← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وكانت أشبه بجريدة الإحصاء أو سجلّ الوفيات والمواليد. ولولا ما يشوب بعض جملها من ضعف التركيب لكانت من أغلى الدرر في كتب الرحلات التي يراد بها إيقاظ الإحساس النبيل في نفوس أصحاب المجد الغابر وإرهاف الشعور السامي في قلوب طُلّاب المجد ومجدّدي حضارة العرب من أبناء هذه الأمة العربية. بقى أن نلوم الأستاذ "فروخ" على استهانته بتأريخ ما يذكره من الحوادث بالتاريخ العربي الهجرى ذلك لأننا إذا تابعنا أصحاب الفتنة على ما يفتنوننا به من زخرف القول في الاقتصار على التاريخ الميلادى في تاريخنا لاختلط على شبابنا التاريخ، وما ظنك بألف وثلاثمائة سنة كتبت كل كتب التاريخ العربي فيها بالتاريخ الهجرى، أيسهل أن نقلب التاريخ الهجرى في الكتب العربية إلى تاريخ ميلادى؟ على شبابنا أن يعود سمعه وبصره وذاكرته على التاريخ العربي ولا يضعه بمنزلة أدنى مما تنزل الذكر الجميلة من قلبه، وعلى شبابنا أن يحترم رمزًا للمجد العربي يكاد يكون هو الباقى في حياتنا من الحياة العربية. هذا ولو أن الأستاذ فروخ اتخذ تاريخه التاريخ الميلادى لكان ذلك هيّنًا، ولكنه خلط في الكلمة الواحدة بين التاريخ الميلادى والتاريخ الهجريّ وفي ذلك من وضع العثرات في طريق القارئ ما فيه. أما ما في الكتاب من الخطأ التاريخى الذي تنبه له بعض الكُتَّاب فذلك ما نرجو الأستاذ أن يبرّئ كتابه منه في الطبعات التالية. ثم لعلَّ الأستاذ "فروخ" سيواصل رحلاته إلى أطلال المجد العربي ويخرج لنا الدرر التي طغى عليها تراب النسيان، وستر جمالها كيد الكائدين وعنتُ المعنتين فالأمم العربية الآن تحتاج إلى من يذكّرها بمجد أسلافها وعزّ آبائها وحضارة أجدادها لتجد في نفسها مضض الحسرة وفي الحسرة الألم وفي الألم الشعور وفي الشعور الحياة والطموح والشوق إلى الفوز والغلبة.

стр. 702

٤ - تنبيهات اليازجي على محيط البستاني جمعها وحل رموزها " الدكتور سليم شمعون" و"جبران النحاس" مطبعة صلاح الدين باسكندرية سنة ١٩٣٣ كان الشيخ إبراهيم اليازجي علمًا من أعلام الأدب العربي، ولا تزال آثاره وكتبه من أدق الكتب وأحسنها ترتيبًا وتحقيقًا، ويظهر من كثير من كتبه أنهُ كان من أكابر أذكياء عصره وبلغائهم ومحققيهم في اللغة والأدب حتى أصبح في مقدمة الذين أحيوا الأدب العربي وجددوا روائعه وأمدوه بأسباب النهضة والحياة. وقد كان جيد الاستدراك على أخطاء معاصريه حتى عدّ من ثقات نقّاد اللغة. إلا أن أكثر ما استدركه على كتب اللغة التي ألفت في العصر الأخير لم يظهر منها إلا القليل، ولعل ذلك يرجع إلى أنهُ لم يقيده بالكتابة كما بين الأستاذ "جبران نحاس" في مقدمة هذا الكتاب قال "ولكنهُ كان أثناء مطالعته إذا استوقف نظره لفظٌ أشار إليهِ بنقطة على الهامش وهو في الغالب يرسم خطًّا تحت ذلك اللفظ، وربما عنّ له شيءٌ مما فات المصنف (يعني البستانى صاحب محيط المحيط) فاستدركه، ولكنهُ لم يتكلف مثل هذا الاستدراك إلَّا في ما ندر". وكنا نودّ أن نقول رأينا في "محيط المحيط" الذي جمعت تنبيهات اليازجيّ عليهِ في هذا الكتاب، إلا أن هذا المجال يضيق عما نتكلف له، وفي تنبيهات اليازجي كفاية للمطلع والمراجع. عمد الأستاذ جبران النحاس والدكتور شمعون في كتابهما إلى الإشارات التي وضعها اليازجى على نسخة من "محيط المحيط" فحاولا أن يتبصَّرا موضع النقد أو الاستدراك الذي أراده اليازجي وقد وُفقا إلى كثير من الصواب لولا الإطالة فيما لا تجدى الإطالة فيهِ وتشتت البحث في بعض المواضع، ولعلهما سيستدركان ذلك في بقية الأجزاء التي ستصدر تتمة لهذا الجزء -وقد استوفيا فيهِ حرف الألف وحسب. ونرجو أن يصحبهما التوفيق في عمل يجدان في كل خطوة منهُ عقبات يزلُّ لها الجلدُ القوي.

стр. 703

مقاليد الكتب ١ - أنتم الشعراء تأليف أمين الريحانى -مكتبة الكشاف ومطبعتها- ببيروت سنة ١٩٣٣ يقول الشاعر المجيد بشارة الخورى: الهوَى والشبابُ والأملُ المنـ ... ـشود توحي فتبعث الشّعْرَ حيَّا والهوَى والشبابُ والأملُ المنـ ... ـشودُ ضاعتْ جميعُها من يديَّا يشرَبُ الكأس ذُو الحجا ويبقَى ... لِغَدٍ في قَرارة الكأسِ شيَّا لم يَكُنْ لي غدٌ فأفرغتُ كأسى ... ثَم حطَّمْتها على شَفَتيَّا أيها الخافقُ المعذَّبُ يا قلْـ ... ـبى نزحتَ الدُّموعَ من مقلَتيَّا أفحتمٌ عليَّ إرسال دَمعى ... كلما لاح بارقٌ في مُحيَّا يا حبيبى لأجْل عينيك ما ألْـ ... ـقى وما أوَّلَ الوشاةُ عليَّا أأنا العاشق الوحيدُ لتُلقَى ... تبعاتُ الهوَى على كَتفيَّا فتكون هذه الأبيات الرقيقة سببًا في إثارة الريحانى على الشعراءِ المعاصرين الذين يحبسون شعرهم على البكاءِ والنحيب والحسرة والألم وإظهار الضعف عن تحمل الهوى. ويكثر الجدلُ بين الأدباءِ عن هذا الشعر الباكى الضعيف ويتقسمون الرأي بين راض ومستنكر. ويسخر الريحانىّ في كتابه هذا من الشعر الذي يحبسهُ أهله على الضعف والتخنث والبكاء والتقليد ويهيب بالشعراء إلى القوة والفتوة والرجولة والتجديد. ونحن من قبلنا لا نحبُّ أن نجادل فيما لا يلدُ الجدل فيه إلَّا العناد والكبرياءَ والتعصب للرأي أو للهوى ولا نبالي أن يقول الناس أصبنا أو أخطأنا إلا أن يكون ميزان الصواب والخطأ العدل والحق والإخلاص والقسط الذي لا يرجح بالناقص ولا يَشيل (١) بالوافي.

стр. 704

الشعراء الخُلَّص الذين لا يطلبون بشعرهم شهرة ولا صيتًا ولا دعوى مستطيلة هم ناسٌ من البشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم إلَّا أنهم من الأمم بمنزلة مقياس الحرارة (الترمومتر) الذي يؤثر فيهِ تقلُّب الجوّ تأثيرًا ظاهرًا بيّنًا يثبته العدد فلا موضع فيه للجدل إلَّا أن يكون هذا المقياس في ذاتِه مختلًّا فاسدًا لا يدلّ على حقيقة الجوّ الذي يحيط به وبذلك يصبح مقياسًا لنفسه لا للناس. والحقيقة لا تعرَف إلَّا من المقياس الصحيح الذي لا خللَ فيه فالناس جميعًا مفتقرون إليه، أما المقياس الفاسد فلا يرجى له خير إلَّا أن يحطَّم أو يهمل وما بأحدٍ إليه حاجة. وهذا مثل الشعراءِ في كل أمة من الأمم. ونحن من قبلنا أيضًا لا نستنكر على شاعر أن يرقّ حتى يضعف ويبكى ويئن ويتوجع من آلام الهوى وتباريح الصبابة ما كان ذلك الشاعر صادقًا لا يتباكى، محبًّا لا يتصنع لأن الشاعر -كما سلف- رجل من الناس ربما كان له من أسباب الهوى ما يدنفه ويبكيه، وهذه الأسباب تكون له جوًّا يحيط بهِ خاصةً فهو يتأثر به على كل حال. إلَّا أن هذا الشاعر نفسه رجل من أُمَّة يكون لها من أسباب القوة والسيطرة والعزة ما يكون لها، أو رجل من أمة بها من الضعف والفتور والذلّ والاستعباد والمهانة ما تضرب به الضربات الشداد بمعاول الظلم والجَبرية والعدوان والشر الاستعمارى القبيح الدنئ. فلابدَّ للشاعر من هذه الأمة أن يكون لسان الأمة الذي يتكلم بأوجاعها وآلامها وأن يكون من جهة أخرى قائدًا من القوَّاد يقف في قلب الجموع المسكينة خطيبًا تنفذ كلماته إلى القلوب لتحركها وتنعشها وترمى فيها بالحياة والشباب والنشاط وبذل النفس وغلبة الرأي على الشهواتِ والأهواء. وأن لا يكل ساعة عن الجهاد والدعوة إلى الطريق السوىّ. فإذا خلا الشاعر قليلًا قليلًا إلى نفسه وغلبتهُ الحياة الفردية والأهواءُ الخاصة فليقل ما شاءَ بمقدار لا يُلين منهُ ولا يضعف من قوى جنده، وليستجم لنفسه بما يجعله أقدر على الجهاد حين يعود إلى الميدان بين المتألمين والمحطَّمين والباكين مما يصيبهم من وحوش الاستعمار والعدوان التي توسعهم نهشًا وتمزيقًا وافتراسًا. هذه سبيل الشعر لأمتنا العربية في أمرنا هذا من أيامنا هذه. أما أن يأخذ أحدنا

стр. 705

شعر الشاعر العربي فلا يجد فيه إلَّا الضعف والتخنث والبكاء والذلة والضراعة والحبَّ المريض فذلك أمر لا تقبله النفوس العزيزة التي تستشعر العزة والنخوة والمروءة، وأما الفتنة التي فتن بها الناس من قولهم الشعر العالمي والشعر الإنساني والشعر. . . اللهم إني أعوذ بك من سوء المنقلب. . . فهذا الكلام لا معنى لهُ في حياة الأمم الضعيفة المظلومة التي لا قائد لها ولا إمام .. أيغنّى العصفور الضعيف للثعبان الفاتك ليسحره بألحانه وتغريده. ألا إن لحم العصفور أشهي إلى الثعبان من لحنهِ. . . وما في ذلك إلا سوءُ التقدير وأفن الرأي (١) وقلة الحيلة. إن الأرض العربية تطالب شعراءَها وأدباءها وكتَّابها وأصحاب الرأي فيها أن يتخذوا ألفاظهم في شعرهم وأدبهم وكتابتهم وآرائهم من النار والحديد والبراكين والدوىّ والرُّعود المجلجلة فعسى أن يهبَّ هؤلاء النوَّام من سباتهم وأن يرجعوا عن غفلتهم ويعلموا أن الأمر جدٌّ وأن الحياة صراعٌ وأن عدة هذا الصراع هو الإيمان والصبر وبذل النفس وكبح الشهوات واطِّراح الجبن والخور. فإذا خرجنا من الميدان بالنصر والظفر فلنطلب نفع الإنسانية في كل بقعة من بقاع الأرض ولنمحُ آثار المظالم والعدوان والفجور والبغى ولنغن ما وسعتنا الألحان وما واتتنا الأغاريد. وسنعود قريبًا إلى التوسع في هذا القول حين نبتدئ -بعون الله- كلامنا عن الشعر الوطنى في هذه المجلة يوم نجد من شعرائنا إقبالًا على إرسال شعرهم الوطنى كما أمَّلنا ذلك في النشرة التي كتبناها في أول مقتطف نوفمبر الماضي والله المستعان.

