كل ذلك حرّك في نفس أحمد شاكر صدى دعوة سابقة؛ فجدد العزم على نشر محاضرته القديمة في كتاب مقروء.
صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٥ م، وطبع في دار الكتب السلفية مرتين؛ الأولى سنة ١٤٠٦ هـ، والثانية سنة ١٤٠٧ هـ.
خامسًا: ما يتعلق بالأدب واللغة:
١ - الشعر والشعراء لابن قتيبة:
قال أحمد شاكر ﵀: "هذا الكتاب من مصادر الأدب الأولى، ومما أبقى لنا حدثان الدهر من آثار أئمتنا الأقدمين. ألّفه إمام ثقة حجة من أوعية العلم، ترجم فيه للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جُلُّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله ، وفي حديث رسول الله ﷺ ، وقدم له مؤلفه بمقدمة تنطوي على أبواب في: أقسام الشعر وعيوب الشعر، والإقواء (١)، والإكفاء (٢)، والعيب
стр. 107
في الإعراب، وأوائل الشعراء.
وأول ميزة يراها القارئ المتأمل للكتاب أن اختيار المؤلف لبعض شعر الشاعر اختيار عالم بالشعر عارف به فقيه فيه؛ فهو يختار فيحسن الاختيار، وينقد فيحسن النقد ويجيد، ويوازن بين الشعراء فيقيم الوزن بالقسط لا يحيد ولا يميل" (١).
وبعد نفاذ طبعات الكتاب السابقة، استشرف الناس إلى من يقوم بنشر الكتاب من جديد؛ فنهض الشيخ أحمد شاكر بهذه المهمة الشاقة، وأخذ على نفسه أن يُخرج الكتاب إخراجًا صحيحًا متقنًا.
وبعد صدور الكتاب انتقد العلامة السيد أحمد صقر صنيع الشيخ أحمد شاكر في نشر الكتاب، حيث إنه اعتمد في التحقيق على طبعة ليدن اعتمادًا كليًّا، ولم يثبت اختلاف الروايات إلا قليلًا، مع أن طبعة ليدن أثبتت كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه.
إضافةً إلى أنه أغفل الرجوع إلى النسخ المخطوطة للكتاب، واعتمد على نسخة ليدن فقط، مع وجود ثلاث نسخ مخطوطة في دار الكتب المصرية، ونسخة في مكتبة الأزهر (٢).
وهذا النقد لا يُنقص من قيمة التحقيق العلمية، وتعليقات الشيخ أحمد شاكر على الكتاب تدل على سعة علمه، ودقة نظره.
стр. 108
قال الدكتور علي جواد الطاهر عن جهد الشيخ في الكتاب: "وهو تحقيق لا يمكن إغفاله، إنه من أجود التحقيقات، إن لم يكن أجودها" (١).
وصدرت الطبعة الأولى بين سنتي ١٣٦٤ - ١٣٦٩ هـ عن دار إحياء الكتب العربية. والثانية عن دار المعارف بين ١٩٥٨ - ١٩٦٧ م. والثالثة عن دار الحديث بالقاهرة سنة ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.
٢ - إصلاح المنطق لابن السكيت (٢):
" هذا الكتاب أراد به ابن السكيت أن يعالج داءً كان قد استشرى في لغة العرب والمستعربة، وهو داء اللحن والخطأ في الكلام. فعمد إلى أن يؤلف كتابه ويضمنه أبوابًا يمكن بها ضبط جمهرة من اللغة، وذلك بذكر الألفاظ المتفقة في الوزن الواحد مع اختلاف المعنى، أو المختلفة فيه مع اتفاق المعنى، وما فيه لغتان أو أكثر، وما يعل ويصحح، وما يهمز وما لا يهمز، وما يشدد، وما تغلط فيه العامة" (٣).
وقد أخرج الشيخ أحمد شاكر ﵀ هذا الكتاب بمشاركة العلّامة عبد السلام هارون، وحققاه تحقيقًا علميًّا متقنًا،
стр. 109
واعتمدا على أربع نسخ مخطوطة في تحقيق الكتاب وصنعا له فهارس علمية متنوعة.
وقد طبع الكتاب في دار المعارف عدة مرات، الأولى سنة ١٩٤٩ م، والثانية سنة ١٩٥٦ م، والثالثة سنة ١٩٧٠ م، والرابعة سنة ١٩٨٧ م.
٣ - كتاب المفضليات للمفضل الضبي:
وهو كتاب يحتوي على قصائد مختارة من الشعر القديم، وقد حققه الشيخ أحمد شاكر بالاشتراك مع الشيخ عبد السلام هارون، وتحدثا عن منهجهما في الكتاب فقالا: "وقد حاولنا أن نعرض هذا الشعر على القارئ أجمل عرض وأوضحه وأوجزه، فلا نعرض لاختلاف الرواة في الرواية، إلا أن نضطر إلى ذلك اضطرارًا، وإنما نعرف الشاعر إلى القارئ تعريفًا موجزًا كافيًا، ثم نذكر جو القصيدة وما قيلت فيه من أغراض ومعان وتاريخ، ثم نخرجها فنذكر ما وصل إليه علمنا من مواضع وجودها، أو وجود أبيات منها في كتب الأصول المعتمدة. وقد رأينا أن كثيرًا من هذا الشعر أو أكثره مستشهد به في لسان العرب وفي معجم البلدان، فوجدنا أن لو نصصنا على موضع كل بيت منه فيهما طال الأمر جدًا، فتركنا النص على ذلك؛ لأن سهلًا على القارئ أن يجد ما يريد في هذين الكتابين المرتبين على الحروف، ثم نفسر كل بيت بشرح ما فيه من الغريب شرحًا بيّنًا لا إخلال فيه ولا إطناب، وإن كان في معنى البيت خفاء
стр. 110
لا يكفي في بيانه شرح الغريب، فسرنا معناه تفسيرًا وسطًا، لا يتجاوز ما يجب لإيضاحه، مراعين في ذلك حال القارئ المتوسط؛ ليصل إلى معنى البيت من غير عناء ولا عنت، مع الحرص على أداء المعنى بأوجز قول وأدقه مطابقة للمراد" (١).
وصنع المحققان للكتاب فهارس علمية دقيقة:
الأول: فهرس الشعراء. الثاني: فهرس القوافي.
الثالث: فهرس اللغة. الرابع: فهرس الحروف التي لم تذكر في المعاجم.
الخامس: الفهرس الفني؛ ويشمل على أربعة أنواع: الأوصاف والتشبيهات والفخر والمعاني العامة. السادس: فهرس الأعلام.
السابع: فهرس القبائل والطوائف. الثامن: فهرس البلدان والمواضع.
وقد طبع الكتاب في دار المعارف عدة مرات؛ منها: الطبعة الأولى سنة ١٩٤٢ م، والثانية سنة ١٩٥١ م، وطبعات أخرى في أوقات متفاوتة، ثم الطبعة السادسة سنة ١٩٧٩ م.
٤ - الأصمعيات للأصمعي:
وهو كتاب يشمل على اثنين وتسعين قصيدة، وحققه الشيخ أحمد
стр. 111
شاكر بالاشتراك مع الشيخ عبد السلام هارون، وما قيل في المفضليات يقال في الأصمعيات من حيث المنهج والفهارس الدقيقة للكتاب.
وقد طبع الكتاب في دار المعارف عدة مرات، منها: الطبعة الأولى في سنة ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م، والثانية في سنة ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣ م، والثالثة في سنة ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م.
٥ - لباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ:
قال أحمد شاكر في وصف الكتاب: "هذا الكتاب من أجود كتب الأدب وأحسنها، وسيرى قارئه أنه ينتقل فيه من روض إلى روض، ويجتني أزاهير الحكمة، وروائع الأدب، ويقتبس مكارم الأخلاق.
