← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الآراء التي ترفق في عرضها وأخذ يلوكها مرة ثم مرة مجمجمًا غير مصرّح، وكنت على عزيمة تبيانها للقارئ ولكني رأيت أن ذلك مما يستنفد معنا في هذا الباب من المجلة صفحات كثيرة، ثم وجدت أن الأستاذ "محمد أمين هلال" قد سبقني وكتب في جريدة البلاغ مقالات دقيقة اطلعت على الرابعة والخامسة منها، وقد وقف فيها عند ما وقفت عليهِ ودافع كلام هذا المستشرق بالحجة الصحيحة، وأوثر أن أنقل إلى القارئ هنا جزءًا من كلمة الأستاذ "محمد أمين هلال" التي نشرت في بلاغ (الثلاثاء ٢ جمادى الآخرة سنة ١٣٥٣ - ١١ سبتمبر سنة ١٩٣٤) لما فيها من الفائدة. "يظهر أن اتهام رجال العرب الفاتحين -خصوصًا في الدولة الأموية- بالوثنية والحنين إلى عهودها كان صدًى لما كان يشيعه أعداء الإسلام من أنهُ دين وثني وأن المسلمين جماعة من الوثنيين تغلبوا على الأرض المقدسة ونفوا منها كل فضيلة وإخلاص ولقد رأينا هذه الأقوال الكاذبة ينشرها دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة إبان الحروب الصليبية، فلما قفل الغزاة إلى ديارهم قصُّوا على قومهم أن أعداءَهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة ومجاملة. "ونحن إذا تخيرنا من بين خلفاء الأمويين -الذين يتهمهم العلّامة دوزى ببغض الإسلام- أبغضَ هؤلاء الخلفاء وأبعدَهم عن قلوب المسلمين وهو يزيد بن معاوية مثلًا نجده كان يعمل للإسلام ويأمر قواده بذلك فقد حدثنا التاريخ أن عقبة ابن نافع عامل يزيد لما فتح بلاد البربر وسار إلى السوس الأقصى حتى وصل إلى بحر الظلمات (المحيط الأطلنطي) قال "يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك" وأنه لما سار إلى (تهوذا) ورآه الروم في قلة طمعوا فيهِ فأغلقوا باب الحصن وشتموه وقاتلوه وهو يدعوهم إلى الإسلام ثم تكاثروا عليه وقتلوه. "ورأينا قتيبة بن مسلم عامل الحجاج بن يوسف "المشهور بغطرسته وقسوته" يخطب في الناس ويقول لهم: إن الله قد أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد لكم المال استفاضة والعدو قمعًا، ووَعَدَ نبيه ﷺ النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ووعد المجاهدين

стр. 737

في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ * ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنهُ حي يرزق فقال ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ * فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمض ألم وإياى والهوينا! "وقتيبة هذا هو الذي تلقاه ملك الصَّغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب ودعاه إلى بلاده وكذلك فعل ملك كفتان وأنصف له مِن مَلِك أَخْرُون وشُومان (١) وكتب إليهِ الحجاج يقول: إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلتَ فكن في أخرياتهم وساقتهم، حتى فتح بلادًا واسعة نشر فيها الإسلام فأخرجت العظماء من كتّاب المسلمين وفقهائهم ومحدّثهم وعلمائهم. "وهذا أشرس بن عبد الله السلمي عامل هشام بن عبد الملك على خراسان أرسل لأول عهده إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس هناك إلى الإسلام وحين كتب إليه أمير سمرقند إنهم لم يسلموا إلَّا تعوذًا من الجزية. قال له مَن اختتن وأقام الفرائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. وقد روى عن يوسف بن عمر عامل هشام على العراق أنهُ مع إسرافه في العقوبة كان طويل الصلاة ملازمًا للمسجد ضابطا لحشمه وأهله. وكان يصلى الصبح ولا يكلم أحدًا حتى يصلي الضحى. ولقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام وقد كان سيرته بلغتهم فأسلموا وتسموا بأسماء العرب.

стр. 738

"وهذا قل من كثر من موقف خلفاء الأمويين وعمالهم إزاء الإسلام وعملهم على نشره والترويج له في غير عنف ولا شطط، أفبعد هذا يقول عنهم قائل "إن تلك الأقلية العربية التي اضطرت إلى الإسلام اضطرارًا وأكرهت على الدخول في هذا الدين إكراهًا، عرفت كيف تثأر لنفسها حين سنحت لها فرصة الانتقام فتقاضت ثمن ذلك الفوز مضاعفًا وشفت غلة صدورها المكتومة" اهـ. هذا وكنا نراه لزامًا على مترجم الكتاب الأستاذ كيلاني أن يتعرض لهذه المواضع ولا يتنصل منها، نعم نحن نقول معه أن الترجمة غير النقد، ولكن ذلك صحيح حين يترجم للعلماء دون غيرهم، أما حين يظن في كتاب مترجم أنهُ مما يقع في أيدي الناشئين، فلا. . . إن أبناءَنا في المدارس المصرية من ثانوية وعالية لا يعرفون عن مثل عمرو بن العاص إلَّا أنهُ فتح مصر، وعن عمر بن عبد العزيز أنهُ كان خليفة وعن فلان وفلان مثل هذا أو أقل، فكيف نترك مثل هذه الآراء الفاسدة غذاءَ ألباب الذين يريدون من أبنائنا أن يقرأوا كتابًا سهلًا دانى الثمرة. وهم لا يعلمون من التاريخ دقائقه ولا من الإسلام إلَّا كلمات حفظوها لا تبلغ بهم درجة من العلم فيهِ. والمترجم الذي يقول في مقدمة كتابة للقراء إني قد آثرت نقل هذه الفصول من دوزى "لتبيان وجهة تفكير عالم أوربى كبير، وهي -وإن خالفت آراءَنا أحيانا في بعض مناحيها- جديرة أن تقرأ بعناية فائقة" الذي يقول هذا يجب عليهِ أن ينقد المغالطات والمفاسد بعناية فائقة كذلك في زمن قد اجتمعت فيهِ على التاريخ الإسلاميِّ عناصر الفساد والإفساد من كل ناحية. بل في زمن نحن نتهيأ فيهِ لإعادة المجد الضائع والحق المغتصب بفقه ما كان عليهِ أسلافنا فقهًا صحيحًا لا يميل إلى الخرافة ولا يشطُّ مع التقليد والتورط والفساد. أقول هذا وأنا أشكر المترجم على ما أضافهُ إلى قليل علمنا عن آراء هذه الفئة المستشرقة التي نفعت العربية نفعًا كبيرًا بحفظ كتبها ونشرها حين أضاعتها أبناؤها وعموا وصمُّوا ثم عموا وصموا، ولولا رحمة الله بمن نشأ فينا وأحيا بعض مجد العربية لغمرتنا الموجة الطاغية التي وقانا الله بعض شرّها.

стр. 739

الإسلام والحضارة العربية تأليف الأستاذ كرد على. لجنة التأليف والترجمة والنشر. مطبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٣٤ الجزء الأول اللهم إني أسألك السّداد. . . وبعد فلو ذهبت استقصى للقارئ ما نما بنفسي وأنا أقرأ فصول هذا الكتاب لخرجت بهِ من حدّ عرْض فكرة الكتاب إلى بسط فكرتى عن الإسلام وحضارتهِ والعرب وثقافتهم التي اختبأت في دمائهم وعقولهم وألسنتهم من أقدم عصور التاريخ ثم تنفست بالإسلام كما يتنفّس الفجر ضوءًا وحياةً وهمة وشبابًا وأنا هنا أجمع بين الأمرين على ما يحفُّ بذلك من عنتٍ ومشقة. والمؤلف الجليل الأستاذ كرد على يقصُّ على القارئ في مقدمته قصص كتابه فيقول "لما قرر المجمع العلمي العربي "يعني بدمشق" انتدابى إلى تمثيله في مؤتمر المشرقيات الذي عقد في مدينة ليدن من بلاد القاع في صيف ١٩٣١ رغَّب إليّ أعضاؤه المفكرون أن أُلْقِى فيه جملة أعرض فيها لما لا يزال يسري على أسلات أقلام (١) بعض مؤلفي الغرب، ولاسيما علماء المشرقيات، من أمور نابية عن حد التحقيق والنصفة، كلّما ذكروا الإسلام وأهله والعرب ومَدَنيتهم". ثم يقول. "وسبيل هذا الموجز الآن، تصحيح هفوات من أساؤا وما برحوا يسيئون للعرب ودينهم ورسولهم ومدنيتهم، وذكر ما أثرته الحضارة العربية في أمم الغرب والشرق، وما مني بهِ الإسلام، لما غيَّر أهلُه ما بأنفسهم، من خصماء غير رحماء، نالوا من روحه وجسمه، فالتاثت أحواله، وتنكرت معالمه، والإلماع إلى ما قام بهِ المسلمون بعد طول الهجعة، يلوبون (٢) على استعادة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليهِ أشواطًا، حتى لم يبق أمامهم غير مراحل لبلوغ الغاية".

стр. 740

في هذا الكفاية لمن يريد أن يكون رجلًا عربيًّا من نسل ذلك الشعب العجيب الذي بدّد جيوش الأمم الطاغية في أول أمر الإسلام، وأنشأ على أنقاضها اجتماعًا إسلاميًّا عربيًّا كلهُ محبةٌ وعطفٌ وعدلٌ. وفي هذا الكفاية وفوق الكفاية للذين يتولون أمر التعليم في الأمم العربية ليهبّوا من غفلتهم، وينظروا إلى ما يحاط بهِ مجدهم من كيدٍ وقتالٍ. إن العار أن يقضي الشاب من أول نشأته إلى آخر خروجه من دراسته -أعوامًا طوالًا يدرس في أثنائها تاريخ نابليون وأمته، وفلانًا وفلانًا من أفذاذ الأمم الغربية، وهو لا يعرف من ماضي أمته العربية إلَّا نتفًا تذهب مع الأيام. هذا الماضي الذي يصوره الذين يتعرضون للتاريخ من مستشرقين يقولون غير ما يعلمون أو يقولون فيما لا يعلمون، أو عربٍ قد فسدت قلوبهم على تاريخهم فهم يستقيدون لآراء عن تاريخهم كلها بهتانٌ وتدليس. هذا الماضي الذي يصورون في صورة مسخٍ تاريخى هائل قد خرج على الدنيا كما يخرج الوباء ثم انقشع عنها فأعقبها صحة وعافية أو كما يقولون! ! إلَّا أن الضلالات التي أحاطت بالتاريخ العربي والإسلامي لهي من أسوإ الضلالات وأشدها وأعصاها على العلاج. فإذا لم يتنبه العرب والمسلمون إلى تاريخهم تنبه المريد إلى ما يريد انماثوا في الأمم ذات الهمم كما ينماث الملح في الماء وأضحوْا بددًا لا يجتمع لهم شمل ولا يؤول آخرهم إلى مجد أول يلوذ به أو يستعصم. هذا وقد استوقفني من كلام الأستاذ كرد على الذي رويته آنفًا قوله يذكر ". . . ما قام به المسلمون بعد طول الهجعة يلوبون على استعادة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليه أشواطًا حتى لم يبق أمامهم غير مراحل لبلوغ الغاية"! ! إني لأقرأ هذه الكلمات فتتمثل لعيني (خريطة) العالم العربي الإسلامي من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب ومن مشرق الشمس إلى مغربها، وأعرض قول الأستاذ على أمةٍ أمةٍ من بلادنا فلا أجد قوله يرتاح إلى واحدة منهنَّ. هذه هي السلاسل وهذه هي القيود، وهذه بعض الأمم تمرح في طول من سلاسل الحديد

