← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الشجرية فليس هذا مكان الإفاضة في ذكره، لما تعلم مما أشرنا إليه آنفًا في بعض كلامنا من أنَنا نرى في الألف والواو والياء رأيًا نخالف بهِ ما ذهب إليهِ أئمتنا رضوان الله عليهم. وأن في سرّ تطوره من حرفٍ حلقى إلى حرفٍ شجريّ موضعًا للنظر، ومجالًا يجول إليهِ الرأي. فندعه إلى موضعه الذي يتنزل عليهِ في أوانه إن شاء الله. وإذا درجتَ إلى "ألَّ"، رأيت اللاَّم، وهي عندنا من الحروف ذوات المعاني المتشابكة، وذلك أن اللسان معها يعمل أعمال حروف كثيرة. ولقد علمت أن مخرجها -فيما أسلفنا- هو من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه حيث يندفع إليها الهواء المقذوف من الجوف، فيحصُرُ اللسان هذا الهواء حَصرًا بين الشدّة والرخاوة في الحنكِ الأعلى مما فوقَ الضاحك والنابِ والرباعية والثنية، وعند ذلك يرتكسُ هذا الهواء المحصور في جوف الفم من كِلا جانبيه، ثمَّ إن بعض هذا الهواء يجول في ميدان كأنهُ يروم المخرج من الخياشيم وهو مخرج النون. فلذلك ترى هذه اللاَّم إذا وقفت عليها في مثل "هَلْ" و"قُلْ"، قذفت من المنخرين نفسًا خفيفًا همسًا، تنتفش معهُ الخِنَّابتان (١) قليلًا قليلًا، وكذلك تجدُها كأنْ قد أُشْربتْ من غنة النون في أكثر المنطق. وهذه الملامح الكثيرة التي اختلستها اللام من الحروف التي تليها كالنون والراء والميم، ومن الحروف التي سبقتها كالجيم والشين والضاد، هي التي راحبت من معانيها وكثَّرتها وغمَّضتها على من يروم فقهها وضبطها، وهي أيضًا التي جعلتها أكثر الحروف دورانًا في كلام العرب للطفها وضعفها ورقّتها حيث كانت -ولا تكون هذه الرقّة التي فيها إلَّا مشوبةً ببعض القوَّة والشدَّة، فهي إذن أعدل الحروف وأحسنها استواءً فلا تعتاص على باغيها. ولذلك أيضًا تجدها لا تدخلها العيوبُ التي تدخل سائر

стр. 772

الحروف كالراء التي تليها، وهي تدخلها اللّثغة في لسان الألثغ فلا يستقيم لهُ معها المخرج، وإنما ينحاز الألثغ -إذا غلبته لثغتهُ من الراء إلى اللام، فاعرف هذا وتدبره وانعم نظرك له وفيهِ (١). فالقول في "ألَّ"، "هلَّ" يفترق من القول في اللّام التي تلى سائر حروف الحلق مثل "حلَّ" "وعل" ولذلك نقصر القول على "ألَّ" و"هلَّ"، فالألف والهاء هما عمدة باب الحروف الحلقية كما أمضينا آنفًا. واللام في هذا الموضع تمثيل للإلحاح والتردد والانتشار، ومعاناة للتحفز الذي يأتي بالصوت في اندفاعهِ. ألا ترى أن صوت اللام -إذا حققتهُ- شبيهٌ بالجرس الذي تسمعهُ من اصطدام شيء لين بعض اللين بشيء من مثله فيفزع سمعك إليه فتصغى له. وعلى ذلك فمعني "ألَّ" -ابتداءً يتضمن الإشارة إلى حركة مقرونة بصوت بين بين، فلا هو جاسٍ ظامئٌ ولا هو رطب ممتلئٌ بمائه. وكذلك هو في اللغة: ألّ الفرس إذا أسرع فاهتزَّ فسمع من الرمل صوت حافره إذا وقع عليها متتابعًا مترددًا، وكذلك ألّ البرق، وألَّت المرأة رفعت صوتها بالدعاء أو غيره. والأليل من ذلك هو الأنين والحنين عند الجزع، وهو خرير الماء على التربة، وهو صوت الحَصَى إذا وقع على الرمل. والقول في "هَلَّ" قريب منهُ فقالوا: هَلَّ السَّحاب وانْهَلَّ بالمطر، وذلك إذا قطر فوقع ماؤه فسمع صوت هذا الماء حين يصطدم الثرى والرمل بحباتِه في شدة انصبابِه، وتردد هذا الصوت مرة بعد مرة، ومنهُ "أهلَّ" إذا رفع صوته بالدعاء فردَّده. فإذا صرتَ بعد هذا إلى الحرف الذي يلي اللام وهو النون في "أنّ"، حيث ينبعث الهواء المقذوف إلى الخياشيم، فيحار فيها ويتردد ويجولُ ويُسمَع لجولانه في الأنف صدًى ناعمًا تتبعه غُنة مُدَوّيةٌ باحتكاك الهواء بجدار الأنف -رأيتَ المعنى يتسلسل من اللَّام إلى النون مختلفًا في الدلالة اختلافًا بينًا مرة ومقاربًا مرة أخرى. ثم هو من أجل ذلك حرفٌ دَمِثٌ طيع مترفِّه ناعمٌ حُلو النَّغم لطيفُ الترديدِ، يسيلُ مع الهواءِ لينًا ونعومةً ورقة، لا تدركه الجفوةُ التي تعرض لسائر الحروف مع التحريك إذا حُرّك، فهو لطيفٌ مطاوع ذو نَغَم إذا حُرك أو سُكن.

стр. 773

فهو إذن أقرب الحروف للبيان عن المعاني الشافعية التي لا تتحامل أصواتها إلى المادة وصوتها، ولذلك يدور أكثر ما يدور في الألفاظ ذوات المعاني النفسية الصافيةُ التي تذوب فيها آلام النفس وأحزانها وأحلامها وأفكارها التي لا تتكلم إلَّا لمحًا وإشارة وتلويحًا. فكذلك هو في معناه إذا قلت: "أنّ" أنينًا، و"حنَّ" حنينًا وحنانًا، و"هَنَّ" هنينًا، وهو كالحنين والأنين، وكذلك "خنَّ" خنينًا، وهو الانتحاب والبكاءُ الذي يتردد حتى يصير في الصوت غُنة من جولان البكاء في الخياشيم. وذلك كلهُ من أجل الحزن الذي لا يعبر عنهُ إلَّا بالصوت المبهم المطاوع لحركة الجسد إذا حُرك من نوازى الأحزان الداعية إلى هزّ الأعصاب وبالرجفة التي تلحقها من تنزِّيه فيها. ولكن انظر إلى "خنَّ" وتدبَّر فعل "الخاء" في توجيه المعنى إلى الشموخ والاستعلاء ورفع الصوت بالبكاء، وخشونة الصوت التي تكون في هذا الضرب من البكاء أو الضحك المشوب بالترفع والاشمئزاز، وإلى التعذُّر والمعالجة التي تجدها في البدء بالخاء. ومن أجل هذا يتباين الأنينُ والحنينُ من "الخنين" تباينًا صحيحًا في الدلالة على هذا الأنين المشوب بالصوت الذي وصفناه لك. ونحن نقف بالقول عند هذا الحدّ الذي حدَّه الفرق الصوتى أيضًا بين النون والراء التي تليها في المخرج، ولعلك قد رضيت عن هذا الضرب من النظر، ولعلك تحمل نفسك على معاناته وتكلفه، ولعلك تجد لهُ من الطرافة والحسن واللذة، وما يجعلك تمضي في إتمام ما أسقطناه من كلامنا. فإذا فعلت عرفت لطف هذه اللغة، وملابستها للطبع والطبيعة والفطرة، وأن أصحاب هذا اللسان كانوا أرقَّ الناسِ إحساسًا، وألطفهم فهمًا، وأحسنهم تهديًا إلى المعاني، وأثقفهم لسحر الطبيعة وأنغامها ولغتها التي تجرى في أرواح الشعراء بالمعاني والأحلام. واعلم أننا إنما أخذنا لك من أبواب الكلام في هذه الكلمات، وما يُعدُّ من أصول المادة اللغوية التي يكون الحرف دالًّا عليها، وتركنا ما هو مجاز واستعارة في مذهبنا، وإن كان أصحاب علم اللغة يعدُّونه من أصل المادة أيضًا. وإذا جاء أوان شرح المجاز من المعنى الأصلي إلى المعنى الذي انتقل إليه اللفظ بعدُ،

стр. 774

عرفت أن هذه اللغة شريفة جليلة دقيقة التركيب، مع ما تتبين في قسماتها من النبل والاستواء والاستقامة على مذهب لا يتخالف ولا يتناقض ولا يختل والله المستعان.

стр. 775

عبقرية عمر تأليف: الأستاذ عباس محمود العقاد المكتبة التجارية الكبرى بمصر، مطبعة الاستقامة في سنة ١٣٦١ هـ، ١٩٤٢ م عدد الصفحات ٤٦٠ "وكتابى هذا ليس بسيرة لعمر، ولا بتاريخ لعصره، على نمط التواريخ التي تقصد بها الحوادث والأنباء ولكنهُ وصفٌ له، ودراسةٌ لأطواره ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة هذه الخصائص لعلم النفس وعلم الأخلاق وعلم الحياة. فلا قيمة للحادث التاريخى جلَّ أو دقَّ إلَّا من حيث أفاد في هذه الدراسة، ولا يمنعني صغر الحادث أن أقدّمهُ بالاهتمام والتنويه على أضخم الحوادث، إن كان أوفى تعريفًا بعمر وأصدق دلالة عليه. "وعمر بعدُ رجل المناسبة الحاضرة في العصر الذي نحن فيه، لأنهُ العصر الذي شاعت فيهِ عبادة القوة الطاغية وزعم الهاتفون بدينها أن "البأس" و"الحق" نقيضان. فإذا فهمنا عظيمًا واحدًا كعمر بن الخطّاب، فقد هدمنا دين القوة الطاغية من أساسه لأننا سنفهم رجلًا كان غايةً في "البأس"، وغاية في "العدل"، وغاية في "الرحمة". وفي هذا الفهم ترياق من داء العصر يشفي بهِ من ليس ميؤوس الشفاء". هكذا قدَّم العقاد بين يدي كتابهِ وهو أتم قول في البيان عن مبنى كتابه وعن منحاه وعن غرضه الذي رمى إليهِ في كل فصل من فصوله. فأنت تقدم فيه بعينيك ورأيك وعقلك على رجل قد استوى واستَحْصد. لا تجد ذكر أولية ولا ميلادٍ ولا نشأة، ولا من كان أبوه ولا من كانت أمه، وإنما هو "عمر بن الخطاب" وحدهُ الذي تلقاه. ثم تجول فيه فلا ترى تاريخًا ولا موقعة ولا فتوحًا ولا أعمالًا ولا حوادث، وإنما ترى "رجل" التاريخ والموقعة والفتح والعمل والحادثة قد

стр. 776

امتثل لعينيك قوَّة وفكرًا وعقلًا وتدبيرًا وجنانًا، وهو الرجل. . . هو عمر بن الخطاب. وعمر -ككل رجل في التاريخ- قد ترك للناس أعماله وخرج منها لتكون شاهدةً عليه، أحسن أو أساءَ، وليس أحد بأكبر من أن يسئ. وقد وقع في تاريخ عمر بعض ما يمكن أن يترجَّح الرأي فيه إلى جانب الإساءَة، وإذا كان ذلك، فإن عمل الكاتب -إذا أراد أن يؤدى الأمانة التي استحفظ عليها- أن لا يدع شاردةً من الحوادث إلَّا اعتبرها ووزنها واستخرج منها ما يقيم له وجه الرأي، فإن من ظلم الظالمين أن تحكم بالإساءَة، على رجل قد أكثر من الإحسان حتى عُرف به. وليس يستقيم وجه الرأي في مثل هذا إلا بعد تمحيص يخرج بك إلى القدرة على معرفة النية التي انطوى عليها صاحب العمل فيما عمل. ولست تصل إلى معرفة النية في العمل حتى تتمثل الرجل بجميع خصائصه ومناقبه، وأطواره ومثالبه، ثم لا تزال توازن بين ما يجتمع لك حتى تعرف الحدود التي يقف عندها في كل أمر من أموره أو عزيمة من عزائمه، وحتى يتبيّن مقدار الطاقة في كلّ قوةٍ من قُواه، وكيف تسيلُ، وإلى أين تتَّجِه، ولم تنحرف إلى غير ما يظنُّ بها. فإذا عرفتَ ذلك وأطقته، فأنتَ -بَعدُ- على الطريق. . . وإذا الشيءُ يفسِّرُ الشئَ وقد ظُن أنهُ يعارضهُ، وإذا الحادث يحقق الحادث وقد خيِّل أنهُ يناقضه. وبذلك يخرجُ الكاتب من جملة "الكتاب المنصفين! ! " -كما قال العقاد- الذين تعوّدوا "أن يحبذوا وينقدوا، وأن يقرنوا بين الثناء والملام. . . فإن لم يفعلوا ذلك فهم إذن مظنة المغالاة والإعجاب والتحيز". ويكفي العقاد فخرًا أنه حطَّم بهذا الكتاب تلك الهياكل البشعة الموبوءة التي يتعبَّد أهلها بكلمات مريضة كالإنصاف والتحقيق العلمي، ثم يرمون من سواهم بالإغراق والمبالغة والمغالاة والتعصُّب إلى آخر ما يملكون من كَلِمٍ. ولم يكن تحطيمه لها إلَّا بقوةٍ من العقل والمنطق والاستقصاءِ والمراجعة، حتى يخيل إليك إنه لم يدَعْ شيئًا يمكن أن يؤتى به في الحجة والدليل إلَّا أتى به بينًا كأحسن البيانِ لمن شَرَح بالعلم صدرًا ولم يعاند فيهِ عنادَ من لا يعقل. ولذلك لم يحجم عن أن