وفيه ميزة أخرى جليلة: أن فيه أقوالًا من نثر ونظم لم نجدها في كتاب غيره من الكتب المطبوعة" (١).
وحقق الشيخ أحمد شاكر الكتاب على ثلاث نسخ مخطوطة؛ أهمها النسخة الأصلية التي كتبت للمؤلف سنة ٥٧٩ هـ، وقد وهبها لابنه، وكتب ابنه عليها بيده يقول إن أباه وهبه إياها. فهي من أقدم كتب الخط العربية المحفوظة إلى الآن (٢).
ثم عُني الشيخ أحمد شاكر بوضع فهارس خمسة للكتاب:
стр. 112
أولًا: أبواب الكتاب. ثانيًا: الأعلام.
ثالثًا: الأماكن. رابعًا: أيام العرب.
خامسًا: قوافي الشعر.
وصدرت الطبعة الأولى عن مكتبة سركيس سنة ١٣٥٤ هـ - ١٩٣٥ م، والطبعة الثانية عن مكتبة السنّة، والطبعة الثالثة عن دار الكتب السلفية سنة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، والطبعة الرابعة عن دار الجيل ببيروت سنة ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.
٦ - المعرّب للجواليقي:
هذا الكتاب أجمع الكتب التي ضبطت الألفاظ المعربة. جمع فيه مؤلفه ما عُرِّب من الألفاظ الأعجمية إلى عصره، وحرص على أن يبين اللغات التي أخذت منها الألفاظ، وأصول الألفاظ في هذه اللغات ما وسعه علمه، كما اجتهد أن يسند الأقوال إلى أصحابها من أئمة اللغة. ولم يأل جهدًا في الاستشهاد بالآيات والأحاديث والشعر، ورتب ما جمع على حروف المعجم، تيسيرًا للمستفيد (١).
واعتمد الشيخ أحمد شاكر في تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ مخطوطة، ونسخة رابعة مطبوعة سنة ١٨٦٧ م. فَخَرَجَ متن الكتاب غاية في الصحة والإتقان، وتجلَّت شخصية أحمد شاكر الأدبية واللغوية من خلال تعليقاته النفيسة، ومعارضته للجواليقي
стр. 113
والاستدراك عليه في بعض الأحايين.
قال الأستاذ عبد الوهاب عزام ﵀: "وكل صفحة في الكتاب ناطقة بما حمل الأستاذ به نفسه من دأب على البحث، وعناء في المراجعة، شاهدة بأن دقته في الضبط والمراجعة يسرت الكتاب لقارئه، وهيأت له فوائد عظيمة، وقربت له مطالب بعيدة" (١).
وساهم العلّامة الثبت عبد السلام هارون مع أحمد شاكر في تحقيق كثير من مشكلات الكتاب، كما شارك الأستاذ عبد الوهاب عزام في كتابة مقدمة ضافية بين يدي الكتاب.
وأخيرًا ختم أحمد شاكر الكتاب بفهارس مفصلة دقيقة.
وطبع الكتاب بدار الكتب المصرية ثلاث مرات: الأولى سنة ١٣٦١ هـ - ١٩٤٢ م، والثانية سنة ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م، والثالثة ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.
٧ - الكامل في اللغة والأدب للمبرد:
قال أبو العباس المبرد: "هذا كتاب ألَّفناه يجمع ضروبًا من الآداب، ما بين كلام منثور، وشعرٍ مرصوف، ومثل سائرٍ، وموعظة بالغة، واختيار من خُطبة شريفة، ورسالة بليغة"، وتفسير للغريب، وشرح للإعراب (٢).
стр. 114
وقد حقق الجزء الأول وملزمتين من الجزء الثاني الدكتور زكي مبارك، ثم عَهِد إلى الشيخ أحمد شاكر بإتمام تحقيق الكتاب، فاضطلع أحمد شاكر بذلك، واعتمد في التحقيق والتصحيح على النسخة المطبوعة في أوربة سنة ١٨٦٤ م، وهي مطبوعة جيدة جدًّا، عمدة في تحقيق الكتاب، واعتمد أيضًا على شرح الكامل المسمى (رغبة الآمل) للعلّامة الكبير سيد بن علي المرصفي ﵀ وعلى ما يُسَّرَ له من كتب اللغة والأدب والتفسير والحديث وغيرها (١). ثم ختم الكتاب بفهارس دقيقة متنوعة تهدي الباحثين.
وثمة فرق آخر بين تحقيق زكي مبارك وأحمد شاكر، حيث اقتصر الأول في تحقيقه للكتاب على شرح الغريب من الألفاظ، وأغفل الفروق بين النسخ فلم يثبتها، وكانت دعواه عريضة في تصحيح بعض أغلاط المرصفي!
أما تحقيق أحمد شاكر فقد تجلّى فيه روح النقد القائم على أصول علميّة؛ فنبه على أغلاط العلّامة المرصفي في مواضع متعددة، وتسامى فنقد المُبَرَّد في بعض حواشيه على الكامل، وضبط بعض الأعلام بالشكل وترجم لبعضهم، وأشار إلى فروقات النسخ، وأوجه القراءات، وحكم على بعض الآثار والأحاديث، ونقل عن معاجم اللغة في شرح الغريب.
стр. 115
وصدر الكتاب في طبعته الأولى عن مكتبة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٥٨ هـ - ١٩٣٩ م.
سادسًا: ما يتعلق بالسير والتراجم:
١ - جوامع السيرة لابن حزم:
هذا الكتاب مختصر في سيرة الرسول ﵊ قريب المأخذ، سهل المتناوَل، قام بتحقيقه الدكتور إحسان عباس والدكتور ناصر الدين الأسد.
قال المحققان: "وبعد أن تمّ لهذا العمل كله ما تم، من الأسباب التي تقدم وصفها، تقدمنا به إلى الأستاذ العلّامة، محدث العصر، الشيخ أحمد محمد شاكر، فتفضل مشكورًا بمراجعته، وأضاف إلى التعليقات ما رآه لازمًا، واستدرك ما فاتنا مما يجب التنبيه عليه" (١).
وطبع الكتاب في دار المعارف سنة ١٩٥٦ م.
٢ - ترجمة الإمام أحمد من تاريخ الإسلام للذهبي:
حين عزم الشيخ أحمد شاكر على طباعة المسند للإمام أحمد بن حنبل، رأى أن يتخير ترجمة للإمام أحمد من نفائس آثار علمائنا الأقدمين، مما لم يسبق طبعه، فوقع اختياره على ترجمة الإمام أحمد من كتاب (تاريخ الإِسلام) للحافظ الذهبي، وأثبتها في أوائل الجزء الأول من المسند بعد تحقيقها وتصحيحها، ثم أفردها في جزء خاص.
стр. 116
صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة ١٩٤٦ م، ثم طبع في سنة ١٩٤٩ م، وطبع - أيضًا - في سنة ١٩٨٩ م.
٣ - ترجمته لوالده الشيخ محمد شاكر
كتبها الشيخ أحمد شاكر ابتداءً في مجلة المقتطف، عدد أغسطس ١٩٣٩ م، ثم طبعها في جزء مستقل في دار المعارف سنة ١٩٥٣ م.
سابعًا: ما يتعلق بالأنساب:
١ - جمهرة أنساب العرب لابن حزم:
بتحقيق الدكتور ليفي بروفنسال، وقام الشيخ أحمد شاكر بتصحيح النص، وتحقيق كثير من الأعلام، والأنساب، وكتابة بعض التعليقات المفيدة، وقد صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة ١٩٤٨ م.
