلائعها الأولى في كل مكان، مزودة بالفهم والإدراك والمعرفة، بطبيعة هذا الميدان الجديد، فتلقى قوما قد سلبوا الفهم والإدراك والمعرفة لطبيعة هذا الميدان. ولكنهم كانوا بفطرتهم يعلمون أن هذه الطلائع عدو لهم، فقاومهم من قاومهم بما تستثيره الفطرة من بغض العدو والشك فيه، وإن جاء في ثوب المسالم والناصح. وتهاوى آخرون، فوقعوا في حوزة العدو، إذ غرتهم مسالمته وخدعهم نصحه، وظلت هذه الحروب دائرة بيننا وبينهم أكثر من مئة وخمسين عاما، في سكون وصمت، ولجاجة وحرص، وقوة وحذر، ومعرفة وبصر، حتى بلغ العدو منا مبلغا لم يكن في أول الأمر يظن أنه يبلغه. فقد تهاوى البناء كله فجأة. وأصبحت الحياة الإسلامية أطلالا يناديها الفناء فتجيب بلا مقاومة ولا عناد.
ذهب كل شيء يكون للحياة البشرية قواما وعمادا: ذهب العلم والأدب والأخلاق واللغة والتاريخ، وجاءه الغزاة بما يحل مكانه من علم وأدب وأخلاق ولغة وتاريخ. ذهب الذي كان ينبع نبعه من كتاب الله، ومن حياة الأمة المسلمة، وسنة رسوله، وجاء الذي ينبع نبعه من الحياة الوثنية القديمة، ومن المسيحية المحدثة، ذهب الذي كان يتحدر إلينا كما تتحدر الوارثات من أصلاب الآباء إلى أصلاب الأبناء، وجاء الذي يتحدر إلينا كما يتحدر السيل الجارف لا يبقى ولا يذر. ذهب شيء وجاء شيء، فتغير نظرنا وفكرنا، وتغير إدراكنا ومعرفتنا، وتغير شعورنا وإحساسنا، وتغير لساننا وبياننا. فعدنا ننظر في الكتاب الذي هو كتابنا، وأخبار النبي الذي هو نبينا، وآثار الماضين الذين هم آباؤنا، فأنكرنا ما وجدنا في ذلك كله، فطرحه منا من طرحه وراء ظهره ولم يبال به، وتهيب منا من تهيب فوقف لا يدرى ماذا يفعل، وبقيت طائفة لا تطرح ولا تتهيب، فطلبت مخرجا من هذا الشيء الذي تنكره إنكارًا خفيفا، وهو في هذه الصورة التي جاء عليها من التراث الماضي. فرأت المخرج في تجديد التراث
стр. 629
الماضي تجديدا مقاربا، يطابق الحياة الجديدة من وجوه، وينكر الحياة القديمة من وجوه أخرى.
ومن يومئذ انقسم العالم العربي والإسلامي إلى طائفتين: طائفة منكرة لا تعبأ شيئا بالحياة الماضية كلها، وطائفة لم يبلغ بها الإنكار أن لا تعبأ، فالتمست تجديد الحياة الماضية على أسس جديدة. وإذا هذه الأسس التي تريد أن تؤسس عليها، هي في جوهرها مستمدة كلها من الحياة التي أنشأها الغازي الصليبي بين ظهرانينا.
* * *
هذه صورة مصغرة للحياة في العالم الإسلامي الحاضر. لا يدركها المرء حتى يعلم أن العالم الإسلامي مقبل على خطر أبشع من خطر الغزو الصليبى الأول بالسلاح، مقبل على هزيمة منكرة تكون عاقبتها تبديل الإسلام تبديلا كاملا حتى لا يبقى له من ظل الحق إلا ما بقي من ظل المسيحية الحقة في العالم المسيحي الحاضر.
ودعاة هذا التبديل، علموا أو لم يعلموا، قد تعاووا في كل مكان باسم الدفاع عن الإسلام، وباسم إحياء الإسلام، وباسم تجديد الإسلام. وهم يعملون جاهدين على أن ينشروا دينهم الجديد -كما ينبغي أن يسمى- بجميع الوسائل التي يظنون أنها تفضى بهم إلى الدفاع عن الإسلام أو إحيائه أو تجديده. وهم على مر الزمن، سوف يتركون آثارا عميقة في حياة العالم الإسلامي الحاضر، وسيتبعهم تابعون يقتفون آثارهم، مبعدين عن النهج الأول الذي بنى عليه هذا الإسلام الذي يدافعون عنه أو يحيونه أو يجددونه! بل إن هؤلاء أنفسهم قد كانوا خلفاء لجيل سبق من قبلهم، أعمته الحياة التي بهرت عينيه وزلزلت عقائده، فطلب كما يطلبون، الدفاع عن الإسلام وإحياءه وتجديده، على أسس لم يستمد أصلها من الحق الذي في دينه، بل من أصل بعيد هو الحياة التي يحياها العالم الصليبي الذي غلب وقهر وظهر مجده في هذه الأرض.
