مع حلاوة المخرج وحسن الأداء. ورأي شعراء الحضر يمدحون بالشعر فيه الغزل وفيه الحكمة وفيه السياسة والتحريض والدعوة إلى التوفيق أو التنبيه إلى الدسيسة. ورأي الجدَلَ في مجلس الخلافة بين العلماء من فقهاء ونحويين ولغويين، ورأي أولياء العهد في ملاعبهم ومجالس علمهم، والندماء في لباس الشراب والمغنين في الأقبية الخراسانية بأيديهم المزاهر والأعواد ومن كل آلات الطرب، بينهم القيان الجميلات والإماء الأديبات، والشراب يدور بهِ الولدان والفتيات بزينتهنّ وحسنهنّ. فإذا خرج إلى البساتين رأي الأفراس المطهمة عليها الذهب والفضة في أيدي الشاكريين (السوَّاس) عليهم البزَّة الجميلة ثم رأى حيرَ الوحش (حديقة الحيوان) تخرج الوحوش منها تقرب الناس وتأكل من أيديهم، والفيلة المزينة بالديباج والوشى مع أصحابها من فيالة السند، والسباع بأيدى السباعين في رؤوسها وأعناقها السلاسل والأغلال، ورأي البرك من الماء فيها مجالس للخليفة بألوانها وصورها وجمالها وأخرى من الرَّصاص القلعيّ تتوهج في شعاع الشمس كالفضة المجلوة والنخيل من حولها ملبَّسًا بالشبه المذهب وأشجار الأترجّ عليها الزينة تنفح عطرها وشذاها. والأشجار المصنوعة من الذهب عليها عصافير الفضة تحركها الريح فيخيل إليك من حسنها أنها أشجار حية. وتخرج إلى أسواق بغداد يفوح طيبها ومسكها ومندلها وبخورها وصندلها ويتلألأ الذهب والفضة في نواحيها وأرجائها والنساء والقيان والمغنيات والشباب والشيوخ والفقر والغني وأهل التصوف ومن كل أمة وجنس من رومها وعربها وفُرسها وسودانها وحبشها وظرف أهل بغداد وأحاديث مُجانها وخُلعائها وتنادر ظرفائها، والأعرابي في صوفهِ والحضري في خزهِ وحريرهِ، والنعال السبتية بأصواتها وألوانها ويسمع من وراء الجدران ألحان الجوارى وهن يتغنينَ في بيوتهن ويضربنَ بالدف والعود والمزهر والناي، وليل بغداد والسمر والغناء والموسيقى والمساجد والأذان وأصوات التكبير ودويُّ قرَّاء القرآن في جوانبها ومواعظ الوعاظ وبكاء الناس من هول يوم القيامة وأهل الحديث والمعتزلة والفقهاء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. . . إلى غير ذلك مما يطول ذكره ولا يفرغُ منهُ. والذي ذكرنا هو من أحوال الإجتماع
стр. 667
في بلاد الدولة العباسية وقد أثّرت في العلم والفن وأثر فيها العلم والفنُّ فلو أن المؤلف عرضهُ عرضًا خلابًا فاتنًا لما ترك من بعده مقالًا لقائلٍ.
ومثل هذا العرض لابدّ فيه من تضافر أمرين. الأول: كثرة المادة التي يريد أن ينبني عليها المؤلف كتابه، وتهيئتها قبل البدء، ومعرفة المواضع التي يجب أن يكون فيها التحقيق العلمي وما هو بسبيله من إثبات أثر الاجتماع في العلم والفن أو أثرهما فيه بحيث لا يفسد جفاءُ التحقيق جمال الوضع وحسن الوصف. والثاني: قلمٌ سيالٌ عنيفٌ متزن يمده خيال واسع محيط وفكر متوقد لا يخبو كالشعلة من النار كلما احتطب لها ازدادت توهجًا واشتعالًا حتى ترسل الكلمات في تيار جارف من القوة والرهبة ليحطم بذلك ما بين القارئ وبين العصر الذي يدرسه من أسوار وحوائل. وقد تهيأ الأمر الأول للأستاذ "أحمد أمين" كما دلنا على ذلك كتابه، أما الآخر فكأني به شيخ محنك قد حطمتهُ السن يضع الكلمة بعدها الكلمة في هدوء ووقار. لأنهُ لا يخرجها إلّا بعد أن يزنها في الميزان المهيأ من تجاربه وما لقى من أحداث دهره فمن أجل ذلك ما تجده كثير الاستعانة بما ليس للقارئ بهِ حاجة كقوله في المواضع الكثيرة "في عصرنا الذي نؤرخه" فكأنهُ يخشى أن يكون قارئه قد نسى أنهُ يقول ما يقول عن العصر العباسيّ.
وبعدُ فهذا أهم ما نقوله عن الكتاب من جهة وضعه وعرضه وبقيت أشياء قد عرضت لنا حين القراءة على ضيق الوقت والتباسنا بالعجلة وهذا حين نحقق ما عرض لنا من ذلك.
١ - نقل المؤلف من رسائل الجاحظ في ص ١١ قوله "من ذلك: أن أهل البصرة أشهى النساء عندهم الهندياتُ وبناتُ الهندياتِ، والأغوارُ. واليمن أشهى النساءِ عندهم الحبشياتُ وبناتُ الحبشياتِ" ووضع نقطة الفصل بعد "الأغوار" ممَّا يدلُ على أنها معطوفة على "الهندياتُ وبنات الهندياتِ" وعلقَ على الأغوار بقوله "الغُورَة بالضم: بلدةٌ عند باب هراة، وبلا هاء، ناحية بالعجم. "والصواب" والأغوارَ واليمنَ أشهى النساء عندهم. . . إلخ، يعني أهلَ تهامةَ والحجاز واليمن "قال الأزهري: الغَوْرُ: تهامة وما يلى اليمن. وقال الباهليّ: كل
стр. 668
ما انحدرَ سَيلُه مُغرّبًا عن تهامَة فهو غورٌ" وأهلُ الأغوار واليمنِ أشهى النساء عندهم الحبشيَّاثُ لكثرة ورودهنّ عليهم لقرب الحبشة منهم. وقد ورد في الخبَرِ عن رسول الله ﷺ أو أحد أصحابه في تفضيلهنَّ على غيرهن أنّ "هُنّ أنقى أرحَامًا" أو كما قيل.
٢ - ذكر المؤلف في معرض الكلام عن خطأ الأعراب وكذبهم في اللغة ص ٣٠٠ "أكاذيب الأعراب" وعنى بها ما يختلقونهُ في اللغة وذكر أن أبا العباس المبرّد عقد بابًا في كتابه الكامل سمَّاهُ "أكاذيب الأعراب" والصوابُ أن البابَ الذي عقدهُ أبو العباس في الكامل هو "تكاذيبُ الأعراب" ج ١ ص ٣٥٦ وعنى به ما يتزيَّدُون فيه من الكلامِ وما يختلقونهُ من الأوهام كالذي قال أبو عبيدة في قول الراجز:
"أهدَّموا بيتك لا أبا لكا ... وأنا أمشى الدأَلى حوالكا"
هذا يقوله الضب للحِسْل (وهو ولد الضبّ حين يخرج من بيضته) أيامَ كانت الأشياءُ تتكلَّم. .! وكالذي نقله صاحب "ضحى الإسلام" في ص ٣٧ عن كتاب الكامل نفسه من قوله "تكاذبَ أعرابيّان. . . الخ".
٣ - قال المؤلف في ص ٣٠١ "وألف ابن خالويه كتابًا سمّاهُ "ليس في كلام العرب" بيَّن فيه ألفاظًا تستعمل ولم يصحَّ سماعُها من العرب. وليس الأمر كذلك فالكتابُ لكان أيدينا وقد طبع سنة ١٣٢٧ هـ بمطبعة السعادة. ذكر فيه ابن خالويه ما شذّ عن القاعدة من كلام العرب وابتدأ كل فقرةٍ بقوله "ليس في كلام العرب" وبها سمى الكتاب. وذلك كقوله مثلًا في ص ٥ "ليس في كلام العرب، أفْعَل فهو فاعل إلّا أعشبت الأرض فهي عاشب، وأورس الرمثُ فهو وارس، وأيفع الغلام فهو يافع، وأبقلت الأرض فهي باقل، وأغضى الرجل فهو غاضٍ، وأمحل البلدُ فهو ماحل". ولدار الكتب في فهرستها خطأ أكبر من هذا فقد وصفوا هذا الكتاب بقولهم "هو كتابٌ في الكلماتِ التي دخلت على العربية من الفارسية وغيرها وليست منها". . . .! ! وليس في الكتاب كلمة فارسية ولا (ملطية).
стр. 669
٤ - في ص ٣٩٥ تحريف في آيةٍ من كتاب الله وقعت هكذا: ألم تر إلى الإبل كيف خلقت. والآية من سورة الغاشية ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
٥ - قال المؤلف في ص ٨٣ "وقد كانت المملكة البيزنظية تحرّمُ على من ليس نصرانيًّا أن يتملك رقيقًا نصرانيًّا، ولكن المسلمين أباحوا. . .! ! لليهود والنصارى أن يتملكوا الأرقاء ولو كانوا مسلمين". ولا ندرى كيف كان ذلك وكيف يكون؟ وأي دليل وقع للمؤلف على هذا القول؟ والله تعالى يقول في سورة المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وكيف يبيح المسلمون ذلك، ومن الذي أباحَهُ؟ ؟
٦ - من أهم ما ترك المؤلف مِمَّا له أكبر الأثر في العلم والفن والاجتماع أيضًا كَثْرةُ الورق في بغدادِ حين أتوا به من الصين وغيرها وكانت له تجارة واسعة جدًّا في العصر العباسي، فقد انتشر الورَّاقون في بغداد وكثرت عندهم الكتب وكثر النُسّاخُ والكتّاب وسهل على الناس أن يقرأوا الكتب بالكراءِ من دكاكين الوراقين. ولقد أحدث ذلك من النهضة في العلوم والفنون أكثر مما أحدث الرقيق وغيرهم في بلاد الدولة العباسية. ولعلّ المؤلف أخره إلى حين القول في الحركات العلمية "فهو به أشبه" أو كما يقول. هذا، والكتاب لا يزال بموضع العناية فإن اتسع الوقت لنا في تحقيق ما رأينا فيه عدنا إليه والله المستعان؟
стр. 670
الشريف الكتانى
جائتنا هذه الرسالة البليغة في وصف الشريف الكتانى الذي زار مصر في طريقه إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج من حيث هو عالم من أكبر علماء الفقه الإسلامى وأديب واسع الاطلاع عميق الفهم جمع خزانة من أنفس المخطوطات العربية وأثمنها في داره بفاس. فنشرناها شاكرين
هما رجلان ألان الله لهما من صخرتى أوّلَ ما رأيتهما: السيد الجليل "محمد نصيف" كبير جُدّة وعماد الحجاز والأملُ الممتدُّ في جزيرة العرب، وهذا السيّد المباركُ محقّق العلم الإسلاميّ وعمدة التاريخ العربيّ "محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير الكتانيّ الإدريسيّ" واحد فاس، وكبير مراكش، والعلمُ الشامخُ بين أعلام الأمّة الإسلامية في هذا العصر ما بينَ الصينِ إلى رباط الفتح من المغرب الأقصى.
