أكان هذا الأثر مما نرضى عنه أُم كنا نعارض فيه ونقف دونه، ونخالف على صحته أو بطلانه. وعقيدتى أن حقيقة الحياة هي المبدأ والإيمانُ به، وبغيرهما ينقلب الإنسان آلةً عاملة لا يعرف معنى الإيجاد والإِبداع والمقاومة، والنزُوع العقليِّ والروحيِّ إلى المعاني السامية والفضائل العلْوية. وكذلك يفقد الإِنسان الحياة، وكذلك يضيع التراث الإنسانيّ الذي جاهدت أجيال البشر الغابرة في سبيله، بما وهبت من قوة، وما أُعِينَت به من وسيلة. إن صحة المبدأ وحدها كفيلة بإحداث أعظم الآثار في تاريخ العقل الإنسانيّ، وأما الإيمان بهذا المبدأ، فهو إعطاء العقل قوة التدبير ليخرج حقائقه وأمانيه إخراجًا عمليًا في الحياة.
لقد كان المبدأ الأول "للعصور" هو حرية الفكر، وصراحةُ الضمير، وإخلاصٌ للوطن والعلم والأدب. هذا هو المبدأ، وقد آمن به "إسماعيل" إيمان الشباب المتوقّد، فاندفع به الرأيُ في مجاهله فاهتدى وضل، وأضاع نفسه ووجدها. . . لم يبق على حالة يستقر عندها استقرار الحكمة الرزينة.
الرجل الحر، هذا هو مبدئى ومبدأ أصحابى. الرجل الحر أي الفكر الحر الذي يبلغ من حريته، واتساع آفاقه، وبُعد مداه، وتراميه إلى الغايات البعيدة وتساميه إلى الأجواء العلوية - أن يعرف أن للحرية قيودًا كثيرة، وأن الجاهل المغرور هو الذي يظنها انطلاقا من القيد، وخروجًا من التقاليد، وتحللا من إصر الأخلاق وأغلال الشرائع.
إن النفس (البُغاثية) (١) إذا انطلقت -في ضعفها وفتورها- بين حدائق الرأي وغاباته أذهلها سعة ما ترى من الأرض الخضراء المثمرة المُظلة، وخُيل إليها أن الدنيا كلها امتداد لما ترى ينبسط على نهج واحد. ولكنَّ نفس (النسر) الأجدل تنطلق لترى الغاب وما وراء الغاب، فترى كيف ينتهي إلى قفر يحدُّه بجَدْبه وظمأه وفقره وإعدامه، ثم يصده بجبال رواس شامخات الذُّرى، مظلمات
стр. 842
النواحي، مضلات المخارم (١)، فتختلف المعالم باختلاف الحدود. أما الشيء الذي لا حد له، فهو شيء "يستحيل وجوده في هذه الدنيا، فلا جرم أن تكون الحرية شيئا كسائر الأشياء محدودًا بحدوده.
إني أومن بالحرية، وأومن بقدرة الرجل الحر على الإتيان بالمعجزة حين تتم فيه آية الحرية، فلذلك لا يسعنى حين أبدأ هذا العمل إلا أن أقول بملء نفسي لمن يسمع: "من ههنا أبدأ"، من ههنا أبدأ لا لنفسي ولكن للناس. إن هذه كلمة شاملة لا يكون تفصيلها إلا عملا في كل موضع عمل.
إن العمل الصحافي ليقتضينى أشياء كنت بمنجاة منها، وكان أحب إلى أن أفرغ لما كنت فيه من عمل، ولكني أشد حبًا لهذا التراث العربي الإسلامي العظيم من أن أدعه في يد من لا يقوم عليه كقيامى عليه. إن هذا التراث الإِسلامي ليس وحده ما خلف آبائى من دين وعلم وأدب وآثار، بل إن أعظم التراث وخيره وأروعه هو هذه النفوس التي انحدرت معنا إلى هذا العصر من أجيال القوة الحرة المستحصدة (٢) العادلة. إن هذه النفوس التي نحيا بها هي التي تطالبنا -من تحت الأدران التي غشيتها- بالعمل من أجلها وفي سبيلها لإنقاذها من التعفن والبلى، ثم لردها إلى حياة هذا العصر لتثبت أنها لا تزال نفوسًا يجب أن توصف بالحياة.
هذه فلسطين الصغيرة المجاهدة المظلومة التي تحيط بها الأفاعى الذهبية من كنوز اليهود تثبت للعالم كله أن (الرجل) في العربي لم يمت بعد، وأنه حين يستيقظ في داخله تستيقظ معه كل الفضائل والأخلاق والتقاليد العربية التي تتوهج تحت شمس البادية المقفرة. . . تتوهج كالذهب حيث يفقد الذهب قيمته المدنية. هذا العربي حين يحارب، ولكن أين العربي العالم العامل المخلص الدؤوب الذي لا يفتر. إننى وأصحابى ممن أكرمونى بصحبتهم، ومن يكرمنى بعد
стр. 843
بصداقته، سوف نرصد قوانا كلها لإيقاظ الفكر العربي والإسلامي في مصر والحجاز والشام والعراق والمغرب وسائر بلاد العربية والإسلام. إن هذا الفكر إذا جدد تاريخه القديم وبدأ بدءه أثبت هو الآخرُ أن (العاقل) في العربي إذا انتبه، انتبهت فيه كل الحقائق العادلة في الحياة العقلية والاجتماعية، وكل الأحلام الجميلة الوديعة التي تتندّى على النفس العاملة المجهدة بالراحة والسكينة.
* * *
إني أكتب كلمتى هذه من هذا المكان، وقد انبسطت تحت عينيّ خريطة رقعة من الأرض ما بين المشرق والمغرب، أهلها إما عرب قد انحدروا سلالة أمة تاريخية قد حازت من المجد كل غال وكريم، وإما مسلمون من غير العرب قد اندمجوا في العرب بإسلامهم فكانوا منهم واستبقوا خيرات المجد العربيّ، وأعانوا على إبداع الحضارة العربية الإِسلامية بقلوبهم وأيديهم وعقولهم غير مقصرين ولا متخاذلين.
إن هذه الرقعة من أرض الله كانت يومًا ما نبراس العقل والعلم والحضارة، بل كانت منبعَ الفيضِ الإنسانيِّ السامى المتفوّق، بل كانت مَعبدَ الرحمة والعدل والحق، والسموّ بالطبيعة الإِنسانية إلى عنان السماء المشرقة بفضائلها وأخلاقها. كانت كذلك حين كانت القوة في هذه الشعوب ميراثًا لا يضيعه وارثٌ من وَرَثته، فلما رمينا بحب الخمول والكسل انفلتت أسباب القوة من أيدينا، وانفتل كل خير، وكل مجد، وكل فكر سام، إلى من يستطيع أن يحوزه ويحرص عليه ويقوم على تربيته ليربو بين يديه. القوة، القوة .. إنها الفضيلة الأولى في حياة الإنسان الحي، القوة. . . إنها عصب الحرية الكاملة التي تعمل بنقائها لتطهير الحياة البشرية من أدران الذل القذر الذي يجعل الحياة جيفة منتنة على الأرض.
إن هذا الطاعون الوبئ الذي انتشر في الشرق، وفي الشرق العربي والإِسلامى خاصة، طاعون الضعف، قد فتّ كل خير فينا وأحاله إلى فساد، فاختلفت الأنظار إلينا هازئة ساخرة بنا .. كلا .. بل هازئة ساخرة بالمجد
стр. 844
المخلف من عصور آبائنا الأمجاد. . . كلا، كلا، بل اختلفت أنظارنا (نحن) إلى هذا الميراث النبيل بالهزء والسخرية والاحتقار، فصارت الناشئة منا إلى ازدراء ما ورثنا من علم وفن وأدب ودين، وشريعة اجتماعية، وفضيلة أخلاقية، واندفعت إلى ما بهر أبصارها من مدنيات الأمم، وارحمتاه لنا. . . إن الضعف قد أيقظ في الإِنسان الشرقي الطبيعة المنتكسة، الطبيعة (القردية)، طبيعة التقليد على غير هدى في بصيرة النفس، والفرح بغير انبساط في حرية العقل، والفكر بغير تأمل في عواطف القلب، والعمل بغير ضابط من قلب أو عقل أو بصيرة. وأي خير يرجى لمثل هذا الإِنسان الذي لا تحركه إلا أدنأ الطبائع، وأحطها مرتبة عن الإِنسانية العالية السامية التي يجب أن تتفوق في الإِنسان المهذب على الإنسان الوحشى المريض فيه.
أكتب هذه الكلمة، وأنا أعلم أن عمل الصحافة اليوم قد خرج عن أن يكون مقالا أدبيًّا يكتبه أديب متمكن، أو قطعة فنية يصورها فنان مبدع، أو قصيدة درية تتلألأ على الذرى العالية، ليسمو الشاعر برواته وقرائه إلى أحلامها الجميلة الرائعة، تحفها أناشيد النفوس الرقيقة التي عذبها الأسر في السجن الآدمى المسمى بالجسد، إني أعلم، وأعلم أن الحياة المدنية الحاضرة قد اقتسرت الناس على خطة مالية لا يعرف فيها ما قال فلان، ولكن، ما ملك فلان؟ إني أعلم، وأعلم أن الجمهور قد اعتنقته هذه الحياة إلى طريقة هازئة ساخرة فهو لا يقدر إلا ما يجد له لذة طارئة تهز النفس هزتها الأرضية. . . وما يبالى بعدُ باللذة الخالدة التي تبقي حلاوتها في النفس بالتأمل، وفي العقل بالتفكير الحر، وفي القلب بالعاطفة المتفجرة التي تملأ إنسانية الإِنسان عذوبة وريًّا، ثم حنانًا ورحمة.
إني أعلم هذا. . . ولكني أعلم أيضًا أن الصحافة الأدبية الشرقية قد اندفعت في طريق ليس لها أن تسلكه، أو تصر على المسير فيه. إن هذه الصحافة قد بلغ بعضها فيما بلغ مرتبة أعظم الصحافة في العالم، ولكني أجد الحق والعدل أكرم عندي من صداقة الأصدقاء. إني أجل كل عمل، وأقدر كل عامل، ولكني أجل أمتى وتاريخى، وأقدرهما بما يفوق كل عمل وكل عامل. . . إن صحافتنا التي
стр. 845
اتخذنا أساسها من أسس الصحافة الغربية، لا تنفعنا ولا تجدى علينا إلا بقدر لا يكفي ما نطالب به ونجاهد له. إن هذه الأمم التي أخذنا عنها، واهتدينا بها، وشرعنا على منهاجها. . . أمم قد بلغت شعوبها من مرتبة الحرية والقوة ما أوحى إلى صحافتها بالنهج الذي يجب أن تنهجه في تتبع إرادات الشعب، واستغلال أهوائه وشهواته لمصلحتها ثم للذته. فلذلك كانت هذه الصحافة متعة المستمتع، وكان فيها لذة الضعيف ولذة القوى معًا، وكان فيها ما ينفع وما يضر، ما يهدم وما يبنى. . . لأن استفحال القوة وامتلاء النفس والعصب والروح والقلب بآثارها وأصولها، لا يجعل الشعور بما يضعف أو يضر أو يهدم شعورًا تاما يوقظ النزاع لمقاومة هذه العوامل الهدامة ودرء آثارها، وأيضًا لأن القوة تحمل على البغي، وتجعل الاعتقاد فيها والإِيمان بها نفيًا للمبالاة والاكتراث من نفس الإِنسان القوى.
