← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أن يكون ممن يعلنون اتباع المستشرقين، والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، وعلى أن يكون ممن درسوا وتعلموا باللغات الأجنبية، حتى فيما كان من العلوم إسلاميًّا وعربيًّا خالصًا، وعلى أنه إذا عهد لأجنبي ومصري بعمل واحد: كان الاسم كله للأول، والثاني تابع، ولعله أن يكون الثاني أرسخ قدما فيما عهد إليهما، على قاعدة "علمه وأطع أمره"! ! وما كان هذا الذي نصف خاصًّا بالعمل في الكتب وحدها، وإنما هي ذلة ضربت على المسلمين في شأنهم كله، عن خطط تبشيرية ثم استعمارية، رسمت ونفذت، في كل بلد من بلدان الإسلام، وليس المقام مقام تفصيل ذلك، ولكنا نعود إلى ما نحن بسببه من تصحيح الكتب. لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكري قواعد التصحيح، وإنما سبقهم إليها علماء الإسلام المتقدمون، وكتبوا فيها فصولا نفيسة، نذكر بعضها هنا، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد لتصحيح الكتب المحفوظة؛ إذ لم تكن المطابع وجدت، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب، ونحن وارثوا مجدهم وعزهم، وإلينا انتهت علومهم، فلعلنا نحفز هممنا لإتمام ما بدؤوا به. نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا * * *

стр. 142

سير أعلام النبلاء - ترجمة عائشة أم المؤمنين (*) تأليف الحافظ الذهبي. قدم له وعلق عليه الأستاذ سعيد الأفغاني بدمشق (١) الحافظ الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨) من أكبر مؤرخي الإِسلام وأوثقهم، ومن شيوخ حفاظ الحديث في عصور النور في الإسلام، وهو حجة العلماء بعده في نقد الرجال وتراجم العلماء والرواة، وهو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي. ومؤلفاته في التاريخ والتراجم كانت ولا تزال عمدة المؤرخين في عصره وبعد عصره، ولو لم يكن له إلَّا "تاريخ الإسلام" لكفاه مجدًا وفخرًا، ولعلي واصفهُ في كلمة خاصة قريبًا إن شاء الله. ومن أجل كتبه وأعظمها هذا الكتاب الذي نشرت منه هذه الترجمة، وهو "سير أعلام النبلاء". وهو كتاب كبير عظيم، في عشرين مجلدًا تقريبًا، سمعنا به كثيرًا ولم نره، بما عرض لكتب المسلمين من أحداث الزمن، حتى ضاع منها الكثير النفيس، ثم عرفت نسخة منه لدى حضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى ملك اليمن حفظه الله. واستنسخ بعضه صديقنا الكبير العلامة السيد محمَّد بن حسين نصيف، أحد نبلاء الحجاز وأعلامها بمدينة "جدة"، وتفضل حفظه الله فيسر للأستاذ سعيد الأفغاني نسخ هذه الترجمة "ترجمة عائشة" ومن قبلها "ترجمة ابن حزم" فنشر ترجمة ابن حزم سنة ١٩٤١ ثم نشر هذه الثانية التي نصف.

стр. 143

والمحدثون هم أئمة علم التاريخ وأساطينه، وهم الحفَظة عليه بما وضعوا من قواعد دقيقة متقنة لنقد الرواية والراوي، وعلى مناهجهم سار من قلدهم من المؤرخين وغير المؤرخين، حتى إنا لنجد الأقدمين كانوا يروون الشعرَ ومتن اللغة وكثيرًا من القواعد في العلوم الأخرى على طريقة المحدثين، وإن كان تقليد هؤلاء لم يبلغ شأوَ أولئك ولا قاربه، وأقرب مثال لذلك كتاب "الأغاني" وكتاب "مصارع العشاق"، وهما أبعد ما يكون عن صناعة الحديث، ولكنّ مؤلفيهما رويا القصص والشعر فيهما بالأسانيد على طريقة المحدثين، وإن لم ينقدا الأسانيد ولم يتحريا في الرواية كما يصنع المحدّثون. وسأدع وصف هذا الجزء "ترجمة عائشة" ليصفه ناشره ومحققه الأستاذ سعيد الأفغاني بقلمه في مقدمته قال: "ترجم للسيدة عائشة كثيرون من أعلام المؤرخين، إلا أن هذا المصدر (سِيرَ أعلام النبلاء) يتفرد بمزايا ليست في مصدر آخر: إنها ترجمة فنية من الوجهة (الحديثية)، ونحن نعلم أن التاريخ في الحضارة العربية ولد في أحضان علم الحديث، وتعهده المحدّثون حتى نشأ وترعرع وبلغ أشده واستقل قائمًا بنفسه، وأعاظم المؤرخين الأولين هم كبار أئمة الحديث، وقد تفنن فيه هؤلاء فنونًا كثيرة تستعصي على الحصر، واتسعوا فيه اتساعًا استطاع معه (مغلطاي) أن يقول: "رأيت من مَلك نحوًا من ألف تصنيف في التاريخ". بل إن الحافظ السخاوي مؤرخ المئة التاسعة قرأ خط الذهبي: يذكر فنون

стр. 144

التاريخ التي تدخل في تاريخه الكبير ... فأوصلها إلى الأربعين فنًّا، ثم قال: "ولم أنهض له، ولو عملته لجاء في ستمائة مجلد". اهـ. قلت: لقد أمعنتُ أنا في عناوين هذه الفنون مسرودة في كتاب السخاوي (١)، فرأيت (مشروع) الذهبي أشبه بموسوعة (دائرة معارف) كبرى في التاريخ". "ولكي يخرج القارئ بفكرة مجملة عجلى عن المجهود العظيم المعجز، الذي قام المحدّثون، وخاصة الذهبي في (سير أعلام النبلاء) أذكر أن الإمام الزركشي في كتابه عن السيدة عائشة (الإصابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) (٢) ذكر من الرواة عنها اثنى عشر راويًا، وإني أضفت عليهم نحوًا من ثمانين راويًا، جمعتُ أسماءهم في أعوام متطاولة، بعد الاطلاع على كتب الطبقات المخطوطة والمطبوعة، وعلى مصادر كثيرة جدًّا، حتى التي لا يظن أن يكون فيها شيء عن السيدة عائشة، فأوصلت - بعد هذا العناء - عدد الرواة عنها إلى التسعين، وأنا أرى أني أتيت بما لم يأت به الأولون ولا الآخرون، لكنني لم أكد أقرأ هذه الرسالة للذهبي وأراه قد زاد على هؤلاء التسعين نحو المئة، وأدهشني أنه أورد أسماءهم مرتبة على

стр. 145

الحروف ... أقول: لم أكد أجد ذلك حتى انطفأ فيَّ ذلك الزهو المنتفخ، وعرفتُ أني وألوفًا من أمثالي مهما جهدنا لا نبلغ أن نكون من أصغر تلاميذ مؤرخينا من أهل الحديث: لقد وقفوا أنفسهم على خدمة العلم فأخلصوا له الخدمة، فآتاهم الله في ذلك المعجزات". "وأمر آخر تمتاز به هذه الرسالة: وهو أن كثيرًا من مؤرخي الحركة العلمية والأدبية في عصرنا هذا الحديث، إذا بلغوا الكلام على المحدّثين والمؤرخين العرب، تابعوا المستشرقين فقرروا: "أن العرب عُنوا عناية بالغة بالنقد الخارجي (نقد السند) فبذّوا بذلك غيرهم من الأمم، إلا أنهم وقفوا عاجزين دون النقد الداخلي: (نقد المتن). ونقلوا هذه الشبهة التي لا تستند إلى أدنى اطلاع: لاحق عن سابق، نقلًا أعمى دون تحقيق أو بذل عناء. ففي هذه الرسالة التي ننشرها، يورد الذهبي روايات وأخبارًا يشبعها نقدًا: تعديلًا وتجريحًا، ويضع عيوننا على شواهد محسوسة في النقد الداخلي: نقد المتن، فنوقن حينئذ أننا لم يكفنا جهلنا و (سطحيتنا) وحتى (ببغاويتنا) وإصدارنا الأحكام دون إعداد العدة اللازمة لها من درس جادّ، وصدر واسع، ودؤوب طويل، وعلم غزير ... لم تكفنا هذه (القَعَدية) بل نستطيل بجهلنا، أو بعلمنا الناقص المترجَم - وهو شر من الجهل - على من بلغوا في إحكام أعمالهم حدّ الإعجاز" .... "الحق أن (الترجمة التاريخية) فنّ العرب الخالص، برعوا فيه براعة خالدة، وأن الذهبي أحد نوابغهم العظام في هذا الفن".