وما عَسَاىَ أقولُ في رَجُل. . . كلما أمسكتُ القَلم لأكتبَ عنه تهيَّبْتُهُ من غير خوفٍ كما يتهيَّبُ المؤمنُ قَالةَ الحقِّ تحيكُ في قلبه، خشيةَ أن يجورُ فيها لسانُه، أو أن يعدل بها سامعها عن وجهٍ قصد إليه. وأنا حين أكتبُ هذه الكلمة -بعد أن لازمت الرجل أيامهُ ولياليه في القاهرة، وأخذت عنهُ، وقبست من نوره وعلمهِ وخُلُقِه الغضّ، واستنشيت ريَّا شمائله- أجدني كالذي انتقل بروحه من عالم كثيفٍ فيهِ من ثِقَل المادة ما يهيض جناح الطائر، إلى عالم من الرُّوحانية المصفَّاةِ التي ألقت أوزار المادة إلى مَثَارها ومعدنها من الأرض، وحلَّقت في جوّ السماء بين نسمات النفْحة الإلهية وفتنة الجمال العلوي. . . الجمال الذي ينتظم الكون كله بأفلاكه وكواكبه ودقة تدبيره وحكمة أمره.
رجلٌ منضَّر الوجه كالوردة الزاهية فيها سرُّ الجمال الإلهيّ الذي لا يذبُل، مشرق الجبين كنور الفجر الصادق الذي لا يتكذَّب، وضّاح الثنايا كالأُقحوانة (١)
стр. 671
المبتسمة في ربيعها من الطلّ والندى، صافي العينين كالماء النمير في مجرى من البلور، كثّ اللحية محفوف الشارب أهدب الأشفار أبلج الحاجبين في شعرهما وَطَفٌ (١)، ضخم الهامة سابق الهيبة بادى الحنان، في جسمهِ بسطة تذكرك بما تقرأ في صفة علي بن أبي طالب ﵁. هذا هو السيد الشريف "الكتانى" عالم الشريعة الإسلامية وهذه صفتهُ أول ما تكتحل عيناك بطلعته.
هو في الثامنة والأربعين من عمره، ولكن تطالعك هذه السنوات القلائل من عينيه بالكَبْرة الملطفه بشباب القلب، المخففة بحياة النفس العزيزة المتألمة المثخنة بالجراح من أحداث الدهر وعواديه. ينظر إليك حينًا نظرة العالم المتمكن الأمين المتثبت الذي شغله العلم عن الحياة المادية الغليظة، فتحملك نظرته هذه من مجلس بسيط وديع إلى بحر من العلم يفتنك هدوءه كما يروعك وعلى اصطخابه إذا ازدحمت فيه أسباب الحركة العلمية. وينظر إليك حينًا وهو يستمع هادئًا نظرة المشفق الحريص الذي يودُّ أن يراك مصيبًا لم تخطئ. وأنت لا تزال في مجلسه بين أنواع من النظرات لها معانيها، ولهذه المعاني أسبابها، ولهذه الأسباب بواعثها، ولهذه البواعث محركاتها، وهذه المحركات خفايا من وراء النفس، منقمعة مكتومة لا تنفذ إليها إلّا نظرات أروع وقّاد قد ابتلى دقائق النفس الإنسانية بالممارسة والذهن المتوقد الذي يرى من آيات الله آيات من البلاغة الإلهية التي تمس الروح مسة تيار كهربائى ترعَش به أعصاب الإنسانية وتنتفض.
أنت من مجلسه في مجلس الحافظ لسنة رسول الله ﷺ ، والفقيه الذي قلب آيات الفقه الإسلامي بالبصر والبصيرة، والمؤرخ الذي انفتق له السور (٢) عن تاريخ العرب والأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، والألمعي ذي الدهاء الذي ركَّبت الأحداث في نفسه آلة إحساس دقيقة تحس بالبعيد إحساسها بالقريب ولا تكاد تخطئ إلا بمقدار ما في النفس الإنسانية من أسباب الخطأ الذي لا تنفيه إلّا
стр. 672
العصمة التي لم يقضِ الله لأحد من الناس أن يبلغها. وهو وراء ذلك أحد المتصوفة الذين عرفوا حقيقة التصوف لا أوهامه التي ملأ بها الدخلاء ساحة التصوف، وأحد الذين يَزِنون العلم الحديث وما نشأ عنه من أحوال الاجتماع بميزان يفرق بين الخير والشر والحق والباطل، فهو يطلع عليهِ اطلاع المتبصر الذي لا يرضى لنفسه أن يكون من الغوغاء أتباع كل نظرية هوجاء لا قرار لها على حال.
ولهذا الرجل إحساس علميٌّ عجيب، فهو لا يكادُ يسمعُ بأديب أو فقيه أو عالم أو فيلسوف إلَّا حنَّ إليهِ وقلقَ إلى رؤيتهِ، ورغب في التحدث إليه وسبر غوره، فلا تصرفهُ شواغله وهو في دار الغربة عن أن يقدم أهل العلم -أيًّا كانوا- بالزيارة بل تراه يبدؤهم بها. ويرحل من بلد إلى بلد لأن فيهِ عالمًا جليلًا قد قرأ آثاره أو سمع بهِ. وأنت فظُنَّ كيف تقدّرُ رجلًا من أقصى المغرب بفاس، لا يذكر أمامهُ اسم عالم أو غيره في مصر أو الشام أو الجزيرة العربية أو العراق أو الهند أو الأفغان أو الترك إلّا عرفهُ وقصَّ لك من أخباره وعدّدَ لك من كتبه. ومن هؤلاء الناشيء والمغمور الذي لا يعرفهُ أهل بلده على حين أنهُ منهم بمنزلة البنان من راحته. بل. . . يسمع اسم الرجل يراهُ أمامه فيطمئنُ قليلًا ثمّ يسأله من أي بلدة هو فما يجيبُ حتى يسأله عن علماءِ هذه البلدة من مات منهم ومن حيّ وعن كتبهم كيف كان مصيرها، ثم يعدّدُ لهُ بعضَ ما أَلَّفُوا. . . ويذكر له روايته عنهم إن كان رَوَى عنهم شيئًا من حديث رسول الله ﷺ أو غير ذلك.
فمن أجل هذا الإحساس العلميّ المركّب فيهِ أتيح له أن يجمع مكتبة في داره بفاس تُعَدُّ من أغنى المكاتب الخاصة وأنفسِها في العالم العربي كلّهِ، فيها من النفائس والنوادر والغرائب ما لا يوجد في غيرها. وهو لا يكاد يسمع بكتابٍ نادرٍ حتى يسارع إلى استنساخهِ أو تصويره بالفوتوغراف. وها هو قد نزل مصر فجمع من شوارد المخطوطات ونوادرها أشياء كانت بين سمع دور كتبنا وبصرها ثم غفلت عنها. ويجلس هذا الرجل في نُزُله فيأتيهِ الوراقون بالمخطوطات حديثها وعتيقها فما يفتح أحدها حتى يعرف ما الكتابُ ومن صاحبهُ ويفرح بالكتاب النادر فرح الذي ضنَّ عليهِ الزمن طويلا ثم جاد. وبالله أشهد صادقًا لكأنى أرى الكتاب
стр. 673
بين يديهِ يكاد يحنُّ إليهِ حنين القلب الممزق المفطور إلى سبب من أسباب سلوته وراحته، ولكأني أراهُ يمسك الكتاب براحته كما يمسك أحدنا الشيء فيهِ من آثار قلبهِ وحبهِ وآماله ورغباتهِ ما فِيه، ويلقي عليهِ نظرةً عاطفة تكاد تحييهِ من عطفها وحنانها وحدَبها وأشواقها.
هذا هو الرجل العالم المتيم بالكتب، الذي يطّلع جاهدًا على آثار الناس وما ينشرون في الكتب والصحف والمجلات ويعي أسماءَهم ويسأل عنهم ويرغب في رؤيتهم ويرحل إليهم بادئًا بالزيارة. وفي هذا الرجل رجل آخر قد جعلت من عينيَّ جاسوسًا مقتدرًا نفاذًا يتتبع نظراته وحركاته وما يبدو على وجههِ وجبينهِ من آيات التغيُّر والتبدل حتى عرفتهُ أو كدت.
حدثتا عنهُ فقالتا: هذا رجل في عِظَم هامتهِ واتساع جبينهِ والتماع عينيهِ دليل على قوة مستحكمة شديدة. وهذه القوة -مع ما فيها من شدة- هادئة وادعة مسالمة، تتريث مفكرةً، فلا تظهر ولا تستعلن إلَّا ساعة الجد حين تعلم أن قد دنا أوانها، وأن موضع الفصل قد استبان، وأنها لن تخطئ. وهو رجل في أسالة خدّه ورقّة نظرته شاهد على طيب الخُلق، ودماثة الكنف، وحسن العشرة، وكمال الحنان والعطف، وهو رجل في تفاجّ (١) ثناياه وانطباق شفتيهِ وطول صمته -إذا لم يدعَ إلى كلام- وعمق نظراته في هذا الصمت برهان على الصبر في كل ملمة ومع كل أحد. قالتا: ثم هو رجل حلْوُ النفسِ صادق مخلص أمين على ما يؤتمن عليه رضيُّ الشمائل في كل حين. . . أما تراه يبتسم ابتسامةً رقيقةً لا تكاد تخلص إلا عن قلوب الأطفال المبرَّئين أو الكرام الصالحين فإذا ضحك اهتزَّ جميعه لأن ضحكته تصدر عن قلبه الطيع الكريم الذي يتحكم في كل عضو من أعضائه. وهو بعد رجل كتوم يحمل الآلام بين جنبيه وهي تمزق قلبه وتفتك فيه. ينظرُ النظْرة المترامية في مفاوز الماضي البعيد فيرجع بالذكرى الأليمة، وعلى نظراته معنى البكاء الذي لا يجد في الدمع ترجمانًا أو معينًا. وهذه وحدها نظرة
стр. 674
لو ألقيت على جبل أصم لا يألم لوجد لها مسَّا كمسّ الرحمة في القلب الرقيق. ويخيل اليك وهو يغضُّ من طرفه ويرخى جفنيه أن الصبر والجلد والرجولة الصادقة أرادت بذلك أن تخفي عنك نظرات هي أحاديث أيام، أشفق على نفسك أن تسمعها أو تلمُّ بها.
وتراهُ حين يتكلم حتى في العلم يفيض حنانًا ورقة وكرمًا ووفاءً ثم يشتدُّ بعد تمهل حتى يأخذ عليك نفسك هيبة ووقارًا من ورعه وتقاهُ، ثم تتعرَّف فيه إذا خالطته ذهنًا قد اجتمعت له أسباب الإحاطة بأحوال الناس في كل أمة وجيل ثم يدق يكاد يغمض عليك إذا لم تلق إليه بسمعك وبصرك وقلبك جاهدًا متفهمًا. وإن تعجب فعجب لهذا الرجل الذي اتسع أفقه حتى ألّف ما أناف على مائتى كتاب فيها موضوعات عجيبة لم يسبق إليه بمثل تحقيقه ودقته على الأسلوب الذي يفهمه عن أهله ومن عرف مذاهب القوم في كتبهم ومؤلفاتهم.
كلمة مقتضبة في رجل بحر كريم الأصل والمنصب سليل جدنا رسول الله ﷺ وصفوة من هذه الأمة العربية التي تدفقت في الأرض تدفق السيل من رؤوس الجبال فأنبتت في كل أرض نباتًا حسنًا زكا مغرسهُ وطاب ثمرهُ. كلمةٌ نصلُ بها أرحامًا تقطعت أو كادت في زمن توالت علينا أحداثه واستمرَّتْ علينا عواديه وتركنا لُطماءَ.
يأشَرُ الفارغُ الخليُّ، ويأسى ... مُتْرَعُ الصَّدْرِ منْ جوَى ملآنُهْ
стр. 675
نابغة بني شيبان
إن العربية لتُزْهى بما تخرجه دار الكتب من المطبوعات كما تزهى الحسناء بجمال وحيدها بعد أن استفتحت الله على عقمها فجاءها بأسباب راحتها وفزعها في وجهٍ معًا. فنحن بنا لدار الكتب مثل الذي بالحسناء لوحيدها من الحب والعطف والرعاية لأنها واحدة جادت لنا بها أيام كزَّة بخيلة. وبنا أيضًا مثل الذي بها من الخوف والفزع أن يستفزَّها الحدَبُ إلى الغرور، وإن يستخفها التغاضى إلى الإهمال والتعالى وترك الواجب الذي لا يستحلُّ خلافهُ. وقوة ما استقر في قلوبنا من الحدب عليها والتوجه إليها وما يعتلج في صدورنا من الخوف والفزع تدفع بنا إلى العناية بما تنشره، ومؤاخذتها على الكبائر والصغائر تنزيهًا لها وتبرئةً. وهذا "ديوان نابغة بنى شيبان" -آخر ما طلعت علينا به- نقول فيه كلمة تنفعها إن شاء الله.