٢ - نسب قريش للمصعب الزبيري:
بتحقيق ليفي بروفنسال، وقام الشيخ أحمد شاكر بتصحيح النص، وتحقيق كثير من الأعلام، والأنساب، وكتابة بعض التعليقات المفيدة.
وطبعته دار المعارف سنة ١٩٥٣ م.
ثامنًا: ما يتعلق بالردود العلميّة والمقالات الصحفية:
١ - الشرع واللغة:
رسالة رد فيها الشيخ أحمد شاكر على عبد العزيز فهمي باشا في اقتراحه الميت السخيف: كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وفي عدوانه على التشريع الإسلامي الخالد والسخرية منه.
стр. 117
وصدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٥ م، والطبعة الثانية بالقاهرة سنة ١٩٨٦ م، والطبعة الثالثة عن عالم الكتب ببيروت سنة ١٩٨٧ م، وبضميمتها رسالة الشيخ ﵀: الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر.
٢ - بيني وبين الشيخ حامد الفقي:
وهي رسالة شرح فيها الشيخ أحمد شاكر أسباب الخلاف بينه وبين حامد الفقي، ابتداءً بتعليقات الفقي (١) على بعض الكتب التي تولى تحقيقها وشاركه فيها الشيخ أحمد شاكر، مما كان سببًا في أن ينفض شاكر يده عن إتمام العمل معه. وانتهاءً بما كتبه الفقي تعليقًا على رسالة من رسائل شيخ الإِسلام ابن تيمية منشورة في مجلة الهدي النبوي في عدد (شهري رجب وشعبان سنة ١٣٧٤ هـ) فَهِمَ منها الشيخ أحمد شاكر تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك، فكتب أحمد شاكر مقالًا في تبرئة شيخ الإِسلام، وأرسله بالبريد، وأحفظ أحمد شاكر كثيرًا أن مقاله طُوي فلم ينشر في المجلة. إلى آخر ما جرى بينهما.
وطبعت هذه الرسالة في دار المعارف سنة ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م.
٣ - تعليقات في أبحاث دقيقة على دائرة المعارف الإسلامية:
هذه الدائرة موسوعة علمية كتبها لفيف من المستشرقين، رُتبت
стр. 118
موادها على حروف المعجم، واشتملت على ألوان متفرقة من العلوم.
وكان للمستشرقين فيها مغالطات ظاهرة، وشُبه وسموم نثروها في تضاعيف هذه الدائرة، وقد شارك الشيخ أحمد شاكر في التعقيب والمناقشة ودفع الشبه ما أمكن.
وقد نقلت أهم تعليقات الشيخ أحمد شاكر على شبهات المستشرقين في آخر الكتاب.
٤ - مقالات أحمد شاكر في الصحف والمجلات:
كان للشيخ أحمد شاكر ﵀ مشاركات، جادّة في الصحف والمجلات منذ سنة ١٩١١ م، إلى قبيل وفاته، وأبرز هذه المشاركات كانت في مجلة الهدي النبوي التي تصدرها جماعة أنصار السنة المحمدية.
وطبعت بعض هذه المقالات بعد وفاة الشيخ في كتابٍ بعنوان (كلمة حق).
ومن الصحف التي كتب فيها الشيخ أحمد شاكر: صحيفة المؤيد، والأهرام، والمقطم، والبلاغ اليومي، والوفد المصري.
ومن المجلات: المقتطف، والرسالة، والثقافة، والكتاب، والزهراء، والفتح، والمنار.
وجمعت نُتف من هذه المقالات، وشذْر من تعليقات الشيخ على بعض الكتب - بعد وفاته - في كتاب موسوم بـ (حكم الجاهلية).
تحقيق التراث
١ - النسخة اليونينية من صحيح البخاري.
٢ - تصحيح الكتب.
٣ - سير أعلام النبلاء (ترجمة عائشة أم المؤمنين).
٤ - مقدمة الرسالة للإمام الشافعي.
٥ - التحقيق لابن الجوزي.
стр. 121
النسخة اليونينية من صحيح البخاري (*)
منذ بضع عشرة سنة فكرتُ في طبع "صحيح البخاري" بطلب أحد الناشرين إذْ ذاك، ثم لم يقدَّر أن يتحقق ما أردنا.
وكانت الفكرة مبنية على إخراج الكتاب إخراجًا صحيحًا متقنًا موثقًا عن أصح نسخة وأجلها، وهي الطبعة السلطانية، التي أمر بطبعها "أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد ﵀"، وطبعتْ بمصر في المطبعة الأميرية، في سني ١٣١١ - ١٣١٣ هـ، ثم الطبعة التالية لها، التي طبعت على مثالها في المطبعة الأميرية سنة ١٣١٤ هـ.
والطبعة السلطانية مطبوعة عن النسخة "اليُونينية"، وهي أعظم أصل يوثق به في نسخ "صحيح البخاري". والنسخة "اليونينية" هي التي جعلها العلامة القسطلاني (المتوفى سنة ٩٢٣ هـ) عمدته في تحقيق متن الكتاب وضبطه حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة. وهذه هي أكبر ميزة لشرح القسطلاني المسمى "إرشاد الساري"، وهو شرح معروف مشهور عند أهل العلم.
فكتبت حينذاك مقدمة أعددتها لتقديمها بين يدي الكتاب عند
стр. 122
طبعه؛ تعريفًا بالنسخة "اليونينية"، وبما فيها من مزايا يحرص عليها طالب العلم المتوثق المتثبت، وتعريفًا بالحافظ "اليونيني" الذي اشتهرت النسخة بنسبتها إليه. وهذه هي:
اليونيني: نسبة إلى قرية من قرى بَعْلَبَكَّ، اسمها "يُونين" بضم الياء وكسر النون الأولى. وسمّاها ياقوت في معجم البلدان والفيروزابادي في القاموس "يونان" بفتح النون الأولى، وقال الزَّبيدي في تاج العروس: "ويقال فيها يونين أيضًا، وهو المعروف". وفي هذه القرية نشأت أسرةُ الحافظ، قال الزبيدي: "وهم بيت علم وحديث".
التقي اليونيني الكبير وأولاده:
ورأسُ هذه الأسرة وأولها: الشيخُ الفقيه الحافظ، الإمام القدوة، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو عبد الله "محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن علي اليونيني البعلبكي الحنبلي" ولد سنة ٥٧٢ بيونين، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: "ذكره الحافظ عمر ابن الحاجب، فأطنب في مدحه وصفته، فقال: اشتغل بالفقه والحديث إلى أن صار إمامًا حافظًا". إلى أن قال: "لم يُرَ في زمانه مثل نفسه، في كماله وبراعته، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وكان حسن الخَلْق والخُلُق، نفَّاعًا للخَلْق، مطَّرِحًا للتكلف". ثم قال الذهبي: "وكان الأشرف يحترمه، وكذلك أخوه، وقدم في آخر عمره دمشق، فخرج الملك الناصر يوسف إلى زيارته بزاوية القزويني،
стр. 123
وتأدب معه، قلت: كان الشيخ الفقيه كبير القدر، ويذكر بالكرامات والأحوال". وقال ابن العماد في الشذرات: "نال من الحرمة والتقدم ما لم ينله أحد، وكانت الملوك تُقَبّل يده وتُقدَّم مداسَهُ، وكان إمامًا علامة زاهدًا خاشعًا لله، قانتًا له، عظيم الهيبة، منوَّر الشيبة، مليحَ الصورة، حسن السَّمت والوقار، صاحب كرامات وأحوال". توفي ببعلبك ليلة ١٩ رمضان سنة ٦٥٨، وله ترجمة حسنة في تذكرة الحفاط للذهبي (٤: ٢٢٣ - ٢٢٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥: ٢٩٤)، وقد ذكر الزبيدي في شرح القاموس؛ أن هذا الحافظ اليونيني الكبير رزق أربعة أولاد، كانوا من المحدَّثين، وهم: شرفُ الدين عليٌّ، وقطب الدين موسى، وبدر الدين حسن، وأمَةُ الرحيم، أما البدرُ حسن وأمة الرحيم فإني لم أجد ترجمة لهما، وأما قطب الدين موسى فإنه مؤرخ معروف، اختصر المرآة في نحو النصف، وذَيَّل عليها ذيلا في أربع مجلدات، ولد سنة ٦٤٠، وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "كان عارفًا بالشروط كبير الصورة، عظيم الجلالة والمروءة والكرم، صار شيخ بعلبك بعد أخيه أبي الحسين علىّ، ثم شاخ وعُمِّر، ومات في شوال سنة ٧٢٦".