стр. 146

وهذا الذي قاله الأستاذ سعيد الأفغاني من تقليد بعض الباحثين للمستشرقين في زعمهم أن المحدّثين والمؤرخين من العرب كان همهم نقد السند في الرواية دون المتن، قد أصاب فيه كلّ الإصابة، فإن أهم شيء في تعليل الرواية عند المحدثين هو البحث في علل المتون وأخطاء الرواة فيها، وهو الأساس الذي بني عليه الأئمة الحفاظ نقدهم الأحاديث، يعرف ذلك كل من مارس هذه الفنون الجليلة "علوم الحديث". فما جاء في هذا الجزء من "سير أعلام النبلاء" من نقد الحديث بنوعي النقد، اللذين يريد هؤلاء المعاصرة أن يسموهما تبعًا لغيرهم "النقد الداخلي" و"النقد الخارجي": أن الحافظ المؤلف نقل (في ص ٥٥) عن مسند الإمام أحمد بن حنبل حديثًا رواه أحمد عن عثمان بن عمر عن يونس الأيلي عن أبي شداد عن مجاهد عن أسماء بنت عميس قالت: كنت صاحبة عائشة التي هيَّأتها وأدخلتْها على رسول الله ﷺ ومعي نسوة، فما وجدنا عنده قرًى إلا قدحًا من لبن، فشرب منه ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجاريةُ، فقلت: لا تردّي يد رسول الله، خذي منه، فأخذت منه على حياء، فشربت، ثم قال: ناولي صواحبك. فقلنا: لا نشتهيه! فقال: "لا تجمعن جوعًا وكذبًا". فقلت: يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعدُّ ذلك كذبًا؟ قال: إن الكذب يكتب حتى تكتب الكُذَيبة كذيبةً". وهذا الحديث في مسند أحمد (ج ٦ ص ٤٣٨) وفيه هناك خطأ مطبعي: كتب "شداد" وصوابه "أبو شداد"، وقال الحافظ الذهبي بعد أن نقله: "هذا

стр. 147

حديث منكر، لا نعرفه إلَّا من طريق أبي شداد وليس بالمشهور، قد روى عنه ابن جُريج أيضًا". فهذا هو "النقد الخارجي" نقد السند. ثم قال: "ثم هو خطأ، فإن أسماء كانت وقت عرس عائشة بالحبشة مع جعفر بن أبي طالب، ولا نعلم لمجاهد سماعًا من أسماء، ولعلها أسماء بنت يزيد، فإنها روت عجُزَ هذا الحديث". فهذا هو "النقد الداخلي" نقد المتن؛ إذ أبان الحافظ أن التي نسب إليها الحديث لم تكن وقت زفاف عائشة بالمدينة، فظهر أن هذا الراوي أخطأ، فنسب واقعة روتها أسماء بنت يزيد بن السكن إلى أسماء بنت عميس التي لم تروها ولم تشهدها، وقد ذكر الأستاذ الأفغاني مصحح الكتاب رواية أسماء بنت يزيد عن مسند أحمد. فهذا مثال من النقد الداخلي الصحيح. وهناك مثالٌ آخر من النقد الداخلي، ظاهره الصحة وهو غير صحيح، قلد فيه الأستاذ الأفغاني عالمًا كبيرًا من المتقدمين، قلد عالمًا كبيرًا قبله، فإن المؤلف الحافظ نقل حديث الإفك بطوله، وهو حديث معروف عن إفك المنافقين وبعض الضعفاء على عائشة ﵂ حتى نزلت براءتها في القرآن، ورواية المؤلف منقولة عن البخاري، وفيها (ص ٣٧) أن رسول الله ﷺ دعا عليَّ بن أبي طالب وأسامة ابن زيد يستأمرهما في فراق أهله، قالت عائشة: "فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم [لهم] (١) في نفسه من الودّ،

стр. 148

فقال: يا رسول الله أهلُك ولا نعلم عنهم إلا خيرًا، وأما علي فقال: لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، واسأل الجارية تصْدُقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت [بريرة] (١): لا والذي بعثك بالحق". إلى آخر الحديث. و"بريرة" بفتح الباء: أمة كانت بالمدينة اشترتها عائشة وأعتقتها فكانت مولاتها. فعلَّق الأستاذ الأفغاني هنا في الهامش بما نصه: "كون الجارية بريرة: وهمٌ قد نبه عليه الإمام الزركشي قال: تنبيه جليل على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري: أحدهما؛ قول علي: "وسل الجارية تصدقك". فدعا رسول الله بريرة ... إلخ. وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك. ويدل عليه أنها لما أعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته، فقال لها ﷺ : "لو راجعتيه". فقالت: أتأمرني؟ فقال: "إنما أنا شافع". فقال النبي ﷺ : "يا عباس ألا تعجب من حب المغيث لبريرة وبغضها له! " والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح. والمخلص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًّا منه أنها هي. وهذا كثيرًا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث. وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق". فهذا أيضًا من "النقد الداخلي" وإن كان نقدًا غير صحيح، ولم يكن الزركشي بابن

стр. 149

بجدته، وإن ظن الأستاذ الأفغاني ذلك، إنما قلد فيه الإمام الحافظ ابن القيم، كما أثبت ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري شرح البخاري ج ٨ ص ٣٥٨ من طبعة بولاق) وكلام ابن القيم في هذا في كتابه (زاد المعاد ج ٢ ص ١١٦ من طبعة المطبعة المصرية) وابن القيم، على علمه وجلالة قدره، لم يستطع الجزم بهذا النقد كما استطاعه الزركشي، وإنما ساقه إشكالًا نسبه إلى مبهم، ثم قال: "وهذا الذي ذكره إن كان لازمًا فيكون الوهم من تسمية الجارية بريرة، ولم يقل له علي: سل بريرة. وإنما قال: فسل الجارية تصدقك. فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها بذلك، وإن لم يلزم، بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح ولم ييأس منها، زال الإشكال". وليس في الأمر إشكال، إنما هو اعتراض عن انتقال نظر، حكاه العلامة ابن القيم وأجاب عنه إجابة مجملة، فجزم به الزركشي وجعله من دقائق العلم التي لا يتنبه لها إلا الحذاق! وأعجب به الأستاذ الأفغاني أيما إعجاب. ولو كان المدرج في الحديث، أي؛ المزاد، اسم "بريرة" وحده لكان الأمر قريبًا، ولكن في لفظ الحديث أن رسول الله قال لها "أي بريرة" فنادها باسمها، والإدراج في مثل هذا قد ينافي الثقة بالراوي، والحديث رواه أئمة كبار، الزهري يحدث به عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيَّب وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله، ثم يرويه عن الزهري الثقات الأثبات من أصحابه! فنسبة هذا الوهم إليهم ليست مما يقبل على علاته، وبريرة لم تظهر في المدينة فجأة حتى ينكر المعترض