стр. 706

٢ - تاريخ مصر الإسلامية تأليف إلياس الأيوبي - مطبعة الرغائب بالقاهرة سنة ١٣٥٢ ظهر هذا الكتاب، وكثر الحديث عنهُ فثارت الهمة لقراءته والنظر فيه وبخاصة لأنّهُ تاريخ أغمض العصور التي مرّت بمصر وذلك لضياع أكثر الكتب المؤلفة في هذا التاريخ الواقع ما بين سنة ٢٠ من الهجرة إلى سنة ٢٥٤ منها. وأخالف ما درجتُ عليه في الكتابة وأقول إني أخذت هذا الكتاب فقرأته أحسبهُ شيئًا فإذا هو ليس بشيء، وأقول هذه الكلمة وأنا أحمل أوزارها وأثقالها وما يشاءُ القارئ من أوزار وأثقال. فأنا -يا سيدي القارئ- لم أقرأ هذا الكتاب إلَّا وقد عقدت النية على أنهُ تاريخ مصر من أيام الفتح العربي إلى أول عهد الدولة الطولونية لا على أنه أوهام في تاريخ مصر من الفتح العربي إلى عهد الدولة الطولونية. وقبل أن نبدأ ينبغي لنا أن نعرف ما هو التاريخ وكيف يكتب. يعتمد مؤرخ كل أمة من الأمم على دعامتين، فإِحدى الدعامتين هي دعامة الرواية والأخرى دعامة العقل. والرواية هي مادة التاريخ الذي لا يمكن أن يسمى تاريخًا إلا باجتماعها وحشدها. والعقل هو المصنع الذي تنقى فيهِ هذه المادة وتجلى ويؤلَّف بين المتقارب ويفرَّق بين المتباين من أجزائها وعناصرها. فإذا اعتمد المؤرخ على الرواية دون العقل كان ما يكتبهُ تاريخًا إلا أنّهُ تاريخ أعرج، فإذا اعتمد على العقل دون الرواية لم يكن ما يكتبهُ تاريخًا، فإن اعتمد على العقل وقليل من الرواية كان ما يكتبهُ نوعًا من الكلام لا يسمى تاريخًا بل يسمى أوهامًا في التاريخ. ولا يخرج التاريخ الصحيح إلَّا من مصانع العقل القوي المشرق الذي اجتمعت له المادة التاريخية المحشودة المصححة. ولا أظن أن مؤرخًا مهما بلغ من قوة العقل وإشراقه يستطيع أن يولِّدَ لك من بعض الروايات المنسوبة إلى التاريخ تاريخ أمة قد ملأت الأرض علمًا وحضارة وأدبًا. هذا. . . فإذا اعتمد المؤرخ على الهوى دون العقل مع قلة الرواية وضعفها وتهالكها فكيف يكون تاريخه؟ إذا

стр. 707

أردت أن تعرف ذلك فاقرأ هذا الكتاب المسمى "تاريخ مصر الإسلامية" وتأويل ذلك. تقول مقدّمة الكتاب "وكنت كلما أتصور تمكُّني (كذا) من إنجاز فكرتي، وأتخيل عملي أمامي تامًّا: فأرانى أصبحت أول مؤرخ مصري جدير بهذا الاسم (كذا) وأراني قد أنشأت، حقيقة، في أحضان قومى روحًا مصريةً بحتةً -لا عربية ولا تركية، ولا مسيحية ولا يهودية ولا إسلامية- روحًا مصرية متشبعة بالمبادئ القومية العصرية، ومثقفة بالثقافة العصرية الحقة التي تستمد منها الحضارة العصرية قوتها وجمالها. . . إلخ" وذكر كلامًا رمى فيهِ مؤرخى العرب جميعًا بالجهل والتدليس وغلبة الهوى حين كتبوا سيرة الرسول ﷺ فقال: ". . . جعلوا فيما كتبوه من سير للنبيّ الغلبة للخرافة على الحقيقة، مقلدين في ذلك المتقدمين من مؤلفي المصريين والكلدانيين واليونان والرومان (تأمل) الذين رووا حوادث تأسيس الدولة المصرية والكلدانية واليونانية والرومانية. . . إلخ" وأستعتب القارئ في نقل هذه الجملة أيضًا: "وإني إذا كنت -على عكس ذلك- رأيت نفسي مضطرًا أحيانا إلى حرق ما قد قدستُهُ زمنًا طويلًا فيما مضى، فذلك لأنى إنما رميت بكتابي إلى إحياء الشعور القومى المصري البحت في نفوس قرائى، كما قدمت. . . لا لأنى أرغب في جرح شعور أحد أو إحساس أحد أو فكر أحد". ولعله قد سقط من الأصل "بل أريد أن أجرح شعور التاريخ وإحساس التاريخ وفكر التاريخ". لا يدري القارئ ماذا أقاسى من الألم المبرح في نقد هذا الكتاب وما ذلك إلَّا لأنى إذا كتبت عنهُ فإنما أكتب عن مؤلفه وقد أصبح من مادة التاريخ فآنف أن أنازل من لا يدافع عن نفسه، ولأن الكتاب في أكثره إفسادٌ للتاريخ وتدليس عليه ولأن مواضع النقد فيه كثيرة لا أدري ماذا آخذ منها أو أدع في هذه الورقات. ولكني أستعين الله على ما ألاقى من الألم في الكتابة عن هذا المؤلَّف. لم يعتمد كاتبنا في تاريخه إلَّا على كتب قلائل ليست شيئا في المكتبة العربية الزاخرة بكتب التاريخ، وهي كتاب المقريزي وابن إياس وابن وصيف شاه وتاريخ

стр. 708

التمدن الإسلامي لزيدان والكندى وابن الشحنة في روضة المناظر وقليل غير ذلك من كتب الأدب. هذا فلو نظرت إلى كتاب (فتح العرب لمصر) الذي ألّفه الأعجميّ الدكتور (بتلَرْ) الإنكليزي لوجدته يعتمد في تاريخ حِقْبَة من الزمن لا تبلغ خمس سنوات على عشرين ومائة كتاب في التاريخ ثلثها من كتب التاريخ العربي والبقية من كتب الأمم في التاريخ. فلو أن (بتلر) أراد أن يكتب تاريخ مصر الإسلامية من سنة ٢٠ لسنة ٢٥٤ لاعتمد على أضعاف هذا من كتب التاريخ. وذلك لأن التاريخ لا يكون شيئًا إلا إذا حشدت له المادة العظيمة ونظرت فيها بالنظر الصائب، وربَّ كلمة شاردة في ذيل ورقة تفتحُ للمؤرخ بابًا من الفهم يجعل الغامض واضحًا بيّنًا والمتباعد قريبًا دانيًا وتصل بين حافتى هوَّة في التاريخ فتمكن المؤرخ من اجتيازها. هذا أمر المادة التاريخية نفسها، فلننظر ماذا فعل المؤرخ بالمادة التاريخية القليلة التي اجتمعت له حين ألف كتابه. عَمِدَ المؤلف إلى هذه المادة القليلة التي لا يستقيم بها تاريخ فقرأها وأراد أن يتفهمها فأخطأ في كثير وأصاب في قليل وقرَّ ذلك في نفسه، ثم أوّل بعض هذه المادة تأويلا لا يقبله عقل ولا تاريخ حتى يستطيع -كما يقول- "أن ينشيء -حقيقة- في أحضان قومه روحا مصرية بحتة -لا عربية ولا تركية، لا يهودية ولا مسيحية ولا إسلامية-"، فلذلك سَخِرَ بالعرب وساق الرواية العربية القوية في أسلوب من السَّخَر بالعرب والإزراء عليهم والغض منهم ومن أفذاذ رجال الفتح. وأنت إذا قرأت الفصل الذي سماه "كيف فتح العرب مصر" لم تجد فيه حقيقة غير هذه حين يذكر "عبادة بن الصامت" ﵁ حين بعثه عمرو على رأس النفر العشرة إلى المقوقس فتقدم عبادة وكان عبادة أسود ضخما من الرجال فهابه المقوقس لسواده "وقال: نحُّوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمنى، فقالوا جميعًا، إنهُ أفضلنا رأيًا وعلمًا وخيرنا والمقدَّم علينا وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه". فيقول المؤلف تعقيبًا على هذا. "ولسنا ندري من أين أتى عبادة بن الصامت العلم! ! ". . . ونحن والله

стр. 709

لا ندري أيضا، ولا نعلم إلّا ممن شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وكان له من الرأي ما أجلَّه به قومه، بلى وأنه رجل من أفذاذ الأمة التي أشرقت بنورها على الأرض فأخرجت الناس من الظلمات إلى النور. ولسنا ندري لماذا ينكر صاحبنا العلم على عبادة، وهم لم يقولوا أنه أعلم العالمين بل قالوا هو أفضلنا رأيًا وعلمًا وهم أدري بأنفسهم منا بها. وقد كانوا ﵏ يقدّرون أنفسهم قدرها فيقدّم الرجل الشريف العبدَ الحبشى العالِمَ على نفسه وأهله، وما كان فيهم من يتصدر ليقول عن نفسه أنهُ أكبر عالِم أو أتقى رجل أو أفضل مخلوق أو أوّل مؤرخ لمصر جدير بهذا الاسم. وقد أطلت ليعلم القارئ كيف يطمس الهوى على قلوب الناس إذا حرفوا العلم أو التاريخ بأعنته، والهوى -كما قال ابن عباس ﵁ - إله معبود. . . والكتاب كله على هذا النمط من الإزراء على العرب والعبث بالإسلام، وما يريد المؤلف من كل هذا إلَّا إنشاء روح مصرية لا عربية ولا إسلامية كما يزعم، لا تقرير الحقيقة التي يجب على كلِّ إنسان أن يطلبها أنَّى كانت، والمؤلف نفسه في حيرة من العرب والإسلام وتغلغل كل منهما في مصر فتراه أحيانًا يدور حول نفسه يريد المخرج ولا مخرج حتى أنهُ لم يستطع أن يمحو ذكر الإسلام -والعرب- فيما سمّى بهِ كتابه فألقى عليه هذا العنوان الذي يتبرأ مما تحته. . . . "تاريخ مصر الإسلامية". ولنفتح في الكتاب أي صفحة يكون من نصيبها التمزيق، بسم الله، فهذه ص ١٨٠ يقول المؤلف في رأسها أن ابن عباس روى عن النبي ﷺ "إنَّما ضلَّ من كان قبلكم بالكتابة"، وأطال الكلام بعد ذلك على هذا الحديث الذي لا نشك في وضعه حتى قال "وأهملوا -يعني العرب- تدوين كل ما جادت به قرائحهم في بابي الشعر والخطابة ذاتها لتفضيلهم الحفظ على التدوين، بل أهملوا تدوين العلم الإنساني البحت عينه -على قلته- (كذا وتأمل) وقضوا قرنهم الأول وبعض الثاني (كذا قال المؤلف) وهم يتناقلونه بالتلقين، ولم يدوّنوا القرآن نفسه بعد أن أحجم أبو بكر مدة عن ذلك قائلا "كيف أفعل أمرا لم يفعله رسول الله، ولم يعهد إلينا فيه عهدًا". . . إلَّا لما خافوا أن تذهب الحروب والفتوحات بحفَّاظه فيضيع" انتهى.

