← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ما لم يجتمع في مثلها من قديم أيام العرب، فقامت فيها سوق من أعظم أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، تضَارع سوق عكاظ منتدى الشعراء من أهل الجاهلية، وهي "المرْبدُ": مِربد البصرة، حيث يجتمع العلماء والكتاب والشعراء يكتبون وينشدون ويتفاخرون ويتهاجون. وأقبل ذو الرُّمة -هذا البدويّ الراجز- يسمع إلى الرجز والشعر الحديث. فلما سمع من رَجز العجاج ورجز ولده رؤبة علم أنهُ إذا ألحَّ على الرجز لم يقع من هذين الفحلين موقعًا، ورأى أنهُ إذا بقي عليه يقوله، عرَّه ما يقول، فعزم أن يصرف نفسه عنه ويعوّل على الشعر وحده. وكان ما يسمعهُ من الشعر في هذه السوق العظيمة قد هاج في نفسه الرغبة في المنافسة، إذ كان الشعر أسهل مأتًى، وأوسع مجالًا، وأدنى إلى القدرة على الإجادة، وأولى أن يكون تصريفُ القول فيه أحسن وأنبل، وأن الرجز لا يطيق ما يطيقه الشعر من المعاني. وكانت نفسه إذ ذاك تتحرك مغاضبةً إلى ميّ، وترقُّ لها، وتريد متنفسًا تَبُثُّ فيهِ لوعتها وأشواقها، والرجز لا يستوى على إرادتها، وقلَّ في العشاق من الشعراء من رَجَزَ بحبه. وكذلك بدأت نفسه تستقبل الشعر وحده، وتدع الرجز لهؤلاءٍ البداة الغلاظ الأكباد يقولون في أغراضه ما يقولون. ولا يكاد يشك في أن الشهور التي يقضيها ذو الرمة بمدينة العلم والشعر والحضارة، قد جعلت تهزُّ نفسه هزًّا عنيفًا متتابعًا لا هوادة فيه، وأن شدَّة ما لقى من الغربة في هذه البيئة الجديدة التي لا عَهْد له بمثلها، قد أحدثت له فترةً وانكسارًا، وكادت تذهب به في الخمول مذاهبها. ولكن العاطفة المحنقة التي تجيش بين جنبيهِ كانت توجه هذه النفس إلى الغاية التي أعدت لها. وكذلك بقي ذو الرمة حائرًا لا يدرى كيف يتوجه بالرأي والعزيمة، فهو يدخل حوانيت البقالين يبقى فيها يسمع من لغو أهل الحضر ما يسمع، ثم ينصرف إلى المساجد وقد تحلَّق الناس على علمائهم يسمع من هؤلاء وهؤلاءِ، ويتلقف الكلمة بعد الكلمة مما يدرك من جدَ لهم وأحاديثهم. ثم يفكر في ذلك ما شاءَ الله، لم يأخذ نفسه بالدّربة على شيءٍ مما يتعلمون أو يتناقلون. وكان أكبر ما شغل عليهِ خواطره قول

стр. 807

هؤلاءِ المتكلمين في القضاءِ والقدر، وما يتنازعون فيه من الشر الذي يقع في هذا العالم، أهو مُرادٌ من الله تعالى أم غير مرادٍ؟ ويعجبهُ أن يذهب إلى أن الشرّ ليس مرادًا لله تعالى، وأن إرادته لا تتعلق إلّا بالخير، وأن الناس وما سواهم هم الذين تتعلق بالشر إرادتهم. فكان له في هذه المجالس شغل عما يتردد بين جنبيه من وساوس مى وبلبالها، وأخذت تهدأ على الأيام حدّة ما يجد من ذكرها، ويذهب عنهُ عناءُ ما يلقي من خيالها. وكان كل ذلك يرقق من قسوة البادية التي نشأ فيها، ويلين من جفائها وغلطتها، ويمهد لسماحة أهل الحضر ورقتهم وظرفهم ومباذلهم طريقًا في نفسه، يهديها إلى السمت النبيل المتواضع الذي درب عليهِ الناس ممن يعاشرهم في هذه المدينة. وأنس به أهل الحاضرة -"البصرة"-، فكان لبلاغة منطقه، وحسن تَهَدِّيه إلى غاية القول، وصدق عبارته عما في نفسه، وقوة بيانه البدوي عن المعاني التي يبتذلها أهل الحضر بإهمالهم، وسرعة بديهته فيما يعرض له، وقدرتهُ على تخيل الأشياء بذلك الفكر البدوي المحض، وإرساله في الكلام شعاعًا من الفطرة السليمة التي لم تفسد على الترف والعبث والمخالطة، كل ذلك جعل أهل البصرة -من عرفه منهم- يحبه ويستدنيه ويتحفَّى له، حتى صار يدعى إلى أعراسهم وأفراحهم وملاهيهم، ليسمعوا من حلو حديثه البدوي صفةَ هذه الأشياء التي لا عهد لأحد من أهل البادية بها. فكان ذلك سببًا في أن يقال عنه -بعد أن طار اسمه في الآفاق: - هذا الشاعر البدوي! ! تالله لقد كنا نراه بالبصرة طفيليًّا يتدَّسس الى العرساتِ! ! وشغله المربد عن شعراء البادية الذين كان يألفهم ويروى شعرهم، وجعل يسمع مناقضات جرير والفرزدق والأخطل، ويحفظ ما يرد على المربد من شعراء الحجاز، ولكنه لا يجد عند أحد من هؤلاء ما وجد عند "الراعى النميرى": مِن نَفَس رابٍ كأنما يقذفهُ مرجل أوقدت عليهِ نار لا يخبو لها سعير. فهذا القلق الذي استولى على رأيه في الشعر، وهذا السأم الذي استبدَّ بعزمه في الحياة، وهذه اللوعة التي اعتسفت قلبه في الحب، كل أولئك كان يُعِدُّ هذا اللسان الشاعر

стр. 808

إعدادًا جديدًا لتنطق البادية العاشقة على عَذَباته (١) أجمل بيان وأعنفه، وأروع نجوى وأحلاها، وأدق نعت وأشكله. فكانت أيامه بالبصرة تدريبًا لابد منهُ لهذه النفس البدوية المفطورة على جانب من الخشونة والجفاء. ومضى العام عليهِ بالبصرة، فاجتوى ريح الحاضرة من طول ما أقام بها، فآثر أن يعود إلى ديار قومه بالبادية ليتنسَّم تلك الرُّوَيحة الحبيبة إلى القلب البدوي، وليستروح نسمات ميّ إن أطاق أن يكفكف من كبرياء نفس ثائرة متمردة عنيفة في أصل جبلّتها. والبادية هي البادية قلَّ أن تتغير لها صورة أو يجدّ لها جديد، فنزل على إلْفٍ قديم حبيب، تتلقاه أمهُ رفيقة به على عاداتها، ويسائله إخوتهُ ولِداتُه عن أمر الحاضرة كيف وجدها، وما لقى فيها، وما الذي أحبَّ منها وكره، وكيف ترك ابن عمه "أوفي"، وقد زعموه تحضَّر وأخذ من علم الحاضرة، يسمع في مساجدها عن شيوخ الحديث حديث رسول الله ﷺ . فينبئهم بأخباره، وأنَّ أوْفَى قد ترك البصرة في طلب حديث نافع مولى ابن عمر، فلم يلقه بها. ويحدِّثهم أنهُ لقى أُمَّ الصهباء معاذةَ بنت عبد الله العدوية العابدة، وما يتناقل الناس من أخبار عبادتها وتقواها. ويقيم ما يقيم، ثم يعزم على أخيه مسعود في الرُّفقة حتى يزور ميًّا، ليتزود منها نظرةً لعلها تردّ من صدره هذه البلابل التي نشأت توسوس له أن قد أصابها مكروه. وينهاه مسعود أن يُتْبع نفسه هذه الفتاة التي عنَّتْهُ وأنهكتهُ وشغلت عقله عن أمر دينه ودنياه، وقبيح بالرجل أن يلجَّ على من أعرض أو نأى عنه بجانبه، والنساءُ بالنساءِ أشبه من الغمامة بالغمامة، فما هذا العناء الذي يفنى فيهِ أيامه ولياليه؟ ثم يرى مسعود في سُكات أخيهِ أنينًا يلتجُّ تحت الهدأة، وينظر في عينيه إطراقةً تستصرخ غوث الرحمة، فيأوى (٢) لذلك الشبح المستكين وراءَ هذه التجاليد الصامتة المستحصدة، ويشفق عليه أن تنتهب حياته هذه الأشواق التي تتنازعه من كل مغيب عاطفة أو صبابة. "لك ما شئت يا غيلان، فأنت والرحيل

стр. 809

كيف عزمت، وإني لرفيقك حيثما وجهت". وهكذا يصبح مسعود عون أخيه في هذه البأساءِ التي يتضرع لها بعد جلادة. ويرتحلان يقصدان بلاد بني منقر، فإذا الديار بلاقع ليس بها أنيس، إلَّا هذه الظباءُ وهذه المها تتهادى كأنهن العذارى يرفلنَ في بيض الجلابيب. ويعوج ذو الرُّمة على النؤى والرسوم ينظر إليها نظرة الواله المتوجس، ويدور عليها كأنهُ يستخبرها وهي تستعجم عليه لا تجيب، "والدار لو حدثته ذات أخبار". ويظلُّ ذو الرُّمة يتوهم لنفسه أوهامها في مى، ولكن لا تخطئه وسوسة الغيب بأمر ذي بال قد أصاب صاحبته، فهو يزداد التياعًا كلما ازداد ريثًا في مكانه من هذه الأطلال الخُرْس النواطق. ثم تنزو بهِ روعةٌ كأنه آبدٌ قد نشِط من قيده، وينطلق يجوب هو ومسعودٌ هذه الفيافي يسألها عن مذاهب مى في غوامضها ومنكراتها. وهكذا يبدأ هذا العاشق يتطوّح في أقدار مجهولة لا يدرى أين ينتهي به سيرُه وسُراه! ولكن لا يلبث أن يجد في أسفاره جماعة من بنى منقر قد انفردوا عن أهلهم في أرض ينتجعونها، ويسألهم عن أخبار ميّ، فيعلم يومئذ أن قد ذهب بها عاصم المنقرى. ربّاه! لقد تهدّم البناء الشامخ من كبريائهِ على قلب حي نابضٍ محب لم يسكن ساعة عن ندَاءِ ميٍّ من وراء الأسوار المضروبة عليهِ. ألم تعلم هذه الحبيبة أن غيلان قد أخلص لها حقيقة ما في قلبه من الحب والهوى؟ ألم تدرك بعد أن حياته كانت تفيض إليها متدفقة من أغوار النفس الجياشة بالعشق والصبابة؟ أكانت هي الغريرة البلهاءَ حتى لا تجد على نفسها لواذع نظراته إليها ملتاعًا قد توقد وجده بها؟ ألم يكن في عينيه ووجهه وحديثه عهدُ المحبين إلى من أحبوا؟ وتغوَّلتِ به الأرض الفضاء فلم يجد الَّا ضلالا وحيرة في وحشة هذه الحياة المجدبة الجرداء، التي قذفت به فيها هذه الفتاة اللاهية عن جد الحب الذي لا يلهو ولا يهزل، أي غدر قد ألقى به في مُغَوَّاة (١) مظلمة قد افترشتها أفاعي الغيرة والغيظ والضغينة. فانطلقت تنهش منهُ بأنيابها، وترسل في عروقه