стр. 150

وجودها حين وقعت قصة الإفك. وإنما كان الذي بعد الفتح بعد أن جاء العباس بن عبد المطلب إلى المدينة هو شراء عائشة إياها وعتقها لها، فإن بريرة جاءت إلى عائشة فقالت: "إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة أوقية، فأعينيني". فقالت لها عائشة: "إن شاء أهلك أن أعدلها لهم عدةً واحدة وأعتقك ويكون الولاء لي فعلتُ". (صحيح مسلم ج ١ ص ٤٤٠ طبعة بولاق) فهذه جارية مكاتبة، أي؛ باع سادتها نفسها لها، تعمل وتؤجر، حتى تجمع الثمن الذي اتفقوا عليه، فإذا أدته إلى سادتها ملكت نفسها وعتقت. فأين في الحديث ما يدل على أنها حين وقعت قصة الإفك كانت مملوكة عائشة أو عتيقتها؟ أليس الأقرب أنها كانت تمتهن الخدمة في البيوت تسعى في جمع بدل المكاتبة، ومن القريب جدًّا أن تكون ممن يخدم السيدة عائشة في بيتها وتكثر، حتى لتقع في نفس عائشة فتشتريها من أهلها وتعتقها! وقد بذل الأستاذ سعيد الأفغاني جهدًا مشكورًا في تصحيح هذا الجزء، ويبدو لي أن النسخة التي وقعت له لم تكن أصلًا جيدًا، فعانى كثيرًا من المشقة في تصحيحه، ولست أدري آلخطأ الكثير من الناسخ الذي نسخ في السمن أم من أصل النسخة؟ وليت الأستاذ الأفغاني رجع في تصحيح بعض الأحاديث إلى مواطنها من كتب السنة المعروفة، وهي في متناول اليد، فإني رأيته - مثلًا - غير في إسناد حديث عائشة عن قصة الإفك كلمة "عن" فجعلها "من" وذكر ذلك في هامش الصفحة، ظنًّا منه أن ما كان في الأصل خطأ (ص ٣٣)

стр. 151

فإن الإسناد فيه هكذا: "يونس عن ابن شهاب: أخبرني عروة وابن المسيب وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله من حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا" وكتب في الهامش على قوله "من حديث عائشة": "في الأصل: عن" والذي في الأصل هو الصواب؛ لأن الحديث نقله الذهبي عن صحيح البخاري، وهو فيه: "عن حديث عائشة" (ج ٨ ص ٣٤٣ من فتح الباري وج ٦ ص ١٠١ من صحيح البخاري الطبعة السلطانية ببولاق) ومثل صنيعه في الحديث نفسه (ص ٤٠) في قول عائشة "إني والله لقد علمت أنكم سمعت هذا الحديث" وكتب في الهامش (في الأصل: لقد علمت لقد سمعت هذا الحديث. والتصحيح عن كتب الحديث، وانظر السمط الثمين ص ٦٧) وما في الأصل خطأ، وما أثبته عن العقد الثمين خطأ، والصواب في البخاري "لقد علمت لقد سمعت هذا الحديث" فتح الباري ٨: ٣٦٤ والبخاري ٦: ١٠٤). وما كانت نسخة "العقد الثمين" المطبوعة حجة، وكلمة "التصحيح عن كتب الحديث" مجملة، البيانُ والتحديد خير منها وأوثق. ورأيت للأستاذ في صدر الجزء (ص ٩) تنبيهًا فيه شيء من الإبهام، إن لم يكن من الخطأ، قال: "جرى المؤلف على عادة المحدثين فحذف كلمة (حدثنا) أو (روى) من أول السند، مبتدئًا باسم الراوي رأسًا، فعلى القارئ أن يلاحظ ذلك ويضيف بذهنه (حدثنا) أو نحوها في رأس كل سند".

стр. 152

صحيح أن كثيرًا من المحدثين يفعلون ذلك، ولكن المؤلف، الحافظ الذهبي، لم يحذف في هذا الجزء كلمة "حدثنا" من أول إسناده هو؛ إذ رَوَى الحديث بإسناده، وهو قد روى فيه ثمانية أحاديث بإسناده، في (ص ٤٨، ٥٨، ٦٥ مرتين، ٦٦، ٧٩ مرتين، ٨٠) وهو يقول في أكثرها: "أخبرنا" فلان، وفي اثنين منها: "قرأت على" فلان. وإنما الأسانيد التي حذف المؤلف أولها هي الأسانيد التي علقها عن كتب السنة، اكتفاءً بمعرفة المحدّثين إياها، فيذكر بعض الإسناد من أعلاه، كأن يقول: "يونس عن ابن شهاب" "سفيان بن عيينة عن أبي سعيد" "معمر عن الزهري" "مالك عن عبد الرحمن بن القاسم"، فمثل هذه الأسانيد، لا يجوز للقارئ أبدًا أن "يضيف بذهنه حدثنا" في رأس السند، إذ يكون محالًا أن يقول الحافظ الذهبي "حدثنا يونس" "حدثنا مالك" ... إلخ. وإنما يقدر المحدّثون في مثل هذا: "روينا بإسنادنا أو بالإسناد المتصل عن يونس، أو عن سفيان، أو عن معمر" أو نحو ذلك المعنى. وهو شيء معروف لا يحتاج إلى بيان. وبعد: فإن موسوعتي الذهبي "تاريخ الإسلام" و"سير أعلام النبلاء" من الدواوين الكبار، من مفاخر أئمة العرب والإسلام، ومن أوثق مصادر التاريخ للباحث المحقق، وللمؤرخ المتوثق: فمن التقصير الشديد أن يظلا مطويين مهجورين في دور الكتب. أفيقدم على نشرهما رجل موفق حازم، يكونان في ميزانه أجرًا وذكرًا؟ نرجو إن شاء الله.

стр. 153

مقدمة الرسالة للإمام الشافعي (*) هذا كتاب (الرسالة) للشافعي. وكفى الشافعي مدحًا أنه الشافعي. وكفى (الرسالة) تقريظًا أنها تأليف الشافعي، وكفاني فخرًا أن أنشر بين الناس علم الشافعي [مع إعلاميهم نهيه عن تقليده وتقليد غيره] (١). ولو جاز لعالم أن يقلِّد عالمًا كان أولى الناس عندي أن يقلّد الشافعي. فإني أعتقد - غير غال ولا مسرف - أن هذا الرجل لم يظهر مثله في علماء الإسلام، في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما ودقة الاستنباط، مع قوة العارضة، ونور البصيرة، والإبداع في إقامة الحجة وإفحام مناظره. فصيح اللسان، ناصع البيان، في الذروة العليا من البلاغة. تأدب بأدب البادية، وأخذ العلوم والمعارف عن أهل الحضر، حتى سما عن كل عالم قبله وبعده. نبغ في الحجاز، وكان إلى علمائه مرجع الرواية والسنة، وكانوا أساطين العلم في فقه القرآن، ولم يكن الكثير منهم أهل لسن وجدل، وكادوا يعجزون عن مناظرة أهل الرأي، فجاء هذا الشاب يناظر وينافح، ويعرف كيف يقوم بحجته، وكيف يلزم أهل الرأي وجوب اتباع

стр. 154

السنة، وكيف يثبت لهم الحجة في خبر الواحد، وكيف يفصل للناس طرق فهم الكتاب على ما عرف من بيان العرب وفصاحتهم، وكيف يدلهم على الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وعلى الجمع بين ما ظاهره التعارض فيهما أو في أحدهما؛ حتى سماه أهل مكة "ناصر الحديث". وتواترت أخباره إلى علماء الإسلام في عصره، فكانوا يفدون إلى مكة للحج، يناظرونه ويأخذون عنه في حياة شيوخه، حتى إن أحمد بن حنبل جلس معه مرة، فجاء أحد إخوانه يعتب عليه أن ترك مجلس ابن عيينة - شيخ الشافعي - ويجلس إلى هذا الأعرابي! فقال له أحمد: "اسكت، إنك إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول، وإن فاتك عقل هذا أخاف أن لا تجده، ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى". وحتى يقول داود بن علي الظاهري الإمام في كتاب مناقب الشافعي "قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد ابن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن؛ أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أوتي فيه فهمًا، فلو كنت عرفته للزمته. قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه" وحتى يقول أحمد بن حنبل: "لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث". ويقول أيضًا: "كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رسول الله".