стр. 710

ولا ندري هل يعلم المؤلف أن من الصحابة ناسًا يسمون "كتَّاب الوحي" كانوا يكتبون لرسول الله ﷺ ما يوحى من القرآن لرسول قد فادى أسري يوم بدر، فكان شرط مَن لا مال عندهُ أن يعلّم عشرة من الغلمان الكتابة. قالوا فيومئذٍ تعلَّم الكتابة زيد بن ثابت كاتب الوحي وأن رسول الله ﷺ قد أمر عبد الله بن سعيد بن العاص أن يعلّم الناس الكتابة بالمدينة، وأنهُ قد ورد في الاستيعاب لابن عبد البر والإصابة لابن حجر أن الشَفَّاء أم سليمان بن أبي حثمة علمت حفصة (وهي زوجه) الكتابة وقال لها "علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة". وإن القرآن كان مكتوبًا جميعهُ على عهد الرسولُ ﷺ كتبه له كتّاب الوحي وكتبه لنفسه من كان يحسن يكتب من الصحابة وهم كثير، وإن قول أبي بكر "أفعل أمرًا لم يفعله رسول الله" إنما هو عن جمعه بين دفتين أعني في كتاب أو مجلة كما يقولون وليس ذلك لأن أبا بكر كان يعاف الكتابة والتدوين. وتأويل ذلك أن أبا بكر لما عافت نفسه ما قال بهِ من جمع القرآن دعا زيد بن ثابت وقال له (نرويه من حديث زيد بن ثابت) "إن هذا -يعني عمر- قد دعانى إلى أمر فأبيت عليهِ وأنت كاتب الوحي فإن تكن معهُ اتَّبَعْتكما وأن توافقنى لا أفعل. فاقتصَّ أبو بكر قول عمر وعمر ساكت، فنفرتُ من ذلك وقلت يفعل ما لم يفعل رسول الله ﷺ إلى أن قال عمر كلمة: وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ فذهبنا ننظر فقلنا لا شيء والله ما علينا في ذلك شيء. قال زيد فأمر أبو بكر فكتبته من قطع الآدم وكسر الأكتاف والعُسُب". وهل يعلم المؤلف أن هناك مصاحف تنسب إلى أصحابها من الصحابة كابن مسعود ومصحف أُبي ومصحف زيد كانت مكتوبة على عهد الرسول ﷺ وعرضها أصحابها العرضة الأخيرة عليه قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى ﷺ . هذه صفحة لم نعمد إليها من الكتاب وها أنت تراها كيف مزّقت شرَّ ممزّق وذريت قطعها في الهواء. وهذه المجلة لا تتسع في هذا الباب لأكثر من هذا ولكن ليكن القارئ على يقين من أن كلَّ ورقةٍ من هذا الكتاب هي هذه الورقة الممزّقة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 711

٣ - آلاء الرحمن في تفسير القرآن تأليف محمد جواد البلاغى النجفي الجزء الأول -مطبعة العرفان بصيدا- سنة ١٣٥٢ كان القرآن الكريم ولا يزال مادة البلاغة العربية بل مادة العقل العربي بل مادة الحياة الإنسانية العالية بآدابها وعلمها وفقهها وأحكامها ودولتها. نزل بهِ الوحي على محمد ﷺ فجمع الأمة بعد شتاتها وافتراقها على كلمة واحدةٍ في قلب رجل واحدٍ أينما سارت سجدت لها العروش ودانت لها الملوك وخضعت لها الرقاب واستقبلتها القلوب وانقادت لها النفوس وعلا بها الحقُّ وأضاء بها الوجود حتى إذا تمت لها المعجزة في إخضاع العالم للحق وإخراجه من ظلمات الباطل إلى نهار الحق بدأت طبيعة الحياة تفعل فعلها وتفتن فتنتها فمدَّت الشبهات أعناقها، وظهر الخلاف بين الناس إلا أن الشبهات كانت لأول عهدها خفية قليلة وكان الخلاف ضعيفًا متقاربًا ثم بدأ الجدل واللجاج والعناد الإنساني البغيض حتى استحكمت الشبهة وكثر الخلاف واتسع ما بين أصحاب الرأيين وتعصب هذا وتنطع ذاك فخرجت الفِرَق المتعادية والنِّحل المتخاصمة وبقى كل فريق يطلب النصر لرأيه لا للحق وبذلك اضطرب الحبل وفسدت الأمور واستحلَّ القتال وضعفت الدولة. وهذه صورة يتكرر ظهورها في التاريخ. ومن يتتبع أحوال الفِرَق وأسباب نشأتها وأطوار نموّها وضعفها يعلم أن الخلاف أو الشبهة التي يُبْنَى عليها المذهب ليست إلَّا كبوة عقلٍ واحدٍ في رجل من أصحاب الرأي انساق في آثارها وجرَّ وراءَه أمة من الناس تعصبوا، فأكبُّوا معهُ. ولا بأس أن ننقل هنا كلمة للجاحظ عن إبراهيم النظام رأس الفرقة المشهورة من المعتزلة بالنظامية. قال في كتابه الحيوان ج ٢ ص ٨٣ "وكان إبراهيم مأمون اللسان قليل الزلل والزيغ في كاب الصدق والكذب. . . وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنه وجودة قياسهِ على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه، كان أمره على الخلاص، ولكنه كان

стр. 712

يظنُ الظنَّ ثم يقيس عليه، وينسى أن بدء أمره ظنًّا، فإذا أتقن ذلك وأيقن جزم عليه وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه، ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت" اهـ. وهذه صفة رؤوس الفرق جميعًا في كل ملةٍ وفي كل علم. قدمنا هذه الكلمة بين يدي هذا الكتاب، لأن مؤلفه من علماء الإمامية، وهم فرقة من أهل الإسلام افترقت فيما بعد إلى فرق كثيرة وأصل عقيدتها إمامة عليّ ﵁ وبقاؤها في عقبه، وللكلام على الإمامية وتفصيل مذهبها ذيول طويلة ليس هذا موضع ذكرها والذي يهمنا أن هذه الفرقة كان لها في الإسلام شأن عظيم وألّف في الردّ على مذاهب أهلها من الكتب شيء كثير. وقد قرأنا عنها مذاهب عجيبة لا يقرها عقل. ولم يصل إلى أيدينا من كتبهم إلَّا ما قرأناه من النصوص المنقولة عن كتبهم في الرد عليهم فسرّنى كثيرًا أن أرى بين يدىَّ تفسيرًا لعالم من علماء هذه الفرقة، وإن أجد هذا التفسير قد قرّب مسافة الخلف بين ما قرأتهُ عن الإمامية وبين عقيدتى وعقيدة أكثر المسلمين. وهنا لا نجد بدًّا من الإشارة إلى أن أهل الفرق والمذاهب لا يزالون في غفلةٍ عن الحياة. فهم يتقسمون أمرهم بينهم والعدوّ من ورائهم وأمامهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم يعد العدَّة ويتوثب للفريسة الغافلة ولا مخرج للعرب بعد اليوم إلّا أن يرجعوا إلى حكم الله إذ يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ولابدَّ أيضًا من أن يرجعوا إلى كتابهم وسنة رسولهم مخلصين لا يؤولون ولا يحرفون الكلم من بعد مواضعه وأن يتركوا وراءهم ظهريًّا أقوال رؤوس الفرق وأئمتها فإنهم أصل البلاءِ ومادة الشر، ولا حياة لأمة على الأمر الذي لا يحوى الخلاف فيه إلَّا الفرقة والخصومة والشنآن (١) والعداوة المتوارثة ونسأل الله أن يجعل آخر أمر المسلمين والناس جميعًا كأوله ألفةً وارتباطا وصفاءً وعملًا خالصًا لله لا للشهوات والأهواء.

стр. 713

مقاليد الكتب ١ - ابن خلدون: حياته وتراثه الفكرى (تأليف محمد عبد الله عنان -مطبعة دار الكتب العربية- سنة ١٣٥٢ وسنة ١٩٣٣) نشأ ابن خلدون في بيت من بيوت المجد قد نزح من الأندلس الجميل إلى تونس الفيحاء، ونما في بيت من العلم والرياسة، والشرف والسياسة، وصبغ بصبغة الجيل الذي عاش فيه، فلما استوى على سوقه وجد ما بين يديهِ من دول الأندلس والمغرب كالنساء الضرائر، لا تفتر واحدة عن الكيد لصواحباتها. وكان صدر هذا الشاب (ابن خلدون) يغلى بأمانيهِ وأوهامِهِ ومطامعهِ، فرأى فيه أهلهُ ومن يحيط بهم من أهل الشرف والرياسة، وهو في سن العشرين، بارقة من النبوغ والعبقرية والسيادة، وتداول الناس أمره حتى سمع بهِ أبو محمد بن تافراكين فاستدعاه لكتابة (العلامة) (١) عن السلطان أبي إسحاق فكان ذلك أول اتصاله بالحياة السياسية في دول المغرب والأندلس، والتي خاض (ابن خلدون) فيما بعد غمرتها وتلظى بها وأصلى فيها أو شبَّ نيرانها، وكان لها في تاريخ حياته أثر بيّن، حبيبٌ حينا وبغيض أحيانًا. ومكث ابن خلدون في عمله هذا حتى نزعت به همته إلى الرحلة من تونس سنة ٧٥٣ إلى (قَفْصَة) ثم إلى (بسكرة) فنزل ضيفًا على صاحبها (يوسف بن مزنى) ومن هناك قصد الرحلة إلى (أبي عنان) بتلمسان ولكنهُ لم يمض في طريقه حتى لقيه (ابن أبي عمرو) صاحب (بجاية) فصرفه عن أبي عنان وحمله معهُ مكرّما إلى (بجاية) فكان فيها حديث الناس حتى بلغ ذكره (أبا عنانٍ) وكان لهُ مجلس من العلماء فرأى أن يستدعي (ابن خلدون) لما بلغه عنه فحمله على خير محمل سنة ٧٥٥ وأتمَّ بهِ مجلس العلماء واختصه بالكتابة

стр. 714

والتوقيع بين يديه. وكان أصحاب (أبي عنان) من أكثر أهل البلاد حسدًا وغيرة، فكادوا لهُ كيدًا عظيمًا لما رأوا من حظوتِه عن السلطان، فلم يجد صاحبنا بدًّا من التقحم في غمرات الدسائس والمكايد، ولعلها وافقت هوى من نفسه، فبرع في الدس والكيد والتلوُّن وإثارة الفِتن حتى اضطرمت في عهده البلاد نارًا من الفتنة كان هو مثيرها حينا ومطفئها أحيانًا. واستمر أمره على ذلك فيما تقلب فيه من أمر الدول المغربية والأندلسية. وليس سبيلنا هنا أن نترجم لابن خلدون ولكنَّا قدَّمنا هذه الكلمة لما كان للدسائس من الخطر في حياة هذا الرجل، وقد استقصى ذلك الأستاذ عنان في كتابه بإيجاز وعرضه على القارئ عرضًا جميلًا. كان هذا الرجل ذكيًّا قادرًا بليغًا دقيق العبارة جيد الإفصاح عن ضمير نفسه، مشرق الفهم رحب الإدراك، يقع لهُ الأمر من الأمور فيفصّله ويبيّنه ويوضحهُ ويجمع إليه القرائن ويجيد القياسَ بين شيءٍ وشيءٍ مما يحدثُ لهُ أو لغيره من الناس فوضَعَ من ذلك في ذهنهِ شيئًا كثيرًا، هو الذي اجتمع لهُ حين ألّف مقدمته المشهورة في الشرق والغرب، فأخرج فيها من الحقائق، والنظريات والأسس في حياة الدولة ما لم يجمعهُ كتاب عربيٌّ قبلهُ. وما ذلك إلا لأنهُ كان -كما أسلفنا- (بليغًا، دقيق العبارة، جيّد الإفصاح عن ضميره نفسهِ). وأكثر الناس على أن ابن خلدون هو أولُ من اهتدى -من العرب- إلى هذه الحقائق العظيمة التي أثبتها في مقدمته، فهذا صحيح من ناحية، هي أنهُ أول من دوَّنها جميعها بين دفّتى كتاب، ولكنّي لا أشكُّ أن أهل السياسة والرياسة في الدول العربية في الشرق والغرب كانوا يجيدون ما أجاد ابن خلدون من هذا العلْم، وكانوا يعرفون ذلك حقَّ المعرفة، وهناك أدلة كثيرة على ذلك ليس هذا موضعُ إيضاحها وتفصيلها. وأنا لا أظنُّ أن رجلًا مثل (لسان الدين بن الخطيب) الوزير الأندلسيُّ البارع في السياسة والأدب كان يجهل من هذا ما علمهُ ابن خلدون، بل أرجح الظن عندي أن (لسان الدين) كان على شرف من هذا العلم يكاد يفوق به صديقه ابن خلدون إلا أن ما تهيأ لابن خلدون -من البلاغة التي لا صنعة فيها ومن دقة العبارة ومن جودة القياس، ومن براعة الإفصاح عمَّا يترجرج في نفسه وضميره- لم يتهيأ للسان الدين بن الخطيب فقد كان هذا شاعرًا كاتبًا