стр. 777

يقول لهم حين قال لنفسهِ في أول كتابه: "إن كنتِ قد أفدتِ شيئًا من مصاحبة عمر في سيرته وأخباره، فلا يحرجنّك أن تزكى عملًا لهُ كلما رأيتهِ أهلًا لتزكية. وإن زعم زاعمٌ أنها المغالاة، وأنه فرط الإعجاب"، "فالحق أنني ما عرضت لمسألةٍ من مسائله التي لغِط بها الناقدون إلَّا وجدتهُ على حجة ناهضة فيها، ولو أخطأه الصواب". وهذا الذي فعله هو على التحقيق طريق العالم المتثبت الذي لا يخاف ولا يتردّد، ولا يحاول أن يستجلب لنفسه المحاسن التي تقوم على دعوى اللسان، إذ يقول لهُ: هذا رجلٌ منصف! هذا رجل محقّق! هذا رجل واسع الذهن! هذا رجل يرى وجوه الرأي من جميع نواحيها! فإنما هذه كلها تعاويذ المرضى وتمائم الجهَّال. لم يدع العقاد شيئًا من مقومات شخصية عمر إلا عقد عليه فصلًا أو بعض فصل، ومن هذه المقوّمات يتمثل عمر بجميع خصائصه وأخلاقه وما تدلُّ عليه أعماله من أول جاهليته إلى مقتله وهو أمير المؤمنين. وما شك أحد في القوة النفسية التي كانت تتدفّق بهذا الرجل كأنها سيل جارفٌ، وكانت تسم أعماله وأخلاقه بسمة فذّة بين أعمال الرجالِ وأخلاقهم، وكانت على عهد رسول الله -وهو من هو- مميزة لعمر عن جميع أصحابه ﷺ . ولقد كانت هذه القوة التي لا يخطئها مؤرّخٌ يكتب عن عمر، سببًا في أخطاءٍ كثيرةٍ في فهم تاريخ الدولة الإِسلامية بل كانت سببًا حَمَل بعضَهم على أن يضعوا في الدعوة الإِسلامية أوهامًا مضلّة لمن لم يقف على حقيقة هذه الدعوة، ولا على حقيقة صاحبها، ولا على حقيقة عمر من بين أصحابه ﷺ . وكأن العقاد وقد تنبه لهذا من أول كتابه فهو يثبت لك القوة النفسية في عمر ويدلك على أنها مع اندفاعها وتدفقها لم تجعل صاحبها من أصحاب المطامع الطاغية التي تدفعهم إلى اقتحام الحقّ إلى باطلهم إن كان لابدّ لهم من ذلك. ولم يأت بها كلمةً تقال لتدفع شبهةً، بل عاد إليها في الفصل الذي عقده عن "صفات عمر" من ص ٤١ إلى ص ١١١، ثم في الفصل الذي يليه عن "مفتاح شخصيته" من

стр. 778

ص ١١١ - ١٤١ فأبان عن تعادُل القوى النفسية في عمر بحيث لا تطغى صفةٌ من صفاته على الأخرى فتتحيَّنها أو تأكل بعض حقها في العمل. فالعدل والرحمة والغيرة والفطنة والإيمان، هذه كلها في عمر تتعاون تعاون الأسلحة الحربية في الغرض الذي ترمى إليه، وأَصل ذلك كله مجتمع في الخلق الغريزى الذي طبع عليه عمر، وهو طبيعة الجنديّ الحازم الصارم الذي لا يلتف إلى وراءَ إذا عرف أنَّه لابد منتصر على العقبات التي تخيّل له لتضعف من حدَّتهِ. وقد جعل العقاد "طبيعة الجندي" هي مفتاح شخصية عمر، ولقد وفق في ذلك أحسن التوفيق، إذ هي التي انتظمت جميع خلائقه فرمت بها إلى أغراضها، وحمتها أن يطغى بعضها على بعضٍ. بل إن الحدود التي حدّ بها طبائع عمر، وبيانه عن طاقة كل قوة من قواه، وتحديده لعملها في عمله، قد أعانهُ كل العون في تصحيح الروايات المختلطة التي تروى عن عدل عمر أو رحمتهِ أو قسوته أو لينهِ، فاستطاع مثلًا (من ص ٤٩ - ٥٨) أن ينفي من قصة عبد الرحمن بن عمر وأبى مسروعة حين شربا الخمر بمصر فحدَّهما عمرو بن العاص، وأعاد عمر الحدّ على ابنه حين حُمل إليهِ بالمدينة -استطاع أن ينفي كل المبالغات التي دخلت على الرواية، واستخرج منها الرواية الصحيحة التي تطابقُ الحقّ والعدل في غير زيادة أو نقصان. وبذلك أيضًا استطاع أن يعرّف برحمة عمر تعريفًا لا يدع شكًّا لأحد في أن عمر كان يرحم بفطرة مستقيمة لا تظلم ولا تقبل الظُّلم فهو يرحم الصغير والكبير، والمسلم والذميّ من أهل الكتاب سواءٌ، فهو لا يرحمُ المسلم لأنه من أهل دينه، ثم تذهبُ الرحمة من قلبه لامرئٍ ليس من أهل هذا الدين، بل هما لديهِ سواءٌ فيما استوجَبَا بهِ الرحمة. وليست تقتصر فائدة هذا البيان عن قُوَى عمر على الكشف عن خصائص أخلاقه وطبائعه، بل أعانت أيضًا على بيان أعماله كلها في تأسيس الدولة الإِسلامية، التي قاد جيوشها ووسع ممتلكاتها، وأرسل إليها عمالها ليحكموا البلاد، ويعلموا الناس دينهم الذي اتبعوه.

стр. 779

فهذه القوة التي لا تقف أبدًا بل تندفع إلي الإمام في كل وقت كما تكاد تعرفها في عُمَر على عهد رسول الله ﷺ ، هي نفسها القوة المكيثة المتريثة التي كان عمر يوصى بها قواده وعماله. ففي عمر قوة الاندفاع وقوة الضبط معًا لا تفقد إِحداهما حيث يجب أن تكون. "إن البأس الذي رُزِقته نفس عمر لحظٌّ عظيم، ولكنه لو كان في يَدَيْ غيرِها لقد يكون نصيبها أَوْفى من نصيبه وهو في يديها. فلم يشحذه عمر قط لغرض يخصه دون غيره" وكذلك "يقوي الرجل فلا يخافه الضعيف بل يخافه من يخاف الضعفاء" كما قال العقاد في فصل من كتابه. ومن قديم والناس يخوضون في موقف عمر من سيف الله خالد بن الوليد حين عزله، ثم أتى جماعة من المحدثين -عربهم ومستشرقيهم- فاستوحلوا فيه إلى الأذقان، فانبرى العقاد لأقوالهم ففندها بالحجة التي لا يقف لها شيء، ولم يجعلها كذلك إلَّا هذه الحدود التي استطاع أن يميز بها أخلاق عمر وطبائعه، فإنهُ استخدم كل ما استبان لهُ من شخصية عمر بعد التحليل المقنع، وسرد القصة كلها بما يرتضيه العدل والمنطق والتاريخُ، وإذا شئت أن تتثبت من ذلك فاقرأ من ص ٣٣٨ - ٣٦٤ فلعلهُ خير ما كتب إلى اليوم عن هذه المسألة التي ضلَّ فيها من ضلّ. إن كل فصل من هذا الكتاب يستوقف الناظر فيه، فلا أدري ما آخذ منهُ وما أدع ولقد جاهد العقاد فأبلى بلاءً حسنًا. . . إنما كان يقاتل تاريخًا مختلطًا مبعثرًا قد أهملهُ أهلهُ، وآراء باغية قد رمى بها قوم عزتهم عن أنفسهم قوة أيامهم وعلوّ سلطانهم، وتكاذيب قد تجمل بها المستضعفون من الكتَّاب. ولقد دل بهذا الكتاب على أن التاريخ العربي والإِسلامي إذا استوى لهُ كاتب قد قرر المذهب على أصول صحيحة، استطاع أن ينفي عنهُ زغلهُ (١) وأن يبعثهُ بعثًا جديدًا بعد تراكم الأتربة التي قبرتهُ أجيالًا طوالًا.

стр. 780

ليس من الهين أن تكتب التاريخ الإسلامي على نمط جديد، فإن عدّة الكاتب لهذا الأمر تتنازعها قوى مختلفة يجب أن تتوفر للكاتب، ولعلها قد توفرت في العقّاد، فهو أديب يتلقّف معاني الكلام وينفذ إلى ما وراءَها، وهو مفكر لا يدعُ للفكر منهجًا إلَّا ولج إليهِ، وهو واسع المعرفة فهو يعرف المجهول من المعلوم بأدق فكر وأحسن نفاذٍ، وبذلك استطاع أن يكتب للتاريخ الإسلامي فصلًا خالدًا في شخصية خالدة هي الفاروق "عمر بن الخطاب".

стр. 781

شاعر الحب والفلوات ذو الرُّمَّة - ١ - " ذو الرُمّة: لقبٌ غَلَب عليه، واسمهُ "غَيلان بن عقبة بن مسعود" من بني عدي بن عبد مناة. وأمه "ظبية بنت عبيد أو بنت مصعب" من بني أسد. وإخوته لأبيه وأمه: "مسعود" و"هشام" و"جرفاس"، وكلهم شعراء. وكان هشام من عقلاء الرجال. وخاله أبو جنة الأسدي "حكيم بن عبيد أو بن مصعب"، وكان شاعرًا. وابن عمّهِ "أوْفى بن دلهم العدوى"، وهو أحد من يروى عنهم الحديث، وكان رجلًا صالحًا. وصاحبته ميّ بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقرى. وجدها قيس بن عاصم هو الذي قال فيهِ رسول الله: هذا سيد أهلِ الوبَر. ثمَّ شبَّب ذو الرمة بخرقاء العامرية ليكيد بها مَية -وذلك قبيل وفاتهِ بقليل- ثم نزع إلى صاحبته حتى مات". قبس يتوقّد في عيني هذا الغلام البدويّ النحيف، وقد أخذت أمه بيده تريد ذلك الشيخ سيد بني عديّ بن عبد مناة "الحُصينَ بن عبدة بن نعيم العدوى" وجاءَت المسجد والناس على صلاتهم، حتى إذا ما انفتلوا عن موقفهم، وانفضُّوا عن إمامهم أقبلت عليهِ: يا أبا الخليل إن ابني هذا يروع بالليل كأنما يفزِّعهُ شيطان، وإني لأخاف عليه، فاكتب لي معاذة أعقلها على عنقه. قال الشيخ: إيتينى بِرَق أكتب لك فيه. قالت: فإن لم يكن، فهل يستقيم في غير رقّ أن يكتب له؟ قال: فجيئينى بجلدٍ. فانطلقت الأم الوالهة حتى أتتهُ بقطعة جلدٍ غليظ، فكتب الشيخ لهُ معاذة فيه، فعلقتها في عنقه مشدودة على يساره في حبل أسود. فمكث الغلام بها ما شاءَ الله أن يمكث، حتى قال شعرًا. وإن أمهُ لتمشي بهِ إلى بعض حوائجها، فلما كانت ببعض الطريق، مرَّت بالشيخ سيد بني عديّ بن