стр. 155

ثم يدخل العراق، دار الخلافة وعاصمة الدولة (١)، فيأخذ عن أهل الرأي علمهم ورأيهم، وينظر فيه، ويجادلهم ويحاجُّهم، ويزداد بذلك بصرًا بالفقه، ونصرًا للسنة حتى يقول أبو الوليد المكي الفقيه موسى بن أبي الجارود "كنا نتحدث نحن وأصحابنا من أهل مكة أن الشافعي أخذ كتب ابن جريج (٢) عن أربعة أنفس: عن مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وهذان فقيهان، وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وكان أعلمهم بابن جريج، وعن عبد الله بن الحارث المخزومي، وكان من الأثبات، وانتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، رحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن جملًا ليس فيها شيء إلّا وقد سمعه عليه، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك، حتى أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار". ثم دخل مصر في سنة ١٩٩ فأقام بها إلى أن مات، يعلّم الناس السنة وفقه السنة والكتاب، ويناظر مخالفيه ويحاجُّهم، وأكثرهم من أتباع شيخه مالك بن أنس، وكانوا متعصبين لمذهبه، فبهرهم الشافعي

стр. 156

بعلمه وهديه وعقله، رأوا رجلًا لم تر الأعين مثله، فلزموا مجلسه، يفيدون منه علم الكتاب وعلم الحديث، ويأخذون عنه اللغة والأنساب والشعر، ويفيدهم في بعض وقته في الطب، ثم يتعلمون منه أدب الجدل والمناظرة، ويؤلف الكتب بخطه، فيقرأون عليه ما ينسخونه منها، أو يملي عليهم بعضها إملاء، فرجع أكثرهم عما كانوا يتعصبون له، وتعلموا منه الاجتهاد ونبذ التقليد، فملأ الشافعي طباق الأرض علمًا. ومات ودفن بمصر، وقبره معروف مشهور إلى الآن وعاش ٥٤ سنة، ولد سنة ١٥٠ بغزة، ومات ليلة الجمعة، ودفن يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤ (١) (الجمعة ٢٩ رجب سنة ٢٠٤ يوافق ١٩ يناير سنة ٨٢٠ ميلادية، ٢٣ طوبه سنة ٥٣٦ قبطية). وليس الشافعي ممن يترجم له في أوراق أو كراريس، وقد ألف العلماء الأئمة في سيرته كتبًا كثيرة وافية، وجد بعضها وفقد أكثرها. ولعلنا نوفق إلى أن نجمع ما تفرق من أخباره في الكتب والدواوين، في سيرة خاصة به، إن شاء الله. وقد يفهم بعض الناس من كلامي عن الشافعي أني أقول ما أقول عن تقليد أو عصبية، لما نشأ عليه أكثر أهل العلم من قرون كثيرة، من تفرقهم شيعًا وأحزابًا علمية، مبنية على العصبية المذهبية، مما أضر

стр. 157

بالمسلمين وأخرهم عن سائر الأمم، وكان السبب الأكبر في زوال حكم الإسلام عن بلاد المسلمين، حتى صاروا يحكمون بقوانين تخالف دين الإسلام، خنعوا لها واستكانوا، في حين كان كثير من علمائهم يأبون الحكم بغير المذهب الذي يتعصبون له ويتعصب له الحكام في البلاد. ومعاذ الله أن أرضى لنفسي خلة أنكرها على الناس، بل أبحث وأجد، وأتبع الدليل الصحيح حيثما وجد. وقد نشأت في طلب العلم وتفقهت على مذهب أبي حنيفة، ونلت شهادة العالمية من الأزهر الشريف حنفيًّا، ووليت القضاء منذ عشرين سنة أحكم كما يحكم إخواني بما أذن لنا في الحكم به من مذهب الحنفية. ولكني بجوار هذا بدأت دراسة السنة النبوية أثناء طلب العلم، من نحو ثلاثين سنة، فسمعت كثيرًا وقرأت كثيرًا، ودرست أخبار العلماء والأئمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحد منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي، فإن أخطأت فكما يخطئ الرجل، وإن أصبت فكما يصيب الرجل، أحترم رأيي ورأي غيري، وأحترم ما أعتقده حقًّا قبل كل شيء وفوق كل شيء. فعن هذا قلت ما قلت واعتقدت ما اعتقدت في الشافعي، ﵀ ورضي عنه. وهذا كتاب (الرسالة) أول كتاب ألف في (أصول الفقه) بل هو أول كتاب ألف في (أصول الحديث) أيضًا. قال الفخر الرازي في مناقب الشافعي (ص ٥٧). "كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في

стр. 158

مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كليًّا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع، كنسبة أرسطاطاليس إلى علم العقل". وقال بدر الدين الزركشي في كتاب البحر المحيط في الأصول (مخطوط) "الشافعي أول من صنف في أصول الفقه؛ صنف فيه كتاب الرسالة، وكتاب أحكام القرآن، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب جماع العلم، وكتاب القياس" وأقول: إن أبواب الكتاب ومسائله، التي عرض الشافعي فيها للكلام على حديث الواحد والحجة فيه، وإلى شروط صحة الحديث وعدالة الرواة، ورد الخبر المرسل والمنقطع، إلى غير ذلك مما يعرف من الفهرس العلمي في آخر الكتاب. هذه المسائل عندي أدق وأغلى ما كتب العلماء في أصول الحديث، بل إن المتفقه في علوم الحديث يفهم أن ما كتب بعده إنما هو فروع منه، وعالة عليه، وأنه جمع ذلك وصنفه على غير مثال سبق، لله أبوه. و(كتاب الرسالة) بل كتب الشافعي أجمع، كتب أدب ولغة وثقافة، قبل أن تكون كتب فقه وأصول، ذلك أن الشافعي لم تهجنه عجمة، ولم تدخل على لسانه لكنة، ولم تحفظ عليه لحنة أو سقطة. قال عبد الملك بن هشام النحوي صاحب السيرة: "طالت مجالستنا

стр. 159

للشافعي، فما سمعت منه لحنة قط، ولا كلمة غيرها أحسن منها". وكفى بشهادة الجاحظ في أدبه وبيانه، يقول: "نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي، كأن لسانه ينظم الدر". فكتبه كلها مثل رائعة من الأدب العربي النقي، في الذروة العليا من البلاغة، يكتب على سجيته، ويملي بفطرته، لا يتكلف ولا يتصنع، أفصح نثر تقرأه بعد القرآن والحديث لا يساميه قائل ولا يدانيه كاتب. وإني أرى أن هذا الكتاب (كتاب الرسالة) ينبغي أن يكون من الكتب المقروءة في كليات الأزهر وكليات الجامعة، وأن تختار منه فقرات لطلاب الدراسة الثانوية في المعاهد والمدارس؛ ليفيدوا من ذلك علمًا بصحة النظر وقوة الحجة، وبيانًا لا يرون مثله في كتب العلماء وآثار الأدباء. * * *

стр. 160

التحقيق لابن الجوزي (*) كتاب "التحقيق في أحاديث الخلاف" للإمام الحافظ الكبير أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ، كتابٌ نفيس من أهمّ الكتب التي فيها أُلّفت في مسائل الاختلاف بين المذاهب؛ لأنه اقتصر فيه على المواضع التي فيها بين الأئمة الأربعة اختلاف، وترك ما اتفقوا عليه، وأفاض في بيان أدلة كل مذهب وساق الأحاديث بأسانيدها. وقد عُني به المتقدمون من العلماء فاختصره الحافظ ابن عبد الهادى وسماه "التنقيح"، واختصره البرهان إبراهيم بن علي بن عبد الحق المتوفى سنة ٨٤٤ هـ، ولم أر هذين المختصرين. وقد كنت منذ اثنى عشر عامًا أو أكثر رأيت "التحقيق" في دار الكتب المصرية وأعجبت به جدَّ الإعجاب، ورغبت في نشره فوفق لي الصديق الفاضل السيد محمد أمين الخانجي، وعرضت عليه ما بدا لي فكان أسبق مني إلى تنفيذ رغبتي وإجابة طلبي، وما كدنا نبدأ في إعداد المقدمات لإظهاره حتى فجأت العالم الحربُ الكبرى، وما تلاها من تقلقل الشؤون الاقتصادية في أقطار الدنيا، فوقفنا ما شرعنا فيه وانتظرنا كثيرًا. ثم أذن الله فوقفنا للعود لما بدأنا، وهدانا سبلنا