стр. 715

بليغًا على أسلوب غير هذا الذي كان لابن خلدون، ولم يكن لسان الدين بأقل من ابن خلدون في إشراق الفهم ورحب الإدراك، ولكنه كان أقلَّ منهُ في القياس بين النظائر التي كانت تحدث لهُ وهو وزير الدولة أو التي كانت تجدُّ في الجوّ السياسي المتلبّد بغيوم من الدسائس والفتن والأهوال الرائحة الغادية على الدولة وأهلها. نقل الأستاذ عنان، قول جمبلوفتش "لقد أردنا أن ندلل على أنه قبل أوجست كونت، بل قبل فيكو الذي أراد الإيطاليون أن يجعلوا منهُ أول اجتماعىّ أوربىّ، جاءَ مسلم تقىٍّ فدرس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن، وأتى في هذا الموضوع بآراء عميقة وما كتبه هو ما نسميه اليوم علم الاجتماع". واستوقفتنى هذه الكلمات زمنا طويلًا ترامى فيه الفكر، واستيقظ في القلب ذلك الإحساس بالظلم والغبن والتجاهل الذي لقيه الفكر العربي في هذه الأزمان وما قبلها. إن القرآن نزل على رسول الله ﷺ وحيًا لا شكَّ فيهِ، بآيات بيناتٍ فيها حاجة الإنسان المدني العامل الظافر بالسعادتين في الدنيا والآخرة، وكان هذا القرآن مادّة العلم العربي على القرون ومنهُ استقى ابن خلدون وغير ابن خلدون من علماء هذه الأمة الإسلامية ومنه خرج التشريع العظيم الذي ملأ الأرض عدلًا وكان منهُ ما نسميه علمُ الفقه. ففي هذا العلم تجد علم الاجتماع مفرَّقًا في مسائله وأحكامه، ومن رجع إلى كتب الأئمة (المتقدمين خاصة) وجدَ من أُسُس علم الاجتماع ما لا يدعُ شكا في نفس أحد من أن ابن خلدون إنما استخرج أسسه (وأسس غيره مما أتى به في مقدمته) من هذا المورد الذي لا ينفد. ولابدّ من أن نقول إن القرآن أتى بأسس هذه العلوم مختصرة غير مفصلة وإن الرسول في حديثه بين بعضها وترك بعضًا للفكر الإنساني لئلَّا يضيقَ وينحصرَ ويخمد إذا أتاهُ بالتفاصيل كلّها. هذا وليس من المعقول أن يوحيَ الله إلى رسولٍ من رُسله بكل شؤون الحياة مفصلة ولئن فعل، فمن ذا الذي يحفظها، كما حفظ القرآن والحديث؟ ! من العلوم الإسلامية علم مجهول لا تجد فيه إلا كتبًا قلائل مما نجا من عبث

стр. 716

الأيام وجهل علماء المتأخرين بقدره وخطره، ذلك هو علم (القواعد) ألف فيه كثير من الأئمة، وخير ما ألّف فيه كتاب القواعد (للعزّ بن عبد السلام) وكتاب (ابن رجب). ففي هذا العلم تجد من روائع الفكر العربي في علوم الاجتماع والحياة ما يبهرك ويفتنك، وأرجو أن أوفّق قريبًا إلى كتابة كلمات عن هذا في هذه المجلة. هذا وحقُّ كتاب الأستاذ عنان أكثر من هذه الكلمة، لأنهُ بذل فيه من الجهد في المراجعة والتثبت والنظر ما عهد فيه، ولولا أن أحدنا إذا أمسك قلمه للكتابة انفتحت له الأبواب من كل ناحية، وتطلب كل باب منها مقالة أو أكئر لتركنا النفس على غُلوائها، وعرضنا للقارئ تفصيلا لما أوجز الأستاذ عنان، ووقفنا عند كل ما يثير في النفس أفكارها وآراءَها وخيالها وآلامها من الظلم والغبن والتجاهل التي نزلت بالفكر العربي.

стр. 717

٢ - قلب جزيرة العرب تأليف "فؤاد حمزة" المطبعة السلفية ومكتبتها سنة ١٣٥٢ - ١٩٣٣ قام كثير من الأعاجم الأوربيين، وجاسوا خلال الجزيرة العربية، ودرسوا -على قدر ما وفقوا إليهِ- أمر هذه البلاد، وألّفوا في ذلك كتبًا كثيرة تشهد لهم بالفضل والبراعة والسبق إلى ما تأخر عنهُ أبناءُ هذه البلاد وأحبَّاؤها من أحفادها الذين رحل أجدادهم منها إلى بقية البلاد التي تنطق بالعربية الآن كمصر والشام والمغرب وغيرها. وقد وضع بعض العرب كتبًا عن الجزيرة العربية إلَّا أنها لا تفي بحاجة الأمم العربية المتباعدة، ولا تكشف لهم عن سرّ هذه الجزيرة، ولا تقوم صلة بينهم وبينها. وقد أثار هذا الأستاذ فؤاد حمزة لتأليف كتابهِ (قلب جزيرة العرب) على أتمّ ما رأى من طريقة لتعريف أبناءِ العربية ببلاد العربية، والأستاذ فؤاد أقرب من ننتظر منهُ الإجادة في غرض كهذا لأنهُ عربيٌّ يخلص لهذه البلاد، ثم لأنهُ قد سلخ أعوامًا طوالًا في قلب الجزيرة (بلاد نجد) وفي الحجاز الذي فاء إلى حُكم ابن سعود النجدى، ثم هو قد تقلَّب على رمالها كما تقلب في سياستها وأمور دولتها. فإذا كتب في حال هذه الجزيرة في أيامنا هذه كان أقرب إلى الإجادة ممن يدخلها سائحًا يخرج منها كاتبًا أو مؤلفًا. وقد بدأ كتابه بذكر طبيعة الأرض العربية، وتكوينها الجيولوجى وما في هذه البلاد من أنهار وبحيرات وغير ذلك من سهولها وجبالها وجوّها وأمطارها وسيولها الكثيرة. وهذا بابٌ واسع جدًّا كان على المؤلف أن يستوفيه لولا ما في ذلك من المشقة والتعنت، والحاجة التي لا تتمُّ من الآلات الحديثة التي يصعب نقلها واستعمالها، وبخاصة إذا كان الذي يقوم بذلك فرد برأسهِ لا أعوان له ولا أنصار. وقد كان من الفرض على الأمم العربية أن تتعاون على ذلك، إلا أن المآرب السياسية قد عاقت ذلك وأخَّرته إلى أجل نسأل الله أن لا يجعله بعيدًا. ثم أتبع

стр. 718

هذا بالكلام على الحالة الاجتماعية في الجزيرة، وهذا كسابقه مما لابدَّ لهُ من التوسع حتى يقع في مجلدات ولكن المؤلف أوجزه على خير ما يكون الإيجاز وعرض فيه للقارئ أهم ما يفكر فيه أو يخطر على باله وأجاد في ذلك إجادة الخبير الذي شاهدَ وسمعَ وفهمَ كل ما شاهدَ وما سمع بعين عربية وأذن عربية وقلب عربيّ، ونقول ذلك لأن كثيرًا ممن كتبَ من الأعاجم إنما رأى بعين أعجمية وسمع بأذن أعجمية وتلقف ذلك بقلب أعجمى حتى كثر الخطأُ في كلامهم، ثم لأن السياسة كان لها يد ورجل أيضًا فيما كتبوا ودوّنوا من شؤون هذه البلاد الاجتماعية والسياسية. ويلى هذين البابين، باب قد استكمل بهِ المؤلف نقصًا كبيرًا في فرع من علوم العرب ألا وهو "الأنساب". فإن علم الأنساب (أنساب القبائل وغيرها) كان من أهم ما امتازت بهِ الأمة العربية، وقد ألف المتقدمون في ذلك الكتب المطوّلة، واستقصوا فيها أنساب العرب قبيلة قبيلة وبطنًا بطنًا وفخذًا فخذًا ولم يتركوا صغيرًا ولا كبيرًا في هذا الباب إلا ذكروه، ففي هذا الباب حشد المؤلف ما في الجزيرة الآن من القبائل وفروعها على قدر ما أتيح لهُ، وتوثق لذلك من أهل البلاد وعلماء الأنساب فيها وردَّ ما استطاع من هذه القبائل إلى أصولها من القبائل العربية الأولى، وبذلك وصل بين هوَّتين في تاريخ النسب العربيّ، وكان أسبق من أخرج للناس هذه الأنساب التي أهملها مؤرخو هذا العصر. فلما انتهى المؤلف من التعريف بالقبائل التي تسكن البادية العربية الآن أوجز تاريخ الحكم الذي مرَّ بهذه الجزيرة حتى انتهى إلى الدولة القائمة الآن - دولة عبد العزيز بن السعود وآله. هذه ترجمة ما في الكتاب من العلم، وبقى علينا أن نقول الكلمة في قدر هذا الكتاب وغيره من الكتب التي من بابته. فالأُمم العربية الآن تمزقها السياسة الاستعمارية التي تتولى كبرها وتحمل أوزارها أمم الأعاجم من الأوربيين. وقد بلغوا مبلغًا عظيمًا في التمزيق والتفريق بالدسائس حينًا وبالتعليم الفاسد حينا، وبالنكبة القاصمة التي تدفَّق علينا سيلها وسماها الناس الجنسيات وتهافتوا عليها كما يتهافت الفراش على حتفه من النار. ولابدَّ للأمم العربية فيما بين الصين إلى

стр. 719

أقاصى الغرب أن تعلم أن الجنسيات فتنة لا يراد بها إلا الشرَّ للعرب أولًا وللشرق الغنى ثانيًا، أن تعلم أن حياتها في النصرة والتعاون والتآزر، وأن تعلم أن لا حياة لواحدةٍ منها ما دامت الأخرى لا تزال على (المشنقة) الاستعمارية، وأن تعلم أن لا سبيل إلى الحرية إلَّا بالعلم الإنسانيّ الذي يتلقفهُ قلبٌ عربيٌّ ليبقى عربيًّا لا ليتحوَّل من عربيتهِ إلى أرجوحة بين العربية والأعجمية. وما من سبيل إلى ذلك إلَّا بإيقاظ الإحساس العربيّ في كل قلب، وعقد الآمال على المادة العربية والمجد العربي، وما من سبيل إلى إيقاظ هذا الإحساس إلا بالتعارف والتكاشف، وسبيل التعارف الآن هي هذه الكتب التي تكشف للعرب عن خفايا بلادهم وتصل ما تقطَّع من أواصرهم بالمعرفة وفي المعرفة المحبة، وفي المحبة التآلف، وفي التآلف التناصر، وفي التناصر الحرية والاستقلال. وهذه الجزيرة العربية -على ما فيها من الضعف- هي مادة هذا التناصر، وهي مهوى قلوب الأمم العربية والإسلامية وهي معقدُ الآمال، وهي حصنُ العرب وإليها تحشد القوى الأعجمية وتدبر الدسائس، وفيها تلقى الفتن، وتوقد نيرانُ العداوة بين أهليها. . . لأن الأعاجم الأوربيين يعلمون من ذلك ما يتجاهله أبناء العربية أو ما يتورطون في تجاهله وإنكاره. فعمل الأمم الناطقة بالعربية على التعارف والتكاشف هو عملها إلى الحرية والمجد والظفر بالأماني والآمال.