стр. 810

ذلك السم الذي يغلى عليهِ دمهُ؟ وفي سكتة البيداء التي لا حس فيها ولا ركز (١)، تترامى إليه من كل وجه أصوات تتردد "ميّ، ميّ" وتقع في سمعه إلى قلبه سهامًا مسددة تنفذ في رميتها تنشُّ كأنها سِكَّة محماة. ما أقسى هذه الساعات التي تمر عليهِ وهو كالملقى على جمرات الغيظ في غمرات من لهيب الغيرة! ! إنها تمضي لا يحس منها إلا حريق الزمن خالدًا عليهِ، لا ينقضى ولا يتقطع. وأخوه مسعود إلى جانبه ينظر مشفقًا متلددًا إلى شبح ساكن لا ينود (٢) منهُ شيء أو يتحرك. من لهُ بأن يستلَّ أخاه المسكين من أمواج أطبقت عليهِ من كل مكان؟ إن الصمت وحده هو كل ما يستطيع أن يعين بهِ أخاه على بلوى هادمة مدمرةٍ، صمت ينطق بالمشاركة والإسعاد، والرقة والحنان. ليتهُ ما أطاعهُ، بل ليتهُ أغرى أخاه بالرحلة في جانب من الأرض بعيد فعسى كان يستجدُّ له من نوازع الحياة ما يكفيهِ شر مىٍّ وشرّ هواها. وكذلك يخطو ذو الرُّمة الخطوة الأولى في الطريق إلى حقيقة الحب. . .، في الطريق إلى العذاب. . .، في الطريق إلى الجحيم الذي يجعل النفس العاشقة سعيدة بالألم، متشبثة به، آلفة له، باحثة عنهُ لو فتر عنها أو سكت.

стр. 811

" جمعية الشبان المسلمين " في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة ١٣٥٣ وضع الحجر الأساسى لبناء دار جمعية الشبان المسلمين، وإني ليحزننى أن لا أكون حضرت وضعه في أرضه المباركة، فلقد كان قلبي يوما ما لبنة حية من لبنات هذه الجماعة، ولا يزال هذا القلب مخلصا لها إخلاص ورع لا دعوى فيه، محبا لها محبة إيمان لا نفاق فيها، يبتسم لما تبتسم له، ويغضب لما تغضب له، ويأسى لما تأسى به، ولئن كان من أحداث الدهر عندي أنى انقطعت دون أصحابى من هذه الجماعة، فوقفت وساروا، فإني لا أزال أجد في نفسي الاطمئنان إليهم، وما بى عنهم من تأخر حين يدعوننى إلى مكانى من صفوف المجاهدين يوم يشتد ساعدى للجهاد. وبعد أن وضع هذا الحجر الأساسى رغّب إليّ أستاذي وصديقي محب الدين الخطيب أن أتعجل في كتابة التاريخ الماضي للأيام الأولى لظهور هذه الجماعة التي انتشرت في عام واحد بين خوافق العالم الإسلامي، انتشار النور الإلهي في القلوب المؤمنة، وسبيل التاريخ في مثل هذا أن تذكر الحوادث مؤرخة باليوم والساعة، مبينة بالمواضع والأمكنة، محددة بالرجال والأعمال، ولكني وجدت أن أوراقى قد تشتّت على الآن، وليس بين يدي منها إلا القليل الذي لا يأتي منه هذا التاريخ على وجه التدقيق والتحقيق. فقصارى ما أكتبه في هذه الكلمة أن يكون تاريخا مجموعا من أشتات الورق، ثم مما وعته الذاكرة من أيام كانت تمر بنا إذ ذاك مر السحاب، لفرط ما فيها من الحياة والشباب، والعجلة والاهتمام، ثم إن فرحة ما كنا بسبيل تحقيقه هي مما يُنْسِي المرء كل شيء، حتى لذة العمل والإخلاص.

стр. 812

" تاريخ اليوم الأول " ففي مثل هذا الشهر (ربيع الأول من سنة ١٣٤٦) زار مكتب الأستاذ محب الدين الخطيب في دار المطبعة السلفية ومكتبتها فضيلة الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر حسين، وكانا يتحدثان في أمر الاجتماعات التي كانت جمعية الشبان المسيحية تعقدها في تلك الأيام -كدأبها إلى اليوم- تدعو لها رجالا من رجال مصر، ليحاضروا الناس في دارها. فمما حدث يومئذ أن تلك الجمعية دعت إلى دارها رجلا كان من دأبه أن يجعل القرآن موضعا للتهكم والشك. وفيما هما في حديثهما هذا دخل عليهما صديقي الأديب الضليع الأستاذ عبد السلام محمد هارون -الطالب إذ ذاك بتجهيزية دار العلوم (١) - فأشرقت بوجوده فكرة انبسطت أنوارها فيما بعد، وأضاءت ظلمات من الغفلة والخمول والدعة، كانت قد انطبقت على العالم الإسلامي عامة، ومصر خاصة، حتى كنا نستشعر الفزع مما يمر بنا من أطياف الحوادث التي تمر بالناس، ولا تصيب منهم شيئا يبكى له، أو يؤسف عليه. . . من ذلك الشر انقدحت الشرارة الأولى التي أوقدت النور الذي أشرق على العالم الإسلامي في الشهر المبارك شهر مولد الرسول ﷺ ، ليكون ضياء للمسلمين، يسترشدون به في أمر دينهم عامة، ثم اجتماعهم خاصة بعد أن أصاب الأمة الإسلامية من قِبل التدابر والتقاطع، والفرقة والشتات ما أعيى حكمة الطبيب، وإشفاق الآسى. فلذلك كانت هذه الجمعية ولا تزال لا غرض لها إلا أن يكون المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، ولا تتعمد في ذلك طعنا في دين، أو منابذة لملة، بل غرضها الذي لا يتغير أن تطلب خير الأمة الإسلامية والعربية من كل سبيل. والآن نعود إلى تاريخ هذه الجمعية. . . أشرقت هذه الفكرة فكنت في طليعة

стр. 813

مَن سُوِّغ من أشعتها لمحات، لا تزال تضئ في قلبي سراجا هاديا، فيما ينطق عليّ من ضلال الحياة انطباق فكٍّ من الظلام على فك. . . وكنت (حين تفجر النور من منبعه الصافي) مع أخي الذي أشرقتْ عليه (عبد السلام هارون) في طريقنا إلى المطبعة السلفية، يدفعنا الشباب، وتثور بنا الفكرة المنبعثة من الآلام التي لقيناها حين سمعنا خبر جمعية الشبان المسيحية. وكانت دار المطبعة السلفية -ولم تزل- نبع القلوب الصادية، تردُها من الشباب فئة قليلة الصبر على ضيم ينزل بالأمة العربية من ظلم الاستعمار، وعصبية الاستعمار. ففي المطبعة السلفية قلد السيف صاحبه. . . ذلك المجاهد الرابض في مكتبة، يواصل الليل بالنهار، عاملا لأشياء قد استقرت في نفسه فصارت إيمانا، ودارت على لسانه فأصبحت تسبيحا، وترامت عن قلمه فكانت جهادا - ذلك هو محب الدين الخطيب. لم يلبث هذا الجمع أن جمع من كبار المجاهدين رجلين: أما أحدهما فرحمة الله عليه أحمد تيمور باشا، ذلك القلب الرقيق الوفي، الذي لا يَنْسَى ولا يُنْسَى، وأما الآخر، فهو العالم المخلص، والكاتب البليغ الأستاذ السيد محمد الخضر حسين، الذي بارك الله به هذا العمل من الساعة الأولى، فمن هؤلاء جميعا استفاض النور الحي الجميل على مدينة الأحلام الفاتنة، التي نسميها الآن (جمعية الشبان المسلمين). أما تيمور باشا رحمة الله عليه فحين سمع ما تآمرنا له أضاء وجهه، وابتسم ثغره، وترقرق الدمع في عينه، حتى لظننت أنى لا أرى رجلا شيخا، بل أرى قلبا فتيًّا حيا، يتنزى إلى جهاد يبذل فيه الروح في غير حرص ولا شح. وأما السيد الخضر فكان كالغُصن الرطب، حين يَفيئه النسيم، يهتز طربا وسرورا، فحين بدأنا العمل أصبح نشاطا قد سُوِّىَ رجلا، وإيمانا قد أفرغ قلبا، وصراحة قد جمعت حزما وعزما. هذا الاجتماع الأول كان هو الحجر الأساسي الذي يقوم عليه البناء الحي النابض بدم الشباب، العامل بفكرة الشيوخ، المترامى إلى الحقيقة العظمى في

стр. 814

تاريخ الإنسانية، ليثبت أن الإيمان يمنح الضعيف أسبابا من القوة والرهبة، تنشيء في القويٍّ أَدْوَاءً من الضعف والفزع. " دعوة الشباب إلى الجمعية " افترقنا بعد ذلك الاجتماع، وذهب صديقي عبد السلام، وذهبت إلى من نعرف من أحبائنا وأصدقائنا، نداولهم ونشاورهم. وأذكر أنا لم نذق ليلتنا نوما نطمئن إليه، فقد كانت حياة الفكرة في أعصاب الشباب كفيلة بأن تنشيء فينا القوة على الاطمئنان إلى العمل، وتنفي الركون إلى الراحة والدعة. . . ووفق الله في اليوم التالى فصار عدد الدعاة إلى إنشاء الجمعية اثنى عشر شابا من طلبة المدارس العالية والتجهيزية على اختلافها. نذكرهم للتاريخ، لا للفخر والتعالي: محمد محمود الخضيرى من قسم الآداب بالجامعة مصطفى محمود القاضي من مدرسة الهندسة محمود محمد شاكر من قسم الآداب بالجامعة زكي القاضي من مدرسة المعلمين عبد الفتاح كيرشاه من قسم الحقوق عبد السلام محمد هارون من مدرسة دار العلوم كمال اللبان من كلية الحقوق عبد المنعم خلاف من مدرسة دار العلوم محمد القاضي من كلية الحقوق محمد أبو الفضل إبراهيم من مدرسة دار العلوم محمد محجوب من كلية الطب توفيق أحمد البكرى من مدرسة الجيزة " الاجتماع الأول " اجتمع الإخوان الاثنا عشر يرأسهم تيمور باشا رحمة الله عليه، والسيد الخضر ومحب الدين في المكتبة السلفية، وتبادلوا الرأي في تنفيذ الفكرة على

