← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والتي لقى بها هذا الدين عالم الشرك والكفر فدكه ومزقه، وأقام فيه بناءً قاوم الفناء ثلاثة عشر قرنا، فيومئذ تبدأ المرحلة الأولى لجهاد طويل شاق، يتحدى طواغيت الكفر بإيمان صحيح، لا تشوبه شائبة من هوى أصحاب الأهواء، بل هو طاعة الله ورسوله، لا يغني غيرها شيء يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وأعود فأقول: من ظن هذا تشاؤما وتثبيطا فليظن ما شاء له الظن! وليس يغني عن الأعمى شيئا أن تقول له أنت مبصر بعينين لماحتين، ولا عن المغروس في حومة الهلاك أن تقنعه بأنه خالد ليس للموت عليه سلطان.

стр. 632

باطل مشرق لم أكد أفرغ لنفسي، وأنفض عن فكري مثاقل الهم الفادح الذي أتحمله إذا كتبت في شأن هذه الأمم المسلمة -حتى دخلتْ في خلوتى أيام وليالٍ، تعلمنى أن الباطل المشرق، صنو الباطل المظلم البهيم. بل إن الباطل المشرق أضرى وأفتك بالبشر من صنوه وأخيه المظلم. للباطل المظلم ردة، كَرَدَّة الوجه القبيح (١)، يزوى لها الناظر ما بين عينيه، ويرد بصره معرضا عما يرى فيه من قبح. أما الباطل المشرق المضئ، فله فتنة تنادى، كفتنة وجه الحسناء الخبيثة المنبت، تأخذ بعين الناظر، فيقبل عليها ملقيا بنفسه في مهالك هذا الجمال الآسر، وإذا المنبت الخبيث درة مستهلكة في هذا التيار المترقرق من فتن الحسن والهوى. وهذه الرقعة المتراحبة من حدود الصين إلى المغرب الأقصى -والتي تسكنها أمم ورثت اسم الإسلام، فنسبت إليه؛ ووصفت به- تعيش اليوم في بريق متلالئ من هذا الباطل المشرق. فمنذ أكثر من مئتى سنة، ضربها الغازى الصليبى المستعمر ضربة رابية (٢)، حتى خرت عاجزة، ثم ظل يضربها حتى همدت أو كادت. وفي خلال ذلك كان الغازى يستحييها بحياة غريبة عنها حتى يأتي يوم تتبدل فيه من حياة كانت إلى حياة سوف تكون. وكذلك يقضى قضاء ساحقا على أسباب الحياة الأولى، الحياة التي كانت تعرف بالحياة الإسلامية. ثم جاء اليوم الذي ظن فيه هذا العالم أنه ارتد إلى الحياة مرة أخرى. ونعم، إنه ارتد إلى حياة مرة أخرى، ولكن أي حياة! ما على الآلاف المؤلفة التي تدب في أرجاء هذا العالم من مثل هذا السؤال؟

стр. 633

إن حب البقاء في الحي الفرد، أقوى من العقل، أقوى من حب المعرفة، أقوى من حب المال. فإذا ظفر بالبقاء على أمه الأرض، فقلما يبالى بشيء غير هذا البقاء. ولكن الحياة الإنسانية مجتمعة لا تستقيم بحب البقاء وحده. فالاجتماع الذي يضم هؤلاء الأحياء المتشبثين بالبقاء، يحدث لهم ضروبا جديدة من الأماني والآمال والمطامح، تغلب هذا الحب الخفي للبقاء المجرد في الفرد، وتنشيء فيهم حبًّا لبقاء آخر: هو بقاء حياة الجماعة، من حياة أنشأها الإلف والتعود، وحياة تنشئها الأماني في حياة أتم وأكمل وأمجد. والنزاع بين حياة الإلف والتعود، وحياة الأماني في الكمال والمجد، نزاع عنيف، وهو على عنفه أمر غامض في نفوس عامة أفراد المجتمع، لأنه يقوم على أماني مبهمة دائما في أول أمرها. ولا تستبين هذه الأماني إلا في فئة قليلة، تملك من القدرة على النظر، وعلى التأمل، وعلى البيان عن نظرها وتأملها، قسطا يتيح لها أن تحاول التعبير عن هذه الأماني، تعبيرا يخرجها من حيز الأمر المبهم إلى حيز الأمر البين. فمن هذا المدخل يدخل على الجماهير أحد رجلين: إما رجل عاقل صادق يحسن النظر والتأمل والبيان، وإما رجل ذكى قادر يموه عليهم بالنظر والتأمل والبيان. أحدهما عارف يصدق الناس ولا يبالى، والآخر دجال يلعب بالناس ولا يبالى. أحدهما لا يأخذهم إلا بالوسائل التي تقوم على الصدق والعدل والحق، والآخر يأخذهم بكل وسيلة لا يعبأ بصدق ولا عدل ولا حق. أحدهما يعلم الناس معنى هذه الأماني المبهمة في أنفسهم، كما ينبغي لكل تَعَلُّم، من جهد ومشقة وحذر وبصر. والآخر يعلمهم معنى هذه الأماني المبهمة في أنفسهم، بما يستثيره فيهم، وما يستغله من نزوعهم وتلهفهم، لا يأبه لشيء إلا لما يستخفهم إلى اتباعه وطاعته وتمجيده. فالحرية مثلا سوق تهوى إليه نفوس المستعبدين. كلمة مبهمة تعيش في سر نفوسهم كالقبس المكفوف، لو كشف غطاؤه لأضاء. فالرجل الصادق يعلم النفوس معنى الحرية، ويكسبها من وسائل تعلُّمها ما لابد لها منه من صدق وعزيمة وجد ومشقة وبصر، حتى تتهاوى الجدران التي تحول بينها وبين

стр. 634

الانطلاق، وتنفض الأغلال الثقيلة الغليظة التي تعوق الحي عن إدراك حريته. أما الدجال، فهو لا يزال يصرخ فيهم باسم الحرية، ثم لا يمنح الناس من وسائلها إلا كل وسيلة لا تغني شيئًا في كفاح الجدران والأغلال، بل ربما زادت الجدران صفاقة وقوة، والأغلال ثقلا وغلظا وفداحة. فهذا هو الباطل المشرق، لأنه يأتي الناس من حيث تهوى أفئدتهم معنى مبهما غامضًا كريما، فيموه هذا المعنى بما شاء من تمويه، ليسير الناس وراءه كما هم عميًا صمًّا، لا ليعلِّم الناس حقا يطلبونه ويحرصون عليه ويزدادون معه على الأيام بصرًا وإدراكا. وهذا العالم الإسلامي الذي يموج اليوم موجه، ينبح في نواحيه هذا الباطل المشرق ينبح في السياسة، وفي العلم، وفي الأدب، وفي الفن، وفي الأخلاق، وفي جماع ذلك كله: في الدين. هو عالم مستغل، يستخفه الدعاة والدجاجلة، يهتبلون غفلته في هذه الحياة التي ظن أنه ارتد إليها بعد همود، ويختلسون نفضة هذا الشوق المضطرم إلى أمان مبهمة غامضة. ويتولى قيادته في كل شأنه ألسنة لا تبالي، تستفزه إلى المغامرة في سبيل الحياة الماجدة الطيبة التي تجيش فيه. تستفزه بالنداء الصارخ باسم هذه المعاني المبهمة في ضميره، وتعطيه وسائل وأساليب يظنها معينة له على إدراك ما يشتاق إليه، وهي في الحقيقة مفضية به إلى التمرغ في حمأة الجهالة والعبودية والغرور الكاذب، إلى أن يقضى الله في الناس بأمره وقضائه. وأخطر هذه الألسنة التي تستفز هذا العالم، هي الألسنة التي اتخذت كلمة الإسلام لغوًا على عَذَباتها (١) -لا لأنها أعظم شأنًا وأعز سلطانا من الألسنة الأخرى، ألسنة المموهين باسم الحرية، واسم العلم، واسم الفن، واسم الأخلاق، بل لأنها تعمد إلى كتاب أنزله الله بلاغا للناس، وحكمة أوحيت إلى رسوله لتكون نبراسا للمهتدين، فتحيلهما إلى معان من أهواء النفوس التي لا تعرف الحق إلا في إطار من ضلالاتها وأوهامها. ثم يتبعهم التابعون الجاهلون اتباعا، هو

стр. 635

سَمْعٌ وطاعة، لكن لغير الله ورسوله، بل للزور المدلس على كتاب الله وسنة رسوله. وإذا هؤلاء المتبعون يعدون هذه الضلالة دينا، ويظنون هذا الدين الجديد إحياء للإسلام. وإذا هم يأخذون دينهم من حيث نهوا أن يأخذوا. يأخذونه عن مبتدع في الدين برأيه، محيل لنصوصه بفساد نشأته، مبدل لكلماته بهوى في نفسه، محرف للكلم عن مواضعه بما يشتهي وما يحب، مختلس لعواطف الناس بما فيه من حب اتباعهم له، خادع لعقولهم برفعة الإسلام ومجد الإسلام، وهو لا يبغي الرفعة والمجد إلا لنفسه. ولقد أنبأنا معاذ بن جبل ﵁ بصفة ما نحن فيه إذ قال يوما لأصحابه: "إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعونى وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعى حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة. وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم. وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال له يزيد بن عميرة أحد أصحابه: ما يدرينى رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال معاذ: بلى! اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع. وتَلَقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا". وقد فُتِح القرآن، فأخذته الألسنة كلها من مؤمن ومنافق، ومن صغير وكبير، وكل يقول برأيه لا يختشى ولا يرهب ولا يتقى. وظهر في كل أرض من يقول لنفسه: ما للناس لا يتبعونى وقد قرأت القرآن؟ ثم يعود من نحسه وشؤمه، يجمع كل خسيسة من البدع التي تميل إليها نفوس الجاهلين الغافلين، وتهوى إليها أفئدة الذاهلين المفتونين بالحب لكل جديد مبتدع. وهو في كل ذلك يعلم أن المبتدع في كل شيء له لذة الجدة، ويعلم أن الناس يشتاقون إلى أمر مبهم في نفوسهم، هو استعادة مجد دينهم، ونشر كلمته في الأرض، فلا يبالى أن يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فيؤتيهم ما يطابق ما يراه من أشواقهم، ويزين لهم أن بلاغ ما يشتاقون إليه قريب، إذا هم اتبعوه إلى الغاية. وأن شرط بلاغه أن يعطوه