إن هذا الوباء الذي يجتاح العقل الإسلامي والحياة الإسلامية، قد نفذ إلى
стр. 630
كل ركن في هذا العالم، وسارت حُمَيَّاه سَوْرَة مستبدة بكثير من رؤوس الدعاة. وانطلقت الألسنة مسرعة تريد أن تبني بناء عقليا جديدا لهذا الإسلام الذي تهدم بناؤه القديم، فما تجد لسانا إلا وهو يرسل طوفانا من الكلام بلا حذر ولا توقف، وكل لسان يرى في الذي يرسله مادة صحيحة لبناء هذا العالم المتهدم. وأصبح كل داعية إمامًا يقتدى به. والمقتدون به لا يعلمون شيئا إلا أن هذا السيل المرسل عليهم، ليس إلا أصلا صحيحا من أصول هذا الإسلام الذي يدعوهم إليه. وكل داعية يظن نفسه ينبوعا يروى الظامئين، يسألونه فيجيب، فيطوفون به طواف الوثني بالصنم. مادة علمهم أن يستمدوا منه ما يجود عليهم به. ولا يجد أحدهم متسعا أن يلتمس علمه إلا من فيض لسان هذا الإمام الداعى. والإمام مشغول بالتماس المعاني التي يفيضها عليهم، وهم لا يسألونه من أين يأتي بها. وكل داعية مشغول بإعداد المادة لمن يتبعه، لا يحذر ولا يخاف ولا يتحرى. وكل داعية مشغول عن الداعية الآخر، لا ينظر في أمره ولا يتعقبه ولا يقول له من أين جئت بهذا. بل لعله يغفل عن أفسد الفساد في قوله وفعله، وأقبح القبح الذي يبثه في أتباعه، لأنه يقول لنفسه إننا مشغولون جميعا برم هذا البناء الذي تهدم، بل ببناء شيء هو خير من الذي تهدم. وكل داعية منهم هو في الحقيقة منكر للحياة الأولى للإسلام، ولكنه يريد أن يقاوم الفناء بأن يستخرج من نواحي هذه الحياة ما يقنع هو به، ويقنع بعض الناس به: إن في ماضي الإسلام ما يمكن أن يكون مماثلا للحياة الحاضرة، أو تصحيحا لبعض أخطاء الحياة الحاضرة. بيد أنه لا يصل إلى ذلك إلا بنظره هو، وتفكيره هو، بصورة يرتضها هو، ولا يبالى أن يكون استدلاله في غير موضعه، ولا أن يكون فكره قد فسر الأشياء على غير ما ينبغي أن تكون عليه، أو على غير ما كانت عليه.
فأعمال هؤلاء الدعاة، ليست في الحقيقة إلا ضربا من هذيان هذا الوباء المقرون بالحمى، ليس له أصل إلا فورة الدم في المحموم. فإذا استمر أمر الإسلام على هذا الذي نراه، فقد انتهى كل شيء. وإذا قدر لهذا العالم الإسلامي أن تعتزل طائفة منه هذا الخبل الخابل، لتعيد النظر في الأصول الصحيحة لدينها،
стр. 631
والتي لقى بها هذا الدين عالم الشرك والكفر فدكه ومزقه، وأقام فيه بناءً قاوم الفناء ثلاثة عشر قرنا، فيومئذ تبدأ المرحلة الأولى لجهاد طويل شاق، يتحدى طواغيت الكفر بإيمان صحيح، لا تشوبه شائبة من هوى أصحاب الأهواء، بل هو طاعة الله ورسوله، لا يغني غيرها شيء يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأعود فأقول: من ظن هذا تشاؤما وتثبيطا فليظن ما شاء له الظن! وليس يغني عن الأعمى شيئا أن تقول له أنت مبصر بعينين لماحتين، ولا عن المغروس في حومة الهلاك أن تقنعه بأنه خالد ليس للموت عليه سلطان.