стр. 720

الينبوع نظم الدكتور أحمد زكي أبي شادى في أواسط القرن الرابع بدأ الشعر العربي ينزل درجات، وكان في سقوطه يتحسن بأثواب من جمال اللفظ يوارى بها سوآته ويستر عُرَرَه، وكان الشعراء يتعملون في استخراج أنواع من البديع والاستعارة والمجاز والإشارة واستوفوا بذلك غاية بعيدة في تركيب الألفاظ وترتيب الكلام. وبقى الشعر يسفل بعد ذلك حتى نجحت في القرن الماضي طائفة من الشعراء ردَّت إليهِ شبابه، وأعادت عليهِ جدته. إلَّا أن هذا الشعر لم يكن بالذي يرضى هذا الجيل الحاضر من الأدباء، فخرج عليه جماعة ممن تثقفوا بآداب الأعاجم من دول أوربا فبدأت هذه الجماعة تبتدع لنفسها طريقة في الشعر وذلك بإجادة المعاني وتحسينها وتحقيقها والتوسع في النظر إلى أوائلها وأواخرها وتابعها ومتبوعها وعلاقاتها بالنفس وآثارها في القلب إلى غير ذلك من الأغراض. ثم ترى بعضهم قد أهمل اللفظ واستجادته واختياره، ولم يلقوا بالًا إلى الصيغ العربية التي لا يفهم الكلام إلَّا بها، ولا ينعقد المعنى إلَّا عليها. وأغلب الظن أنهم يظنون أن هذه العبارة التي ينشئونها تؤدي المعنى الذي أرادوه، فيلقون بها دون روية أو تثبت، فإذا جاء القارئ ليفهم الكلام على عربيته لم يخرج بشيء ولا يجدى عليه إلَّا أن يتوهم مراد الشاعر توهمًا. غير أن الحقيقة التي لا ينكرها أحد أن كثيرًا من هؤلاء الشعراء قد انطوت أشعارهم على كثير من جليل المعاني ولكنهم أفسدوها بضعفهم في البيان وقلة عنايتهم بالأساليب العربية الجميلة التي يطابقون بها لين المعنى الذي أرادوه والصور التي تنشئها هذه الأساليب في ذهن القارئ البصير. ونحن لا نرى للشعر معنى إلّا بهذه المطابقة بين المعنى المراد والأسلوب المتخذ أداة للتعبير عنه، وإلَّا فإن المعاني الشعرية لا تزال قائمة في أنفس الشعراء من أول عهد الإنسانية إلى هذا اليوم، ولا يتقدم شاعر على شاعر إذا تساويا في المعاني، إلَّا بالبصيرة البيانية النافذة التي تقع بهِ على الألفاظ والأساليب التي تطابق المعاني القائمة في نفسهِ.

стр. 721

هذه كلمة موجزة أردنا أن نقدم بها لذكر ديوان صديقنا (الدكتور أحمد زكي أبي شادى) الذي سماه (الينبوع). ورأيي في شعر أبي شادى أنه جيد المعاني، فربما أراد هذا الشاعر معنى جليلًا ولكنهُ لا يأخذ نفسهُ بالمطابقة بين المعنى الذي أراده والأسلوب الذي يعرضه فيه، وهو يعلم ذلك في شعره فيحتج له ويدافع عنه. ولعلّ الرافعي أراد ذلك حين قال في كلمة سمعتها منهُ أن أبا شادى (مبتدع طريقة). وذلك أن أبا شادى قد صار في شعره على وحي الخاطر (كما يقولون) دون التنقيح والتصفية والاختيار وجعل هذا مذهبًا من المذاهب التي يسلكها الشعراء. وأنا لا أفتات على الرافعي في مراده من هذا الوصف. ولكن ذكرتهُ كما سمعته فإن أخطأت في تأويلي فذلك مِن قبَلى لا مِن قِبَله. هذا وقد قرأت ديوان أبي شادى الجديد فوجدت فيه نفسه بنشاطها، وقلبه بشبابهِ، عقله بتوثبهِ، وعلمه بتنوعهِ، فهو أكثر شعرائنا استخراجًا للمعاني ولأغراض المعاني. وأنت إذا أخذت أحد دواوينه أعجبك من شأنه هذا التنوع في الأغراض التي يرمى إليها بشعره، وهو في هذا كثير المعاني الجيدة، وقد تقع له الألفاظ العالية والتراكيب القوية مما يدلنا على أنه لو توفَّر على الأخذ بأساليب لغته لأخرج لنا في الأدب العربي أدبًا باقيًا قويًّا ناضرًا جميل الظاهر والباطن. ويجدر بنا هنا أن ننقل كلمة للجرجانى في الوساطة فهو يقول عن نظم الشعر ونقده "وملاك الأمر في هذا الباب خاصة، ترك التكلف، ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه، والعنف بهِ، ولست أعني بهذا كل طَبع، بل المهذب الذي قد صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة. وأُلْهِم الفصلُ بين الردئ والجيد، وتصور أمثلة الحسن والقبح". فهذه الكلمة نسوقها إلى الشعراء، فإن الشعر إذا كان متكلفًا في استجادة اللفظ واختيار المعاني لم يكن شيئًا، وخير الشعر هو المرسل على سجيةٍ، الآتي مِن طَبْع، ولكن شرط الطبع والسجية هو هذا الذي قاله الجرجانى في كلمتهِ، ولو اجتمع هذا لشعرائنا لكان لنا من شعرهم فنٌّ تستروح له القلوب وترف عليه الأرواح.

стр. 722

النثر الفني في القرن الرابع تأليف الدكتور زكي مبارك: جزآن. مطبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٥٢ يطلب من المكتبة التجارية مما ابتُلى بهِ النُقَّاد في هذا العصر كثرةُ الكتب وضيق الوقت فما أظن أن ناقدًا ينصف نفسه وقرّاءَ كلامهِ يدّعى أنهُ حين يضع بين يديه كتابًا كالنثر الفني الذي نتكلم عنه بعدُ، ويأخذ في قراءَته وتتبُّعه يستطيع أن يكتب عنهُ كلمة وافية في ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين، ثم هو بعد ذلك لا يستطيع أن يجعل كل ما يريد أن يقوله في صفحات ثلاث من مجلة كهذه المجلة، فربما كانت كلمة واحدة مما عرض في الكتاب تستنفد في نقدها أو نقضها كلمات تضيق بها عشر صفحات. هذا ما تردد في نفسي حين حملت القلم لأكتب عن كتاب النثر الفني في القرن الرابع. ولا يعنيني في هذه الكلمة أن أقول إن في الكتاب كيت وكيت من الأبواب والفصول فإن المطابع قد سهلت على كل أحد أن يطلع على ما شاء من الكتب مبتذلها وعزيزها، وإنما يعنينى أن أقول كلمة عن أهم ما عرض في هذا الكتاب من الآراء التي ينبغي للقارئ أن يمحصها قبل أن يأخذ بها أو يعتقد في نفسه أمرها أو صحتها. فمن أوَّل ذلك قول المؤلف في ص ٣٣ من الجزء الأول "هل كان للعرب نثر فني في عصور الجاهلية، وهل كانوا يفصحون عن أغراضهم بغير الشعر والخطب والأمثال؟ "لقد اتفق مؤرخو اللغة العربية وآدابها كما اتفق مؤرخو الإسلام على أن العرب لم يكن لهم وجود أدبى ولا سياسي قبل عصر النبوة، وأن الإسلام هو الذي أحياهم بعد موت ونبههم بعد خمول. وهذا الاتفاق يرجع إلى أصلين: فهو

стр. 723

عند مؤرخى الإسلام والمسلمين تأييد لنزعة دينية يراد بها إثبات أن الإسلام هو الذي خلق العرب خلقًا وأنشأهم إنشاءً، فنقلهم من الظلمات إلى النور، ومن العدم إلى الوجود. وهو عند مؤرخى اللغة العربية، وآدابها يرجع إلى الشك في كثير من النصوص الأدبية التي أُثرت عن العرب قبل الإسلام من خطب وسجع وأمثال". ولا أريد في هذه الكلمة أن أعترض على صاحب الكتاب في وصفه النثر بقوله (الفني) ولا أن أطالبه بحكمة هذا الوصف وإن كنت قد جهدت أن أجد لها معنى يقوم عذرًا لهُ في وضعها فأعيانى الطلب. والواقع أني قرأت الكتاب فلم أعثر فيهِ على حدٍّ أو تعريف لما سمَّاه النثر الفني، وكلما أردت أن أجمع له حدًّا أو تعريفًا من معنى كلامهِ وجدت في غيره من معاني كلامه ما يتفارط عنده ما جمعت لهُ من الرأي. وكان صواب التأليف غير ذلك، لأنهُ جعل هذه الكلمة (النثر الفني) موضع الجدَل بينه وبين خصومه في الرأي من المستشرقين ومن تابعهم في هذا الشرق العربي. وما يقوم الجدل عليه ويقصد القول فيه، لا يصح أن يكون موضع شك أو غموض أو إبهام أو اضطراب. يقول صاحب الكتاب "هل كان للعرب نثر فني؟ " ونحن نجيب عن هذا السؤال بما نضمنه ما نوافقه فيه وما نخالفهُ عليهِ. فقد كان العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب إلَّا قليلًا من أهل المدن كمكة والمدينة (يثرب قديمًا) وأطراف اليمن ومشارف الشام ونواحي الحيرة، وهؤلاء الكتاب لم يكن لهم تأثير بيّن في الأمة العربية لأن جماعة العرب لم تكن لذلك العهد (قبل الإسلام) تعرف الكتابة والخط ولا كان من همهم ذلك، ولو افترضنا أن هذا العدد القليل الذي وصف بالكتابة كان يكتب وعنينا أنهُ كان يؤلف، بقى الأمر على ما هو عليهِ إذ كانوا -على ذلك- يؤلفون لمن لا يقرأ ولا يكتب. ومع هذا فقد كان العرب يتخذون الكتابة في بعض الأغراض كالعهود والرسائل العظيمة الخطر كالذي يروون مما كتبه لقيط بن يعمر الإيادىّ إلى قومه إِياد بالحيرة يحذرهم كسرى (سابور ذا الأكتاف) وكان قد أجمع على غزو إيادٍ فأرسل لهم لقيط -وكان كاتبًا بديوان كسرى- قصيدتهُ المشهورة التي يقول فيها:

стр. 724

يا قوم لا تأمنوا إن كنتمُ غُيُرًا ... على نسائكم كسرى وما جمَعا قوموا قيامًا على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأَمْنَ مَن فزعا ويقول في آخرها: هذا كتابى إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيهُ منكم ومن سمعا وقد ورد في ذكر العهود المكتوبة شعر جاهلى كثير منه قول الحارث بن حِلّزة اليشكرى في الحرب التي كانت بين بكر وتغلب. واذكروا حلف ذي المَجاز وما قُـ ... ـدِّم فيه العهود والكفلاءُ حَذَرَ الجور والتعدى وهل ينقُـ ... ـضُ ما في المَهارق الأهواءُ ويعني بالمهارق كتب العهود والمواثيق التي كانت بين بكر وتغلب أيام الهدنة والصلح. فنحن لا نستطيع أن ننكر أن العرب كانوا يكتبون ويتراسلون في بعض الأحايين، ولكننا نستطيع أن ننكر أنهم كانوا يصنفون الكتب ويؤلفون الرسائل في الأغراض الكثيرة. ويجب على المفكر في هذا الأمر أن يعلم أن كلام العرب في محاوراتهم ومجالسهم وخطهم كان هو الكلام المتخذ في الرسائل والعهود وغير ذلك إذ أن هذه اللغة العربية التي بين أيدينا والتي نزل بها القرآن والتي كان يتكلم بها الرسول ﷺ وصحابته ﵃ كانت إلى القرن الثاني والثالث من الهجرة تؤخذ من أفواه العرب البداة. فلا يعقل بعد ذلك أن يكون في الجزيرة العربية كُتاب قد تفرغوا للكتابة حتى نسأل هل كان هناك (نثر فني) أو لم يكن فإن هذا السؤال يقتضي أن يكون في الجزيرة فئة قد تجردت للكتابة فعلت على غيرها من عامة الناس في الأسلوب البيانى. هذا والرسول نفسهُ ﷺ كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وكان يعد أفصح العرب، وكان من أصحابهِ من يجيد الكتابة كعُمَر وعلىّ وزيد وعثمان ﵃ ومن يتدبر هذا يجد أن النثر على المعنى المعروف عندنا لم يكن مما تتطلبهُ العرب وتتفرغ له وتتفوق فيه وإنما كان كلامهم كله مرسلًا على سجية واحدة إلَّا الشعر فإن الذي ميزه هو الوزن والقافية.