стр. 782

عبد مناة، وهو جالس في ملأ من أصحابه ومواليه. دنت وسلّمت وقالت: يا أبا الخليل: هذا غلامك غيلان قد شبَّ وقال (١)، ألا تسمع قوله وشعره؟ قال: بلى! يا أم مسعودٍ! فتقدّم الغلام فأنشدهم، فإذا أبلغ قائل، وأنطق متكلم، وأحسن صوتٍ في أحبّ إنشادٍ، كأنما يرتل مزامير داود. قال الشيخ لقد أنجبتِ يا أمّ مسعود! أحسن ذو الرمة وأنهُ لشاعرٌ! فمن يومئذٍ ذهب بلقبه "ذي الرمة"، لذلك الحبل الأسود البالي الذي كان في عنقه، والذي كانت فيه المعاذة. (والرمة قطعة من حبلٍ بالية). ولم يلبث أن خرج الغلام "ذو الرمة"، هو وأخوه مسعود وابن عمه (أوْفى)، في بغاءِ إبلٍ ضلّت لهم، حتى إذا أجهدهم العطش، وردوا ماءً. وإذا حِواءٌ (٢) عظيم. فقال مسعود لأخيه الغلام: إيت الحِوَاء فاستسق لنا. فانطلق، فإذا عجوزٌ جالسةٌ فاستسقاها. فالتفتت وراءَها وقالت: يا مَي! اسق الغلام! . . . ودخل ذو الرُّمة على مي وهي تخيطُ ثوبًا لها، وهي تتغنَّى بأرخم صوتٍ. يا من رَأى برقًا يَمُرُّ حينا؟ ... زمْزَمَ رعْدًا وانْتَحى يمينا كأنّ في حافاته حنينًا ... أو صوتَ خيل ضُمَّر يَرْدِينا (٣) فقطعت غناءَها وقامت إليهِ تصبُّ في قربته من الماءِ. وعلى الفتاة بُرْدٌ فارسيٌّ لا جَيب ولا كُمّ يسمونهُ "النوذر". فلما مالت على القربة تصبُّ، رأى ذو الرُّمَّة، فلها بالنظر إليها. . . غلامٌ متوقدٌ ينظر من عيني باز، إلى فتاة أحسن من النار الموقدة في الليلة القرّة في عين المقرور مسنونة الوجه، أسيلة الخد، شماءُ الأنف، حُسَّانة الجيد، هيفاءُ أملود (٤)، واردة الشعر، عليها وَسْم جمال، تنظر عن عيني غزال، فجعل يستطعم حديثها، حتى انطلقت تحدثهُ ويحدِّثها، والماءُ يذهب يمينًا وشمالًا. رقّت الفتاة للغلام حين نمَّ صوتهُ على هواه. فقالت له: يا ذا الرمة! لقد كلّفك أهلك السفر، على ما أرى من صغرك وحداثة سنك! ! وتفطن لهما العجوز، وتقبل عليهما، وتقول: يا بنَّي! ألهتك ميّ عما بعثك أهلك له! أما

стр. 783

ترى الماءَ يذهب يمينًا وشمالًا؟ فلم يخش أن يقول لها يا أماه! أما والله ليَطولنَّ هيامى بها! ! . . . ثم يملأ قربتهُ وينصرف، ويأتي أخاه وابن عمه. ولم يطل بهِ الأمر حتى أخذه من هواه ما قرب وما بعد، فيلف رأسهُ، وينتبذ دونهما ناحية، حتى دنا رحيلهم فارتحلوا، وميّ أحلام ليله ونهاره. وشبّ الغلام في وَهج الحبّ. . . في سعير الحرمان، فإذا هو شابٌّ آدم، رقيق البشرة، مدوَّر الوجه، أكحل حلو العينين، برَّاق الثنايا، حسن المضحك، أقنى الأنف، أنزع الرأس، حسن الشعرة جعدها، خفيف العارضين. . . بدويّ جميل المنظر، لوَّحه (١) البيد والأسفارُ، وإذا هو يفترُّ عن شاعر عاشق مُلْهم لُجِّيّ الصبابة، لا يشكو الحبَّ أحد أحسن من شكواهُ، مع عفةٍ وعقل رصين. وإذا هو يتعشق الأطلال في البوادي والقفار، فيقف عليها متأملًا قد نفذت بهِ أشواقه إلى سرِّ الرمالِ، فلا ينعتُ الفلوات، وسرابها، وأسفارها، وسَفْرها (٢)، وما فيها من شيء. . . شاعرٌ، أبرعَ من نعته. ويتسامع الناس بهذا "الغلام من بني عدى" الذي يركب أعجاز الإبل وينعت الفلوات، حتى يحسده فحول الشعراءِ كجرير والفرزدق، فيؤخروا ذكره لما يرون من حداثة سنه، وأنهُ لا يحسن من الشعر ما يحسنون. . . هذا المدحَ، وهذا الهجاءَ، وهذا الفخر! ! ولكن الفتى البدويّ العاشق يندفع إلى الحَضَر فيكثر أن يأتي الكوفة والبصرة يدَعُ رجز أهل البادية، ويأخذ في القصيد. ويلم بأهل الحضر فإِذا هو عندهم من أظرف الناس وأرقهم: بدويٌّ عاشق، عفيف الطرف، عذب المنطق. إذا نازع أحدًا الكلامَ لم يسأم حديثه، وإذا تكلّم أبلغ الناس، يضع لسانهُ حيث شاء، لم يكن أحد من القوم أحلى كلامًا، ولا أجلي منطقًا، ولا أحسن جوابًا منهُ، حتى كانوا يرون أن كلامه أكبر من شعره. ولم يزل الفتى يتردد بين ديار ميّ في بلاد بني مِنْقَر، وبين دياره في بلاد بني عديّ، وبين الكوفة والبصرة. فتجلو أرض الحضر وحديث أهلها بعض ما في

стр. 784

نفسه من جفاء البادية. حتى إذا لجَّ به هواه عاد إلى بلاد مى ينظر الديار بعينين ظامئتين، فإِذا خفَّ ما به انقلب إلى أهله، يحادث بينهم قلبه. ولا يزال يردد ذكر مي حتى عرف بها وعرفت بهِ، ولم يكن ما بهِ إلَّا هوى فتى لفتاة هو عليها -إن شاء- قادر. فقنع بذكرها وحبها زمنًا، وجعلت عناصر المأساة تتجمع من هنا ومن هناك ومن ثمة. وذو الرمة في أسفاره يتطرح (١) لكان البوادي والحضر، يستزير طيف ميّ على البعد، قد عمى عن فجاءات الغيَر! لم تلبث مى أن تزوجت أحد رجال قومها: "عاصمًا المِنْقَرِى". نسيت الغلام الذي عجبت منه ومن أخيه مسعود، يوم. "رأتْ غلامَى سَفَرٍ بعيد ... يَدَّرِعان الليل ذا السدود" "مثل ادّراع اليَلْمَقِ (٢) الجديد" نسيت ميّ عينيه تنظران في عينيها، وهي تصبّ له الماء في قربته، فيشغلها الحديث ويشغله، فيذهب الماء يمينًا وشمالًا. نسيتْ ذلك الهيام الذي انبعث في صوت الغلام يدعو هواها إلى هواه. لم تأبه لذلك القلب الغض الذي تنسَّمها فاستراح، ثم فارقها ليتعبّد لها ولطيفها في الليل والنهار. . . مات صدى كلماته وهو يقول لأمها: "أما والله ليطولنَّ هيامى بها"، فلم تجد لها في نفسها رجعًا. ويعرف ذو الرمة خبر زواج ميّ، فيجن جنونًا. يومئذٍ ينبثق ينبوع الشعر في قلب هذا البدوى العاشق المحروم. الأمل، اليأس، اللوعة، الدمع، الصبوة، الأحلام، وساوس القلب، ديارها، زوجها، أخوها، الغدر، الذكريات، النظرة الأولى. . . كل هذه أخذت تتدفق في خطرات قلبه تحت الضربة الأولى من ضربات الغيرة المغيظة، المحنقة، الحاقدة. ميُّ. . . ميُّ. . . ميُّ. . .، هكذا يتردد صدى الضربات الملحة التي لا تفتر ولا تنقطع. . . ميُّ. . . ميُّ. . . ميُّ. . .، صدى يتردد في أذنيه من عن يمينه وشماله، قد ملأَ عليهِ أرضه وسماءه.

стр. 785

ميُّ. . . ميُّ. . . وتضرمت الروح باللَّهب القدسى، وانبعثت في عيني "ذي الرمة" تلك الشغلة الخالدة التي لا يطفئها شيءٌ، وأكلت النار التي لا تخبو كل غشاءٍ كان يحول بينة وبين ميّ. وإذا الفتى اللاهي جليد "قد حلّمته العشائر" (١). ويخرج من بلواه. . . من غيرته. . . من أحقاده، قد نصب وجهه لهجير الحياة، فإذا قسماته تتوهج بالعزم، والصبر، والمغالبة، وفي عينيه تلك النظرة النافذة المتأملة الساكنة، ثابتةً لا تنهزم. لقد كان أحب فتاة هو عليها -إن شاء- قادرٌ، وهو اليوم يحب امرأة قد ضمها خدْر بعلها، فلا سبيل لهُ عليها. أحبَّ الفتى فتاته، ولكنه اليوم رجل يحب أنثى قد تصدّى وجودها لوجوده. ذهب الفتى وذهبت الفتاة، وبقى الرجل والمرأة. أيُّ سرّ عجيب يمس الفتاة اللاهية المتقلبة فإِذا هي تستحيل إلى وجودٍ كامل. . . إلى قلب يسع الدنيا. . . إلى حب ثابت حافل؟ أي سرّ هذا الذي يحيل عاشقها الفتى إلى قوةٍ زاخرة منشئة مبدعة متجلية، لا تقف ولا تتردَّدُ. أي سر فيها يمنح العين دقة ونفاذًا؟ أي سر ينفث في البصيرة وعيًا مستوعبًا لا يضيق؟ بل أي سر هذا الذي يرد إلى العبد حريته ليزداد في حريته تعبدًا للرّق؟ وينظر ذو الرمة فيرى الأُسَى (٢) قد سبقته بين يديه. فما من شاعر من العشاق إلَّا قد ابتلىَ بمثل ما ابتلى به: امرأة ذات بعل لا سبيل لهُ عليها. أهي إذن "المرأة" وحدها لا الفتاة؟ أهي وحدها التي تحقق لهُ معني وجوده؟ فليذهب ليخالس الطرف إلى مى زوج "عاصم المِنْقَرى". ويركب ناقته "صَيدَح"، حتى إذا انتهي إلى ديارها لمح "ميًّا" مع الصبح تستقبل النهار. وتجلو بفَزع من أراك كأنه ... من العنبر الهندى والمسك يُصبَحُ (٣)

стр. 786

ذُرى أَقْحُوانٍ راحهُ الليل وارتقى ... إليه الندى، من رامة، المتروّحُ (١) هجانَ الثنايا مُغْرِبًا لو تبسمت ... لأخرس عنه، كاد بالقول يفصح (٢) هي البرءُ والأسقام، والهمُّ، والمنى، ... وموت الهوى، لولا التنائى المبرح ويعود "ذو الرمة" إلى ديار أهله، إلى أخيه مسعود، إلى الذي جعل يركب معه الفلوات، يطيعه تارة حين يستوقفه على ديار مى، ويعصيه تارة أخرى ويلومه. ولم يزل ذاك أمره، يهيم في ديار مى أكثر من عشرين سنة، ومى لا تزداد في عينيه إلَّا ملاحة، ويتفجر شعره من قلبه، يشكو ما يلقاه من حبها، وما يقاسيه من البيد في الحنين إليها والوجد بها. ولا يلقى صاحبته إلَّا والحيُّ خُلوف، لم يبقَ في الديار إلَّا النساءُ، فيشكو لها ويتوجع، فتمسح عنهُ بعض عذابه. ويتردّد شعره بين البادية والحضر فلا يزال يعجب الناس ويحسده الشعراءُ. ويلجُّ الشوقُ بذى الرمة يومًا، فيركب ناقته في ليلة ظلماءَ يريد أن يضيف (٣) "عاصمًا المنقرى" زوج ميّ، وهو يطمع في أن لا يعرفه فيدخله بيته، فيقريه، فيرى ميًّا، ويتزوّد من وجهها، ويكلمها. فلما نزل به فطن له عاصم وعرفهُ، فلم يدخله. وأخرج إليهِ قراه وتركه بالعراءِ، فلمحته مية تحت الليل فعرفته. وجعل ذو الرمة يتململ، فلما كان في جوف الليل تغنى غناء الركبان ببعض شعره: أراجعة يا ميّ أيامنا التي ... "بذى الرمث" أم لا؟ ما لهن رجوعُ! ولو لم يَشُقنى الظاعنون لشاقنى ... حمام تغنَّى في الديار وقوعُ