стр. 815

أساس من القوة، ومن العجب أن هذا الاجتماع لم يحدث فيه اختلاف ما على فكرة واحدة مما عرض، مع أن هذا الاجتماع قد طال أكثر من ثلاث ساعات لا فترة بينها، ثم افترقنا على موعد من الأستاذ الخضر، لمهلة يضع فيها نص القانون الأساسى للجمعية، وبلاغ ينشر في جمهور المسلمين. فلما اجتمعنا في المرة التالية اطلعنا على ما وضع الأستاذ الخضر، وحددنا موعدا للاجتماع في المنزل رقم ٣٠ بغيط العدة، من باب الخلق، يتسع لعدد كثير من المدعوين من أفاضل الرجال. " الاجتماع الثاني والثالث " كان هذا الاجتماع كما ذكرنا بغيط العدة، لعرض القانون مرة ثانية على المدعوين من الشباب والشيوخ، الذين توافدوا بإخلاص وشوق لتشييد البناء الأول للعمل الإنساني العظيم الذي دعوا إليه. ففي هذا الاجتماع خطب الأستاذ الخضر ومحب الدين الخطيب، ثم كاتب هذه السطور، وكانت أقوالهم جميعا في بسط أغراض الجمعية، ومناشدة الحاضرين إلى توسيع أمر الدعوة، ولذلك كان الاجتماع الثالث في هذا المكان نفسه حافلا بأفاضل الرجال والشيوخ والشباب، حتى إن المكان ضاق بهم، وكان من خطباء تلك الليلة المرحوم الأستاذ الشيخ عبد العزيز جاويش، والأستاذ الخضر، ثم الأستاذ الههياوى. ومما حدث في هذا الاجتماع وعددناه توفيقا وبركة قيام رجل إيطالى موظف بالمحكمة المختلطة، خطب خطبة بالغة، أثارت الناس، وأحيت في نفوسهم أملا قويا، وعزما صادقا. وفي هذا الاجتماع أُقرت الصورة النهائية للقانون، ووضعت الخطة الأخيرة، وانتخب الاثنا عشر الدعاة إلى مقابلة الدكتور عبد الحميد سعيد، وعرض الأمر عليه لأن آراء القائمين بتأسيس الجمعية أجمعت على انتخابه رئيسا، لمزايا متعددة اجتمعت فيه، وحدد ميعاد للذين اشتركوا في الجمعية، أن يجتمعوا في يوم ١٥ جمادى الثانية سنة ١٣٤٦، بدار الكوزمجراف، بشارع عماد الدين، لانتخاب مجلس الإدارة.

стр. 816

" انتخاب مجلس الإدارة " وفد الوافدون على دار الكوزمجراف في الموعد المحدد، وقام الخطباء، وكان منهم الأستاذ الخضر، ثم الدكتور عبد الحميد سعيد، ثم الأستاذ محمد الههياوى من الشبان، (ثم) الأستاذ عبد الفتاح كيرشاه -المحامى الآن بالإسكندرية- فأبدع وأثار وحفز الناس وضج الحاضرون، وقام إليه بعد خطبته الأستاذ محب الدين فعانقه وقبّله، لما أبدى من حمية وإخلاص. ثم انتخب مجلس الإدارة بالاقتراع السرى، فكان المنتخبون هم هؤلاء الأعلام: (١) الرئيس: الدكتور عبد الحميد سعيد عضو مجلس النواب (٢) وكيل الرئيس: الشيخ عبد العزيز بك جاويش مدير التعليم الأولى (٣) أمين الصندوق: العالم الجليل أحمد تيمور باشا عضو مجلس الشيوخ (٤) كاتم السر العام: الأستاذ محب الدين الخطيب منشيء الزهراء، والفتح الأعضاء: (٥) الأستاذ السيد محمد الخضر حسين - المدرس بقسم التخصص بالأزهر (٦) الأستاذ أحمد إبراهيم - أستاذ الشريعة بكلية الحقوق (٧) الأستاذ محمد أحمد الغمراوى - خريج جامعة لندن (٨) الدكتور يحيى الدرديرى دكتور حقوق وليسانسيه في العلوم السياسية (٩) الدكتور على مظهر - خريج جامعة فيينه (١٠) الأستاذ محمود على فضلى - المدرس بمدرسة المعلمين العليا (١١) الأستاذ محمد الههياوى - من رجال الصحافة المصرية (١٢) الأستاذ على شوقى - سكرتير وكيل وزارة المعارف بهؤلاء بدأت الحياة تعمل عملها في إحياء الروح الإسلامية في شباب العالم الإسلامي، لا ليكون التعصب والسخرية والعبث. بل ليكون الإيمان الذي لا يرهب، والعقيدة التي لا ترتد، والدعاء الممتد من نواحي الأرض إلى خوافق السماء، يستنزل الرحمة على أمم قد قاست من القسوة والظلم والتحيف ما لا صبر

стр. 817

لأحد عليه، حتى هوجمت بعد تجريدها من سلاحها - في معقل الدين من قلوبها، وحصن الفضيلة من اجتماعها، ومنبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ألسنتها. ألا وإن أمل العالم الإسلامي كله معقود بتحقيق الأغراض التي سعت لها هذه الجمعية المسلمة، وما بقي العالم الإسلامي متعلقا بها، معينا لها، فهي إلى الغلبة والظفر والانتصار إن شاء الله.

стр. 818

في حلبة الأدب كتاب تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي للأستاذ أنيس الخورى المقدسى ألقى إلى هذا الكتاب فخما ضخما مصقولا كأنه حديقة مطوية فأخذته بين يدي أدافع به الملل وأنا عند صديق عزيز فوقعت العين على كلمة أكبرتها أن تكون من غير رجل عالم. ثم وضعت الكتاب وأنا في أمر غير الأمر وطويت أياما حتى تلقيته مرة أخرى لأقرأه وأكتب عنه، فدخلت الكتاب كما يدخل الضيف أحمل نفسي على الأدب في خلوة من أهل الدار، وطفقت أرد ورقة منه على أختها يوما من بعد يوم حتى فرغت منه وأنا في حيرة. فقد اتفق لمؤلفه أنه سما بالرأي حتى قلت قد انفتق لعينيه النور فما يروعنى إلا وأنا في ظلماء مطبقة من تحت سبع أرضين لا هدى فيها لدليل، وهذا عجيب في كثير ممن يؤلف في عصرنا هذا فقد رأيت في كتبنا كثيرا من هذا السمو في الفكرة والسقوط في أدلتها وبراهينها ثم في توجيهها وتطبيقها. وقبل هذا أصف للقارئ موجز هذا الكتاب الذي هو الأول من جزءين فهو كما يقول مؤلفه في صدره "يتناول النثر العربي وخصائصه الفنية منذ بزوغ الإسلام إلى النهضة الأخيرة يتخلله دراسات تحليلية لنخبة من أمراء الأقلام وعرض كثير من نصوصهم الإنشائية". ثم يصف غرضه في الكلمة التمهيدية لكتابه فيقول "أما كتابنا فغايته عرض الأساليب النثرية عرضا يبين تطورها منذ ظهور الإسلام إلى الوقت الحاضر". . . ."ولسهولة البحث أفردنا لنثر صدر الإسلام قسما خاصا صرفنا العناية فيه إلى تحقيق مروياته والنظر في نصوصه وهو يشمل بضعة فصول ويمتد إلى زمن عبد الحميد الكاتب"، ثم ألقى نظرة "على الأساليب

стр. 819

الإنشائية من أيام عبد الحميد إلى الوقت الحاضر فإذا هي تجري على ثلاثة أساليب رئيسية: (١) الأسلوب المتوازن (أي المزدوج غير المسجع) ويدخل فيه ترسل عبد الحميد والجاحظ وأضرابهما. (٢) الأسلوب المسجع - ويتناول الرسائل الديوانية والأدبية والمقامات وما إلى ذلك. (٣) الأسلوب المطلق - وهو النثر السائد في الكتب العلمية والتاريخية والاجتماعية قديما وأسلوب الإنشاء العام في العصر الحديث". وقد تناول المؤلف الأسلوبين الأولين في هذا الجزء وأبقى الثالث للجزء الثاني من كتابه .. هذه صفة الكتاب رويناها للقارئ عن مؤلف الكتاب. وأنا حين أقرأ كتابا أنظر إلى نهج صاحبه في تأليفه فإذا رأيت له نهجا يخالف ما درج عليه الناس في التأليف أخذته بنهجه حتى أخرج لنفسي خطأ النهج أو صوابه، فإذا اضطرب نهجه عدلت عنه إلى أغراضه، فإذا استوت أغراضه أخذته بها ونظرت إلى غرض غرض منها معدلا بين أوزانها حتى يخلص لي الأصل الذي خرجت عليه أو الأرض التي نبتت فيها، فإذا اضطرب ذلك أخذته بآرائه في مفردات علمه واحدة واحدة حتى يخلص بي إلى أحد أمريه غير مظلوم ولا ظالم. فلما قرأت هذا الكتاب لم يقع لي إلا أن آخذ الأستاذ أنيس المقدسى بآرائه في مفردات علمه غير متعرض لنهجه أو أغراضه في كتابه هذا. فمن أول ذلك كلامه عن السجع ومقارنة سجع الجاهلية بآيات القرآن فإن المؤلف لم يأت فيه إلا بالشبه التي تورط فيها الناس من قديم إلى يومنا هذا كقولهم في تحريم السجع لما روى عن رسول الله ﷺ في حديث الغرة وقوله للرجل الذي قال "أَأَدِى من لا شَرِبَ ولا أَكَل ولا صاح فاسْتَهَلّ، ومثل ذلك يُطَلّ" فقال الرسول ﷺ "أسجْعًا كسجع الكهان". ثم جاء الجاحظ بعد ذلك ووضع علة لتحريم السجع: إن الكهان كانوا يتكهنون ويحكمون بالأسجاع، فوقع النهي في ذلك

стр. 820

لقرب عهد العرب بالجاهلية ولبقيتها في صدور كثير منهم، فلما زالت العلة هذه زال التحريم. وكنت أحسب أن المؤلف سينظر في خصائص سجع الكهان نفسه ليستخرج منه الفرق بينه وبين السجع المعروف عن البلغاء ثم بينه وبين القرآن فإن هذا هو موضع الفصل في الكلام الذي دار حول السجع وهو موضع التحقيق في العلم المروي الذي وقع إلينا ولم نحقق فيه إلا القليل. وأكتفي هنا بأن أقول أن سجع الكهان اسم لما وقع في ألفاظ الكهان على صورة صامتة وهو غير السجع الذي عرفه علماء البلاغة ووضعوا له الحدود والرسوم وسنفرد لهذا البحث كلمة خاصة في المقتطف إن شاء الله. ومن عجيب ما وقع للمؤلف في هذا الفصل قوله "ص ٥" ويؤيد ما يراه من شيوع السجع في تلك الحلقات (الدينية في الجاهلية) أن التنزيل القرآني على تعاليه عن أقوال العرب وكهانهم لم يخرج عن الأسلوب الذي عرفه الناس يومئذ". كيف يتفق للمؤلف أن يقول أن القرآن (لم يخرج عن هذا الأسلوب) وهو لا يعرف هذا الأسلوب ولم يحط بخصائصه. أيحسب الأستاذ أن الأسلوب هو الكلام المرصوف، وأن الخصائص هي انتهاء كل جملة من هذا الكلام بلفظين متقاربين في الجرس متفقين في القافية. . . إنه لا يقول هذه الجملة إلا من وقع إليه سجع الكهان في "حلقاتهم الدينية" كما يقول فدرسه وميزه وحده، ووضع له مطلعا ومقطعا وغرضا، ثم درس القرآن وعرف مثل ذلك فيه وقارن ثم ألقى ووضع وأخذ ورد ونفى وأثبت. كيف يقول المؤلف ذلك وهو الذي يقول في ص ٤ "ولا يجوز علميا أن نتكل على روايتها فقط (أي أسجاع الكهان) في الحكم على ما كان عليه هذا النثر". وقد أتى المؤلف في ص ٦ بما يدل على بطلان الأصل الذي يبنى عليه كلامه هذا من معنى السجع، فقد نقل عن الجاحظ "وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين فيكون في الخطب أسجاع كثيرة فلم ينهوا أحدا منهم". فهذا دليل على أن سجع الكهان غير السجع الذي يقع في كلام الناس أو يتعمدونه للزخرف والزينة، ولولا ذلك لكان الخلفاء