(تحقيق نسب النابغة ودينه) نقلت دار الكتب في تصدير هذا الديوان كلمة أبي الفرج الأصبهاني في أغانيه "ج ٦ ص ١٤٦ مطبوعة الساسي" التي يقول فيها أن النابغة من شعراء الدولة الأموية "وكان فيما أرى نصرانيًّا لأني وجدتهُ في شعرِه يحلف بالإنجيل وبالرهبان وبالأيمان التي يحلف بها النصارى" اهـ. ولم تعلق دار الكتب على هذا بكلمة، فكأن الديوان لم يطبع فيها، ولم يهتم بشرحه القائمون بأعمال التصحيح فيها. ذلك، لأن هذا الديوان الذي بين أيدينا ليس فيهِ قَسَمٌ واحد بإنجيل أو رهبان أو يمين من الأيمان التي يحلف بها النصارى، بل فيهِ ما يدل على أن صاحبه مسلم عريق لم يضرب إلى نصرانية ولا يهودية، كما سنبين بعد.
وتقول دار الكتب في التعليق على نسب النابغة إنها نقلته من الأغاني "بعد تصويب الأسماء الخاصة (كذا) بنسبه" ومعنى ذلك أنها رجعت إلى ترجمة أبيه "مخارق" ثم جده "سليم" إلى آخر ذلك فصححت التحريف الذي كان واقعًا
стр. 676
في نسبه. وهذا النابغة هو عبد الله بن مخارق بن سليم. . . الشيباني" من بنى ذهل بن شيبان ولد ربيعة بن نزار. فلو كانت قد رجعت إلى ترجمة أبيه -كما يفهم من كلامها- لعلمت أن "مخارق بن سليم. . . الشيبانى" صحابي ترجم له شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى في كتابه "التهذيب" ج ١٠ ص ٦٧ وفي "الإصابة" ج ٦ ص ٦٨ وابن الأثير في "أسد الغابة" ج ٤ ص ٣٣٥ وأفرد له إمامنا الجليل أحمد بن حنبل مسندًا في كتابه "المسند" ج ٥ ص ٢٩٤ - ٢٩٥ وروى من حديثه النسائى في سننه ج ٧ ص ١١٣. قال ابن حجر في التهذيب "مخارق بن سليم الشيبانى أبو قابوس، روى عن النبي ﷺ . . . وروى عنهُ ابناهُ قابوس و"عبد الله". وقد ترجم أصحاب كتب التراجم -التي بين أيدينا- لابن (١) قابوس لأن اسمه ورد في بعض الكتب الصحاح الستة، ولم يترجموا لعبد الله لأن اسمه لم يرد في أحدها ولعلهم لم يعنوا بروايته لانصرافه إلى قول الشعر ومدح الخلفاء فقلت روايته للحديث وقام بها أخوه قابوس. وما نظن إلا أن أبا الفرج قد وهم في قوله بنصرانيته -ولأبي الفرج أوهامٌ مثل هذه كثيرة- ولعل الذاكرة طوحت بهِ إلى نصرانية نابغة بنى الديان الحارثى من أرض نجران. وإلا فكيف يكون نصرانيًّا مَن يقول "الديوان ص ١٧".
ويزْجُرُنى الإسلامُ والشيبُ والتُّقى، ... وفي الشيبِ والإسلامِ للمرءِ زاجرُ"
وهذا نصٌّ لا نحتاج معهُ إلى الاستشهاد، بكثير مما ورد في شعره من خُلُق الإسلام وأيمانه وتجانفه عن الشرك والخبائث كبيرها وصغيرها.
(شرح الديوان) علقت دار الكتب على غريب هذا الديوان ونشكُرُ لها عنايتها بذلك، ولكنْ ما كان أشد أسفنا حين رأينا هذا الشرح محشوًّا بالأغلاط الواضحة التي نودُّ أن ننزّهها عنها فمن أمثال ذلك قولهم ص ٣ في شرح الكلمة
стр. 677
تَعرُقُ: "تَعْرُق: تأكلُ ما على اللحم من عَظْمٍ وتأخذه "كله" ولا ندري كيفَ يكون هذا اللحمُ المكسُوّ بالعظامِ وكيف يؤكل. وقالت في شرح قوله.
"وما الناسُ في الأعمال إلَّا كبالغٍ ... يُبَنّى ومُنْبَتُّ النياط حسيرُ"
"فمُستَلَبٌ منهُ رياشٌ، ومكتسٍ، ... وعارٍ، ومِنْهُمْ مُتْرِبٌ وفقير"
المتربُ: القليل المال. فيكون معنى البيت الأخير أن الناس منهم مكتسٍ وعارٍ وفقير، لأن قليل المال هو الفقير لا شك. ونصُّ اللُّغَةِ "تَرِبَ تَربًا ومَتْرَبة: حَسِر وافتقر فلزق بالتراب، وأَتْرَب: اسْتغنى وكثُرَ ماله فصار كالتُّرَاب -كثرةً- هذا هو الأعرف وقيل -وهذه لفظة التضعيف عندهم- قَلَّ ماله. والمُتْرِب الغنِيُّ إمّا على السَّلْب وإمَّا أن ماله مثل التُّرَابِ". فالمعنى (منهم غني وفقير).
وقالت في شرح قوله يصف شعور النساء:
"وفروع كالمَثَانى ... زانها حسنُ جَمِيرِ"
الجمير: الطيبُ. ونحن لا نعرف للبيت معنًى بهذا الشرح. وكلمةُ اللغة أن الجمير: هو الشّعُر ما جُمّر منهُ وجمرت المرأةُ شعرها جمعته وعقدته في قفاها ولم ترسله، والجمائر الضفائر واحدتها جَميرة. والجميرُ من الزينة ولا شكَّ عند النساء.
ونكتفي بهذه الأمثلة من الخطأ وقلة العناية والإهمال والاستهانة بأمر القراءِ والأدباءِ.
الشعر العربي: وقبل أن أفرغَ من كلمتى هذه أُبدى تألمى من أحد الكتَّاب المشهورين في زرايته على دار الكتب بطبعها الكتب القديمة من مثل "ديوان جران العود" و"نابغة بنى شيبان". ونقول لهذا الكاتب الفاضل أنهُ ما حَمَلهُ على الزراية بالشعر العربيّ إلا تباطؤه عن الجد في فهم أساليب لغته التي يكتب بها، وأنهُ إذا وجد ثقلًا على نفسه الرقيقة في قراءَة شعر العرب المتقدمين فليس ذلك من ذنب الشاعر ولكن من ذنبه هو وذنب الذين وضعوا برنامج تدريس العربية في مدارسنا المصرية. ونرغب إليهِ إذا كان هذا رأيهُ هو أن يكتمهُ عن الناس لئلا
стр. 678
يصدهم عن الاهتمام بآثار أجدادهم التي لا يبنى الأدب العربيُّ الحديث إلّا على أساسها. ونقول أن الذي يفهمُ الشعرَ ويفهم أنهُ هو صورة النفس إنْ صافية فصافٍ وإن غليظةً فغليظٌ لا يقول بمثل هذه المقالة أبدًا، فمما لا شك فيهِ أن النفوس من آدم إلى اليوم هي النفوس البشرية التي لا تتغير أبدًا، وأن الأدب في كل العصور هو صورة هذه النفوس على اختلافها. وليس أدب اليوم هو الأدب الذي لا يُرْغَبُ في غيره حتى يكون ما سبق مما نعدهُ أدبًا وشعرًا كلامًا من مَنْطِقٍ لا نفهمهُ ولا نرغب فيهِ. ونعدُ بأنْ نظهر في هذه المجلّة روائعَ من الشعر القديم الذي انطلقت ألسنة هؤلاء الكتاب المشهورين بانتقاصه والنيل منهُ والله الموفق.
стр. 679
مقاليد الكتب
١ - كتاب "حافظ وشوقي "
تأليف الدكتور "طه حسين" مطبعة الاعتماد سنة ١٩٣٣
الدكتور طه حسين رجل غير مجهولٍ حتى نعنّي أنفسنا ونعنّي القراءَ معنا بالقول في آثاره الأدبية الكثيرة والتي استفاضت في هذه المدة الأخيرة أكثر من ذي قبل. وكتابهُ هذا فيهِ آراءٌ لهُ كثيرة مشهورة لأنهُ مجموعة مقالات نشرت قديمًا وحديثًا أحبّ الدكتور طه أن يذيعها بين الناس في كتاب يسهل تناوُلهُ إذ كانت مشتّتةً في الجرائد والمجلات التي نشرت فيها. وليس هذا الكتاب كما يُفهم من عنوانِه -كتابًا في حافظ وشوقى ليس فيه غيرهما. لا. . . بل كما سمّيت مختارات أبي تمام بالحماسة لأن الباب الأول من أبوابها الكثيرة هو باب الحماسة فكذلك سمى الدكتور كتابه هذا باسم "حافظ وشوقي" بالمقالات الأخيرة فيهِ عن حافظ وشوقي، ولأنهُ صدر بعد الحدَثِ الذي اشتغل بهِ العالَم العربيُّ بموت هذين العَلَمين في الأدب. ومقالات الدكتور طه التي في هذا الكتاب لا تحتاجُ إلى كلامنا فإنما هي مقالاتُه التي أحبهُ كثيرون من أجل آرائه فيها وتحامل عليهِ آخرون من أجل هذه الآراء. فليس من الرأي أن نتناول هذا الكتاب في باب المكتبة لأن ما فيهِ من الآراء يحتاجُ في نقده إلى إطالة وتوسُّع تضيقُ بهما هذه الصفحات القلائل.