стр. 787

تجاوبنَ فاستبكينَ من كان ذا هوى، ... نوائح ما تجرى لهن دموعُ! دعاني الهوى من نحو ميّ، وشاقنى ... هوَى من هواها: تالد ونزيعُ (١) إذا قلت عن طول التنائى قد ارعوى، ... أبي مُنْثَنٍ منه علىَ رجيعُ فغضب عاصمٌ، وقام إلى امرأته وقال: قومى فصيحي به وسبيه، وقولي: أي أيام كانت لي معك "بذى الرمث"؟ فأبت ميّ وقالت لزوجها: يا سبحان الله! ضيف! ! والشاعر يقول! فانتضى عاصم سيفه وقال لها: لأضربنك به حتى آتي عليك أو تقولي! ففزعت وصاحت بذى الرمة وسبته كما أمرها زوجها. هذا صوت مى! ! ذهل ذو الرمة، فلما استقر في سمعه كلامها، نهض على راحلته فركبها. وانصرف عنها وعن ديارها مغضبًا يريد أن يصرف قلبه عنها إلى غيرها. وعاد إلى ديار قومهِ مغيظًا يتمزَّق، وأبى على نفسه ذكر مى. . . وهيهات. وجاء قَدَرُه، فخرج في سفر في بعض أصحابه، فلما كان بفَلْج -في طريق الحاج من البصرة إلى مكة- إذا جوارٍ خارجات من بيت يردنَ آخر، وفيهنَّ جارية طويلة، حسنة، حلوة، شهلاء، بها فَوَهٌ (٢)، فنظر إليها فوقعت في عينه وفي قلبهِ المغيظ المحنق، وذكر ميًّا فأراد هذه يكيدها بها إذا تناقل الناس ما بينه وبينها، وما يقول فيها. فأخذ إداوَته (٣) فخرَّقها، ودنا من هذه الجارية يبتغى حديثها فقال: إني رجل على ظهر سفر، وقد تخرّقت إداوتى فأصلحيها. فنظرت إلى عينيه وقالت له تهزأ به: والله إني ما أحسن أعمل، وإني لخرقاءُ! (والخرقاء التي لا تعمل بيدها شيئًا لكرامتها على أهلها)، فسماها يومئذٍ خرقاء. وانطلق يشبب

стр. 788

بها ويذكرها في بعض شعره، يريد أن يغيظ بذلك ميّا، فرمى إليها أول ما رمى ببيت تداولته الرُّواة: تمام الحجّ أن تقف المطايا ... على خرقاءَ واضعة اللثام فجعلها منسكًا من مناسك الحج، لا يتم إلا به! ! ولكنه كان لا يطيق أن يدع ذكر مى فلم يقل في خرقاء إلا قصيدة أو قصيدتين، ورجع إلى ميّ. ثارت نفس ذي الرمة ثورتها على مى، وقلق، فاضطرب في البلاد حتى أبعد، فذهب إلى أصبهان، فلم يطق أن يقيم بها فعاد إلى دياره. . . صبيّ مروَّع يتفزَّع بالليل، وغلامٌ عاشق يتزوّد بعينيه من ميّ نظرة بعد نظرة، وبين جنبيه نفس ملتاعة يحرقها الوجد في وقدة البيد تحت الشمس السافرة، ثم شابٌّ تأكل الغيرة قلبه، يثور بالليل والنهار فزعًا إلى مى، إلى المرأة التي لا سبيل لهُ عليها إلا بالوساوس والأوهام. إلى أين ومن أين؟ من البادية ... إلى الحضر ... إلى البادية ... من الديار ... إلى الأطلال، ومى تناديه في سرَ روحه فيهوى إليها كأنه شهاب تقاذفهُ الفضاء. فلم يلبث ذلك الشاب القصير، النحيف، الخفيف العارضين، أن استحال شيخًا شَخْتًا (١) دقيق العظام، قد براهُ الحب والضنى ولما يشرف على الأربعين. حتى إن أمهُ لتقول، وقد تحلق الناس عليه واجتمعوا. فأنكر -من لم يعرفهُ- دمامته، : أيها القوم اسمعوا إلى شعره، ولا تنظروا إلى وجهه! ! فلم يلبث ذو الرمة على ذلك أن اشتكى "النُّوطة" -وهي زيادة تحدث في النحر كأنها غدَّة، تَمور بين الجلد واللحم إذا حركتها- فوجع بها دهرًا حتى قال: أَلِفْتُ كلابَ الحَى حتى عَرَفْنَنِي ... ومُدَّت نساج العنكبوت على رَحلى فلما تماثل عزم على أن يخرج إلى الشام، إلى هشام بن عبد الملك، فقال

стр. 789

لأخيهِ مسعود: يا مسعود! قد أجدنى تماثلت، وخفّت الأشياء عندنا، واحتجنا إلى زيارة بني مروان، فهل لك بنا فيهم؟ فقال نعم! فأرسلهُ إلى إبلهِ يأتيهِ منها بلبن يتزوّده، وواعده مكانًا. وركب ذو الرمة ناقته فقمصت به، وكانت قد أعفيت من الركوب، فانفجرت النوطة التي كانت به. فلما بلغ موعد أخيهِ جهد فقال: أردنا شيئًا وأراد الله شيئًا. وإن العلة التي كانت بي قد انفجرت. مكث أيامًا حتى ثقل، وكان معه من أخواله الحجاج الأسدى فسأله: يا غيلان! كيف تجدك! فقال: أجدنى والله يا أبا المثنى اليومَ في الموت لا غداة أقول: كأني غداة الزُّرق يا مى مُدنفٌ ... يَكِيد بِنَفْسٍ قد أحمّ حِمامُها (١) فلما احتضر كان آخر ما قاله: يا ربِّ قد أشرفتْ نفسي، وقد علمتْ ... علمًا يقينًا لقد أحصيتَ آثارى يا مُخْرِجَ الروح من جسمى إذا احتضرت، ... وفارج الكرب، زَحزِحْني عن النارِ فمن مبلغ ميًا منية هذا القلب الذي شب في حبها حتى هَرِم قبل حين هَرَم؟ ؟

стр. 790

شاعر الحب والفلوات ذو الرُّمَّة - ٢ - " هذا والله ملهمٌ! وما علمُ بدويِّ بدقائق الفطة وذخائر العقل المعدة لذوى الألباب؟ لله بلادُ هذا الغلام! ما أحسن قولهُ، وما أجود وصفه! ". الكميت بن زيد الأسدى الشاعر غلامٌ يتيمٌ عبقريُّ الطبعة، مشتعل العقل، ثائر العاطفة، نابض الأعصاب، لطيف الحس ذكى القلب، وَرِعُ النفس، جيَّاش الخيال: يرى أو يسمع، أو يتوهَّم، فيهتز كيانه من أعماقهِ هزة خاطفة، كأنهُ قوسٌ موتَّرة يُنْبضُها مشبوح (١) الذراعين شديد النزع. بعث اليتْم في دمهِ حرارة التحفُّز، وسعَّر في روحه ضِرام الحياة الملتهمة، وسلبهُ سكينة القلب الغرير الناشيء، فهو أبدًا جافلٌ متفزّع، كأنما يعارضهُ -حيثما توجه- شبحٌ يتخيل لهُ في صورٍ تروَعهُ وتَهُولهُ. ويقوم على تثقيف هذا الغلام اليتيم وتهذيبه، رجلٌ من عقلاءِ الرجال، وشاعرٌ مُقل من شعراءِ بني عدى بن عبد مناة، ثم هو أخوه الأكبر: "هشام بن عقبة". يشفق هشام على يتيمه "غيلان"، فيحوطهُ بقلب متودّدٍ، ويعطفُ عليهِ بنفس صادقة، فتشتد قوى الودّ بين الغلام اليتيمٍ وأخيهِ الذي يربِّبُهُ، وبذلك يكسب "الطفل" من عقل "الرجل" وذكائهِ وصدقهِ، عقلًا وذكاءً وصدقًا، حتى تنشقّ طفولته عن رجولة مبكرةٍ. ولا يزال الغلام ينشأ في سر البادية العربية الخالدة التي لا تكادُ تتغيَر، وفي جوّ الشعر العربي من أقدم عصوره إلى أيام شبابه [في أواخر القرن الأوّل من الهجرة من سنة ٧٧ - ٩٧]، وبين إخوة وأخوالٍ من شعراءِ البادية، وبين رواةٍ قد حفظوا شعر قومهم وغير قومهم. لا يزال الغلام ينمو على

стр. 791

الأيام في ذلك كلهِ، حتى يمشي، في بادية قومهِ "بني عديّ"، بروح ثائرة متمرَدة عليه، تكافح طُغْيان البادية لتظفر بأسرارها المكتّمة. ينظر، وفي عينيه تلك اللمحة الحديد النافذة التي لا تدَعْ شيئًا إلَّا تغلغلت فيهِ أو أحاطت بهِ، لينالَ الخيالُ غذاءَه مما يرى. يُصغِى، وفي أذنيةِ تلك الحاسة الدقيقة التي لا تذرُ نغمة الّا اختطفتها، ليأخذ الشعور الرقيق حظهُ مما يسمع. ويُومض في قلب الغلام ذلك الضوءُ المتلاحق المتدارك الذي يضئُ لعينيه دنيا جديدة ثم يخبو، ليعود فيبحث عنها في الظلام ليجدها مرة أخرى. هنا، ثم ها هنا، ثم هناك! ! ! أين ضلت عنهُ؟ كيف ذهبت؟ لماذا اختفت؟ ما الذي رأَى؟ ويهتز الفتى لليقظة، يريد أن يجدها، ولابدَّ لهُ من أن يجدها. وفي سر البادية العربية الخالدة، وفي جو الشعر العربيَ الخالد، يدبُّ الفتى اليتيم الصغير بين إخوةٍ وأخوال من الشعراءِ، ورواة للشعر يتناشدونه في أسمارهم تحت هدأةِ الليل التي تموج فيها النفس الإنسانية مَوجَها. يصغى الفتى ويحفظ، ويخفق قلبه بين جنبيه على نغم حُلوٍ حبيب تتردَد أصداؤه في أرجاء روحهِ، حين ينقلب إلى مضجعهِ. ولا تزال ترنُّ في أذنيهِ تلك الأصداءُ مع الفجر إذا تنفَّس. ولم تزل البادية في عصر هذا الفتى تردّد أنغامها إيقاعًا عجبًا على ألفاظ اللغة، في شعر امرئ القيس فعل الجاهلية، ولبيد، وطرفة، وعنترة، والأعشى، والنابغة. ولكنَّ الفتى يتسمع إلى ذلك الحنين الخفيّ في نغم امرئ القيس وطرفة ابن العبد. ما هذه القوة المتدفقة من تحت الألفاظ، تعطيها الحياةَ فتحيى، لتغالب الدهور المفنيةَ المبيدةَ للحياة؟ وما هذه الصورة الممثلة التي تحبّب البادية إلى قلبه حبًا لا ييأس ولا يفتُر؟ كيف استطاع هؤلاءِ أن ينفذوا في الغامض الملتبس ليبعثوه في كلماتهم بيَنًا سهلًا يكاد يمشي ويتحرَّك؟ ! ثمَّ تَلْقَفُ مسامعه تلك الأنغام الجديدة التي تقذفها حواضر الحجاز والشام إلى بوادي نجدٍ: عمر بن أبي ربيعة، العرجيّ، الأحوص، عبيد الله بن قيس الرُّقيات! ! هذا الترفُ الجميل الذي يعبث بالحب ويعبث الحب بهِ. نساءٌ ينفثنَ على ألسنة هؤلاءِ سحر الغزل وفتنة الأحاديث. ويناظر الفتى -الذي صهرته البادية، ثمَّ صاغَتهُ، ثمَّ نفخت فيهِ