انظر الدرر الكامنة (٤: ٣٨٢) وشذرات الذهب (٦: ٧٣ - ٧٤).
وأما الشرفُ عليّ فإنه هو الذي نحن بصدد الترجمة له، وهو الذي عُني بتصحيح البخاري.
стр. 124
الحافظ شرف الدين اليونيني:
هو شرف الدين أبو الحُسَين (١) علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني البعلبكي الحنبلي "الإمام العالم المحدث الحافظ الشهيد" كما وصفه الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ. ولد ببعلبك في ١١ رجب سنة ٦٢١، سمع من الزبيدي والإربلي والزكي المنذري والرشيد العطار وابن عبد السلام وغيرهم. قال ابن العماد في الشذرات: "وقال البرزالي: وكان شيخًا جليلًا، حسن الوجه بهيّ المنظر، له سمت حسن، وعليه سكينة، ولديه فضل كثير، فصيح العبارة، حسن الكلام، له قبول من الناس، وهو كثير التودّد إليهم، قاض للحقوق. قال ابن رجب: سمع منه خلق من الحفاظ والأئمة، وأكثر عنه البرزالي، والذهبي". وذكر الذهبي في التذكرة؛ أنه انتفع به وتخرج، ثم قال: "ولزمته نيفًا وسبعين يومًا، وأكثرت عنه، وكان عارفًا بقوانين الرواية حسن الدراية، جيّد المشاركة في الألفاظ والرجال، وكان صاحب رحلة وأصول وأجزاء وكتب ومحاسن". وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "عُني بالحديث وضبطه، وقرأ البخاريَّ على ابن مالك تصحيحًا، وسمع منه ابنُ مالك روايةً، وأملى عليه فوائد مشهورة (٢)، وكان عارفًا بكثير من اللغة، حافظًا
стр. 125
لكثير من المتون، عارفًا بالأسانيد، وكان شيخ بلاده، والرحلة إليه، ودخل دمشق مرارًا، وحدَّث بها، وكان وقورًا مهابًا، كثير الودّ لأصحابه، فصيحًا مقبول القول والصورة، قال الذهبي: حصَّل الكتب النفسية، وما كان في وقته أحدٌ مثله، وكان حسن اللقاء، خيّرًا ديّنًا متواضعًا، منوَّر الوجه، كثير الهيبة، جَمَّ الفضائل، انتفعتُ بصحبته، وقد حدَّث بالصحيح (١) مرات".
قال ابن العماد في الشذرات: "وكان موته شهادة؛ فإنه دخل إليه يوم الجمعة خامس رمضان، وهو في خزانة الكتب بمسجد الحنابلة (٢)، شخص (٣) فضربه بعصا على رأسه مراتٍ، وجرحه في رأسه بسكين، فاتّقى بيده فجرحه فيها، فأمسِك الضاربُ، وضُرب وحُبس، فأظهر الاختلال، وحُمل الشيخُ إلى داره، فأقبل على أصحابه يحدثّهم وينشدهم على عادته، وأتم صيامَ يومه، ثمَّ حصل له بعد ذلك حمّى واشتد مرضه، حتى توفي". وكانت وفاته ليلة الخميس ١١ رمضان ٧٠١. وانظر تذكرة الحفاظ (٤: ٢٨٢) والدرر الكامنة (٣: ٩٨) وشذرات الذهب (٦: ٣ - ٤).
النسخةُ اليُونينيَّةُ:
كان الحافظُ أبو الحسين شرف الدين اليونيني كثير العناية بصحيح
стр. 126
البخاري، طويل الممارسة له، مهتمًّا بضبطه وتصحيحه ومقابلته على الأصول الصحيحة التي رواها الحافظ، "حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبيّ حَكَى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرةَ مرة".
وقد عقد الحافظ اليونيني مجالس بدمشقَ؛ لإسماع "صحيح البخاري" بحضرة ابن مالك، وبحضرة "جماعة من الفضلاء"، وجمع منه أصولًا معتمدة، وقرأ اليونينيُّ عليهم صحيح البخاري في واحد وسبعين مجلسًا، مع المقابلة والتصحيح، فكان اليونيني في هذه المجالس شيخًا قارئًا مُسْمِعًا، وكان ابنُ مالك - وهو أكبر منه بأكثر من ٢٠ سنة - تلميذًا سامعًا راويًا، هذا من جهة الرواية والسماع، على عادة العلماء السابقين الصالحين، في التلقي عن الشيوخ الثقات الأثبات، وإن كان السامعُ أكبرَ من الشيخ. وكان اليونيني، في هذه المجالس نفسها، تلميذًا مستفيدًا من ابن مالك، فيما يتعلق بضبط ألفاظ الكتاب، من جهة العربية والتوجيه والتصحيح.
وقد أرَّخ القسطلانيُّ (١) في شرحه السنةَ التي عُقدت فيها مجالس السماع بحضرة اليونيني وابن مالك بأنها سنة ٦٧٦ وكتبها بالحروف لا بالأرقام "ست وسبعين وستمائة" وهذا خطأ قطعًا؛ لأن ابن مالك مات سنة ٦٧٢، وكنت ظننت أولًا أن هذا خطأ مطبعي، ثم رجعت إلى النسخ المخطوطة من شرح القسطلاني بدار الكتب المصرية،
стр. 127
فوجدت هذا التاريخ فيها كما في النسخة المطبوعة، فأيقنت أنه خطأ من المؤلف، اشتبه عليه الأمر حين الكتابة، ولعل صوابه سنة ٦٦٦ أو سنة ٦٦٧، فتكون مكتوبة فيما نقل عنه "ست وستين" فقرأها "ست وسبعين" ونقلها كذلك، أو تكون مكتوبة أمامه بالرقم هكذا ٦٦٧، فحين أراد أن ينقل انتقل نظره فقرأ رقم السبعة متوسطًا بين الرقمين الآخرين المتماثلين. والله أعلم بصحة ذلك؛ فإني قد بذلت جهدي في تعرف التاريخ الصحيح لذلك، فلم أجده منصوصًا عليه في شيء من المراجع التي وصلتُ إليها.
و"جماعة الفضلاء" الذين كانوا حاضري هذه المجالس؛ للسماع والتصحيح والمقابلة، لم أجد أيضًا أسماءهم في شيء مما بين يديّ من المصادر، ولا أدري أكتبت أسماؤهم في ثبت السماع على النسخة اليونينية أم لم تكتب؟
وأما الأصول المعتمدة التي قابل عليها الحافظ اليونيني ومن معه، فقد بينها هو في ثبت السماع، الذي نقله القسطلاني في شرحه، ونقله عنه مصححو الطبعة السلطانية.