стр. 636

السمع والطاعة له ولمن يصطفيهم من شيعته ودعاته. فإذا تم أن تجتمع عليه طائفة من الناس، وظهر بهم أمره، وظنوا أنهم بلغوا بعض ما مناهم لسانه ولسان شيعته ودعاته، قالوا إن الإسلام هو هذا الذي ندعو إليه، وإن طريق الحق طريقنا وحده، وإن الإسلام في غير الإطار الجديد الذي وضعناه فيه ليس من الحق في شيء، وإن هذا الفهم الجديد للإسلام هو خلاص المسلمين من هذه الذلة التي ضربها عليهم الغازي الصليبي. ثم تنشق رَدَغَة هذا الخَبال (١)، عن صنوف مختلفة من الفساد المهلك، تجعل تاريخ الماضي كله ضربًا من الحياة الفاسدة، لا ينبغي لأحد من الناس أن يتلفت إليه إلا تلفت المزدرى المستنكف. وعندئذ يصبح الدين في أذهان الجماهير المتبعة، رسالة جديدة لها رسولها وحواريوها ودعاتها وشهداؤها. وإلى بيان هذه الرسالة تعود الجماهير، لا إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسوله، نعم، بل إلى تفسير هذا الكتاب وهذه السنة كما يراها لهم طواغيتهم من كهوف التبديل والتحريف والتأويل بالهوى والضلالة. وعندئذ يتم تبديل معنى الإسلام في الناس، ويتم للدجال أن يبتدع بهواه إلى طب في أهوائهم كتابًا غير كتاب الله. ولولا أن الله قد ضمن لنا حفظ نص كتابه، وحفظ نص البيان عنه في سنة رسوله لفعل هذا وأشياعه ما فعل أسلافهم ممن بدلوا كتب الله وحرفوها، ومحوا منها وأثبتوا، ونقصوا فيها وزادوا. لولا هذا الذي نخافه، بل هذا الذي كان مما نخافه، لما عددت هؤلاء أشد خطرا من الألسنة التي تموه على الجماهير الجاهلة الغافلة باسم الحرية، واسم العلم، واسم الفن، واسم الأخلاق. فطريقهما في الحقيقة واحد، ومنشؤهما واحد، ونتائجهما واحدة، في التغرير بالناس، والعبث بعقولهم، والإفساد لفطرتهم، واللعب بعواطفهم، وإيهامهم أن نجاتهم من عبودية الغزاة أمر قريب لا يكلفهم إلا أن يسمعوا لمن يقول لهم: كونوا أحرارا، فإذا هم سادة أحرار كما ولدتهم أمهاتهم!

стр. 637

اللهم إني أبرأ إليك مما نحن فيه. اللهم إني أخوف الناس مما خوفهم منه عبدك ورسولك إذ يقول: "أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان". اللهم إني أقول كما قال صاحب رسولك معاذ بن جبل: "الله حكم قسط، هلك المرتابون! ".

стр. 638

غرارة ملقاة إليك عني، أيتها النفس، فأنا وأنت كما قال عبيد بن الأبرص: إذا أنت حَمَّلتَ الخَؤون أمانةً ... فإنك قد أَسْندتها شَرَّ مُسْنَدِ وقد أبيتِ عليَّ أن أكتب ما كنت أريد، لأنك أردتِ أن تكوني لي على غير عهدى بك منذ ساعات قلائل. فدعيني أحدث عنك بما أسررت من مضمر أو مكنون. ما كدت أجلس إلى مكتبى حتى تبعثرت خواطرى، وتهاربت مني أفكارى، وانتشرت على عزيمتى، وتفرقت عني إرادتى، وتطايرت في الآفاق سواكن نفسي، وغادرتنى همتى، وكأنى غرارة ملقاة على مدب الحياة. وربما هجس في نفسي الهاجس، فما أكاد أقول: هذا هو! حتى أجدني على جناح أمر آخر، وإذا بينهما مسيرة ما بين مشرق الشمس ومغربها. فأين المفر! وكيف القرار! لا أين ولا كيف! بل ألتمس مذهبا لا غاية له، لعلى واجد فيه بعض ما أسرى به حيرتى: أن أقيد ما يعن لي -أم ينبغي أن أقول: أن أقيد ما أعن أنا له- على عجل، وبلا ترتيب، وكما يتفق. ولكن ما نفع هذا لك أنت أيها القارئ؟ هل يعنيك شيئا أن تطلع على حيرة نفس في ساعة من حياتها؛ أم هل يجدى عليك أن تطلع؟ بل مالى ولك! أترانى أكتب لأنفعك؟ ما أسخف هذا! وماذا عندي مما تنتفع به؟ كيف أستطيع أن أدعى أنى أنفع بالذي أكتب آلافا من القراء مثلك؟ وأنى لي علم هذا السحر: أن أجمع في أسطر معدودات حاجة كل نفس؟ أو ليس من السخف، ومن الغرور أيضًا، أن يزعم امرؤ أنه يملك القدرة على نفع أحد، فضلا عن آلاف؟ وما أملك إلا أن أصارحك بأنى ما كتبت قط إلا لنفسي وحدها، ثم لا ألبث أن أعرض عليك ما أكتب -لا لأعلمك أو أنفعك، بل لتعرف كيف يفكر إنسان مثلك!

стр. 639

وكيف يخطئ وكيف يصيب! وكيف يصدق وكيف يخون؟ فإذا كان ذلك كذلك فلا بأس عليك إذن، إذا تصفحتنى في ساعة من شتاتى وحيرتى، كما تتصفحنى في ساعة هدأتي وسكينتي. * * * كيف! هل يمكن هذا؟ هل يمكن أن يصبح الإنسان غرارة ملقاة على مدب الحياة، ثم هي إنسان يحس بالحياة وأحيائها يمرون عليه غادين أو رائحين. هذا واطئ يطؤه، وهذا مقتحم يقتحمه، وهذا ذاهل عنه وفي عينيه نظرة المتأمل، وهذا متلفت إليه ورمقه كالمتعجب! وكلهم لا يبالى. وهو أيضًا لا يبالى أن يكون ما كان: غرارة ملقاة على مدب الحياة والأحياء. ومادامت الغرارة الملقاة تحس بالحياة وأحيائها يمرون عليها غادين أو رائحين، أفليس هذا حسبها من الحياة وأحيائها؟ وما الحياة؟ هل الحياة إلا إحساس محض؟ إحساس بالألم، وإحساس باللذة. إحساس بالرضى، وإحساس بالسخط. إحساس بالجمال، وإحساس بالقبح. إحساس بالنور، وإحساس بالظلام. إحساس بالشبع، وإحساس بالجوع. إحساس بالحلو، وإحساس بالمر. إحساس بالشذا الطيب، وإحساس باللخن (١) الكريه. إحساس مجرد مرهف نافذ لا يعوق نفاذه شيء. إحساس حر كشعاع الشمس. أو هؤلاء الغادون والرائحون أعرق في حس الحياة من الغرارة الملقاة على مدبها؟ وما الحركة التي تسير بهم غادين أو رائحين؟ أهي تزيد الإحساس وتضاعفه، أم هي تنقص منه وتتحيفه؟ أو ليست الحركة شاغلا يشغل عن تجريد الإحساس وإمحاض للمحسوس؟ وأيهما أنفذ: غرارة ملقاة يستغرق حسها نابض الحركات حتى تظل حية هامدة، أم غاد ورائح، تتخوَّن (٢) الحركة من حسه حتى يأكلّ مرهفه ويفل مضاؤه؟

стр. 640

بل كيف يستغرق الحس الحركة؟ يا عجبا كل العجب! إنه أمر لا يكاد يدركه إلا من مارسه في سريرة نفسه. لذة لا توصف، ولكنها تعقب أحيانا ألما لا يستقر. لذة تتملَّى بها وحدك، وإذا هي تنسرب بك إلى جنة مونقة تدلت عليك بأثمارها. أما الألم، هو الذي يلذعك إذا روعك عن استغراق حسك طارق لم تكن تتوقعه. أجدني أحيانا في أمر والناس معى، ثم يستغرقنى عنهم حس أنفرد به، وإذا أنا معهم ولست معهم. ثم ينبرى سائل فيسألنى عن شيء غير الذي أنا فيه، فأنتبه كالمذعور، ويختلط على ما أنا فيه بما سئلت عنه. وعندئذ أرى كل شيء يفر مني كأنى ما عرفته من قبل، ويأخذنى ما قدم وما حدث، ويخرجنى التنبه قسرا من استغراق الحس إلى حركة لم أتهيأ لها، وتتضارب على لسانى كلمات لم أردها، وأقول ذاهلا، ما لو تأنيت قليلا حتى أستقر لما قلته. إنه قول منزعج عن حقيقته، لو اطمأن لاستقام على وجهه. فمن لي بمن يحس بما أحس به، حتى يتفق حسى وحسه، ثم يقظتى ويقظته! * * * أمن الممكن حقا أن تجعل إنسانًا يحس بما تحس به؟ باطل محض. الحس عمل متصل لا ينقطع، بعضه يأتي في أعقاب بعض. أجل، ليس من الممكن أن تفرغ نفس إنسان من ماضي إحساسها، وتفرغ نفسك من سالف إحساسها، كى تبتدئا معا، وتسيرا معًا إلى النهاية. هذا مستحيل. وإذا استحال، فيستحيل معه أيضًا أن تجعل إنسانًا يحس بما تحس به. نعم قد يستقيم في بعض الكلام أن تقول لأخيك: "إني أحس بما تحس به"، ولكنك تعني عندئذ أنك توجهت بإحساسك إلى شيء كان إحساسه قد توجه إليه. أما لو ظننت أن إحساسك به مثل إحساسه، فهذا باطل. وألفاظ اللغة تضلل من لا يتوقى مجاهلها. * * * كل امرئ منا عالَم وحده، لأنه يحس إحساسا واحدا لا يشركه فيه أحد من بني جلدته، وكل امرئ منا هو في أصل طبيعته يعيش في خلوة تامة -في غرفة