стр. 792

-بين هؤلاء، وبين امرئ القيس وطرفة ومن إليهما من فتيان الجاهلية وفُتّاكهم وأصحاب اللهو منهم. ولكن شعر المعاصرين يقبل على قلبه وعقله بغضارته ولينه وترفه، ثم ينفذ فيهما بسطوته، سطوةِ الجديد المتحكم. يتمنى الفتى أن يرقَّ رقة هؤلاء الغزلين، إن في روحه سرًا يتحرك، إنهُ يريد أن يقول. وتتبع عين "الفنّان البدويّ" أَوانِسَ البادية، كما تبعت عيون الشعراء المعاصرين أوانس الحاضرة في الشام والحجاز، ولكنهُ لا يستطيع أن يقول كالذي قالوا. إن قلبه لا يزال مغلقًا على قَدَره الذي سيحين وقد قارب. وتجيش أمواج الشعر في صدره لتكون إرهاصًا للقدر المُجْلِب عليهِ من بعيد أو قريب. فيعالج بداوته التي حكمته وأنشأتهُ، بتقليد الرقة التي يستشعرها من فنّ الشعراءِ الفتيان المعاصرين، وينظر إلى ابن أبي ربيعة الذي فتن نساءَ عصره، يريد أن يكون كمثلة ترفًا وغزَلًا وحديثًا، وهيهات! إنهُ سرُّ البادية العربية، وابن أبي ربيعة سرُّ الحاضرة العربية، لكنهُ سيقول على نهجه غير متلبث، إلى أن تنتفض روحه انتفاضتها: شاعرةً مبينة متحدثة على سجيتها. فماذا يقول؟ : أطاوع من يدعو إلى رَيق الصِّبا ... وأترك من يَقْلَى الصبا لا أُؤامرُهْ وسِرب كأمثال المَها، قد رأيته ... "بوَهْبينَ": حورُ الطرف بيضٌ محاجرُهْ إذا ما الفتى يومًا رآهن، لم يزلْ ... من الوجد كالماشى بداء يُخامِرُهْ يُرين أخا الشوق ابتسامًا كأنهُ ... سنا البرق في عُرْف له جاد ماطِرُهْ (١) فجئتُ وقد أيقنتُ أن تستقيد لي ... وقد طار قلبي من عدوّ أحاذِرُهْ

стр. 793

فقال: بأهلى! لا تَخَف! إن أهلنا ... هجُوعٌ، وإن الماءَ قد نام سامِرُة فأين البادية، وأين ابن البادية في هذا الشعر؟ لقد ضاع ابن البادية ولم يبق له من بداوته إلَّا قوله: "وإن الماءَ قد نام سامره"، فإِن أهل الحواضر لا يقولون ذلك، وإنما هذا كلام الذين ينتجعون الغيث في البوادي، وينزلون على الماءِ في الفيافي الظامئة. وأما أهل الحضر فيقولون: "إن الحيّ قد نام"، وينسون الماءَ لقلة افتقادهم إياه في الحاضرة، أو يقولون كما قال عمر بن أبي ربيعة: فما رِمْتُها حتى دخلت فجاءَة ... عليها، وقلبي عند ذاك يروَّعُ (١) فقلن حذارَ العين لما رأيننى ... لها: إن هذا الأمر أمر سيشْنُعُ فلما تجلى الروع عنهنَ قلنَ لي: ... هلَّم! فما عنها لك اليوم مَدْفع! فَظَلْت بمرأى شائقٍ وبمسمع ... ألا حبذا مرأى هناك ومَسْمَعُ! ! إن فنان البادية يقلد هؤلاءِ الحضريين، فهو يطاوع أصحاب اللهو والبطالة، لا يبالى بمن يلومه وينهاه. وهو يملأ عينيه من جمال الفتيات، يغازلهن ويحادثهن ليعود إلى دارهِ مترنحًا يتهالك من صبابته بهنَّ. ثمَّ يتفتَّى فيدَّعى أنهُ انفرد بواحدة من بينهن قد تيقَّن -أو خيل لنفسه أنهُ يتيقن- أنها أمكنته من نفسها، وأنها لابد منقادة له، فواعدها فجاءَها لميعادها على رِقْبة من أهلها خائفًا فزعًا، فتحدثهُ صاحبته بما يسكن روعه. تفدّيه بأهلها حين يقبل عليها، ثم تميل عليه فتقول: لا تخف! ثم تبتسم له وتُخافت صوتها لتعلمه أن "أهلها هجوع، وأن الماءَ قد نام سامره". فهذا شعر غُفْل لم يوسم بسِمَة امرأة بعينها قد فرغت لها نفسه، وإنما هنَّ النساء: غانيات مطمعات بالحب لاهيات. وهو يتهالك في شعره تهالك "الماشى بداءٍ يخامره". ثم يعود بخيلاء شبابه فيحدث نفسه أن الفتاة خاضعة له، ثم يحاول أن يتمثل الفزع ليزعم أن الفتاة قالت له وقالت! ! هذا شعر الغزلين من أهل الحضر، لا شعر الفتى الذي كان -إذ ذاك- يتهيأ في داخله ليستوى على ذروة الشعر العربيّ الفنيّ، حتى يخرّ له شعر العشاق والفنانين من

стр. 794

أهل الجاهلية كامرئ القيس، ويسجُد بين يديه شعر المعاصرين كجرير والفرزدق والأخطل! إنهُ إلى اليوم فتى حائرٌ يقلد، لم يستول على طريقته. ولم يلبث الفتى أن انتبه من غفلة على صوت جديد ونغم فنيّ ساحر: ذلك النغم البدوى الذي يترجم عن حب صاحبه للبادية، وعن عشقه للإبل، فهو ينعتها نعتًا لم تسمع أذن عربيّ مثله، فحل من شعراء الإِسلام المعاصرين، "عُبَيد بن حصين" الذي لقبوه "الراعى"، و "راعى الإبل"، لشدة شغفه بالإِبل وجودة لغته لها. ويهوِى "غيلان" إليه، ويلازم شعره يرويهِ ويتتبعه، ثم يصاحب هذا "الراعى النُميرى" حتى يكون راويته ويجعله إمامه. ولكن الفتى لم يخلق للإِبل ونعتها فيقصر قلبه عليها. إنهُ سرّ البادية، ولن تكون الإبل وحدها هي كلَّ همه من البادية، ولكن هكذا قدر لهُ، فيصحب الراعى ويحبه ويسلك معهُ المسالك، ليأخذ عنهُ دقة العبارة عن غامض النعوت والأوصاف، وليزداد تأملًا فيما يرى من أسرار البادية، كتأمل "الراعى" في الإبل التي استخرج غاية أوصافها. ولكن. . . إن بين جنبى هذا الفتى قلبًا يرتعد. قلبٌ محروم ظامئٌ يبحث عن رِيّهِ. هؤلاءِ النساء! أهو يبحث عنهنَ ليلهو بهن كما يلهو عمر بن أبي ربيعة وأشياعه، أم يبحث بينهنَ عن سرّ ضائع يريد أن يجده؟ أيقول كما قال أوّلا وهو يقلد ابن أبي ربيعة؟ . . . كلّا بل يقول: وبيضًا تهادَى بالعشي كأنها ... غمام الثُّريَّا الرائحُ المُتَهَلِّلُ (١) خِدالا قذفنَ السورَ منهنَّ والبُرَى ... على ناعم البَرْديّ بل هنَّ أخدلُ (٢) قصار الخطى يمشينَ هَونًا، كأنهُ .... دبيبِ القطا، بل هنَّ في الوعَثْ أَوْحَلُ (٣) نواعمَ رَخْصاتٍ كأن حديثها ... جَنَى النحل في ماء الصفا مُتَشمَّل رقاقَ الحواشي، مُنفذِاتٌ صدورُها ... وأعجازُها، عما بهِ اللهو، خُذَّل أولئك لا يُوفينَ شيئًا وعدنهُ ... وعنهنَّ لا يصحو الغويّ المعذَّل

стр. 795

هذا هو ينقلب إلى بداوتهِ! إلى رقّة البادية العنيفة في رقّتها. أجل هنَّ النساءُ أيضًا، ولكنهُ لا يَتَضنَّى ولا يتهالك، بل يصف وهو جليدٌ، يقول هنَّ بيضٌ تتهادى، ثم يصرخ صرخة الظامئِ إليهنَّ يريد أن يروى منهنَّ ما استطاع، فهنَّ الغمام في آخر اليوم يتهلل بالمطر. هكذا رآهنَّ جملة أول ما رأي، ثم تستقرُّ أشواقهُ فيتأمل تلك الأبدان الفاتنة، فإذا الساعدُ ريَّان ممتلئٌ، وإذا الساق تامةٌ مستويةٌ لا عَضِلةٌ ولا مضطربة، كأنها ساق البردى في نعومتهِ ولينهِ بل هنَّ أخدل وأشد امتلاءً واستواءً. ثمَّ يراهنَ تتبعهنَّ نفسهُ، فيفارق سَورة المشتاق إلى هدأة المتأمّل، فيرى خطوهنَّ كأنهنَ قَطا يدبُّ على الرمل، بل هنَّ في مشيتهنَ في الرمل اللين السهل أحلى مشيةً. كأنما يخشينَ أن ينهال الرمل من تحتهنَ. ثم يدنو إليهنَّ فيسمع اللحن الحلو الفاتن الذي يروى من ظمئهِ، إنهُ في نفس أحسن بردًا من شهدٍ مذابٍ في أخصر ماءٍ وأبرده وأنقاه، ثم يسكن ظمأه إليهنَّ شيئًا فشيئًا، فيرى كلماتهن تنفذ في سر قلبه، فإِذا أراد منهنَّ، ما كان يجد في كلام ابن أبي ربيعة وأمثاله من الفتيان اللاهين بالحب، وجد من حديثهنَّ، بعد الإطماع، ما يخذله وينهاه. فتضطرب نفسه من أعماقها باليأس منهن بعد الأمل، فيقول: أولئك لا يوفينَ شيئًا وعدنهُ ... وعنهنَّ لا يصحو الغوى المعذّل فهذا هو البدويُّ الفنان قد عاد مرة أخرى إلى البادية وأنكر لَهْو الحضر ورقته. ثمَّ ينطلق بعد ذلك -وقد كسب من "الراعى النميرى" دقة التأمل- يصف هذه الأرض التي نمشى عليها فيقول: فما أمُّ أولاد ثكولٌ؟ وإنما ... تبوءُ بما في بطنها حين تَثْكَلُ يسائل: ما هي أمُّ أولادٍ، ومع ذلك فهي لا تزال تفقدهم، فإذا فقدتهم امتلأَت بطنها بهم كما تمتلئ الحامل، فيثقلها هذا الحمل الجديد، يعني من يموت من الناس. أَسَرَّتْ جنينًا في حشّا غيرَ خارج ... فلا هو منتوج ولا هو مُعْجَلُ وهذا الذي يموت، فتُخْفِيه في حشاها، ويعود بدفنه جنينًا، لا هو يخرج إلى

стр. 796

الدنيا مرة أخرى مولودًا لوقته، ولا هي تلقيه سِقْطا مُعجَلًا قبل ميعاد مولده، بل هو أبدًا جنين مستقرٌ لن يرى نور الدنيا ثانيةً. تموتُ وتحيا حائل من بناتها ... ومنهن أخرى عاقرٌ، وهي تحملُ ومن بناتها أرضون حوامل، وحملها هذه القرى، تكون عامرة تارة وخرابًا تارة أخرى، فالقرى تحيا إذا كانت عامرة، وتموت إذا صارت خَرابًا. ومن بناتها أرضٌ هي البيداء، وهي عاقر لا تحمل قرى، ولكنها تحمل الناس من البداة الذين يسكنونها وينتجعون مراتعها: تراها أمامَ الركبِ في كل منزلٍ ... ولو طالَ إيجافٌ بها وترحُّلُ وهي بساط بعيدٌ مترام لا يتناهي، فهو أبدًا أمام السَّفْر. كلما ساروا وأوغلوا، لم يستقبلوا إلَّا أرضًا ولا شيء إلَّا الأرض، فهي: تُقَطعُ أعناقَ الركابِ، ولا ترى ... على السير إلَّا صِلْدِمًا ما تَزَيَّلُ إذ كل من أراد قطعها شَقِى في طَيها حتى تكاد أعناق ركابه تنقطع، وهي هي لا تنتهي حتى يخيل إليك أنك لم ترحل فيها عن مكانك، فكأَنك ركبت من هذه الأرض راحلة شاقة صلبة لا تفارق مكانها: ولو جُعلَ الكُور العِلافي فوقها ... وراكبُهُ أعيتْ به ما تَحَلْحَلُ فلو وضع الرحل فوق هذه الراحلة، أي الأرض، ثم علاه الراكب، لأبت ولم تتحرك من مكانها. ومع ذلك فإِن راكبها لو أراد أن تتحَرك به فإِنهُ: يرى الموت إن قامت، وإن بَرَكت بهِ ... يرى موتَهُ عن ظهرها حين ينزلُ فإِن الأرض إذا همت براكبها وارتفعت عن مكانها فذلك نذيرٌ بفناء الكون وقيام القيامة؟ وإن ثبتت به لا تتحرك فإِنه يرى ويستيقن أن ساعة موته قد دنت لينزل عن ظهرها. وهذه هي الأرض المفنية المحيية التي وصفها. فلما قارن بينها وبين الراحلة التي تُركب لتقطع عليها مسافة الرحلة، أتى بالدليل على ذلك وهو: أنها: تُرَى ولها ظَهْرٌ، وبطنٌ، وذِروَةٌ ... وتشرب من بَردِ الشراب وتأكلُ