стр. 741

طرفها بيد المستعمر فيخيل إلى الناظر أن ما بهذه الأمم من المرح والنشاط هو انحلال من السلسلة وما هو به إن هو إلَّا بعض الغفلة التي نحن فيها إلى الأذقان مقحمون. إن الأشواط التي قطعتها هذه الأمم فيما يسمى حضارة أو ثقافة هي غير الأشواط التي يجب أن نقطعها إلى الحضارة والثقافة، وإن السبيل التي مضينا فيها غير السبيل التي فرض علينا سلوكها إن أردنا أن نبلغ غاية يقال لها "لم يبق أمامنا غير مراحل". أين الأمة الإسلامية العربية التي يريدها الأستاذ على ما فهمنا من فحوى كلامه. . .؟ أين الرجل العربي المسلم الذي يرتفع في الجو كما ترتفع الطائرة التي تحمل أسباب الموت ودلائل الحياة ثم ينقضُ كما تنقضُّ القذيفة من عليائها فلا تذر من شيء إلا أتت عليه فجعلتهُ هشيمًا تذروه الرياح. إن أمامنا مراحل أولها مهد الطفل العربي الرضيع. وآخرها هذا القبر فاغرًا فاه يلتقم ما تمضغه الحياة من الأبدان العربية ذات السيادة والحضارة والإخلاص والعدل. فانظر إلى هذا المهد الذي لا يخرج منهُ إلَّا الضعيف والمهزول والأعزل الذي لا سلاح لهُ في الحياة، وهذا الذي ينام على هدَّاتِ الجبال وقصف الرعود وخواطف البروق، وهذا الذي يمشي حيران ليس لهُ هادٍ ولا دليل، وهذا العود الخرِع الجميل الذي يتثنى ويتبرج "تبرُّج الأنثى تصدَّت للذَّكَر" (١) كما يقول ابن الرومى. ثم انظر إلى هذه المدرسة التي لا يخرج منها إلَّا الأدعياءُ وأشباهُ الأدعياء ممن استودعوا جماجمهم عقولًا غير عقولهم، وأذهانًا غير أذهانهم، وصاروا أتباعَ كل ناعق. ثم انظر إلى هؤلاءِ وقد ساروا في سبيل الحياة والعمل كما يسيرُ ذوو العاهات

стр. 742

فمنهم الأعرج والأكتع ومقطوع الساقين، والأعمى الذي لا يهتدى والفيلسوف الذي لا يعقل. . .! ؟ . ثم انظر وانظر. . . هل ترى إلّا أقوالًا ملفقة لبست ملابس الفلسفة والعلم والأدب، وتكلمت بها أفواهٌ تتعاقل على الناس وليس لها من ورائها عقل مستوٍ قد قرّر معنى المجد أو الحرية أو الإخلاص أو المعنى الذي يتبع الإنسان أينما سار أو حلّ، ذلك المعنى العظيمُ الذي لا يغفلُ عنهُ إلّا من لا حياة فيه ألا وهو الموت. إني لأبكي. . . وآسى. . . و. . . إلخ حين أذكرُ هذا، واعلمُ أني أتكلم بمثل هذا عن أمةٍ أنا منها وهي مني، وإني ليحزننى أن لا أجدَ مندوحة عن القول، ثم لا أجدُ معدًى عن استقصاء التصريح في هذا القول. فإن الدنيا كلها تسيرُ وتعدُّ من أسباب القوة والجبروت ونحن لا نجد لدينا من أسباب ذلك إلّا ألسنة. . .! ! وما تنفع الألسنة في زمن ألسنته غير هذه التي خلقها الله وسوّاها من لحمٍ ودَمٍ. إذا أردنا أن نكتب هذه الكلمة التي كتبها الأستاذ فنقول "قد قطعنا أشواطًا ونحن إلى الغاية ولم تبق إلّا مراحل" فإن أمامنا أهوالًا وأهوالًا لابدّ من ملاقاتها والتمرس بها تمرُّس المصارع المفتول الساعدين بالأسد الهصور الجائع الذي يريدان يملأَ معدتهُ ليتضلع من طعامهِ ويبسط إهابهُ العضل في ضحى الشمس تمامًا لمتاعهِ ولذتهِ. البيتُ العربيُّ الإسلاميُّ الذي يخرج رجلًا يقفُ في مهبّ الريح يملأُ رئتيهِ من الهواءِ النقي استعدادًا لطلب العيش الذي هو المجد. والمدرسة العربية الإسلامية التي تخرج رجلًا كالأسطول المدرع بالعلم والفلسفة والخُلُق والقوة البدنية والمكتسبة والتي هي الحرية. والاجتماع العربي الإسلامي الذي يفرضُ على كل رجل أن يعمل ثم يعمل في غير وهن ولا ضعف باذلًا روحهُ الفردة في غير شح ولا بخل لتنالَ الأرواحُ جميعها الحياة المتوَّجة بالمجد والمحفوفة بالحرية والتي هي السيادة. إن لكل أمة تطلب مجدها وحريتها وسيادتها أسلوبًا متبعًا وسبيلًا مقررة

стр. 743

لا عوَجَ فيها ولا أمْت (١)، فلنطلب لأنفسنا أسلوبًا وسبيلًا ولننشيء بيوتنا ومدارسنا واجتماعنا نشأة أُخرى غير هذه التي نحن عليها من التقليد المريض الذي ذهب بشبابنا واستهلك مادة الحياة فينا. هذا التاريخ الذي يصححهُ الأستاذ كرد على في كتابه هو أولُ ما يجبُ على البيت والمدرسة والصحافة والاجتماع أن تصححهُ في أذهان الأطفال والشبان والمثقفين من الرجال والنساء. وهذا الأسلوب الاجتماعي الذي نعيش فيه يجب أن يغير من أوله إلى آخره حتى يصبح رجولةً عارفةً متثبته لا تهزل ولا تغفل. وهذا الموج الزاحف علينا من أقطار الأرض بالفتن والبدع لابد من تقديم الحيطة له في العقول والأبدان. وإلّا فنحن إلى هلاك لا إلى غاية لم يبق منها إلّا مراحل. إني لأرى في هذا الكتاب الذي بين يدي أنواعًا من الفكر وألوانًا من القول كلها يؤدى إلى مثل الذي نقول به ونعمل له، وهو دليل نافع لكل من يريد أن يقف على حقيقة ما يحيط بأمته من الكيد والطمع. . . ولا أرى لعربي فضلًا عن متعلم فضلًا عن مثقف وفضلًا عن رجل يطلب المجد والحرية مندوحة عن الاستفادة منهُ مع التاريخ الذي يرِدُ شرعته من أصوله وكتبه. إن أمامنا المراحل كلها إلى غاية المجد فلنبدأ بتكوين ما يؤدى إليها وإن في حقائق ما يحيط بنا لحافزًا إلى العمل والإخلاص والنهوض والمبادرة إلى ما ليس منهُ بُدٌّ. وإن في التاريخ العربي لعبرة وإن فيه لأمثالًا من المجد والعدل، وإن فيه لصورًا من الحرية يجب أن يتمثلها كل عربي -مادام حيًّا- بين عينيه أنى سار وحيثما نزل وفي هذا الكتاب أطرافٌ من كل ذلك. فلعل الله يحدث لنا من بعد هذا ذكرًا في العالمين.

стр. 744

وَحْيُ القلم لمصطفى صادق الرافعي: جزءان: ٨٠٨ صفحة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة ١٣٥٥ - سنة ١٩٣٦ الرافعي كاتب حبيب إلى القلب، تتنازعهُ إليه أسباب كثيرةٌ من أخوة في الله، ومن صداقة في الحب، ومن مذهب متفق في الروح، ومن نية معروفة في الفن، ومن إعجاب قائم في البيان ومن هنا ومن ثمّ لا أدري من أين تبدأ ولا أين تنتهي. فأنا حين أريد القول في صداقتهِ أو في إيمانهِ أو في حبه أو في بيانه أو في فنهِ أجدنى كالمهموم إذا ابتدأ لهُ همٌّ تداعت إليه الهموم من كل جانب، فأضع القلم وأرفعهُ وأديره وأتلوى بهِ لأن المعاني تتلوى بي في سبيل مَضَلَّة، فأرانى أتحاشى القول خشية الغلوَ أو خوف التقصير. وقد تكلفت شططًا وحملت نفسي على ما لا تطيق وأنا أكتب عن "وحي القلم"، لئلا أغلو في الرافعيّ فيقال: معجب غلا بهِ إعجابهُ، أو أقصر فيهِ فيقال: صديق شقيت به أصحابه. كانت سنة ١٣٤١ - سنة ١٩٢٣ - فقرأت للرافعيّ كتابهُ "المساكين" فنازعتنى نفسي إلى مراسلتِه لأصل ما بيني وبينه، فكتب إليَّ كتابًا رقيقًا كنور الفجر، ثم مضت الأيام ولقيت رجلًا كهلًا قد اشتعل الشيب في رأسه، خفيفا قد أخذت منهُ الأيام، صامتًا قد أسكتهُ الفكر، ثم قيل هذا الرافعي. فيوم ذاك عرفتهُ، فإذا هذا الكهل شباب مشتعل يتوهج، وإذا هذا الخفيف قوة مستصعبة مستمرة لا تلين، وإذا هذا الصامت لسانٌ عربيٌّ مبين. ثم هو بعدُ صديق أنت من صداقته في مثل الروضة تفيء إلى ظلها، وتستنشى شذاها، وتصاحبها وتصاحبك فتمسح عن قلبك الحزن بالرضى والفرح، ما لا تمسح صداقة الناس ممن ترى وتعرف. وهنا سر الرافعي كلهُ، سره في فكره، وسره في علمهِ، وسره في بيانهِ، وسره في فنهِ وذاك هو سر المؤمن إذا ارتفعت عن قلبهِ الحجب، وسقطت عن عينهِ الغشاوة، وارتفع بهِ الإيمان عن أشياء الأرض إلى أسرار السماء، فلا تجد

стр. 745

الدنيا منهُ ما يحده أو يطغيهِ أو يلفتهُ، فهو بصيرة تنفذ، وقوة تعمل، وإخلاص يجلو، وجمال يحب. وهذا هو سر الأسلوب الذي انفرد بهِ الرافعي. والرافعي كاتب قد استولى على الأمد في مادة الكتابة، فاللغة عنده مادة للتعبير لا مادة للحفظ والاستعمال، فهو قد قرأها قراءة البصير ليرى الفروق الخفية بين اللفظ ومرادفهِ وليعلم حق اللفظ من العبارة، وحق العبارة من الألفاظ، فيظن بعض من لا قدرة لهُ أن الرافعي يريد الإغراب على الناس في كلامهِ، واستجلاب الغريب من اللغة للتفاصح، وما بهِ ذلك، وإنما هي المعاني. . . المعاني عند الرافعي هي التي لها حق اختيار الألفاظ من لغتهِ. وهو لا يأخذ ألفاظهُ من المعاجم وإنما يأخذها من سليقته التي صقلتها المعاجم. وقد أكثر الناس من نقد الرافعي زمنًا ووضعوا عليه من أوهامهم غشاءً آذاهم ولم ينفعهم، وحجتهم في ذلك هذه اللغة التي أحيا الرافعي مواتها ببيانهِ. وما اللغة؟ أهي الألفاظ قائمة بالمعاني التي وضعتها لها المعاجم ووقفت عندها؟ إن هذه ليست بشيء، وما هي إلا أداة كالسيف. فالسيف على جودته لا يعمل إلا أضعف العمل، فإذا أخذتهُ أنت وجعلت تتدرب بهِ وتمرن ساعدك عليهِ، وعرفت كيف تجيد الضريبة وتصيب المقطع، كان لهُ أقوى العمل، لأن السر في ساعد منتضيهِ وبصره وحيلتهِ لا في حدِّه وعارضَيْه. واللغة لا تقوم بغير فكرة، والرافعي قد استولى على أصولها، بقوة الإدراك وشموله وتراميه، وبالقدرة على الإبانة عنها باللفظ المتصل الماضي الذي لا ينقطع دونها، وبسمو الخيال وتراحبه واستطالته. فالرافعي يدمن على الفكرة الواحدة إدمان الفيلسوف الصابر الثابت بين إدارتها وتطبيقها وبسطها وردها إلى أصول مقررة في الحياة، ثم لا يزال يجمع بينها وبين قرائنها، ويحدد فرق ما بين القرينين ما ظهر من ذلك وما استتر، ثم يصحح النظر في الأصل الذي يردُّ إليهِ أفكاره تصحيح الحكيم المقرر حتى لا يقع بينها التدابر والاختلاط والفساد. ولا يزال على ذلك يقيد ويطلق ويأخذ ويدع بقانون طبيعي في نفسه، فلا يترك الفكرة إلَّا وقد ولدت لهُ صغارًا من الأفكار فيها من الجمال والسحر والقوة الكامنة