стр. 821

الراشدون قد نهوا عن ذلك كما يقول الجاحظ. فلو أن المؤلف وقف قليلا عند هذه الكلمة لتبين له أن كلمة السجع قد وقع في معناها الخلط والخبط بين أقوال الكهان والكلام المزور المزوق بالقافية الموسيقية، ولاجتهد بعد ذلك أن يفرق بين معنى الكلمة عند علماء البلاغة ومعناها الذي وردت له في قولهم (سجع الكهان)، ولوجد أن مقارنة سجع الكهان بالتنزيل القرآنى كما يسميه من أعظم الخلط بين المتضادين. والذي أوقع المؤلف في هذا أنه حسب أن أهل الجاهلية الذين قالوا عن الرسول ﷺ أنه كاهن إنما قارنوا بين سجع كهانهم وبين سجع السور المكية الأولى كما قال في ص ٥. ولو أن أهل الجاهلية قالوا ذلك لهذا المعنى ومن جراء هذه المقارنة لما كانوا أهلا لتنزيل قرآن عليهم، ولما كان هذا القرآن معجزا لأنه إنما أعجزهم ببلاغته وأسراره والذي يحكم في صور الألفاظ لا يكون بليغا أبدًا ولا يدرك أبدًا سرًّا من أسرار الكلام فهو عاجز من أصل طبيعته لا من أن الكلام بليغ أو معجز وبذلك يسقط الإِعجاز كله ولا يبقى معنى لإيمانهم بما جاء فيه ولا بمن جاء به. وندع كلامه كله عن القرآن فأكثره مما لا يقف عنده إلا من أراد أن يكشف عن أوهامه وَهْمًا فوَهْمًا مفصلا لأخطائه أو مبينا لمواضع السقط فيه. ويأخذ في كلامه عن حديث رسول الله ﷺ وهذا الباب من الكتاب مملوء بكل عجيبة من الرأي، وفيه من التناقض كثير مما يدل على أن المؤلف لم يدرس هذا الموضوع دراسة من يريد أن يعلم ثم يحقق ثم يكتب خلاصة ما ثبت عنده أو رجح لديه. ومن عجيب أمره أنه بعد ما جعل السجع من أسلوب الجاهلية وردَّ القرآن إليه في موضع من الباب الأول، عاد فذكر في ص ٧٣ أن من مزايا الحديث أو نثر صدر الإسلام -البساطة- وفسرها بقوله أنها البعد عن تكلف السجع أو البديع وكيف يكون ذلك في الحديث ولا يكون في القرآن. هذا من العجب فإن الذي أنزل عليه هذا القرآن هو هو الذي تكلم بهذا الحديث، وهو هو الرسول الذي يريد أن يؤثر كلامه في الناس. فلو أن السجع الذي في القرآن كان للتأثير والإيهام كما

стр. 822

يكون سجع الكهان لكان ذلك أولى بصاحب هذا الكتاب في حديثه أن يتخذه من مادة تأثيره على الناس. ثم أنه في ص ٥٠ بدأ كلاما عن وضع الأحاديث -يعلم الله أنه كلام مُتلقَّف من أفواه قوم خبرناهم عهدًا طويلا، وفيه من التحريف شيء كثير. وللدلالة على ذلك نجد المؤلف يروى عن صحيح مسلم قول ابن القطان "لم تر أهل الخبر في شيء أكذب منهم في الحديث". وجعل الخبر بالباء الموحدة وسط اللفظ، ويريد بذلك أن يوهم الناس أنهم أهل الحديث. والحديثُ في مسلم "أهل الخير" بالياء المثناة، وفي رواية "لم نر الصالحين"، وفسر مسلم بعد هذا الحديث موضع الإشكال في أن الصالحين يكذبون على رسول الله ﷺ وهم هم الصالحون. فقال: "قال مسلم: يقول يجرى الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب"، وتأويل ذلك أن أهل الصلاح والتقوى الذين يصرفون أنفسهم عن أمور الناس ولا يبحثون عن أحوالهم من صدق وكذب وتدليس وكذا وكذا إلى آخر النقائص يحسبون أن الناس لا يجترئون على رسول الله بالكذب إذا حدثوهم عنه فيتلقَّوْن ما يسمعون بالتسليم ثم يَرُوون ما يسمعون لما فيهم من سلامة الصدر عن الخبث، ولذلك يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدونه. ولذلك يردّ أصحاب الحديث قوما من كبار الصالحين ويقولون عنهم حين يذكرونهم "كان في فلان غفلة"، فهذا هو المراد. ومما يدل على أن المؤلف لم يتثبت من كلامه في هذا الباب كله أنه قال في ص ٦٦ في عرض كلامه عن رد أحاديث من الصحيحين لا تثبت عنده لعلل زعم أنه اهتدى إليها وحده فردَّها، لذلك قال المؤلف حفظه الله "آية المنافق بغض الأنصار -آية المنافق حب الأنصار" وهما (يعني الحديثين كما يزعم) مع تناقضهما من المتفق عليهما في الصحيحين والإغضاء عن مثلهما أَوْلَى، أولًا: لما فيهما من دعاية حزبية، ثانيا: لتناقضهما". انتهى كلام الأستاذ والعجب لمن ينقل عن كتابين طبعا ثم طُبِعا ثم طبعا حتى امتلأت بما طُبع منهما بيوت المسلمين وغير المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ثم يخطئ في النقل ثم

стр. 823

يجعل خطأه من الأدلة التي دفعته إلى الطعن فيما روى من حديث مسلم والبخاري وهما من هما في التحديث وفنونه. وللقارئ أن ينظر في صحيح مسلم كتاب الإيمان: باب حب الأنصار، وفي البخاري: كتاب المناقب، ليقرأ الحديث على وجه التحقيق لا على وجه الوهم "آية المنافق بغض الأنصار وآية المؤمن حب الأنصار". وأنا لا أدري كيف يتأتى لمؤلف أن ينقل خطأ ثم يتوهم ثم يكتب ثم يرد على الناس أقوال أئمتهم الذين أفنوا أعمارهم في تحقيق العلم وتمييزه طيبه من خبيثه ثم يزعم أن ذلك تحقيق لمرويات الصدر الأول كما نقلت عنه في أول كلامه. هذا وسنعود إلى مواضع من الكتاب بعد قليل لنثبت أن هذا الكتاب لابد من تغييره البتة لأنه لا يصلح أن يكون دراسة في النثر العربي. وهنا أسوق للمؤلفين قول كونفوشيوس "من تعلم من غير تفكير فهو في حيرة، ومن فكر من غير تعلم فهو في خطر".

стр. 824

" عن كتاب تطور الأساليب النثرية" رد على مؤلفه غضب الأستاذ أنيس المقدسى مما نقدناه به في مقالنا الأول ورمانا بكلمته الفاتكة في مقطم الثلاثاء ١٣ أغسطس سنة ١٩٣٥ ظنا منه أن ما أتى به يعد دليلا جديدا يقنعنا بما في كتابه. والحقيقة أنه دليل جديد يعضد رأينا في الكتاب ودليل أيضا على أن المؤلف إنما يأخذ معاني الأشياء من ظواهرها ولا هَمَّ له بما في باطنها. ونحن لا نقول هذا هجاء ولا طعنا كما يقول في مقاله. فما في العلم هجاء ولا طعن. وأنت إذا قلت في قضية من قضايا العلم أنها فاسدة وأن صاحبها مخطئ وأن هذا الخطأ دليل على أنه لم يفكر في القضية وأن إلقاءه القضية بغير تفكير فيها إنما هو تهجم على الخطأ -فلا تعني بذلك هجاء ولا طعنا ولا تنقصا. فإذا جئت مع ذلك بالدليل على ما تقول لم يبق لصاحبها عذر في غضبه أو فورته. أراد الأستاذ الأديب أن يدفع عن نفسه وعن كتابه ما قلناه وأراد أيضا أن يعلمنا -علمه الله الخير- كيف نكتب حين ننقد في هذا القرن العشرين وسنكون عند حسن ظنه بنا إن شاء الله. يدعى الأستاذ -أكرمه الله- أن نقدنا "مشبع بروح لا نجدها اليوم إلا في الأوساط الجدلية البعيدة عن الحرية العلمية فنحن ننظر إلى الحياة من خلال (العرف الموروث)، وأننا نعتبر (التقاليد القديمة) قضايا منزلة لا سبيل للعلم إليها، وأننا حين رأيناه خرج عن السنة المعهودة قامت قيامتنا واتهمنا الخارجَ بالضعف وسوء القصد وانصرفنا عن المناقشة العلمية الهادئة الى الطعن والتنقص، وأن كلامنا قد ورد فيه ما يجب أن يتنزه عنه ناقد من نقاد القرن العشرين إذ أخذنا نعالج علمه معالجة الغيور على معتقد موروث نخاف فقدانه، وذلك من جراء الغيرة التقليدية التي اتهمنا به.

стр. 825

وإذا كان الأستاذ قد أباح لنفسه أن يفهم كل هذا من كلمتى عن كتابه ثم رضى أن يصرح بذلك تصريحا عجيبا في بابه ثم لم يتورع عن أن يقول إنا أخذتنا الغيرة على (معتقد موروث نخاف فقدانه)، إذا كان الأستاذ قد أباح لنفسه ذلك كله فلا أقل من أن يبيح لنا أيضا أن نترجم للقراء معنى هذه الكلمات التي ذكرها في كلامه. فإن هذه (الطريقة الأمريكانية في الأساليب الكتابية والنقدية) مما لا نتعاطاه ولا ندع لأحد سبيلا إلى الاختفاء وراءه. ولعل الأستاذ يعرف أننا نقبل كل ما يقال تصريحا ولو كان في كل كلمة منه سيف مسموم، ولا نقبل شيئا مما يقال تعريضا ولو كان في كل كلمة منه رحيق مختوم. فإن أدوأ الأدواء هذه المخادعة التي يتخذها بعض الناس ولا يزالون يلحون في الإتيان بها عند كل حديث ليوقعوا في النفوس معاني تأتي من وراء العقل مأتى اللص من وراء الجدار. ونحن لا نظن بقرائنا إلا خير الظن، فما من أحد إلا وقد فهم أن الأستاذ يريد بقوله (العرف الموروث والتقاليد القديمة والمعتقد الموروث) -القرآن والحديث- فإن الكلام في مقالنا كان منحصرًا فيهما، وفهم أنه يريد بقوله (الغيرة التقليدية) قيامنا لرد شبه الأستاذ التي أتى بها وبثها في كتابه وأكثرها مما لا يقتضيه البحث الذي يبحثه. وليعلم الأستاذ أننا أخذنا كتابه أرفق مأخذ ولم نرد أن نفجعه فيه دفعة واحدة فوضعنا له كلمات هي أس عظيم لمن يتدبر، فظن الأستاذ أن قليل علمنا وقف لنا حيث وقف القلم. فإن كان ذلك ظنه وكان ذلك هو الذي حفزه إلى أن يجعل القرآن والأحاديث من التقاليد الموروثة فخير له أن يرد ظنه إلى حيث كان. وإن كان هذا أيضا هو الذي استفزه حين قال أننا كتبنا غيرة منا على (معتقد موروث نخاف فقدانه) فسيعلم أننا ما كتبنا أولا إلا لإقرار الحق في العلم وتزييف العلم الناقص أو العلم الصناعى الذي راج الآن في أسواق الأدب رواج بضائع اليابان في أسواق البزازة. وليعلم أيضا أن هذا (المعتقد الموروث) ليس مما يخشى عليه طوارق الحدثان التي تسمى أساتذة وفلاسفة وكتابا وشيوخا في الأدب في هذا الزمان. وبعد هذا كله سيعلم الأستاذ أيضا أننا لسنا نقلد أحدا فيما نكتب حتى نصبح من المدافعين عن التقاليد، وأن كلامنا عن السجع مما نقضنا