стр. 797

فالبطن جوفها الذي يغيب فيهِ كل شيء وكل حي إذا فارق الحياة الظاهرة، وظهرها جلدتها من الثرى والرمال، وذروتها وسنامها هذه الجبال، وإنها -أيضًا- لتشرب ماءَ الأمطار إذا نزلت عليها، وتأكل كل ما يلج في بطنها من شيء. فهذه الأبيات في صفة الأرض، وهذا الخيال الذي توهمها، هو خيال الفتى المتأمل الذي بدأ يقف على مكامن الأسرار، لينفذ إليها، ويكشف عنها ببصيرة الشاعر الفنان المصور. وفيها سُخْرِية الضمير من الحياة التي لا معنى لها إلَّا الإجهاد الذي لا ينتهي، وفيها قوة "ابن البادية" الذي يستطيع أن يلم شعث الأَشياء المتفرقة ليستفيد من النظر إليها، ثم يلقيها ساخرًا مستخفّا لا يبالى. فما أمُّ أولادٍ ثكول. . . إلَّا مطية لها "ظهرٌ، وبطنٌ، وذروةٌ، وتشرب من برد الشراب وتأكل"، فمصيرها مصير كل مطية، هو الموت، هو إقبال الفناء بالهدم والتدمير، فمن وثق بالبقاءِ عليها وهي فانية فقد جهل وضلّ. ثمَّ لا يزال الفتى، في أشواقه وتأملهِ، يقطع البيداء في الرحلة بين الديار والقبائل، في صحراء فاتنة ساحرة، ومَوْماةٍ مَخُوفة مَهُولة: ومَهْمَه دَوِّيَّة مِثْكالِ ... تَقَمّسَت أعلامها في الآلِ كأنما اعتَمَّت ذُرَى الجبال ... بالقزِّ والإِبْريسَمِ الهلهالِ في كل لمّاعٍ بعيد الجالِ ... تسمعُ في تيهائه الأفلال عن اليمينِ وعن الشمال ... فَنَّينِ من هماهم الأَغوالِ (١) ويرى بقر الوحش، والثيران، والظباء، والنعام، والقطا، والجندب، والحرابى، والغراب، والذئب، فيرى ويسمع وينصت ويتأمل، وتستجيش نفسُهُ إليها صورًا من خياله القوي العنيف، فتترك الباديةُ وَسْمَها عليهِ، ذلك الوسم الذي لا يفارق من وَسَمَتْه بهِ. ولكنهُ على ذلك حائر لم يجد دنياه التي رآها أول ما أومض في قلبه ذلك الضوءُ المتدارك الذي لم يلبث أن خَفت. إنهُ يبحث عنها في

стр. 798

كل وجه. ويطول بحثه وفكره، وتتهيأ نفسهُ مستعدةً للتلفي أعظم أستعدادٍ، إنها نفس دقيقة حساسة لا تتبلّد. وجاءَ القدر، فيخرج الفتى هو وأخوه "مسعود" وابن عمّه "أوفى"، في بِغاء إبل ضلت لهم، ويدخل على "مى" وهي تتغنّى (١). ذلك الصوت الذي يتحدر من سمعه إلى قلبه فيرسل فيهِ قشعريرة الإفاقة من إغماءِ طويل كان فيه هذا القلب. إن ألحانها قد أضاءَت فيه نبراسًا من النغم لن تزيده أعاصير الحياة إلَّا ائتلافًا وضياءً. ذلك الحديث بينها وبينهُ -وهي تصب له الماءَ في قربته- سيزيد على مرّ الأيام جدَّة في حقيقة روحهِ. أيُّ تعبير في الحياة كلها عن الفن والجمال هو أروع من هذا المنطق الرخيم، تفترُّ عنهُ ثناياها كما يفترُّ الفجر عن صباحهِ؟ أيّ فتنة في هذه الدنيا هي أنبل من حرّ هذا الوجه الأسيل المخروط المسنون الذي صقَلتهُ أسحارُ البادية وآصالها؟ أيُّ لذة في هذا الوجود هي أمتع من هذا الجِيدِ المتمرّد على جسد أهيف أملود يتحدَّى كل قوة في كل جمال؟ أيُّ متاع في هذا العالم هو أغنى من هذا الشَّعَر الجَثل الأثِيتِ المتموج على متنها، ينادى كل عاطفة لتضل في دياجيه الساحرة؟ أيُّ دنيا هي أعمق أسرارًا من هاتين العينين الصافيتين تسبح في صفائهما الروح إلى الغاية التي تُرَى ولا تُدرَك؟ ؟ وينصرف الفتى من لقائها، وفي سمعه نغماتها، وفي عينيه صورتها، وفي قلبه هواها، وفي روحه لذة خالدة تزداد على الأيام عِتْقًا ونفاذًا. فلئن أشقاه الحرمان بالرحيل، فلشدّ ما أسعده أن وجدها. فهو بين اللذة والألم يتردد، ولكنه في شَجوٍ يطربهُ كما يحزنة، ينال بأثريه في قلبه فرحةَ وجودها. لقد تزوّد منها نظرة وابتسامة وحديثًا. أنسته النساء وما فيهنَّ، وصرفته إلى طيف يُلم بهِ في مضجعهِ، ويعارضه في طريقه. يناديه إذا خَلا، فيأتيه جواب دعائه من أعماقه. . . صوتها، ألحانها، عيناها، كل شيء رآه منها أو سمعهُ يستجيب لهُ. ولكن القدر يعدُّه ليتلقى من "ميّ" ما هو أعظم من الفرح بحبها ووجدانها، فيتركه ينطوى

стр. 799

عليها، ويتسلى بها في خلوتِه فرحًا أن يزورها من عامهِ في ديار أهلها كما زارها من قبل. فيرجع إلى ديار بني مِنْقَر، لعامه هذا، فيجد القوم قد ارتحلوا عن منازلهم "بالوحيد"، فيقف على ديارها يسائل نفسه عن ميّ وأهلها، وكذلك يعرف الفتى منذ اليوم ما معني الوقوف على الديار، وما لذة مساءلة الأطلال، يعرفها تجزبة في قلبه، لا معرفة من شعر من سبقهُ. فإذا عاد إلى دياره -مؤملًا أن يعود إلى "ميّ"، فرحًا بما عرف من لذة الوقوف على أطلالها- قال: "هل تعرفُ المنزلَ "بالوحيدِ" ... قَفْرًا محاهُ أبدُ الأبيدِ؟ " "والدهرُ يُبلى جدَّة الجديدِ! ! ... . . . ." فإِذا أتمَّ تساؤله، وعرف لذة ما كان فيهِ من موقفه هناك، أجاب نفسه فقال: "نعم! فأنتَ اليومَ كالمعمود ... من الهوى أو شَبَهُ المورودِ" يجيب نفسهُ مختالًا: نعم، ثم يصرف القول كأنهُ يخاطب آخر غيره فيقول له متعجبًا نعم: لقد عرفت، فأنت في يومك هذا كالمريض الذي هَدَّه المرض فهو يُسنَد من جوانبه ليستوى، أو مثل المحموم الذي وردتهُ حُمَّى نافِض (١)، فتلك الحمى هي ما وجدتَ في روحك من قشعريرة الشوق والذكرى. ثم يصرخ يناديها: "يا ميُّ! ذاتُ المبسمِ البَرُودِ ... بعد الرقادِ، والحشا المخضودِ" "والمقلتينِ وبياضِ الجيدِ" ولكنهُ يعود فيذكر حديثها إذ قالت له -وهي تصب الماء في قربتهِ- تلومه على ارتكاب السفر، وهو صغير حديث السن، فيقول: يا ميُّ! "أهلكتِنا باللومِ والتفنيد" أهلكتنا! عجيب هذا الفتى البدوى كيف يرقّ ويقسو، ولكنه يعود فيعتذر لنفسهِ عن ملامتها وتفنيدها. مسكين! إنهُ يخاف عليها حتى في خلوتهِ وشعره، فيقول: هذا عذرها، إنها "رأت شُحوبى، ورأت تخديدى ... من مُجْحِفاتِ زمني مِريد"

стр. 800

"نقّحنَ جسمى عن نُضار العود ... بعد اهتزاز الغُصُن الأملود" ثم يعود فيقول: كيف أعتذر لها؟ إنها رأت هواى لها فصدَّت عني، فيقول لها: "لا! بل قطعتِ الوصل بالصدودِ" ألم يكن ذلك كذلك؟ وإلا فلمَ: "قد عجبتْ أختُ بَني لبيد ... وهربتْ مني ومن مسعود" وإذن فهو الصدود والإِعراض بعد الوصل. أجل! إنها أيضًا تخاف أن يكون بيني وبينها هوَى غالبٌ، وبيّنة ذلك أنهُ لا يمكن أن يكون سرُّ صدودها أنها: "رأت غلامي سفرٍ بعيد ... يدَّرعان الليل ذا السدود" "مثل ادِّراع اليَلْمَقِ الجديد" كما تدعى، فإن هذا الأمرُ لا يوجب دهشةً ولومًا وتفنيدًا، وإذن فهو الصدود، هو الصدود يا ميُّ! ! ويبيت يمنى النفس بغدٍ يراها فيه، فهو يتهيّأ لها، ويزوّر الأحاديث في نفسه للقائها، ويومئذٍ تجد صدُودها وإعراضها قد انقلب شوقًا وصبابة وإقبالًا على فتاها! هكذا كان يقول ويقدِّر، والقدرُ من وراءِ الحجُب يقول: على رِسْلك أيها المغرور! !

стр. 801

شاعر الحب والفلوات ذو الرُّمَّة - ٣ - " ذو الرّمة يخبر فيُحسن الخبرَ، ثم يردُّ على نفسه الحجّة من صاحبه فيحسن الرد، ثم يعتذرُ فيحسنُ التخلّص، مع إنصاف وعفاف في الحكم" أبو عبيدة تتحدَّث الباديةُ بأسرارها حديثَ اللَّوعة الخالدة في ضميرها، فتحنُّ الرياح وتئنُّ من أرجائها، ويقفُ "غيلان" يصغى إليها حتى تجاوبها نفسه فتناجيها بأشواقِها إلى "مى"، هذه اللوعة المتنهّدة في سر حياتهِ، فيحنُّ مع الريح حنينها ويئنُّ أنينها، ولكن ميعةَ الصِّبا، وغرَّة الشباب، وبراءَة الروح من عذاب الحب، تأبى عليه كلها أن يحزن مع هذه الرياح الباكية حزنًا كحزنها يستهلك النفس في طغيانهِ وعتوه. فَرِحٌ غافل: قد وجد دنيا كان يقلقُ إليها، ينشقُّ عن أسى لاهٍ: إذْ تعذَّرت عليه دنياهُ وهو يتصبب إليها. يقف "غيلان" وإن دمه ليتوهَّج متدفّقًا في مدافِعِهِ، وإن آمالهُ لتستقبلهُ من كل وَجْهٍ تومض إليهِ إيماضةَ البرق في حواشي السحابة السوداءِ، وإن خياله ليمثل لهُ ميًّا وأيامها جنةً ناعمة تتفيَّأ النفس من ظلالها متاعًا لا تنقضى لذتُه. وتجيشُ غوارب الشباب بين جنبيه متلاطمة يتكفَّأ بعضها على بعض، فتنبعث قوته بتيارها مريدة مصممةً راغبةً، لا تنثني عن هذا الهدف الذي نشأ أمامها ففتنها ودلّهها. فهو يريد "ميًّا"، ويريد من أجلها كل شيء. سيسمو إلى "مى" بنفسه وحياته وشعره، وسيمنحها النفس والشعر والحياة غير ضنين. سيذهب المذاهب فيها، سيطوى البيد كالطف في ضمير الليالي، وسيجتابُ الحضر كالشعاع في مسرح الشمس، وسيأتيها بثمار الحياة ناضجة تغرى وتنادى، فتستجيب لها "ميُّ" من أعماق روحها مشتاقة منقادة. سيقذف بنفسهِ في كل سبيل، لتردّد البيداءُ