стр. 641

مغلقة الأبواب. وإذا فسدت عليه هذه الخلوة، فسد إحساسه بالحياة وأحيائها. وإذن، فمن الإثم والعدوان، أن تحتال على أحد، متوهما أنك قادر على أن تجعل إحساسه بالأشياء كإحساسك. إنك آثم لا محالة. إنك تفسده وتفسد عليه حياته. إنك تعنف به حتى يخرج من خلوة الفطرة من حرية الحس. نعم، بل أنت تتلذذ باستلحاقه في إحساسك، تتلذذ بخضوع سر حريته لسطرتك، تتلذذ تلذذا بشعا باستعباده! * * * باطل الأباطيل أن يحس جماعة من البشر بإحساس واحد. إنه خلط قبيح. إنه إذلال كل فرد لطاغوت مكذوب يقال له الجماعة. كل امرئ منا له حس منفرد، يجرد للإحساس لشيء واحد، هو ما انطوت عليه هذه الحياة الدنيا، كما فطرها فاطر السموات والأرض ومن فيهن. والذي يجمع البشر في هذه الحياة، هو هذه القضية المركبة: حس ينفرد به كل امرئ منهم، يتجرد للإحساس بعالم واحد يتعايشون فيه. العالم الواحد هو الذي يربطهم، لا تطابق إحساسهم تطابقا تاما أو غير تام. والإنسان ليس مدنيا بالطبع، كما يزعم الزاعمون، بل هو مدنى بالضرورة. والضرورة هي هذا العالم الواحد الذي نعيش فيه، والذي لا فكاك منه إلّا جسام المنية. هذا العالم الذي يأسرنا، هو وحده الذي يربط بيننا، وهو وحده الذي يؤلف بين هذه الأحياء المُحِسَّة به، وكل حي منها منفرد بإحساسه، مستقل به وحده. لا يتطابق حِسَّان بإحساس واحد أبدا، بل يتطابق حسان على الإحساس بشيء واحد ولا مفر. وهما قضيتان مختلفتان في أصلهما، مختلفتان في نتيجتهما. * * * أنبل جهدك أن توقظ إنسانا حتى يحس، وسبيلك أن تفطن إلى شيء واحد: هو أنك أحسست بهذا الشيء أو ذاك. فإذا فطن له وتهيأ أن يحس به، فذلك

стр. 642

حسبك وناهيك. غايات الغايات: أن توقظ حسه لكي يحس. والذي لا ريب فيه، أنه سيحس بغير الذي أحسست. هذا غاية جهد أعلم العلماء وأبلغ الأبيناء، وهو الأمانة التي كتب عليه أن يؤديها بما آتاه الله من علم وبيان، فإذا جاوز هذا إلى أن يحتال عليك ويختلك ويماسحك، ثم يتلصص إلى خلوتك ليضع فيك إحساسه، لكي تبلغا "اتحاد الإحساس" فاعلم أنه لم يزد أن أفسدك وشوهك. فاحذره. إنه يستعبدك! إنه يميت إحساسك! إنه يتركك تقلد الحس وأنت لا تحس، كالببغاء تقلد الكلام وهي لا تتكلم! هذا إثم يرتكبه كثير من الجماعات ومن أصحاب المذاهب. يزعمون إصلاح الناس، وحقيقة فعلهم تخريب الناس، وإماتة الإحساس الحي، واستعباد الحس الحر المنفرد في كل نفس. إنه تدمير الفطرة في سبيل الجماعة، أو في سبيل المذهب، أو في سبيل الدولة! حذار من فتك هؤلاء الفتاك، إن جاؤوك في ثياب النساك. * * * صورة الإنسان واحدة، منذ كان الناس على الأرض. الآلاف بعد الآلاف منذ أقدم الدهر. بنية واحدة بها يعرف الجنس أنه "إنسان"، ولكنهم متباينون، فلا يتشابه إنسانان أبدا. وكذلك الحس أصل واحد في كل إنسان، ولكن يتباين الحس، فلا يتشابه حسان أبدا، ولا يتطابق إحساسان ألبتة. لا حيلة لأحد حتى يستطيع أن يدمج إنسانا في إنسان ولو رام ذلك أحد لدمرهما جميعا. أما الحس، فبالختل يتطابق، وبالخداع يندمج، ختل هو القسر، وخداع هو الاعتساف. ولا يتم ذلك إلا بتشويه الحس وتدميره. والذي هون على الناس أمر هذا التشويه والتدمير، هو أن من الممكن أن يعيش المرء حياته بحس مدمَّر خَرِبٍ، وإن كان مستحيلا أن يعيش بصورة مدمرة خربة. ومن هوانه على الناس، أن يفعله غير متحرج أكثر الآباء والأمهات، وأكثر المعاهد والمدارس، وأكثر الجماعات والمذاهب والدول. يدمرون حس الإنسان بالختل والخديعة، حين يزعمون إصلاح الناس بتطابق إحساسهم واندماجه. يدمرون الحس لأنه باطن، ولأنه لا قوام له يحول بينهم وبينه، كما يحول قوام صورة الإنسان الظاهرة بينهم وبين ما فعلوه في شقيقها وقرينها.

стр. 643

الحياة إحساس محض، والحس حر مطلق، فأيما مذهب أو جماعة أو دولة، حاولت أن تدمج بالختل حسا في حس، وأن تطابق بالخديعة إحساسا في إحساس، فلا غاية لها إلا استعباد أحرار الحياة، وتدمير سر النشأة، وتخريب بنيان الله بأخس الأسلحة: بالكذب والمكر والتغرير والختل والخديعة والعبث. إنهم يريدون أن يجعلوا المذهب أو الجماعة أو الدولة، طاغوتًا يعبده المضللون داعين متضرعين ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أليس هذا بحسبك بعد الذي أفضت فيه. وقد عرضت لك جانبا من خواطر نفس حائرة تتصفحها، فتفكر وتدبر، واحذر ما يقول القائل: فبينما الأمر تُزْجِيه أصاغِرُه ... إذ شمَّرت فَحْمة شَهْباء تَسْتعِرُ تَعْيَى على من يداويها مكايدُها ... عمياءُ، ليس لها شمس ولا قمرُ

стр. 644

جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر جمعها وقرأها وقدم لها الدكتور عادل سليمان جمال [المجلد الثاني]

стр. 645

الناسخون الماسخون كانت صناعة النَّسْخ في العصور الإسلامية الأولى يُعهد بها إلى رجال من أهل العلم والأدب يسمَّون "الورَّاقين"، وكان يشترط فيهم التضلُّع بالعلم الذي ينقلون كتبه وينشرونها، كما يشترط في الراوية أن يكون من أهل البصَر بالشعر. ولذلك كان لكل عالم "ورّاقٌ" كما كان لكل شاعر "راوية". فلما جاءت عصور الانحطاط طمع بهذه الصناعة غير أهلها ففسدت الكتب وكثر خطأها. ومن هذا القبيل الأغلاط الواقعة في نسخة كتاب (التيجان في ملوكِ حمْير) لابن هشام. فقد شكا العلّامة الشيخ عبد العزيز الراجكوتى الميمنى (في الزهراء ٣: ٣٠٠) من كثرة تصحيفها. ولما أراد أن ينقل منها لقراء الزهراء أشعار الرُبَيْع ابن ضُبَع استطاع بمراجعة كثير من الكتب أن يصحح بعض تلك الأخطاء وبقى بعضها. وقد اقترحتُ على صديقي السيد محمود شاكر أن يبحث عن شعر الربيع في كتب الأدب واللغة ليصحح ما بقى من الأغلاط، فلما أعياه الأمر (١) بعد سهر طويل بعث إليَّ ببطاقة هذا نصها: سيدى محب الدين (٢)، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

стр. 646

فلو أنَّ (ذا القَرْنيْن) طَالَتْ حياتُهُ ... وأبْصر ما قد جمَّعَ ابنُ هِشامِ وأبْصَر أقوال الرُّبَيع وشعرَهُ ... سَوَادًا مُجَنًّا في دُجى وظلَام لَحَيَّرَهُ ما حَبَّر (ابنَ مُحَمَّدٍ) ... فباتَ على شَوْكٍ ضجيعَ سَقام وهَلْ سَقمٌ إلا (مَصادِرُ) لم تُنِلْ ... مُرادًا ولم تُطْلبْ بأيّ مرَام ففي الهند أعْيَتُه، فهلُ أنا قادرٌ؟ ... فلستُ إذا ما لم أُصِبْ بِمُلام وآخرُ عَجزِ المرءِ بَعْدُ تَنَصُّلٌ ... وآخرُ ما أهدى إليك سَلامي

стр. 647

إكمال ثلاثة خروم من كتاب التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه طلب إليّ منشئ هذه المجلة أن أجرّد من (اللآلي شرح أمالى القالى) أوهامَ أبي عليٍّ التي سقطت من نسخة (التنبيه) المطوعة أخيرًا مع (الأمالى) في مطبعة دار الكتب العربيّة ففعلت ذلك، وقد اتبعتُ في الإشارة إلى مكان التنبيه ما اتبعتْه دار الكتب في ذلك. إن السقط الذي نبّه إليه الأب أنطون صالحانى اليسوعى في مقدمته كان في مكانٍ واحد وذلك في الوجه ٦٧ من الأصل المخطوط أي في ١٢٩ من التنبيه المطبوع. وقد انتبه رجال دار الكتب إلى مكان آخر وذلك في الوجه ١٢٧ من التنبيه، وانتبهنا نحن إلى نقص ثالث وذلك في الوجه ١٣٠ بين التنبيه الواقع في الوجه ٣١٠ والواقع في ٣٢٦ - ١ - فأما الذي انتبه اليه رجال دار الكتب فتكملته: قال أبو النجم: طار عن المهر نَسيلٌ يَنْسُلُهْ ... عن مُفْرَعِ الكتفين حُلْوٌ عَطلُهْ (١) أي عنقه. يقال فرد حسنُ العَطَل أي العنق ولا أعلم هذين الشطرين في رجز رؤبة. - ٢ - وهذا ما سقط من (التنبية) ونبه إليه الأب صالحانى: قال وأنشد أبو على (ص ٢٦٨ س ١٦):