стр. 680
٢ - كتاب الرثاء
في شعر أبي تمام، والبحتري، والمتنبي -تأليف أديبة فارس- مطبعة الاعتدال بدمشق الشام
هذا الكتاب -رسالة اجتازت مؤلفتها امتحان شهادة الآداب العليا بالجامعة السورية سنة ١٩٣٢. وقد أجادت الآنسة الأديبة "أديبة فارس" فهم الشعر الذي تعرضت لهُ فاختارت من شعر أبي تمام قصيدته في رثاء ولده التي أولها:
كان الذي خفت أن يكونا ... إنَّا إلى الله راجعونا
ومن شعر أبي عبادة البحترى قصيدة في رثاء خليله جعفر المتوكل الخليفة العباسى المقتول وأولها:
محلٌّ على القاطُولِ أخلَقَ داثِرُهْ ... وعادت صُروف الدهر جيشًا تُغاورهْ
ومن شعر أبي الطيب المتنبى رثاءَه لجدتهِ الذي أوله:
ألا لا أُرى الأحداث مدحًا ولا ذَمًّا ... فما بطشها جهلًا ولا كفُّها حلما
وقد وضعت المؤلفة الموفقة القصائد تامة في أول رسالتها مع ترجمة مختصرة لكل شاعر من هؤلاء الثلاثة ثم اتبعت ذلك بكلامها وفهمها وبحثها في الرثاء ما هو وقد أجادت. ثم أخذت كل قصيدة بمفردها فنظرت فيها وفي بلاغة الرثاء فيها نظرًا جيدًا وتكلمت على أبيات كلٍّ منها وموضع الإحساس في أبياتها وعارضت بين الشعراء الثلاثة معارضة صادقة. والذي يفرحنا من هذه الرسالة أن مؤلفتها امرأة، ثم امرأة متعلمة، ثم أديبة، ثم ناقدة. وقلَّ أن تجدَ في النساء الأديبات اللواتى يفرغنَ للأدب ولذاتِه وهمِّه أيضًا. وللآنسة أديبة فارس، أسوة بجدَّتها سُكيْنة بنت الحسين ﵂ التي استخذَى لنقدها وبصرها بالأدب فحول الشعراء من الأولين كعمر بن أبي ربيعة ونُصَيْب الأسود وجميل العذرى وكثيّر عزَّة الخزاعي وغيرهم من شياطين الشعر. وللآنسة "أديبة" فكرٌ جيد في فهم الألفاظ
стр. 681
العربية ومواقعها من الكلام وأين هي من معانيهِ المقصودة التي توافقها. وهذا أول أثر نراه لها فنسألها أن لا يستغرَّها ثناؤنا على كتابها هذا أن تطلب الاستزادة لتصحيح الرأي وتقويم الفكر واللسان والقلم. فإن هذه اللغة الدقيقة العجيبة التي اختارها الله من لغات الناس لكتابهِ المُحكَمِ صعبةٌ شرود لا يصبر على معارفها ومجاهلها إلاَّ من أُوتىَ جَلَدًا لا يستضعف، ورزق من دقة الإحساس نصيبًا وافرًا لا ينفد. وهذه الكتب العربية التي انقطعت بيننا وبينها الأسباب فاستعجمت على كثير منا تحتاج إلى اجتهادٍ وجدٍّ حتى يعرف طالبها أسلوبها وما تنطوى عليهِ من معاني الجمال والفن كما يقولون الآن. ولنا أكبر الأمل في هذه الأديبة الناشئة أن تكون من اللواتى يذكرهن تاريخ العربية من النساء بأجمل الذكر.
* * *
٣ - كتاب الخط الكوفي *
تأليف الأستاذ يوسف أحمد مدرس الخط الكوفي بمدرسة تحسين الخطوط الملكية بالقاهرة
لقد أتى على الخط الكوفي القديم زمنٌ والناس لا يعرفون منهُ إلا اسمهُ، ويرونهُ في المساجد ولا يحسن أحدهم أن يعرف ألفهُ من يائِه. ومن المِخزيات أن لا تعرف الأمة آثار آبائها وأسلافها، فانظر أي شيء هو حين لا تعرف الخط الذي بهِ تعرف ما هي آثار آبائها وأسلافها. وكان من فضل بعض الناس علينا أن نشروا آثار أسلافنا، وكان من فضل الأستاذ يوسف أحمد على العربية ثم علينا أن رمى بنفسهِ في ظلمة الآثار البالية حتى استنارت بعلمهِ في معرفة أصول الكتابة الكوفية القديمة وتولى قراءة ما بقي لدينا من آثار آبائنا العرب. وها هو قد أخرج للناس الكتاب الصغير الجِرْم العظيم الفائدة جعلهُ موجزًا وذكر فيهِ رأي مؤرخي العرب في أصل الكتابة العربية ثم اشتقاقها من المخطوط سابقتها وما حدث من التغير والتبدل والتدرُّج في الخط الكوفي وما تلاهُ من أنواع الخطوط العربية وأردف ذلك بأمثلة
стр. 682
وصورٍ كثيرة للخط الكوفي. ونأمل أن يخرج المؤلف كتابًا مفصلًا في هذا وما ذلك على مثله بعزيز.
* * *
٤ - صلاح الدين وشوقي *
تأليف، محمد إسعاف التشاشيبى، مطبعة بيت المقدس بالقدس سنة ١٩٣٢
الكلمة الأولى فيهِ عن شوقي ﵀ وقد قيلت في تأبينه ببيت المقدس والأخرى عن صلاح الدين فخر الإمارة الإسلامية والحكم الإسلامي ورجل العدل والأمانة وقيلت في مدينة حيفا من فلسطين يوم ٢٥ ربيع الثاني سنة ١٣٥١ وذلك في ذكرى موقعة حطّين في الحرب الصليبية. والكلام يتوجه فيهما -كما قال صاحب الكلمة- إلى نصارى الغرب الذين يسومون الشرق سوء المعاملة لا إلى مواطنينا من أهل الكتاب من نصارى العرب. وفي الكلمتين المذكورتين روح إسعاف النشاشيبي بعروبتها وإخلاصها للعرب والشرق، واللغة العربية الصحيحة التي توفر على دراستها فأجادها وصار من بلغائها وخطبائها.
* * *
٥ - كتاب الشخصية *
تأليف السيدة "للي ألن" ترجمة الآنسة "دلال صفدي" مطبعة العرفان بصيدا سنة ١٩٣٢
يعنون بكلمة "الشخصية" ما كانت تعني العرب قديمًا بكلمة "السؤدد" و"السيادة" وذلك أن يكون في خلق الرجل من المروءَة وبعد الهمة والتواضع والإخلاص والورع عن دنيات الأمور والحلْم والتغابي لا عن غباء والصمت لا عن عِيّ ما يسود بهِ في بيتهِ ثم عشيرته الأقربين ثم الذين يلونهم حتى يكون سيدًا مطاعًا في أمة أو أمم أو عقلًا محترمًا في جيل أو أجيال. وكانوا قديمًا يطلبون الأخلاق التي هي طريق السؤدد لأنها من المروءَة، وقد ألفوا قديمًا كتبًا كثيرة في ذلك.
стр. 683
واليوم تهتم أمم الأعاجم من أوربا وأميركا بالبحث عن أصول تكوين الشخصيهّ وكيف يتيسر للرجل من الناس أن يكوّن لنفسهِ شخصية وقد ألفوا في هذا كتبًا كثيرة خلتْ من مثلها العربية في هذا العصر. ولم أقف إلاَّ على كتابين بالعربية في موضوع الشخصية وثالثهم هذا الكتاب الذي ألفتهُ امرأة وترجمتهُ امرأة. وعلى صغر هذا الكتاب فإن لهُ فائدة كبيرة. وقد ترك في نفسي أثرًا قويًّا لا أقول لأنهُ جيد جدًّا ولكن لأنهُ أثار في نفسي الرغبة في الاستزادة من هذا البحث. ولولا ضيق المقام وأن أبواب نقد الكتب في مجلاتنا لا تحتمل الإطالة والتوسع لاتّسع لي مجال القول قى تفصيل الرأي في معنى الشخصية حديثًا ومعنى السؤدد قديمًا والفرق بين الطريقين وأيّ السبيلين أهدى وأقوم ولاستطعنا أن نبين الرأي في تأثير المدنية الأوربية الطاغية في العلوم والآداب والأخلاق. . . إلى آخر ما يقال في هذا الشأن.
ونقول في هذا الكتاب أن ترجمتُه لا بأس بعربيتها من آنسة، ونودُّ أن نرى لها آثارًا قوية خيرًا من هذا الأثر وبخاصة في مثل هذا الموضوع "الشخصية" الذي يرجع أكثره إلى المرأة فإنها هي مربية العالم من المهْدِ إلى اللحْدِ وهي المدرسة التي يتخرج عليها عظماءُ الرجال وقد قيل لأُم معاوية بن أبي سفيان حين رزقت بولدها معاوية "ليسودنَّ قومه" ققالت: "ثكلْتُهُ إن لم يسدْ إلَّا قومه" فما هدأت فتنة دم عثمان ﵁ حتى وضع معاوية يده سيدًا مطاعًا على أعظم أمة في ذلك العصر. . . وذلك بفضل أُمِّه وما أخذتهُ بهِ من أدب حتى ضرب بهِ المثل في المروءَة والحلم.
* * *
٦ - كتاب أمير الشعراء شوقي *
جمع وترتيب "محمد خورشيد" أستاذ الأدب العربي بمدرسة النجاح بنابلس مطبعة بيت المقدس
كان شوقي وقد (ملأ الدنيا وشَغَل الناس) كما قالوا في المتنبى، فلما ذُهب
стр. 684
بهِ وانطفأ السراج وأظلم البيت، امتلأت الدنيا بهِ مرة أخرى وقد خلت من شخصهِ وشغل الناس بذكره فاضطربوا وخاضوا بالقول فيهِ ونُشِر ما قيل فيهِ في جرائد العربية ومجلاتها في أنحاء العالم وصارت شتاتًا لا يجمعهُ الحصر قام كثير من الناس يجمع شتات ما قيل في شوقى، فأول ما وصل إلينا من ذلك هذا الكتاب وقد جَمَعَ فيهِ جامعه ما اختار ممّا نشِرَ عن شوقي ونسبَ ما اختارهُ إلى الجرائد والمجلات التي اختاره منها فكانت همة مشكورة لهُ وقدَّمهُ بمقدمة جيدة في شوقي وحياتهِ.
стр. 685
مقاليد الكتب
حاضر العالم الإسلامي
تأليف "لوثروب ستودارد الأميركي" ترجمة الأستاد "عجاج نويهض" وعليه حواشي أمير البيان شكيب أرسلان. مطبعة عيسى البابي الحلبي سنة ١٣٥٢
أوكس الأمم اليوم حظًّا في التعارف والتآلف، الأمة الإسلامية التي ألَّف الله بين قلوبها وألسنتها بالقرآن حين أنزله على رسوله وأيده ونصره، وجمع للمؤمنين من بعده أطراف الأرض تجبى إليهم ثمراتها وأرزاقها، وجعلهم أئمة يهدون إلى الحق وبه يحكمون. وأنت إذا نظرت إلى العالم الإسلامي اليوم ورجعت إلى تاريخ هذا العالم فيما تصرَّم من أيامه لوجدت تَخَلُّفًا عظيمًا بيننا وبين أولئك السلف الذين هداهم الله إلى أسباب السعادة فاستمسكوا بها واعتصموا بحبلها فجمعهم الله على قلب رجل واحد. فكان الرجل في أقصى الصين تمتد أخوّته إلى أخيه المسلم فيما تَطَوَّح عنه من بلاد المغرب الأقصى، فكان الصينيّ المسلم ينزل أي أمة من الأمم التي تدين بالإسلام فلا يجد الجنسية تفصل بينه وبين العربي أو المصري أو الشامى أو المغربي بل كانوا جميعًا إخوانًا في الله وكانت الدولة في أي أمة من أمم الإسلام تتلقى هؤلاء الناس وتقوم عليهم وتفسح لهم كما تفسح للذين تربوْا في ظلها ونشأوا في أرضها، فكان المسلم من أهل الشام يتولى في بلاد مثل المغرب التدريس والوزارة وكثيرًا من مرافق الدولة أو يقوم عليها. ولا يفرق بينه وبينهم هذه الفتنة السوداء التي ظهرت حديثًا -فتنة الجنسيات. وكانت أخبار كلّ أمة من الأمم الإسلامية معروفة عند جاراتها وغير جاراتها فيما تقاذف من الأرض، هذا مع بطء المواصلات في ذلك العصر، وقلة أسباب الاتصال والتعارف، إذا قيست بما في هذا العصر من بريد وطباعة وطائرات وبرقيات سلكية ولاسلكية وغير ذلك من أسباب الاتصال التي جعلت العالم كله كأنه أمة واحدة. أما اليوم فإن الكثير من شباب العالم الإسلامي لا يكاد يعرف عن أقرب جاراته إليه إلَّا نتفا من الأخبار لا تفي بفائدة، ولا يجتمع من مجموعها
стр. 686
ما يمكن أن يسمى علمًا أو معرفة، وليس ذلك من شيء إلّا هذه النزعات الفردية التي مزقت العالم الإسلامي، وهذه الجنسيات البغيضة التي قضت على الحياة السعيدة بين أمم الشرق الإسلامي. وإنك لترى كثيرًا من شباب الشرق يعرف أخبار فرنسا وانجلترا وألمانيا وأميركا وغيرها من بلاد لا يربطُه بها دم ولا لغة ولا دين، فإذا ذكرت الأمم التي تربطُه بها الدم وتجذبُه إليها اللغة ويميل بهِ إليها الدين والعقيدة وَقَف مِنْ ذكرها موقف الغريب الذي أخذته الدهشة وأذهلتهُ الحيرة. والسبب في هذا التدابر العجيب -بعد الاتصال والإخاء- هو ما أشرنا إليهِ من ظهور فتنة الجنسيات، ثم انصراف الشباب منا عن تتبع أخبار الأمم الشرقية عامة والإسلامية خاصة، ثم قلة عناية الصحف بأخبار هذه الأمم، ثم هذا الكسل الذي اعترى أهل الشرق فصرفهم عن التزاور والتعارف، هذا مع أن الرحلة هي أهم أسباب المحبة بين الناس وأحسن طرق المعرفة وأجل الأعمال خطرًا في بسط النفس والفكر والامتداد بهما إلى طلب السعادة والخير والمنفعة التي تعمُّ ولا تقف عند الحدود الضيقة التي نصبتها الشهوات المدنية.