стр. 802

والحضر صدى خطواته نغمًا حلوًا ينساب فيأخذ كل سمع ويستميل إلى شجوه كل جنانٍ. سيجعل اسمها لحنًا بدويًّا عنيفًا رقيقًا بعيد القرار متجاوب الإيقاع، ينبسط في جوّ الشعر العربي فيلين القلوب القاسية، ويذيب الكباد المتحجرة، ويحيى بالشوق من أهلكتهُ الصبابة وأحرقهُ الوجد وذرّاه (١) الهيام، وتلتفّ حولهُ عشرون عامًا مضت عليهِ من يوم وُلد كأنها أغلالٌ وسلاسل، فهو يجاهدُ أن يفضَّها عنهُ ليحرر لميّ كل حياتهِ وكل همهِ وكل أمانيهِ، فإذا فعل فقد رجَّعت البادية اسمه واسمها، وثارت ميٌّ إلى الصوت تستشرف، لترى هذا القلب العاشق المتيَّم الذي استكنَّ في صورة رجل بدويّ لا تمسك الطرف على محياهُ فتنة ساحرة أو جمال بارع، ويومئذٍ لا تأبى عليهِ مىٌّ إباءَها، بل تعرف ذلك الفتى الذي وهب لها من عينيه وقلبه عَلاقة الأبد. هكذا كانت تقول له نفسُه، وهكذا جعلت خطرات الهوى تندفع بهِ في تأمُّله، وتمر الأيام بهِ وهو يلحُّ على نفسه إلحاح الحائر المحروم يتعجَّل ميقات ما يتشهَّى أن يكون ولكنه لا يجد من حيلتهِ إلا أن يفيض إلى ديار ميّ يطوف بها، يختلس النظرة إليها وهي على باب خبائها تستقبل الشمس بسُنَّة وجه تتلألأ عليها أشعة الشرق، فتكسوها غلالة من بهاءٍ يتلهَّبُ، حتى تضطرم في قلبهِ نار الوجد عليها. أو يلمحها وهي تنعطف بجيد غزال تريد خباءَها فتنعطف في إثرها دواعى هواه. فكانت هذه الخطراتُ مما تزيده شوقًا وغرامًا وصبابة، ثم يعود قد طوى النفس على ظمإ يائس، لم يروَ إلا ليستأنف شدّة والتياحًا (٢). هكذا كان يتقلب غيلان في أيامه ولياليه. أما ميّ فكانت لا تحس شيئًا، ولا تجد لغيلان في نفسها صدًى أو ذكرًا. إنهُ شيءٌ كان ثم مضى، لم تلتفت إليه الفتاة التفاتة الحريص المدّكر. ويحوم "غيلان" يومًا حول ديار "مي" بأسافل "الدهنا"، وإذا هي تغسل ثيابًا لها ولأنها في بيتٍ رثٍّ من الشعر، فيهِ خروق يرى الناظر منها ما وراءَها.

стр. 803

ويلمحها متجرّدة متكشفة ليس بينها وبين عينيه إلّا الهوى ومهالكهُ. لقد ارتدّت هذه اللمحة إلى قلبه حريقًا يتسعر حتى أتلفت كل ماضيه، أنهُ رجلٌ ليس له ذكرى إلّا ذكرى واحدة سوف تعرض لهُ مع كل مشرقٍ ومغيبٍ، فلا يذكر من مواضى أيامه إلّا ما رأى في يومه هذا. . . فتنة وغرامًا وتعذيبًا لا تنتهي غوائلهُ. يمضي على وجهه كالهارب من لذْع ما يجد، ولكنهُ لا يلبث أن يعود لينظر النظرة الأخرى، فلا يجدها إلَّا قد لبست ثيابها وجلست إلى أمها تحدثها على باب الخباءِ. ويذهب ويجئُ في تحرُّقه، فتسوّل لهُ نفسهُ أن يقبل على مىٍّ وأمها ليسمع حديثها من قريب، فيدَّعى لهما أنهُ أضلَّ بعيره فهو ينشده، فما يروعه إلّا أن تدعوه العجوز فيدنو ويجلس إليهما، وجعلتا تناقلانه الحديث سرْدًا واحدًا لا تسألانهِ ولا تستخبرانه عن شيء من أمره. أغفلتهُ الفتاة وجهلتهُ أمها، كأنْ لم ترياه من قبل. أهكذا تقتحمُ "غيلانَ" عيونُ الناس فلا تأبه له ولا تبالى بهِ؟ فيتربَّد وجههُ، وتختلج شفتاه، وينطلق مسلمًا مودّعًا ثائرًا كأنما نهشتهُ في مجلسهِ حيةٌ أو أطارتهُ جِنَّةٌ عن حلمِه، وينصرفُ أشد ما كان يأسًا ووجدًا وهيامًا. تعجبُ مى لما ترى مما غفلت العجوز عنهُ. إنه ينظر إليها بعينين ترى في شعاعهما لهبًا، وفي وقعهما لذعًا، وفي تتابعهما معمعة تتكلم كلامها ولا تبينُ. وتلتفت ميّ إلى عجوزها وتقول: أمَّاه! تالله أنه للفتى العدوىُّ الذي دخل علينا حِواءنا عام أول يستسقى! ! إنه لهو ذو الرُّمة قد ثاب إلينا! وكأني يا أماه قد قرأت في عينيه أنهُ اطلع عليّ آنفًا فرآنى متجردة من حيث لا أرى ولا أشعر! ! اذهبي يا أماه فقصِّى أثره من حيث لا يراك .. وتعجل أمها وراءه وقد ذكرته وعرفته، وتعود إليها تقول: أرأيت يا ميّ؟ إنه والله لهو ذو الرمة! لقد أخذته عيني من قريب وهو لا يرانى، ولقد رأيته يتردد آنفًا أكئر من ثلاثين طرفة، كل ذلك يدنو فيطلع إليك ثم يرجع على عقبيه، ثم يعود. وإني لأخاف عليك بعد اليوم يا بنيَّتى، فقد وقعتِ في لسان شاعر فيما أرى، وما أنسى ما حييتُ ما قال لي فيك: أما والله ليطولنَّ هيامى بها! اللهمَّ إنا لا نسألك ردَّ القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه!

стр. 804

ويعود ذو الرُّمة إلى دياره غضبانَ أسِفًا، ولكنهُ قد عزم وصمم. فستكون له مى عرفتهُ أو أنكرتهُ، وسيهدى إليها بشعر يضئ لعينيها طريق قلبها رضيتهُ أو كرهتهُ، وسيقذف على ألسنة الرواة، من شعره الذي يذكرها فيهِ حتى تتلقف الآذان اسمها فتطلع إليها وإلى أخباره وأخبارها، فلا يلبث من فوره أن ينشد الناس في الأندية ذلك الرجز الذي ذكرناه آنفًا: "هل تعرف المنزل بالوحيد؟ "، ثم يُرْدِف إليها ذلك الرجز الآخر الذي يقول في أولهِ: "قِفا نُحَيِّى العرصاتِ الهُمَّدا ... والنؤْىَ، والرميمَ، والمُسْتَوْقَدا" (١) والسفعَ -في آياتهنَّ- الخُلَّدا" (٢) والذي جعل يتكذب فيهِ بما لم يكن وما لم يرَ من مىّ ومن صواحبات لها، فيقول يذكرها ويذكرهنَّ، وأن الديار ورسومها قد هاجت كمده: "أَوْلَى -لمَن هاجت له- أن يَكْمَدا ... أَوْلَى، وإن كانتْ خلاءً بعَّدا" (٣) "وقد أرى والعيش غير أنكدا ... ميًّا بها، والخَفِراتِ الخُرَّدا" (٤) "غرَّ الثنايا يستبينَ الأَمْردَا ... والأَشْمَطَ الرأس وإن تجلَّدَا" (٥) "قواتلَ الشَّرْقَ قتيلًا مُقْصَدا ... إذا مشينَ مِشْيَةً تَأَوُّدا" (٦) هزَّ القَنا لانَ وما تَخَضَّدَا ... يركضنَ رَيْطَ اليَمَنِ المُعَضَّدا" (٧) وسالت أودية بني عدي بهذا الشاعر الذي نبغ بينهم، وتناقلوا ما أنشدهم، وتساءل القوم: ما "ميّ" هذه التي يذكرها؟ وكل امرئ يخشى أن تصيبه معرَّة هذا اللسان العاشق حين يتولج إلى حرمه بالصبابة والوجد. وأقبل على "غيلان"

стр. 805

إخوته يستخبرون خبره، ويسألونهُ عن ميّ من تكون؟ وجعلتْ نفس "غيلانَ" تعتاص على الناسِ، فردَّ السائل بخَيْبته، وائتمن عليها أخاه مسعودًا فهو أحق الناس بالأمانة: إذ كان عونًا لهُ في سفره، وصديقًا قد اقتربَ ما بينهُ وبينه، ولم تَعُد للسنِّ قدرةٌ على التفريق بينهما في المودَّة النامية المتوثّقة. ولم ينشب هذا الشعر وما سواه أن تدفَّقَ إلى ديار بني مِنْقر من كل وجه ومكانٍ، وعرفَت العجوز وعرفت ميٌّ أنهُ يريدُها، وأن الأمر قد استَعْصى، وأن الحزمَ أن يُبتَّ الرأيُ تبل أن تذهبَ ساعته ورأتِ العجوز أن تقطع هذا اللسان المتقحّم باليأس، فإذا ملكه اليأس غلبهُ العيّ والحصر، وانتهى أمرهُ -كما ينتهي أمر كثير سواه من نوابت الشعراء- إلى لجاجة ثم فترة ثم سكون. فدسَّت العجوز إلى فتى من بني مِنْقر يقال له "عاصم" دسيسًا يرغبهُ في ميٍّ، ويُسَنِّى له من أمرها ما قد يتعسَّر عليه، ويكفل له رضاها أن تكون له زوجًا. فسعى "عاصم" إلى العجوز سعى الملهوف، وجعل يماسحها ويعرّض لها بخطبة ابنتها حتى صرّح، فرضيتهُ لابنتها، ليكون عاصمًا لها من لسان هذا المتجريء الباغي إليها الفضيحة والعار. واستشيرت ميّ في أمرها فقبلت، وتم الرأي على أن يبنى بها حين يشاءُ، فسارع عاصم وقضي الأمر. أما ذو الرّمة فقد رجع إلى دياره، ثم أوفض منها إلى البصرة نافرًا عجلًا يريد أن يقضى فيها عامهِ هذا حتى يصيب من الذكر بين أئمة العلماءِ وفحول الشعراء، ما يردُّ عليهِ راحةً قد استلبتها هذه الفتاة الطاغية التي أحبها ذاكرًا مردّدًا راغبًا، فكان جزاؤه منها أن اقتحمته وأسقطتهُ، ولم تعرف له حقًّا يذكر أو هوًى يكون منها على بال. ونزل هذا البدويّ مدينةَ الحضر، فجعل يتلفت ههنا وههنا، فلا يجد إلفًا يألفه إلّا شذّاذ القبائل الذين نزلوا "البصرة"، وخلطوا أنفسهم بالتجار وأوشاب أهل الأسواق، وجعل يتسكع معهم حائرًا بين حوانيت البقالين وأشباههم، قد فترت همته عما كان خرج له من بلاده. وكانت البصرة تموج بالناس من نواحيها، واجتمع فيها من العلماء والشعراء