стр. 632
باطل مشرق
لم أكد أفرغ لنفسي، وأنفض عن فكري مثاقل الهم الفادح الذي أتحمله إذا كتبت في شأن هذه الأمم المسلمة -حتى دخلتْ في خلوتى أيام وليالٍ، تعلمنى أن الباطل المشرق، صنو الباطل المظلم البهيم. بل إن الباطل المشرق أضرى وأفتك بالبشر من صنوه وأخيه المظلم. للباطل المظلم ردة، كَرَدَّة الوجه القبيح (١)، يزوى لها الناظر ما بين عينيه، ويرد بصره معرضا عما يرى فيه من قبح. أما الباطل المشرق المضئ، فله فتنة تنادى، كفتنة وجه الحسناء الخبيثة المنبت، تأخذ بعين الناظر، فيقبل عليها ملقيا بنفسه في مهالك هذا الجمال الآسر، وإذا المنبت الخبيث درة مستهلكة في هذا التيار المترقرق من فتن الحسن والهوى.
وهذه الرقعة المتراحبة من حدود الصين إلى المغرب الأقصى -والتي تسكنها أمم ورثت اسم الإسلام، فنسبت إليه؛ ووصفت به- تعيش اليوم في بريق متلالئ من هذا الباطل المشرق. فمنذ أكثر من مئتى سنة، ضربها الغازى الصليبى المستعمر ضربة رابية (٢)، حتى خرت عاجزة، ثم ظل يضربها حتى همدت أو كادت. وفي خلال ذلك كان الغازى يستحييها بحياة غريبة عنها حتى يأتي يوم تتبدل فيه من حياة كانت إلى حياة سوف تكون. وكذلك يقضى قضاء ساحقا على أسباب الحياة الأولى، الحياة التي كانت تعرف بالحياة الإسلامية.
ثم جاء اليوم الذي ظن فيه هذا العالم أنه ارتد إلى الحياة مرة أخرى. ونعم، إنه ارتد إلى حياة مرة أخرى، ولكن أي حياة! ما على الآلاف المؤلفة التي تدب في أرجاء هذا العالم من مثل هذا السؤال؟
стр. 633
إن حب البقاء في الحي الفرد، أقوى من العقل، أقوى من حب المعرفة، أقوى من حب المال. فإذا ظفر بالبقاء على أمه الأرض، فقلما يبالى بشيء غير هذا البقاء. ولكن الحياة الإنسانية مجتمعة لا تستقيم بحب البقاء وحده. فالاجتماع الذي يضم هؤلاء الأحياء المتشبثين بالبقاء، يحدث لهم ضروبا جديدة من الأماني والآمال والمطامح، تغلب هذا الحب الخفي للبقاء المجرد في الفرد، وتنشيء فيهم حبًّا لبقاء آخر: هو بقاء حياة الجماعة، من حياة أنشأها الإلف والتعود، وحياة تنشئها الأماني في حياة أتم وأكمل وأمجد. والنزاع بين حياة الإلف والتعود، وحياة الأماني في الكمال والمجد، نزاع عنيف، وهو على عنفه أمر غامض في نفوس عامة أفراد المجتمع، لأنه يقوم على أماني مبهمة دائما في أول أمرها. ولا تستبين هذه الأماني إلا في فئة قليلة، تملك من القدرة على النظر، وعلى التأمل، وعلى البيان عن نظرها وتأملها، قسطا يتيح لها أن تحاول التعبير عن هذه الأماني، تعبيرا يخرجها من حيز الأمر المبهم إلى حيز الأمر البين.
فمن هذا المدخل يدخل على الجماهير أحد رجلين: إما رجل عاقل صادق يحسن النظر والتأمل والبيان، وإما رجل ذكى قادر يموه عليهم بالنظر والتأمل والبيان. أحدهما عارف يصدق الناس ولا يبالى، والآخر دجال يلعب بالناس ولا يبالى. أحدهما لا يأخذهم إلا بالوسائل التي تقوم على الصدق والعدل والحق، والآخر يأخذهم بكل وسيلة لا يعبأ بصدق ولا عدل ولا حق. أحدهما يعلم الناس معنى هذه الأماني المبهمة في أنفسهم، كما ينبغي لكل تَعَلُّم، من جهد ومشقة وحذر وبصر. والآخر يعلمهم معنى هذه الأماني المبهمة في أنفسهم، بما يستثيره فيهم، وما يستغله من نزوعهم وتلهفهم، لا يأبه لشيء إلا لما يستخفهم إلى اتباعه وطاعته وتمجيده.