стр. 648

أبرَّ على الخصوم، فليس خَصْمٌ ... ولا خَصْمان يغلبُه جدالا ولبَّس بين أقوام، فكلٌّ ... أعدّ له الشَّغازِب والمِحَالا (ع) هما لذى الرمة يمدح بلالا. وصلتهما: وكلهم ألدّ أخو كِظاظٍ ... أعدّ لكل حال الناس حالا أبرّ على الخصوم .. إلخ قضيت بمدّة (١) فأصبت منه ... فُصوصَ الحق فانفصل انفصالا (٢) وحُقَّ لمَنْ أبو موسى أبوه ... يوفّقه الذي نَصَب الجبالا هكذا صواب إنشاده واتصال أبياته. وقوله "ولبّس" إنما هو ولبْسٍ وهو معطوف على قوله: ومُعْتَمِدٍ جعلتَ له ربيعًا ... وطاغيةٍ جعلتَ له نَكالا أي رجل اعتمدك لِخَلَّة كنت له حيًا بمنزلة الربيع (ص ٢٧٥ س ١٦) وأنشد أبو على: فَخْرَ البَغِيّ بحِدْجِ ربَّـ ... ـتِها إذا ما الناس شلُّوا (ع) إنما هو "إذا الناس استقلوا" يريد استقلالهم وارتحالهم للنُجْعة، فأما الشَّل والطرد فإنما يكون عند الفزع والخوف، ولات حين إعجاب ولا فخر. قال الراجز: عاينَ حيًّا كالحِرَاجِ نَعَمُهْ ... يكون أَقْصَى شَلِّه مُحْرَنْجمُهْ يقول إذا شلّ الناس وطردوا نَعَمَهُمْ ناجين هاربين يكون أقصى شلّ هذا بروكه في مواضعه لعزة أصحابه ومنعتهم. وهو لدحْسوس بنت لقيظ -وقد تقدمت من

стр. 649

هذا الشعر أبيات- تقوله للنعمان بن فَهْوس (١) لما فرّ يوم جبلة. وقبل البيت: إنَّكَ مِنَ تَيْمٍ فَدَعْ ... غَطَفانَ إنْ سارُوا وحَلُّوا لا مِنكَ عِزُّهُم ولا ... إيَّاكَ إنْ هَلَكُوا وذَلُّوا (٢) فَخْرَ البَغِىِّ بحِدْج رَبَّـ ... ـتِها إذا الناسُ استقلُّوا هكذا رواه أبو عبيدة: تقول فخرك بعزّ غطفان ومآثرهم كفخر هذه الأمة بحدج ربتها إذا استقل الناس، تريد أنك لست منهم وليسوا منك. (ص ٢٧٩ س ٢٣) قال أبو على: "قال أبو زيد: قلت لأعرابية [بالعيون] (٣): ما لك لا تصيرين إلى الرفقة؟ قالت: إني أخزَى أن أمشى في الرفاق! " (ع) قال أبو زيد في نوادره "قلت لأعرابية (٤) بنت مائة سنة: ما لك لا تصيرين إلى الرفقة؟ (٥) فقالت: (٦) أخزَى أن أمشى في الرفاق! " وبهذه الزيادة تكمل فائدة الحديث. (ص ٢٨٢ س ١٦) قال أبو على: "الحِسْىُ: صلابة تمسك الماء وعليها رمل فلا تَنْشِفه (٧) الشمس" هكذا روى عن أبي على "تنشِفه" بكسر الشين. والمعروف عن أبي زيد وغيره نَشِفَت الأرضُ الماءَ تنشَفُه بكسر الشين في الماضي وفتحها في المستقبل. (ص ٢٨٣ س ٣) وقال أبو علي: "وفد رجُل من بنى ضِنّة على عبد الملك ابن مروان" وذكر الخبر. قال: وفي العرب ضِنتّان: ضِنّة بن سعد هُذيم، وضنة

стр. 650

ابن عبد الله بن نمير (ع) هو ضنة بن سعد بن هُذيم بن زيد بن ليث بن سُود بن أسْلُم (١) بن الحاف بن قضاعة. وفي العرب ثلاثة ضنّات غير الذي ذكر وهي: ضِنّة بن الحَلّاف بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وضنة بن العاصى بن عامر ابن مازن بن الأزْد، وضنة بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل. (ص ٢٩٠ س ٣) وذكر أبو علي خبر النفر من طئ مع سواد بن قارب الخبر بطوله وتفسيره وفيه "لقد خبأت دِمّة، في رمّة، تحت مَشِيط (٢) لمةً". (ع) اختلفت الرواية عن أبي على في هذه اللفظة فرواه بعضهم (دِمّة في رمّة) بالدال في الأول ورواه آخرون "رمّة في رمّة" بالراء بلفظ واحد فيهما، وفي تفسير أبي على: الدِمّة: القملة. فهذا يصحح رواية من رواه بالدال. قال اللغويون: الدِمّة: القملة، وقيل النملة الصغيرة، ومن ذلك الدميم والدمامة. وأما الرمة بالراء فلا أعلم أحدًا قال إنها القملة، وإنما الرمة في بعض اللغات الأرَضة، وقال أبو حاتم: الرمة النملة التي لها جناحان. (ص ٢٩١ س ٢٢) وأنشد أبو على: "ما إن رأيْنا مَلِكًا أغارا ... أكثرَ منه قِرَةً وقارا" (ع) هما للأغلب العِجلي وبعدهما: "وفارسًا يستلب الهجارا" وهذا الذي نقل أبو على في القرة هو قول أبي عبيدة وقال: الوقير والقرة: الغنم، والقارُ: الإبل. وقال غيره في قول العجلى "القرة من الأثقال" يجعله من الوِقْر. يقول: ما إن رأيت ملكًا أكبر جيشًا منه وأكئر أثقالًا. قال: وأي مدخل للغنم في جيوش الملوك. وأنشد في ذلك للعجاج:

стр. 651

"لما رأتْ حليلَ عينَيَّهْ ... ولِمَّتى كأنها حَلِيّهْ قالت: أراه قرَةٌ عَلَيَّهْ" أي ثقلا (ص ٢٩٦ س ١٨) وأنشد أبو عليّ للأعشى: "تروح على آل المهلَّب جَفْنةٌ ... كجابِيَة الشَّيخ العراقي تَفْهَقُ" قال: وكان أبو محرز خلف يروى "كجابية السَّيْح العراقيّ، ويقول: الشيخ تصحيف. (ع) قد تقدم القول في هذا البيت ووصلناه وذكرنا المذهبين في كلا الروايتين، وليس هو كما أنشده أبو على وإنما هو: "نَفَى الذمَّ عن آلِ المحلّق جفنَةٌ ... كجابِية الشَّيخ العراقيّ تَفْهَقُ" - ٣ - (وهذا ما نحسبه ساقطًا من آخر الكتاب) (ص ٣١٦ س ١٠) وفيها (أي قصيدة قيس بن ذريح): "يظل نهارُ الوالهين نهارَه ... وتَهْدِنُه في النائمين المضاجعُ سواىَ، فَلَيْلى من نهارى، وإنما ... تُقَسَّمُ بينَ الهالكين المصارعُ" ورواهما غير أبي على: "نهارى نهار الوالهين صبابَةً ... ولَيْلِىَ تَنْبو فيه عني المَضاجِعُ وقد كنتُ قبل اليوم خِلْوًا وإنما ... تُقَسَّمُ بين الهالكين المصارع" وهذه الرواية أحسن وأجود اتساقَ لفظٍ ومعنى، لأَن البيت الأول في رواية أبي على مضمن واللفظ مستكره ومتكلف. (ص ٣٢١ س ٩) وأنشد أبو عليّ: أَيُغْسَلُ رأسى أو تَطيبُ مَشاربي ... ووجهُكَ مَعْفورٌ وأنَت سَلِيبُ

стр. 652

سيبكيكَ مَن أمسى يُناجيكَ طرفُه ... وليس لمَنْ وارى الترابُ نسيبُ وأنى لأستحيى أخي وهو ميِّتٌ ... كما كنتُ أستحييه وهو قريبُ (ع) أنشد ابن أبي الطاهر هذه الأبيات لبنت على بن الربيع الحارثى ترثى أباها، والبيت إنما هو: وأنى لأستحي أبي وهو ميتٌ ... كما كنت أستحييه وهو قريبُ لا "أخي" كما أنشده أبو علي، وبعده: إذا ما دعا الداعى عليًّا وجَدتُنى ... أُراعُ كما راع العَجُولَ مُهيبُ وكم مِن سَمِىّ ليس مِثل سَمِيّه ... وإن كان يُدْعَى باسْمِه فيُجِيبُ (ص ٣٢٤ س ١) وأنشد أبو علي قصيدة أولها: يا عين بكّى لمسعود بن شدّادِ ... بكاءَ ذي عَبَراتٍ شَجْوُه بادِى وقال: إنها تنسب إلى عمرو بن مالك وإلى أبي الطمَحان وإلى رفاعة بنت شداد ترثى أخاها مسعود بن شداد. (ع) هو عمرو بن مالك بن يثربى النخعى ثم الكعبى جاهلي، وأبو الطمَحان قد تقدم ذكره ونسبه وهو مخضرم. وقد خلّط أبو علي في هذا الشعر كل التخليط فأدخل فيه بضعة عشر بيتًا من شعر أنشده ابن الأعرابي في نوادره لجَبَلَة بن الحارث يرثى مسعودًا العدوى لم ينسب منها أحد بيتًا واحدًا إلى الشعراء الذين ذكرهم أبو علي. وأول شعر جبلة ابن الحارث: "يا مَنْ رأى عارِضًا قد بت أرقُبه ... يَسْرِى على الحَرَّة السَّوداء والوادي" الخمسة الأبيات على الاتصال كما أنشده أبو علي ثم الباقية تسعة مفترقة من تضاعيف الشعر قبل هذا.