وهذا مثال ما كتبه العلامة ابن مالك بخطه بحاشية ظاهر الورقة الأولى من المجلد الأخير، وهو النصف الثاني من النسخة اليونينية، فيما رآه القسطلاني فيها ونقله عنها.
"سمعت ما تضمنه هذا المجلدُ من صحيح البخاري ﵁ بقراءة سيدنا" "الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين
стр. 128
أبي الحسين عليّ بن محمد بن" "أحمد اليونينيّ ﵁ وعن سلفه، وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء" "ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلَّما مر بهم لفظ ذو إشكال بَيَّنتُ فيه الصواب" "وضبطته على ما اقتضاه علمي بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارة وإقامة دلالة" "أخَّرت أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلام مما يحتاج إليه من نظير وشاهد؛ ليكون" "الانتفاع به عامًّا، والبيان تامًّا، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمد بن عبد الله" "ابن مالك، حامدًا لله تعالى".
وهذا مثال ما كتبه الحافظ اليونيني في آخر الجزء السابق ذكره، مما نقله القسطلاني أيضًا:
"بلغْتُ مقابلة وتصحيحًا وإسماعًا بين يديْ شيخنا شيخ الإسلام، حجة" "العرب، مالك أزمة الأدب، الإمام العلامة أبي عبد الله بن مالك الطائي الجيّانيّ" "أمدَّ الله تعالى عمرَه، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يُراعي قراءتي، ويلاحظُ" "نطقي، فما اختاره ورجَّحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصححتُ عليه، وما ذكر أنه" "يجوز فيه الإعرابان أو ثلاثة فأعملت ذلك على ما أمر ورَجّح، وأنا أقابل بأصل" "الحافظ أبي ذر، والحافظ أبي محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي" "ما خلا الجزء الثالث عشر والثالث والثلاثين فإنهما معدومان، وبأصل مسموع" "على الشيخ أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي منصور السّمعاني وغيره من الحفاظ" "وهو وقف بخانكاه السميساطي، وعلاماتُ ما وافقت أبا ذرّ (هـ) والأصيلي (ص) "
стр. 129
"والدمشقي (ش) وأبا الوقت (ظ) فيعلم ذلك، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة لتُعلَم الرموز، كتبه علي بن محمد الهاشمي اليونيني عفا الله عنه".
وقد نقل العلماء بعد ذلك عن نسخة اليونيني نسخًا كثيرة قابلوها بها، وصححوها عليها، وأسْمَوْها فروعًا؛ إذ اعتبروا نسخة اليونيني أصلًا، وقد كانت أصلًا وحجة، قال القسطلاني: "ولقد وقفتُ على فروع مقابلة على هذا الأصل الأصيل، فرأيت من أجلّها الفرع الجليل، الذي لعله فاق أصله، وهو الفرع المنسوب للإمام المحدِّث شمس الدين محمد بن أحمد المِزَّيَّ الغزولي، وقف التنكزية بباب المحروق خارج القاهرة، المقابل على فرعي وقف مدرسة الحاجّ مالك، وأصل اليونينيّ المذكور غير مرة، بحيث إنه لم يغادر منه شيئًا كما قيل، فلهذا اعتمدتُ في كتابة متن البخاري - في شرحي هذا - عليه، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه - إسنادًا ومتنًا - إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمات. ثم وقفت في يوم الإثنين ١٣ جمادى الأولى سنة ٩١٦ بعد ختمي لهذا الشرح على المجلد الأخير من أصل اليونينى المذكور". ثم قال: "وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور من أوله إلى آخره، حرفًا حرفًا، وحكيته كما رأيته، حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرم سنة ٩١٧ نفع الله تعالى به، ثمَّ قابلته عليه مرة أخرى". ثمَّ قال: "ثمَّ وُجد الجزء الأوّل من أصل اليونيني المذكور يُنادى عليه للبيع بسوق الكتب، فعرف
стр. 130
وأحضر إليّ بعد فقده أزيد من خمسين سنة، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكملت مقابلتي عليه جميعه حسب الطاقة، ولله الحمد".
ولم يذكر لنا القسطلاني ماذا تم على الجزء الأول الذي رآه معروضًا للبيع، وما مصيره ومآله، وأين مستقرُّه؟ ولكنه ذكر ما يُفهم منه أن الجزء الثاني الذي رآه هو قبل الأول كان موقوفًا في عصره "بمدرسة أقبغا آص بسويقة العزّى خارج باب زويلة من القاهرة المعزية"، وأنه رأى مكتوبًا بظاهر بعض نسخ البخاري الموثوق بها، الموقوفة برواق الجبرتَ من الجامع الأزهر بالقاهرة: "أن أقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينار". والمفهوم لي من هذا أن أقبغا حصل على الأصل كله كاملًا، ووقفه في مدرسته، ثم فُقد النصف الأول نحو خمسين سنة، إمّا بالسرقة، وإمّا بالعارية في معنى السرقة، ثم وجد في عصر القسطلاني.
والمفهوم من التقرير الذي كتبه شيخ الإسلام الشيخ حسونة النواوي شيخ الجامع الأزهر ٢٠ صفر سنة ١٣١٣، وهو المطبوع في مقدمة الطبعة السلطانية، أن أصل اليونيني محفوظ في "الخزانة الملوكية بالآستانة العلية" وأنه أرسل إلى مشيخة الأزهر للتصحيح عليه، على يد "صاحب السعادة عبد السلام باشا المويلحي". والذي أرجحه أن هذا الأصل أعيد بعد التصحيح عليه إلى مقره في "الخزانة الملوكية بالآستانة العلية".
ثمَّ بعد ذلك بسنين، في صفر سنة ١٣٦١، وقع لي النصف الثاني
стр. 131
من نسخة من فروع اليونينية، في مجلد واحد متوسط الحجم، وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته في ٢٤ ذي القعدة سنة ١٢١٥، كتبه كما وصف نفسه "السيد الحاجّ محمَّد الملقّب بالصابر بن السيد بلال بن السيد محمَّد العينتاني وطنًا".
ويظهر لي من كتابته أنه كان رجلًا أمينًا متقنًا متحريًا، لم يدع شيئًا - فيما يبدو لي - مما في أصل اليونينية إلا أثبته بدقة تامة، من ضبط واختلاف نسخ وهوامش علمية نفيسة. وقد أظهرني هذا المجلد على أن النسخة السلطانية لم يُثبت طابعوها كل ما أثبت من التعليقات على هامش اليونينية، بل تركوا أكثرها ولم يذكروا إلَّا أقلها، بل وجدت فيه أشياء أثبتها لم يذكرها القسطلاني في شرحه.
الطبعة السلطانية:
هي التي أمر بطبعها "أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد ﵀" بالمطبعة الأميرية ببولاق في سنة ١٣١١، وشرعت المطبعة في ذلك تلك السنة، وأتمت طبعها "في أوائل الربيعين سنة ١٣١٣"، في تسعة أجزاء، واعتمد مصححو المطبعة في تصحيحها "على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة، من فروع النسخة اليونينية، المعوّل عليها في جميع روايات صحيح البخاري الشريف (١)، وعلى نسخ أخرى
стр. 132
خلافها، شهيرة الصحة والضبط" كما قالوا في مقدمة الطبع، ولم يذكروا وصفًا للنسخ التي صححوا عنها غير ذلك، ولكن المتتبع للنسخة يعلم أنهم كانوا معتمدين أيضًا على شرح القسطلاني، وقد ذكروا في آخرها ما يشعر بأنه كانت بيدهم نسخة عبد الله بن سالم.