стр. 746

ما للطفل الصغير الوديع الجميل، وإذا الفكرة الأولى التي أدمن عليها أمٌّ فيها هيبة الأُمومة العاملة المخلصة وحنانها وروعتها ووقارها. وهناك أسرار الفن في بيان الرافعي فمنها إدراك الجمال السامي غير المبتذل، فهو يدرك الجمال في الجميل لأنه يعرف أسرار جمالهِ، ويدرك الجمال في القبيح لأنهُ يعرف أسرار قبحهِ. فالجمال عندهُ في السر والجوهر وأصل البناء لا في العرض، وكذلك الخير والشر، والفضيلة والرذيلة وما إلى ذلك، هي كلها عند الرافعي موضوع للأسرار فهو لا يقف عليها وقفة المتشبّث بل يهزها من أصولها ليخرج أسرارها، فإذا فعل كتب صفة الشيء الحي بكلام حي فيهِ قوة المقاومة والقدرة على البقاء، وكل الأسباب التي تضمن لهُ الحياة الفنية والبيانية. ثم لا يقف الرافعي عند ذلك بل لكل هذا مكان آخر يصل إليهِ فيصهره ويذيبهُ ثم يرده في صورة فذة، ذلك هو الإحساس القوي المشبوب. فهو يأخذ الفكرة بلغتها وعقلها وسرها من إحساسهِ هو لا من إحساس الناس، حتى إذا آمن بها إيمانًا لا مطعن فيهِ استعان بإيمانه القوي على إنشائها إنشاءً مبتدعًا خاصًّا موسومًا بسمة صاحبهِ، تلك السمة التي تسمى "أسلوب الرافعي". كلُّ ذلك بعض العمل البيانيّ الذي يتدفق من لسان هذا الرجل. وإن لهُ خاصّة عجيبة إذا تكلم في الاجتماع العربيّ الإسلاميّ في هذا العصر ما بين خُلُق وعلم وعمل ودين، هي هذه الروعة المستعلنة المنصبَّة على معانيها كنور الشمس. وسر هذه أنهُ يحسُّ ويفكّر وينقد ويبيّنُ بقوة ثلاثة عشر قرنًا من التاريخ الإسلامي، ويحسُّ بإحساسها، ويدرك أفكارها، ويعرف أسرار فضائلها ورذائلها، وأسباب قوتها وضعفها، وقد أحاط بكثير من أصول القانون الطبيعيّ الذي يجمعُ ويفرّق ويضبط وينشر، ويزيد وينقص في هذه الأمة الرابضة في قلب الشرق. أما الرافعيّ المحب فهو رجلٌ وحدهُ سام عن الإسفاف، مشرق كالنجم، صاف كأنهُ مرآة مجلوَّة، ثم فرحٌ كأنهُ أملٌ يتحقق، باك كأنهُ عضوٌ يُقْطع، متألم كأنهُ محارب باسلٌ ينهزم، ثم لا يزال على ذلك -الرجلَ الجلْد القويَّ الذي

стр. 747

لا ينكسر ولا يتحطم، ولا تتدنَّى بهِ القوة الغالبة، قوّة اللذّة الإنسانية القَرِمة (١) المتشهّية. لذلك يخلو حبُّ الرافعيّ من الفجور الفني، وإنما يصف الرافعي المحبُّ فجور الرجل والمرأة ليسمو بالرجل الفاجر ويخرجهُ من سلطان لذتِه، ويصف فجور المرأة ليهديها ويطهرها وينزهها وينصفها من ظلم الرجل الفاجر. ولهُ على ذلك قدرة قَلّ أن ينالها كاتب ممن نعرف. وأما الرافعي ربيبُ الشّعب، فهو الواصف البليغ الذي يستطيع أن يجمع آلام أمة مظلومة في ألفاظٍ تتألم، ويؤلف آلام المساكين في كلمات تبكى، ويحصر سخط المستعبدين من الفقراءِ في حروفٍ تبكى وتتألم وتتسخط وتتشفى وتبغض وتسخر من هذا الاجتماع الذي استعبدهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. فهو في هذه "ترجمان القلوب المتحطمة". وأما الرافعي الساخر، فهو الكلمة القصيرة التي تبلغ ما لا تبلغهُ الثورات المسلحة. . . وأما الرافعي فهو الرافعي الذي لا تعرفه حتى تقرأه وتصبر على ملازمتهِ، وتعطيه من نفسك لتأخذ من بيانهِ ومن فنّهِ ومن بلاغته ومن فكره ومن حكمته. فهو كاتب حكيم قوي فلا يجدر بك أن تأخذ كلامه على النظرة الطائرة كما تقرأ مقالة في صحيفة يومية لتستفيد، بل اقرأه لتحس وتنفذ إليهِ وتهتز معهُ ثم تستفيد. اقرأ "وحي القلم" تجد الرجل الذي حدّثناك به، وتجد البيان الغضَّ القوي المتدفق الذي يثير في نفسك التاريخ اللغوى المكتوب في دمك بالوراثة، وفي قلبك بالحب, وفي إحساسك بالأهوال النفسية التي تمر بك. فإن بيان الرافعي إذا تدبرتهُ وتدبرتهُ أيقظ فيك البيان لأنه بيان حر غير مقلد، وأوحي إليك بالفكرة المستحكمة والعبارة المجوّدة لأنه بيان سام غير مقيد، ثم يلهمك القدرة على التفكير، والإبانة لأنه "وحيُ القلم".

стр. 748

علم معاني أصوات الحروف سر من أسرار العربية نرجو أن نصل إلى حقيقته في السليقة العربية (١) هذا بابٌ من أصول اللغة لم يَرْمِ إليه أوائلنا ﵃ إلَّا إشارة مبهمة ولمحة خافية أو نبذًا مهضومًا، فهم لم يجردوا لهُ أنظارهم، ولم يحتفلوا لتقصيهِ وتتبعه واستظهار طرائفه، وهم حين أشاروا أو ألمحوا أو نبذوا، لم يلموا إلَّا بأطرافه وحدوده، فلم يغمضوا في قلبه وسره ومعدنه ليستنبطوا منهُ أسراره المستكنة تحت ألفاظ العربية. ومعاني هذا الباب مما يقتضي القارئ فضل تدبر وصبر وتقليب وتثبت حتى ينفذ إلى حقيقته، ويستولى على ما يتعسر من أصولهِ، فإذا فعل فقد أدرك منهُ طرفًا صالحًا يستعين به على التوسع في معرفة حده وغرضِه ونتائجهِ، ويعيننا في تحقيق ما نرمى إليهِ من تفسير ألفاظ العربية بدلالة الحروف على معان أصلية ثابتة في طبيعة أصحاب السليقة العربية الأولى الذين تلقينا عنهم بيان هذا اللسان العربي المبين. وأنا أريد بقولي "معاني أصوات الحروف"، ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف -لا الحرف نفسهُ- من المعاني النفسية التي يمكن أن تنبض بها موجة اندفاعه من مخرجه من الحلق أو اللهاة أو الحنك أو الشفتين أو الخياشيم، وما يتصل بكل هذه من مقومات نعت الحرف المنطوق. وليست المعاني النفسية -أو العواطف أو الإحساس- هي كل ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف، بل هو يستطيع أن يحتمل أيضا صورًا عقلية معبرة عن الطبيعة وما فيها من المادة، وما يتصل بذلك من أحداثها أو حركاتها أو أصواتها أو أضوائها أو غير ذلك مما لا يمكن استقصاؤه إلَّا بعد طول الممارسة لوحي الطبيعة في فطرة الإنسان، وبعد مدارسة اللغة ومفرداتها على أصل دقيق من هذا الباب، والاحتفال في كل ذلك للتدبر والاستقصاء ومداورة اللسان على مخارج الحروف مع حسن التفطن

стр. 749

للمعاني الأولية التي يمكن اعتمادها أصلًا لمعنى الصوت في حرف حرفٍ من حروف اللسان العربي. وأنا لا أدعي لنفسي درَك هذا الذي قدَّرت من "علم معاني أصوات الحروف"، ولا أنى وصلت بالفكر فيه إلى حيث أُريد، ولا أنى قد حشدت لهُ جهدي كلهُ حتى أصل إلى استقصاء المعاني التي تضمرها أصوات الحروف. كلَّا بل هذا جهد كنت بذلته قديمًا والنفس ساكنة قارَّة هادئة، إذ كانت مَخِيلةً لطول النظر وحسن الإصغاء لهواجس العاطفة وألحان الطبيعة، وقد حاولت أن أقيد كل خاطرة بقيد لا تتفلت من جوامعه، ولكن الأيام انتزعتني ورمت بي إلى حومة تتسعر وتضطرب وتطغى بضجيجها على فترة النفس واجتماعها على الهَدْأَة والهوينا والسُّكون، فكذلك ذهب أكثر ما تلقفته من المعاني نهبًا ضائعًا بين النسيان والغفلة وقلة المبالاة وطول الإهمال. فلما رغب إليّ أخي الأستاذ "فؤاد صروف" أن أعود إلى الذي تركت من ذلك، أقبلت على فكر قديم لم تبق عندي غير أطلالهِ وظلالهِ، فأتممت منهُ ما نقص على قدر ما بلغ بي الشوق إلى إنقاذ هذه الخواطر من الضياع والبوار. فأنا أكتب هذا الباب الآن ليكون قيدًا لمعانيهِ يحبسها حتى تبقى في مواطنها لا تضيع ولا تشرد، ورجاء أن يقع عليهِ من يحسن أن يتصرف فيهِ بقوة ونشاط وتجويد، أو من هو أمثل مني بمدارسة اللغة والوقوف على أسرارها، والتهدى إلى مسالكها وغوامضها، والاستنباط لينبوع هذا العلم بالبصيرة النافذة التي لا تخطئ مظنة الفائدة، ولا تضل عن جوهر المعاني المطموسة في ظواهر الحروف. وينبغي لنا أن نقدم بين يدي الكلام فصولًا من القول تكون بها الفائدة، ويسهل معها تقريب هذا الباب إلى من يحتمله، ونحن نقصد فيهِ إلى السهولة والوضوح، فإن ممن يقرأه، ويرجى لهُ أن يصل إلى حقائقهِ، من لا يستطيع أن يقف على الأصول التي يرتد إليها نسب هذا الكلام، من كتب القراءات وكتب اللغة، وأصول كتب النحو والبلاغة وغيرها مما يتصل بسبب إلى أصل العربية والكشف عن مدارجها.