стр. 653

من خط البغدادي * اطلعت على الكلمة التي نشرها العلامة السيد محمد راغب الطباخ وذكر فيها ما كتبه البغدادي بخطّه، واطلعتُ على ما كتب عن مخطوطات البغدادي في الخزانة، الطبعة الحديثة التي صدرت من المطبعة السلفية، فذكرنى ذلك بكتابين كتبهما البغدادي بخطّه وهما موجودان الآن في دار الكتب المصرية: الأول سفر السعادة للسخاوى في اللغة. والثاني فُرْحَة الأديب لأبي محمد الأعرابي الأسود الغُنْدُجانى في نقد السيرافي في شرحه على كتاب سيبويه. وهما في مجلد واحد (تحت الرقم ٧٨ مجاميع م) بدار الكتب وقد ذكر البغداديّ الكتابين في مقدمته. ذكر الأول في ص ٣٤: س ١٤ وذكر الثاني في ص ٣١ س ٤.

стр. 654

مقاليد الكتب أدب الجاحظ تأليف حسن السندوبي -طبع بالمطبعة الرحمانية- صفحاته ٢٤٧ نال الجاحظ من عناية الكتاب في هذا العهد ما لم ينلْهُ أديب أو عالم آخر من علماءِ العرب وأدبائهم. ولا غرو فقد ميل أن الفيلسوف ثابت بن قرّة الصابئ الحرّانى قال "ما أحسدُ الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفسٍ أولهم عمر بن الخطاب والثاني الحسن بن الحسن البصري (وهو من شيوخ المعتزلة) والثالث أبو عثمان الجاحظ". وقال ابن العميد: كُتُب الجاحظ تعلم العقل أولًا والأدب ثانيًا"، وقال كذلك "ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس أما الفقه. . . وأما الكلام. . . وأما البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة فعلى أبي عثمان الجاحظ". وقال ياقوت -بعد ما ذكر أن ابن الأخشيد أقام بعرفات ينادى: يرحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبى لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان- "وحسبك بها فضيلة لأبي عثمان أن يكون مثل ابن الأخشيد، وهو هو في معرفة علوم الحكمة وهو رأس عظيم من رؤوس المعتزلة يستهام بكتب الجاحظ حتى ينادى عليها بعرفات والبيت حرام. . ." وقال أبو القاسم الإسكافي "استظهارى على البلاغة بثلاثة: القرآن وكلام الجاحظ، وشعر البحترى". وجعل ابن دريد "كتب الجاحظ من متنزهات القلوب" لما ذكرت أمامهُ متنزهات الدنيا أو متنزهات العيون كما دعاها. وقد اطلعنا في خلال الشهرين الماضيين على كتابين من الكتب الحديثة في الجاحظ الأول كتاب شفيق جبرى -وقد ذكرناه في مقتطف أكتوبر الماضي- والثاني الكتاب الذي بين أيدينا الآن. وعلمنا أن خليل مردم بك وضع كتابًا في الجاحظ كذلك ولكننا لم نره. وعندنا بعد مطالعة كتابي السندوبي وجبرى أن الأول عنى بإيراد سيرة

стр. 655

الجاحظ وآرائهِ فأنت تخرج منهُ بصورة واضحة (انظر الصورة) لشكلِه وتعليمهِ ورزقي وبسطة جاههِ ومقامهِ الأدبي ورأيه في المعتزلة والكتب التي صنفها والمؤلفات التي نسبت إليه. وعنى الثاني عناية بدرس أدب الجاحظ وطريقتهِ في البحث والتحقيق والنقد وتحليل شعوره الدينى ونواحي أدبهِ من الضحك إلى التهكم إلى الصنعة إلى الفن وغير ذلك. فإذا استعملنا التعبير الغربي قلنا أن الأول تاريخ خارجى للجاحظ والثاني تاريخ داخلي. وكل منهما مكمّل للآخر. * * * وقد حقق المؤلف مولد الجاحظ فرأى أن يعتمد النص الذي جاءَ به الجاحظ قال (صفحة ٢٠) نقله إلينا ياقوت في معجمهِ فقد روى أنهُ قال: أنا أسنُّ من أبي نواس بسنة ولدت في أول سنة ١٥٠ هـ (٧٦٧ م) ووُلِد في آخرها" وليس بعد هذا -في رأي المؤلف- نصٌّ يعتدُّ بهِ. ثم أظهرنا في الفصل الثالث على صورة من أساليب التعليم في ذلك العصر قال: "فقد كان الرجل يبعث بولده إلى كتاب الحي فيتعلم فيهِ مبادئ القراءة والكتابة، ويشدو شيئًا من قواعد النحو والصرف، ويتناول طرفًا من أصول الحساب، ثم يستظهر كتاب الله الكريم استظهارًا تامًّا مجوّدًا مرتلًا، وهو في خلال ذلك يتردد مع أترابه على القاص فيسمع منهُ أحداث الفتوح، وأنباء المعارك، وأخبار الأبطال، ومقاتل الفرسان، ومفاخرات الشجعان، وسير الغزاة والفاتحين، ممزوجًا ذلك بالمواعظ والعبر وإيراد أحوال الصالحين وأطوار الزهاد والنساك والمتقين. وبعد أن يأخذ من كل طرف من هذه المعلومات نصيبهُ الكافي يولى وجهه شطر حلقات الدرس بالمساجد العامة، والمعاهد الجامعة، والمدارس الخاصة فيقوم من حلقة الفقيه إلى حلقة المحدِّث، ومن مجلس اللغوى إلى سارية النسَّابة، ومن حضرة الأخبارى إلى دارة المتكلِّم، ومن معهد المنطقى إلى مجمع الفلسفي، ومن محفل الأديب إلى قاعة المهندس، ومن بين يدي المفسِّر إلى حظيرة الأصولى، ومن غرفة الراوية إلى بيت الشاعر، ومن ديوان

стр. 656

الكاتب إلى صاحب النجوم، ومن الأسطرلابي إلى الجغرافي، ومن مشهد الموسيقار إلى مقعد المغني، ومن عند المزمار إلى دكانة الوتار. الصبيان والبنات في ذلك سواء، وإن كانت الغالبية في الصبيان دون أخواتهم. حتى السجون، فقد كان لأهلها حظ من التعليم وكان لهم معلمون يدخلون إليهم في أوقات معينة". * * * وقد تلقى الجاحظ علومهُ على شيوخ البصرة والكوفة وممن أخذ عنهم علومهُ الأصمعيُّ وأبو زيد الأنصارى وأبو الحسن الأخفش وممن تلقَّى عليه العلم المبرد صاحب الكامل. ويقال إنهُ كان وهو في دور الطلب يعانى الاتجار في الخبز والسمك بسيْحان (نهر بالبصرة) وسواءٌ صحّ هذا الخبر أم لم يصحّ فقد درج الجاحظ في بحبوبة من اليسر والرخاء واتسعت موارد رزقه. . . فلا عجب أن يعلو على أمثاله فضلًا وفهمًا، وأن يقدم للغة العربية هذه المصنفات التي وضعها في كل ضربٍ من ضروب العلم وفنٍّ من فنون الآداب على كثرتها وجليل شأنها. فإن العطايا واللُّهى (١) تفتح اللَّها، على شريطة الاستعداد الفطرى والكفاية الظاهرة (ملخصًا من الفصل الرابع) وقد أشار مصطفى صادق الرافعي إلى ذلك في مقالته عن شوقى في هذا الجزء). * * * ومما عرض لهُ المؤلف ولم يدعمهُ بإسناد قولهُ إن الجاحظ أتى مصر قال (صفحة ٧١) ووقعتُ في كتاب الحيوان على أنهُ وفد مصر وأقام بها زمنًا وأجرى بها اختبارات فيما عثر عليهِ من حيوانها". وحبذا الحال لو أشار إلى الفقرة التي نُصَّ فيها على ذلك أو يُحَصَّل ذلك من معناها. ولكنهُ كان شديد الحذر لما ذكر أن الجاحظ كان يلمُّ بالفارسية -قال أجل ليس هناك نصٌّ صريح يملأُ يد الباحث

стр. 657

في هذا الشأن ولكن هناك من العبارات والألفاظ ما يدفع إلى استنباط هذا الرأي. . . وقال كذلك بعد ما ذكر شاهدًا على قولهِ. . . فمسألة عرفان الجاحظ باللغة الفارسية تستنبط بالقوة من خلال سطور كتبهِ ولا تؤخذ بالنصّ. وترى أنهُ كان شديد القسوة لما بيَّن أن كتاب "التاج" ليس من مؤلفات الجاحظ (١٤٥ - ١٥٢) فبعد ما أورد نص تقدمة صدَّر بها الجاحظ كتابًا لهُ ونص تقدمة "التاج" وهما موجهتان إلى رجل واحد قال: "فأيُّ امرئ لهُ مسكة من عقل أو أثارة من الذوق أو بقية من أدب أو لبابة من فضل، يستطيع أن يقول أن كاتب ذلك التقدمة هو كاتب هذه؟ ". ولعل بلاغة العبارة ساقتهُ في تيار وقعها فانساق. وفي الكتاب فصل مسهب أُحْصِيَت فيه كل مؤلفات الجاحظ والمؤلفات التي نسبت إليه وفَصْلان بسط فيهما مذهب المعتزلة ورأى الجاحظ فيهِ، وفصول أخرى تحتوى على نوادره ومختارات من نثرهِ وشعرهِ. وفي حواشى الصفحات ترجمات موجزة للأعلام الذين ورد ذكرهم في المتن. * * * نقول وياليت المؤلف توسع في بعض الفصول توسعًا ينقع الغلة كالفصلين اللذين أفردهما لمعارف الجاحظ وإحاطتهِ وتحقيقهِ للعلم فإنهما شديدا الإيجاز، ولكنهُ قد يفعل ذلك لدى نشره كتاب "الحيوان" وكتاب "البيان والتبيين".