стр. 725

أما قول صاحب الكتاب أن مؤرخى الإسلام اتفقوا على أن العرب لم يكن لهم وجود سياسي أو أدبى قبل النبوة فهذا قول مرسل لا حد له، وهو كلام لم يقل بهِ أحد من العلماء وإنما كانوا يعنون بما يصفون بهِ العرب من الجهل والضلال ما يتصل بأمر الدين والتوحيد وإلَّا فإنهم قد استشهدوا في تفسير القرآن نفسه بنوع من كلام العرب وهو الشعر. أما المسألة السياسية والكتلة الدولية فإنهم يعنون بذلك أن لم تكن أمة متآزرة ذات حكم واحد وسيادة متصلة من أعلى الجزيرة إلى أسفلها بل كانت قبائل متنازعة يأكل بعضها بعضا حتى جاء أمر الله ونزل القرآن على محمد ﷺ ليكون مبشرًا ونذيرًا وهاديًا إلى الله بأمره وسراجًا منيرًا فألّف بين قلوبهم وأصبحوا بنعمته إخوانا وقاتلوا في سبيل الله حتى فتحوا الأرض واستولوا على ملك كسرى وقيصر. وليس في هذا موضع للجدال. . . ولا اتفاق -كما يقول صاحب الكتاب- يرجع إلى أن مؤرخى الإسلام يقولون ذلك تأييدًا لنزعة دينية يراد بها إثبات أن الإسلام هو الذي خلق العرب خلفا وأنشأهم إنشاءً فأخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن العدم إلى الوجود. . . هذا على أن القرآن قد أخرج العرب حقيقة من الظلمات إلى النور. ثم إن المؤلف أراد بعد ذلك أن يجعل القرآن أثرًا جاهليًّا "فإنه -نسأل الله المغفرة- من صور العصر الجاهلى، إذ جاء بلغته وتصوراته وتقاليده وتعابيره" ص ٣٨ فلو كان ذلك كذلك فما فعل القرآن بالعرب حتى أخرجهم من الظلمات إلى النور وكيف يجئ ما هو من عند الله مطابقًا لتصورات العرب وتقاليدهم على ما فيها من الطبيعة البشرية الضعيفة الهالكة الجاهلة. وهذا القرآن الذي يعدهُ صاحب الكتاب أثرًا جاهليًّا هو الكتاب نفسه الذي أعجز عرب الجاهلية جميعًا وتحداهم وطالبهم وسخر منهم ووضع من آلهتهم وحقرها وأثار أحقادهم وأضغانهم. ولو كان هذا القرآن قريبًا من كلامهم أو شبيهًا بهِ لما عجز بعض بلغائهم عن الإتيان بمثل سورة من سورهِ كما طالبهم بذلك وتحداهم. ونحن لا ننكر أن كل ما في القرآن من لفظ إنما هو من ألفاظ العرب كما أن أكثر ألفاظ كتّابنا الآن بل كتّاب القرن الرابع الذي يتكلم عنه صاحبهُ إنما هي ألفاظ عربية،

стр. 726

ونحن لا نعدُّ أسلوبنا أو أسلوب القرن الرابع في النثر مقاربًا أو شبيهًا بالنثر الجاهلى فكذلك القرآن من النثر الجاهلى بهذه المنزلة، فألفاظ القرآن هي الألفاظ العربية ولكن نظمه وسياقه وبلاغته ومواقع كلماته المعجزة لا صلة بينها وبين أي كلام من كلام البشر في جاهلية أو إسلام. ولماذا يعدُّ صاحب الكتاب هذا القرآن من النثر الجاهلى، ويتخذه دليلًا على وجود النثر في الجاهلية مع أن الحديث النبوي وكلام الصحابة المرويّ بالأسانيد الصحيحة الثابتة هو أقرب في الأدلة وفيهِ بغية صاحب الكتاب. فأنت إذا قرأت السيرة وجدت كثيرًا من كتب الرسول إلى القبائل والأمم ووُلاة جيوشهِ ووجدْت أكثر من ذلك في كلام أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وغيرهم من أهل الجاهلية الذي أسلموا واتبعوا الرسول النبيّ الأميّ ﷺ . القرآن كتاب الله، فإذا أردنا أن نبحث عن الأدلة عن النثرِ الجاهليّ فهو في كلام الصحابة والرسول نفسه. هذا ونحن نعتذر إلى القراءِ عن تقصيرنا في الكتابة عن كتاب النثر الفنيّ فإنّ لهذا موضعًا آخر إن شاءَ الله.

стр. 727

مقاليد الكتب ١ - ديوان عبد المطلب قامت بطبعه ونشره مطبعة الاعتماد سنة ١٩٣٤ وقف على طبعه الأستاذ محمد الهوارى وشرحه وصححه الأستاذان (إبراهيم الأبياري) و (عبد الحفيظ شلبي) كان عبد المطلب ﵀-على كثرة ما يعاودهُ من الأمراض- فتيًّا تسمع لحديثه رنّات مجلجلات كأنما يتكلم وحده في بيداءَ تتداعى أصداؤها، وكانت الكلمات العربية الخالصة تتحدّر من لسانِه ومن بين شفتيهِ وعليها ميسم العرب الخُلَّص إلَّا في قليل من الحروف، وذلك القليل هو حرف (الضاد) فإني كنت أسمعهُ ينطقه على لهجتنا (أعني أهل مصر) كأنهُ دالٍ مفخمة (١)، وكان الرجل في إحساسه بوداد أصدقائه كأنما خلقت أعصابه كلها من المادة التي يُخْلَق منها القلب الرقيق الوفيُّ، ولذلك كان أهون الناس عداوة على الرغم مما ترى من شدتهِ وجفائهِ في الخصومة، ولذلك أيضا كان أحسن الناس تقديرًا لمعاصريه من الأدباء لا يداخله في ذلك حسدٌ. هذا الإحساس الرقيق وحده كان هو موضع الشعر في عبد المطلب، فإذا صعب على أصحابنا من الأدباء أن يعدُّوا شعر عبد المطلب كله من عالى الشعر في هذا العصر، فليس منهم من يستطيع أن ينسى أن رجلًا من الرجال اسمهُ عبد المطلب رحمة الله عليه كان كما خلق إنسانية من الشعر لا إنسانًا من الشعراء. وأنا حين أقرأ شعر عبد المطلب لا أشك ساعة في أمرين. أما أحدهما: فكون هذا الشعر ليس من النمط العالى الذي تقوم بهِ البلاغة العربية في هذا العصر وإن كان هو من حيث العربية وعلومها من جيد الكلام وجزلِه ورصينهِ ومحكمهِ.

стр. 728

فإن اتساع الفكرة في هذا الزمن ثم بساطتها ثم خفاءِ موضع الفلسفة العالية فيها، ثم تغلغل النظرة الفلسفية إلى أعماق الحقيقة الحية في الكون هو رأس ما يمتاز بهِ كبار الأفذاذ والبلغاءِ في عصرنا هذا. وهو النوع الذي لم تعرفهُ العربية إلَّا في القليل من شعرائها، وفي القليل من شعر هؤلاء الشعراء. وليس في العربية من هذا النوع إلا معجزتان: إحداهما القرآن، والأخرى ما صحَّ من حديث الرسول ﷺ ففيهما وحدهما تبلغ الفكرة في نفسها، ثم بتعبيرها وألفاظها، ثمَّ بشمول معانيها لجميع الحقائق الواشجة بها، ثم بسريانها من ألفاظها وكلماتها مسرى الرَّوْح العطر في جوّ السَّحَر، ثم فوق ذلك كله البساطة واللين والتقارب والتعاطف بين هذه المعاني كلها -نقول يبلغ هذا كلهُ مبلغا يكون منه ما هو كنسيم الجنة في طيبه ونعمته، ويكون منه ما هو كحزّ المواسى في علائق القلوب، ويكون منهُ ما هو كالنار تستعر وتتلذع، ويكون منهُ ما ينتظم البنيان الإنساني البليغ المتفهم فيهزُّه هزّ الزلزلة أعصاب الأرض وبهذا كان القرآن معجزًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبمثله كان حديث الرسول ﷺ هو ذروة البلاغة البشرية التي تتقطع دونها أعناق الرجال .. * * * أما الأمر الآخر الذي لا أشك فيه حين أقرأ شعر عبد المطلب، فهو هذه الحياة التي تترقرق في شعره وإن كان هذا الشعر نفسهُ على النمط الذي يسمونه (التقليدي)، فهو يصف الإبل ويتغزل لافتتاح القصيدة ثم يتخلص من غزلِه إلى المدح أو أي غرض كان من أغراض الشعر إلى غير ذلك من الملامح التي يحفظها هذا الشعر الحديث لشعر آبائنا ﵏ في عصورهم الماضية. فالعجب أن يكون عبد المطلب وهو الرجل العربي الذي احتفظ بعربيته في القرن العشرين يحاكى شعر أجدادنا وأجداده ولا يخرج الشعر من فكره فاترًا ميتًا بل يخرج وهو يتحرك وينبض وكأنهُ شعر عصره الذي كان يمكن أن يقال فيه هذا هو العجب. وهو عندي الدليل الوحيد على ما كان في نفس عبد المطلب رحمة الله عليه من أسباب الشعر ومادته الحية.

стр. 729

فكانت مقدرة هذا الرجل الشاعر في نقله صورة من القرون الماضية وحياتها إلى القرن العشرين. . . نقل هذه الصورة ولم يدعها كما أتته بل أرسل فيها من شاعريته، ما أحياهما ونفخ فيها الروح حتى لا يشك المرءُ في أنها لا تزال حية بين يديه مع اختلاف الأزمان عليها وتطاول العصور بها. ومن هنا كان يسمى نفسه بالشاعر البدويّ لأنهُ هو الذي استطاع في شعره أن يعطينا صورة حية من إنسانية قد مضت ونفذَ بها الأجل في ثوب من العربية الفصيحة التي لا عجمة فيها ولا فساد. * * * هو هذا الشاعر البدوي كما بدا لنا قبل أن نقرأ ديوانهُ مجموعًا وبعد أن قرأنا ديوانهُ مطبوعًا فمن شاءَ أن يختار لدراسة الشعر القديم أستاذًا يهديه فليرجع إلى ديوان عبد المطلب فسَيَسْهُل عليهِ بعد ذلك أن يحسَ بجمال الشعر البدويّ حين يقرؤه لامرئ القيس وغيره من شعراء الجاهلية ومن جاءَ على آثارها. وليعذرنا القارئ إذا بدا له أنّا لم نختر لعبد المطلب ما نثبته في هذه الكلمة، فإن باب الكتب في هذا الشهر لا يحتمل أكثر مما كتبنا، وليرجع إلى الديوان نفسه وليقس على ما قلناهُ فسيجد ذلك صوابًا - إن شاءَ الله.