стр. 826

به أقوال الأئمة من علمائنا ﵃ وأننا نأخذ هذا العلم من طريق الفهم لا من طريق الرواية وحدها وأننا لا نستعمل الطريقة (التجارية الأميركية) في تقسم الأشياء وترتيبها وهندمتها وتزيينها للإغراء لا للفائدة. حصر الأستاذ أنيس (نظرياتنا العلمية) كما سماها في كلمات خمس لا ندري كيف وقعت له على الصورة التي كتبها بها، ورد عليها ردا طريفا يقف بالمسألة كلها على الباب، لا تريد أن تدخل ولا تريد أن تنصرف. وقد نبهنا الأستاذ في مقالنا الأول (حين تكلمنا عن كلمة الجاحظ في سجع الخطباء عند الخلفاء الراشدين) أن الوقوف عند النصوص وتدبرها لفهمها أمر لابد منه وأن فيلسوف الصين الأكبر يقول "من تعلم من غير تفكير فهو في حيرة ومن فكر من غير تعلم فهو في خطر" وسنقرر ذلك نفسه في مقالنا هذا من باب آخر وسنقرر أيضا أن الفوضى التي عمت أدباءنا في فهم الألفاظ ثم القدرة على اختراع كلمات وتوهم معنى لهذه الكلمات، ثم بناء التاريخ على هذا الوهم إنما هو إفساد للعلم وللعقل وللتراث الإنساني كله. فالأستاذ أولا قد ادعى أن العرب كانت لهم (حلقات دينية! ! ) وأن رأس هذه الحلقات هو (الكاهن) وأن هذا الكاهن كان (يسجع) كلامه في هذه الحلقات فالسجع إذا من (آلات) صناعة الكاهن في الحلقات الدينية ومن هنا خرج إلى مقارنته بالقرآن. أما مسألة (الحلقات الدينية) عند العرب فما هي إلا وهم توهمه الأستاذ وفَجَأَ القراء به في أول صفحة من كتابه كأنه شيء مقرر ثابت قد أجمعت عليه الرواة وتواترت به الأخبار. وكان من حق القراء الذين يقرأون كتابه أن يبين لهم أستاذهم الأصل الذي جاء منه بهذا البيان عن دين العرب في الجاهلية ثم يصف لهم هذه الحلقات مما استنبطه هو من أصول التاريخ. ونحن ننفي هنا أن العرب كانت لهم حلقات دينية كما يقول الأستاذ وإلا فليأتنا الأستاذ بالدليل الذي يعضد رأيه فما قرأنا مرة واحدة شيئا من هذا لا في تاريخ قديم ولا حديث يوثق به.

стр. 827

وإذا صح ذلك واستطاع الأستاذ أن يأتينا بالدليل فليبين لنا أيضا كيف كان الكاهن هو رأس هذه الحلقات الدينية. ونحن من الآن نقول لقرائنا أن الأستاذ لن يستطيع أن يفعل شيئا من هذا وأنه كان أولى به أن يدع أمر كتابه ويقف به حيث وقفنا به من النقد، فهذه واحدة في القدرة على اختراع كلمات ثم تَوَهُّم معنى فيها ثم بناء تاريخ على هذا الوهم. وننصرف عن هذا إلى القول في الفوضى في فهم الألفاظ العربية فالكاهن عند العرب إجماعا هو الرجل الذي يتعاطى الكهانة وهي الخبر عن الكائنات والحوادث في مستقبل الزمان ويدَّعِي لنفسه معرفة الأسرار واستظهارها. وكانت العرب تسمي كل مَنْ أخبر بشيء قبل وقوعه أو أنذر به قبل أن يقضى أمره (كاهنا). فكانوا يلجأون إلى الكهنة لفض النزاع القائم بينهم في خصوماتهم أو عند إرادة السفر من مكان إلى مكان ليعرف الرجل منهم ما يصيبه في سفره من خير أو شر إلى غير ذلك مما هو من هذا الباب. وليس في كتاب من الكتب ما يدل على أن الكهان كانوا من رؤساء الدين أو أنهم كانوا قائمين بشرائع الجاهلية في شيء أبدًا. والكاهن عند العرب والعراف والمنجم من بابة واحدة مع اختلاف يسير يدل عليه اشتقاق هذه الألفاظ. فالأستاذ قد وقع في هذا الخلط بين معنى الكاهن عند العرب والرئيس الديني كما يسمونه من أنه إنما اعتمد في فهمه هذا على ما يرد في ألفاظ المترجمين الذين ترجموا كتب المستشرقين حين كتبوا عن تاريخ الشرق القديم كمصر والهند وآشور وغيرها، فإن هؤلاء المترجمين لم يجدوا في ألسنتهم كلمة يعبرون بها عن الرئيس الديني إلا قولهم (الكاهن). فهذا اللفظ عند الأستاذ هو كما ترى عامى لا عربي فهمه على عاميته لا على عربيته. بقى أن نذكر لقرائنا كلمة (الكاهن) التي وردت في القرآن ثم ننتقل بهم إلى معنى (سجع الكهان) موجزين في ذلك غير ناظرين إلى رأي الأستاذ فيما نقوله فإن المعنى العامي الذي فهمه من هذه الكلمة يجعل بيننا وبينه سدا محكما. فالذي ورد في القرآن آيتان إحداهما في سورة الطور وهي قوله تعالى لرسوله ﷺ -

стр. 828

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾. والأخرى في سورة الحاقة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ومن أسباب نزول هاتين الآيتين أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونَفَرٌ من قريش، وكان ذا سِنّ فيهم وقد حضر الموسم فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم فأجمعوا فيه رأيا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويردّ قول بعضكم بعضا. فقيل يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال: بل أنتم. فقالوا نقول مجنون! فقال ما هو بمجنون، ولقد رأيت الجنون وعرفناه فما هو بخَنْقَه ولا تَخالُجِه (١) ولا وَسْوسته، فَقُولوا أَسْمَعْ. فقالوا: نقول كاهن! فقال ما هو بكاهن، رأيت الكهّان فما هو بِزَمْزَمة (٢) الكهان. فقالوا: نقول شاعر. . . إلخ وسنعود بعد إلى تفسير هاتين الآيتين مع هذا الحديث. فذِكْر الكاهن في القرآن ليس مما يقيم لأستاذنا أبقاه الله حجة فيما يدعيه من أن هذا الاتهام مبني على ما رأوه من الشبه بين أسلوب كُهَّانهم وأسلوب السور الأولى من القرآن. وليتدبر الأستاذ هذا الموضع فضل تدبر فإنا لن نفسره له إلا بعد أن يقر بأوهامه التي ذكرناها ويقيننا أن القراء قد فهموا الآن موضع التفسير الصحيح لمسألة الكهانة. أما سجع الكهان فموجز الرأي فيه عندنا أنه هو طريقة الكهان في الإخبار بالغيوب ثم زَمْزَمَتُهم عليها ثم الاستعانة على إيقاع التأثير على السامع في زمزمتهم بالاتزان والتعديل الذي وضعوه لكلامهم. وفي هذه الكلمة الكفاية بعد، ونتم

стр. 829

قولنا عن الكهان وسجعهم مفصلا بعض التفصيل في المقال الآتى (١) مختصرين القول اختصارا لأن الرأي الذي نقضنا به أقوال علمائنا في فهم (سجع الكهان) كثير الأدلة، مبنى على تفسير دقيق لمعاني الألفاظ التي تداولها العلماء ولم يبينوا لنا وجهها بيانا شافيا.

стр. 830

ترجمة القرآن وكتاب البخاري كتب فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد السلام القبانى كلمتين عن ترجمة القرآن الأولى في بلاغ الثلاثاء (١) الماضي والأخرى في بلاغ الجمعة (٢) "أمس" ويقول الأستاذ في مقاله الأول "والذي كنت أعجب له أن المسألة لها باب خاص في أشهر كتاب إسلامي وهو البخاري عُقِد لبيان جواز (ترجمة) التوراة وغيرها من كتب الله إلى اللغة العربية (كذا) وغيرها في كتاب التوحيد وهو آخر كتاب في البخاري إذ قال -باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها لقول الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. . . إلخ﴾. وقد كان من فرح الأستاذ الجليل بهذا النص أن جعل كلامه تعجبا من الكتاب والعلماء الذين تعرضوا لمسألة الترجمة ولم يفطنوا إلى هذا النص ولا وقعوا عليه حتى بلغ به أن قال في آخر المقال الثاني "وإذا كان للأقلام أن تفخر بالعلم، والعلم خير ما يتنافس فيه، ويُفْتَخر به، فلهذا القلم أن يفتخر بانفراده باكتشاف هذا الدليل (العجيب) في المسألة من أن البخاري -وهو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى- وضع لهذه المسألة بابا خاصا. وذلك أن مئات من الناس العلماء وغيرهم كتبوا في هذه المسألة ولم يعثروا على هذا الباب من البخاري. وبعض كبار العلماء وضعوا رسائل فيها، بل العلماء المتقدمون لم يعثروا عليه أيضا، فللهِ الحمد والمنة. ولا نقول ذلك إلا فرحا بالعلم وسرورا به. فلا ينقمن علينا ذلك رجل سليم دواعى الصدر". ونحن نقول للأستاذ الجليل: هونًا فما بك الفخر. فدعوى الأستاذ أن أحدا لم يعثر على هذا الباب في البخاري ليس لها دليل البتة من وجه من وجوه القول، فإن هذا الباب المعقود في كتاب تدارسته الأجيال من منتصف القرن الثالث