وأصدر السلطان عبد الحميد أمره إلى مشيخة الأزهر "بأن يتولى قراءة المطبوع بعد تصحيحه في المطبعة جمع من أكابر علماء الأزهر الأعلام، الذين لهم في خدمة الحديث الشريف قدم راسخة بين الأنام" وكان شيخ الأزهر إذْ ذاك الشيخ حسونة النواوي ﵀، فجمع ستة عشر عالمًا من الأعلام، وقابلوا المطبوع على النسخة اليونينية التي أرسلها لهم "صاحب الدولة المغازي أحمد مختار باشا المندوب العالي العثماني في القطر المصري".
نسختي الخاصة من الطبعة السلطانية:
هي جديرة بالإفراد بالذكر، فقد عُني بها والدي ثم عُنيت بها، سنين طويلة، والكتاب إذا عني به صاحبه، وجالت يده فيه، وكان من أهل العلم متحريًا، زاد صحة ونورًا، وهكذا ينبغي لصاحب الكتب.
وقد قرأ والدي صحيح البخاري في هذه النسخة قراءة درس مرتين، أتمه كله في إحداهما بالسودان، ولم يتمه في الأخرى
стр. 133
بالإسكندرية، وكتب في أولها في المرة الأولى ما نصه: "في يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ١٣١٨ هجرية، والخامس عشر من شهر أغسطس سنة ١٩٠٠ أفرنكية، شرعت في قراءة صحيح الإمام البخاري، بمسجد أم دُرْمان، وأسأل الله أن يوفقني لإتمامه، إنه سميع الدعاء. كتبه محمَّد شاكر قاضي قضاة السودان". وكتب في آخرها ما نصه: "بحمد الله تعالى قد فرغت من قراءته بمسجد أم درمان بعد عصر الأربعاء السابع من شهر ذي الحجة الحرام سنة ١٣١٨ - ٢٦ مارس سنة ١٩٠١". وكتب في أولها في المرة الثانية: "في يوم الأحد التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ١٣٢٢ هجرية، والثالث من شهر يوليو سنة ١٩٠٤، شرعت بمعونة الله تعالى في قراءة صحيح الإمام البخاري - رضي الله تعالى عنه - للمرة الثانية بمسجد الأستاذ أبي العباس المرسي بمدينة الإسكندرية، وأسأل الله أن يوفقني لإتمامه، إنه سميع الدعاء. كتبه الفقير محمد شاكر شيخ علماء إسكندرية".
وقد قرأت فيها شيئًا من أول الكتاب وآخره على أستاذي الإمام الكبير، حافظ المغرب، الحجة المجتهد، العلامة السيد عبد الله بن إدريس السنوسي ﵀، وَرَدَ مصر في سنة ١٣٣٠، ولازمتُه وقرأت عليه، وتلقيت منه علمًا جمًّا، ثمَّ عاد إلى المغرب، وتوفي هناك منذ بضع سنين فيما سمعت، وقد قارب المائة ﵁ وكتب لي بخط يده إجازة على هذه النسخة نصها: "الحمد لله، والصلاة على رسول الله، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى
стр. 134
آله وسلم - أما بعد: فقد أسمعني محلُّ ولدي الشاب النجيب الأديب الأريب أحمد بن العلامة الأجلّ الشيخ شاكر وكيل مشيخة الأزهر: من صحيح علم العلماء، وقدوة المحدثين الأتقياء، أوله وآخره، وكذلك أسمعني من مسند إمام الأئمة، وقدوة أتقياء أهل السنة، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، رحمهما الله تعالى، وجزاهم عما أديا من نصيحة الأمة، وطلب مني الإجازة في صحيح الإمام البخاري، المكتوب هنا على أول أجزائه، فأجزته بروايته عني بسندي فيه وفي باقي كتب السنة، وأوصيه بتقوى الله تعالى، وقوله فيما لا يدريه: لا أدري. وفقني الله وإياه لما فيه رضاه. كتبه بيده عبد الله بن إدريس السنوسي الحسني، كان الله له وتولاه، في تاسع جمادى الأولى سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف".
* * *
стр. 135
تصحيح الكتب (*)
تصحيح الكتب وتحقيقها من أشق الأعمال وأكبرها تبعة، ولقد صور أبو عمرو الجاحظ ذلك أقوى تصوير، في كتاب (الحيوان) فقال (ج ١ ص ٧٩ من طبعة أولاد السيد مصطفى الحلبي بمصر):
"ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقض؛ حتى يرده إلى موضعه من أمثلة الكلام، فكيف يطيق ذلك المعارض المستأجر، والحكيم نفسه قد أعجزه هذا الباب! وأعجب من ذلك أنه يأخذ بأمرين: قد أصلح الفاسد وزاد الصالح صلاحًا، ثم يصير هذا الكتاب بعد ذلك نسخة لإنسان آخر، فيسير فيه الوراق الثاني سيرة الوراق الأول، ولا يزال الكتاب تتداوله الأيدي الجانية، والأعراض المفسدة، حتى يصير غلطًا صرفًا وكذبًا مصمتًا، فما ظنكم بكتاب تتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاوره الخُطاط بشرّ من ذلك أو بمثله، كتاب متقادم الميلاد، دهري الصنعة".
وقال الأخفش: "إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميًّا".
стр. 136
وصدق الجاحظ والأخفش، وقد كان الخطر قديمًا في الكتب المخطوطة، وهو خطر محصور لقلة تداول الأيدي إياها، مهما كثرت وذاعت، فماذا كانا قائلين لو رأيا ما رأينا من المطابع، وما تجترحه من جرائم تسميها كتبًا! ! ألوف من النسخ من كل كتاب، تنشر في الأسواق والمكاتب، تتناولها أيدي الناس، ليس فيها صحيح إلَّا قليلًا، يقرؤها العالم المتمكن والمتعلم المستفيد والعامي الجاهل، وفيها أغلاط واضحة، وأغلاط مشكلة ونقص وتحريف؛ فيضطرب العالم المتثبت إذا هو وقع في خطأ في موضع نظر وتأمل، ويظن بما علم الظنون، ويخشى أن يكون هو المخطئ، فيراجع ويراجع، حتى يستبين له وجه الصواب؛ فإذا به أضاع وقتًا نفيسًا، وبذل جهدًا هو إليه أحوج، ضحية لعب من مصحح في مطبعة، أو عمد من ناشر أمي، يأبى إلَّا أن يوسد الأمر إلى غير أهله، ويأبى إلَّا أن يركب رأسه؛ فلا يكون مع رأيه رأي، ويشتبه الأمر على المتعلم الناشئ، في الواضح والمشكل، وقد يثق بالكتاب بين يديه فيحفظ الخطأ ويطمئن إليه، ثم يكون إقناعه بغيره عسيرًا، وتصور أنت حال العامي بعد ذلك! ! .
وأي كتب تبتلى هذا البلاء؟ كتب هي ثروة ضخمة من مجد الإِسلام، ومفخرة للمسلمين، كتب الدين والعلم: التفسير والحديث، والأدب والتاريخ، وما إلى ذلك من علوم أُخر.
وفي غمرة هذا العبث تضيء قلة من الكتب طبعت في مطبعة
стр. 137
بولاق قديمًا عندما كان فيها أساطين المصححين، أمثال الشيخ محمد قطة العدوي والشيخ نصر الهوريني، وفي بعض المطابع الأهلية كمطبعة الحلبي والخانجي.
وشيء نادر عني به بعض المستشرقين في أوربة وغيرها من أقطار الأرض، يمتاز عن كل ما طبع في مصر بالمحافظة الدقيقة - غالبًا - على ما في الأصول المخطوطة التي يطبع عنها مهما اختلفت، ويذكرون ما فيها من خطأ وصواب، يضعونه تحت أنظار القارئين، فرب خطأ في نظر مصحح الكتاب هو الصواب الموافق لما قال المؤلف، قد يتبينه شخص آخر عن فهم ثاقب أو دليل ثابت.