стр. 658

الصاحب بن عباد ورثة هذا اللسان العربي هم الآن أقل خَلَفٍ شوقًا إلى نشر التاريخ المطويّ لمن سلف من آبائهم، وأبعدهم عن معاناة المشقة في استقصاء أخبار من غبر من علمائهم وأئمتهم وهداتهم ومن فتح ومن قاد ومن حكم ومن استوزر من أسلافهم، فلذلك نكرِوا التاريخ العربي إذ لم يعرفوه، وركَّتْ أساليبهم إذ كان الأدب العربي على جانبى التاريخ العربي وفي طريقهِ ومن بين يديه ومن خلفه. ولا عَجب فقد كانت البلاغة لعهدهم هي ميزان الرجال، ومقياس العقل، وقسطاس الحكمة. وما عق هذا الخلف أبوّة من غبر من أسلافهِ إلّا لأسباب أخذت عليه طريقهُ، ولو أن جلها ليس مما يبرر هذا العقوق أو يُعذر منه. ولقد انْتُدِب لمداواة هذا العقوق رجالٌ من الأدباء والشعراء فبذلوا ولم يضنوا، وأخرجوا في رجال الأدب والتاريخ كاتبًا تعرّف الناسَ بهم وبأدبهم وأخلاقهم وفضائلهم وما سوَّغوا من الحكمة. وما رزقوا من الفضل. فمن ذلك ما كتب الأديب الجليل "خليل مردم بك" عن "الجاحظ" و"ابن المقفع" و"ابن العميد" و"الصاحب بن عباد". والثلاثة الأولى من كتبه قد نشرت من أشهر وتداولها الناس. ونشر حديثًا كتابه عن "الصاحب بن عباد" فاستوفى ترجمته ما استطاع، وجمع شتات ما وصل إلينا من أخباره، ثم أبدى في ذلك من صواب الرأي والدقة والتوثق قبل الحكم ما يشهد بأمانته وعدله. وفي الكتاب من رسائل "الصاحب" ومن شعره ما لم ينشر مستقلًّا بعد. وأسلوب كتابه هذا، هو الأسلوب الجيد في عرض التراجم التي يقصد من كتابتها تعريف الناشئين بمن مضى من أسلافهم، حتى لا يقفوا منهم موقف الجهل إذا ما عرض ذكرهم في حديث أو كتاب. على أنهُ لا يمكن أن يقال إن هذا الكتاب هو أوسع ما يكتب عن الصاحب، فإن أكثر ما كتب هو وما ألَّف، أو ما كتب عنه أو قيل فيه، قد استبد به الضياع. ولا يبعد أن يطلعنا القدر يومًا

стр. 659

ما على أثر من آثار الصاحب أو آثار من عرض لذكره والكلام عنه يبدل الحكم عليه أو ينقص منه أو يزيد فيه. وأهم أبواب كتاب "الصاحب بن عباد" هو القول في "أسلوبه وخصائصه" من ص ١٢٩ - ١٥٧ قد وفق المؤلف في الكلام عن الأسلوب ولم يستوف خصائص الأسلوب حقها حتى تستطيع بعد أن تقرأه أن تعرف ما يميز أسلوب "الصاحب" من أسلوب أستاذه "ابن العميد" على أن للمؤلف عذرًا بينًا في هذا فإن آثار "الصاحب" و"ابن العميد" قد ضاعت ولم يبق إلّا أقلها مما لا يعين على التحديد والحصر والإبانة عن مواضع التمييز. والكلام على خصائص أساليب الكتاب من أمثال الصاحب وابن العميد هو أهم ما يكتب عنهم وأجداه على العربية وطلابها إلَّا أنه فيما نرى أشقها وأبعدها مطلبًا، ولن يوفق إليه إلّا من استكمل العُدَّة وتهيأ له الطبع الرقيق والبصر النافذ وواتته الأسباب بظهور جزء من الكتب الضائعة والمغمورة وأعانه العلم المستفيض بأخبار الكتَّاب وأخبار عصورهم ومن سبقهم ممن أخذوا عنه أو نهلوا منه. وأما بعد، فإن كتاب خليل مردم بك عن الصاحب هو من أحسن ما يعرِّف الناس بلسان من الألسنة البليغة ووزير من الوزراء النابهين في القرن الرابع للهجرة.

стр. 660

أبو نواس تأليف الأستاذ "عمر فروخ" أستاذ الأدب العربي في كلية المقاصد الإسلامية ببيروت رأت "مكتبة الكشاف" وصاحبها الأخ "مصطفى فتح الله" ببيروت أن تصدر سلسلة متتابعة من كتب في الأدب العربي، وبدأ لها الأستاذ الأديب "عمر فروخ" بالقول في "أبي نواس: الحسن بن هانئ" شاعر الخمر والمجون. ويقول المؤلف: "هذه دراسة شبه مفصلة في شعر أبي نواس، تتناول ترجمته، ثم البيئة التي نشأ فيها، والعناصر التي ساعدت على توجيه شعره إلى مستقره، ثم نقد لأبواب شعره. . . .". ونقول: قد تعجل المؤلف الأديب في دراستهِ شعر أبي نواس، وكان يجدر بهِ أن يقف طويلًا قبل أن يتقدم، ليأخذ عدته وأداته وما يصلح من أمره. أو ما تراه كتب عن موت أبي نواس والمرض الذي مات به أكثر من صفحة وكتب عن (فلسفة أبي نواس ومذهبه في الحياة) أربعة أسطر لم يزد فيها على أن جعل فلسفة الرجل فلسفة حيوان مستكلب قَطِم (١) تتَسَعَّر شهوته. ولقد طوى المؤلف القول في ترجمة هذا الشاعر العظيم ليظهر لنا نواحي شاعريته ومآتى هذه الشاعرية، وآفاق نبوغهِ ومطلع هذا النبوغ، فكان حقيقًا -ولم يفعل- بأن يكشف لنا عن العصر الذي كان فيه أبو نواس، ذلك العصر الذهبي في تاريخ العرب حين كان الرشيد "هارون" يقول للسحابة المُخْلِفَة "أمطرى حيث شئت" (٢)، وحين كان الرجل من الناس يتنقل من مجلس الوقار يدرس فيهِ الكتاب الكريم، إلى مجلس الأدب والظرف ينشد فيهِ الشعر، ومن مجلس الحكمة والطب تدرس فيهِ الفلسفة بأنواعها، إلى مجلس أبي العِبَر وأمثاله يؤتى فيهِ بالكلام الملفق من رطانة العجم

стр. 661

وحماقات المغفلين، ومن دار الجد والجدل في علوم الأوائل والأخذ والرد في مذاهب القوم من المعتزلة وأهل الرأي وأهل السنة وغيرهم، إلى دار الخلاعة والمجون وشرب الخمر وأنواع الشرور الإنسانية. وحين كانت بغداد تموج بالقادمين إليها من كل فج، فيهم الفارسى والهندى والشامى والمصري والأندلسى والترك والديلم والقيان الجميلات، والإماء المستطرفات اللبقات، والمغنيات والأديبات، وحين كانت الفتنة والوقار والهدى والضلال، وبغداد تغلي كغَلْي المرجل، وأبو نواس الشاعر الماجن اللسن الخبيث في مثل هذا الموج يروح ويغدو. هذا هو مَحَكّ كل مؤلف يكتب عن أهل ذلك العصر على الطريقة المستحدثة في الأدب العربي. وفي هذا يتبين القارئ كيف درس الأديب وكيف فهم وكيف تأثر بشعر الشاعر واهتز له وأقبل عليهِ وأعجب به واستوضح نبوغه فشهد له وفضله واستخرج محاسن شعره ثم كتب عنه. وبغير هذا يكون كل كتاب قد استوعب ترجمة الرجل منهم على طريقة التأليف الأولى أجدى وأقوم. على أن الأستاذ الأديب "عمر" قد ألم بحياة أبي نواس إلمامًا لا بأس به فيهِ الفائدة للناشئة، ينبه كل غافل منهم إلى الأديب العربي وما فيهِ من درر القول وكرائم الشعر ويدعوهم إلى وصل ماضيهم بالحاضر الذي يعملون على تشييده وبنائهِ. وقد رد الأستاذ القول الذي لج فيهِ بعض المحدثين بأن أمثال أبي نواس من الشعراء أهل المجون والخلاعة والتهتك يمثلون العصر العباسى عصر الرشيد الذي كان يموج بأئمة الدين كأبي يوسف صاحب أبي حنيفة وكبار الفقراء من أعلام الصوفية أصحاب النسك والورع. أما لغة الكتاب وأسلوب المؤلف ففيهما ضعف نرجو أن تبرأ منهُ بقية مؤلفاته إن شاء الله، وفي الكتاب سهو كثير ونخص بالذكر والتنبيه قوله "إن أبا الفرج صاحب الأغاني افتتح الجزء السادس عشر من كتابه "بأخبار أبي نواس وجنان خاصة" والصواب أنهُ الجزء الثامن عشر. وأيضا، فقد ذهب المؤلف إلى القول بضياع ترجمة أبي نواس من كتاب الأغانى كما ذهب إلى ذلك ابن منظور

стр. 662

الأنصاري صاحب "لسان العرب" في كتابه "أخبار أبي نواس". وأرجح الرأي عندنا أن قول أبي الفرج في مفتتح الجزء الثامن عشر من الأغانى "أخبار أبي نواس وجنان خاصة، إذ كانت أخباره قد أفردت خاصة" إنما عني به "جمع ديوان أبي نواس" الذي ذكروه في مؤلفات أبي الفرج.