стр. 831

للهجرة إلى يوم الناس هذا، ليس مما يخفي على أحد من العلماء أو أشباه العلماء من أمثالنا. ولكن الذين كانوا يتدارسون هذا الكتاب، ومن لا يزال يتدارسه لا يستطيعون أن يحرفوا الكلم عن مواضعه، ويخرجوا العربية من أوضاعها المقررة إلى الأوضاع المتخيلة، لذلك لم يدخلوا هذا الحديث في كلامهم حين ذكروا ترجمة القرآن، وتولجوا في الكلام عنه إباحة أو منعا. وإذا كان أستاذنا قد كشف شيئا لم يكشفه أحد قبله، وعثر على ما لم يسبقه إليه كاتب ولا عالم، فهذا الذي كشفه وعثر عليه شيء آخر غير هذا الباب المعقود في "أشهر كتاب إسلامي - وأصح كتاب بعد كتاب الله تعالى" كما قال الأستاذ. إذا كان للأستاذ أن يفتخر، ولقلمه أن يفتخر فليفتخر بأنه أول عالم قد اكتشف أن "الترجمة والتفسير" لفظان مترادفان في العربية ليس بين مفهومهما فرق البتة. فالإمام الجليل البخاري يقول "باب ما يجوز من (تفسير) التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها. . . ." وأستاذنا يقول أن البخاري قد "عقد بابا لبيان جواز (ترجمة) التوراة وغيرها من كتب الله إلى اللغة العربية (كذا) وغيرها" فاكتشاف الأستاذ الذي يفخر به هو أن الترجمة والتفسير بمعنى. ولكني أنا خاصة لا أطاوع على أن الترجمة والتفسير بمعنى، وإلا فليأتنا الأستاذ بالدليل على أنهما بمعنى واحد فإذا فعل سلمنا له بأن هذا الباب الذي ورد في كتاب البخاري إنما يراد به جواز الترجمة. ولا بأس من أن نُذكّر الأستاذ هنا أن الأئمة لم يختلفوا أبدا في جواز تفسير التوراة والإنجيل والقرآن بلغة من اللغات، ولا كان ذلك في كلامهم. وأرجو أن يعلم أستاذنا الجليل أنى رجل سليم دواعى الصدر، ليس بى عليه نقمة، ولا لي معه خلاف إلا على هذه المسألة بعينها، أن الترجمة والتفسير بمعنى واحد، وأن البخاري لم يرد إلا التفسير، ولم يرد في كلامه، ولا في الحديث الذي رواه في هذا الباب أو غيره دليل واحد فيه ذكر ترجمة شيء من الكتب المنزلة ولسنا نريد أن ننافس الأستاذ في العلمِ ولا أن نفخر به، بل نريد أن نتعلم، ويقول رسول الله ﷺ "من كتم علما يُنْتَفع به جاء يوم القيامة مُلْجَما بلجام من نار".

стр. 832

ترجمة القرآن في صحيح البخاري قلنا لفضيلة الأستاذ الجليل محمد عبد السلام القبانى حين فخر بأنه اكتشف في صحيح البخاري نصا في مسألة ترجمة كتب الله المنزلة على عباده ورسله: (إذا كان للأستاذ أن يفتخر، ولقلمه أن يفتخر، فليفتخر بأنه أول عالم اكتشف أن "الترجمة والتفسير" لفظان مترادفان في العربية ليس بين مفهومهما فرق البتة)، ثم قلت -ولا أزال أقول- أننى أنا خاصة لا أطاوع على أنهما بمعنى واحد. فغضب الأستاذ لذلك غضبة الأسد الجريح إذا حملته الجراحة فأعمل في عدوه الناب والظفر. وأنا يعجبنى من الرجال من يغضب لحقه في القول أو غيره. ولا أضيق به صدرا ولا أتبرم. ولكن الأستاذ حفظه الله في غضبه لم يبال أن يصب عليَّ نهرا من البلاغ. ما كنت أحسب أنه يستطيع أن يصبه عليَّ، . . . وبعد فإن الأستاذ يقول إن البخاري "عقد الباب للترجمة، وساق الأدلة، ولم يفهم الشراح إلا أنه للترجمة، ولا يمكن إنسانا كائنًا من كان أن يفهم إلا أنه للترجمة وفي الترجمة، وليس معنى كلمة تفسير حينما تضاف لشيء بلغة إلا ترجمته إلى تلك اللغة الأخرى، فمن الذي حرف كلم الناس عن مواضعه لأجل أن ينقدهم ثم يشتط في نقدهم؟ وأي جملة في كلامي تقول أن التفسير من حيث هو مرادف للترجمة، حتى تبنى المقالة كلها على هذا التوهم! ! ". وأنا مضطر أيضا هنا أن أسجل للأستاذ الجليل اكتشافا ثانيًا لم يفطن إليه أحد من قبله، وهو أن كلمة (التفسير) إذا أضيفت إلى شيء بلغة كان معناها ترجمة هذا الشيء من تلك اللغة إلى اللغة الأخرى، وهذا اكتشاف جدير بالتقدير، فهو زيادة في ثروة اللغة أولا، ثم هو أصل في قاعدة جليلة ينبغي للمجمع اللغوى أن

стр. 833

يدرسها، فإن في تطبيقها والتوسع فيها إنقاذًا للعربية من الضيق وقلة المادة. وإذا صحت هذه القاعدة التي ذكرها الأستاذ، فأنا ولا شك قد أسأت إليه أبلغ الإساءة وعليَّ أن أعتذر إليه جهدى، وإن أبذل إليه العُتْبَى حتى يرضى. فهذه القاعدة هي التي "تزيل الإشكال" وتجعل كلامي الأول تحريفا لكلمه عن مواضعه، وبناء قائما على توهم ليس فيه من الحق شيء، ومع اعترافي بأنى كنت أجهل هذه القاعدة حين كتبت مقالى الأول، فإني لا أزال في شك من أمرها ولا أستطيع أن أقر الأستاذ عليها ولا أطاوعه فيها فالإشكال لا يزال عندي قائما. ولا يغضبن الأستاذ مرة أخرى إذا اضطررنا أن نقول له أن الترجمة من حيث هي كما يقول لا ترادف التفسير من حيث هو، وليست من بابه، ولا لها به صلة. وتأويل ذلك أن الترجمة في أصلها "نقل" الكلام من لغة إلى لغة، وللترجمة شروط ودقائق يعرفها من مارسها وأخذ نفسه بها، والتفسير هو بيان معاني الكلام تفصيلا في اللغة الواحدة. هذا هو الأصل. ويحسن بى أن أضرب لفضيلة الأستاذ مثلا يقرب إليه فصل ما بين الكلامين. فلو أنى قلت للأستاذ أنى ترجمت قصيدة من شعر شكسبير من الإنجليزية إلى العربية، فمعنى ذلك أنى قرأت هذه القصيدة وتدبرتها وفهمت معانيها، وجهدت في استبطان نفس الشاعر في كلامه ومراميه، ثم هضمت ذلك كله، وجئت بلسانى العربي، فحاولت أن أنقل الى القارئ العربي الأديب شعر هذا الرجل في ثوب عربي لا يزيد ولا ينقص عن ثوبه الإنجليزي مجتهدا في أن أحمل اللفظ العربي روح الشاعر ونفسه ومقدرته على التأثير في نفس قارئه أو سامعه، غير مخل في ذلك بمعنى شعره أو معانيه مقابلا اللفظ الإنجليزي المحكم البليغ، الذي تتسع معانيه على قدر اتساع الأفهام، واختلاف الأحوال بلفظ عربي موجز مثله محكم بليغ تتسع معانيه وتختلف، بشرط أن لا يكون في عبارتى ما يخرج بالقارئ العربي إلى فهم معنى لا يحتمل أن يفهم من عبارة الشاعر الإنجليزي. هذه واحدة. فإذا قلت للأستاذ أنى فسرت قصيدة من شعر امرئ القيس فمعنى ذلك أنى قرأت هذه القصيدة وتدبرتها، وفهمت معانيها، وجهدت في

стр. 834

استبطان نفس الشاعر في كلامه ومراميه، ثم هضمت ذلك كله، وجئت بلسانى العربي، فحاولت أن (أبين) للقارئ العربي الأديب معاني شعر هذا الرجل في ثوب عربي آخر يزيد على لفظه العربي الأول، مفصلا في ذلك مراميه كلها في شعره (أو بعضها)، كاشفا الغطاء عن أغراضه في شعره هذا، مبينا عن المشكل الذي تختلف فيه الأفهام محددا وجوه الاختلاف، ثم مرجحا لبعض المعاني على بعض. . . إلى آخر ما يكون في ذلك. فالأصل في الترجمة والتفسير كما يرى الأستاذ مختلف، والموضوع متباين والقواعد متباعدة غير متفقة، فكيف يصح في ذهن الأستاذ بعد هذا أن كلمة (تفسير) حينما تضاف لشيء بلغة إن هي إلا (ترجمته) إلى تلك اللغة الأخرى؟ ! وكيف يأتي هذا المعنى الجديد الذي كشفه الأستاذ على وجه مرضى عند إنسان يفهم (كما قال الأستاذ في مقاله)؟ وليتدبر الأستاذ هذا الباب فضل تدبر فإن الفصل بين معنى الترجمة والتفسير لابد منه لمن أراد أن يتناول كلام الأئمة رضوان الله عليهم، وبخاصة من كان كتابه أصلا من الأصول العظيمة في دين الله. وأزيد الأستاذ كلمة أخرى في ذلك فلو أنى قلت له إني فسرت قصيدة من قصائد شكسبير بالعربية، فليس يقع في وهم إنسان (كائنا من كان! ! ) أنى ترجمتها، فإذا لم يصدقنى الأستاذ في ذلك فليسأل، فإنه واجد من يقول له أن ثم فرقا كبيرا بين قولنا "ترجمت قصيدة فلان الإنجليزية إلى العربية" و"فسرت قصيدة فلان الإنجليزية بالعربية" .. فإذا فرغ أستاذنا من سؤاله عن ذلك، فسيعلم أننا لم نحرف كلام الناس عن مواضعه "لأجل أن نشتط في نقدهم"، وأننا لسنا ممن يبني "كلامه على التوهم". وأعود فأقول مرة أخرى للأستاذ خشية أن يكون فاته ذلك في مقالى الأول "أنى رجل سليم دواعى الصدر، ليس لي عليه نقمة، ولا لي معه خلاف إلا على هذه المسألة بعينها من أن الترجمة والتفسير بمعنى واحد، وأن البخاري لم يرد إلا التفسير ولم يرد في كلامه، ولا في الحديث الذي رواه في هذا الباب أو غيره دليل واحد فيه ذكر ترجمة شيء من الكتب المنزلة". أما ما نقله الأستاذ من