стр. 750

فينبغي إذن أن نفرق أولًا بين الصوت والحرف. فالصوت نَفَسٌ مقذوفٌ من الجوف إلى الحلق إلى الفَم يخرج مدفوعًا مستطيلًا متصلًا حتى يعرض له في طريق استطالته أو اندفاعه ما يثنيِه أو يقفُه أو يردده أو ينكسهُ، وإنما يعرضُ له ذلك في الحلق أو الفم أو الشفتين أو الثنايا والأضراس مع اللسان، أو في الخيشوم أو في أعلى الحنَك، على اختلاف في مواقع النَّفس من كلّ هذه الأعضاء. فحيث يعرضُ للنَّفَس المقذوف من الجوف ما يقفهُ أو يقطعهُ عن الامتداد والاستطالة والاندفاع، فيسمَّى هذا المكان "مقطعًا" وإذن فلكل مقطع يقطع النفَس عن استطالته جَرْسٌ يتميز من جرَّاء اختلاف نوع الصوت حيث ينقطع. فانثناء النَّفَس على المقطع أو وقوفه أو تردُّدهُ أو ارتداده أو انتكاسه يحدث من الجرس ما نسميه "الحرف". ولسنا نستطيع أن نعرف مقاطع الحروف وما تحمله من الجرس على براءَته إلَّا أن تأتي بالحرف ساكنًا لا متحركًا وذلك لأن الحركة نفسها حرف من الحروف، فإن الفتحة "ألف" مختلسة، والضمة "واو" مختلسة والكسرة "ياء" مختلسة (١)، وكأنها حرف ساكن يمد حرفًا متحركا ولا يبرأ مقطع الصوت "أي الحرف" من شائبة الاختلاط بمقطع صوت غيره إلَّا حين يكون ساكنًا لا تحفزه الحركة عن مستقرّ انقطاعه، ولا تميل بهِ إلى الحرف الذي هي بعضهُ وجزءٌ منهُ مع اختلاس الصوت وسرقتهِ وكبحه عن الوصول إلى مستقرّ انقطاعه هو أيضًا. فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الحرف الساكن لا يوصَل إلى النطق بهِ مفردًا مجردًا من حركة تلحقهُ أو حركة تحفزه، لم تجد بدًّا من أن تستبدل الحركة التي تعين على النطق بوسيلة أخرى تؤدى إلى تمكينك من قطع الصوت حيث لا يختلط بمقطع حرف غيره من الحركات الثلاث. وليس يوصَل إلى تحقيق ذلك الصدى

стр. 751

الصوتي للحرف مع تجريده إلَّا أن تدخل على تَأَهُّبِك لدفع الصوت همزة مكسورة قبله، فتقول مثلا في الشين والقاف والجيم والفاء والزاى، "إشْ"، "إقْ" "إجْ" "إفْ" "إزْ" إلى آخر الحروف. وإدخال الهمزة هو التحقيق والصواب وذلك لأن صوتها يبدأ من الجوف ثمَّ يعتمد على أسفل الحلق وأقصاه ثمَّ يحفز ما يشاءُ بعد ذلك من الأصوات، وكذلك لا يختلط بأيّ الأصوات التي تريدها وتحتال لها لأنهُ أول أصوات الحروف. ثم الهمزة المكسورة أحق بالإثبات هنا من المفتوحة والمضمومة. والعلة في ذلك أن "الفتحة" إن هي إلَّا ألف مختلسة تجد عندها الصوت بريئًا من الضغط والحصر لانفتاح الفم والحلق، "والضمة" واو مختلسة يضم معها معظم الشفتين على شدة الضغط والحصر، وكلا هذين إذا مارسته ودارسته -وجدته يدخل المؤونة عليك في اعتبار صدى الحروف عند منقطع الصوت. أما "الكسرة" وهي الياءُ المختلسة المسروقة من أصلها فإنما يقع ما فيها من الضغط والحصر على مجرى الأصوات كلها، وذلك أنك ترى الأضراس تكاد تنطبق على جنبتى اللسان فتحصره بينها ويجرى الصوت معها ممتدًّا مستطيلًا في الفم كله على يسر، فكذلك يسهل أن ترمى بها أول الحرف لتحفزه إلى أي مقاطع الصوت شئت، فهي إذن لذلك أولى أن تكون حافزَ النّفَس لأحداث الصدى الذي يتميز بهِ كل حرف من حروف النطق. فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن مقاطع الصوت متنازعة بين الحلق إلى الشفتين والخيشوم على تدرج واطراد في منقطع الصوت ومكان اصطدامه أو انفلاته أو تفشّيه، رأيت أن ثمة ترتيبًا لابدَّ منهُ للأصوات على مقتضى تدرُّج انقطاعها في أي مكان من آلة النطق التي هي اللسان وما يحيط بهِ. ونحن نجتهد أن نأخذ ذلك عن التجربة التي نحدثها بأنفسنا، وما وصل إلينا من تحرير المتقدمين من أصحاب العربية لبيان مقاطع الحروف وصور منطقها. فالحروف أو الأصوات حيث تنطق تتميز على هذا الترتيب في اطرادها: الهمزة (١)، الألف (٢)، الهاء (٣)، العين (٤)، الحاء (٥)، الغين (٦)، الخاء (٧)، القاف (٨) الكاف (٩)، الجيم (١٠)، الشين (١١)، الياءُ (١٢)

стр. 752

الضاد (١٣)، اللام (١٤)، النون (١٥)، والراء (١٦)، الطاء (١٧)، الدال (١٨)، التاء (١٩)، الصاد (٢٠)، السين (٢١)، الزاى (٢٢)، الظاء (٢٣)، الذال (٢٤)، الثاء (٢٥)، والفاء (٢٦)، الباء (٢٧)، الميم (٢٨)، الواو (٢٩). فهذه هي حروف العربية التسعة والعشرون على التصاعد من الحلق إلى منقطع الشفتين غير ناظرين إلى ما يدخل بعضها من المد والإخفاء والتفخيم والإمالة وغير ذلك من الأعراض التي تلحق الصوت من قِبَل انقطاعه واصطدامه. واعلم أنك إذا أردتَ أن تسير في ذلك على طريقة مستقيمة فلابد لك من أن تأتي بهذه الحروف ساكنة قبلها همزةٌ مكسورةٌ للعلة التي ذكرناها آنفًا، ثم كرّر ذلك، وتصور صوت الحرف وردده وتمثل قوته أو ضعفه أو لينه أو استرخاءَه أو تفشيه أو انحرافه أو استطالته، حتى يتأَتَّى لك أن تعرف بالمدارسة موقع انقطاع صوتهُ الذي يحدث عنهُ الصَّدَى المتردد الذي يتميز بهِ الحرف مما يلابسهُ أو يدانيه أو يقع على بعض موقعه. وقد تقصَّى شيوخنا من أئمة اللغة مخارج الحروف، ولابدَّ لنا هنا من ذكر هذه المخارج لحاجتنا إليها فيما نستقبل من كلامنا عن معاني أصوات هذه الحروف، وسنثبتها على الترتيب الذي رأيت قبل للحروف العربية نفسها. "المخرج الأول" من أسفل الحلق وأقصاه مع إطلاق الهواء، وفيه: الهمزة (١)، والألف (٢)، والهاء (٣). "المخرج الثاني" من وسط الحلق مع إطلاق الهواء وفيه: العين (٤)، والحاء (٥). "المخرج الثالث" من أدنى الحلق إلى أن يرتطم الهواء المقذوف بأول الحنك الأعلى وفيه: الغين (٦)، والخاء (٧). "المخرج الرابع" من طرف اللهاة وأقصى اللسان مما يلي الحلق مرتطمًا بالحنك الأعلى بعد ذلك وفيه: القاف (٨). "المخرج الخامس" من طرف اللهاة وأقصى اللسان مرتطمًا بمقدم الفم من الحنك الأعلى وفيه: الكاف (٩).

стр. 753

"المخرج السادس" من وسط اللسان مع تفشى الهواء وضغطه إلى وسط الحنك الأعلى وفيه: الجيم (١٠) والشين (١١)، والياء (١٢). "المخرج السابع" من أول حافة اللسان من الجانب الأيسر وحصر الهواء إلى الأضراس التي تلى هذا الجانب وفيه: الضاد (١٣). "المخرج الثامن" من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه ودفع الهواء عن جانبيه محصورًا في الحنك الأعلى مما فوق الضاحك والناب والرباعية والثنية وفيه: اللام (١٤). "المخرج التاسع" من طرف اللسان بينه وبين فويق الثنايا العليا وانبعاث الهواء إلى الخياشيم وفيه: النون (١٥). "المخرج العاشر" من طرف اللسان بينه وبين فويق الثنايا العليا مع تحرف اللسان وإطلاق الهواء وحصره وترديده في تجويف اللسان وفيه: الراء (١٦). "المخرج الحادى عشر" من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مع ارتطام الهواء بالغار الأعلى من الحنك محصورًا مع الإلانة وفيه: الطاء (١٧)، والدال (١٨)، والتاء (١٩). "المخرج الثاني عشر" من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مع تحرف اللسان وإطلاق الهواء وحصره وترديده والتصفير به في تجويف اللسان إلى الثنايا السفلى وفيه: الصاد (٢٠)، والسين (٢١)، والزاى (٢٢). "المخرج الثالث عشر" من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا مع إطلاق الهواء في فروج الأسنان إلى اللثة ونبذ أسلة اللسان إلى خارج الثنايا وفيه: الظاء (٢٣)، والذال (٢٤)، والثاء (٢٥). "المخرج الرابع عشر" من باطن الشفة السفلى مع قذف الهواء إلى الشفة العليا من بين الثنايا العليا وفيه: الفاء (٢٦). "المخرج الخامس عشر" من الشفتين بعد قذف الهواء من الجوف وانطباق الشفتين عليه قبل ندوره وخروجه، أو خروجه مع استدارة الشفتين وانطباق أكثرهما وفيه: الباء (٢٧)، والميم (٢٨)، والواو (٢٩).

стр. 754

فهذه خمسة عشر مخرجًا لحروف العربية على الترتيب والتوالى والاطراد قد وصفناها، ولم نلم بكل الفروق بين الأحرف المشتركة المخارج، وهناك مخرجان آخران لا بأس من ذكرهما هنا، وإن كان الرأي عندنا فيهما غير ما ذهب إليه كثير من أئمة العربية، وبهما تتم المخارج سبعة عشر مخرجًا. "المخرج السادس عشر" وهو ملحق بالمخرج الأول والمخرج السادس والمخرج الخامس عشر، هو من الجوف إلى أقصى الحلق حيث ينقطع المخرج حتى يتصل بالهواء خارج الفم وفيه: الألف، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها. وأنا لا أجعله مخرجًا لعلل كثيرة ليس هذا مكان بيانها. "المخرج السابع عشر" وهو ملحق بالمخرج التاسع والخامس عشر حيث يستدير الهواء المنبعث في الخياشيم يتردد في دورته فيها وفيه: "النون والميم الخفيتين الساكنتين في الإخفاء والإدغام بالغنة. فهذان المخرجان، كما ترى، هما أعراضٌ قد لحقت أصوات الحروف، ولم تنشأ منهما حروفٌ منصوبةٌ على اللسان كسائر حروف المعجم التي اعتمدناها في لساننا العربي. ولو أقمنا نعت المخارج على الأعراض التي تلحق أصوات الحروف لكثر عندنا ما يمكن أن يعدَّ من المخارج. ألا ترى أن الحروف التي زعمناها من مخرج واحد إنما كانت كذلك لتقاربها مع تمام اختلافها، وإلا لما جاز في العقل أن يشترك في المخرج الواحد أكثر من حرف واحد ألبتَّة. وسيكون لهذه الأعراض التي تلحق أصوات الحروف بيانٌ تقتضيه فيما يأتي بعد من كلامنا. ولابد هنا أيضًا من حصر هذا التقسيم الذي مضى في دائرة أضيق من هذه، فهم يسمون حروف المخارج الثلاثة الأولى "الحروف (١) الحلقية" وهي سبعة أحرف. والرابع والخامس "للحروف (٢) اللَّهَوِية" نسبة إلى اللهاة، وهي الهناة المعلقة بين الحلق والفم، وهما حرفان.