* * *
ظهر كتاب "حاضر العالم الإسلامي" للمرة الأولى سنة ١٣٤٣ من الهجرة، وكان الشباب يغلى في دمى غليان المرجل، وكنت أحب أن أتسقط أخبار الأمم الإسلامية ما استطعت، وكنت أؤمل آمالًا كثيرة يُمِدُّها خيالى وتزينها أحلامى، وكان يقوم على تهذيب نفسي وتشذيب آمالى وأحلامى رجل أحب أن أعترف بفضله عليَّ، وهو الأستاذ "محب الدين الخطيب" الذي طبع كتاب "حاضر العالم الإسلامي" بمطبعتهِ للمرة الأولى. فكان هذا الأستاذ الجليل أول من هدانى إلى قراءة هذا الكتاب، وما عليهِ من تعليقات شيخ الكتَّاب الأمير شكيب أرسلان، واستفدت من تعليقاته عليهِ أكثر مما استفدت من كلّ كتاب قرأتُه إلى هذا اليوم، فلما ظهرت هذه المطبوعة الثانية ورجعت إلى قراءتِه مرة أخرى انفسح لي مجال الفكر فيهِ أكثر من ذي قبل وكأنى ما قرأت منه حرفًا قبل هذه المرة وذلك لأن الأمير شكيب استوفى أبوابه وحشد لها علمًا كثيرًا لا يقوم بهِ غيره، ولا غرو، فإن هذا الرجل قد سلخ من عمره خمسين عامًا أو تزيد في تتبع
стр. 687
الحركات السياسية والدينية والعلمية والأدبية والتجارية التي نشأت وترعرعت في العالم الإسلامي وبثَّ فيها قلمه روحًا عظيمة تركت آثارًا في كل بلد إسلامي. وهذا الكتاب الذي بين يدي هو -فيما أعتقد- أجل ما عمل الأمير وما ترك من أثر، ولا نزال في حاجة إلى قراءته وتدبره والرجوع إليه إذ هو الكتاب الوحيد في العربية الذي يجمع بين دفتيه أخبار العالم الإسلامي وما ألمَّ به وعمل السياسة في إرهاقه وتحطيمه وتمزيقه. وليس أحوج إلى قراءة هذا الكتاب من شباب العالم الإسلامي الذين انصرفوا عن دراسة شؤون الدول الإسلامية والشرقية، ولم توافهم الصحف بأخبار وافية صحيحة عن هذا العالم. وأنا في كلمتى هذه لا أميز بين مسلم ومسيحي، فإن الإسلام قد أظلَّ النصرانية واليهودية في الشرق بظله الرطب زمنًا طويلًا وكانوا جميعًا في أمنٍ وعزّة لا يلحقهم حيف ولا تمسهم الذلة وكان أمن الإسلام أمنهم وعزّه عزّهم، ولم يكن هناك استعمار يجعل الأقليات في بلاد الإسلام زناد بندقيته التي يرمي بها الجامعة العربية الإسلامية. إن التاريخ لا ينسى أن الجيوش الإسلامية التي قاتلت الصليبيين من أهل الغرب كانت تجمع تحت لوائها المقاتلة من النصارى واليهود وغيرهم، وأن التاريخ لا يستطيع أن يذكرنا بشكوى كانت لنصارى الشرق من المسلمين وأحكامهم، ألا وإنَّ موقف الأقلية المسيحية في سوريا لخير مثل مضروب لذلك العهد المضئ بالعدل والمساواة والحق.
ليس للعالم الإسلامي معلمة (دائرة معارف) يوثق بها في هذا العصر إلَّا هذا الكتاب. ولم نأخذ على هذه المطبوعة شيئًا من النقص إلَّا أشياء قليلة، فالمطبوعة الأولى من الكتاب كان التخالف فيها بين حروف الأصل المترجم وتعليقات الأمير بيّنًا. أما في هذه المطبوعة فالأصل والتعليقات كلها من حرف واحد. وأيضًا، كان في المطبوعة الأولى فهرس دقيق للأعلام والمواضيع خلت منهُ هذه المطبوعة. وكان صواب الرأي أن يكون الفهرس في هذه أوفى منه في الأولى وأوسع، على أن هذا لا يقلل من قدر هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه شرقي يريد أن يشعر يومًا بالعزة والكرامة والعلو في ظلال الحرية والاستقلال.
стр. 688
ذكرى الشاعرين
جمعها ورتبها "أحمد عبيد" صاحب المكتبة العربية بدمشق - مطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٥٢
كان في عصور الحكومة العربية التي أقامها الإسلام في الشرق وأظلَّ بها ما ترامى بين مشرق الشمس ومغربها من أمم ألَّف بين قلوبها وألسنتها وثقافتها وعلمها، قومٌ قد اتخذوا الورق والكتب تجارة درَّت عليهم رزقًا مباركًا، وسمى الناس هؤلاء القوم "الورَّاقين". فكانت دكاكين هؤلاءِ الورَّاقين مجامع تضمُّ صفوةً من العلماء والشعراء والمحدثين والفقهاء والنساخين والأدباء لا يزالون يردون عليها ويصدرون منها ما بين طرفي النهار في طلب الكتب أو بيعها أو نسخها. وكانت مجالس هؤلاءِ المثقفين في هذه الدكاكين لا تخلو من مناظرة أو مطارحةٍ أو جدلٍ، أو ذكر خبر، أو رواية حديث، أو إظهار حكمة. فنشأ من بين هؤلاءِ الورَّاقين رجال من أهل العلم ألّفوا وقعدوا للدرس وقالوا الجيد وبذُّوا كثيرًا من أهل العلوم التي فرّغوا قلوبهم لها مع تجارتهم. والأديب "أحمد عبيد" هو خلف من أولئك السلف الذين جمعوا إلى التجارة بالكتب علم ما في هذه الكتب، وله آثار جيدة وشعر طيب ولا يزال يطالعنا كل عام أو عامين بكتاب مما ألَّف أو جمع أو اختار.
وآخر كتبه "ذكرى الشاعرين" حافظ وشوقي، جمع فيه أكثر ما كتب الأدباءُ في مصر والشام والعراق والمغرب عن هذين الشاعرين قبل وفاتهما وبعدها. وجمع أكثر المراثي التي قيلت فيهما، وأضاف إلى بابي الكتاب مختارًا من شعر حافظ وشوقى أكثره لم ينشر. وفي هذا الكتاب ترى كيف اهتزَّ العالم العربي لموت هذين العلمين، وكيف أفاض الكتاب والشعراءُ في ذكر آثارهما ومناقبهما وكيف أنطقت الفجيعة كل صامت وأوهت كل بليغ. ولا يشك أحد في أنه لم يُكِنَّ الوفاءَ للشاعرين في جمع ما كتب عنهما وحسب، بل الوفاءُ في تتبع ما أحدثا في الشعر العربي من جديد، وأقاما من بنيان كان قد تهدَّم في عصور اللكنة والنبطية المريضة التي كانت لسان الشعراء في القرون الأربعة قبلهم، غير أن
стр. 689
هذا العالم العربيَّ قد ابتلى بالتقصير في تاريخ دولهِ وآدابهِ، وبالنكول عن الأغراض السامية التي كان آباؤُهم يتبادرون إليها تبادر الجياد الكريمة في حلبة السباق. ومع هذا فشكرنا للأخ "عبيد" -الذي جمع ما كتب عن هذين الفحلين العظيمين- لا يقدَّرُ إذا قيس بأسفنا لهذا الصمت الذي أعقب وفاتهما. وعمل الأخ "عبيد" قد جعلنا نشعر بأن الأمة العربية التي مزَّق الاستعمار أوصالها بدسيسة العصبيات من فرعونية وآشورية وبربرية وفينيقية قد بقي فيها ذلك الوفاءُ الذي امتازت بهِ على تطاول العصور، وأملنا أن يكون عمله هذا فاتحة لدراسة هذين الشاعرين دراسةً وافية يقوم بها من يجد في نفسه القدرة على تتبع بيانهما وسحرهما وفنهما وإظهار ما كان لهما من الفضل على البيان والفكر والفنّ.
ماضي الحجاز وحاضره
الجزء الأول: تأليف "حسين بن محمد نصيف" بجدة الحجاز مطبعة خضير
كان غيري أحقُّ بالكتابة عن هذا الكتاب، فإن للأخ "حسين" ووالده عندي نعمًا مشكورة ما بقيت. وأنَّ الصداقة التي بيني وبينه لتجعل بعض أخطائِهِ في نفسي بمنزلة من الصواب. وكان كتابهُ هذا تامًّا أيام أن كنت في الحجاز وقد عرضهُ عليَّ وحال بيني وبين تمام قراءَتِهِ أو التثبت عند النظر فيهِ حوائل جمَّة. وهذا الجزء من الكتاب وثيقة تاريخية عظيمة القدر في تاريخ الحجاز من ولاية الحسين بن على بن محمد بن عون الرفيق في شوال سنة ١٣٢٦ إلى دخول عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل السعود (ملك الحجاز ونجد) جدة في صباح الخميس ٨ جمادى الآخرة سنة ١٣٤٤، ويزيد قدر هذا الكتاب حين يصل إلى تاريخ المعركة التي كانت قائمة بين الأسدين العربيين، والتي انتهت بانهزام الحسين وخروجهِ من بلاده إلى حيث عاجلته منيته ﵀ وعفى عنهُ. ولولا هذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم لكان من الصعب على أحد من أهل البلاد العربية النائية أن يصل إلى أخبار صحيحة عن الحرب الحجازية الأخيرة، أو أن يصل بين تاريخ الحجاز قبل عهد الحسين وتاريخه بعد حكم ابن سعود. وقد اتّبع
стр. 690
صاحب الكتاب طريقة جمع الوثائق التاريخية كلها. إلَّا قليلًا مما لم تصل إليهِ اليد أو ما طوتهُ الضرورة. ولعل الطبعة الثانية لهذا الكتاب ستكون إن شاء الله أوفى وأتمّ وأوسعَ، فإن نقص القليل من وثائق التاريخ يلدُ خطأً كثيرًا في التاريخ، وبخاصة قى تاريخ الحجاز الذي لم نجد أحدًا من أهله دوّن عن عصوره القريبة شيئًا يعتمد عليهِ أو يرجع إليهِ مع أنهُ مناط آمال كثير من دعاة الجامعة العربية، وموئل من موائل الحرية، ومشعر من مشاعر الله التي تضم أشتات الأمم وأخياف الناس فتؤلف بين أبدانهم كما ألَّف الله بين قلوبهم بالإيمان.