стр. 806

ما لم يجتمع في مثلها من قديم أيام العرب، فقامت فيها سوق من أعظم أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، تضَارع سوق عكاظ منتدى الشعراء من أهل الجاهلية، وهي "المرْبدُ": مِربد البصرة، حيث يجتمع العلماء والكتاب والشعراء يكتبون وينشدون ويتفاخرون ويتهاجون. وأقبل ذو الرُّمة -هذا البدويّ الراجز- يسمع إلى الرجز والشعر الحديث. فلما سمع من رَجز العجاج ورجز ولده رؤبة علم أنهُ إذا ألحَّ على الرجز لم يقع من هذين الفحلين موقعًا، ورأى أنهُ إذا بقي عليه يقوله، عرَّه ما يقول، فعزم أن يصرف نفسه عنه ويعوّل على الشعر وحده. وكان ما يسمعهُ من الشعر في هذه السوق العظيمة قد هاج في نفسه الرغبة في المنافسة، إذ كان الشعر أسهل مأتًى، وأوسع مجالًا، وأدنى إلى القدرة على الإجادة، وأولى أن يكون تصريفُ القول فيه أحسن وأنبل، وأن الرجز لا يطيق ما يطيقه الشعر من المعاني. وكانت نفسه إذ ذاك تتحرك مغاضبةً إلى ميّ، وترقُّ لها، وتريد متنفسًا تَبُثُّ فيهِ لوعتها وأشواقها، والرجز لا يستوى على إرادتها، وقلَّ في العشاق من الشعراء من رَجَزَ بحبه. وكذلك بدأت نفسه تستقبل الشعر وحده، وتدع الرجز لهؤلاءٍ البداة الغلاظ الأكباد يقولون في أغراضه ما يقولون. ولا يكاد يشك في أن الشهور التي يقضيها ذو الرمة بمدينة العلم والشعر والحضارة، قد جعلت تهزُّ نفسه هزًّا عنيفًا متتابعًا لا هوادة فيه، وأن شدَّة ما لقى من الغربة في هذه البيئة الجديدة التي لا عَهْد له بمثلها، قد أحدثت له فترةً وانكسارًا، وكادت تذهب به في الخمول مذاهبها. ولكن العاطفة المحنقة التي تجيش بين جنبيهِ كانت توجه هذه النفس إلى الغاية التي أعدت لها. وكذلك بقي ذو الرمة حائرًا لا يدرى كيف يتوجه بالرأي والعزيمة، فهو يدخل حوانيت البقالين يبقى فيها يسمع من لغو أهل الحضر ما يسمع، ثم ينصرف إلى المساجد وقد تحلَّق الناس على علمائهم يسمع من هؤلاء وهؤلاءِ، ويتلقف الكلمة بعد الكلمة مما يدرك من جدَ لهم وأحاديثهم. ثم يفكر في ذلك ما شاءَ الله، لم يأخذ نفسه بالدّربة على شيءٍ مما يتعلمون أو يتناقلون. وكان أكبر ما شغل عليهِ خواطره قول

стр. 807

هؤلاءِ المتكلمين في القضاءِ والقدر، وما يتنازعون فيه من الشر الذي يقع في هذا العالم، أهو مُرادٌ من الله تعالى أم غير مرادٍ؟ ويعجبهُ أن يذهب إلى أن الشرّ ليس مرادًا لله تعالى، وأن إرادته لا تتعلق إلّا بالخير، وأن الناس وما سواهم هم الذين تتعلق بالشر إرادتهم. فكان له في هذه المجالس شغل عما يتردد بين جنبيه من وساوس مى وبلبالها، وأخذت تهدأ على الأيام حدّة ما يجد من ذكرها، ويذهب عنهُ عناءُ ما يلقي من خيالها. وكان كل ذلك يرقق من قسوة البادية التي نشأ فيها، ويلين من جفائها وغلطتها، ويمهد لسماحة أهل الحضر ورقتهم وظرفهم ومباذلهم طريقًا في نفسه، يهديها إلى السمت النبيل المتواضع الذي درب عليهِ الناس ممن يعاشرهم في هذه المدينة. وأنس به أهل الحاضرة -"البصرة"-، فكان لبلاغة منطقه، وحسن تَهَدِّيه إلى غاية القول، وصدق عبارته عما في نفسه، وقوة بيانه البدوي عن المعاني التي يبتذلها أهل الحضر بإهمالهم، وسرعة بديهته فيما يعرض له، وقدرتهُ على تخيل الأشياء بذلك الفكر البدوي المحض، وإرساله في الكلام شعاعًا من الفطرة السليمة التي لم تفسد على الترف والعبث والمخالطة، كل ذلك جعل أهل البصرة -من عرفه منهم- يحبه ويستدنيه ويتحفَّى له، حتى صار يدعى إلى أعراسهم وأفراحهم وملاهيهم، ليسمعوا من حلو حديثه البدوي صفةَ هذه الأشياء التي لا عهد لأحد من أهل البادية بها. فكان ذلك سببًا في أن يقال عنه -بعد أن طار اسمه في الآفاق: - هذا الشاعر البدوي! ! تالله لقد كنا نراه بالبصرة طفيليًّا يتدَّسس الى العرساتِ! ! وشغله المربد عن شعراء البادية الذين كان يألفهم ويروى شعرهم، وجعل يسمع مناقضات جرير والفرزدق والأخطل، ويحفظ ما يرد على المربد من شعراء الحجاز، ولكنه لا يجد عند أحد من هؤلاء ما وجد عند "الراعى النميرى": مِن نَفَس رابٍ كأنما يقذفهُ مرجل أوقدت عليهِ نار لا يخبو لها سعير. فهذا القلق الذي استولى على رأيه في الشعر، وهذا السأم الذي استبدَّ بعزمه في الحياة، وهذه اللوعة التي اعتسفت قلبه في الحب، كل أولئك كان يُعِدُّ هذا اللسان الشاعر

стр. 808

إعدادًا جديدًا لتنطق البادية العاشقة على عَذَباته (١) أجمل بيان وأعنفه، وأروع نجوى وأحلاها، وأدق نعت وأشكله. فكانت أيامه بالبصرة تدريبًا لابد منهُ لهذه النفس البدوية المفطورة على جانب من الخشونة والجفاء. ومضى العام عليهِ بالبصرة، فاجتوى ريح الحاضرة من طول ما أقام بها، فآثر أن يعود إلى ديار قومه بالبادية ليتنسَّم تلك الرُّوَيحة الحبيبة إلى القلب البدوي، وليستروح نسمات ميّ إن أطاق أن يكفكف من كبرياء نفس ثائرة متمردة عنيفة في أصل جبلّتها. والبادية هي البادية قلَّ أن تتغير لها صورة أو يجدّ لها جديد، فنزل على إلْفٍ قديم حبيب، تتلقاه أمهُ رفيقة به على عاداتها، ويسائله إخوتهُ ولِداتُه عن أمر الحاضرة كيف وجدها، وما لقى فيها، وما الذي أحبَّ منها وكره، وكيف ترك ابن عمه "أوفي"، وقد زعموه تحضَّر وأخذ من علم الحاضرة، يسمع في مساجدها عن شيوخ الحديث حديث رسول الله ﷺ . فينبئهم بأخباره، وأنَّ أوْفَى قد ترك البصرة في طلب حديث نافع مولى ابن عمر، فلم يلقه بها. ويحدِّثهم أنهُ لقى أُمَّ الصهباء معاذةَ بنت عبد الله العدوية العابدة، وما يتناقل الناس من أخبار عبادتها وتقواها. ويقيم ما يقيم، ثم يعزم على أخيه مسعود في الرُّفقة حتى يزور ميًّا، ليتزود منها نظرةً لعلها تردّ من صدره هذه البلابل التي نشأت توسوس له أن قد أصابها مكروه. وينهاه مسعود أن يُتْبع نفسه هذه الفتاة التي عنَّتْهُ وأنهكتهُ وشغلت عقله عن أمر دينه ودنياه، وقبيح بالرجل أن يلجَّ على من أعرض أو نأى عنه بجانبه، والنساءُ بالنساءِ أشبه من الغمامة بالغمامة، فما هذا العناء الذي يفنى فيهِ أيامه ولياليه؟ ثم يرى مسعود في سُكات أخيهِ أنينًا يلتجُّ تحت الهدأة، وينظر في عينيه إطراقةً تستصرخ غوث الرحمة، فيأوى (٢) لذلك الشبح المستكين وراءَ هذه التجاليد الصامتة المستحصدة، ويشفق عليه أن تنتهب حياته هذه الأشواق التي تتنازعه من كل مغيب عاطفة أو صبابة. "لك ما شئت يا غيلان، فأنت والرحيل

стр. 809

كيف عزمت، وإني لرفيقك حيثما وجهت". وهكذا يصبح مسعود عون أخيه في هذه البأساءِ التي يتضرع لها بعد جلادة. ويرتحلان يقصدان بلاد بني منقر، فإذا الديار بلاقع ليس بها أنيس، إلَّا هذه الظباءُ وهذه المها تتهادى كأنهن العذارى يرفلنَ في بيض الجلابيب. ويعوج ذو الرُّمة على النؤى والرسوم ينظر إليها نظرة الواله المتوجس، ويدور عليها كأنهُ يستخبرها وهي تستعجم عليه لا تجيب، "والدار لو حدثته ذات أخبار". ويظلُّ ذو الرُّمة يتوهم لنفسه أوهامها في مى، ولكن لا تخطئه وسوسة الغيب بأمر ذي بال قد أصاب صاحبته، فهو يزداد التياعًا كلما ازداد ريثًا في مكانه من هذه الأطلال الخُرْس النواطق. ثم تنزو بهِ روعةٌ كأنه آبدٌ قد نشِط من قيده، وينطلق يجوب هو ومسعودٌ هذه الفيافي يسألها عن مذاهب مى في غوامضها ومنكراتها. وهكذا يبدأ هذا العاشق يتطوّح في أقدار مجهولة لا يدرى أين ينتهي به سيرُه وسُراه! ولكن لا يلبث أن يجد في أسفاره جماعة من بنى منقر قد انفردوا عن أهلهم في أرض ينتجعونها، ويسألهم عن أخبار ميّ، فيعلم يومئذ أن قد ذهب بها عاصم المنقرى. ربّاه! لقد تهدّم البناء الشامخ من كبريائهِ على قلب حي نابضٍ محب لم يسكن ساعة عن ندَاءِ ميٍّ من وراء الأسوار المضروبة عليهِ. ألم تعلم هذه الحبيبة أن غيلان قد أخلص لها حقيقة ما في قلبه من الحب والهوى؟ ألم تدرك بعد أن حياته كانت تفيض إليها متدفقة من أغوار النفس الجياشة بالعشق والصبابة؟ أكانت هي الغريرة البلهاءَ حتى لا تجد على نفسها لواذع نظراته إليها ملتاعًا قد توقد وجده بها؟ ألم يكن في عينيه ووجهه وحديثه عهدُ المحبين إلى من أحبوا؟ وتغوَّلتِ به الأرض الفضاء فلم يجد الَّا ضلالا وحيرة في وحشة هذه الحياة المجدبة الجرداء، التي قذفت به فيها هذه الفتاة اللاهية عن جد الحب الذي لا يلهو ولا يهزل، أي غدر قد ألقى به في مُغَوَّاة (١) مظلمة قد افترشتها أفاعي الغيرة والغيظ والضغينة. فانطلقت تنهش منهُ بأنيابها، وترسل في عروقه

стр. 810

ذلك السم الذي يغلى عليهِ دمهُ؟ وفي سكتة البيداء التي لا حس فيها ولا ركز (١)، تترامى إليه من كل وجه أصوات تتردد "ميّ، ميّ" وتقع في سمعه إلى قلبه سهامًا مسددة تنفذ في رميتها تنشُّ كأنها سِكَّة محماة. ما أقسى هذه الساعات التي تمر عليهِ وهو كالملقى على جمرات الغيظ في غمرات من لهيب الغيرة! ! إنها تمضي لا يحس منها إلا حريق الزمن خالدًا عليهِ، لا ينقضى ولا يتقطع. وأخوه مسعود إلى جانبه ينظر مشفقًا متلددًا إلى شبح ساكن لا ينود (٢) منهُ شيء أو يتحرك. من لهُ بأن يستلَّ أخاه المسكين من أمواج أطبقت عليهِ من كل مكان؟ إن الصمت وحده هو كل ما يستطيع أن يعين بهِ أخاه على بلوى هادمة مدمرةٍ، صمت ينطق بالمشاركة والإسعاد، والرقة والحنان. ليتهُ ما أطاعهُ، بل ليتهُ أغرى أخاه بالرحلة في جانب من الأرض بعيد فعسى كان يستجدُّ له من نوازع الحياة ما يكفيهِ شر مىٍّ وشرّ هواها. وكذلك يخطو ذو الرُّمة الخطوة الأولى في الطريق إلى حقيقة الحب. . .، في الطريق إلى العذاب. . .، في الطريق إلى الجحيم الذي يجعل النفس العاشقة سعيدة بالألم، متشبثة به، آلفة له، باحثة عنهُ لو فتر عنها أو سكت.
следующие страницы →