стр. 755

والسادس "للحروف (٣) الشجرية" نسبة إلى الشجَر وهو مفرجُ الفم لانفتاحه وهي ثلاثة أحرف. والسابع، وهو مخرج (٤) الضاد لم يسمَّ لنا، وبعضهم يعدها من الحروف الشجرية، وهو ليس بشيء. والثامن والتاسع والعاشر "للحروف (٥) الذلَقية" نسبة إلى الذلق وهو طرف اللسان وعليهِ اعتمادها، وهي ثلاثة أحرف. والحادى عشر "للحروف (٦) النِطْعية" نسبة إلى نطع الغار الأعلى وهو سقف الحَنَك وهي ثلاثة أحرف. الثاني عشر "للحروف (٧) الأسلية" نسبة إلى أسلة اللسان وهي مُستَدَقُّه حيث تصفرُ عليهِ الحروف، وتسمى أيضًا حروف الصفير"، لذلك، وهي ثلاثة أحرف. والثالث عشر "للحروف (٨) اللَّثوية" نسبهّ إلى اللثة حيث يكون تقطع الحرف وهي ثلاثة أحرف. والرابع عشر والخامس عشر "للحروف (٩) الشفوية" لأنها تخرج من الشفتين وهناك يكون مقطع الصوت، وهي أربعة أحرف. وتنقسم هذه الحروف بالنظر إلى مقطع الصوت والنفس إلى أقسام كثيرة: فمن ذلك قسمتها إلى "مجهورة" "ومهموسة"، فالمجهورة هي التي أشبعت الاعتماد في مواضعها، ومُنع النفسُ أن يجرى حتى ينقضى الاعتماد ويجرى الصوت، والمهموسة ما ضعف الاعتماد في مواضعها حتى جرى معهُ النفس، وهي عشرة أحرف: الهاء (١) والحاء (٢) والخاء (٣) والكاف (٤)، والشين (٥) والصاد (٦) والتاء (٧) والسين (٨)، والثاء (٩)، والفاء (١٠)، وسائر حروف المعجم بعد ذلك مجهورة كالذي وصفناها. وقسمة أخرى إلى الشدة والرخاوة وما بينهما، فالشدة أن يمنع الحرف الصوت أن يجري فيهِ فلا تستطيع أن تمده معهُ، والحروف الشديدة ثمانية وهي: "الهمزة (١)، والقاف (٢)، والكاف (٣)، والجيم (٤)، والطاء (٥)، والدال (٦)،

стр. 756

والتاء (٧)، والباء (٨). فإذا أردت أن تمد صوتكَ مع القاف من قولك "الحقّ" لم تستطع ذلك. والرخاوةُ أن يجرى الصوتُ الحرفَ كما ترى في قولك "القَسُّ" فالصوت يجرى مع السين كما تشاءُ، وبين هذين [بين الرخوة والشديدة] حروف ثمانية وهي: الألفُ، والعينُ، والياءُ، واللامُ، والنونُ، والراءُ، والميمُ، والواو. فهذه يجرى الصوت معها على تعسف أو مسامحة قليلة، وسائر حروف العربية -بعد ما سميناه من الحروف- هو رخوٌ. وقسمة أخرى إلى الإطباق والانفتاح، فالحروف المطبقة هي التي ترفعُ معها ظهر لسانك إلى خيار الحنك الأعلى مُطبقًا بهِ على الهواء، وهي أربعة أحرف، الضادُ، والطاء، والصاد، والظاءُ، وسائر الحروف منفتحٌ ولولا هذا الإطباق لخرجت الضادُ من العربية، ولانقلبت الطاءُ دالًا، والصادُ سينًا، والظاءُ ذالًا. وقسمةٌ إلى الاستعلاء والانخفاض. والاستعلاء أن يَعلُوَ الصوت فيرتطم بالحنك الأعلى، فالحروف المُستعلية سبعة: الخاءُ، والغينُ، والقافُ، والضادُ، والصادُ، والطاءُ، والظاءُ، وسائر الحروف منخفضة: وأنت ترى أن مع الاستعلاء الحروف الأربعة المطبقة التي عددناها قبل. أما القسمة الأخيرة للحروف فهي استنفاذُ الصاد والسين والزاى وجعلها حروفًا للصَّفير كما ذكرنا ذلك قبلا، وباقى الحروف العربية لا تصفرُ. فهذا نهاية ما يجب أن نقدمه بين يدي الكلام عن "معاني أصوات الحروف"، ونحن نرجو أن نكون قد بلغنا بعض الغاية في تقريب صوت الحروف لمن يريد أن يحقق معنا. حين نشرع في الكلمة الآتية في دراسة معاني الأصوات المقترنة بالحروف أو التي تجرى معها في النَّفَس أو المقاطع.

стр. 757

علم معاني أصوات الحروف سر من أسرار العربية نرجو أن نصل إلى حقيقته في السليقة العربية (٢) فرغنا في الكلمة السالفة من تقرير مخارج الحروف العربية ومدارجها وصفة مواقعها من الحلق واللسان وغار الحنك الأعلى والثنايا والأضراس واللثة والخياشيم وسائر الفم وما يحيط به، وأبنَّا عن مبلغ تباعدها وتقاربها وما يأتلف منها في المخارج وما لا يأتلف، ورتبناها على مجرى ذلك بالتحرى والضبط والإتقان، ثمَّ قسمناها لك على وجوه الاشتراك في صدى الصوت وما يلحقها من الإطباق والانفتاح، والاستعلاء والانخفاض، وما يلابسها من الرخاوة والشدة، وجعلنا ذلك كله مقدمة للقول في "علم معاني أصوات الحروف"، ونحن "إن شاء الله" نذكر لك بعض ما عرض لنا من الرأي في هذا العلم. ونحن نريد أن نأخذ معاني هذه الأصوات التي تدل على حروف العربية من جهة طبيعة الإنسان حين يريد العبارة عن شيء في نفسهِ أحسَّ بهِ أو عزم عليه، محاكيًا أو مقلدًا أو منبهًا أو مصوِّرًا أو مقرّبًا للمعنى الذي يريده بالجرس الصوتى المفرَد الذي يتبادر إليهِ فيحاوله ويعالجُه ويتهجم عليه. ويحسن أن نبدأ أول ذلك على ترتيب القسمة التي عرضناها في الكلمة السالفة متتبعين مدارج الأصوات من أقصى الحلق، مؤلفين بين الأصوات المشتركة الصدى، المتقاربة المقاطع والمخارج. وأول ذلك ما يسمونه "الحروف الحلقية"، وهي حروف المخارج الثلاثة الأولى، وهي سبعة على الترتيب: - الهمزة "١" والألف "٢"، والهاء "٣" -والعين "٤"، والحاء "٥"- والغين "٦"، والخاء "٧".

стр. 758

فأنت إذا أردت أن تعرف معاني هذه الحروف فارجع إلى الفقرة الأولى من العبارة، وما تحملك عليهِ إرادة التعبير من التفريج عن نفسك بالمنطق أو التصويت الذي هو قوةٌ كامنةٌ في الإنسان لابدَّ لها من العمل والمطاوعة حين تجد الحافز الذي يدفعها إلى تقرير طريقها في العمل لا يُلائمها تغيير عنيف في النظم، فهنالك فارق في العادات والأخلاق والمدنية والتعليم والدين. وأول ذلك أن تنظر إلى الحاجة التي تدفع إلى التعبير، ولعل من أوائل الحاجات التي يُدفع الإنسانُ للتعبير عنها النداءُ والتعجُّب والتأوُّه والأنينُ والإشارةُ والتنبيهُ، وغير ذلك مما تدعو إليهِ معاناة الحياة الفطرية الأولى التي بدأ الإنسان بها عمله على الأرض. فإذا استوعبت أمثال هذه الضرورات وجعلت تأخذُ نفسك بتدبرها في فطرة الإنسان رأيت أن النداءَ مثلًا يعتمد على أصوات الحلق المقذوفة من الجوف مطلقة في الهواء لتبلغ بالصوت أقصى ما يطيقه تدافعُ الهواء الذي يجعله. وكذلك الإشارة والتنبيه يتطلبان من المشير والمنبه إرسال الصوت خارجًا من الحلق إلى حيث يلاقى الهواء المقابل لفم الإنسان. ثم إذا أنت أردت كل حرفٍ بما يتجلى من صداه المقرون به -على المعاني الأولى- استطعت أن تقرّر لصدى الحروف معاني من النفس أو من المحاكاة أو من التمثيل للحركة أو الصوت المسموع أو غير ذلك. ونحن إنما نتكلم عن العربية، لأنها في اعتقادنا -بعد الذي مارسناه من معانيها- أدقُّ اللغات احتفاظًا بالمعاني الفطرية للحروف، بل هي أكثر اللغات احتفاظًا بحركة الإنسان الأوَّل في الإشارة إلى المعاني، وذلك حين يريد أن يقرن الصوت بحركة دالّة على معنى من الإشارة يُفهم بهِ المتكلمُ المخاطبَ ما يريد أن ينبههُ إليه أو أن يحمله على فهمه. فنحن نختصر لك طريق الكلام عن الحروف المجردة وحدها بإدماج ذلك في تركيب الحروف بعضها مع بعض، غير مخلّين بالبيان عن المعاني التي يتحملها الحرف الواحد من حروف هذا اللسان. ولا يهولنَّك ما سنقدم عليه، ولا يذهبنَّ بك أنا لا نستطيع أن نجرىَ اللغة كلها على هذا الأصل، كلا، بل نحنُ نستطيعُ ذلك، ونستطيع أن نحاول معرفة

стр. 759

الأطوار الاجتماعية والعقلية والخلقية واللسانية والمدنية التي مرَّت بالشعب العربي. وهو شعبٌ كما تَعْلم لا يزال محصورًا بين الحدود التي ضربتها عليه الصحراءُ، ولا يزال حيًا على نَمَطٍ من العيش لم يدخله كثير من التبديل، وإن كان قد اختلف بما اندفق إليه من نتاج الحضارات الأخرى التي اختلطت ببعض أمواجه ثمَّ ارتدَّت إليه. فخذ معني الآن: -الهَمزة والهاء والألفَ. وهي الحروف الحلقية المطلقة التي تُصَوّت حيث تلاقى الهواء ولا يقف في سبيلها، وما ترتطِمُ بهِ من الثنايا أو الأضراس أو الشفة، ولا يعمل معها اللسانُ عملًا في تكوين صداها أو جرسها. واعلم أننا لن نفرق كثيرًا في هذا الذي أردناه بين الهمزة والألف، وأننا سوف نجعل عملهما في العبارة واحدًا، هذا على أن الألف في أصل معناها تخالفُ الهمزةَ من وجوه كثيرة. وليس هذا موضع بيان الفروق بينهما، وأحق بذلك ما نريده إن شاء الله من الكلام عن الواو والياء والألف. فهل تنكر أن الرجل إذا خاف أو فزع أو رغب أن ينادى أو أن يشير -وهو ناقص الآلة اللغوية- فأول ما يبدأ بهِ أن يقذف الصوت مغسولًا من الحلق بأقصى ما يستطيع، كلا. وإذن فالهمزة الممدودة هي الصَّدى الصوتى الذي يراد بهِ التنبيه والإشارة والنداءُ. وكذلك هو في العربية. فالهمزة في العربية لا تزال تحتفظ بجميع هذه المعاني وما يتشعب منها تقول: "أمحمد" تريد "يا محمد" وإنما تفشى الحرف "يا" في النداء بعد، لأنهُ تسهيلٌ لمجرى الهمزة وتليين لها، ثمَّ انقلب بعدُ حرفًا من الحروف "الشجرية" التي في مفرج الفم كالجيم والشين لأسباب أتت بعد خروج اللغة من الطور الأول، وإلا فإن الأصل الذي لا أشك فيهِ أن الياء أقرب إلى الحروف الحلقية منها إلى الحروف الشجرية، فانطق "آء"، "وياء" تجد صدق ذلك (١). ثمَّ انظر، فالهمزة حرف للاستفهام كقولك: أأنت؟ ، وهي حرف للتعجب

стр. 760

من طريق الاستفهام. وقد احتفظت بها العربية في وجوه كثيرة أخرى كالتفضيل والتعجب (١) كقولك ما أحسنهُ! ، وهو أكرم من فلان، فإثبات الهمزة والإتيان بها في هذه الأبواب مأخوذ من الأصل الذي أقيم عليهِ معنى الحرف من فطرة الإنسان: فكأنهم أرادوا -بالبدء بها- إظهار المعنى الذي يتحمله صدى الصوت من الاستفهام والتعجب، والتفضيل فرعٌ من تعجبك من الشيء واستكبارك له. وكذلك احتفظت العربية بهذا الحرف في أكثر حروف الاستفهام كقولهم "أين" "أنّى" وما يدانيها كقولهم "أم" كذلك فيما يقارب ذلك من المعاني كما في قولهم "أو". ويشترك مع الهمزة حرفٌ آخر هو قريب منها، وهو "الهاء"، ففي لغات بعض العرب يقولون في الاستفهام في "أزيد؟ " "هزيد؟ ". وكذلك وقعت هي في "هَلْ؟ " و"هلّا! " وإن كان أكثر موردها على التنبيه والدلالة والإشارة، كما وقعت "في هذا" و"هؤلاء" و"هي"، و"هو" وهذان الحرفان الأخيران، وإن عدَّهما النّحاة من الضمائر وأجروا عليهما أحكامًا، إلَّا أنهما في أصلٍ معناهما للإشارة بغير شك. ولمثل ذلك قال المفسرون في قوله تعالى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. . . . "الضميرُ في منهُ" جارٍ مجرى اسم الإِشارة كأنهُ قيل "عن شيء من ذلك" (٢). وكذلك جرت العربُ على سُنّة إبدال الهمزة هاء والهاء همزة لتقاربهما في الدلالة كما يقولون في "أراق، وهراق" و"لأنك، ولَهنَّك" وغير ذلك مما لا نريد استقصاءَهُ الآن.