ونحن نقدّر جمع الوثائق التاريخية تقديرًا أكبر من غيره مما يكتب في التاريخ، وذلك لأن تصرُّف المعاصرين لعهد من العهود يوجّه التاريخ إلى وجوه ملتوية إذ يكون العامل المؤثر فيها هو الهوى والعصبية والميل إلى فئة من الفئات، وهذا عمل غير صالح يضع الخلف قى مضطرب واسع لا يستطيعون فيه تحقيق التاريخ على وجه الصواب. ولذلك كان التاريخ العربي القديم على كثرة الرواية فيه واضطرابها أحفل التواريخ بالمادة التي تهدى إلى الحقيقة في تاريخ عصر من عصوره. وليس يعتمد التاريخ على فصاحة المؤرخ وبلاغتهِ وحسن أدائهِ، بل العمدة فيه المادة التي يحشدها المؤرخ في بيانِه عن عصر يؤرخُه، ثم قدرة هذا المؤرخ على حسن الأداء، ودقة الوضع التي يؤلف بها بين الروايات بعد تصحيح ما صحّ منها وتزييف ما زُيف. و"ماضي الحجاز وحاضره" سيكون مادة عظيمة للمؤرخ الذي ينزع الهمة يومًا ما لتاريخ الجزيرة العربية في عصر النزاع بين الحسين وابن سعود، ذلك العصر الذي كان فاصلًا بين شكلين من الحياة والفكر، لا يزال الناس في شكٍّ من ترجيح أحدهما على الآخر.
الوحي المحمدي
تأليف الأستاذ الجليل السيد محمد رشيد صاحب المنار - مطبعة المنار سنة ١٣٥٢
من أجلّ النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة العقل، وأجل ما ينعم بهِ على هذا العقل بساطة التفكير والرجوع فيه إلى الحرية والإنصاف والاعتدال
стр. 691
والسماحة، وأسوأ ما يعترى هذا العقل من الأدواءِ التي تزيد في شقاء الإنسان، هذا التعقيد الذي يسمونهُ فلسفةً تدليسًا على العقل نفسه. والحقيقة التي يجب على كل إنسان أن يعتقدها في نفسه وقلبه أن التفكير البسيط الواضح الهادئ الجرئ المتثبّت هو أعلى درجات الفلسفة وأشرف منازل الحكمة. وكانت حكمة الأولين وفلسفتهم تعتمد في مجموعها على هذه البساطة، وذلك لصفاء القلوب وتفرُّغها لطب الحقيقة من ناحية، ثم قلة العلوم وانضمامها من ناحية أخرى. فلما اتسع العالم في الحضارة ونهض العلم واستبحر حتى وصل إلى الحالة التي نراها اليوم، اتسعت الشهوات وغلبت على القلوب وشغلتها عن طلب الحقيقة والتفرُّغ لها والتوت بها في مسالك الضلال والغيّ، وصعب على عامة الناس الإحاطة بالعلوم كلها. ثم لما ظهرت أشباه المعجزات في العلم الحديث استكبر الإنسان وأخطأ الرأي في نسبة هذه العجائب إلى قدرة العقل وحده دون توفيق الله ومشيئته، فزاغ كثير من الناس وضلوا واستفتحوا أبوابًا عن الزندقة والجحود والشبهات قلَّ أن يجدى في أغلاقها جدال أو خصومة.
وإذا نظرت إلى الأرض وجدت الاضطراب والتقلقل والحيرة مقرونة بالتهتك والفجور والبغي ووجدت سيلًا من الفتن يزأر ويخور في كل مكان، ووجدت الناس من ههنا وههنا يجرون ويدبّون ويتلفّتون كأن ليس منهم إلَّا لصٌّ أو مسلوب أو مجنون. ونعوذ بالله، فإنَّ هذا بلاءٌ عظيم لا يدرى معهُ كيف المخرج ولا أين المفرُّ. ألا وإن الأيدي موضوعة على مفاتيح العلوم، وكلما أدير مفتاح في بابهِ ثم فتح الباب وبدت العجائب لعيون الناس جدَّدت هذه العجائب فينا رغبات وشهوات تمنع القلوب من الاطمئنان والاستقرار. وكيف يطمئنُّ امرؤٌ لا يزال قلبهُ معلقًا في مدرجة الرياح الهوج ولا يزال تتناوحهُ تلك الرياح بالقوة الطاغية التي تعصف بالعالم فما تفتأ تدوى القنابل والرصاص والرعود والبروق في كل زاوية من هذه الأرض التي يقولون عنها متمدنة حرة. إن العالم ليغلي بشروره وحسناتِه على كثرة الشرور وقلة الحسنات، أفينكر هذا حيٌّ على ظهر الأرض في أيامنا هذه؟ أينكر أحد أننا على حافة ميدان قد حشدت له الأمم والعقول من كل مكان؟
стр. 692
أو ينكر أحد أن هذا الميدان لا يحدَّ بحدود سياسية أو حربية؟ ألا وإن القتال قد وقع في كل مكان حتى البيوت التي هي موضع الأمن في عرف الإنسانية، أو ينكر أحد أن العلم الحديث على جلالة قدره وعظم ما آتى من النعم لم يستطع أن يؤتى قلبًا واحدًا نعمة الراحة والاطمئنان؟
أخذت الأرض زخرفها وازَّينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فلم يبق بعد الآن إلاَّ أن يعرف الإنسان أنهُ -مع قدرته على الأرض وتصريف قواها واستخراج كنوزها- غير قادر على أن يستجلب لقلبهِ ساعة من الأمن يرضى فيها عن نفسه وترضى نفسُه عنهُ. ألا وإن أهل الأرض جميعًا في هذه الحيرة لينظرون إلى الغيب نظرة اليائس الذي كان لهُ أمل ثم قطع به، ولماذا قطع بهذا الأمل؟ ذلك لأن الناس حكّموا في قلوبهم كل شهوة من شهوات المال والنساء والغلبة والفوز ولم يضبطوها بشيءٍ من ضوابط الحياة، فأصبحت الحياة كلها عدوان وتقاتل وتنابذ وشهوة. وليس للحق وحدوده بين الناس قدر تقف كل هذه الشهوات دونه، ثم ها نحن نفقد الإمام الذي يقود العالم إلى الخير والسعادة والراحة، ولا يستطاع أن يكون في كل عصر إمام يقود الناس، فكان العقل أن يكون كل امرئ على نفسه إمامًا يهديها إلى الخيرات، وليس يوجد هذا في امرئٍ إلا أن يكون عنده كتاب يهديهِ، يستجيب لأمره، ويقف مع نواهيه، ويمشي مع أوامره، ويكون هذا الكتاب هو الحق المبين الذي ميّز للإنسانية خيرها وشرها وصرَّفها على قدر من الحكمة والصواب يؤول بها إلى المحبة والرضا والحرية والسعادة والاطمئنان.
وهنا يختلف الناس بين الكتاب الوضعى الذي لا يعرف أول الرأي فيه من آخره، وذلك هو كتاب العقول الإنسانية بفلسفتها وحكمتها وضعفها واختلافها، وبين الكتاب الذي يقول عنه من يؤمن به أنه وَحْى من رب العالمين يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. وليس يقع هذا الخلاف إلا من غموض أمر هذا الوحي إلى بشر من الناس تلقى إليه من ربه كلمات يبلغها للناس حتى يكونوا مؤمنين. ولا يفضُّ هذا الخلاف بين الناس إلَّا أن يستقرَّ في القلوب صدق الوحي وصدق وقوعه لمن اختير من بين البشر ليكون نبيًّا أو رسولًا يهدى
стр. 693
إلى الحق ويدعو إلى صراط مستقيم، ولمثل هذا قام الأستاذ الجليل الشيخ محمد رشيد رضا فأخرج للناس كتابه هذا الذي بين أيدينا عن الوحي، وعن الوحي الذي نزل على "محمد" رسول الله ﷺ خاصة ليثبت أن الوحي صدق لا يُشَكُّ فيه وأن القرآن حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأحبُّ أن ألقى القَلَم من يدي لأن الاسترسال في نقد هذا الكتاب وإظهار حسناته وتعقب بعض كلماته التي سبق بها قلم المؤلف تغري بالإفاضة حتى يبلغ ما نكتب عنهُ مثل الكتاب الذي أمامنا، وأنه لَمِنَ الخير لكل من يطلب الحقيقة أن يدرس الوحي في هذا الكتاب فلعله يجد الحق فيقنع به ويتعلق بآياتِهِ.
стр. 694
مقاليد الكتب
١ - ملوك المسلمين المعاصرون ودولهم
تأليف أمين محمد سعيد
مطبعة عيسى البابي الحلبى وشركاه بالقاهرة سنة ١٣٥٢
"ملوك المسلمين". . . .! ! لا أكاد أسمع هذه الكلمة حتى تتطوح بي الذكر إلى الأيام السوالف من عصور المجد والقوة والحضارة والعلم والأدب، وانتقل بين درجات التاريخ حتى أصل إلى عهد السعادة والرحمة والأخوة والعدل بين الناس، يوم كان المسلمون أمة واحدة تسير بها كلمة الحق في كل وجه -ظافرة ظاهرة- إلى سبيل الهدى والرشاد، ثم أرتد على عقبى إلى ما آله إليه الأمر من فرقة في الجماعة وانقسام في الرأي واختلاف في الحق حتى وضعت فينا وحوش الاستعمار أنيابها ومخالبها ممزقة ما بقي من جسم قد أكلته العلة وذهب بهِ الداء ونخر في عظمه السوس، حتى لم يبق من أعضاء هذا الجسم ما يقول هاأنذا سليم فانظرونى. . . دع هذا، وعد إلى ما نحن فيه.
يغطى المسلمون الآن رقعة رحبةً من الأرض بعيدة الأطراف مقسمة في أمم كثيرة ولكل شعب مسلم من هذه الأمم ملكٌ أو إمام أو سلطان أو والٍ تعود إليه أمورها، ومما يؤسف له أن أكثر هذه الشعوب يجهل بعضها بعضًا على أن الأصل الذي وضع عليه دينها هو التعارف والمودة والأخوة والنصرة والتعاون، أجل، إن بين ملوك هذه الشعوب وولاتها من المعاهدات والصلات ما تثبته الوثائق إلَّا أن هذا لا ينفي أن جهل هذه الشعوب بأحوال جاراتها كائن لا سبيل إلى المراء فيه، فمن من شباب هذه الأمم يلم بأخبار ما ترامى من بلاد الإسلام أو ما دنا ويتبع ما يقع فيها من الأحداث العظيمة ويكون على بينة من أمرها حافظًا لأخبارها متصلًا بثقافتها في أدبها وعلمها شاعرًا بشعورها في آلامها وأحزانها. إن الحوادث تثبت لنا كل يوم أن الأمم الإسلامية متدابرة متقاطعة إلَّا قليلًا منهم. فمن
стр. 695
الإحسان إلى أنفسنا وأوطاننا وتاريخنا ومجدنا أن يقوم بعض أهل الخبرة والمعرفة بتقريب ما تباعد بين هذه الأمم بنشر الكتب التي تضع أمام قارئها صورة من هذه الأمم جميعها ليلم قارئو كل أمة بما عليه أحوالها وما هي فيه. وبالأمس القريب ظهر كتاب "حاضر العالم الإسلامي" (١) للأمير شكيب أرسلان، فقام بفرض من أعظم الفروض، واليوم يظهر هذا الكتاب فيتمم كتاب الأمير في ناحية من نواحيه. ونحن نشكر للمؤلف ما تفضل بهِ على قراء الأمم الإسلامية، وما بذل من جهد في الترجمة لملوك هذه الأمم في هذا العصر وما عانى في جمع المعاهدات والوثائق التي تربط بعضها ببعض والتي تربطها بملوك الأعاجم من دول أوربا وغيرها. وقد سلك المؤلف مسلكًا حسنًا في ترجمة هؤلاء الملوك فهو يقدم لكل أمة بلمحة موجزة في موقعها الجغرافي وحكمها السياسي وتعداد سكانها على اختلاف أجناسهم ومللهم ثم يبدأ في ترجمة الملك من الملوك أو الأمير من الأمراء فيذكر مولده ونشأته وعهده وتاريخ السياسة فيه ونظام حكمه وما عقد من المعاهدات ذاكرًا نصوصها، وكان في عمله هذا سابقًا مشكورًا.