أما نحن فإن السبيل علينا مختلف، والغرض الذي من أجله ننشيء الصحافة جد مباين لأغراض الصحافة الأوروبية. إن صحافتنا صحافة شعوب ضعيفة خاملة متهدمة، شعوب قد فقدت فضيلة القوة وكل أسبابها العاملة، وافتقدت نور الحرية النبيلة المترفعة على الشهوات، وبذلك صار من حقها على الصحفي أن ينظر نظرة متأملة متعمقة نافذة شاملة، لينهج لها النهج القويم الذي يرد إليها ما فقدت، ويوجدها ما افتقدت؛ ويعمل لها عمل الأب الرحيم لولده الضعيف حتى يشب ويستحكم.
وأنا حين فكرت في بعث "العصور" واحتمال تكاليف الحياة الصحفية، لم أُلْقِ كثير بال إلى مشقة المال وهو أصل في قوة الصحافة، ولا في النصب الذي يهد الجسد لأن الروح يجب أن تبقى مستعلية بشبابها على عجز البدن، ولا في الآلام التي سأحملها في كل شيء، لأن الآلام هي التي تجدد عزم الإنسان، وتدفعه إذا عرف كيف يحتملها مبتسما راضيًا. لم أفكر في هذا ولم ألق بالى إليه، وإنما فكرت في المبدأ الذي يجب على أن أحدده لنفسي تحديد الذي يريد أن يشرع في عمل ينتظم، وفي الغرض الذي يجب أن أسدد إليه كل سهم من سهامى في هذا العمل.
стр. 846
إن مبدئى ومبدأ أصحابى ممن أرتضى أن يشركنى في هذا العمل، هو الجهاد في سبيل القوة التي نملك بها القدرة على الاحتفاظ بهذه الحريات، والنظام الذي يسدد خطانا في العمل بقوة وحرية في إيقاظ الشعوب المستضعفة العاجزة. إن هذا المجمل الذي تنطوى تحته أسرار اليقظة، يشمل الحياة الاجتماعية العربية والإسلامية كلها: حياة الفرد من حيث أنه أصل في تكوين الجماعة وتكييفها، وحياة الجماعة من حيث أنها اشتراك بين الأفراد لتكوين شعب مثقف عال عامل، ويشمل الحياة الأدبية والعلمية والعملية، أو الحياة العقلية كلها مستغلة ومنتجة.
من وراء هذا المبدأ البسيط أهوال، أهوال النظر في كل ما يمت إليه بسبب من أشياء الحياة، وأهوال العمل على تنفيذ السياسة التي نتخذها لكل إرادة من إرادات الخير للمنفعة، وأهوال التنبه للخطأ كيف ينشأ، وكيف يصلح، وأهوال الخطر من أين يقبل علينا وكيف يتقى، وفوق ذلك قول الترفق على هون، والتلطف للنفوذ بما نريد إلى المكان الصالح لاستنبات المبادئ الصالحة والأعمال الناجحة.
فالعمل الصحفي في مجلتنا هذه ليس عملا إخباريا ولا سياسيا، ولكنه عمل اجتماعى تمتد أصوله إلى كل شيء، في الشارع وفي البيت، وفي النفس وفي العلم، وفي الأدب وفي السياسية، وفي كل ما هو ممثل للحياة التي يجب أن يصير بها الشرق العربي والإسلامي كائنًا حيًّا يعيش بنفسه ولنفسه ثم بالإنسانية وللإنسانية.
إن النظرة الأولى إلى هذا المبدأ الذي نهجناه وبينا بعض أصوله، توحي إلى الناظر غرور العمل الذي نحن مقبولون عليه؛ وأما النظرة الثانية، نظرة المتأمل الذي يرمى ببصره إلى الأعماق البعيدة ثم إلى الذرى العالية، ويستوعب ما عليه الأمم العربية المختلفة، وما تتباين فيه وما تتفق عليه، وما يجترفها من التيارات الحديثة القوية المكتسحة - سوف يرى مشقة العمل، ومشقة التوجيه السياسي لهذه المبادئ.
стр. 847
وأما الغرض الذي نرمى إليه، فهو غرض واضح بين لا خفاء فيه. هو إصلاح الحياة التي نحياها، وإمدادها بكل أسباب القوة والحرية والسيادة النفسية والعقلية والأدبية، وما يحمى هذه السيادة من الخضوع لاستبداد الأهواء والشهوات. وطريقنا طريق واضحة هي أن ننفض الكسل عن عقولنا وأرواحنا، ونتجرد للحق والعدل، والسيادة، والاستقلال. إننا نريد أن تكون حياتنا المنزلية والاجتماعية، وحياتنا العقلية والعملية، وحياتنا السياسية والأدبية، حياة ممثلة للفضائل الإنسانية الكاملة، ومميزة لنا بتقاليدها القويمة القوية، وسامية بنا إلى مرتبة المجد الذي أذهل العالم في أوانه بحضارته وروعته وعبقريته وجماله. الطريق واضح بين، فيجب أن نقول وأن نعمل وأن نؤمن بما نقول وما نعمل من سر أنفسنا .. من قلوبنا .. من أحشائنا. . . من دمائنا. . . من نوازع المجد التي تتراءى لأبصارنا أحلامًا تريد أن تتحقق. . . ولابد من أن تتحقق.
стр. 848
لماذا، لماذا ؟
إن قلبي الذي يتصدع الآن هو قلبي الذي أحبها من قبل. لقد عشت لها كالدوحة الناضرة. من أفيائها ظل رطب نديٌّ يروى ظمأ النفس الصادية، هكذا كنت أحس. أنا بقوتى كنت ألين لها كأنى نغمة عاطفة تحن إليها حنين الطفل، هكذا كنت أحب. وأنا بكبرياء رجولتي كنت أخشع لرقة أنوثتها خشوع الزهرة المتفتحة في معبد الفجر، هكذا كنت أفرح.
ولكنها المرأة.! في طبيعتها إنكار الرجل إذا عرفت أنه لها، وأنه أحبها، وأنه بها يفرح.
إن قلبي يتصدع الآن في يديها: لأنه أظلها، وحَنَّ إليها، وخشع لها. . .، لأنه أحبها.
فلماذا أحببتها .. ؟ لماذا؟ لماذا؟ . . .
стр. 849
تهيئة الشرق لوراثة الحضارات والمدنيات
لبثت في أسر "الوظيفة الحكومية" عشر سنوات متواليات أعمل فيها ولها، ثم تنزل القدر فعافتنى وعفتها، وانطلقت أطوى الأرض. . .، أنظر بعينيَّ إلى آفاق تترامى على مطرح البصر، وكأنى آبد قد حطَّم القيود وانفلت من بين أعواد الحديد التي كانت تمسكه من ورائها، وملأت رئتىَّ من الهواء الحر، يارب، أين كنتُ؟ إن طبيعتى التي فُطِرْتُ عليها تأبي أن تألف هذه الأنفاس المقتّرة المعطاة على المنة لصدور تنطوى على قلوب حية تنبض وتتحرك وتسمو بآمالها إلى الخير النبيل. وبقيت أياما، هي من حياتى كأنها ذكرى فرحة قديمة انبعثت على حين غفلة من كهوف النفس المهجورة التي يختبئ في ظلماتها ما يمضي من أفراح الحياة.
وتوالت الأيام تتسحب على ظلال العمر، وتجلت الأحلام العزيزة التي لا تفني وسكنت النفس إلى حريتها، وبدأت أبحث عن واجبي في الحياة، فمكثت على لُبث أتأمل وأفكر، والروح في فترة من هدوء ورضًا، حتى اهتديت بحمد الله إلى الطريق والغاية.
نحن شعوب متخاذلة قد غفلت عن حقيقة الحياة، فواجبنا أن نعمل على إيقاظ هذه الشعوب من سنة النوم التي طالت بها، وقتلت فيها مادة النشاط التي تدفعها إلى تحقيق الأغراض النبيلة التي خلق من أجلها الإنسان على الأرض. أجل .. ، وهذه الشعوب نفسها، هذا الشرق، قد أثبت في التاريخ مرات أنه قادر على صناعة الحضارة والمدنية، يتقنها ويستجيدها ويطهرها من أدران البلاء التي تعصف بإنسانية الإِنسان كما تعصف الريح بأوراق الشجر. فلم لا يثبت الشرق مرة أخرى في التاريخ الحديث أنه لم ينس هذه الصناعة؟ وأن أنامله الرفيقة لا تزال قادرة على نسج الثياب الرفيعة التي تلبسها الإنسانية لتزهى بها، وتبدو في زينتها؟
стр. 850
هذه المدنية الأوربية المحدثة من أمامنا قد عملت عملها، وأتمت ما وجدت له على طريقتها ومذهبها، وجعلتنا ننظر إليها ذاهلين كأنما نرى معجزة تحققها أيدى مردة من الجن ليسوا من الإِنس في أصل ولا نسب. إن هذا الوهم الكبير هو الذي أعجز الشرق عن العمل، ورماه في براثن الأمم المستأسدة الضارية، وجعله كالفريسة تنتفض تحت أقدامه عجزًا وهلعًا واستكانة.
ولكن الحين قد حان، وآن للشرق أن ينظر إلى الحقائق الواقعة ليعرف كيف يعمل. إن أوروبا، التي هي مصدر المدنية الحديثة، تقف على هذه الأرض موقفًا ظاهرًا لمن يتأمل. هذه دول الحضارة الحديثة من أمامنا قد هبت كلها في جنبات الأرض تملأها حديدًا ونارًا وضجيجًا في الأرض وصخبًا طائرًا في السماء. والرجال على الأرض كأنهم قنابل معدة مهيأة لتنفجر، وفي كل ناحية أمة مُقْعِيَة (١) متربصة تكاد تثب، والحياة تتدافع بهذا وذاك وهؤلاء، فلا تلبث أن تصطدم هذه الأمم بعضها ببعض، ويومئذ لن تثبت الأرض ولن تسكن السماء، وتتطاير أشلاء الحضارة الحديثة إلى أعلى لتسقط على أهل هذه الحضارة، وتطويهم في أكفانها، وتدفنهم في قبورها.