стр. 761

وأنت إذا أخذت الضمائر أول ما تأخذ وجدتَ الإشارة فيها ظاهرة، فما قولهم "أنا" إلَّا إبانةٌ عن الصوت "أَن" (١) المدغم في الخياشيم مقترنًا بإشارة المتكلم إلى نفسه بيده، ثم تركوا الإشارة وعمدوا لفتح النون -أقاموا ذلك مقام الإشارة، فلما أراد أن يعبر عن المخاطب قرن "أن" بحركة يده في صدر مخاطبه. ثم استغنوا عن ذلك بتمثيل صوت اليد وهو يقرع الصَّدرَ في رفق بأخف الحروف النطعية التي يرتطم فيها الصوت بالحنك الأعلى محصورًا باللسان فقال: "أنت" (٢). فإذا قرَّ في نفسك هذا المذهب فأدرْ عليهِ سائر حروف الحَلْق مما لم نذْكره، وتبين فروق مواقعها وتدبر ذلك كل التدبُّر، تجد المذهب حسنًا سهلًا طيعًا لا يتخالف عليك إلَّا قليلًا. ونحنُ نأخذُ الآن في بيان بعض ذلك من جمهور بعض الكلام العربيّ المؤلَف من ثلاثة حروفٍ أحدُها مُضعَّف، ليكون ذلك المذهب أقرب إليك. فإن لكلّ حرفٍ معنى، فإذا نحنُ أخذنا في الثلاثيّ غير المضعف اقتضانا ذلك أن نعرضَ لمعنى حروف ثلاثة، والمؤونة علينا في تقريب ذلك إليك، والكلفة عليك في تعاطى ما نناولك -هي في ذوات الثلاث أشد منها في ذوات الحرفين. وهذه الحروف الحلقية لم تجتمع في العربية على التضعيف إلا قليلًا لقرب مخارجها كما تعلم فقالوا "أحّ" و"أه" و"أخّ" ولم يقولوا "أع" ولا "أغ"، ولا "أأ" لأن هذه ثقيلة لا تأتلفُ. وهذه الثلاثة إنما تدل على إشارة وبيان فالصوت فيها يتحمل معنى التنبيه. ألا ترى أن قائل "أح" و"أخ" إنما يريد التألم والتوجع وإبداء ذلك والدلالة عليه، ولكنهُ مع الحاء يريد التنفيس عن نفسه لما يعانى من شدة الألم والوجع. وكما يكون من صوت المغيظ المحنق والمغموم

стр. 762

المفكر فقالوا "الأحيحُ: الغيظُ والضِّغْنُ" وإنما هو في الحقيقة صوتُ الممتلئ غيظًا حين يتفرج بهذا الصوت الذي يصدره من جوفه. ثم انظر. . .، فإنهم لما أرادوا هذا المعنى نفسه من التأوه والغيظِ والغمُّ اتخذوا "أخّ" والخاء حرف حلقى جافّ غليظٌ يكون معهُ الاستعلاء والترفع والاستبشاع والاشمئزاز، فقول أصحاب اللغة "أخّ": كلمة توجع وتأؤه وغيظ - قول ناقص لا يفضى إلى المعنى الحقيقي، وهو أن المتوجع يبين عن اشمئزازه وشموخه وتقذُّره، ولذلك ما ورد في اللغة أن "الأخ": القذَر، يقول الراجز يذكر سنه وعجزه وضعفه: وانثنت الرجْلُ فصارت فخا ... وصار وَصل الغانيات أخَّا أي قذرًا لا يقربهُن، أو لا يَقْرَبنه. وكذلك ترى أنهم لما راموا التعبير في الأول أقاموا له "الحاء" للبُحَّة التي فيها، وهي لينٌ ونعومة، وهي قابلة للدوران مع الهمزة في التكرار، لأن الذي ينطقها يريد معها أن يكررها ويتلوَّى معها، ويعكس لها أضلاعه لما يقاسيه من الألم أو الغيظ، والخاء لجفوته وانقطاعه في غار الحنك واستعلائه لا يطيع على مثل ذلك، بل أكثر عبارته المقترنة بهِ هي في الوجه والشفتين، والألف ترفع من بعضها وتخفض من بعض. ولكنهم لما أرادوا العبارة عن التوجع مع اللين والضَّعْف والفَتْرة التي تلحق المتأسف المكسور النفس بغير إضمار للحقد والغيظ كما في "أحَّ، وأخَّ" قالوا "أَهْ" و"أَهَّ" و"آهٌ". وهذا إشارة إلى تعب النفس. واجتماع هذين الحرفين السائلين المطلقين المغسولين الضعيفين هو تمثيل لحركة التوجّع من إرسال النفس بريئًا مع انهزام خصر المتوجع وانثناء صدره واستسلامه للضعف واسترخاء أعضائه وتكسر أجفانه على عينيه. وقالوا أيضًا من ذلك ما يكون في الجيش من الأصوات للنداء والإيقاظ والتنبيه والتوجع والإشارة وتداخل الأصوات بعضها في بعض وزجر الإبل وما إلى ذلك "آءَ"، يقول الشاعر:

стр. 763

إن تَلْق عمرًا فقد لاقيتَ مُدَّرعًا ... وليسَ من همهِ إبْلٌ ولا شاءُ في جَحفَل لَجِبٍ صَواهلُهُ (١) ... بالليل تُسمَعُ في حافاتهِ: آءٌ وقد أفرد أصحاب اللغة هذه المعاني التي ذكرناها، فقالوا: "آء" حكاية لصوت زجر الإبل، وليس كذلك، وهذا البيت يدل على خلافه كالذي قدمنا في بيان معناه: فأنت ترى أن هذا الحرف "الهمزة" يحمل معهُ أين كان معنى الصوت المغسول الأوَّل، وهو الإشارة والتنبيه وما إلى ذلك من استفهام وتعجب وما يتفرع منها. وأما العين والحاء والغين والخاء. فهذه الحروف الأربعة الحلقية لا تصلح للاستفهام والتعجب وما إليهِ لأنها في الحقيقة أحرفٌ غير خالصة بين الحلْق والهواء الذي يلاقيها خارج الفم ولما في جميعها -إلَّا الحاء- من التكلف والضغطِ والتعسُّر في المخرج وارتطامها قبل الهواء ببعض أجزاء الفم عند مقطعها المبين عن صداها. انطق: "إعْ، إغْ، إخْ". والحاء، وإن كانت أسهل وأخفَّ وأسلم، فهي مع ذلك مقرونةٌ بحشرجةٍ طفيفةٍ رقيقة غير مُثْقلة مع كفِّ النَّفَس المقذوف عن الانطلاق إلى نهاية تصادُمه بالهواء خارج الفم، وإنما تصلح للدلالة على نوع الصوت المراد تمثيله، أو تصوير الصوت مقرونًا بالحركة التي تكون معهُ أو تلحقهُ من جرَّاءِ ألم يدعو إلى هذه الحركة، كما قالوا مَثَلًا في الرجل إذا ذَرَعهُ القئُ -فمدَّ ذراعيه على الأرض وأقبَلَها وَجْهه ونَغَضَ إليها رأسه وتمايل على الأرض ليقئَ: "هَاعَ"، فهذه بلا شكّ حكايةُ صوت القئ أوَّلَ ما يكون بالهاء، ثم ما يكون من تضرب الطعام المائع في الحلق كصوت العينِ، ثم انطباق الحنجرةِ وتصويتها في هذا الانطباق بصدّى كصدى العين. هذا ونحن لا نستطيع أن نستوفي لك في هذه الكلمة كل الذي نريده من المعاني، فهو كما ترى بابٌ واسع متداخل يفضى قولٌ منهُ إلى قول، وهو مما

стр. 764

لا يمكن حصره في مثل هذه الكلماتِ، فإنَّ لكُلّ جمهور من حروف العربية مجرى ودربًا تتفرع منه شعبه، ولا يمكن استيعاب ذلك إلا بالإطالة والدُّربة والتمثيل، وذلك مما يقتضي انبساط النفس وقلّة الثّقل وخُفُوف (١) العمل. ثم نحنُ لا نكتب هذا إلَّا عَفْو الخاطر أو شبه ذلك، فإذا أردنا أن ندخل الجدّ من هذا الباب -ونحن ما نحنُ- انبتَّ الجهد بنا دون ذلك. فاقبل بعض العُذْر وتغمد بعض الزلل. وكذلك نستطيع أن نبين لك بعض الإبانة عن الأصوات وحكايتها وأسمائها التي جعلتها اللغة لها في أعمال الإنسان والحيوان والجماد، وكيف تدور فيها هذه الحروف الحلقية دورانًا طبيعيًا دالًا صريحًا متدرجًا على بيان نوع الحكاية أو التمثيل. . .، فكأنك به.

стр. 765

علم معاني أصوات الحروف سر من أسرار العربية نرجو أن نصل إلى حقيقته في السليقة العربية (٣) أفضنا في الكلمة السالفة -في ذكر الحروف الحلقية، وبدأنا بالهمزة ونظرنا بعض النظر في معناها ما هو؟ وحسنٌ أن نعود إلى استقصاء القول في هذه الهمزة وسائر الحروف الحلقية، واستخراج أكثر معانيها من الفطرة. ثم كيف هو دورانُها في الكلام العربي، ثم كيف تنزلُ عن بعض معانيها من تركيب الكلمة لدلالة أخرى تفضي إلى معنى يكون شارعًا من الأصل أو مستمدًّا منهُ أو عارضًا فيهِ، أو ليكون اعتراضها مسقطًا لبعض المعنى في حرفٍ آخر ليعادَل بهِ إلى القصد في إرادة معنى بعينِه ينشأ من اشتراك هذه الحروف الدالة في تركيب الكلمة. ويقتضينا هذا المذهب أن نسبقَ إلى عرض بعض معاني سائر الحروف العربية في مدارج القول، إذ كان الاشتراك بين هذه الحروف في الكلمة مدعاةً للبيان عن معانيها. وإذ كان ذلك كذلك، فستجد كلامنا عن هذه الحروف الحلقية مختلطًا بغيره من بيان معاني حروف أُخر من حروف اللسان العربي. وإنما أردنا ذلك اختصارًا وتخفيفًا. فلو ذهبنا ننشيء لكل حرف مقالًا لغلبنا الجهد، ولكان على القارئ أن يبقى مغموسًا في فكره في هذا الباب أشهرًا بعدد حروف العربية. ونحن إنما نجعل كلامنا هذا كالتذكرة لنا وللقراءِ في هذا العلم، ولأن ننتظر -حتى يأذن الله فيتيح لنا من الفراغ والهمة والجدة والتوفيق ما هو بعض نِعَمِه علينا وآلائهِ- أَوْلَى وأخلقُ، ولأن يكون ذلك مخبوءًا لنا حتى نضع كتابنا في "سر العربية" (١) -أحبُّ إلينا وأَجود للبيان، فإن بيان الرأي- في سعةٍ من كتاب