стр. 835

كتب شراح البخاري حين شرحوا هذا الباب منه، وما في ذلك من ذكر الترجمة، والصلاة بالفارسية أو غيرها، وجواز قراءة القرآن بغير العربية، فلسنا نكذبه في نقله. وليست هذه النقول التي نقلها مما بعد عنا، فإن الكتب -وبخاصة المطبوع منها- مبذولة لكل قارئ. ونحن نعلم أن ابن حجر قد استوفي الكلام في هذا الموضع من كتابه وفي هذا الباب من صحيح البخاري، ولكن أيظن الأستاذ أن ذكرهم الترجمة في هذا الموضع دليل على أن قول البخاري "باب ما يجوز من تفسير التوراة. . . إلخ" معناه "باب ما يجوز من ترجمة التوراة .. إلخ"؟ كلا يا سيدى الأستاذ، فإن ابن حجر وغيره كان أحرص على علمه من أن يتقحم على العربية فيقلب وجهها. انظر كيف حرص ابن حجر حين شرح نص كلام البخاري فقال "والحاصل أن الذي بالعربية مثلا يجوز (التعبير عنه) بالعبرانية وبالعكس". وكرر ذكر (التعبير) ولو أنه كان قد صح عنده أن البخاري عني بالتفسير الترجمة لما ذكر غيرها، ولا أدري .. لعل عذر ابن حجر كان هو عذرنا إذ لم يكن يعرف قاعدة الأستاذ في أن كلمة التفسير إذا أضيفت لشيء بلغة فما هي إلا ترجمته إلى تلك اللغة الأخرى! ! أما ذكرهم في هذا الموضع بعينه قراءة القرآن بالفارسية أو الصلاة بالفارسية وترجمة القرآن أو ما يشاءون فليس لأن البخاري جعل هذا الباب لذلك، بل لأن هذه المسائل من مسائل الفقه مما استدل فيها الفقهاء بهذه الأحاديث على مذاهبهم، وفرق بين أن يكون البخاري عقد الباب من أجل ذلك وبين أن الفقهاء استدلوا بما في هذا الباب على مذاهبهم. ولو رجع أستاذنا فقرأ شرح ابن حجر لوجد صواب الرأي، والله الهادى إلى سواء السبيل، فإذا أشكل عليه المذهب، فليسألنا غير متجانف، فإذا فعل شفينا صدره من ذلك بجوابنا. هذا، وقد نصحنى الأستاذ في أول كلامه بنصائح غالية كقوله "وكنت أود أن يتروى (يعني كاتب هذه الكلمات) قليلا قبل أن ينشر، أو أن يعرض هذه الكلمة على فضيلة الأستاذ أخيه أو والده الأجل قبل نشرها"، وكقوله "لو تروى قليلا أو شارك (أي إنسان) في فهم ما ينقده لما وجده موضع نقد". وأنا أعترف

стр. 836

للأستاذ أننى (ترويت قليلا) ولكني آسف أشد الأسف وأَبْلَغَه وأمضَّه أنى لم أستطع أن أعرض هذه الكلمة على فضيلة الأستاذ أخي أو والدى الأجل قبل نشرها، وآسف أيضا أشد الأسف وأَبْلَغه وأمضَّه إذ لم أجد (أي إنسان) أشاركه في فهم ما أنقده. . . ويقول الله تعالى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 837

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ساعة فاصلة في تاريخ الإنسان، حين يرمى تحت قدميه كل وساوس الشيطان متجردًا لله، مجاهدًا يعمل ويكد وينطلق، لا يردّه فزع، ولا يكبح جماحه وَجَلٌ. ساعة فاصلة ينصرم من ورائها عمر قد أدبر، ويمتد أمامها أجل يستقبل، والحياة بينهما شاخصة تنظر عمل الحي في أسباب حياته. في هذه الساعة أضع بين يدىّ أشياء عزيرة كنت أضن بها دون الناس جميعًا، ثم أرسل إليها بصري مؤملا يرجو أن يفوز، مشفقًا يخشى أن يحبط عمله. لقد عشت ما عشت، وجربت ما جربت، ثم بقيت صامتًا أو كالصامت. فالآن حين أبدأ أعرض نفسي على الناس في كل أسبوع أو أسبوعين، أرانى متكلما أبدًا: إن سكت القلم بقي عملي من أمامى يتكلم. فأنا -ما بقيت- محاسب بالكلمة يقولها، والعدة يعدها، والتدبير يسوسه، والعمل يعمله؛ ورب واحدة تخفض مني ما كنت أرجو أن أرتفع ببعض أسبابه. لقد انتزعت نفسي من بين أحبابى وأصحابى، وصرت رجلا لكل امرئ فيه حق، وعليه في كل ما هو بسبيله تَبِعة، ولكل يد في عنقه مِنَّة أو دين، ولديه أمانة هو مؤدّيها على الرضى كما يؤدّيها على الكره، فإن خاس أو خان أو أمسك هلك -ولا هلك سواه- وكان من الخاسرين.

стр. 838

لقد انتزعت نفسي من بين أحبابى وأصحابى، ولزمنى أن أبطل -في هذا العمل الصحفي- معنى العداوة والصداقة في جانب من قلبي، إذ ليس أقتل لعمل الصحافي من تحكم العداوة ومحاباة الصداقة. ولئن كنت قد خسرت لذة إيثار الصديق، فأحسبنى سوف أربح جمال إيثار الحق والعدل من طريق المساواة في المحبة. وكأيّ من لذة تعدل لذة القدرة على إنصاف عدوك من نفسك حين يكون مع الحق، أو كان الحق معه! ! إن هذا العمل الذي أقدم عليه يكاد يشعرنى بعض الفكر فيه بدبيب الشيب وهو يصَّاعد بين القلب والشعر، ويكاد يحملنى بعض هذا الفكر على حالة من أريحية الصبا وعنفوان الشباب، أتدفق بهما في نفسي تدفق السيل تحت صعقات الرعد، وخفقات البروق؛ وانقضاض الرياح العواصف بين مخارم الأودية وأفواه الفجاج. أما دبيب الشيب: فمن هول المطلع، حين أُغمض عيني على هدأة وأرمى ببصيرتى فأرى ليلا مظلمًا قد أطبق على هذه الشعوب العربية والإسلامية والشرقية، وأرى من ورائها دنيا تموج وتضطرب، وتضئ وتخبو، وتسمو وتتضع، وتأخذ وتدع. . . توشك أن تلتهم الشرق كله، فينتاشنى (١) الهم من نواحي نفسي، ويتداخلنى الرعب والفزع واليأس أو يكاد. كيف. . .! كيف نستنقذ مجدنا وتاريخنا وأرواحنا وذرارينا من بعدنا، وأنّى المسلك؟ إن أحدنا ليضربه العجز عن ضبط ما يتبدد على أفكاره من خطرات الرأي التي يريد نفسه وأمته على العمل بها لينقذ روحه من الهلاك، ومجده من التهدم، وذريته من إرث السوء وتركات الشر. وأما عنفوان الشباب: فحين أمد طرفي إلى مجد آبائى وأجدادى، وهم يهبّون من بواديهم في غبارها، ثم لا يلبثون إلا قليلا فيملأون الدنيا حضارة تلوح

стр. 839

في بدئها كتباشير الفجر، ثم تتفجر بشموسها وأنوارها حتى تضئ من جنبات الأرض كل مظلمة داجية، فثَمّ الأسوة. إن المجد الغابر ينادينا من وراء السنين والأجيال: لابد. لابد! ! فهل ييأس من يريد أن يحيى؟ إن الصخرة العظيمة المعترضة سبيل الظمآن إلى الماء تقول له: إما أن تحطمنى، وإما أن تموت، فأين الخيرة .. ؟ لقد أعتقد أن إرادة الرجل إذا تعلقت بالله، وأمَّلت في الله، وعملت لله لم يبق أمامها إلا ما يلين أو يتقصف أو يتهدم أو يستقيم. لقد تعلمت أن لا أيأس، وقد بالغت الحوادث والأيام في تكوين بعض ما في نفسي حتى ما أكاد أعرف كيف أفرح لنجاح أصيبه وأدركه. لقد سُلبتُ أشياء كثيرة، وحُرِمت أشياء كثيرة، ثم وجدت أشياء كثيرة، فعرفت مما حُرِمت ومما وجدت خيرًا كثيرًا أرجو أن أنفع الناس به بإذن الله؛ فإن فزت فبإذنه وله الحمد في الأولى والآخرة، وذلك أملى في الله وهو على كل شيء قدير.

стр. 840

من أين؟ وإلى أين ؟ في هذه العاصفة الهوجاء التي تجتاح الدنيا، والشرق أول ما تجتاح في تهجمها وانقضاضها، أجترئُ فأصدرُ "العصور" محتملا في سبيل ذلك ما يهدّ وما يفزع وما يغتال، وبالله أستعين، وله أتوجه، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. إن بعث مجلة "العصور" التي كان يقع على تحريرها، ويتولى إصدارها صديقي إسماعيل مظهر، عمل قد نصبت نفسي له، وفرغت من كل شيء في سبيل تحقيقه. لقد كان مما يسعنى أن أصدر مجلة أخرى باسم آخر، وأنهج لها عين المنهج الذي أريده الآن "للعصور". ولكن تاريخًا قديما ينبعث من بعض نواحي القلب يدفعنى إلى أن لا أختار إلا ما اخترت. "فالعصور" الأولى التي كان يقوم بأمرها إسماعيل، إنما كانت ثمرة مبدأ اعتقده صاحبه واستمسك به، وخفَّ له، ونافح دونه، ورمى به إلى غرض. وفي الطريق إلى غرضه، أصاب إسماعيل وأخطأ، وأحسن وأساء، وأثار إلى نفسه من يحب ومن يبغض، واحتقب (١) في ذلك شرًا كثيرًا وأصاب بعض الخير. لقد ميز "العصور" الأولى عن سائر ما كنت رأيته من المجلات أن صاحبها أنشأها لمبدأ تقوم عليه وتعمل به، واستمر يلاقى في سبيله ما يلاقى من شر نفسه وشر الناس، حتى اندفعت به الحوادث إلى مصائبها ونكباتها فصرف وجهه اضطرارًا، وفاء إلى سكتة ظاهرة، يعمل من ورائها قلب مشبوب. إن الشركة بيني وبين إسماعيل في أصل المبدأ الذي قامت عليه "العصور" الأولى، هو الذي جعلني أتجاوز ابتداء مجلة إلى بعث مجلة، وأيضًا. . . لقد عملت "العصور" عملا لا ينكر أثره في الفكر العربي الحديث، وسواء علينا

стр. 841

أكان هذا الأثر مما نرضى عنه أُم كنا نعارض فيه ونقف دونه، ونخالف على صحته أو بطلانه. وعقيدتى أن حقيقة الحياة هي المبدأ والإيمانُ به، وبغيرهما ينقلب الإنسان آلةً عاملة لا يعرف معنى الإيجاد والإِبداع والمقاومة، والنزُوع العقليِّ والروحيِّ إلى المعاني السامية والفضائل العلْوية. وكذلك يفقد الإِنسان الحياة، وكذلك يضيع التراث الإنسانيّ الذي جاهدت أجيال البشر الغابرة في سبيله، بما وهبت من قوة، وما أُعِينَت به من وسيلة. إن صحة المبدأ وحدها كفيلة بإحداث أعظم الآثار في تاريخ العقل الإنسانيّ، وأما الإيمان بهذا المبدأ، فهو إعطاء العقل قوة التدبير ليخرج حقائقه وأمانيه إخراجًا عمليًا في الحياة. لقد كان المبدأ الأول "للعصور" هو حرية الفكر، وصراحةُ الضمير، وإخلاصٌ للوطن والعلم والأدب. هذا هو المبدأ، وقد آمن به "إسماعيل" إيمان الشباب المتوقّد، فاندفع به الرأيُ في مجاهله فاهتدى وضل، وأضاع نفسه ووجدها. . . لم يبق على حالة يستقر عندها استقرار الحكمة الرزينة. الرجل الحر، هذا هو مبدئى ومبدأ أصحابى. الرجل الحر أي الفكر الحر الذي يبلغ من حريته، واتساع آفاقه، وبُعد مداه، وتراميه إلى الغايات البعيدة وتساميه إلى الأجواء العلوية - أن يعرف أن للحرية قيودًا كثيرة، وأن الجاهل المغرور هو الذي يظنها انطلاقا من القيد، وخروجًا من التقاليد، وتحللا من إصر الأخلاق وأغلال الشرائع. إن النفس (البُغاثية) (١) إذا انطلقت -في ضعفها وفتورها- بين حدائق الرأي وغاباته أذهلها سعة ما ترى من الأرض الخضراء المثمرة المُظلة، وخُيل إليها أن الدنيا كلها امتداد لما ترى ينبسط على نهج واحد. ولكنَّ نفس (النسر) الأجدل تنطلق لترى الغاب وما وراء الغاب، فترى كيف ينتهي إلى قفر يحدُّه بجَدْبه وظمأه وفقره وإعدامه، ثم يصده بجبال رواس شامخات الذُّرى، مظلمات