إن المدنية الأوربية المحدثة، في هذا العصر، تحمل في داخلها كل عناصر التهدم، وكل أسباب الفناء والبلى، وأهم هذه العناصر والأسباب، هذه الحالة الحربية التي شملت كل دولة أوربية، ودفعتها إلى زيادة التسلّح بكل أدوات الدمار والهلاك، والسرعة الجامحة التي تعمل بها هذه الأمم في كل ما يمس الاستعداد الحربي، ولا شك في أن هذه الإِرادة وحدها مع الإِسراع في تنفيذها، سوف تؤدى حتما إلى اختلال التوازن في القوى المتساندة، وسينتهي هذا الاختلال باصطدام قوى الشر جملة واحدة، وسيعقب هذا الاصطدام انفجار هائل يشوه وجه الإِنسانية الباغية أبد الدهر، ويتركها مثلا في العالمين.
ولو أن هذا الاستعداد الحربى العظيم، كان نتيجةً للدفاع عن مبادئ
стр. 851
استقرت على أصولها في نفوس القائمين بأمرها، لقلنا عسى أن تنتفع الإِنسانيةُ بانهزام الباطل وانتصار الحق، وإن ضَحَّت في سبيل ذلك بالملايين من البشر الذين تأكلهم هذه الحرب الضروس، ولكان ثمَّة أمل في عودة الحضارة إلى منزلة من الإِصلاح تعمل فيها لسعادة الإنسان بعد الشقاء الكبير الذي تعس به. ولكن الواقع غير ذلك.
فإن الحرب الحديثة المقبلة. . .، إنما هي بغْى. لقد بغي بعضهم على بعض في العلم، فضربوا للإنسان أسوأ الأمثلة على أن ضَرَرَ العلم أكبر من نفعه، وأن الشقاء قرينٌ لعلم هذه المدنية الطاغية، وأن الفرد فيها حيوان يستغل، فيا لشناعة هذا الاستغلال الذي هزم العقل والإِرادة، وردهما إلى أدنأ درجة في تاريخ الإنسان على الأرض. . .!
هذه أوربَّا التي نفضتْ على كلمة "الحرية" من تهاويل الخيال، وتخاليف الفن، وتحاسين الإِبداع، وزخارف الحضارة -حتى بدتْ فتنةً يتهاوى في فتونها كل غاو وحليم- تثبتُ للناس أن "الحرية" كلمة ضامرة ضعيفة لا معنى لها، ولا حياة فيها، ولعل التاريخ كله لم يشهدْ عصرًا ضاعت فيه كل معاني هذه الكلمة، مع كثرة دورانها على الألسنة، مثل الذي شهده في هذا العصر. ففي كلّ ناحية في أوربا يضرب الحصار على حرية الأفراد، وحرية الجماعات، وعلى حرية السر وحرية العلن، وعلى حرية الرأي وحرية الضمير. في فرنسا -باعثة هذه الفتنة في أوربا- في إنجلترا، في ألمانيا، في إيطاليا، في روسيا، في كل بلد، يشهد التاريخ أفظع استبداد تستبد به السياسة الدولية، وتتعسف به المعاهدات والمحالفات القائمة على مصالح البغي السياسي والحربى، في إزهاق الروح الحقيقية التي تحملها كلمة "الحرية".
إن كل عمل، بل كل رأي، بل كل فكر، بل كل شيء في أوربا الآن تقتسره السياسة الحربية على صورة تنفعها، فإن لم تكن تنفعها فلا تضرها، حتى صارت العقول الإنسانية آلة في يدها تصرفها كيف تشاء، وفسدت معاني الأشياء، وطغى غرور القوة والاعتداد بها، في العلم والفن والأدب وفي كل
стр. 852
شيء، واختلط الحق بالباطل اختلاطا فاسدًا لا أمل في تطهيره إلا بجهد كبير تبذله نفوس هادئة ساكنة حكيمة تتجرد للعمل، وتعمل للحق، وتختار صالح كل شيء، وتنفي فساده وتحريفه وغلوه وغروره ليكون الانتفاع به أقرب لإِنقاذ الإنسانية من مصير مخيف، يرتد بها إلى وحشية الغرائز الدنيا التي تتحكم في مراشد العقل والقلب بغير حكمة ولا روية.
هذه الصورة الدانيةْ الآن للحالة الظاهرة في أوروبا غير ناظرين إلى الاختلاط الفكري القبيح بين المذاهب المتباينة، ولا إلى الفساد الكبير في المبادئ العقلية التي تبنى عليها سعادة القلب الإِنسانى، ولا إلى تشاجر الأهواء الاجتماعية في حرب الفضيلة والرذيلة؛ والخير والشر، والعدل والبغي، ولا إلى انحلال القوى الاقتصادية وتزعزع الأسس المالية، ولا إلى ما يمد كل هذه بأكبر أسباب الفساد إلّا وهو غرور هذه المدنية بعلمها ورأيها وفهمها؛ وادعائها إدراك سر الحقيقة في كل ما تتناوله بالبحث والتحليل.
أما الشرق. . .، فهو الآن يموج ويهتز ويمتد بآماله، ويطالب بحرياته، فبذلك تهيئه ضرورة الحياة الحاضرة لانتزاع الخير المحض مما يقع إليه من مدنية وحضارة، وتهيئه طبيعته الموروثة للاستفادة من نتاج الحضارات والمدنيات قديمها وحديثها، وتهيئه ما انحدر معه في أعصابه من الحكمة القديمة، والرزانة التقليدية، لتعبئة قواه التاريخية كلها، فيأخذ الحضارة الحديثة فيصهرها ويذيبها ويعيد تكوينها موسومة بسمته: الحرية، العدل، الشرف، الفضيلة، سكينة النفس، التقوى تقوى الله في عمل الدنيا وعمل الآخرة، تلك سمات الشرق التي يسم بها مدنيته الجديدة التي يتهيأ اليوم لوراثتها عن سالف الحضارات والمدنيات.
стр. 853
شكر
لم يزل هذا القلب يكلفني من عواطفه يومًا بعد يومٍ، ويطالبنى أن أجزى عن كل إحسان بما يعجزنى ويعجزه. وحين أصدرت العدد الأول من "العصور" تجلت له عواطف أصحابه وأحبابه، وأشرق عليه من بشرهم وترحيبهم ما لا وفاء لي ولا له ببعض مثله. ومن حيانى سرًّا فأنا أرد تحيته هنا علانية، ومن قدّم إلى من معروفه علانية، فأنا أحفظ له الشكر في نفسي ما بقيت. وأخصّ في هذا المكان أستاذى الأول ومرشدى وصديقي الأستاذ محب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية ومجلة الفتح، وأستاذى وصديقي الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب الرسالة والرواية، أخصهما بكل ما أملك من هذه الدنيا التي يتنازع عليها الطغاة البغاة. . .
أخصهما بقلبي وإن قلّ.
стр. 854
أنا وحدى . . .!
تحت الشمس المحْرقة التي ترسلُ أشعتها، وكأنها لُعَابٌ من النار الجاحمة المتسَعِّرَة.
وعلى الرِّمال الملتهبة التي تَزْخر حَرَارتها، وكأنها بحرٌ من السعير تتلاطَمُ فيه أمواجُ اللهب.
وبينهما. . . بينهما يتهاوَى سَمومٌ من الرياح العاصفة، وكأنها أنفاسُ الشياطين المخلوقة من مارج من نارٍ.
أنا وَحدِي. . . أمُدُّ الطرف إلى الآفاق المترامية، ذاهلًا عن آلام الظَّمْأ، لأرى السرَابَ المتخايلَ كأنه ذَوْبُ الدُّر واللؤلؤ.
أنا وحدي. . . أرَى الجبال البعيدة الشامخة، على هامَاتها عمَائمُ الشيب تفيَّئُها الريح، وكأنها ذوائب من دُخانٍ.
أنا وحدِي. . . حيث تلبسنى النار، حيث أطأ النار، حيثُ أتنفَّسُ من نارٍ، حيث أسمع حَسيسها وأرى آثارها. . . أنا وحدى. . .
أيتها الشمس المحرقة، أيتها الرمال الملتهبة، أيتها الرياح المندلعة، أيها الشراب، أيتها الجبال. . .! ! أنا وحدى معكُنَّ أحيى لأحترق، وأحترق لتحيى النفس التي تنشُدُ الخلود! !
الصديق. . .! الصاحب. . .! الأخ. . .! كلهم. . . كلهم ودَّعنى لأنه لا يطيق، وأنت أيضًا أيتها الحبيبة! !
إذن فأين أجد الراحةَ من وَقُودِ النار؟ .
стр. 855
الطريق إلى الأدب
- ١ -
تلقيت رسالة من بعض أصحابنا يسألنى فيها عن الطريق الذي ينبغي له أن يسلكه إلى دراسة الأدب، ويقول: إنه يجد في نفسه المعاني التي تجري وتتخايل والأحلام التي تزهو وتتزين، وأنه إذا رام الكتابة جرى فيها على طبيعته غير متوقف، ولكنه إذا قرأها -بعد أن يفرغ منها- وجدها أقل مما يحس به، بل هي ليست تعبر كل العبارة عما يحس به ويتمثل له من معانيه وآلامه وأحلامه.
وأنه قد أكثر القراءة لفلان وفلان من المعاصرين، ولكنه يجدهم لا يلقون في طبعه تلك الجذوة الخالدة التي تشتعل نارها إذا تنفست عليها النسمات التي ترتاحه وتهزه، وأنه يعتقد -أو يخيل إليه أنه يعتقد- أن هذا الذي يقرؤه لو كان حقا من الأدب الخالد لبعث في نفسه ما يبعث بخلوده من نفحات الخلود.
ويريد هذا الأخ الفاضل أن يدلنى على صدق ما ذهب إليه، فيبعث إلى بقطع من كلامه -ومن شعره أيضا- لأعلم أنه مطبوع على الأدب وإن كان يقصر بيانه عن إدراك الإجادة.
ثم يقول: فأرجو أن تمنحنى بعض وقتك، وتنظر في بعض كلامي على طريقتك في استخراج (نوع الأديب والشاعر! ! ) من تحت الألفاظ التي تجتمع له، والمعاني التي ينبعث طبعه إليها. ثم يأتي في كتابه إلى بكلام كثير، أستأذنه في إغفاله هنا، إذ ليس يجرى إلى الغرض الذي نرمى له أو الذي يريدنا هو أن نرمى إليه.
وقد قرأت الورقات التي كتبها فوجدت له روحا حرة حية متأملة تترقرق في كلامه، وأنه مطبوع على سرعة النظر وحسن الهداية إلى المعاني سريع النفوذ في أغراض القول، يتغلغل في بعض ما يفكر فيه بما هو فوق طاقة الفكر المجرد من
стр. 856
حدة البصيرة ومضائها، فأسفت أن يكون هذا الأخ قد جاوز الثلاثين من عمره، وهو ما هو، ثم هو لا يزال حائرًا بعد ذلك لا يستطيع أن يملأ نفسه من زاد الأدب، ولا يطيق أن يحمل أداة العمل الأدبى المرهق الذي أعد له في طبعه. وحملنى كتابه على التفكير في شأنه وشأن أمثاله من الأدباء الذين قتل أدبهم سوء التعليم في الصِّغَر، وفي الأدباء الذين يكتبون للأدب وهم لا يجيدون ما يكتبون، ولولا أن صاحبنا هذا حيى متواضع -كما وصف نفسه- لكان من الممكن أن يزاحم كما زاحم غيره غير مبال بتقدير نفسه وتقدير ما يكتب قبل أن ينشره على الناس، فلذلك أحببت أن أجعل رسالتي إليه رسالة عامة يحملها إليه بريد "الدستور". ولا بأس من أن يستفيد هو ويشرك معه غيره، إذ كان الذي يجده من الضعف يجد كثير من الناس مثله في أنفسهم، وكثير لا يبالى أن يجد ذلك ثم يكتب وهو لا يبالى أن يجيد أو يستفيد.