هذا، ولا مندوحة لي من أن أنظر في الكتاب نظرة العربي الذي لا يحب أن يخدع نفسه وقومه، ألا وإن خداع النفس من أباطيل الحياة وأدوائها التي تنهك البدن وتذهب بالشباب والقوة والحذر. قسم المؤلف كتابه إلى قسمين أولهما "الدول الإسلامية المستقلة" وذكر مصر والعراق وبلاد العرب واليمن وتركيا وإيران وأفغانستان، والثاني: "الدول الإسلامية المحمية" وذكر سوريا وشرق الأردن وحيدر آباد وأسبانيا والمغرب الأقصى وتونس ولحج وحضرموت ومسقط والكويت والبحرين. وأنا لا أدري لماذا يخدع المرءُ نفسهُ فيعمد إلى بلاد يأكل الاستعمار مالها وأبناءَها ويقتل أنفسها ويريق دماءها ويفتك فيها بما ملكت يداه من أساليب السياسة فيعدها في جريدة البلاد المستقلة وهي لا تبلغ أن تكون دولة قد رفعت على منازلها أعلام "الحماية" إن البلاد التي وقعت فريسة للحماية
стр. 696
تشعر دائمًا أنها فريسة فتسعى إلى الخلاص جهدها وتوجه كل قوة فيها إلى ذلك فإذا خشى الاستعمار تمام يقظتها واستفحال قوتها خدعها عن نفسها بالاستقلال المقيد بقيود ثقيلة من الذهب فيشغلها بقيودها الذهبية عن آمالها وأمانيها. ثم نأتى نحن فنخدع أنفسنا بأن نعدها مستقلة. . . اللهم إن هذه الأمم مخدوعة من ناحيتين من ناحية العدوّ ومن ناحية أنفسها. أو كان المؤلف يعدم حيلة للخلاص من هذا؟ أكان يضيرهُ شيئًا أن يترك الكتاب على نظامه هذا غير مقسم ذاكرًا تلك الحقيقة بأي أسلوب شاءَ، وإن كنا نؤثر التصريح، ولا نرى غيره رأيًا.
стр. 697
٢ - ابن عبد ربه وعقده
تأليف: جبرائيل سليمان جبور
أحد مدرسي الأدب العربي بجامعة بيروت الأميريكية المطبعة الكاثوليكية ببيروت سنة ١٩٣٣
كان شيخنا سيد بن على المرصفي ﵀ يستجيد كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه ويعده في أجل كتب الأدب العربي، ولا أدري كيف مضى بي الزمن ولم أسأله عن هذا الكتاب سؤال الطالب الذي يريد أن يوقفه شيخه على عيون الكتب، ويدله على أسرارها، إلّا أني سمعته مرة -وقد ذكر هذا الكتاب- يشكو من كثرة الخطأ والتحريف والخلط الذي وقع فيه من النساخ. ورحلت عن مصر إلى الحجاز في أول سنة ١٣٤٧ وعقدت النية على قراءَة هذا الكتاب لتصحيحه وضبطهِ ولم أوفَّق إلَّا لقراءته للمرة الثانية دون أن أصححه أو أضبطه ولكننى كنت أجد المشقة في قراءته لكثرة الخطأ الواقع في نصوصه، وأظن أن كل من قرأ هذا الكتاب وجد منه مثل الذي وجدت.
فلما ظهر هذا الكتاب "ابن عبد ربه وعقده" عدت إلى قراءة ما تيسر منهُ لأكون على بينة مما يكتب المؤلف فوجدت فيهِ كثيرًا من الخطأ مما فاتنى في القراءة السابقة فتمنيت كما تمنى الأستاذ في كتابه هذا أن تقوم جماعة من الأدباء بجمع أصول هذا الكتاب ومقابلة بعضها ببعض لتصحيح العقد الذي يوضع بين أيدى الأدباء بعد طبعه طبعًا متقنًا جيّد التصحيح.
وابن عبد ربه لم يعرف إلَّا بعقده هذا حتى أصبح هذا الكتاب مما لا يستغنى عنهُ أديب عربيٌّ لإيجازه وحسن ترتيبه وجمال اختياره، ومع هذا فإنك لا تجد لابن عبد ربه ترجمة في كتاب من الكتب التي بين أيدينا قد استوفت حياة هذا الرجل حتى ابتدر الأستاذ "جبور" وأخذ يجمع تراجم ابن عبد ربه من كتب التراجم ما طبع منها وما لم يطبع، وطفق يتسقط أخباره في سطور من الكتب
стр. 698
حتى اجتمعت لديه مادة عظيمة، ثم أرسل فيها رسلًا من ذكائه حتى ضمَّ أشتاتها وألّف بينها على أسلوب جيد في ترجمة أمثال ابن عبد ربه فقسّم كتابه إلى خمسة أقسام:
الأول: في المصادر التي أخذ منها، والثاني: في ترجمه حياته، والثالث: وهو أكبرها: في الكلام عن العقد، والرابع: في نثره، والخامس: في شعره. ويدور هذا الكتاب على التعريف بالعقْدِ أكثر مما يدور على ترجمة ابن عبد ربه فقد نقل فيه طائفة من العقد في أكثر أبوابه مما يعرف القاريء به ويصوره له. وقد بثّ في خلالها آراءً جيدةً، وأخرى مما يعترى كلّ مؤلف من التطوح أو الخطإ، وكان العهد بيني وبين رئيس التحرير أنْ استوفي هذا الكتاب نقدًا وتمحيصًا إلَّا أنى رأيت بعد ذلك أن أنقض هذا العهد لما فيهِ عن المشقة وما يستنفد من الجهد وما يتطاول بالكتابة. هذا ولأنّ الكتاب في مجموعه جيد متقن، ولعل مؤلفهُ سوف يستدرك فيهِ بعدُ ما فاته الآن فقد قال في مقدمته أنهُ لم يستقص "البحث في درس ابن عبد ربه كما يريد أو كما يجب أن يكون" وقال "وكل ما في درسي هذا أنهُ محاولة، أن لم أكن قد وفقت في كل نتائجها، فإني أرجو أن أكون قد وفقت في الطريق أو المنهج الذي سلكته فيها". وليس ما وقع فيهِ الأستاذ مما يشق على مثله أن يتداركه إذا تبين لهُ وجه الصواب وأهم ما يلزمنا أن ننبه إليه هو حشده الشواهد التي لا خطر لها فيما يستشهد لهُ مثال ذلك أنهُ حين تكلم عن تشيع ابن عبد ربه لآل البيت رضوان الله عليهم قال ص ٦١
ولم تكن هذه النزعة (يعني التشيع) عند ابن عبد ربه من القوة أو الشدة بحيث تظهر لأول وهلة في عقده، إذ قد تقرأ الفصول الطوال من العقد دون أن تشعر بها -إلى أن قال- غير أنا إذا قرأنا العقد وأنعمنا النظر في هذه المواقف التي يذكر فيها عليًّا وأولاده وآله نرى أثر هذه النزعة عنده -وندر أن يذكر عليًّا دون أن يلحق الاسم "يرضى الله عنهُ". وهذا استدلال ضعيف، فما من مسلم يذكر عليًّا أو غير عليٍّ من صحابة الرسول ﷺ إلّا قال "﵁" إلا طائفة قليلة ممن خرجوا على إجماع الأمة الإسلامية في تقديم الصحابة وخاصة النفر الأربعة
стр. 699
من ولاة الحق وهم الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم. وبما أن ابن عبد ربه ليس من هذه الطائفة فلا وجه للاستدلال على تشيعه بهذه الحجة الواهية. ونرجو أن يرجع الأستاذ إلى حُجَجه التي أوردها في هذا الباب فإن أكثرها مما لا يصحُّ أن يتخذه مثله حجة على تشيع ابن عبد ربه. والحق في الفصل الذي عقده لتشيع ابن عبد ربه وسماه في آخره "التشيع الحسن" أن ابن عبد ربه كان كسائر المسلمين الذين يحبون رسولهم ﷺ ومن تبع سبيل الحق من أهل بيته ويوقرون الخلفاء الأربعة الراشدين ويبجلونهم ويحبونهم ويترضون عنهم.
بقي بعد هذا أن نسأل الأستاذ ألا يحمل في نفسه علينا إذا قلنا -مع تقديرنا لكتابه هذا- إنه تعجل فلم يعن باختيار الألفاظ والتركيب الفصيح العبارة، ولا نحب أن نوقفه على شيءٍ منها فما نظن أن صواب الرأي فيها بعيد عنه "ومن زينة الحسناء لباسها".
стр. 700
٣ - رحلة إلى بلاد المجد المفقود
تأليف مصطفى فروخ والصور بريشته مطبعة الكشاف ببيروت سنة ١٣٥٢
الأندلس. . . كلمة واحدة توقظ في دم كل عربي تاريخًا من المجد والجمال والعلم والأدب وتوقد فيه نيرانًا من الألم والغيظ والغضب والحسرة، كلمة واحدة تراها ضاحكة في التاريخ، كلمة واحدة تراها حاملة راية النصر والدماء تسيل على جوانبها وتحت أقدامها، كلمة واحدة تحمل أسباب الحياة إلى العالم فتحمل فيه ألوانًا من العذاب والظلم والفتك والاعتداء، كلمة واحدة مرَّت على التاريخ كما يمرّ الحلم اللذيذ الفرح المحفوف بالجمال والشباب وروائع الخيال ثم توقظ التاريخ من حلمه تلك الجلافة البربرية الضارية التي أتت بها دواوين التحقيق في أبشع الصور وأقبح المطالع وأفظع الوجوه. . . لك الله أيتها الأرض العزيزة التي ضمت درر التاج العربي ونفائس الإرث الإسلامي وروائع الجمال الإنساني، لك الله يا أرض الأمجاد من بنى مروان.
هكذا تدول الدول ويتحطم المجد ويخبو الشعاع لتقوم في كل قلب دولة من الذكرى ويُبنى في كل فؤاد بنيان من الحسرة وتشتعل في كل مهجة نار من الألم، ويرحل الراحلون ليقفوا على بقايا الأطلال ودارسات الرسوم ليبعثوا في القلوب الذكرى ويجددوا في الأفئدة بنيان الحسرة ويورثوا المهج نيران الألم.
أجلت قراءة "الرحلة إلى بلاد المجد المفقود" ظنًّا مني بأنها كالكتب التي تصدر عن الرحلات في ضعفها وفتورها وجمودها وقلة روائها وذهاب مائها، فلما قرأتها عدت على نفسي بالملامة أن لم أكن بادرت إلى قراءتها من أول يوم، فقد اجتمع للأستاذ "فروخ" في هذا الكتاب من دقة الوصف وبراعة البكاء على أطلال المجد العربي وصحة النظر الاجتماعي والإحاطة بكثير من تاريخ البلاد التي رحل إليها -الأندلس- ولطافة الملاحظة، ما عدمته كثير من الرحلات التي قرأناها
стр. 701
وكانت أشبه بجريدة الإحصاء أو سجلّ الوفيات والمواليد. ولولا ما يشوب بعض جملها من ضعف التركيب لكانت من أغلى الدرر في كتب الرحلات التي يراد بها إيقاظ الإحساس النبيل في نفوس أصحاب المجد الغابر وإرهاف الشعور السامي في قلوب طُلّاب المجد ومجدّدي حضارة العرب من أبناء هذه الأمة العربية.