стр. 730

٢ - مرشد المتعلم تأليف السير (جون آدمز) أستاذ التربية بجامعة لندن سابقًا -وترجمة الأستاذ (محمد أحمد الغمراوى) خريج المعلمين العليا وجامعة لندن والمدرس بكلية الطب- من مطبوعات لجنة التأليف والترجمة والنشر بدار الكتب المصرية سنة ١٩٣٤ الأستاذ الغمراويُّ كما عرفتهُ من سنين رجل موفق فيما يتعمده من الأمور، مرَتَّبُ الحديث كأنما يحدثك عن كتاب، واسع الفكرة بسيطها حتى ليخيل إليك أحيانا يتكلَّمُ بكلام يتداولهُ الناس لا عمل للفكر الدقيق فيهِ، ولكنك إذا راجعت نفسك فيما تسمع رأيت التوفيق معانًا بالترتيب، مقدَّرًا بالفكرة، محفوفًا بالبساطة والحرية والجمال. وإذا أردت أن تتبيَّن ما وصفنا لك فاقرأ كتابًا يؤلفهُ رجلٌ يدرّس الكيمياء ويريق عليها من شبابه، في باب يتباعدُ ما بينهُ وبين الكيمياء وهو الأدب. اقرأ كتابهُ الذي ألّفهُ في رد الرأي الذي أذاعهُ الدكتور طه حسين عن الشعر الجاهلي فسترى كيف (يحلل) هذا الكيميائى كتاب الدكتور طه ويصنف لك في (تحليله) أنواع الجراثيم الفكرية التي وقعت فيهِ، ويقيدها لك بسلاسل من العلم، ويضع لك الدواءَ الذي يذهب بها ويميتها ونحن لا نقول هذه الكلمة لننتصر برجل على رجل، بل نقولها لأن الحقيقة تفرض علينا أن نقول ذلك وأن ندعو -ما تعرَّضت الفرصة- إلى قراءَة هذا الكتاب الذي لا غنى لأحد من الأدباء عنهُ لأنهُ هو الكتاب الذي أدخل في الأدب دقة التحليل الكيميائى ومزج بين الفكرة العلمية المتلبّثة المتَثَبّتَة وبين الفكرة الأدبية الخيالية الجامحة وأخرج منهما (مزيجًا) شافيًا لما انتشر عندنا من الأمراض الأدبية الكثيرة. قلنا إن الغمراوى رجلٌ موفق فمما رأينا من توفيقه اختياره كتاب (مرشد المتعلم) للترجمة فإن المتعلمين في مصر وغيرها من بلاد العربية بل الذين يعدُّون أنفسهم من شيوخ المثقفين وكبار النابغين! ! هم أحوجُ الناس في الإرشادِ إلى مثل هذا الكتاب. ولعلّ كثيرًا من الذين يسمعون قولنا هذا أو يقرأونه يكبر عليهم أن

стр. 731

يكون ذلك كذلك. ولكن هذه هي الحقيقة لا تحجبها عنا إلَّا كبرياء النفس المتعالية. لقد كان القدماء من آبائنا رضوان الله عليهم يتخذون من شيوخهم أمثلة يسترشدون بها، وكانوا أقدر منا على ذلك لشدة تعلق الطالب منهم بشيخه من العلماء فهو يتشبه به ما استطاع، يسأله عن أشياء من صغائر العلم وأدب طلبه، يستحي أحد طلبتنا الآن أن يسأل عنها أباه أو أخاه أو أستاذه. ثم أن العلماء من المتقدمين كانوا يعمدون إلى طريقة بارعة في التدريس وهي التي يسمونها (التوقيف) ومعناها أن يدلَّ الشيخ ولده أو مريدهُ من الطلبة على أصول الشيء الذي يتلقاه عنه ويبسطها له ويدربه عليها، ثم يتركه يقيس عليها ثم يصحح له قياسه إن أخطأ. ولا يذهبنَّ بأحد أن هذا يشبه ما يسمونه الآن (بالتطبيق) فإن الفرق بينهما بيّن وليس هنا موضع تفصيل ذلك. فهذا التوقيف الذي كان يقال في الأيام الماضية، لا يقيد بالكتاب قد جاء في كتاب السير جون آدمز طرف بارع منه حاوٍ لأكثر ما يحتاج إليه المتعلم صغيرًا وكبيرًا أو كما يقولون (من المهد إلى اللحد)، فهذا هو الباب الأول من التوفيق في ترجمة هذا الكتاب. ثم يلى ذلك الباب الثاني من التوفيق وهو في طريقة الترجمة، فإن المترجم حين تعرض لها لم ينسَ ما ينساه جمهرة المترجمين في هذا العصر، وهو مقدار التخالف بين الأمة التي ألف لها ثم فيها الكتاب وبين الأمة التي يترجم لها وفي بلادها هذا الكتاب بعينه. وهذا أمر حتم على كل من يتصدّر للترجمة، فربّ مضرة استجلبها المترجم على قارئ كتابه بنسيان مقدار هذا التخالف بين الأمتين. ولكن الغمراوى أمسك المفتاح بيده وأداره في الكتاب كله فتسنت له وللقراء من بعده مغاليق الرأي، وكانت الفائدة أجل وأعظم وأوفي. وسيرى قارئ الكتاب حين يتمشى في صفحاته المثمرة كيف وفق الغمراوى كل التوفيق حين ترجم هذا الكتاب. أما التوفيق الثالث فهو أسلوب المترجم في كتابه وهذا أمر يفرغ من الاقتناع به كل من يقابل صفحات من الأصل الإنكليزي بأخواتها من الترجمة.

стр. 732

أما خير ما وفق إليهِ المترجم فهو الفصل الأخير وهو الملحق بالفصل السابع من أصل المؤلف وفيه ذكر كتب المراجع في العربية. وذلك أن الفصل السابع عند مؤلف الكتاب كان في كتب المراجع الإنجليزية فاستدرك الغمراوى ما يفوت غيره واستوفى بابًا هو أول ما رأيته مما كتب عن المراجع التي يحتاج إليها طالب العلم العربي. لم يترك مؤلف هذا الفصل بابًا من أبواب العلم العربي المتداول بين الناس إلَّا ذكر لك فيه طرفًا من الكتب الأولى التي لا يستغنى عنها متعلم أو متخصص في علم بعينه. ونحن لو ذهبنا نستقصى توفيق هذا الرجل في ترجمة كتابه أولا ثم في الفصل الملحق، وذكرنا من الحوادث والأخبار التي تذكرناها حين قرأنا في فصوله، مما يدل على حاجة كبار المثقفين منا إلى الاسترشاد به لأدخلنا الضيم على صفحات نقد الكتب من هذه المجلة. فقصارى ما نعمل هنا أن نحمل شكر الأمة العربية إلى هذا المترجم البارع ثم نسأل الله أن يزيده فيما هو بسبيله توفيقًا وهدى، وأن يهدي قراءنا وأدباءنا إلى الاستفادة من (كتاب مرشد المتعلم) فإن فيه -إن شاء الله- رى النفس، وهدى العقل، واطمئنان القلب إلى طريقة محكمة في التحصيل والتفكير.

стр. 733

٣ - مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام تأليف الأستاذ محمد بن عبد الله عنان. طبعة ثانية بدار الكتب المصرية سنة ١٣٥٢ - سنة ١٩٣٤ ظهر هذا الكتاب من عدة سنوات فلقى من الانتشار وأُلقى عليهِ من المحبة ما لا تبلغه كثير من الكتب العربية التي تطبع في بلادنا. وسبب ذلك على الأرجح ما لهذا الغرض بعينه من الشوق في قلوب الناس من أهل الشرق. فطغيان الحياة الأوربية التي تنقل إلينا على ظهور البواخر كل يوم وعلى ظهور الآدميين وعقولهم وشهواتهم بما فيها من الفساد والضعف والانحلال، وبما فيها من العلم والقوة والنبوغ أيضًا، .. هو من أهم ما يحفز أكثر المثقفين المفكرين إلى درس المواقف التي كانت سبب التحاجز بين أمم الغرب والأمة العربية المسلمة، تلك المواقف التي جعلت للتاريخ الإسلامي صورة ينساها أبناء الإسلام، ويحقق النظر فيها علماء الأمم المسيحية ليأخذوا منها العبرة الباقية على مدى العصور واضحة جليلة مفصحة مبينة. المواقف الحاسمة التي وقفت من سيل المسلمين بدينهم ومرَّنت الأمم المسيحية على خُلُق المسلمين وآدابهم وعاداتهم وشيء من دينهم، كانت ولا تزال مادة للتاريخ الحي الذي يجب على كل شرقي أن يوجد العناية بهِ في نفسه إن كان لا يجدها، وذلك لما فيها من مفاخر السلف العاملين، وفي هذه المفاخر أصول للقدوة والاتباع فيها إنقاذ الحياة الشرقية من الفوضى والجهل، واستخلاصها من براثن الاستعمار الذي لا يدع للقويّ قوة يفزع إليها، ولا للضعيف عدة يستنصر بها. ولعلَّ أول مَن اعتنى مِن كتّاب العصر الحديث بهذا هو الأستاذ محمد عبد الله عنان فقد كتب كتابه هذا باذلًا أقصى الجهد في تحقيق ما هو بسبيله من التاريخ على قدر ما يكون في طاقته مخلصًا في ذلك كل الإخلاص. ولهذا

стр. 734

الإخلاص يغتفر له من يقرأ كتابه بعض الزلات. ولهذا نفسه كان هو أول من رجع على فصول كتابه بالتعقيب فنقّح منها وزاد فيها ما صحَّ له من العلم. وهذا وحده فخر عظيم للأستاذ يجعله دائمًا في طليعة من يريد العلم للعلم، لا للشهرة والاسم. ولا نزيد قراءنا تعريفًا بالكتاب وكاتبه، فالكتاب قد أخذ قسطًا وافرًا من الشهرة في الأمم الشرقية والعربية، والكاتب له في قلوب الشرقيين مكانة ومودة. ويبقى علينا أن ننبه إلى شيء جديد وهو أن هذا الكتاب يكاد يختلف اختلافًا كبيرًا عن الطبعة الأولى منه، لما فيه من الفصول التي أضيفت له، وما دخله من التغيير والتنقيح حتى أصبح كتابًا مستقلًا يضارع الطبعة الأولى منه. فلا غنى لمن يملك الطبعة الأولى عن اقتناء الطبعة الثانية، ونرجو أن يوفق الأستاذ في طبعته الثالثة إلى إضافة فصول جديدة وإدخال تنقيح جديد في أبواب كتابه، فما من كلمة يكتبها أحدنا اليوم وإلَّا ويصبح وقد بدا له فيها. وهذا هو السر في تجدد العلم. وهو سرُّ العقول النابغة التي لا تفتر ولا تمل.

стр. 735

" ملوك الطوائف، ونظرات في تاريخ الإسلام " تأليف دوزي (المستشرق) وترجمة الأستاذ كامل كيلانى. نشرته مكتبة عيسى الحلبي وشركاه سنة ١٣٥٣ و ١٩٣٤ دوزي مستشرق معدود في الطبقة الأولى من الأعاجم الذين صرفوا قلوبهم إلى دراسة العربية وما فيها من الكتب. و"بعد" فقد كتبنا في مقتطف مارس سنة ١٩٣٣ أن الأمة العربية ابتليت ببليتين: أولاهما، أنهُ لم ينتدب أحد من أهل هذه اللغة إلى التنقيب عن آثار الأمة العربية التي طويت في أرضها بين يمنها وشامها وحجازها وعراقها ومصرها ومغربها وما سوى ذلك، والأخرى: أنهُ لم يخفَّ أحد إلى دراسة كتب العرب ولمِّ شتاتها واستخراج ما خفي من أساليب العرب وأحوالها وعاداتها في الاجتماع والأدب واللغة حتى جاءنا في هذا العصر أصحاب الألسنة الأعجمية من دول أوربا بأقوالهم في تاريخنا وأدبنا وديننا بالكلام الجيد تارةً والفهم الملتوي والتعليل الفاسد تارةً أخرى. فهذا الكتاب الذي ترجمهُ الأستاذ كامل كيلانى وتنَصَّل من الإثم فيه بقوله "إذا كان العلامة فخر الدين الرازي يقول في مقدمته لشرح "الإشارات" لابن سينا: "إن التقرير غير الردّ، والتفسير غير النقد" فما أجدرنا أن نقول "والترجمة غير النقد". نقول هذا الكتاب قِسْمان: الأول ما كتبهُ دوزى عن ملوك الطوائف والآخر فصول من كلام دوزى في تاريخ الإسلام. والأول أهونهما خطرًا وأقلهما خطأً والآخر ما هو إلا تركيب فاسد قد اجتمع لهذا المستشرق من (استخراج) فاسد من كتب التاريخ الإسلامي وغيرها وترقى فيها بالخديعة الكتابية إلى تأليف كلام يشبه التحقيق العلمي وما هو منه في شيء. وهذه عادة هذه الفئة من المستشرقين الذين يتعرضون لتاريخ الإسلام ورجاله، لا يتورعون عن عرض آرائهم في أسواق الكتب ثم لا يبالون إلا بالنسج الذي نسجوه غير ناظرين إلى الحقيقة العلمية. ولقذ قرأت هذا الكتاب ووقفت على ما فيه من مواضع الخطإِ وأحصيت عليه