وأول ما تجب معرفته لكل طالب أدب، أن لكل علم آلة، ولكل آلة نظاما، ولكل نظام مبدأ، ولكل مبدأ أصولا، فإذا فسد الأصل فسد معه المبدأ والنظام وتوقفت الآلة حتى يعلوها الصدأ، وإذا وقع بعض الاختلال في بعض الأصول أفضى هذا الاختلال إلى الآلة فجعلها تدور متعسرة ضالة يتكسر سن منها على سن حتى ينتهي بها ذلك إلى الفساد عامة بعد الجعجعة والضوضاء والصخب الذي هو كل إنتاجها. فليس ثمة علم من العلوم أو فن من الفنون إلا وقد استأثر بأصول مؤسسة، لابد لكل راغب -في شيء من هذه العلوم والفنون- أن يستوعبها ويجيدها ويحسن التصرف فيها إذا عالجها حتى لا يتوقف به العجز بعد الدخول في بحبوحة هذا العلم أو الفن، إذا فَجأهُ ما يفجأ مما لابد منه ولا محيص عنه.
فطالب الهندسة مثلا إذا لم يعرف أصولها من النقطة والخط والزاوية القائمة والحادة والمنفرجة، والأشكال المختلفة بين التربيع والتثليث والتدوير، وما يتبع كل ذلك من البرهان على صحة الأحكام التي تقتضيها هذه الأشكال الهندسية - فهو خليق إذن أن لا يجيد شيئا من الهندسة مهما طال مراسه لها، وتتبعه لكتبها الكبيرة التي لا تلم بشرح هذه الأصول الإبتدائية.
стр. 857
فإذا خيل لهذا الطالب -بعد طول العمر في دراسة الكتب الكبيرة- أنه مستطيع أن يشرح النظام الفلكى بالحساب الهندسى، أو أن يبنى دارًا بما تلقف من ألوان هذا العلم، وقع من حيث طار مرة، أو انهدم عليه ما أقامه مرة أخرى، وهكذا أمر كل العلوم والفنون لا يشذ واحد منها عن القاعدة التي تقررها فطرة العلوم والفنون.
والأدب والشعر والفلسفة وسائر العلوم النفسية والعقلية التي يخيل لبعض الناس إنها ملك للجميع من كل صاحب عقل وصاحب نفس لا تخرج عن هذه القاعدة التي تطالبنا بتقريرها فطرة العلوم والفنون. فأيما أديب أو كاتب أو شاعر أو ناقد أو متفلسف يقتحم بابا من هذه الأبواب غير متسلح بالبراعة في أصول الفن الذي يرمى بنفسه فيه، فهو إلى إهلاك نفسه أدخل، وإلى إضاعة وقته أسرع، وبالغرور سار حيث سار، وإني قد رأيت أكثر من يقذف نفسه في فن من هذه الفنون يقول: إذا كان مرد الشعر والأدب والكتابة والنقد وما إليها -هو إلى الطبع والسليقة وصفاء النفس ورقة الشعور، فما جدوى أن نقيم الدنيا ونقعدها من أجل أشياء لا تنفع ولا تشفع؟ وأي فائدة -بعد أن يجتمع للأديب والشاعر هذا كله- في أن يرهق نفسه بالدراية والثقافة والبحث والدأب، ولعله أن يكون بعيدًا عن هذا كله أقدر على العبارة عن ضمير نفسه؟ ولعله إذا أقبل على هذه الأشياء بالدرس والتثقيف كان ذلك أسرع في إفساد طبعه، ومجمجة سليقته، وتكدير نفسه ومَحْق شعوره! ! ولقد أخطأ هؤلاء من حيث أرادوا الإصابة في التقدير.
فإن أصل العلم كله من أدب وفن وعلم إنما هو النفس والطبع والشعور، ولولا هذه لما كان في الدنيا علم، ولكن النفس لا تكتفي بأن تكون كل أعمالها صادرة عنها وحدها، بل إن الاجتماع الإنساني يضطرها أن تكون أبدًا متأهبة للتلقى كما هي مريدة للإذاعة، وأن تكون راغبة في مشاركة الآخرين في تأملاتهم كما هي متشوقة للانفراد بتأملاتها. وهذا يدل على أن النفس إذا انفردت لم تؤد أعمالها إلا ناقصة معيبة، لأن تمام أعمالها في المشاركة.
وكأنى بابن خلدون قد رام هذا المعنى إذ قال في مقدمته الجليلة، حين
стр. 858
عرض لذكر "علم الأدب": "هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارض أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنثور والمنظوم على أساليب العرب ومناحيهم". ثم عد ابن خلدون أشياء لا قيمة لها في تحقيق معنى الأدب. وأنت ترى أن عبارته التي نقلناها مبهمة "غامضة" لأنه لم يجر إلى شرحها والبيان عنها، ولكنه بعد أن تقدم في كلامه وضع التفسير لهذه العبارة من حيث لم يرد، ولكنه أفسد التفسير بالتعليق عليه، وذلك قوله:
"ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف". فالأخذ من كل علم بطرف أصل عظيم للأديب، لأنه هو المعبر عن نفسه التي تريد أن تعبر عن النفس الإنسانية العامة التي يشترك في الاستمداد منها سائر البشر.
ومادامت كل العلوم في أصلها صادرة عن النفس فلابد للأديب من معرفة الأحوال التي تعرض لهذه النفوس فتوجهها إلى استجلاء الغامض الذي به وبإرادته وطلبه كانت هذه العلوم علوما.
وأخذ الأديب بطرف من هذه العلوم لابد أن يكون على طريقة الأديب لا على طريقة العالم، فإن الأديب ينفذ بنفسه وروحه فيما يقرأ من ذلك، ليحس ويستشعر نبض النفس الإنسانية الكبيرة في إنتاج هذه العلوم. وأما العالم فإنه يريد أن يستوعب في نفسه النبض العلمي الذي يجرى عليه التحقيق والنقد فيها وبأسلوبها وعلى هديها.
ولكن ابن خلدون أفسد معنى هذه العبارة بشرحه إذ قال بعد ذلك: "يريدون (الأخذ بطرف) من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط، وهي القرآن والحديث إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب".
ولاشك أن هذه بعض ما يجب على الأديب أن ينال منه، وخاصة القرآن والحديث، فعليه أن يعب منهما عبًّا، لأنهما نهاية الإعجاز الإلهي والبشرى في التعبير وفي المعاني وهما النظام الخلقى العام للبشر، وكلاهما يخاطب أول ما يخاطب النفس الصافية ويمسها ويتغلغل فيها ويهزها ويملؤها ريا ونعمة وحياة.
стр. 859
ومنهما تتكون للأديب السليقة العربية الصحيحة الحرة التي لا تتقيد بالزمن ودواعى الزمن، من مثل القيد الذي جعل ابن خلدون يتوهم في شرحه للعبارة أوهاما فاسدة كقوله بعد: "فاحتاج صاحب هذا الفن -يعني الأدب- حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها"! !
فابن خلدون إنما يشرح قولهم "الأخذ من كل علم بطرف" -على طريقة الأدب في عصره هو، وهو العصر الذي كان أدبه ترديدًا لحشرجة الميت لا معنى للصوت فيها إلا معنى انقضاء الأصوات وعجزها عن التعبير عن الحياة، ذلك كان صوت الموت إذا صوت في صدور أدباء عصره.
وكذلك زعمه أن لا مدخل لغير النحو واللغة والبلاغة والعلوم الشرعية في علم الأدب، إنما هو تصوير لأدب العصر الذي عاش فيه، فحكم ابن خلدون وشرحه وبيانه ليس إلا الحكم والشرح والبيان الذي اقتضاه عصره وحده. ومهما كان ابن خلدون في الأدب بالمنزلة التي كان بها أول من استطاع أن يقرر قواعد علم الاجتماع- لكان قوله في علم الأدب غير ذلك، ولاهتدى إلى السر في تعبير القدماء من قولهم في الأدب أنه الأخذ من كل علم بطرف.
ولعل أهم ما أسقطه في هذا الخطأ ظنه أن قولهم "كل علم" يعنون العلوم التي قامت باصطلاحاتها، وليس كذلك، فإنهم أرادوا لب العلم لا حواشيه، وجعلوا "العلم" في هذه العبارة بمنزلة "المعرفة" التي لا تحده بحدود.
والسر كما ترى هو أن الأدب تعبير عن الحياة كلها على طريقة نفسية محضة يراد بها أن تخاطب نفس نفسا بألفاظ من اللغة تروم بها التأثير والهز، وتنبيه النفس الإنسانية النائمة في نفس الفرد لتوجهه إلى الغاية التي يرمى إليها الأديب بالضرب الذي اختاره من الأدب، ليكون بيانا عن الحياة مهما اختلفت أنواعها وأشكالها ومقتضياتها.
والأديب من أجل ذلك مضطر لدراسة الحياة وما فيها دراسة حية بنبض النفس وحركتها وأشواقها إلى ما وراء الماده دون الجسمية أو العلمية التي تحجب
стр. 860
فن الحياة دون أعين الأحياء ثم هو بعد ذلك مدفوع إلى طلب العبارة عن الأحساس الذي يجرى في كيانه الإنساني العاقل المفكر المتأمل.
وسواء بعد أكان ما يريده من الأغراض علميا أم فكريا أم قلبيا أم فلسفيا، فكل ذلك إنما يستمد من الطبيعة التي انطوى عليها، والتي صار بأسبابها ودواعيها أدبيا يريد أن يتكلم بألفاظه، وأن يترجم بنفسه عن النفس الخالدة الذائبة في الكون كله، والتي تعرف بالنفس الإنسانية العامة. هذا وسنتم فيما يستقبل بقية القول في أداة الأديب وما يجب عليه.