بقى أن نلوم الأستاذ "فروخ" على استهانته بتأريخ ما يذكره من الحوادث بالتاريخ العربي الهجرى ذلك لأننا إذا تابعنا أصحاب الفتنة على ما يفتنوننا به من زخرف القول في الاقتصار على التاريخ الميلادى في تاريخنا لاختلط على شبابنا التاريخ، وما ظنك بألف وثلاثمائة سنة كتبت كل كتب التاريخ العربي فيها بالتاريخ الهجرى، أيسهل أن نقلب التاريخ الهجرى في الكتب العربية إلى تاريخ ميلادى؟ على شبابنا أن يعود سمعه وبصره وذاكرته على التاريخ العربي ولا يضعه بمنزلة أدنى مما تنزل الذكر الجميلة من قلبه، وعلى شبابنا أن يحترم رمزًا للمجد العربي يكاد يكون هو الباقى في حياتنا من الحياة العربية. هذا ولو أن الأستاذ فروخ اتخذ تاريخه التاريخ الميلادى لكان ذلك هيّنًا، ولكنه خلط في الكلمة الواحدة بين التاريخ الميلادى والتاريخ الهجريّ وفي ذلك من وضع العثرات في طريق القارئ ما فيه. أما ما في الكتاب من الخطأ التاريخى الذي تنبه له بعض الكُتَّاب فذلك ما نرجو الأستاذ أن يبرّئ كتابه منه في الطبعات التالية.
ثم لعلَّ الأستاذ "فروخ" سيواصل رحلاته إلى أطلال المجد العربي ويخرج لنا الدرر التي طغى عليها تراب النسيان، وستر جمالها كيد الكائدين وعنتُ المعنتين فالأمم العربية الآن تحتاج إلى من يذكّرها بمجد أسلافها وعزّ آبائها وحضارة أجدادها لتجد في نفسها مضض الحسرة وفي الحسرة الألم وفي الألم الشعور وفي الشعور الحياة والطموح والشوق إلى الفوز والغلبة.
стр. 702
٤ - تنبيهات اليازجي على محيط البستاني جمعها وحل رموزها
" الدكتور سليم شمعون" و"جبران النحاس" مطبعة صلاح الدين باسكندرية سنة ١٩٣٣
كان الشيخ إبراهيم اليازجي علمًا من أعلام الأدب العربي، ولا تزال آثاره وكتبه من أدق الكتب وأحسنها ترتيبًا وتحقيقًا، ويظهر من كثير من كتبه أنهُ كان من أكابر أذكياء عصره وبلغائهم ومحققيهم في اللغة والأدب حتى أصبح في مقدمة الذين أحيوا الأدب العربي وجددوا روائعه وأمدوه بأسباب النهضة والحياة. وقد كان جيد الاستدراك على أخطاء معاصريه حتى عدّ من ثقات نقّاد اللغة. إلا أن أكثر ما استدركه على كتب اللغة التي ألفت في العصر الأخير لم يظهر منها إلا القليل، ولعل ذلك يرجع إلى أنهُ لم يقيده بالكتابة كما بين الأستاذ "جبران نحاس" في مقدمة هذا الكتاب قال "ولكنهُ كان أثناء مطالعته إذا استوقف نظره لفظٌ أشار إليهِ بنقطة على الهامش وهو في الغالب يرسم خطًّا تحت ذلك اللفظ، وربما عنّ له شيءٌ مما فات المصنف (يعني البستانى صاحب محيط المحيط) فاستدركه، ولكنهُ لم يتكلف مثل هذا الاستدراك إلَّا في ما ندر".
وكنا نودّ أن نقول رأينا في "محيط المحيط" الذي جمعت تنبيهات اليازجيّ عليهِ في هذا الكتاب، إلا أن هذا المجال يضيق عما نتكلف له، وفي تنبيهات اليازجي كفاية للمطلع والمراجع. عمد الأستاذ جبران النحاس والدكتور شمعون في كتابهما إلى الإشارات التي وضعها اليازجى على نسخة من "محيط المحيط" فحاولا أن يتبصَّرا موضع النقد أو الاستدراك الذي أراده اليازجي وقد وُفقا إلى كثير من الصواب لولا الإطالة فيما لا تجدى الإطالة فيهِ وتشتت البحث في بعض المواضع، ولعلهما سيستدركان ذلك في بقية الأجزاء التي ستصدر تتمة لهذا الجزء -وقد استوفيا فيهِ حرف الألف وحسب. ونرجو أن يصحبهما التوفيق في عمل يجدان في كل خطوة منهُ عقبات يزلُّ لها الجلدُ القوي.
стр. 703
مقاليد الكتب
١ - أنتم الشعراء
تأليف أمين الريحانى -مكتبة الكشاف ومطبعتها- ببيروت سنة ١٩٣٣
يقول الشاعر المجيد بشارة الخورى:
الهوَى والشبابُ والأملُ المنـ ... ـشود توحي فتبعث الشّعْرَ حيَّا
والهوَى والشبابُ والأملُ المنـ ... ـشودُ ضاعتْ جميعُها من يديَّا
يشرَبُ الكأس ذُو الحجا ويبقَى ... لِغَدٍ في قَرارة الكأسِ شيَّا
لم يَكُنْ لي غدٌ فأفرغتُ كأسى ... ثَم حطَّمْتها على شَفَتيَّا
أيها الخافقُ المعذَّبُ يا قلْـ ... ـبى نزحتَ الدُّموعَ من مقلَتيَّا
أفحتمٌ عليَّ إرسال دَمعى ... كلما لاح بارقٌ في مُحيَّا
يا حبيبى لأجْل عينيك ما ألْـ ... ـقى وما أوَّلَ الوشاةُ عليَّا
أأنا العاشق الوحيدُ لتُلقَى ... تبعاتُ الهوَى على كَتفيَّا
فتكون هذه الأبيات الرقيقة سببًا في إثارة الريحانى على الشعراءِ المعاصرين الذين يحبسون شعرهم على البكاءِ والنحيب والحسرة والألم وإظهار الضعف عن تحمل الهوى. ويكثر الجدلُ بين الأدباءِ عن هذا الشعر الباكى الضعيف ويتقسمون الرأي بين راض ومستنكر. ويسخر الريحانىّ في كتابه هذا من الشعر الذي يحبسهُ أهله على الضعف والتخنث والبكاء والتقليد ويهيب بالشعراء إلى القوة والفتوة والرجولة والتجديد.
ونحن من قبلنا لا نحبُّ أن نجادل فيما لا يلدُ الجدل فيه إلَّا العناد والكبرياءَ والتعصب للرأي أو للهوى ولا نبالي أن يقول الناس أصبنا أو أخطأنا إلا أن يكون ميزان الصواب والخطأ العدل والحق والإخلاص والقسط الذي لا يرجح بالناقص ولا يَشيل (١) بالوافي.
стр. 704
الشعراء الخُلَّص الذين لا يطلبون بشعرهم شهرة ولا صيتًا ولا دعوى مستطيلة هم ناسٌ من البشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم إلَّا أنهم من الأمم بمنزلة مقياس الحرارة (الترمومتر) الذي يؤثر فيهِ تقلُّب الجوّ تأثيرًا ظاهرًا بيّنًا يثبته العدد فلا موضع فيه للجدل إلَّا أن يكون هذا المقياس في ذاتِه مختلًّا فاسدًا لا يدلّ على حقيقة الجوّ الذي يحيط به وبذلك يصبح مقياسًا لنفسه لا للناس. والحقيقة لا تعرَف إلَّا من المقياس الصحيح الذي لا خللَ فيه فالناس جميعًا مفتقرون إليه، أما المقياس الفاسد فلا يرجى له خير إلَّا أن يحطَّم أو يهمل وما بأحدٍ إليه حاجة. وهذا مثل الشعراءِ في كل أمة من الأمم.
ونحن من قبلنا أيضًا لا نستنكر على شاعر أن يرقّ حتى يضعف ويبكى ويئن ويتوجع من آلام الهوى وتباريح الصبابة ما كان ذلك الشاعر صادقًا لا يتباكى، محبًّا لا يتصنع لأن الشاعر -كما سلف- رجل من الناس ربما كان له من أسباب الهوى ما يدنفه ويبكيه، وهذه الأسباب تكون له جوًّا يحيط بهِ خاصةً فهو يتأثر به على كل حال. إلَّا أن هذا الشاعر نفسه رجل من أُمَّة يكون لها من أسباب القوة والسيطرة والعزة ما يكون لها، أو رجل من أمة بها من الضعف والفتور والذلّ والاستعباد والمهانة ما تضرب به الضربات الشداد بمعاول الظلم والجَبرية والعدوان والشر الاستعمارى القبيح الدنئ. فلابدَّ للشاعر من هذه الأمة أن يكون لسان الأمة الذي يتكلم بأوجاعها وآلامها وأن يكون من جهة أخرى قائدًا من القوَّاد يقف في قلب الجموع المسكينة خطيبًا تنفذ كلماته إلى القلوب لتحركها وتنعشها وترمى فيها بالحياة والشباب والنشاط وبذل النفس وغلبة الرأي على الشهواتِ والأهواء. وأن لا يكل ساعة عن الجهاد والدعوة إلى الطريق السوىّ. فإذا خلا الشاعر قليلًا قليلًا إلى نفسه وغلبتهُ الحياة الفردية والأهواءُ الخاصة فليقل ما شاءَ بمقدار لا يُلين منهُ ولا يضعف من قوى جنده، وليستجم لنفسه بما يجعله أقدر على الجهاد حين يعود إلى الميدان بين المتألمين والمحطَّمين والباكين مما يصيبهم من وحوش الاستعمار والعدوان التي توسعهم نهشًا وتمزيقًا وافتراسًا.
هذه سبيل الشعر لأمتنا العربية في أمرنا هذا من أيامنا هذه. أما أن يأخذ أحدنا
стр. 705
شعر الشاعر العربي فلا يجد فيه إلَّا الضعف والتخنث والبكاء والذلة والضراعة والحبَّ المريض فذلك أمر لا تقبله النفوس العزيزة التي تستشعر العزة والنخوة والمروءة، وأما الفتنة التي فتن بها الناس من قولهم الشعر العالمي والشعر الإنساني والشعر. . . اللهم إني أعوذ بك من سوء المنقلب. . . فهذا الكلام لا معنى لهُ في حياة الأمم الضعيفة المظلومة التي لا قائد لها ولا إمام .. أيغنّى العصفور الضعيف للثعبان الفاتك ليسحره بألحانه وتغريده. ألا إن لحم العصفور أشهي إلى الثعبان من لحنهِ. . . وما في ذلك إلا سوءُ التقدير وأفن الرأي (١) وقلة الحيلة.
إن الأرض العربية تطالب شعراءَها وأدباءها وكتَّابها وأصحاب الرأي فيها أن يتخذوا ألفاظهم في شعرهم وأدبهم وكتابتهم وآرائهم من النار والحديد والبراكين والدوىّ والرُّعود المجلجلة فعسى أن يهبَّ هؤلاء النوَّام من سباتهم وأن يرجعوا عن غفلتهم ويعلموا أن الأمر جدٌّ وأن الحياة صراعٌ وأن عدة هذا الصراع هو الإيمان والصبر وبذل النفس وكبح الشهوات واطِّراح الجبن والخور. فإذا خرجنا من الميدان بالنصر والظفر فلنطلب نفع الإنسانية في كل بقعة من بقاع الأرض ولنمحُ آثار المظالم والعدوان والفجور والبغى ولنغن ما وسعتنا الألحان وما واتتنا الأغاريد.
وسنعود قريبًا إلى التوسع في هذا القول حين نبتدئ -بعون الله- كلامنا عن الشعر الوطنى في هذه المجلة يوم نجد من شعرائنا إقبالًا على إرسال شعرهم الوطنى كما أمَّلنا ذلك في النشرة التي كتبناها في أول مقتطف نوفمبر الماضي والله المستعان.