стр. 766

يؤلَّف لغرضٍ يشملهُ- أحرى بالاستفاضة فيه من مجلة تحدّ الرأي بحدود من الورق! ولقد علمتَ أن ضرورة الحياة الفطرية الأولى هي التي نزعت بالحرف الحلقيّ المغسولِ -المسمى في عبارة المتكلمين "بالهمزة"- أن يكونَ هو أقربَ الحروف إلى النداءِ، والتعجب، والاستفهام، والإشارة، والتنبيه، والأمر، والتحذير، وذلك لأن هذه المعاني كلها ليست إلَّا أقربَ الحوافِز التي تحفِزُ الإنسان الفطريَّ إلى إرادة التعبير، لفرط حاجته إلى كل منها بضرورة الطبع، لما يلاقيه مما يَصدِمُهُ ويتذَمَّرُ عليه من تصاريف الحياة وتخاليف الأحوال التي تُقبِلُ عليهِ فتدفعُهُ إلى نداء مَنْ يستعينه من أبٍ أو ولدٍ أو أخٍ أو زوجةٍ، أو تحمله على الاستغاثة، بالإشارة، أو الإغاثة بالتنبيه والتحذير. ثم لما يتجددُ عليهِ مما يستخرج عجَبَه أو ما ينصبُّ عليهِ مما يستغلقُ ويستبهمُ، فيجيله إلى طلب الاستفهام أو الاستنكار. ولعلك لستَ تشكُّ في أن ذلك هو أولُ ما يبدأ الحيُّ على الأرض وما يتنازعهُ من الضرورة، كما لا تشكُّ في أن أوّل مطاوع لهُ من الصوت هو ما يصوّتُ من الجوف والحلق، دون ما يكون تصويتهُ من قِبَل اللسان والفم والشفة مما هو لا يُطيع إلَّا بالمداورة والهز والتمرين والدُّربه على حركة بعينها مرة بعد مرة. وفي أصوات سائر الحيوان -خلاف الإنسان- دليل ذلك والبرهان عليه وعلى صحة مذهبنا إليه، فإن أصوات جميع الحيوان إنما هي أصوات حلقية تتردد، إلا ما كان من مثل صوت الغراب والقط والجُندب والبازى والقَطا وما إلى ذلك مما انفردَ من الحيوان والطير بحرفٍ يتردد، في مدارج نفسهِ أو منقط صوته. ثم لا يكون ذلك إلَّا حرفًا واحدًا مقاربًا، أو بعض حرفين متجانسين يتليَّن شدتهما ألفٌ أو همزةٌ مختلسة تكون بينهما فاصلةٌ. ولما كان من أول ضرورة الحياة الفطرية أيضًا أن يلاقىَ الإنسان من الهول ما يفزعه ويخيفه وما يتعرض لهُ من الجرح والكدم في صراع غيره من الإنسان والحيوان، وما يجد بعد ذلك من الألم والشدة، ثم ما يحمله عليهِ الأَلم الممضُّ من التأوه والأنين والغيظ والحنق، ثم ما هو من دواعى الفطرة الإنسانية القائمة على الغرائز الاجتماعية كالذي يجده إذا توحّد وانفرد من الحنين والحيرة والوجد -لمَّا

стр. 767

كان كل ذلك وما إليه مما يتصل به، كان أيضًا من ضرورة الحافز الذي يستوفزهُ ويرتفع به إلى إرادة التعبير، أن ينحو به إلى أول ما يطاوع من الأصوات ويتلين ويخف ولا يحتاج إلى المداورة والتمرين. فإذا تدبرت ذلك وأَوعبت نظرك إليهِ وفيهِ، وتلمست كل الصلات والأسباب التي تمتد بهِ إلى سائر المعاني التي تنظر إلى هذا الأصل أو تتخايل عنهُ -عرفت أنهُ لابدَّ من اشتمال كل هذه المعاني على الدلالة الفطرية التي تدلُّ بها طبيعة الإنسان على أغراضهِ الأولية القديمة. فكُلُّ ما يرجعُ أصلُ معناه أو بعض فحواه إلى هذه الدلالة، فالواجب لذلك إذن أن يشتمل على حرفِ الحلق الأوَّل وهو "الهمزة"، أو على الحرف الثاني الذي يقاربه ويشابهه ولا يختلف عنه إلَّا بضغطهٍ هوائية رفيقة هينة في جوار الحنجرة وهو "الهاء". فإذا تصرفت قليلًا على مثل هذا الأصل ترقَّيت إلى "العينِ"، "فالحاء"، "فالغين"، "فالخاء"، مقدّمًا "الحاء" على جميع هذه الأربعة الأخيرة لخفتها وسهولتها وسلامتها واقترانها بالحشرجة الحُلوة اللطيفة الرقيقة المُنْسربة في تصويتها كأهدإ انسراب وأحنّهِ وألينهِ. فإذا صحَّ لكَ، ما نذهبُ إليه، استخرجتَ من ذلك ضرورة أن تكون جميعُ الألفاظ العربية -التي ندعى لها هذه الحكمة الشريفة: في إمساسِ الحرف والكلمة شبهًا من معاني الفطرة ودواعيها- مبينة كل الإبانة عن هذا الرأي الذي نجرى إليهِ، باشتمالها على أحد هذه الحروف الحلقية. ويقتضي ذلك أن تكون كل أدوات الاستفهام والنداء والإشارة والتنبيه والفزع والتحذير، وسائر الألفاظ ذوات المعاني المقاربة لذلك -مشتملةً على أحد هذه الأحرف ثم يكونُ منهُ أيضًا أن جميع أسماء الأصوات الدالة على صوت الإنسان والحيوان والطير والحشرات قد جمَعتْ طرفًا صالحًا منها، حين تكون هذه الأسماء -أو الأفعال- دالةٌ على حكايةِ صوتٍ حلقي يكون لهذه الخلائق. وإذن فواجبنا -بعد الذي قلناه وعرضناهُ- أن نقدّم الدليل من ألفاظِ العربية على صحة ذلك، وأنه طريقةٌ ممهدةٌ على لسان هؤلاء الناس من العرب، وأنهُ إذا كانَ ما نقول بهِ، فاللغة العربية هي حقا -على ما ادعيناه في الكلمة السالفة- أدق اللغات، وأكثرها احتفاظًا

стр. 768

بالمعاني الفطرية للحروف، وبالحركات التي لجأ إليها الإنسان الأول فقرنها بالحروف للدلالة على معنى ليس يقومُ الحرفُ على بيانِه كلهِ إذا أفردَ وحده للتعبير عنهُ. ولقد رمينا إليك -في الكلمة السالفة- طرفًا من القول في حروف الاستفهام والنداء والتعجُّب والإشارة وما يجرى إليها من معنى الضمائر، ثم في الكلمات الثلاثية المضعَّفة التي اجتمع عليها في التضعيف حرفان حلقيان وهي"أحّ" و"أهّ" و"أخ"، ثم كشفنا عن معانيها بعض الكشف. فالآن نستقِلُّ بك إلى حروف الحَلْق المشتركة مع حروفٍ أخر من حروف اللسان. ولن نستوعَب كلَّ ذلك، فإنهُ يقتضينا -إن فعلنا- شرح اللغة كلها على مذهبنا، وهذا إن اجتمع في كتاب فجمعهُ في مقالٍ يتعذَّر مرَّة ويثقُلُ على قارئه أخرى. فلو أخذت الهمزة وبدأت بها في قولهم: "أبَّ"، "أتَّ"، "أثَّ"، "أجَّ"، "أدَّ" "أذ" "أرَّ"، "أزَّ"، "أسَّ"، "أصَّ"، "أضَّ"، "أطَّ"، "أظَّ" "أفَّ"، "أكَّ"، "ألَّ"، "أمَّ" "أنَّ"، "أيَّ". وقد أمضينا القول على "أحَّ"، "أخَّ"، "أهَّ"، "أنَّ"، "أع"، "أغ"، "أأ" مما تجافوا عنهُ وتركوهُ وأهملوهُ لعلل ذكرنا بعضها، كما أسقطوا أيضًا "أقَّ"، وذلك لأن هذه "القاف" -كما علمت من أوَّل مقال لنا- هي الحرفُ الذي يلي مخرجهُ مخرج الحروف الحلقية، فهو الحرف الثامن بعد الحروف السبعة الحلقية المبدوء بها في ترتيبنا. فإذ كانت الهمزة أشدَّ الحروف مطالبةً بالانطلاق وحافزها أقوى حوافز الحروف الحلقية فاتباعها بالحرف الذي يدانى اللَّهاة وأقصى اللسان ويرتطم بالحنك الأعلى ويتردد فيهِ جاسيًا غليظًا متعسرًا (١)، يكون مثقلًا على النطق، ثقيلًا في السَّمْع. وأيضًا فإن القاف -هي في ترتيب الحروف الشديدة التي وصفناها لك- تلى الهمزة، وهي أول هذه الحروف الموصوفة بالشدة ثم

стр. 769

الاستعلاء أيضًا. فهم لم يريدوا أن يجعلوها مفردَة في كلامهم لذلك، وقالوا "حق" و"عق" لما تعرف من صفة العين والحاء على ما يتوجه إليك من فحوى بعض كلامنا آنفا. فنحن سنأخذ هذه الكلمات المبدوءة بالهمزة على ترتيب مُتّصل، وذلك بأن نفصّلها لك على مخارج الحروف التي تليها، فأول ذلك: "أكَّ" فأصل هذه المادة عندنا من صوت احتكاك الأجسام اللينة بعضها ببعض لأن الكاف تمثل في النطق صوت شيئين لينين بَينَ بَينَ يزحمُ أحدهما الآخر زَحمًا شديدًا. والأكَّة في اللغة الزحمة والضّيقُ، وأكَّهُ زاحَمَهُ. وهذا المعنى للكاف ثابثٌ في قولك "حَكَّ" و"عكَّ" و"هَكَّ" الشيء سحقهُ، وهذه كلها حروف حلقية تتبعها الكاف، فإذا أنت أخذت في مثل "بَكَّ" أي زَحَم، و"تكَّ" الشيء اللين الرطب وطأه فشدخه و"دكَّ"، و"زكَّ" في مشيه قارب خطوه وحَرك جسده واحتَكَّ بها ثوبهُ، و"سَكَّ" و"شكَّ" و"صَكَّ". . . رأيتَ كل هذه تَحملُ كافُها لها معنى الاحتكاك أو تصويره أو مقاربة صوته (١) ولكنهُ في "أكَّ" و"حَكَّ" أبينُ المعنيين، لأنَّ الهمزة والحاء حرفان أصليان دالان على الأصوات الأولى التي هي أقربُ من سواها إلى حكاية هذا الصوت (٢). ثم إليك "أشَّ"، "أجَّ" والشين تحمل بطبيعتها صوتَها المتفشّى المستطيلَ المتلينَ الذي يُهمس بهِ، ويضعف لها الاعتماد في مخرجها حتى يجرى معها النفَس بين الحَنَك الأعلى واللسان مع انفتاح الشفتين مع الإمالة الخفيفة. ويلقى هذا الصوت الأذن فيمثل صَوت الحركة الخفيفة التي تكون كأنها من احتكاك

стр. 770

الثوب القشيب، أو صوت وقوع الرش الخفيف من المطر، أو صوت خفيف الورق الأثيث على أشجاره إذا فيَّأهُ النَسيم المُتروّح، ويمثل أيضًا صوت الضاحك إذا انقذف نَفَسهُ بضحكةٍ خفيفة لا تبلغ القهقهة، مع انفراج الشفتين واستعلاء الشفة العُليا. وتجد أكثر هذه المعاني دائرة في "أشَّ"، "هشَّ"، و"حشَّ"، و"خشَّ" و"بشَّ"، و"نَشَّت" القدر تنش، وهو صوت غليانها، و"رشَّ" الأرض بالماءِ. و"كشَّت الحية" والمرأة أيضًا! ! كشيشًا وهو صوت جلدهما إذا حكت بعضهُ ببعض. ولذلك كُلهِ قيل في "أشَّ" أن الأش والأَشاش الطلاقة والبشاشة لما يتبع الارتياحَ والنشاطَ والخفة والضحك من الحركة التي تُسمِع هذا الصوت، وأشَّ غنمهُ كهشها، وأشَّت الشحمة إذا نشت وقطرت فسمع لها مثل هذا الصوت. وأما "أجّ"، فمن قبل أن الجيم أجسى وأقسى وأغلظ صوتًا من الشين، واللسان بها أشد ضغطًا للهواء في غار الحَنَكِ الأ على، وصوتها جافٍ على السمع ظامئٌ لا ماء فيه ولا قطر له ولا همس يأتي من قبله -لذلك دخلت مع الشين في بعض معانيها، ولكنها خرجت من بعضها الآخر بما أَخرجها من الميزة التي مازتها عنها في مستقبل السمع. وبعد، فإن "أجَّ" هذه وما يليها من "هَجّ"، "حَجّ" و"عَجَّ" بالدعاء، و"ثجَّ" المطرُ يثجُّ سالَ فسمع صوت سيلانِه، و"هَجَّ"، و"لَجَّ" -الجيم في جميعها دالةٌ على حكاية صوت وصفناه بما وصفناه فأُخِذ منهُ "أجَّت" النار و"هجَّت" إذا اتقدت فتعالت فاستعرت فاستطارت فسمع صوت تلهُّبها الذي تمثلهُ الجيم، كما يظهر لك إذا تدبَّرتهُ وداورتهُ على المعنى الفطري للحرف (١). وأما "أيّ" وهو اليائى الذي عددناه مع الشين والجيم في مخرج الحروف