стр. 861
الطريق إلى الأدب
- ٢ -
جاءتني عدة كتب من إخواننا بعد الكتاب الذي فتح لنا باب القول في "الأدب"، وكلها يجرى على أسلوب واحد من الحيرة في طريق الأدب. هذه الحيرة -كما يقول أحدهم- التي تجعل الأديب يمشي في بيداء من الظنون الشائكة والشكوك الظامئة. ثم لا يفضى إلى شيء، ولا يظفر من حياته إلا بالوحشة والمرارة والحزن، ثم يهلك بعد ذلك كله على أرض سبخة يأكل مِلْحها كل ما يقع عليها: يبليه ويسحقه. نعم، إن هذه الظاهرة المؤلمة هي أول الخير للأدب والأدباء وهي البشير بأن عصر الفوضى في الأدب قد بدأ ينقضى إلى غير رجعة، وهي الدليل على أن أكثر الأدب الماضي قد كان تلبيسا على العقل والقلب، وشعوذة على الروح والنفس والفكر.
لقد أخرج العهد الماضي طائفة من الأدباء، كلهم قد عمل واستعد وخرج على الناس بأدبه، ثم غرتهم الشهرة فمضوا لم يبالوا أن ينظروا إلى قيمة الأدب الذي ينتجونه ليمحصوه للناس، فلعل بعضه يفسد على الشباب أمر أدبهم الذي يتأهبون له. وشغل الشباب هذا الأدب الجديد، وكبرت معاني الأسماء والألقاب في أسماعهم وأذهانهم، فحسبوا أن هذا الأدب هو الغاية وهو النهاية وهو الذي ليس بعده نبوغ أو عبقرية.
وتعصَّبوا لذلك بحمية الشباب، وصرفتهم هذه العصبية عن تحرير أنفسهم وعقولهم من أسر الألقاب والأسماء.
ثم مضى زمن فنظروا فلم يجدوا في أيديهم شيئا من هذا السراب الخادع الذي تعصَّبوا له وعكفوا عليه. بل وجدوا أنفسهم كعابد النار تحرقه ويعبدها! ! ..
стр. 862
ولكن هذه الظاهرة الجديدة التي تدفع الشباب الجديد إلى الشك في قيمة ذلك الأدب، وإلى الشك في أنفسهم -هي النجاة لهم من عبودية مستبدة ماحقة وهي التي ستقذف في أعصاب الجيل الجديد روح الحرية، وهي التي ستجعله يأبى إلا أن يمهد الطريق قبل المسير، وإلا أن يتخير الأساس قبل البناء، وإلا أن يعرف برهان الحقيقة التي يجب عليه اعتقادها قبل الإيمان بها إيمانا أعشى أو إيمانا أعور أو إيمانا أعمى يضل به ويموت عليه.
ونحن قد تناولنا في الكلمة السالفة تعريف الأدب الذي وضعه ابن خلدون في مقدمته، وأخذنا في نقده وتمحيصه لعلمنا أن الأدواء التي أدركت الأدب أو أصابته ترتد في أصل جرثومتها إلى عهد بعيد متقادم. فأردنا بذلك البيان عن هذه العلة (بالتشخيص) والتحليل.
فإذا عرف طالب الأدب حقيقة الأدب كان ذلك أحرى أن يهديه سواء السبيل في كل ما يقصده من أغراض هذا الأدب وهذا هو الأصل، وأما الفروع التي تتفرع منه فهي هينة عليه بعد ذلك إن شاء الله. وقد كان القدماء الذين نقل عنهم ابن خلدون ومن هو في طبقته -يعرفون حقيقة الأدب معرفة نفسية، فلذلك كان كلامهم عنه صحيحًا موجزًا ولكن شرح أهل العصور المتأخرة التي ضلت عن حقيقة الأدب -حين شرحوا هذا الكلام الموجز الدقيق الفاصل- هو أصل الداء الذي تغلغل في الأدب العربي قديمه وحديثه، وهو الذي حقر الأدب في عيون أكثر الأدباء، وزيفه عند العامة.
فإذا استطعنا أن نخلص إلى حقيقة أقوال القدماء الموجزة وعرفنا سر معانيها الجميلة الدقيقة، نظرنا -عندئذ- إلى الأدب القديم نظرة جديدة تنفض عنه الأتربة التي طمست محاسنه وروائعه كل هذه القرون، وإذا عرفنا هذه المحاسن وما فيها من جمال وفتنة، استطعنا أن نغير أساليب القراءة وأساليب الفكر فيما نقرأ، فإذا أدركنا ذلك فهو أول الطريق إلى الأدب الصحيح الذي نريده ونشتاق إليه, وهو بدء الحرية الأدبية التي لا تعرف القديم والجديد بتلك الفكرة المفتونة المريضة التي ثارت في ميادين الأدب حينا من الدهر، تحقر القديم لقدمه،
стр. 863
وتستعظم الجديد لجدته، على غرور واندفاع وتهور، حتى تحطمت كل الموازين في أيدى أصحابها، ولم يبق للناس ميزان يعرفون به ما في الكلام من الصدق والجمال، وما فيه من الكذب والغش، وهما أقبح القبح، وهما الدمامة المتبرجة في زينة "المكياج" اللفظى لا في زينة الحق والعدل، فإن القبيح ربما حسن إذا عرف الإنسان سر القبح الذي فيه، ومن استطاع أن يعرف سر القبح فاشمأز منه، فهو خليق أن يعرف سر الجمال فيهتز له.
وحركة النفس بالاشمئزاز والاهتزاز هي أصل الأدب -إذا ما نشأت عن الإدراك أو النفوذ إلى الإحساس بالسر الذي يكون به القبيح قبيحًا والجميل جميلا. فإذا تتام هذا الإدراك وهذا النفوذ وعملا في كشف الحجب عن هذه الأسرار على نظام وتدبير وتساوق واطراد فذلك هو طريق الأدب. فإذا خلص للأديب مذهبه في تناول هذه الأسرار على طريقته وبأسلوبه، واهتز إحساسه بالمعاني اهتزازًا قويا متجاوبا بأنغامه التي يتردد صداها في كهوف النفس فتتابعت هذه الأنغام معبرة عن خواطر العقل والقلب والنفس والروح وآلامها وأفراحها وأحزانها ولذاتها، وظنونها وحقائقها، وأوهامها ويقينها، فذلك هو حقيقة الأدب. فإذا استطاع الأديب أن يصور هذه كلها بألفاظه ولغته وعبارته وأسلوبه الذي يحمل صور هذه الاهتزازات، ويحمل أنغامها في جرس الكلام، فذلك هو الأدب الذي ينسب إليه ويتميز به فيقال مذهب فلان وطريقة فلان وأسلوب فلان. . .
والوصول إلى هذه الغاية من الأدب ليست عملا سهلا يكون قصده هو بلوغه كلا، فإن الفطرة وحدها أو الطبع الفطري وحده لا يكاد يصل إلى ذلك في مثل زماننا هذا. بل هو كان يصل إلى غايته في العصور الأولى قبل أن يتكاثر الأدب ويتشقق الكلام، وتستقل الطرائق للناس بعد الناس من الأدباء.
وقد كان الطبع قديمًا كافيا لتساوى من يتعاطى الأدب في السليقة وفي بعض العلم وفي أكثر المعرفة، ولأنهم إنما كانوا يتناولون من أغراض القول على طريقة محدودة بطبيعة الاجتماع الذي لم يكن قد تراحب مثل التراحب الذي بلغه في زماننا.
стр. 864
فالآن قد امتلأت دنيا الناس بأسباب اجتماعية طاغية، وتبعثرت حقائق الوجود في كل علم وفن على وجوه من الاختصاص، وتكشفت أسرار كثيرة لا يحيط بها إلا من حمل نفسه حملا على متابعة الدراسة، وطول الروية، ومعالجة الفكر وحذر الغريزة، وتوقد الفطنة. ثم لا يخلى نفسه مع ذلك من الحرص على نفسه وإحساسه وطبعه أن ينفذ إليه ما يفسده من جميع هذه الدراسات الكثيرة والتأملات الطويلة.
ومن هنا أيضا تستطيع أن تعرف مقدار ما في قول ابن خلدون من الخطأ إذ قال فيما نقلناه لك آنفا في المقالة الماضية "فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها". فاسأل ابن خلدون ما جدوى أن يفهم الأديب اصطلاحات العلوم؟ وإنما الاصطلاح حرف من الكلام مقيد معناه بالعلم الذي اتخذ له واصطلح عليه فيه، فإذا عرفه الأديب فهو بين اثنتين، إما أن يعرف اللفظ ليعرف معناه ويكون قائما على فهمه من حيث هو حروف مركبة وهذا شيء لا قيمة له -إذ كان الأديب لا يحتاج إليه ما لم يكن من أهل هذا العلم الذي وضع له الاصطلاح، أو أن يعرف ذلك ويقوم على فهمه ليستطيع أن يتعلم من هذا العلم، وينفذ في معاني أصحابه التي يقصدونها في علمهم هذا. فإذا فعل وتعلم وقرأ لهم وفهم عنهم، فهو لا ينتفع بهذا العلم إلا إذا اتخذه مادة تمد أدبه وتغذيه.
أما إذا تعلم هذا العلم ليفهمه على طريقة أصحاب هذا العلم وقيودهم التي قيدوه بها فهو باطل من حيث كان لا ينفعه فيما أراده من الأدب.
وإذن فطريقة الأديب في قراءة العلم هي طريقة امتياز، على أصحاب العلم نفسه، لأنها طريقة استيعاب لما وصلوا إليه من حقائقه وأسراره، ثم تزيد على ذلك فطنة الأديب وبصره وإحساسه وقوة إدراكه للمعاني البعيدة التي تفضى إليها هذه الحقائق وهذه الأسرار، ثم قدرة الخيال على التطرح والتسامى، والتغلغل والنفوذ إلى أعماق مبهمة، حيث يستطيع أن يعقد المقارنة ويقيم المشابهة ويجمع هذا إلى ذاك، ويفرق بُعْدًا شيئين يتلازمان في بعض وجوه النظر وكذلك يهتدى
стр. 865
بالفطرة الصادقة الهادية إلى معان وأسرار لا يصل إليها إلا من استقل بمثل هذا المذهب الذي يبدأ بصحيح العلم وينتهي بصادق الخيال.
وقد كان القدماء من شيوخنا يدركون ذلك، ويفصلون بين الطبع والطبع والسليقة والسليقة، وقد جهدوا أن يضعوا فاصلا يبين الحد بين الطبع الجيد والطبع الردئ، ولكن ذلك مما لا يرام البلوغ إليه في تحديد هذه الطبائع التي لا تخضع لسلطان علمي متميز بحد وقوة. فانظر مثلا إلى قول القاضي أبي الحسن الجرجانى في كتاب الوساطة بين المتنبى وخصومه: "وملاك الأمر في هذا الباب خاصة، ترك التكلّف، ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست أعنى بهذا كل طبع، بل المهذب الذي صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة، وألهم الفصل بين الردئ والجيد، وتصور أمثلة الحسن والقبح"، انظر إلى قول القاضي وتأمله تجده قد رام البيان عن حقيقة الطبع الذي يستقل بمذاهب الأدب ويقوم عليها، ولكنه وقع دون الغرض. قال عن الطبع: "تصور أمثلة الحسن والقبح". والتصور في هذا لا يكفي ولا يؤدي بالأديب إلى غاية كالغاية التي نريدها نحن؟
نعم إن التصور شرط في كل شيء من الأدب، ولكن الإحساس بالقبح والحسن هو الأصل الذي لا أصل غيره في الأدب جميعه شعره ونثره، والإحساس المتلقى وحده لا يكفي أيضا، بل هو الإحساس الذي يتلقى فيثور فيندفع فينفذ كما ينفذ السهم أو كما يغيب الشعاع في ظلمة المعاني ليضئ للأديب والشاعر ما يستبهم على غيره وينغلق.