стр. 161

وشرعنا في طبعه، فالحمد لله رب العالمين. (وصف النسخة): النسخة الوحيدة منه بدار الكتب المصرية (تحت رقم ٢: فقه ابن حنبل) وعدد صحفها ٥٢٦ صحيفة في كل صحيفة ٢٥ سطرًا بخط متوسط لا بأس به، وأكثر كلماتها لم تنقط. وهي مصححة تصحيحًا جيدًا، وأغلاطها قليلة، والنسخة عتيقة نفيسة، كتب في آخرها ما نصه: "فرغ من كتابته العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي - سامحه الله وتجاوز عن سيئاته - في العشر الأول من شهر ذي القعدة من سنة أربع وعشرين وستمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل". ويظهر أن بعض الفضلاء المتقدمين من المحدّثين عُني بها وقرأها، وكتب على هامشها بعض التعليق والنقد. وأكثر ما وجدت من النقد يغلب على ظني أنه بخط الحافظ الكبير شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري؛ لأن الخط يشبه خطه شبهًا قويًّا. والمواضع التي انتقد بها ابن الجوزي وجدتها في بعض كتبه الأخرى وبخاصة في كتاب "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير" والورقة الأولى من النسخة ممزقة تمزيقًا شديدًا يصعب معه قراءتها؛ ولذلك أرسل السيد أمين الخانجي إلى أحد الإخوان بدمشق فتفضل ونقل لنا خطبة الكتاب من النسخة الموجودة بدار الكتب الظاهرية.

стр. 162

ولم أسمع أنه يوجد من الكتاب نسخة ثالثة في أي مكتبة من المكاتب، وقد نقلنا نسخة دار الكتب المصرية بالتصوير الشمسي؛ ليسهل علينا النقل عنها والمقابلة والتصحيح عليها. وسنطبع إن شاء الله مع الكتاب بعض صحف منها على سبيل المثال التاريخي. (وصف الكتاب): قدَّم ابن الجوزي كتابه بمقدمة قال فيها: إنه يذكر مذهبه - مذهب الإمام أحمد بن حنبل - ومذهب مخالفيه، ويكشف عن دليل المذهبين، وإنه لا يميل عن الإنصاف فيه، واشتد لومه على جماعة من كبار المحدِّثين "عرفوا صحيح النقل وسقيمه وصنفوا في ذلك، فإذا جاء حديث ضعيف يخالف مذهبهم بينوا وجه الطعن فيه وإن كان موافقًا لمذهبهم سكتوا عن الطعن فيه. وهذا ينبئ عن قلة دين وغلبة هوًى" وليته إذ قال هذا سار على ما رسم، وتبرأ عما نبز غيره به. والمعصوم من عصمه الله. ثم قسم كتابه على كتب الفقه المعروفة، وقسم كل كتاب إلى مسائل: فيذكر المسألة في مذهب الإمام أحمد، ثم يذكر قول من خالفه من الأئمة الأربعة، ثم يستدل للأقوال بالأحاديث والآثار ويرويها بإسناده، وأكثر أسانيده ترجع إلى الكتب المعروفة المشهورة، وجلُّ ما فيه رواه من مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ومن السنن للحافظ علي بن عمر الدارقطني، وكثيرًا ما ينقد الحديث ويذكر ما قيل فيه من تصحيح أو تضعيف. وقد تعقبه في

стр. 163

كلامه على الأحاديث كثير من الحفاظ الثقات، كابن حجر العسقلاني في الفتح والتلخيص، وابن عبد الهادي فى التنقيح، والحافظ الزيلعي في "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" وتقي الدين بن دقيق العيد في كتابه "الإمام" وابن التركماني في "الجوهر النقي" ويتعصب ابن الجوزي لمذهبه إلا أن تعصبه أقل من تعصب غيره من المؤلفين. وقد رأيت له أشياء لا تحتمل ولم يكن الظن بمثله أن تصدر عنه، كصنيعه في الكلام على "محمد بن إسحاق صاحب المغازي": فإنه إذا ورد فى إسناد حديث يدل لمخالفيه استمسك أشد الاستمساك بكلمة مالكٍ في تكذيبه، وإن كان في إسناد حديث ينصر به مذهبه فإما دافع عنه وإما سكت، ومما يؤخذ عليه وقد عابه على غيره - أنه يحتج فى بعض المسائل لمذهبه بأحاديث ضعيفة ولا يبين ضعفها، وقد يذكر وجه ضعفها ثم يدافع عنها دفاعًا يردّ مثلَه ولا يرضاه فى موقف آخر، وهذا كله من النتائج السيئة لتغلغل التقليد في النفوس، وتلك عيوب لا يكاد يخلو منها مؤلف - ولعل ابن الجوزي من أقلهم اتصافا بها - ولا يزال معها الكتاب كتابًا جليلًا نفيسًا لم يترك - فيما يغلب على الظن - مسألة من مسائل الخلاف الدقيقة المهمة. ولما عزمنا - بحول الله وقوته - على الشروع في طبعه بدأتُ في التعليق عليه وتداركِ ما فاته أداءً لأمانة العلم؛ فجمعتُ بين يديّ كل ما طبع من كتب السنة وتراجم رجالها، وأكثر كتب الفقه والأصول واللغة وغير ذلك، وبذلتُ جهدي في تصحيحه والتوثق من كل كلمة فيه بالرجوع إليها في أصولها - إلا ما ندر - وذكرت مذاهب كثير من

стр. 164

الأئمة المجتهدين غير الأربعة: مثل الأوزاعي، وإسحاق، وداود، وأشرت إلى أدلة كل منهم، وتكلمت على الأحاديث التي ذكرها، فبينت من روى كل حديث، وذكرت درجته العلمية، ووجه صحته إن كان صحيحًا، أو ضعفه إن كان ضعيفًا، على طريق الإنصاف. وما ألوت أن أبين ما يرجحه الدليل في مواضع الخلاف والنظر متبعًا سبيل من هدى الله غير مقلد لأحد ولا متعصب لمذهب. وما أدّعي أني صنو أي مجتهد منهم، ولكني امرؤ أمرني ربي أن آخذ ما آتاني الرسول فأَطَعْتُ، فإن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فمن نفسي، وما توفيقي إلا بالله. وحققتُ فيما كتبته - بعون الله بعض مسائل على مثال لم أره فيما وصل إليَّ من كتب الخلاف. وحسبي هذا، فقد أخشى إن استرسلتُ أن يصل بي القلم إلى التغالي فى مدح كتابي، وما كان هذا من خلقي. وأسأل الله أن يوفقني إلى إتمامه، وأن يهديني إلى الحق، وأن يرزقني الإخلاص في قولي وعملي إنه سميع الدعاء. * * *

стр. 165

التعريف بالكتب ١ - تفسير القرآن الحكيم: لمحمد رشيد رضا. ٢ - قصص القرآن: لمحمد أحمد جاد المولى، ومحمد أبو الفضل، وعلي محمد البجاوي، والسيد شحاتة. ٣ - المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن: تأليف جولد تسهير ترجمة علي حسن عبد القادر. ٤ - ثمار المقاصد في ذكر المساجد: ليوسف بن عبد الهادي. ٥ - لمحة من سيرة الملك عبد العزيز: للسيد محيي الدين رضا.