стр. 663

ضحى الإسلام تأليف "أحمد أمين" الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية - أخرجته لجنة الترجمة والتأليف والنشر بمصر من أجلّ الكتب العربية التي أخرجت للناس في هذا العام كتاب "ضحى الإسلام"، وصل بهِ صاحبه الأستاذ "أحمد أمين" ما كان بدأ في كتابه "فجر الإسلام"، وبه نقع المؤلّف غُلّة شقىَ بها أدباءُ هذا العصر زمنًا طويلّا، ويخيَّلُ إليَّ أن الأستاذ "أحمد أمين" رجل قد أوتى من الصبر والجَلَد والمثابرة وقوة العزم ونشاط الفكرة نصيبًا وافيًا سابق به المجتهدينَ من أهل عصره حتى سبقهم وأربى عليهم. وعامة الناس لا يعرفون ماذا يلقى الباحث في التاريخ العربي والأدب العربيّ من عناءٍ وعنتٍ يبلغان منهُ الجُهْد. فالباحث إن لم يؤتَ مثل ما أوتى هذا الرجل انقلب إلى نفسه بأخسّ النصيبين وأوكس الحاجتين. ذلك بأن التاريخ العربيّ خاصة قد انفرد دون ما دوّن من تواريخ الأمم الخالية بالنقص في ناحيتين: أولاهما، انطمار آثار جاهلية الجزيرة العربية في اليمن والعراق والحجاز والشام وخُفُوتُ أخبارها وقلّةُ ما دُوِّن منها على تشتتهِ في كتب الأدب وكتب التاريخ، والأخرى، اعتماد المؤرخ العربي على الرواية فلم يعنَ بالتعليق عليها وتوضيح ما غمض من أسرارها. ونعتقد أنهم كانوا يستطيعون ذلك لو تعمدوه، وقد تبيَّن هذا لنا مما نراه لهم من القول في ترجيح رواية على رواية إذا التبس الأمر. وثالثة لا ذنب للتاريخ ولا للمؤرخ فيها، تلك هي ضياع أكثر الكتب العربية التي ألفت في عصر الرشيد والمأمون أو عصر تدوين العلم. وابتلينا نحن من بعد ذلك ببليتين: أولاهما أنْ لم يُنْتَدَبْ أحد من أهل هذه اللغة إلى التنقيب عن آثار هذه الأمة العربية التي طويت في أرضها بين يَمِنها وشامها وحجازها وعراقها ومصرها ومغربها وما سوى ذلك، والأخرى، أن لم يخفَّ أحدٌ إلى دراسة كتب العرب ولمّ شتاتها واستخراج ما خفي من أساليب العرب وأحوالها وعاداتها في الاجتماع

стр. 664

والأدب واللغة حتى جاءَ في هذا العصر أصحاب الألسنة الأعجمية من دول أوربا بأقوالهم في تاريخنا وأدبنا وديننا بالكلام الجيد تارة، والفهم الملتوى والتعليل الفاسد تارة أخرى. فأنت حين ترى "أحمد أمين" يبتدر صادقًا إلى هذا التاريخ فيتقلّب فيما بقي من دارسات طلوله وفيما وصلنا من كتبه ما شاءَ الله أن يتقلّب ثم يخرج فيقصُّ عليك من أخباره وقد نَفَضَ عنها غبار القرون وأحداثها، وما إن ترى من أهل هذه اللغة إلا نائمًا أو متيقظًا كنائم أو صاحب مكيدة مخدوعًا عن رأيه وقلبه، وإلّا أعجمي اللسان والقلب يلتوى فهمه ولا يستقيم غرضهُ يتعرّض لتاريخ هذه الأمة فيصيب ويخطئُ، ويظهر فضلا ويدس مكيدة. . . أنت حين ترى هذا وترى ما في دراسة التاريخ العربي والأدب من عناءٍ وعنتٍ لا يتأتى لك بعدُ إلا أن تحْمَدَهُ وتشكر له ما أسدى إلى أمته من جميل. هذا وقد وضع المؤلف كتابهُ في أربعة أبواب في كل باب فصول، وفي الجزء الذي بين أيدينا الباب الأول منهُ: في الحياة الاجتماعية في العصر العباسيّ من (سنة ١٣٢ - ٢٣٢ هـ) واجتزأ منها بما له أثر قوىٌّ في العلم والفنّ. والباب الثاني: في الثقافات المختلفة دينية وغير دينية. وأرصد باب "الحركات العلمية" وباب "المذاهب الدينية" ليجعلهما من نصيب الجزء الثاني الذي وعد بتقديمه إلى القراء قبل أن يفرغوا من قراءَة هذا الجزء. فوفاءً بحقّ هذا الكتاب الجيد نبذل جهدنا في الكلام عنهُ والتعرض لما فيهِ موجزين إن شاءَ الله وبالله التوفيق. تحرير القول في الأحوال الاجتماعية والعلم والفنّ وأثر أحدها في الآخر من أعسر ما يتعرض له الكتَّاب فإن الجليل من أحدها له من التأثير مثل الذي لحقيره، وإن من صغير أحوال المجتمع لما يزيد في العلم والفن أو ينقص منهما، وإن من حقير العلم والفن لمَا يزيد في أحوال المجتمع أو ينقص منها إذ تترافد هذه الثلاثة. حتى إذا ما أردت أن تعرف أيها الذي أثّر تأثيرًا قويًّا أو ضعيفًا وأيها الذي تأثّر التوى عليك المسلك ووقعت في الحيرة واضطربت اضطراب من ضلّ بهِ دليلُهُ. فمن أجل ذلك ما ينكُصُ كثير من المؤلفين عن تناول هذا إلا في الندرة. وغاية ما

стр. 665

يمكن المؤلف فيعمل ليتلافي هذا النقص وخاصة في التاريخ العربي أن يتسقّط أخبار الحياة الاجتماعية من قصيدة لشاعر أو كلمة لخطيب أو وصف أو قصة فيؤلف بينها ثم يمنحها من خياله وفكره ما يتمم به النقص الذي وقع فيها ويضع عليها من زينتها ما يظنُّ أنها كانت تتجمل بهِ ثم يعرضها لك بعد عرضًا خلابًا رائعًا حتى لتحسَّ وأنت تقرأ ما كتب أنك قد انتقلت من عصرك الذي أنت فيهِ إلى عصرِ مثل هذا العصر العباسيّ الذي تناوله "ضحى الإسلام"، وأنك تعيش في جوّ من الحياة العباسية فيها سحرها وجمالها ولها روعتها وجلالها ويترقى إليك المؤلف خلال ذلك بما يحقق من علاقة هذا الاجتماع بالعلم والفن وأين أثر كلِّ في صاحبه غير تاركك فتنسى أنك تعيش في ديار الدولة العباسية. فإذا أراد أن يحقق القول في موضوع بعينه كالرقيق مثلًا أفرد له خاصة ما يخرج فيهِ رأيه بأدلته وبراهينه وحججه وما ينتهي إليه من أخباره زَيْفها وصحيحها. ونحن نعتقد أن المؤلف قد قصّر في هذا الباب على جلالة ما كتب فيهِ. وإن القيد الذي وضعهُ من الاجتزاء بما لهُ أثر قويٌّ. . . في العلم والفن من الحياة الاجتماعية قد أضاع بهجة هذا الباب. وقد كان يستطيع أن يحتفظ بشرطهِ هذا مع شيء من التوسع في صفة بعض بلاد الدولة العباسية وأهمها بغداد حتى يحس القارئ وكأنهُ ارتحل فوافى بغداد يرى من أطرافها الأسوار والقباب العالية على أبوابها، بينها الأبراج عليها حراسها وحجابها في أزيائهم وملابسهم، والتماثيل على رؤوسها تلوح وتلمع. حتى إذا دخل بغداد رأى القصور بين البساتين والأنهار فإذا دخلها رأى الدهاليز والممرات والمخترقات والصحون فيها الصور الفاتنة على أعمدة الرخام، والمجالس فيها الفرش الجميلة والأبسطة المطرزة بالألوان الغريبة، والشعْرَ المنقوش على أطرافها وأوساطها. ورأى صور الفيلة والخيل والجمال والسباع والطير على ستور الديباج المذهبة. ورأى الخليفة في أبهته وجلاله ومن يحيط بهِ من حاشيته من أجناس الأمم في اللباس العجيب. ورأي العلماء والشعراء والحجاب تروح وتغدو، ورأى زيّ القضاء وزي الشرطة وزيّ الكتابِ وزيّ الوزراء وزي الأعراب من الشعراء وهم ينشدون مديحه في صوت البدويّ الجافي

стр. 666

مع حلاوة المخرج وحسن الأداء. ورأي شعراء الحضر يمدحون بالشعر فيه الغزل وفيه الحكمة وفيه السياسة والتحريض والدعوة إلى التوفيق أو التنبيه إلى الدسيسة. ورأي الجدَلَ في مجلس الخلافة بين العلماء من فقهاء ونحويين ولغويين، ورأي أولياء العهد في ملاعبهم ومجالس علمهم، والندماء في لباس الشراب والمغنين في الأقبية الخراسانية بأيديهم المزاهر والأعواد ومن كل آلات الطرب، بينهم القيان الجميلات والإماء الأديبات، والشراب يدور بهِ الولدان والفتيات بزينتهنّ وحسنهنّ. فإذا خرج إلى البساتين رأي الأفراس المطهمة عليها الذهب والفضة في أيدي الشاكريين (السوَّاس) عليهم البزَّة الجميلة ثم رأى حيرَ الوحش (حديقة الحيوان) تخرج الوحوش منها تقرب الناس وتأكل من أيديهم، والفيلة المزينة بالديباج والوشى مع أصحابها من فيالة السند، والسباع بأيدى السباعين في رؤوسها وأعناقها السلاسل والأغلال، ورأي البرك من الماء فيها مجالس للخليفة بألوانها وصورها وجمالها وأخرى من الرَّصاص القلعيّ تتوهج في شعاع الشمس كالفضة المجلوة والنخيل من حولها ملبَّسًا بالشبه المذهب وأشجار الأترجّ عليها الزينة تنفح عطرها وشذاها. والأشجار المصنوعة من الذهب عليها عصافير الفضة تحركها الريح فيخيل إليك من حسنها أنها أشجار حية. وتخرج إلى أسواق بغداد يفوح طيبها ومسكها ومندلها وبخورها وصندلها ويتلألأ الذهب والفضة في نواحيها وأرجائها والنساء والقيان والمغنيات والشباب والشيوخ والفقر والغني وأهل التصوف ومن كل أمة وجنس من رومها وعربها وفُرسها وسودانها وحبشها وظرف أهل بغداد وأحاديث مُجانها وخُلعائها وتنادر ظرفائها، والأعرابي في صوفهِ والحضري في خزهِ وحريرهِ، والنعال السبتية بأصواتها وألوانها ويسمع من وراء الجدران ألحان الجوارى وهن يتغنينَ في بيوتهن ويضربنَ بالدف والعود والمزهر والناي، وليل بغداد والسمر والغناء والموسيقى والمساجد والأذان وأصوات التكبير ودويُّ قرَّاء القرآن في جوانبها ومواعظ الوعاظ وبكاء الناس من هول يوم القيامة وأهل الحديث والمعتزلة والفقهاء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. . . إلى غير ذلك مما يطول ذكره ولا يفرغُ منهُ. والذي ذكرنا هو من أحوال الإجتماع