وأما قوله عن الطبع أيضا: "وألهم الفصل بين الردئ والجيد" فهو كلام جليل دقيق موجز، فإن الإلهام -هذا المعنى المبهم الذي نحس به وبآثاره ولا نستطيع أن نعرفه أو نحدده- هو الأصل العظيم الذي يردف العقل، ويغذى الخيال، ويشحذ الحس، ويهدى في الظلمات الجاثمة على المعاني والأفكار، وإذا استطاع الأديب أن يتنبه إلى آثار الإلهام فيما يفكر فيه، وفيما يكتب وفيما يقول، واستطاع أن يجعل لعقله وفكره وبعض خياله نظاما يسترشد في وضعه
стр. 866
وتدبيره بهداية هذا الإلهام وتعرف آثاره في إنتاجه، فعندئذ تستقم له الطريقة وتنثال عليه الآراء والمعاني، ويدخل في الأسرار ويخرج على يسر وفي لين وبخفة، وهذا هو قول القاضي الجرجانى فيما سلف من كلامه:
"وملاك الأمر في هذا الباب خاصة ترك التكلف ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه والعنف به".
ولولا أن القاضي لم يأخذ هذا الأمر من بدئه بل أمسك بذنبه وجرى وراء الذنب، لكان وضع عبارته على التقديم والتأخير كما فعلنا نحن في شرح هذه العبارة. فإن تَرْكَ التعمل ورفْضَ التكلف والاسترسال وتجنُّبَ الحمل على الطبع هي النتيجة التي يبدأ عمل الأديب من بعدها فأين المقدمة التي تتقدم به في هذا الطريق؟ وكيف يستطيع أن يكون كذلك؟
نعم، فليس كل من ترك التعمل ورفض التكلف وتجنب الحمل على الطبع والعنف به ثم استرسل -بمستطيع أن يكون أديبًا أو شاعرًا، لأن هذه ليست أداة ولا شبه أداة بل هي نتيجة طبيعية لشيء آخر فإن الإحساس المشبوب النافذ الحذر الذي يصيد معانيه من كل ما يتناوله بالسمع أو بالبصر أو بالفكر أو بالخيال ثم هداية الإلهام الحر الذي يستقل بأدب الأديب، هما اللذان ينتجان ما ينتجان، فإن الأديب إذا خلص له هذا كله لم يكن له بد من ترك التعمل ورفض التكلف والاسترسال.
وإنما يتعمل الأديب ويتكلف في أول الطلب، وفي بدء ممارسته للفن الأدبى الذي يريده، ويكون هذا التكلف والتعمل شحذا لحده، وصقلا لمرآته، وجلاء لروحه، وما هو إلا القليل حتى ينطلق من هذه القيود الأولى، ويتحرر من رق الرغبة، ومن عبودية التقليد والمحاكاة. فإذا انطلق الأديب وتحرر تصرف في أغراضه كلها على هوادة ورفق كأيسر ما يكون التصرف وأسهله وأنعمه وأرقه.
فلينظر طالب الأدب أول ما ينظر إلى هذه الاُصول التي رتبناها، وليحاسب
стр. 867
نفسه ويفهمها، وليعرف قوة طبعه معرفة التجربة، فإذا فعل ذلك وتدارس ما يجب عليه من الاختبار لنفسه، فوجد عنده من الاستعداد لها أثارة قد طُبِع عليها، فلا يخافن، فهو على الطريق وهو إلى الغاية، وهو مدرك ما يبغي إن شاء الله.
стр. 868
فوضى الأدب وأدب الفوضى
مضى زمن، مذ كان أحد من يلتصق بأيامه في أيام الأدب، وينتشط اختطافا من بعض أسباب هذا الأدب المسكين -يتكلم عن الأدب والفوضى وكيف يضرب أحدهما بعرق إلى الآخر. وقبل، فإن أضر ما ابتلى به الأدب وغير الأدب من العلم والسياسة والاجتماع وما علا وما سفل- إنما هو تلك الهنات الناشبة في أقصى الحلق، والتي تمتد وتطول وتعرض، وتلين على الحركة، والتي تسمى في لغة الناس باللسان.
ونحن الآن نريد أن نتسلل من فتنة هائلة وفوضى شاملة، بل نحن غارقون في هذين البلاءين إلى قريب من الاختناق فيجب على كل من حقق لنفسه معنى من معاني الأدب -على أصل ثابت قوى أن يدفع بنفسه في جهاد هذه الجنود الفاسدة التي تغزو عقول الناس في الشرق بأداة مهولة من الأدب الذي لا قيمة له في حقيقة العلم. وهذه الجنود هي بعض الآراء البراقة، وكثير من المراتب التي يلقى على درجاتها كل من ملك لسانا يتكلم به فتكلم وأطال، وعرف أن الحياء إن يكن في الأخلاق مَنْقَبة، فهو لطالب الشهرة والصيت مَثْلَبة ومَذَمة. وعلى ذلك فأنت ترى أكثر هؤلاء لا يستحي أن يتبجح بالجهل والخطأ والضلال والفجور، مادام ذلك مما يؤدي به إلى مدارج الذكر على ألسنة الناس من العامة وأشباه العامة. وإذا نُزِع الحياء كثر البلاء.
وقد رأيت أن أقدم بين يدي هذه الكلمة -أن الرأي ليس هو ما يقال، وإنما هو ما يبنى بناء محكما على دقة وتدبير ومراقبة، وأما القول فسهل على باغيه، دان لملتمسه، وليس في ظواهر الأشياء في الحياة ما يعسر على المرء أن يتخذ منه فصلا بل فصولا كاملة يلبس بها الحق على الناس تلبيسًا، يقف في مدارج
стр. 869
أفكارهم فيدعها لا تخلص إلا على طريقه، وإن بعض البلاغة -على أي درجاتها- تمهد للسان الرجل أن يذهب بالرأي المذاهب غير حذر، فإنه يعلم أنه يزور كلاما على مدة وتطاول، يلقن إلى من يقرؤه فيتلقفه فيختزنه عقله يعمل فيه عمل الداء الخفي في العضو المصاب به.
ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان" وجاء عنه أيضا قوله: "إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة (١) بلسانها" وذلك لأن عمل الكلام في النفس الإنسانية هو العمل الخفي الذي يذهب مع الدم، فإن الجماهير تأخذ الآراء كلاما لم يحذر فيه صاحبه، وتعطيه للدنيا عملا لا يخاف مغبته فاعله. فذلك هو البلاء وهو اللعنة وهو المحق الذي يذهب بصالح أعمال الناس فيجعلها كهباء اشتدت به الريح في يوم عاصف. فواجب الأديب الذي يحرص على أن يكون رجلا مذكورا في الناس ما بقي في الدنيا وبعد زواله منها، أن لا يتركه لسانه يلين كما يلين لسان البهيمة في التمطق بلذيذ الكلأ إذا أصابته وتملأت منه، وإلا فقد اختار لنفسه أسوأ الحالين. فإن العصر الذي هو فيه إن ذكره فذاك، ثم يأتي من بعده عصر فيه يغاث الناس بالعقل الحاكم فيقذفون به وبأدبه في تلك السلال الأبدية العظيمة التي أعدها الزمن لفلان وفلان ممن عرفنا ومن لم نعرف.
فمن الغفلة التي طمست على صاحبها، وسولت للسانه أن يتخلل الكلام من هنا وهنا، أنه جعل الأدب إنما -على هذا الحصر- يزدهر في أزمان الفوضى الاجتماعية. ولو فهم هذا الأديب حق الفهم معنى الفوضى الاجتماعية لم يجرؤ على القول الذي قاله، ولم يحاول بلسنه وتفاصحه، أن يذهب هذا المذهب من الرأي. فإن عصر الفوضى الاجتماعية، شيء غير عصر الصراع الاجتماعي، فإن الفوضى انحلال ذاهب إلى أسفل وإلى طلب الأسفل، والصراع ذاهب إلى الأعلى وإلى درك الأعلى، وبين هذين ما بين ألفي ميل انخسفت في الأرض، وألفي ميل
стр. 870
ذهبت في السماء، ولا يخلط بينهما إلا مخادع أو مفتون أو من عمى فلم يبصر الذي فوق والذي تحت.
إن جماعة الجماهير التي تقرأ والتي تسمع والتي تفهم، لا تفهم من الفوضى إلا ذلك الاضطراب المتداعى الذي لا يستقر فيه شيء على حال، ولا يمكن أن يستقر على حال، والذي لا يعرف أصولا مقررة بينة يتهاوى إليه بقوته وإرادته إلى غاية بعينها، فالفوضى الاجتماعية هي الحال التي إذا وضعت إصبعها في سرارة الجماعة ووسطها جعلت فيها كمثل الزلزلة المخبولة الطائشة الباغية بقوتها وجبروتها، إذا أصابت الجبل فهدته، فما كان فيه قمة لم يلبث أن يكون مطمورا تحت الحصى الذي كان يلوذ بالجبل كما يلوذ الذليل بمن أذله واحتكم عليه. فهذه حال لا يكون فيها الجبل جبلا ولا ينتظر أن يكون مرة ثانية.
أما الصراع الاجتماعي فهو ذلك الجذب الهائل بين القوى المتكاثفة من الخير والشر والخطأ والصواب والعلم والجهل كلها قد احتشد للظفر والغلبة فيخيل للجاهل المفتون إذا رأى تداخل هذه الجيوش المتحاربة وتحاطم أسنتها في قتالها، وما يصيب ميدانها من الكَرّ والفر والإقبال والإدبار وما سوى ذلك من أعمال القتال والمناجزة -يخيل لهذا الجاهل أن الأمر فوضى واضطراب، وما هو به، إن هو إلا طبيعة الحرب، التي يراد بها الظفر ولا تكون الحرب إلا كذلك. وما اختلاط الدنيا وموج الناس إلا تنظيم القوى وتلاقيها، فليس بين هذا وبين الفوضى إلا شبه يتخيله من ينظر إلى السطح دون الأعماق، ويطلب عرض الباطل دون جوهر الحق، وهذا النظر حاله غالبة على من به ضعف كضعف القط حين يتنمر أو يستأسد، وما هو إلا نتيجة الفوضى التي تقع في أعصاب مريضة متهالكة من منبعها إلى مصبها، فلذلك لا يكون الرأي لها إلا كذلك.