стр. 842

النواحي، مضلات المخارم (١)، فتختلف المعالم باختلاف الحدود. أما الشيء الذي لا حد له، فهو شيء "يستحيل وجوده في هذه الدنيا، فلا جرم أن تكون الحرية شيئا كسائر الأشياء محدودًا بحدوده. إني أومن بالحرية، وأومن بقدرة الرجل الحر على الإتيان بالمعجزة حين تتم فيه آية الحرية، فلذلك لا يسعنى حين أبدأ هذا العمل إلا أن أقول بملء نفسي لمن يسمع: "من ههنا أبدأ"، من ههنا أبدأ لا لنفسي ولكن للناس. إن هذه كلمة شاملة لا يكون تفصيلها إلا عملا في كل موضع عمل. إن العمل الصحافي ليقتضينى أشياء كنت بمنجاة منها، وكان أحب إلى أن أفرغ لما كنت فيه من عمل، ولكني أشد حبًا لهذا التراث العربي الإسلامي العظيم من أن أدعه في يد من لا يقوم عليه كقيامى عليه. إن هذا التراث الإِسلامي ليس وحده ما خلف آبائى من دين وعلم وأدب وآثار، بل إن أعظم التراث وخيره وأروعه هو هذه النفوس التي انحدرت معنا إلى هذا العصر من أجيال القوة الحرة المستحصدة (٢) العادلة. إن هذه النفوس التي نحيا بها هي التي تطالبنا -من تحت الأدران التي غشيتها- بالعمل من أجلها وفي سبيلها لإنقاذها من التعفن والبلى، ثم لردها إلى حياة هذا العصر لتثبت أنها لا تزال نفوسًا يجب أن توصف بالحياة. هذه فلسطين الصغيرة المجاهدة المظلومة التي تحيط بها الأفاعى الذهبية من كنوز اليهود تثبت للعالم كله أن (الرجل) في العربي لم يمت بعد، وأنه حين يستيقظ في داخله تستيقظ معه كل الفضائل والأخلاق والتقاليد العربية التي تتوهج تحت شمس البادية المقفرة. . . تتوهج كالذهب حيث يفقد الذهب قيمته المدنية. هذا العربي حين يحارب، ولكن أين العربي العالم العامل المخلص الدؤوب الذي لا يفتر. إننى وأصحابى ممن أكرمونى بصحبتهم، ومن يكرمنى بعد

стр. 843

بصداقته، سوف نرصد قوانا كلها لإيقاظ الفكر العربي والإسلامي في مصر والحجاز والشام والعراق والمغرب وسائر بلاد العربية والإسلام. إن هذا الفكر إذا جدد تاريخه القديم وبدأ بدءه أثبت هو الآخرُ أن (العاقل) في العربي إذا انتبه، انتبهت فيه كل الحقائق العادلة في الحياة العقلية والاجتماعية، وكل الأحلام الجميلة الوديعة التي تتندّى على النفس العاملة المجهدة بالراحة والسكينة. * * * إني أكتب كلمتى هذه من هذا المكان، وقد انبسطت تحت عينيّ خريطة رقعة من الأرض ما بين المشرق والمغرب، أهلها إما عرب قد انحدروا سلالة أمة تاريخية قد حازت من المجد كل غال وكريم، وإما مسلمون من غير العرب قد اندمجوا في العرب بإسلامهم فكانوا منهم واستبقوا خيرات المجد العربيّ، وأعانوا على إبداع الحضارة العربية الإِسلامية بقلوبهم وأيديهم وعقولهم غير مقصرين ولا متخاذلين. إن هذه الرقعة من أرض الله كانت يومًا ما نبراس العقل والعلم والحضارة، بل كانت منبعَ الفيضِ الإنسانيِّ السامى المتفوّق، بل كانت مَعبدَ الرحمة والعدل والحق، والسموّ بالطبيعة الإِنسانية إلى عنان السماء المشرقة بفضائلها وأخلاقها. كانت كذلك حين كانت القوة في هذه الشعوب ميراثًا لا يضيعه وارثٌ من وَرَثته، فلما رمينا بحب الخمول والكسل انفلتت أسباب القوة من أيدينا، وانفتل كل خير، وكل مجد، وكل فكر سام، إلى من يستطيع أن يحوزه ويحرص عليه ويقوم على تربيته ليربو بين يديه. القوة، القوة .. إنها الفضيلة الأولى في حياة الإنسان الحي، القوة. . . إنها عصب الحرية الكاملة التي تعمل بنقائها لتطهير الحياة البشرية من أدران الذل القذر الذي يجعل الحياة جيفة منتنة على الأرض. إن هذا الطاعون الوبئ الذي انتشر في الشرق، وفي الشرق العربي والإِسلامى خاصة، طاعون الضعف، قد فتّ كل خير فينا وأحاله إلى فساد، فاختلفت الأنظار إلينا هازئة ساخرة بنا .. كلا .. بل هازئة ساخرة بالمجد

стр. 844

المخلف من عصور آبائنا الأمجاد. . . كلا، كلا، بل اختلفت أنظارنا (نحن) إلى هذا الميراث النبيل بالهزء والسخرية والاحتقار، فصارت الناشئة منا إلى ازدراء ما ورثنا من علم وفن وأدب ودين، وشريعة اجتماعية، وفضيلة أخلاقية، واندفعت إلى ما بهر أبصارها من مدنيات الأمم، وارحمتاه لنا. . . إن الضعف قد أيقظ في الإِنسان الشرقي الطبيعة المنتكسة، الطبيعة (القردية)، طبيعة التقليد على غير هدى في بصيرة النفس، والفرح بغير انبساط في حرية العقل، والفكر بغير تأمل في عواطف القلب، والعمل بغير ضابط من قلب أو عقل أو بصيرة. وأي خير يرجى لمثل هذا الإِنسان الذي لا تحركه إلا أدنأ الطبائع، وأحطها مرتبة عن الإِنسانية العالية السامية التي يجب أن تتفوق في الإِنسان المهذب على الإنسان الوحشى المريض فيه. أكتب هذه الكلمة، وأنا أعلم أن عمل الصحافة اليوم قد خرج عن أن يكون مقالا أدبيًّا يكتبه أديب متمكن، أو قطعة فنية يصورها فنان مبدع، أو قصيدة درية تتلألأ على الذرى العالية، ليسمو الشاعر برواته وقرائه إلى أحلامها الجميلة الرائعة، تحفها أناشيد النفوس الرقيقة التي عذبها الأسر في السجن الآدمى المسمى بالجسد، إني أعلم، وأعلم أن الحياة المدنية الحاضرة قد اقتسرت الناس على خطة مالية لا يعرف فيها ما قال فلان، ولكن، ما ملك فلان؟ إني أعلم، وأعلم أن الجمهور قد اعتنقته هذه الحياة إلى طريقة هازئة ساخرة فهو لا يقدر إلا ما يجد له لذة طارئة تهز النفس هزتها الأرضية. . . وما يبالى بعدُ باللذة الخالدة التي تبقي حلاوتها في النفس بالتأمل، وفي العقل بالتفكير الحر، وفي القلب بالعاطفة المتفجرة التي تملأ إنسانية الإِنسان عذوبة وريًّا، ثم حنانًا ورحمة. إني أعلم هذا. . . ولكني أعلم أيضًا أن الصحافة الأدبية الشرقية قد اندفعت في طريق ليس لها أن تسلكه، أو تصر على المسير فيه. إن هذه الصحافة قد بلغ بعضها فيما بلغ مرتبة أعظم الصحافة في العالم، ولكني أجد الحق والعدل أكرم عندي من صداقة الأصدقاء. إني أجل كل عمل، وأقدر كل عامل، ولكني أجل أمتى وتاريخى، وأقدرهما بما يفوق كل عمل وكل عامل. . . إن صحافتنا التي

стр. 845

اتخذنا أساسها من أسس الصحافة الغربية، لا تنفعنا ولا تجدى علينا إلا بقدر لا يكفي ما نطالب به ونجاهد له. إن هذه الأمم التي أخذنا عنها، واهتدينا بها، وشرعنا على منهاجها. . . أمم قد بلغت شعوبها من مرتبة الحرية والقوة ما أوحى إلى صحافتها بالنهج الذي يجب أن تنهجه في تتبع إرادات الشعب، واستغلال أهوائه وشهواته لمصلحتها ثم للذته. فلذلك كانت هذه الصحافة متعة المستمتع، وكان فيها لذة الضعيف ولذة القوى معًا، وكان فيها ما ينفع وما يضر، ما يهدم وما يبنى. . . لأن استفحال القوة وامتلاء النفس والعصب والروح والقلب بآثارها وأصولها، لا يجعل الشعور بما يضعف أو يضر أو يهدم شعورًا تاما يوقظ النزاع لمقاومة هذه العوامل الهدامة ودرء آثارها، وأيضًا لأن القوة تحمل على البغي، وتجعل الاعتقاد فيها والإِيمان بها نفيًا للمبالاة والاكتراث من نفس الإِنسان القوى. أما نحن فإن السبيل علينا مختلف، والغرض الذي من أجله ننشيء الصحافة جد مباين لأغراض الصحافة الأوروبية. إن صحافتنا صحافة شعوب ضعيفة خاملة متهدمة، شعوب قد فقدت فضيلة القوة وكل أسبابها العاملة، وافتقدت نور الحرية النبيلة المترفعة على الشهوات، وبذلك صار من حقها على الصحفي أن ينظر نظرة متأملة متعمقة نافذة شاملة، لينهج لها النهج القويم الذي يرد إليها ما فقدت، ويوجدها ما افتقدت؛ ويعمل لها عمل الأب الرحيم لولده الضعيف حتى يشب ويستحكم. وأنا حين فكرت في بعث "العصور" واحتمال تكاليف الحياة الصحفية، لم أُلْقِ كثير بال إلى مشقة المال وهو أصل في قوة الصحافة، ولا في النصب الذي يهد الجسد لأن الروح يجب أن تبقى مستعلية بشبابها على عجز البدن، ولا في الآلام التي سأحملها في كل شيء، لأن الآلام هي التي تجدد عزم الإنسان، وتدفعه إذا عرف كيف يحتملها مبتسما راضيًا. لم أفكر في هذا ولم ألق بالى إليه، وإنما فكرت في المبدأ الذي يجب على أن أحدده لنفسي تحديد الذي يريد أن يشرع في عمل ينتظم، وفي الغرض الذي يجب أن أسدد إليه كل سهم من سهامى في هذا العمل.
следующие страницы →