стр. 667

في بلاد الدولة العباسية وقد أثّرت في العلم والفن وأثر فيها العلم والفنُّ فلو أن المؤلف عرضهُ عرضًا خلابًا فاتنًا لما ترك من بعده مقالًا لقائلٍ. ومثل هذا العرض لابدّ فيه من تضافر أمرين. الأول: كثرة المادة التي يريد أن ينبني عليها المؤلف كتابه، وتهيئتها قبل البدء، ومعرفة المواضع التي يجب أن يكون فيها التحقيق العلمي وما هو بسبيله من إثبات أثر الاجتماع في العلم والفن أو أثرهما فيه بحيث لا يفسد جفاءُ التحقيق جمال الوضع وحسن الوصف. والثاني: قلمٌ سيالٌ عنيفٌ متزن يمده خيال واسع محيط وفكر متوقد لا يخبو كالشعلة من النار كلما احتطب لها ازدادت توهجًا واشتعالًا حتى ترسل الكلمات في تيار جارف من القوة والرهبة ليحطم بذلك ما بين القارئ وبين العصر الذي يدرسه من أسوار وحوائل. وقد تهيأ الأمر الأول للأستاذ "أحمد أمين" كما دلنا على ذلك كتابه، أما الآخر فكأني به شيخ محنك قد حطمتهُ السن يضع الكلمة بعدها الكلمة في هدوء ووقار. لأنهُ لا يخرجها إلّا بعد أن يزنها في الميزان المهيأ من تجاربه وما لقى من أحداث دهره فمن أجل ذلك ما تجده كثير الاستعانة بما ليس للقارئ بهِ حاجة كقوله في المواضع الكثيرة "في عصرنا الذي نؤرخه" فكأنهُ يخشى أن يكون قارئه قد نسى أنهُ يقول ما يقول عن العصر العباسيّ. وبعدُ فهذا أهم ما نقوله عن الكتاب من جهة وضعه وعرضه وبقيت أشياء قد عرضت لنا حين القراءة على ضيق الوقت والتباسنا بالعجلة وهذا حين نحقق ما عرض لنا من ذلك. ١ - نقل المؤلف من رسائل الجاحظ في ص ١١ قوله "من ذلك: أن أهل البصرة أشهى النساء عندهم الهندياتُ وبناتُ الهندياتِ، والأغوارُ. واليمن أشهى النساءِ عندهم الحبشياتُ وبناتُ الحبشياتِ" ووضع نقطة الفصل بعد "الأغوار" ممَّا يدلُ على أنها معطوفة على "الهندياتُ وبنات الهندياتِ" وعلقَ على الأغوار بقوله "الغُورَة بالضم: بلدةٌ عند باب هراة، وبلا هاء، ناحية بالعجم. "والصواب" والأغوارَ واليمنَ أشهى النساء عندهم. . . إلخ، يعني أهلَ تهامةَ والحجاز واليمن "قال الأزهري: الغَوْرُ: تهامة وما يلى اليمن. وقال الباهليّ: كل

стр. 668

ما انحدرَ سَيلُه مُغرّبًا عن تهامَة فهو غورٌ" وأهلُ الأغوار واليمنِ أشهى النساء عندهم الحبشيَّاثُ لكثرة ورودهنّ عليهم لقرب الحبشة منهم. وقد ورد في الخبَرِ عن رسول الله ﷺ أو أحد أصحابه في تفضيلهنَّ على غيرهن أنّ "هُنّ أنقى أرحَامًا" أو كما قيل. ٢ - ذكر المؤلف في معرض الكلام عن خطأ الأعراب وكذبهم في اللغة ص ٣٠٠ "أكاذيب الأعراب" وعنى بها ما يختلقونهُ في اللغة وذكر أن أبا العباس المبرّد عقد بابًا في كتابه الكامل سمَّاهُ "أكاذيب الأعراب" والصوابُ أن البابَ الذي عقدهُ أبو العباس في الكامل هو "تكاذيبُ الأعراب" ج ١ ص ٣٥٦ وعنى به ما يتزيَّدُون فيه من الكلامِ وما يختلقونهُ من الأوهام كالذي قال أبو عبيدة في قول الراجز: "أهدَّموا بيتك لا أبا لكا ... وأنا أمشى الدأَلى حوالكا" هذا يقوله الضب للحِسْل (وهو ولد الضبّ حين يخرج من بيضته) أيامَ كانت الأشياءُ تتكلَّم. .! وكالذي نقله صاحب "ضحى الإسلام" في ص ٣٧ عن كتاب الكامل نفسه من قوله "تكاذبَ أعرابيّان. . . الخ". ٣ - قال المؤلف في ص ٣٠١ "وألف ابن خالويه كتابًا سمّاهُ "ليس في كلام العرب" بيَّن فيه ألفاظًا تستعمل ولم يصحَّ سماعُها من العرب. وليس الأمر كذلك فالكتابُ لكان أيدينا وقد طبع سنة ١٣٢٧ هـ بمطبعة السعادة. ذكر فيه ابن خالويه ما شذّ عن القاعدة من كلام العرب وابتدأ كل فقرةٍ بقوله "ليس في كلام العرب" وبها سمى الكتاب. وذلك كقوله مثلًا في ص ٥ "ليس في كلام العرب، أفْعَل فهو فاعل إلّا أعشبت الأرض فهي عاشب، وأورس الرمثُ فهو وارس، وأيفع الغلام فهو يافع، وأبقلت الأرض فهي باقل، وأغضى الرجل فهو غاضٍ، وأمحل البلدُ فهو ماحل". ولدار الكتب في فهرستها خطأ أكبر من هذا فقد وصفوا هذا الكتاب بقولهم "هو كتابٌ في الكلماتِ التي دخلت على العربية من الفارسية وغيرها وليست منها". . . .! ! وليس في الكتاب كلمة فارسية ولا (ملطية).

стр. 669

٤ - في ص ٣٩٥ تحريف في آيةٍ من كتاب الله وقعت هكذا: ألم تر إلى الإبل كيف خلقت. والآية من سورة الغاشية ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. ٥ - قال المؤلف في ص ٨٣ "وقد كانت المملكة البيزنظية تحرّمُ على من ليس نصرانيًّا أن يتملك رقيقًا نصرانيًّا، ولكن المسلمين أباحوا. . .! ! لليهود والنصارى أن يتملكوا الأرقاء ولو كانوا مسلمين". ولا ندرى كيف كان ذلك وكيف يكون؟ وأي دليل وقع للمؤلف على هذا القول؟ والله تعالى يقول في سورة المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وكيف يبيح المسلمون ذلك، ومن الذي أباحَهُ؟ ؟ ٦ - من أهم ما ترك المؤلف مِمَّا له أكبر الأثر في العلم والفن والاجتماع أيضًا كَثْرةُ الورق في بغدادِ حين أتوا به من الصين وغيرها وكانت له تجارة واسعة جدًّا في العصر العباسي، فقد انتشر الورَّاقون في بغداد وكثرت عندهم الكتب وكثر النُسّاخُ والكتّاب وسهل على الناس أن يقرأوا الكتب بالكراءِ من دكاكين الوراقين. ولقد أحدث ذلك من النهضة في العلوم والفنون أكثر مما أحدث الرقيق وغيرهم في بلاد الدولة العباسية. ولعلّ المؤلف أخره إلى حين القول في الحركات العلمية "فهو به أشبه" أو كما يقول. هذا، والكتاب لا يزال بموضع العناية فإن اتسع الوقت لنا في تحقيق ما رأينا فيه عدنا إليه والله المستعان؟

стр. 670

الشريف الكتانى جائتنا هذه الرسالة البليغة في وصف الشريف الكتانى الذي زار مصر في طريقه إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج من حيث هو عالم من أكبر علماء الفقه الإسلامى وأديب واسع الاطلاع عميق الفهم جمع خزانة من أنفس المخطوطات العربية وأثمنها في داره بفاس. فنشرناها شاكرين هما رجلان ألان الله لهما من صخرتى أوّلَ ما رأيتهما: السيد الجليل "محمد نصيف" كبير جُدّة وعماد الحجاز والأملُ الممتدُّ في جزيرة العرب، وهذا السيّد المباركُ محقّق العلم الإسلاميّ وعمدة التاريخ العربيّ "محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير الكتانيّ الإدريسيّ" واحد فاس، وكبير مراكش، والعلمُ الشامخُ بين أعلام الأمّة الإسلامية في هذا العصر ما بينَ الصينِ إلى رباط الفتح من المغرب الأقصى. وما عَسَاىَ أقولُ في رَجُل. . . كلما أمسكتُ القَلم لأكتبَ عنه تهيَّبْتُهُ من غير خوفٍ كما يتهيَّبُ المؤمنُ قَالةَ الحقِّ تحيكُ في قلبه، خشيةَ أن يجورُ فيها لسانُه، أو أن يعدل بها سامعها عن وجهٍ قصد إليه. وأنا حين أكتبُ هذه الكلمة -بعد أن لازمت الرجل أيامهُ ولياليه في القاهرة، وأخذت عنهُ، وقبست من نوره وعلمهِ وخُلُقِه الغضّ، واستنشيت ريَّا شمائله- أجدني كالذي انتقل بروحه من عالم كثيفٍ فيهِ من ثِقَل المادة ما يهيض جناح الطائر، إلى عالم من الرُّوحانية المصفَّاةِ التي ألقت أوزار المادة إلى مَثَارها ومعدنها من الأرض، وحلَّقت في جوّ السماء بين نسمات النفْحة الإلهية وفتنة الجمال العلوي. . . الجمال الذي ينتظم الكون كله بأفلاكه وكواكبه ودقة تدبيره وحكمة أمره. رجلٌ منضَّر الوجه كالوردة الزاهية فيها سرُّ الجمال الإلهيّ الذي لا يذبُل، مشرق الجبين كنور الفجر الصادق الذي لا يتكذَّب، وضّاح الثنايا كالأُقحوانة (١)
следующие страницы →