إن الفوضى الاجتماعية إنما تعقب عصور القوة الحاكمة المتسلطة، وذلك إذا بدأت تنهار بعد الاستكانة إلى غرور هذه القوة وهذا السلطان، وإذا انهار السلطان الاجتماعي القوى كانت الفوضى بتمامها وبأدق معانيها، وتعيش الأمة بعد ذلك في فوضى أي في ضعف مستمر ليس له حاجز يلجأ إليه، أو ليس له من
стр. 871
القوة ما يرتفع به حتى يعتصم بهذا الحاجز إن كان قد بقي منه شيء. وإذا بلغت الأمة هذا المبلغ فالرجاء في قيامها من كبوتها هو رجاء باطل ليس له أصل في السماء ولا في الأرض.
وعلى ذلك، فإن أدب مثل هذا الجيل الذي تغلب عليه الفوضى الاجتماعية لا يكون إلا أدب فوضى من عقول فوضى بآراء فوضى إلى غايات فوضى، أدب لا يرجع إلا إلى الفوضى، ولا ينتهي إلا إليها. فإذا انقشع غبار الفوضى، وتجلت عمايتها عن الناس، كان مصير هذا الأدب أن يحكم عليه بالإعدام فيقتل ثم يلقي في حفرته إلى التعفن والبلى، فإذا خفف الحكم كان حكما بالأشغال الشاقة المؤبدة، ليعمل في البناء التاريخى للأمة ومع ذلك فلن يعرى في مكانه هذا من اللعنات التي يغسل بها كلما ذكر.
إن صاحب هذا الرأي الذي أشرنا إليه آنفا قد احتمل سيله من غثاء الرأي، لا نجد معه حاجة إلى تعقبه للبيان عن وجه الخطأ فيه، أو وجه المغالطة إن كان قد تعمد ذلك. وليس هذا سبيلنا الآن. وإنما أردنا أن نبين قدر اللجاجة التي تسقط الرأي إذا نبعت في أصلها من خطأ الفهم لحرف واحد من الكلام. فلم يتدهور هذا الأديب فيما تدهور فيه إلا بعد أن كان أصل كلامه خلطا عجيبا بين معنى الفوضى، ومعنى الإرادة التي ينشب بقوتها الصراع بين الآراء أو المذاهب أو الضرورات الاجتماعية. إن الفوضى شر كبير لا يشك في ذلك عاقل، وهذا الشر لا يمكن أن ينتج خيرا كالذي يخيله للناس كلامه، والصراع خير وإن ظن فيه بعض الشر! فهو مخيلة الخير في الأدب وغير الأدب.
والأدب إذا بدأ استمداده من الفوضى التي لا تدع، يجب كما يجب، ولا تذهب بما ينبغي أن يذهب إلى حيث ينبغي أن يذهب -فهو أدب ضعيف لا يقوم على أساس من شيء ولا واقع ولا مرجو. وليس يغر أحدًا أن يقال إن الفوضى هي التي تدفع الناس إلى التفكير في إصلاح الفوضى، فإن أول ما يصاب في الفوضى هو التفكير، وإذا أصيب التفكير في مجموع الأمة بهذه الفوضى، لم يجد المصلح من يعقل عنه معنى ما يقول وأخفق أن يجد من يسمع إليه، وإذا فقد الأديب هذين فَقَدَ القدرة على الذهاب في البيان عن إصلاحه.
стр. 872
إن الأديب ينشأ في أوساط متصارعة بعقولها في طلب الحق، أي في الجماعات التي يشملها الصراع الاجتماعي الهائل، وليس معنى ذلك أن يكون هذا الصراع قائما على أسباب من المفاسد والمقابح التي تفسد النفس وتهلكها، بل معنى ذلك أن يكون هذا الصراع قائما على طلب الحقيقة التي تعصم الأمة من التفكك والذهول والحيرة أي من الفوضى.
فأدب الفوضى، فوضى الأدب هما شيء واحد، وقد احتفظت العصور الكثيرة في الأمم المتعاقبة بصور كثيرة من الفوضى الاجتماعية، وما كان من قدرة أدباء تلك الأجيال، وأين يقع أدبهم من الأدب الجيد، فإذا تناولت ذلك، ودراسته لم تجد إلا الفوضى في هذا الأدب من قبل الفكر والعبارة عنه والغرض الذي يرمى إليه. فلا يخدعن الناس ما يقال في ذلك، فإن أكثر ما بين أيدينا من الأدب إنما يدل دلالة بينة مكشوفة عن حقيقة الفوضى التي جعلت عقول بعض الأدباء كسطح المنخل، لا تمسك حبها على الهز.
стр. 873
الأدب والحرب
إن روح الأديب الذي أعدته طبيعته للتعبير عن الإحساس الذي يجيش في ضميره تعبيرًا يكفل لنفسه البقاء والخلود في تاريخ الأدب، هي الروح الصحيحة التي يمكن أن يعرف من ناحيتها حقيقة تأثير الحرب في الأدب. وقد قلنا مرارا إن تأثير الحرب في الأدب ليس هو أن ينصب الأدباء أنفسهم لتسجيل أخبار الحرب أو أحداثها أو نتائجها أو غاياتها أو فكاهاتها، وما يكون فيها أو منها مما يمكن أن يتخذ أساسًا للكتابة، وإنما يكون أثر الحرب في أدب الأديب في وحي الفكرة التي يقوم عليها بناء إنشائه البليغ، أو غرضه الذي يتوجه إليه معنى كلامه. وبذلك نعرف أن تأثير الحرب في الأدب يقع في كل إنتاج بيانى صحيح، فالحديث عن المرأة مثلا إذا كان في كلام هذا الأديب يخضع اليوم -أو زمن الحرب- خضوعا تاما من بعض نواحيه للزلازل المرجفة التي يرتج في رجفاتها كيان الأديب المفكر المترفع.
وهذه الحرب الحديثة التي نسمع اليوم هدها ودويها وقعقعتها، وتزأر في نواحي ميادينها والوحوش المجنونة التي تستولغ في الدم، وتصبغ فيه أفكارها وأعمالها وعقائدها، وتنشب مخالبها في الفرائس التي تلاقيها في انقضاضها المخبول حين تنقض بكل غرائزها الدنيئة التي تثور في الإنسان ساعة الغضب وأوان الحقد وعند الحفيظة -نقول هذه الحرب الحديثة ذات الطبيعة الدموية الحمراء، تخالف من كل نواحيها كل ما سبقها من الحروب في تاريخ العالم من لدن آدم إلى يوم الناس هذا.
فلا جرم إذن أن يكون تأثيرها في طبائع البشر تأثيرا مخالفا لما سبق من تأثير الحروب السالفة في توجيه شعور العالم. والأديب -لا شك- أشد الناس تأثرا بهذه الحرب، وأثرها فيه وفي أدبه أشد وضوحا وبيانا من مثل ذلك في سائر
стр. 874
الناس، وبذلك سيكون ثأثير هذه الحرب -على قصرها أو تطاولها- تأثيرا مباينا لكل تأثير سبقه في أدب الأدباء.
فالأديب في حياته الإنسانية والأدبية يعيش على استمداد الطبيعة الأدبية التي تصيد من مادة الحياة التي يعانيها في كل يوم من أيامه، والتي أرصدتها لها طبيعتها لتكون له أبدا صيدا يغذو منه أدبه وفنه، ويربى على دره عبقريته الأدبية، وطريقه إِلى ذلك طريق لا يكاد يختلف. فالحياة الإنسانية اليومية هي المؤثر الأول في حياة الأديب، وهي التي تشكل أعصابه المفكرة بشكل الصورة التي يمكن أن تخضع لها هذه الأعصاب وتخضع فطرتها. وهذه الأعصاب المتصلة بعقل الأديب الحساس المعبر، هي التي تتناول المادة الفكرية لتصوغها صياغة جديدة من البيان. فليس شك إذن في أن الأفكار -أو الإنتاج- نفسه، سيكون مميزًا ببعض المميزات التي كانت نتيجة طبيعية للتأثير الواقع بصورته في أعصاب الأديب وعلى ذلك -فمهما يتناول العقل الأديب من شيء من أشياء الفكر، قدم أو حدث، بَعُدَ أو قرب- ففي هذا الشيء تظهر آثار بينة من ضغط المؤثرات الإنسانية اليومية التي تقع عليه.
والفكرة في البيان الأدبى هي الأصل الذي تدور عليه بلاغة التعبير اللغوى، وذلك أن الألفاظ اللغوية التي يتداولها أهل كل لسان من الألسنة الكثيرة في هذا العالم ليست إلا رموزا محدودة بحروفها, يراد بها وجه من وجوه الدلالة على معان كثيرة، وهذه المعاني التي تدل عليها الألفاظ تختلف اختلافا كبيرا في فهم رجلين متقاربين متعاصرين وذلك لأن الألفاظ اللغوية بحدها الذي تحده به المعاجم ليس لها عمل البتة إلا إثارة المعاني في نفس قارئها أو سامعها، وهذا السامع أو القارئ يتحين أحيانا لمعانيه, فإذا هزته الألفاظ أخرجت من مكامنها تلك الأفكار الكثيرة المتشابكة المتداخلة التي لا تنتهي، والتي تنام دائما في واعية العقل -أو ما يسمونه العقل الباطن- وعندئذ لا يُبْقِي اللفظ اللغوى معناه المحدود بالمعجم، بل ينطلق في مذاهب لا تنتهي كل معنى منها يركب معنى آخر أو يتعلق به أو يتولد منه.
стр. 875
والعرب سمت هذه الحالة التي تعرض للألفاظ في سمع السامع وفهمه، وكلام المتكلم وبيانه، اسما خاصا أرادت به تعميم هذا المذهب في كلامها. ولولا أن البلغاء -أعنى أصحاب علم البلاغة- قد حجروا ما وسع أصحاب اللغة والبيان العربي، لكان لهذا الباب مذهب آخر غير المذهب الذي درج عليه أئمتنا رضوان الله عليهم في دراسة هذا الباب من العلم.
وهذه الحالة التي ذكرناها هي المعروفة في علم البلاغة "بالمجاز". فالمجاز في اللغة هو الطريق، وسموه كذلك لأن اللفظ اللغوى يجوز من معناه الأصلى على طريق ومذهب إلى معنى آخر يتهافت إليه أو يتعلق به أو يهوى في بعض هواه. وهذا المجاز الذي يجوزه اللفظ ينضبط ويتقرر على أصول نفسية محصنة (١)، هي التي ترتاد للفظ سبيله الى المعاني التي يمت إليها أو يمتد معناه فيها. والمجاز هو أصل البيان كله، والبيان هو أصل الأدب، والأدب قائم من ناحية أخرى على الفكرة الأدبية، فمن هنا ترى أن المجاز في اللفظ والفكرة الأدبية هما الشريكان المترافدان اللذان ينشئان الأدب ويجعلانه شيئا خالدا من الفن المتكلم الصامت.