стр. 166

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير القرآن الحكيم (*) القرآن كتاب الله إلى خلقه، يرسم لهم فيه طريق الهدى والسعادة، أو هو كما وصفه به : ﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، ونِعم البلاغ. نزل هذا الكتاب المقدس في أمة كانت تتقاذفها الأهواء والعصبية، وتعمها الجهالة العمياء، فما أسرع ما وضعهم على المحجة الواضحة والطريق السوي، فصاروا أمة على قلب رجل واحد، كلمتهم واحدة، وهم يد على مَن سواهم. وبعد أن كانوا مستضعَفين يخافون جيرانهم من الفرس والروم وغيرهم، ولا يحميهم منهم إلا بَيْداؤهم المحرقة غزوا أعداءهم، وفتحوا بلادهم، واستنزلوهم عن ملكهم، فصاروا سادة الأرض، كل هذا في بضع عشرات من السنين، وكل هذا بهداية الله لهم أن تَبِعُوا أوامره واستمعوا لكلامه. ثم هذا القرآن أعلى أنواع التشريع في الأرض، وأرقى ضروب الحكمة، فلما اهتدوا به، ومرنت نفوسهم وعقولهم على حكمته

стр. 167

كانوا سادة بعقولهم وقلوبهم، قبل أن يكونوا سادة بقوتهم وأَنَفَتهم وجمع كلمتهم. وهو الذي قرر حقوق الإنسان في الأرض، من عدل وحرية ومساواة بين الناس، لا فضل لأحد على أحد إلا باتباعه في خاصة نفسه وفي معاملاته مع غيره وفي كل حالاته. ثم مرت عصور وأزمان، وإذا المسلمون متفرقون، وإذا هم مستعبَدون، وإذا لهم قوانين وتشريع أخذوه عن أعدائهم السابقين، وإذا هم لا يخجلون أن يقلدوا مَن كانوا في الحضيض، إذ هم في الذروة، وإذا هم يهجرون القرآن. ولقد صدق الله سبحانه حين أخبرنا تحذيرًا لنا من أن نُعرِض عن كتابه، بأن الرسول الأعظم سيد الخلق ﵇ سيشكونا إلى ربه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾. [الفرقان: ٣٠]. تالله لو أن المسلمين رجعوا إلى هداية ربهم وعملوا بكتابه وسنة نبيه ﷺ إذ أمره ربه بتبيين الكتاب لهم لما كانوا على ما نرى من ضعف واستكانة وذلة، ولما امتلأت قلوبهم رهبة لأعدائهم، ونفوسهم حاجة إليهم. أخذ الصدر الأول والسلف الصالح ﵃ يتعلمون القرآن ويعلمونه للناس، ويرجعون إليه فيما يعرض لهم من شؤون وحوادث، لا يرضون حكمًا في دينهم ودنياهم إلا ما دل عليه القرآن أو جاء عن السنة المطهرة المفسِّرة له، نزولًا على حكم الله، فكان

стр. 168

علماؤهم جميعًا عن هذا المصدر الواضح النقي يصدرون، وكانوا كلهم بهذا مجتهدين. ثم ضعفت النفوس والهمم، فظن بعضهم - عفا الله عنهم - أنهم يعجزون عن أخذ الأحكام من مصدرها الأول ومن منبعها الصحيح، فصار بعض العلماء يقلد مَن سبقه من أئمة الهدى وأعلام الإسلام، عن غير أمر منهم أو مشورة، بل مع نهيهم ﵃ عن التقليد. فكان هذا بدء الضعف، ثم توالت العصور، فإذا المقلد مقلَّد، وإذا الأمر فوضى، وإذا هم فرق وشيع، وبلغ بهم الأمر إلى التناحر بالسيوف نصرًا لعصبية المذاهب! وأمامك تاريخ المسلمين، فسترى فيه توالي الأرزاء والمحن، فكلما بعدوا عن كتاب ربهم أبعد الله عنهم العز والنصر، وهكذا كان ميزان رقيهم وانحطاطهم. ولما ضعفت السليقة العربية في المتكلمين بهذه اللغة، أنشأ علماء الإسلام يفسرون لهم كتاب الله، وكلٌّ على قدر همته، فكثرت أنواع التفاسير للسلف والخلف، متقدمين ومتأخرين، وتراجم العلماء والأئمة بين أيدينا - أو أكثرها - وقد يندر جدًّا أن نجد منهم مَن لم يؤلف كتابًا في التفسير، فلم تُعْنَ أمة بكتابها من الوجهة العلمية بمثل ما عنيت الأمة الإسلامية بالقرآن، ولم تفرط أمة في حفظ ما كُتب شرحًا لكتابها بمثل ما فرطنا، فأين هذه التفاسير الجليلة للأئمة المتقدمين؟ !

стр. 169

ذهب أكثرها حتى لم نجد تفسيرًا لرجل من الأئمة المجتهدين إلَّا تفسير أبي جعفر الطبري المتوفَّى سنة ٣١٠، وما بقي بعده فهو لمؤلفين ممن سموا أنفسهم مقلدين. ولقد كان المتقدمون يعنون في أكثر أمرهم بتفسير القرآن بما ورد من أحاديث مرفوعة، وآثار موقوفة، وباستنباط أحكام الفقه منه، تعليمًا للناس كيف يفهمون وكيف يصلون إلى الاجتهاد. ثم ترك المتأخرون ذلك ولم يكن همهم إلا الإطالة في أبحاث لفظية لا جدوى لها، ولا فائدة إلا في النادر والشذوذ. حتى إن كتب التفسير التي بقيت مشتهرة فيهم وكثيرة بين أيديهم لا يطمئن الباحث المحقق إلى فهم معنى آية منها، ولا إلى استنباط حكم، بل ولا إلى الثقة بالنقل، فقد ملأ بعضهم تفسيره بقصص مكذوبة مفتراة، وبأحاديث موضوعة، من غير تحرٍّ في الرواية، ولا استعمال لموهبة العقل السليم. وبالله، لقد أدْركنا الأزهرَ - وهو المدرسة الإسلامية الفذة في هذا البلد - يجعل التفسير علمًا لا يُؤْبَه له، وآية ذلك أنهم كانوا يجيزون الطالب بشهادة "العالِمية" وإن كان لا يفقه في التفسير شيئًا، وما عرف كيف ينبغ في المماحكات اللفظية. ولقد قيض الله للإسلام إمامًا من أئمته، وعلمًا من أعلام الهدى، وهو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ﵀ فأرشد الأمة الإسلامية إلى الاستمساك بهدي كتابها، ودلها على الطريق

стр. 170

القويم في فهمه وتفسيره، وكان منارًا يُهتدى به في هذا السبيل، وألقى في الأزهر دروسًا عالية في التفسير، وكان - فيما أظن - يرمي بذلك إلى أن يسترشد علماء الأزهر بذلك، فينهجوا نهجه، ويسيروا على رسمه، ولكنهم لم يأبهوا له إلّا قليلًا، ولم ينتفع بما سمع منه إلا أفراد أفذاذ، وبقي دهماؤهم على ما كانوا عليه. ونبغ من تلاميذه والمستفيدين منه ابنه وخريجه أستاذنا العلامة الجليل السيد محمد رشيد رضا صاحب "المنار" فلخص للناس دروس الأستاذ الإمام، وزادها وضوحًا وبيانًا، ونشرها في مجلته الزاهرة المنيرة، وجمعها في أجزاء على أجزاء القرآن الكريم، ومضى لطَيَّته بعد انتقال الإمام إلى جوار ربه، فكأنه أُلهم من روحه، لم يكل ولم يضعف، وها هو الآن قد أتم منه أجزاء تسعة، وكثيرًا من العاشر. فكان تفسير أستاذنا الجليل خير تفسير طُبع على الإطلاق، ولا أستثني؛ فإنه هو التفسير الأوحد الذي يبين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن على النحو الصحيح الواضح؛ إذ هو كتاب هداية عامة للبشر، لا يترك شيئًا من الدقائق التي تخفى على كثير من العلماء والمفسرين. ثم هو يُظهر الناس على الأحكام التي تؤخذ من الكتاب والسنة، غير مقلد ولا متعصب، بل على سنن العلماء السابقين: كتاب الله وسنة رسوله. ولقد أوتي الأستاذ من الاطلاع على السنة ومعرفة عللها وتمييز الصحيح من الضعيف منها - ما جعله حجة وثقة في هذا