стр. 736

الآراء التي ترفق في عرضها وأخذ يلوكها مرة ثم مرة مجمجمًا غير مصرّح، وكنت على عزيمة تبيانها للقارئ ولكني رأيت أن ذلك مما يستنفد معنا في هذا الباب من المجلة صفحات كثيرة، ثم وجدت أن الأستاذ "محمد أمين هلال" قد سبقني وكتب في جريدة البلاغ مقالات دقيقة اطلعت على الرابعة والخامسة منها، وقد وقف فيها عند ما وقفت عليهِ ودافع كلام هذا المستشرق بالحجة الصحيحة، وأوثر أن أنقل إلى القارئ هنا جزءًا من كلمة الأستاذ "محمد أمين هلال" التي نشرت في بلاغ (الثلاثاء ٢ جمادى الآخرة سنة ١٣٥٣ - ١١ سبتمبر سنة ١٩٣٤) لما فيها من الفائدة. "يظهر أن اتهام رجال العرب الفاتحين -خصوصًا في الدولة الأموية- بالوثنية والحنين إلى عهودها كان صدًى لما كان يشيعه أعداء الإسلام من أنهُ دين وثني وأن المسلمين جماعة من الوثنيين تغلبوا على الأرض المقدسة ونفوا منها كل فضيلة وإخلاص ولقد رأينا هذه الأقوال الكاذبة ينشرها دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة إبان الحروب الصليبية، فلما قفل الغزاة إلى ديارهم قصُّوا على قومهم أن أعداءَهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة ومجاملة. "ونحن إذا تخيرنا من بين خلفاء الأمويين -الذين يتهمهم العلّامة دوزى ببغض الإسلام- أبغضَ هؤلاء الخلفاء وأبعدَهم عن قلوب المسلمين وهو يزيد بن معاوية مثلًا نجده كان يعمل للإسلام ويأمر قواده بذلك فقد حدثنا التاريخ أن عقبة ابن نافع عامل يزيد لما فتح بلاد البربر وسار إلى السوس الأقصى حتى وصل إلى بحر الظلمات (المحيط الأطلنطي) قال "يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك" وأنه لما سار إلى (تهوذا) ورآه الروم في قلة طمعوا فيهِ فأغلقوا باب الحصن وشتموه وقاتلوه وهو يدعوهم إلى الإسلام ثم تكاثروا عليه وقتلوه. "ورأينا قتيبة بن مسلم عامل الحجاج بن يوسف "المشهور بغطرسته وقسوته" يخطب في الناس ويقول لهم: إن الله قد أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد لكم المال استفاضة والعدو قمعًا، ووَعَدَ نبيه ﷺ النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ووعد المجاهدين

стр. 737

في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ * ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنهُ حي يرزق فقال ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ * فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمض ألم وإياى والهوينا! "وقتيبة هذا هو الذي تلقاه ملك الصَّغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب ودعاه إلى بلاده وكذلك فعل ملك كفتان وأنصف له مِن مَلِك أَخْرُون وشُومان (١) وكتب إليهِ الحجاج يقول: إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلتَ فكن في أخرياتهم وساقتهم، حتى فتح بلادًا واسعة نشر فيها الإسلام فأخرجت العظماء من كتّاب المسلمين وفقهائهم ومحدّثهم وعلمائهم. "وهذا أشرس بن عبد الله السلمي عامل هشام بن عبد الملك على خراسان أرسل لأول عهده إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس هناك إلى الإسلام وحين كتب إليه أمير سمرقند إنهم لم يسلموا إلَّا تعوذًا من الجزية. قال له مَن اختتن وأقام الفرائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. وقد روى عن يوسف بن عمر عامل هشام على العراق أنهُ مع إسرافه في العقوبة كان طويل الصلاة ملازمًا للمسجد ضابطا لحشمه وأهله. وكان يصلى الصبح ولا يكلم أحدًا حتى يصلي الضحى. ولقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام وقد كان سيرته بلغتهم فأسلموا وتسموا بأسماء العرب.

стр. 738

"وهذا قل من كثر من موقف خلفاء الأمويين وعمالهم إزاء الإسلام وعملهم على نشره والترويج له في غير عنف ولا شطط، أفبعد هذا يقول عنهم قائل "إن تلك الأقلية العربية التي اضطرت إلى الإسلام اضطرارًا وأكرهت على الدخول في هذا الدين إكراهًا، عرفت كيف تثأر لنفسها حين سنحت لها فرصة الانتقام فتقاضت ثمن ذلك الفوز مضاعفًا وشفت غلة صدورها المكتومة" اهـ. هذا وكنا نراه لزامًا على مترجم الكتاب الأستاذ كيلاني أن يتعرض لهذه المواضع ولا يتنصل منها، نعم نحن نقول معه أن الترجمة غير النقد، ولكن ذلك صحيح حين يترجم للعلماء دون غيرهم، أما حين يظن في كتاب مترجم أنهُ مما يقع في أيدي الناشئين، فلا. . . إن أبناءَنا في المدارس المصرية من ثانوية وعالية لا يعرفون عن مثل عمرو بن العاص إلَّا أنهُ فتح مصر، وعن عمر بن عبد العزيز أنهُ كان خليفة وعن فلان وفلان مثل هذا أو أقل، فكيف نترك مثل هذه الآراء الفاسدة غذاءَ ألباب الذين يريدون من أبنائنا أن يقرأوا كتابًا سهلًا دانى الثمرة. وهم لا يعلمون من التاريخ دقائقه ولا من الإسلام إلَّا كلمات حفظوها لا تبلغ بهم درجة من العلم فيهِ. والمترجم الذي يقول في مقدمة كتابة للقراء إني قد آثرت نقل هذه الفصول من دوزى "لتبيان وجهة تفكير عالم أوربى كبير، وهي -وإن خالفت آراءَنا أحيانا في بعض مناحيها- جديرة أن تقرأ بعناية فائقة" الذي يقول هذا يجب عليهِ أن ينقد المغالطات والمفاسد بعناية فائقة كذلك في زمن قد اجتمعت فيهِ على التاريخ الإسلاميِّ عناصر الفساد والإفساد من كل ناحية. بل في زمن نحن نتهيأ فيهِ لإعادة المجد الضائع والحق المغتصب بفقه ما كان عليهِ أسلافنا فقهًا صحيحًا لا يميل إلى الخرافة ولا يشطُّ مع التقليد والتورط والفساد. أقول هذا وأنا أشكر المترجم على ما أضافهُ إلى قليل علمنا عن آراء هذه الفئة المستشرقة التي نفعت العربية نفعًا كبيرًا بحفظ كتبها ونشرها حين أضاعتها أبناؤها وعموا وصمُّوا ثم عموا وصموا، ولولا رحمة الله بمن نشأ فينا وأحيا بعض مجد العربية لغمرتنا الموجة الطاغية التي وقانا الله بعض شرّها.

стр. 739

الإسلام والحضارة العربية تأليف الأستاذ كرد على. لجنة التأليف والترجمة والنشر. مطبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٣٤ الجزء الأول اللهم إني أسألك السّداد. . . وبعد فلو ذهبت استقصى للقارئ ما نما بنفسي وأنا أقرأ فصول هذا الكتاب لخرجت بهِ من حدّ عرْض فكرة الكتاب إلى بسط فكرتى عن الإسلام وحضارتهِ والعرب وثقافتهم التي اختبأت في دمائهم وعقولهم وألسنتهم من أقدم عصور التاريخ ثم تنفست بالإسلام كما يتنفّس الفجر ضوءًا وحياةً وهمة وشبابًا وأنا هنا أجمع بين الأمرين على ما يحفُّ بذلك من عنتٍ ومشقة. والمؤلف الجليل الأستاذ كرد على يقصُّ على القارئ في مقدمته قصص كتابه فيقول "لما قرر المجمع العلمي العربي "يعني بدمشق" انتدابى إلى تمثيله في مؤتمر المشرقيات الذي عقد في مدينة ليدن من بلاد القاع في صيف ١٩٣١ رغَّب إليّ أعضاؤه المفكرون أن أُلْقِى فيه جملة أعرض فيها لما لا يزال يسري على أسلات أقلام (١) بعض مؤلفي الغرب، ولاسيما علماء المشرقيات، من أمور نابية عن حد التحقيق والنصفة، كلّما ذكروا الإسلام وأهله والعرب ومَدَنيتهم". ثم يقول. "وسبيل هذا الموجز الآن، تصحيح هفوات من أساؤا وما برحوا يسيئون للعرب ودينهم ورسولهم ومدنيتهم، وذكر ما أثرته الحضارة العربية في أمم الغرب والشرق، وما مني بهِ الإسلام، لما غيَّر أهلُه ما بأنفسهم، من خصماء غير رحماء، نالوا من روحه وجسمه، فالتاثت أحواله، وتنكرت معالمه، والإلماع إلى ما قام بهِ المسلمون بعد طول الهجعة، يلوبون (٢) على استعادة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليهِ أشواطًا، حتى لم يبق أمامهم غير مراحل لبلوغ الغاية".

стр. 740

في هذا الكفاية لمن يريد أن يكون رجلًا عربيًّا من نسل ذلك الشعب العجيب الذي بدّد جيوش الأمم الطاغية في أول أمر الإسلام، وأنشأ على أنقاضها اجتماعًا إسلاميًّا عربيًّا كلهُ محبةٌ وعطفٌ وعدلٌ. وفي هذا الكفاية وفوق الكفاية للذين يتولون أمر التعليم في الأمم العربية ليهبّوا من غفلتهم، وينظروا إلى ما يحاط بهِ مجدهم من كيدٍ وقتالٍ. إن العار أن يقضي الشاب من أول نشأته إلى آخر خروجه من دراسته -أعوامًا طوالًا يدرس في أثنائها تاريخ نابليون وأمته، وفلانًا وفلانًا من أفذاذ الأمم الغربية، وهو لا يعرف من ماضي أمته العربية إلَّا نتفًا تذهب مع الأيام. هذا الماضي الذي يصوره الذين يتعرضون للتاريخ من مستشرقين يقولون غير ما يعلمون أو يقولون فيما لا يعلمون، أو عربٍ قد فسدت قلوبهم على تاريخهم فهم يستقيدون لآراء عن تاريخهم كلها بهتانٌ وتدليس. هذا الماضي الذي يصورون في صورة مسخٍ تاريخى هائل قد خرج على الدنيا كما يخرج الوباء ثم انقشع عنها فأعقبها صحة وعافية أو كما يقولون! ! إلَّا أن الضلالات التي أحاطت بالتاريخ العربي والإسلامي لهي من أسوإ الضلالات وأشدها وأعصاها على العلاج. فإذا لم يتنبه العرب والمسلمون إلى تاريخهم تنبه المريد إلى ما يريد انماثوا في الأمم ذات الهمم كما ينماث الملح في الماء وأضحوْا بددًا لا يجتمع لهم شمل ولا يؤول آخرهم إلى مجد أول يلوذ به أو يستعصم. هذا وقد استوقفني من كلام الأستاذ كرد على الذي رويته آنفًا قوله يذكر ". . . ما قام به المسلمون بعد طول الهجعة يلوبون على استعادة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليه أشواطًا حتى لم يبق أمامهم غير مراحل لبلوغ الغاية"! ! إني لأقرأ هذه الكلمات فتتمثل لعيني (خريطة) العالم العربي الإسلامي من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب ومن مشرق الشمس إلى مغربها، وأعرض قول الأستاذ على أمةٍ أمةٍ من بلادنا فلا أجد قوله يرتاح إلى واحدة منهنَّ. هذه هي السلاسل وهذه هي القيود، وهذه بعض الأمم تمرح في طول من سلاسل الحديد
следующие страницы →