وإذا سقط أحد هذين من مذهب الأديب تساقط معه أدبه وتهافت، وإذا بقي أحدهما سابقا والآخر متخلفا كان ذلك مطعنا يغمز منه أدبه أو مقتلا يلقي من قبله حتفه، وكذلك تعلم أن لابد من تقاود الفكر واللفظ في البيان الأدبى حتى لتجد كأنهما يتسابقان يقود أحدهما الآخر إلى غايته، فلا تسلم صفة القيادة لواحد منهما دون الآخر، فإذا تم ذلك تم المعنى الأدبى البيانى الكامل في أدب الأديب، وتم له الخلود الدائم في التاريخ الأدبى والبيان اللسانى الذي تتكون من أشيائه ثروة اللغة.
وإذا صح لديك -وهو لا شك صحيح- أن الأديب لا تجتمع لأدبه مادته إلا من الحياة اليومية التي تؤثر في فكره أشد التأثير، وتحمله على توليد المعاني الأدبية من معاناة الحياة ومداورتها ومقاساتها على لينها وشدتها، وأنه أشد الناس تأثرا وإحساسا بالأحداث الإنسانية والطبيعية كلها، وأن هذا الإحساس وهذا التأثر هما
стр. 876
الدافعان الأولان اللذان يوجدان فيه معانيه التي تحمله حملا على التعبير، وأن التعبير يتناول المادة اللغوية من الألفاظ فيدورها على أسلوب وطريقة وترتيب ينتهي إلى شيء واحد: هو حفظ النسبة والعبارة بين اللفظ اللغوى والمعاني الجديدة التي يعلق بها الأديب أسبابه بأسباب معانيه. إذا علمت ذلك علمت أن الحرب وهي الهَزّ الدائم المستمر بين صباح اليوم وليله -توجد في أدب الأديب بيانًا جديدًا ومجازًا مبتكرًا وعبارة متناسبة تتجدد بها اللغة وتثرى، وتختزن في خزائنها أموال الأدب التي يسهبها (١) لها هذا الأديب.
ولا يذهبن بك ما ترى منْ رَأْينا إلى أن ذلك لا يتناول إلا الألفاظ، كلا، فالأغراض والمعاني والآراء كما قلنا هي الأصل واللغة تبع كمتبوع، وليس ذلك حسب، بل أن النهج والأسلوب والمأخذ والمرمى والمقطع والحد، وكلٌّ يتميز به الكلام الأدبى والنهج الأدبى العام، هو أيضا يتأثر تأثرًا ظاهرًا بينا بالأثر الذي يحدث من جراء الرجفة الحربية التي تزلزل أعصاب المجتمع البشرى في هذه الأيام.
والحرب الحديثة هذه لا تزال قائمة تدمدم دمدمة مفزعة متغولة بالرعب الوحشى الذي يزأر زئيره في ميادين القتال الهائلة، وستستمر كذلك إلى أن يقضى الله قضاءه على هذا العالم الظالم أهله، ولن تضع الحرب أوزارها إلا بعد أن تصفي الأوضار الخبيثة التي تراكم ثقلها (٢) على البشرية، وحتى ينهك التعب شياطين الحرب وهي تتداك وتتزاحم إلى أن تسقط إعياء من طول ما طوفت على العقول المختبلة تضع فيها مادتها الشيطانية النارية الملتهبة بالشر والعدوان والبغي والطمع وسائر الرذائل الماحقة التي تعمل في خراب العالم من ناحية، ليقوم العقل البشرى الخالد من ناحية أخرى فيعمره بتوفيق الله وهدايته، واتباع طريقه والتسلم لقضائه، والإيمان بأن منه الرحمة في الخير والشر يداوى بها الكلم الدامى المتفجر حتى يرقأ دمه وتنحسم مادته.
стр. 877
ومادامت هذه الحرب قائمة على هذا الهول وهذا العنف وذلك الجبروت الطاغى، فنحن لا نستطيع أن نقول كيف هو أثر هذه الحرب بالتحديد في أدب العالم، وذلك لأن تأثير الحرب لن ينتهي الآن لأنه يتجدد في كل يوم بأهواله، بل في كل ساعة بل بين كل دقيقة ودقيقة، والتأثير لا يعرف ولا يتميز إلا بعد أن تمر فترة تكفي على قدرها أن يستوى التأثير على حالة باقية يمكن أن يتصورها العقل أو يُلِمّ بها فيتفهمها، وعلى ذلك فليس من الممكن أن نجد أساسا نقول فيه إنه هو الأساس. ولكن لسنا نشك البتة في أن هذا الانفجار العظيم المتقصف في كل مكان سيجعل في أعصاب العالم كله بعد انقضائه انفجارا يتقصف زمنا بمثل ذلك الهول والفزع، وأن الحياة الاجتماعية في نواحي العالم الحي بعد ذلك ستجد اختلالا هائلا يسمع هده ودويه في كل ثنية من ثنايا الدنيا، وأن كل دار يسكنها حي باق سوف تسمع من أرجائها ضجيجا هائلا يودى بالحياة الاجتماعية السالفة التي تعاقبت على العالم بعد الحرب الماضية، وأن المرأة سوف تستغل لشهواتها هذه الرجولة الظامئة التي أطارت الحرب ريها زمنا طويلا، وأن العالم على ذلك سيجد بلاء جديدا لم يسبق له شبيه في التاريخ الإنساني، وأن الأديب سيعيش في هذا الاجتماع الإنساني العالمى بعد آثار الحرب في نفسه فيرى ويسمع ويحس ويفكر ويتأمل ثم ينتج للأدب إنتاجا جديدًا فيه من ذلك كله آثار تشتعل في نواحيه.
إن الأدب هو تعبير الروح الإنسانية السامية النبيلة، والحرب الحاضرة هي تعبير الروح الإنسانية التي اختبلها مَسٌّ من الشيطان المتدلِّي إلى هوة سحيقة من الغرائز الوضعية، وسنرى -والله يعصمنا ويعصم القارئ، وهو الحافظ- كيف يعبر المعنى السامى حين يهتز بالمعاني الوضيعة، وسنرى أبالسة الأدب ينطلقون في كل فج ومن كل حدب ينسلون على الناس بشهواتهم المتكلمة في شعرهم ونثرهم وأفكارهم المستكلبة. وإنا لا ندرى ما خَبَأَ الله للناس، ولكنا نرجو أن ينجينا الله أن نكون بعض هؤلاء، فإن الرجل -وصدق رسول الله- ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
стр. 878
وإنما القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء! فاللهم اهدنا بهديك واعصمنا، فلا عاصم اليوم من أمر الله.
стр. 879
إلى على ماهر باشا
هل يأذن لي -صاحب الرفعة- أن أنتحل لنفسي صفة الأديب الذي يريد أن يتكلم بلسان مصر الخالدة التي أرسلت أجيالها تطل علينا من لدن عصر التاريخ الأول إلى القريب القريب ممن توفاه الله من آبائها وأبنائها؟
إنني لن أنتحل بهذا شيئا ليس لي، فإن الأدب الذي وقفت نفسي عليه هو نفسه ليس إلا تعبير الوطن كله بأرضه وسمائه وسكانه بألفاظه من اللغة على لسان رجل واحد، فما ينكر أحد على أديب مجهول مثلي -يجد في دمه تلك الأمواج الثائرة المتدفقة، وهي تتدافع في بنيانه تيارا من الإحساس- أن يطلب بألفاظه التعبير عن حقيقة هذا التيار تعبيرا صريحا يدل بروحه على أن الغفلة المظلمة لم تطبق دياجيها على القلب المصري الحر بعد.
حين بدأ الموقف المصري السياسي يرسل تلك الرعدة النافضة في أعصاب الوطن المستيقظ، بادرت فكتبت كلمة كنت أجد ألفاظها جائلة تدور في نفسي. كان الموقف غامضا، ولكني كنت أجد الهواء ينشق عن رائحة الفجر ويترقرق بأنواره فعلمت ساعتئذ بعض واجبي، فسارعت إليه. فلما قرأت اليوم ذلك البيان الفاصل الذي فرق بين الحق والباطل جعلت أستعيده مرات. ثم قلت لنفسي: "ويحك يا نفس! أي رجل هذا الذي أشرق من قلبه النور الخالد الذي أضاء لمصر وللعالم الإسلامي طريقا سوداء داجية"، وعندئذ علمت من واجبي بعضًا آخر.
إن مصر قد لقيت في هذا القرن من أحداث الدهر ما لا طاقة لوطني بالصبر على لأوائه وشدته، فقد قامت جماعات أريد لها يوما أن تنصب أنفسها كالأعلام الشامخة في تاريخ مصر، فكان ذلك. ومع ذلك فإن القلب المصري الذي لا يندفع وراء صوت الناعق، قد وجد هؤلاء -حين استوى لهم الأمر- قد أفرغوا
стр. 880
على شعلة الوطن التي أوقدتها قلوب أبنائه ذَنوبا (١) من ماء، فأطفأوا نورًا ونارًا - لو هما بقيا واستمرا إلى غاية، لأضاءا للتاريخ المصري الحديث مرتقاه إلى الذروة.
ولكن لا يخذل الله إلا هالكا، فاصطفاك الله لمصر في أيام من المحن، فما ندرى! !
لقد كانت مصر تجهل أن هذا الرجل الذي استطاع أن يلم شعث الوطن في أيام عاصفة، هو الرجل نفسه الذي سيكون عمله فيما بعد تعبيرًا عن روح النار المصرية الخالدة التي تأبى أن تنطفيء. نعم، لقد وقفت اليوم على قمة المجد الوطنى تكشف الحجاب عن ذلك المارد العاتى الذي جعل همه أن يغرر غرره بالوطن المصري، فنزعت من قلبك الرهبة، وسموت بروحك عن حاجة البدن وضرورة المادة، فتوهج بك النبراس المنير الذي سيضئ لمصر مرة أخرى -بعد مصطفى كامل- طريقها إلى معراج مجدها الخالد الذي لا يتهدم.
أبشر أيها الرجل المبارك! ! ! إن هذه القلوب المصرية المشعلة قد جعلت تسمع معمعة نيرانها تتردد في أرجاء الوطن قاصيها ودانيها. وإن الجرأة الكامنة في ضلوع هذا الشعب قد وجدت تعبيرها في مثال روحي سام نبيل، فهي تمد بقوتها وتستمد منه استمرارها ودوامها، ليس في مصر اليوم إلا أمة على قلب رجل واحد، اجتمعت على معرفة الحقيقة التي أحاطت بها، فهي لن تتوانى ساعة من نهار في إعلان حقيقتها هي. تلك هي الحقيقة التاريخية الخالدة في بلاد الشرق حقيقة الروح الباقية بإيمانها، بعد أن ينضم الثرى على رمَّة ورُفاتها.
إن الأسد لا يعرف من معاني وجوده إلا معنى واحدا: هو معنى العظمة الباذخة تستعلن بخيلائها من عضله إلى لبدته، وتتجلى بتيهها من نظراته إلى مشيته، لأنه هو قوة تفرض سلطانها بنفسها، وهو متبوع لا تابع، وهو صرامة