فالحرية مثلا سوق تهوى إليه نفوس المستعبدين. كلمة مبهمة تعيش في سر نفوسهم كالقبس المكفوف، لو كشف غطاؤه لأضاء. فالرجل الصادق يعلم النفوس معنى الحرية، ويكسبها من وسائل تعلُّمها ما لابد لها منه من صدق وعزيمة وجد ومشقة وبصر، حتى تتهاوى الجدران التي تحول بينها وبين
стр. 634
الانطلاق، وتنفض الأغلال الثقيلة الغليظة التي تعوق الحي عن إدراك حريته. أما الدجال، فهو لا يزال يصرخ فيهم باسم الحرية، ثم لا يمنح الناس من وسائلها إلا كل وسيلة لا تغني شيئًا في كفاح الجدران والأغلال، بل ربما زادت الجدران صفاقة وقوة، والأغلال ثقلا وغلظا وفداحة. فهذا هو الباطل المشرق، لأنه يأتي الناس من حيث تهوى أفئدتهم معنى مبهما غامضًا كريما، فيموه هذا المعنى بما شاء من تمويه، ليسير الناس وراءه كما هم عميًا صمًّا، لا ليعلِّم الناس حقا يطلبونه ويحرصون عليه ويزدادون معه على الأيام بصرًا وإدراكا.
وهذا العالم الإسلامي الذي يموج اليوم موجه، ينبح في نواحيه هذا الباطل المشرق ينبح في السياسة، وفي العلم، وفي الأدب، وفي الفن، وفي الأخلاق، وفي جماع ذلك كله: في الدين. هو عالم مستغل، يستخفه الدعاة والدجاجلة، يهتبلون غفلته في هذه الحياة التي ظن أنه ارتد إليها بعد همود، ويختلسون نفضة هذا الشوق المضطرم إلى أمان مبهمة غامضة. ويتولى قيادته في كل شأنه ألسنة لا تبالي، تستفزه إلى المغامرة في سبيل الحياة الماجدة الطيبة التي تجيش فيه. تستفزه بالنداء الصارخ باسم هذه المعاني المبهمة في ضميره، وتعطيه وسائل وأساليب يظنها معينة له على إدراك ما يشتاق إليه، وهي في الحقيقة مفضية به إلى التمرغ في حمأة الجهالة والعبودية والغرور الكاذب، إلى أن يقضى الله في الناس بأمره وقضائه.
وأخطر هذه الألسنة التي تستفز هذا العالم، هي الألسنة التي اتخذت كلمة الإسلام لغوًا على عَذَباتها (١) -لا لأنها أعظم شأنًا وأعز سلطانا من الألسنة الأخرى، ألسنة المموهين باسم الحرية، واسم العلم، واسم الفن، واسم الأخلاق، بل لأنها تعمد إلى كتاب أنزله الله بلاغا للناس، وحكمة أوحيت إلى رسوله لتكون نبراسا للمهتدين، فتحيلهما إلى معان من أهواء النفوس التي لا تعرف الحق إلا في إطار من ضلالاتها وأوهامها. ثم يتبعهم التابعون الجاهلون اتباعا، هو
стр. 635
سَمْعٌ وطاعة، لكن لغير الله ورسوله، بل للزور المدلس على كتاب الله وسنة رسوله. وإذا هؤلاء المتبعون يعدون هذه الضلالة دينا، ويظنون هذا الدين الجديد إحياء للإسلام. وإذا هم يأخذون دينهم من حيث نهوا أن يأخذوا. يأخذونه عن مبتدع في الدين برأيه، محيل لنصوصه بفساد نشأته، مبدل لكلماته بهوى في نفسه، محرف للكلم عن مواضعه بما يشتهي وما يحب، مختلس لعواطف الناس بما فيه من حب اتباعهم له، خادع لعقولهم برفعة الإسلام ومجد الإسلام، وهو لا يبغي الرفعة والمجد إلا لنفسه.
ولقد أنبأنا معاذ بن جبل ﵁ بصفة ما نحن فيه إذ قال يوما لأصحابه: "إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعونى وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعى حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة. وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم. وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال له يزيد بن عميرة أحد أصحابه: ما يدرينى رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال معاذ: بلى! اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع. وتَلَقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا".
وقد فُتِح القرآن، فأخذته الألسنة كلها من مؤمن ومنافق، ومن صغير وكبير، وكل يقول برأيه لا يختشى ولا يرهب ولا يتقى. وظهر في كل أرض من يقول لنفسه: ما للناس لا يتبعونى وقد قرأت القرآن؟ ثم يعود من نحسه وشؤمه، يجمع كل خسيسة من البدع التي تميل إليها نفوس الجاهلين الغافلين، وتهوى إليها أفئدة الذاهلين المفتونين بالحب لكل جديد مبتدع. وهو في كل ذلك يعلم أن المبتدع في كل شيء له لذة الجدة، ويعلم أن الناس يشتاقون إلى أمر مبهم في نفوسهم، هو استعادة مجد دينهم، ونشر كلمته في الأرض، فلا يبالى أن يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فيؤتيهم ما يطابق ما يراه من أشواقهم، ويزين لهم أن بلاغ ما يشتاقون إليه قريب، إذا هم اتبعوه إلى الغاية. وأن شرط بلاغه أن يعطوه