стр. 171

المقام، وأرشده إلى فهم القرآن حق فهمه. ثم لا تجد مسألة من المسائل العمرانية أو الآيات الكونية إلا وأبان حكمة الله فيها، وأرشد إلى الموعظة بها، وكبت الملحدين والمعترضين بأسرارها، وأعلن حجة الله على الناس. فهو يسهبُ في إزالة كلَّ شبهة تعرض للباحث من أبناء هذا العصر، ممن اطلعوا على أقوال الماديين وطعونهم في الأديان السماوية، ويدفع عن الدين ما يعرض لأذهانهم الغافلة عنه، ويُظهرهم على حقائقه الناصعة البيضاء، مع البلاغة العالية، والقوة النادرة. لله دره! وأما الرد على النصارى واليهود، فإنه قد بلغ فيه الغاية، وكأنه لم يترك بعده قولًا لقائل، وذلك لسعة اطلاعه على أقوالهم وكتبهم ومفترياتهم. وهذا قيام بواجب قصَّر فيه أكثر المسلمين، في الوقت الذي تقوم فيه أوربة بحرب المسلمين حربًا صليبية - قولًا وعملًا - وتحاول سلخ المسلمين عن دينهم وإن لم يدخلوا في دينها، وها نحن أولاء نرى الجرأة العظمى بمحاولة تنصير أمة إسلامية قديمة متعصبة للإسلام، وهي أمة البربر المجيدة. وإن قيام أستاذنا بالرد عليهم بهذه الهمة من أجلَّ الأعمال عند الله ثم عند المسلمين. ولقد عرض لكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي عرضت في شؤون المسلمين فأفسدت على كثير من شبابهم هداهم ودينهم، فحللها تحليلًا دقيقًا وأظهر الداء ووصف الدواء من القرآن

стр. 172

والسنة، وأقام الحجة القاطعة على أن الإسلام دين الفطرة، وأنه دين كل أمة في كل عصر، ونفى عن الإسلام كثيرًا مما ألصقه به الجاهلون أو دسه المنافقون، من خرافات وأكاذيب كانت تصد فئة من أبنائه عن سبيله، وكان أعداؤه يجعلونها مثالب يلعبون بسببها بعقول الناشئة؛ ليضموهم إلى صفوفهم، وينزعوهم من أحضان أمتهم. وإنه لكتاب العصر الحاضر، يفيد منه العالم والجاهل، والرجعي والمجدد، بل هو الدفاع الحقيقي عن الدين. وأنا أرى من الواجب على كل مَن عرف حقائق هذا التفسير، أن يحض إخوانه من الشبان على مطالعته والاستفادة منه، وبث ما فيه من علم نافع، لعل الله أن يجعل منهم نواة صالحة لإعادة مجد الإسلام، وأن ينير به قلوبًا أظلمت من ملئها بالجهالات المتكررة. ولو كانت حكومتنا حكومة إسلامية حقيقة لطلبنا منها أن يُدرس في مدارسها ومعاهدها حق الدرس، ولكنا نعلم أنها لا تلقي للدين بالًا، بل لا تدفع عنه مَن أراد به عدوانًا، والطامة الكبرى أنها تحمي مَن يعتدي عليه بقوانينها الوضيعة. فلم يبق للمسلمين رجاء إلا أن يعملوا أفرادًا وجماعات في سبيل الدفاع عنه، وإظهار محاسنه للناشئة التي تكاد تندُّ عنه، وهم عماد الأمم. ولعلِّي أوفق قريبًا إلى بيان بعض الأبحاث الفذة النفيسة من هذا التفسير، مما لم يشفِ فيها الصدرَ أحدٌ من الكاتبين قبله، أو لم يكن في عصورهم ما يثير البحث فيها، وذلك بحول الله وقوته.

стр. 173

قصص القرآن (*) للأساتذة محمد أحمد جاد المولى بك، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، وعلى محمد البجاوي، والسيد شحاته (١) ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾. [يوسف: ١١١]. لم ينزل القرآن كتابًا لتسجيل تأريخ الأمم السابقة، وإنما هو هداية عامة للبشر، فيه تفصيل كل شيء، وفيه هدى ورحمة، وقصص من أنباء الرسل السابقين، والأقوام الغابرين، ما يعتبر به الناس، فينظرون إلى حاضرهم وإلى مستقبلهم، على ضوء ماضيهم وماضي غيرهم من الأمم. وأعرض الناس في أزماننا هذه عن العبرة بالقرآن، وعن التأمل في آيات القرآن، وعن الاتعاظ بما جاء من النذر، صاروا - إلَّا أقلهم - لا يعرفون القرآن إلَّا أن يتغنى به المتغني في المآتم وبعض المجالس، وفي إذاعة الصباح والمساء من الراديو.

стр. 174

ثم هُمْ لا يكادون يستمعون إليه، إلَّا أن يكون المتغني - ولا أقول القارئ حسن الصوت - متلاعبًا بالنغمات، عابثًا بأوتار صوته، مغيرًا من معاني القرآن بما يجهل من أحكام الوقف والأداء، لا يهمه إلا الطرب، ولا يهمهم إلا الطرب. ذلك عندهم معنى ترتيل القرآن. أما العبرة، وأما الموعظة، وأما الفقه فيه والاهتداء بهديه، فذلك آخر ما يفكرون فيه. رأى هذا أو بعضه مؤلفو هذا الكتاب، فرأوا أن يعالجوا الداء من ناحية من نواحيه: ناحية القصص؛ فوضعوا كتابهم النفيس، رجاء أن يكون له أثر في تربية النشء وتهذيبه، وكلهم معلم مدرس. وأرى أن قد كان له أثر جليل، فإن هذه الطبعة هي الطبعة الثالثة. وقدموا بين يدي الكتاب كلمة أبانوا بها عما إليه قصدوا: "امتاز قصص القرآن الكريم بسموّ غاياته، وشريف مقاصده، وعلو مراميه: اشتمل على فصول في الأخلاق مما يهذب النفوس، ويجمّل الطباع، وينشر الحكمة والآداب، وطرق في التربية والتهذيب شتى، تساق أحيانًا مساق الحوار، وطورًا مسلك الحكمة والاعتبار، وتارة مذهب التخويف والإنذار، كما حوى كثيرًا من تاريخ الرسل مع أقوامهم، والشعوب مع حكامهم، وشرَح أخبار قوم هُدوا، فمكن الله لهم في الأرض، وأقوام ضلوا، فساءت حالهم، وخربت ديارهم، ووقع عليهم العذاب والنكال، يضرب بسيرهم المثل، ويدعو الناس إلى العظة والتدبر".

стр. 175

"كل هذا قصَّه في قول بيَّنٍ، وأسلوب حكيم، ولفظ رائع، وافتنان عجيب؛ ليدل الناس على الخُلق الكريم، ويدعوهم إلى الإيمان الصحيح، ويرشدهم إلى العلم النافع، بأحسن بيان، وأقوم سبيل، وليكون مثلهم الأعلى فيما يسلكون من طرق التعليم، ونبراسهم فيما يصطنعون من وسائل الإرشاد". "ولكنه - على كريم مقاصده، وتنوع مذاهبه، وافتنان طرقه - قد وجد من أبناء هذا العصر من يهجره إلى غيره، ويتركه إلى سواه، مما وضعه الناس من قصص فيها الحق والباطل، وفيها الصحيح والزائف. هذا على الرغم من أن القرآن الكريم يعمر المدارس والمساجد، والمنازل والمجالس، ولا يجد منهم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد". "ولما رأينا من إقبال الناس على قراءة القصص، ولما شاهدناه من انصرافهم عن قصص القرآن - على ما فيه من شريف المقاصد والأغراض - وضعنا هذا الكتاب قصصًا شتى في ضوء القرآن وهديه، وعلى طريقته الحكيمة، من الاقتصار على بسط موضع العبرة إلا أن يكون موضعًا يحتاج إلى بيان، أو إشارة يعوز فيها القارئ التوضيح، وجلوناه في ثوب أدبي، وأسلوب سائغ، ولم نخرج فيما كتبنا عن آراء انتخلناها من كتب التفسير المشهورة، وأخبار رويناها عن ثقات المؤرخين". وقد فعلوا وأوفوا بما وعدوا، وأراهم كانوا شديدي الحيطة من أن تدخل عليهم الإسرائيليات، التي دسها أعداء الإسلام ليفسدوا بها التاريخ الصحيح؛ فكان كتابهم كتابًا يستأهل الثناء.