стр. 771

الشجرية فليس هذا مكان الإفاضة في ذكره، لما تعلم مما أشرنا إليه آنفًا في بعض كلامنا من أنَنا نرى في الألف والواو والياء رأيًا نخالف بهِ ما ذهب إليهِ أئمتنا رضوان الله عليهم. وأن في سرّ تطوره من حرفٍ حلقى إلى حرفٍ شجريّ موضعًا للنظر، ومجالًا يجول إليهِ الرأي. فندعه إلى موضعه الذي يتنزل عليهِ في أوانه إن شاء الله. وإذا درجتَ إلى "ألَّ"، رأيت اللاَّم، وهي عندنا من الحروف ذوات المعاني المتشابكة، وذلك أن اللسان معها يعمل أعمال حروف كثيرة. ولقد علمت أن مخرجها -فيما أسلفنا- هو من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه حيث يندفع إليها الهواء المقذوف من الجوف، فيحصُرُ اللسان هذا الهواء حَصرًا بين الشدّة والرخاوة في الحنكِ الأعلى مما فوقَ الضاحك والنابِ والرباعية والثنية، وعند ذلك يرتكسُ هذا الهواء المحصور في جوف الفم من كِلا جانبيه، ثمَّ إن بعض هذا الهواء يجول في ميدان كأنهُ يروم المخرج من الخياشيم وهو مخرج النون. فلذلك ترى هذه اللاَّم إذا وقفت عليها في مثل "هَلْ" و"قُلْ"، قذفت من المنخرين نفسًا خفيفًا همسًا، تنتفش معهُ الخِنَّابتان (١) قليلًا قليلًا، وكذلك تجدُها كأنْ قد أُشْربتْ من غنة النون في أكثر المنطق. وهذه الملامح الكثيرة التي اختلستها اللام من الحروف التي تليها كالنون والراء والميم، ومن الحروف التي سبقتها كالجيم والشين والضاد، هي التي راحبت من معانيها وكثَّرتها وغمَّضتها على من يروم فقهها وضبطها، وهي أيضًا التي جعلتها أكثر الحروف دورانًا في كلام العرب للطفها وضعفها ورقّتها حيث كانت -ولا تكون هذه الرقّة التي فيها إلَّا مشوبةً ببعض القوَّة والشدَّة، فهي إذن أعدل الحروف وأحسنها استواءً فلا تعتاص على باغيها. ولذلك أيضًا تجدها لا تدخلها العيوبُ التي تدخل سائر

стр. 772

الحروف كالراء التي تليها، وهي تدخلها اللّثغة في لسان الألثغ فلا يستقيم لهُ معها المخرج، وإنما ينحاز الألثغ -إذا غلبته لثغتهُ من الراء إلى اللام، فاعرف هذا وتدبره وانعم نظرك له وفيهِ (١). فالقول في "ألَّ"، "هلَّ" يفترق من القول في اللّام التي تلى سائر حروف الحلق مثل "حلَّ" "وعل" ولذلك نقصر القول على "ألَّ" و"هلَّ"، فالألف والهاء هما عمدة باب الحروف الحلقية كما أمضينا آنفًا. واللام في هذا الموضع تمثيل للإلحاح والتردد والانتشار، ومعاناة للتحفز الذي يأتي بالصوت في اندفاعهِ. ألا ترى أن صوت اللام -إذا حققتهُ- شبيهٌ بالجرس الذي تسمعهُ من اصطدام شيء لين بعض اللين بشيء من مثله فيفزع سمعك إليه فتصغى له. وعلى ذلك فمعني "ألَّ" -ابتداءً يتضمن الإشارة إلى حركة مقرونة بصوت بين بين، فلا هو جاسٍ ظامئٌ ولا هو رطب ممتلئٌ بمائه. وكذلك هو في اللغة: ألّ الفرس إذا أسرع فاهتزَّ فسمع من الرمل صوت حافره إذا وقع عليها متتابعًا مترددًا، وكذلك ألّ البرق، وألَّت المرأة رفعت صوتها بالدعاء أو غيره. والأليل من ذلك هو الأنين والحنين عند الجزع، وهو خرير الماء على التربة، وهو صوت الحَصَى إذا وقع على الرمل. والقول في "هَلَّ" قريب منهُ فقالوا: هَلَّ السَّحاب وانْهَلَّ بالمطر، وذلك إذا قطر فوقع ماؤه فسمع صوت هذا الماء حين يصطدم الثرى والرمل بحباتِه في شدة انصبابِه، وتردد هذا الصوت مرة بعد مرة، ومنهُ "أهلَّ" إذا رفع صوته بالدعاء فردَّده. فإذا صرتَ بعد هذا إلى الحرف الذي يلي اللام وهو النون في "أنّ"، حيث ينبعث الهواء المقذوف إلى الخياشيم، فيحار فيها ويتردد ويجولُ ويُسمَع لجولانه في الأنف صدًى ناعمًا تتبعه غُنة مُدَوّيةٌ باحتكاك الهواء بجدار الأنف -رأيتَ المعنى يتسلسل من اللَّام إلى النون مختلفًا في الدلالة اختلافًا بينًا مرة ومقاربًا مرة أخرى. ثم هو من أجل ذلك حرفٌ دَمِثٌ طيع مترفِّه ناعمٌ حُلو النَّغم لطيفُ الترديدِ، يسيلُ مع الهواءِ لينًا ونعومةً ورقة، لا تدركه الجفوةُ التي تعرض لسائر الحروف مع التحريك إذا حُرّك، فهو لطيفٌ مطاوع ذو نَغَم إذا حُرك أو سُكن.

стр. 773

فهو إذن أقرب الحروف للبيان عن المعاني الشافعية التي لا تتحامل أصواتها إلى المادة وصوتها، ولذلك يدور أكثر ما يدور في الألفاظ ذوات المعاني النفسية الصافيةُ التي تذوب فيها آلام النفس وأحزانها وأحلامها وأفكارها التي لا تتكلم إلَّا لمحًا وإشارة وتلويحًا. فكذلك هو في معناه إذا قلت: "أنّ" أنينًا، و"حنَّ" حنينًا وحنانًا، و"هَنَّ" هنينًا، وهو كالحنين والأنين، وكذلك "خنَّ" خنينًا، وهو الانتحاب والبكاءُ الذي يتردد حتى يصير في الصوت غُنة من جولان البكاء في الخياشيم. وذلك كلهُ من أجل الحزن الذي لا يعبر عنهُ إلَّا بالصوت المبهم المطاوع لحركة الجسد إذا حُرك من نوازى الأحزان الداعية إلى هزّ الأعصاب وبالرجفة التي تلحقها من تنزِّيه فيها. ولكن انظر إلى "خنَّ" وتدبَّر فعل "الخاء" في توجيه المعنى إلى الشموخ والاستعلاء ورفع الصوت بالبكاء، وخشونة الصوت التي تكون في هذا الضرب من البكاء أو الضحك المشوب بالترفع والاشمئزاز، وإلى التعذُّر والمعالجة التي تجدها في البدء بالخاء. ومن أجل هذا يتباين الأنينُ والحنينُ من "الخنين" تباينًا صحيحًا في الدلالة على هذا الأنين المشوب بالصوت الذي وصفناه لك. ونحن نقف بالقول عند هذا الحدّ الذي حدَّه الفرق الصوتى أيضًا بين النون والراء التي تليها في المخرج، ولعلك قد رضيت عن هذا الضرب من النظر، ولعلك تحمل نفسك على معاناته وتكلفه، ولعلك تجد لهُ من الطرافة والحسن واللذة، وما يجعلك تمضي في إتمام ما أسقطناه من كلامنا. فإذا فعلت عرفت لطف هذه اللغة، وملابستها للطبع والطبيعة والفطرة، وأن أصحاب هذا اللسان كانوا أرقَّ الناسِ إحساسًا، وألطفهم فهمًا، وأحسنهم تهديًا إلى المعاني، وأثقفهم لسحر الطبيعة وأنغامها ولغتها التي تجرى في أرواح الشعراء بالمعاني والأحلام. واعلم أننا إنما أخذنا لك من أبواب الكلام في هذه الكلمات، وما يُعدُّ من أصول المادة اللغوية التي يكون الحرف دالًّا عليها، وتركنا ما هو مجاز واستعارة في مذهبنا، وإن كان أصحاب علم اللغة يعدُّونه من أصل المادة أيضًا. وإذا جاء أوان شرح المجاز من المعنى الأصلي إلى المعنى الذي انتقل إليه اللفظ بعدُ،

стр. 774

عرفت أن هذه اللغة شريفة جليلة دقيقة التركيب، مع ما تتبين في قسماتها من النبل والاستواء والاستقامة على مذهب لا يتخالف ولا يتناقض ولا يختل والله المستعان.

стр. 775

عبقرية عمر تأليف: الأستاذ عباس محمود العقاد المكتبة التجارية الكبرى بمصر، مطبعة الاستقامة في سنة ١٣٦١ هـ، ١٩٤٢ م عدد الصفحات ٤٦٠ "وكتابى هذا ليس بسيرة لعمر، ولا بتاريخ لعصره، على نمط التواريخ التي تقصد بها الحوادث والأنباء ولكنهُ وصفٌ له، ودراسةٌ لأطواره ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة هذه الخصائص لعلم النفس وعلم الأخلاق وعلم الحياة. فلا قيمة للحادث التاريخى جلَّ أو دقَّ إلَّا من حيث أفاد في هذه الدراسة، ولا يمنعني صغر الحادث أن أقدّمهُ بالاهتمام والتنويه على أضخم الحوادث، إن كان أوفى تعريفًا بعمر وأصدق دلالة عليه. "وعمر بعدُ رجل المناسبة الحاضرة في العصر الذي نحن فيه، لأنهُ العصر الذي شاعت فيهِ عبادة القوة الطاغية وزعم الهاتفون بدينها أن "البأس" و"الحق" نقيضان. فإذا فهمنا عظيمًا واحدًا كعمر بن الخطّاب، فقد هدمنا دين القوة الطاغية من أساسه لأننا سنفهم رجلًا كان غايةً في "البأس"، وغاية في "العدل"، وغاية في "الرحمة". وفي هذا الفهم ترياق من داء العصر يشفي بهِ من ليس ميؤوس الشفاء". هكذا قدَّم العقاد بين يدي كتابهِ وهو أتم قول في البيان عن مبنى كتابه وعن منحاه وعن غرضه الذي رمى إليهِ في كل فصل من فصوله. فأنت تقدم فيه بعينيك ورأيك وعقلك على رجل قد استوى واستَحْصد. لا تجد ذكر أولية ولا ميلادٍ ولا نشأة، ولا من كان أبوه ولا من كانت أمه، وإنما هو "عمر بن الخطاب" وحدهُ الذي تلقاه. ثم تجول فيه فلا ترى تاريخًا ولا موقعة ولا فتوحًا ولا أعمالًا ولا حوادث، وإنما ترى "رجل" التاريخ والموقعة والفتح والعمل والحادثة قد
следующие страницы →