وتمتاز طبعاتهم أيضًا بوصف الأصول التي يطبعون عنها وصفًا جيدًا، يظهر القارئ على مبلغ الثقة بها أو الشك في صحتها؛ ليكون على بصيرة من أمره.
وهذه ميزة لن تجدها في شيء مما طبع بمصر قديمًا، بلغ ما بلغ من الصحة والإتقان فها هي الطبعات الصحيحة المتقنة من نفائس الكتب المطبوعة في بولاق، أمثال: الكشاف والفخر والطبري وأبي السعود وحاشية زادة على البيضاوي، وغيرها من كتب التفسير، وأمثال البخاري ومسلم والترمذي والقسطلاني والنووي على مسلم والأم للإمام الشافعي وغير ذلك من كتب الحديث والفقه، وأمثال لسان العرب والقاموس والصحاح وسيبويه والأغاني والمزهر والخزانة الكبرى والعقد الفريد، وغيرها من كتب اللغة والأدب،
стр. 138
وأمثال تاريخ ابن الأثير وخطط المقريزي ونفح الطيب وابن خلكان وذيله والجبرتي وغيرها من كتب التاريخ والتراجم، إلى غير ذلك مما طبع من الدواوين الكبار ومصادر العلوم والفنون، أتجد في شيء من هذا دليلًا أو إشارة إلى الأصل الذي أخذ عنه؟ !
وأقرب مثل لذلك [كتاب سيبويه] طبع في باريس سنة ١٨٨١ م (توافق سنتي ١٢٩٨، ١٢٩٩ هـ)، ثمَّ طبع في بولاق في سنتي ١٣١٦ - ١٣١٨ هـ وتجد في الأولى اختلاف النسخ تفصيلًا بالحاشية، ومقدمة باللغة الفرنساوية فيها بيان الأصول التي طبع عنها، ونص ما كتب عليها من تواريخ وسماعات واصطلاحات وغير ذلك حرفيًّا باللغة العربية، ثم لا تجد في طبعة بولاق حرفًا واحدًا من ذلك كله، ولا إشارة إلى أنها أخذت عن طبعة باريس.
فكان عمل هؤلاء المستشرقين مرشدًا للباحثين منا المحدثين، وفي مقدمة من قلدهم وسار على نهجهم العلامة الحاج أحمد زكي باشا ﵀، ثم من سار سيرته واحتذى حذوه.
ومن ذلك كانت طبعات المستشرقين نفائس تقتنى وأعلاقًا تدخر، وتغالى الناس وتغالينا في اقتنائها على علو ثمنها، وتعسر كثير منها على راغبيه.
ثم غلا قومنا غلوًّا غير مستساغ في تمجيد المستشرقين، والإشادة بذكرهم، والاستخذاء لهم، والاحتجاج بكل ما يصدر عنهم من رأي: خطأ أو صواب، يتقلدونه ويدافعون عنه، ويجعلون قولهم فوق
стр. 139
كل قول، وكلمتهم عالية على كل كلمة؛ إذ رأوهم أتقنوا صناعة من الصناعات: صناعة تصحيح الكتب، فظنوا أنهم بلغوا فيما اشتغلوا به من علوم الإسلام والعربية الغاية، وأنهم اهتدوا إلى ما لم يهتد إليه أحد من أساطين الإسلام وباحثيه، حتى في الدين: التفسير والحديث والفقه.
وجهلوا أو نسوا، أو علموا وتناسوا أن المستشرقين طلائع المبشرين، وأن جل أبحاثهم في الإِسلام وما إليه إنما تصدر عن هوى وقصد دفين، وأنهم كسابقيهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وإنما يفضلونهم بأنهم يحافظون على النصوص، ثم هم يحرفونها بالتأويل والاستنباط.
نعم إن منهم رجالًا أحرار الفكر لا يقصدون إلى التعصب، ولا يميلون مع الهوى، ولكنهم أخذوا العلم عن غير أهله، وأخذوه من الكتب، وهم يبحثون في لغة غير لغتهم، وفي علوم لم تمتزج بأرواحهم، وعلى أسس غير ثابتة وضعها متقدموهم، ثم لا يزال ما نشؤوا عليه واعتقدوا يغلبهم ثم ينحرف بهم عن الجادة، فإذا هم قد ساروا في طريق آخر غير ما يؤدي إليه حرية الفكر والنظر السليم.
ومعاذ الله أن أبخس أحدًا حقه، أو أنكر ما للمستشرقين من جهد مشكور في إحياء آثارنا الخالدة، ونشر مفاخر أئمتنا العظماء، ولكني رجل أريد أن أضع الأمور مواضعها وأن أقر الحق في نصابه، وأريد أن أعرف الفضل لصاحبه، في حدود ما أسدى إلينا من فضل، ثم لا
стр. 140
أجاوز به حده، ولا أعلو به عن مستواه، ولكني رجل أتعصب لديني ولغتي أشد العصبية، وأعرف معنى العصبية وحدَّها، وأن ليس معناها العدوان، وأن ليس في الخروج عنها إلّا الذل والاستسلام، وإنما معناها الاحتفاظ بمآثرنا ومفاخرنا، وحوطها والذود عنها، وإنما معناها أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأعرف أنه "ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلَّا ذلوا" وقد والله غزينا في عقر دارنا، وفي كل ما يقدسه الإسلام ويفاخر به المسلمون.
وكان قومنا ضعافًا، والضعيف مغرى أبدًا بتقليد القويّ وتمجيده، فرأوا من أعمال الأجانب ما بهر أبصارهم؛ فقلدوهم في كل شيء، وعظموهم في كل شيء، وكادت أن تعصف بهم العواصف، لولا فضل الله ورحمته.
غر الناس ما رأوا من إتقان مطبوعات المستشرقين، فظنوا أن هذه خطة اخترعوها، وصناعة ابتكروها، على مثال سابق، ليس لهم فيها من سلف، ووقع في وهمهم أن ليس أحد من المسلمين بمستطيع أن يأتي بمثل ما أتوا، بَلْهَ أن يبزهم، إلاَّ أن يكون تقليدًا واتباعًا، وراحوا يثقون بالأجنبي، ويزدرون ابن قومهم ودينهم؛ فلا يعهدون له بجلائل الأعمال وعظيمها، بل دائمًا: المستشرقون! المستشرقون! !
ويلقى الأجنبي منهم كل عون وتأييد، إلى ماله في قومه وبلاده من عون وتأييد، وقد يلقون للمسلم والمصري فضلات من الثقة على
стр. 141
أن يكون ممن يعلنون اتباع المستشرقين، والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، وعلى أن يكون ممن درسوا وتعلموا باللغات الأجنبية، حتى فيما كان من العلوم إسلاميًّا وعربيًّا خالصًا، وعلى أنه إذا عهد لأجنبي ومصري بعمل واحد: كان الاسم كله للأول، والثاني تابع، ولعله أن يكون الثاني أرسخ قدما فيما عهد إليهما، على قاعدة "علمه وأطع أمره"! !
وما كان هذا الذي نصف خاصًّا بالعمل في الكتب وحدها، وإنما هي ذلة ضربت على المسلمين في شأنهم كله، عن خطط تبشيرية ثم استعمارية، رسمت ونفذت، في كل بلد من بلدان الإسلام، وليس المقام مقام تفصيل ذلك، ولكنا نعود إلى ما نحن بسببه من تصحيح الكتب.
لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكري قواعد التصحيح، وإنما سبقهم إليها علماء الإسلام المتقدمون، وكتبوا فيها فصولا نفيسة، نذكر بعضها هنا، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد لتصحيح الكتب المحفوظة؛ إذ لم تكن المطابع وجدت، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب، ونحن وارثوا مجدهم وعزهم، وإلينا انتهت علومهم، فلعلنا نحفز هممنا لإتمام ما بدؤوا به.
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
* * *
стр. 142
سير أعلام النبلاء - ترجمة عائشة أم المؤمنين (*)
تأليف الحافظ الذهبي. قدم له وعلق عليه الأستاذ سعيد الأفغاني بدمشق (١)
الحافظ الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨) من أكبر مؤرخي الإِسلام وأوثقهم، ومن شيوخ حفاظ الحديث في عصور النور في الإسلام، وهو حجة العلماء بعده في نقد الرجال وتراجم العلماء والرواة، وهو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي. ومؤلفاته في التاريخ والتراجم كانت ولا تزال عمدة المؤرخين في عصره وبعد عصره، ولو لم يكن له إلَّا "تاريخ الإسلام" لكفاه مجدًا وفخرًا، ولعلي واصفهُ في كلمة خاصة قريبًا إن شاء الله. ومن أجل كتبه وأعظمها هذا الكتاب الذي نشرت منه هذه الترجمة، وهو "سير أعلام النبلاء". وهو كتاب كبير عظيم، في عشرين مجلدًا تقريبًا، سمعنا به كثيرًا ولم نره، بما عرض لكتب المسلمين من أحداث الزمن، حتى ضاع منها الكثير النفيس، ثم عرفت نسخة منه لدى حضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى ملك اليمن حفظه الله. واستنسخ بعضه صديقنا الكبير العلامة السيد محمَّد بن حسين نصيف، أحد نبلاء الحجاز وأعلامها بمدينة "جدة"، وتفضل حفظه الله فيسر للأستاذ سعيد الأفغاني نسخ هذه الترجمة "ترجمة عائشة" ومن قبلها "ترجمة ابن حزم" فنشر ترجمة ابن حزم سنة ١٩٤١ ثم نشر هذه الثانية التي نصف.
стр. 143
والمحدثون هم أئمة علم التاريخ وأساطينه، وهم الحفَظة عليه بما وضعوا من قواعد دقيقة متقنة لنقد الرواية والراوي، وعلى مناهجهم سار من قلدهم من المؤرخين وغير المؤرخين، حتى إنا لنجد الأقدمين كانوا يروون الشعرَ ومتن اللغة وكثيرًا من القواعد في العلوم الأخرى على طريقة المحدثين، وإن كان تقليد هؤلاء لم يبلغ شأوَ أولئك ولا قاربه، وأقرب مثال لذلك كتاب "الأغاني" وكتاب "مصارع العشاق"، وهما أبعد ما يكون عن صناعة الحديث، ولكنّ مؤلفيهما رويا القصص والشعر فيهما بالأسانيد على طريقة المحدثين، وإن لم ينقدا الأسانيد ولم يتحريا في الرواية كما يصنع المحدّثون. وسأدع وصف هذا الجزء "ترجمة عائشة" ليصفه ناشره ومحققه الأستاذ سعيد الأفغاني بقلمه في مقدمته قال:
"ترجم للسيدة عائشة كثيرون من أعلام المؤرخين، إلا أن هذا المصدر (سِيرَ أعلام النبلاء) يتفرد بمزايا ليست في مصدر آخر: إنها ترجمة فنية من الوجهة (الحديثية)، ونحن نعلم أن التاريخ في الحضارة العربية ولد في أحضان علم الحديث، وتعهده المحدّثون حتى نشأ وترعرع وبلغ أشده واستقل قائمًا بنفسه، وأعاظم المؤرخين الأولين هم كبار أئمة الحديث، وقد تفنن فيه هؤلاء فنونًا كثيرة تستعصي على الحصر، واتسعوا فيه اتساعًا استطاع معه (مغلطاي) أن يقول: "رأيت من مَلك نحوًا من ألف تصنيف في التاريخ". بل إن الحافظ السخاوي مؤرخ المئة التاسعة قرأ خط الذهبي: يذكر فنون
стр. 144
التاريخ التي تدخل في تاريخه الكبير ... فأوصلها إلى الأربعين فنًّا، ثم قال: "ولم أنهض له، ولو عملته لجاء في ستمائة مجلد". اهـ. قلت: لقد أمعنتُ أنا في عناوين هذه الفنون مسرودة في كتاب السخاوي (١)، فرأيت (مشروع) الذهبي أشبه بموسوعة (دائرة معارف) كبرى في التاريخ".
"ولكي يخرج القارئ بفكرة مجملة عجلى عن المجهود العظيم المعجز، الذي قام المحدّثون، وخاصة الذهبي في (سير أعلام النبلاء) أذكر أن الإمام الزركشي في كتابه عن السيدة عائشة (الإصابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) (٢) ذكر من الرواة عنها اثنى عشر راويًا، وإني أضفت عليهم نحوًا من ثمانين راويًا، جمعتُ أسماءهم في أعوام متطاولة، بعد الاطلاع على كتب الطبقات المخطوطة والمطبوعة، وعلى مصادر كثيرة جدًّا، حتى التي لا يظن أن يكون فيها شيء عن السيدة عائشة، فأوصلت - بعد هذا العناء - عدد الرواة عنها إلى التسعين، وأنا أرى أني أتيت بما لم يأت به الأولون ولا الآخرون، لكنني لم أكد أقرأ هذه الرسالة للذهبي وأراه قد زاد على هؤلاء التسعين نحو المئة، وأدهشني أنه أورد أسماءهم مرتبة على
стр. 145
الحروف ... أقول: لم أكد أجد ذلك حتى انطفأ فيَّ ذلك الزهو المنتفخ، وعرفتُ أني وألوفًا من أمثالي مهما جهدنا لا نبلغ أن نكون من أصغر تلاميذ مؤرخينا من أهل الحديث: لقد وقفوا أنفسهم على خدمة العلم فأخلصوا له الخدمة، فآتاهم الله في ذلك المعجزات".
"وأمر آخر تمتاز به هذه الرسالة: وهو أن كثيرًا من مؤرخي الحركة العلمية والأدبية في عصرنا هذا الحديث، إذا بلغوا الكلام على المحدّثين والمؤرخين العرب، تابعوا المستشرقين فقرروا: "أن العرب عُنوا عناية بالغة بالنقد الخارجي (نقد السند) فبذّوا بذلك غيرهم من الأمم، إلا أنهم وقفوا عاجزين دون النقد الداخلي: (نقد المتن). ونقلوا هذه الشبهة التي لا تستند إلى أدنى اطلاع: لاحق عن سابق، نقلًا أعمى دون تحقيق أو بذل عناء. ففي هذه الرسالة التي ننشرها، يورد الذهبي روايات وأخبارًا يشبعها نقدًا: تعديلًا وتجريحًا، ويضع عيوننا على شواهد محسوسة في النقد الداخلي: نقد المتن، فنوقن حينئذ أننا لم يكفنا جهلنا و (سطحيتنا) وحتى (ببغاويتنا) وإصدارنا الأحكام دون إعداد العدة اللازمة لها من درس جادّ، وصدر واسع، ودؤوب طويل، وعلم غزير ... لم تكفنا هذه (القَعَدية) بل نستطيل بجهلنا، أو بعلمنا الناقص المترجَم - وهو شر من الجهل - على من بلغوا في إحكام أعمالهم حدّ الإعجاز" ....
"الحق أن (الترجمة التاريخية) فنّ العرب الخالص، برعوا فيه براعة خالدة، وأن الذهبي أحد نوابغهم العظام في هذا الفن".