стр. 176

المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن (*) تأليف جولد تسيهر (١) يعرض المستشرقون لعلوم الإسلام وتاريخ الإسلام عرضًا علميًّا في بعض أحيانهم، وعرضًا كله غرض في بعض أحيانهم. ولقد كان المسلمون - ولا يزالون - في حاجة إلى معرفة آراء هؤلاء، سواء منها ما كان رأيًا عن معرفة وثبت وإنصاف، وما كان عن هوى وغرض، حتى يدركوا مقاصد القوم ونياتهم نحوهم ونحو بلادهم، فما أُتي المسلمون في القرنين الماضيين إلَّا من جهلهم ما يضمر بعض أولئك القوم لهم وما يقولون فيهم. وكنا - نحن الأزهريين في هذا العصر - نجتهد بكل وسيلة نستطيع، أن نتعرف آراء أولئك في تاريخنا وعلومنا، ونقرأ كل ما يترجم عنهم في الكتب والصحف والمجلات، ونتصل بمن عرفوا اللغات الأجنبية وبمن تعلموا في أوربة من المصريين، ونقتني آثارنا النفيسة التي ينشرها المستشرقون، نستطلع بذلك كله الأخبار والآراء، ثم بُعثت بعض البعوث منا إلى أوربة للدرس والمعرفة والتنقيب، وعاد بعض من بعث، فتوقعنا أن يقوموا ببعض هذا

стр. 177

الواجب، واجب تعريفنا تعريفًا علميًّا بآراء علماء أوربة فيما عرضوا له من دقائق العلم الإسلامي، فلم يفعلوا، ولا نزال نتوقع أن يفعلوا، ولعل لهم من أحداث هذه الحرب بعض العذر، فقد كان أثرها شديدًا على الورق والطبع والنشر. ولكن أخانا علي حسن عبد القادر لم تقف دونه العقبات فيما يستطيع، فأخرج لنا هذا الكتاب في هذا العام، ونحن على ثقة أنْ سيتبعُه كتبًا أخرى، ولعل في نشاطه وعمله هذا ما يحفز إخوانه على أن يقوموا بحركة مباركة في الترجمة والنشر، قيامًا ببعض الواجب عليهم نحو أزهرِهم. وقد اختار المترجم هذا الكتاب؛ لأنه "لشيخ من شيوخ المستشرقين (وهو مجري) معروف بطول الباع معرفة مستفيضة، وقد كان هذا الكتاب آخر كتاب له، ملأه بتجاربه في البحوث الإسلامية ... حتى إنَّه ليعدُّ كافيًا لتعرف آراء المستشرقين، ومصادرهم ومؤلفاتهم، وزبدة ما يمكن أن يعرضوا له من نقد وتقدير في هذا الصدد". وفي هذا الكتاب من الخطأ ما يحتاج من أجله إلى درس كل مسألة من مسائله درسًا دقيقًا وافيًا، حتى لا يغتر قارئه بظاهر القول؛ فيقع فيما وقع فيه المؤلف، ولعلنا نوفق إلى صنع ذلك في إحدى المجلات الخاصة بمثل هذه الأبحاث أو في كتاب خاص، بعون الله وتوفيقه. ولم يكن المجال واسعًا في ترجمة الكتاب أن يتعقب الأستاذ

стр. 178

المترجم مسائله تفصيلًا، ولكنه تعقبه إجمالًا في عشر صفحات ألحقها بآخر الكتاب، أجاد فيها جدًّا قال: "إن نظرة عابرة في هذا الكتاب تجعل القارئ لأول وهلة يقف موقف الحائر المتردد في الحكم عليه: فبينما نرى فيه اطلاعًا واسعًا في الكتب الإسلامية، وفكرة طريفة في عرض الموضوع عرضًا علميًّا، نجد في الوقت نفسه أن المؤلف قد تخلى عنه قلم العالم النزيه في نقد المسائل نقدًا سليمًا ... ولعل هذه الفرصة في عرض هذا الكتاب تبين للناس بعض ذلك، حتى يقفوا موقف الحيطة والحذر إزاء ما يقرؤون (للمستشرقين)، وموقف الريبة لهم، حتى يتبينوا، ويعرضوا ذلك على مصادره الأصلية" ص ١٧٤. والذي نراه نحن فوق هذا أن الهوى قد يغلب حتى يضع المؤلف موضع الشك في أمانته في اختيار ما ينقل. فقد عرض المؤلف - مثلًا - لأول سورة الروم ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فالذكر المعروف في القراءة والتفسير والسير والتاريخ: أن الفرس انتصروا على الروم، ففرح المشركون بهزيمة النصارى أهل الكتاب، وحزن المسلمون، وأن الآية بشرتهم بنصر الروم على الفرس في بضع سنين. ولكن المؤلف لا يرضيه أن يسير على الجادة الواضحة، ويريد

стр. 179

أن يتبع طريق التشكيك في قراءات القرآن فيقول ص ١٩: "ولكن قراءة هذه الآية على هذا الشكل (١) لم يتفق عليها عند جميع القراء فقد قرأها أكثرهم: (غَلَبَتْ) (٢) ... وأن ذلك يتعلق بانتصار الروم على بعض القبائل العربية بالشام وأصحاب هذه القراءة يذكرون أن فيها تنبؤًا للنبي بما حصل بعد تسع سنين بعد هذا الوحي من انتصار المسلمين على البيزنطيين. ونحن نرى أن القراءتين متناقضتان في المعنى، فالغالبون في القراءة المشهورة هم المغلوبون في القراءة الأخرى، ومتعلق الفعل في قراءة على الفاعلية، وفي أخرى على المفعولية". وهذا الذي حكاه غير صحيح، أعني؛ ادعاءه أن أكثر القراء قرؤوها (غَلَبَتْ) بالبناء للفاعل، و (سَيُغْلَبونَ) بالبناء للمفعول، وليس هذا عن سهو منه أو قصور في البحث، فإن اطلاعه واسع جدًّا على كتب التفسير والقراءات، كما يبدو من كتابه، وإنما قصد إلى غير الصحيح. وذلك أن كل القراء السبعة ورواتهم، وسائر القراء العشرة، وسائر القراء الأربعة عشر لم يقرؤوها إلا ﴿غُلِبَتِ﴾ بالبناء للمفعول، و ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للفاعل، قولًا واحدًا وقراءة واحدة، والقراءة

стр. 180

الأخرى التي نسبها إلى أكثر القراء قراءة شاذة جدًّا نقلها ابن خالويه في كتاب "القراءات الشاذة" الذي نشرته جمعية المستشرقين الألمانية بتصحيح المستشرق برجشتراسر سنة ١٩٣٤ ص ١١٦، ونسبها للنبي ﷺ وعلي بن أبي طالب وابن عمر، وهذه نسبة ضعيفة لم تثبت بإسناد صحيح ولا ضعيف عن النبي ﷺ ولم يروها أحد من أهل الحديث. نعم، روى الترمذي في سننه بإسناده عن أبي سعيد ما يشبه هذا، وحكى عن شيخه نصر بن علي الجهضمي أنه كان يقرؤها (غَلَبَتْ) بفتح الغين، ولكن إسناد حديثه ضعيف جدًّا، وأخطأ الترمذي فحكم بأنه حديث حسن (انظر: الترمذي ج ٢ ص ١٥٤، ٢٠٦ طبعة بولاق، وشرح المباركفوري على الترمذي ج ٤ ص ٥٩ - ٦٠، ١٦٠ طبع الهند). وقد رد على الترمذي وبيّن أن الحديث ضعيف. وروى ابن جرير الطبري في التفسير ج ٢١ ص ١١ من طريق "الحسن الجفري عن سليط" أنه سمع ابن عمر يقرأ ذلك، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، الحسن بن أبي جعفر الجفري ضعيف منكر الحديث، وشيخه سليط مجهول، فمثل هذا الإسناد لا تثبت به قراءة ولا كرامة، ثم بين الطبري الصحيح من القراءة فقال: "والصواب من القراءة في ذلك عندنا، الذي لا يجوز غيره ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾. بضم الغين؛ لإجماع الحجة من القراء عليه". لا نظن بعد هذا أن مؤلف الكتاب أخطأ فيما حكى، إنما الواضح الذي لا نشك فيه أنه علم الصحيح وعدل عنه ونقل غيره
следующие страницы →