حدثنا معمر عن الزهري وهشام بن عروة قالا: نكح النبي ﷺ عائشة وهي ابنة تسع سنوات أو سبع". وأنا أوقن، أن الكاتب الجريء أعرف باللغة العربية من أن يخفى عليه الفرق بين معنى نكح، وبين معنى خطب، وأنه لن يعبر لفظ إحداهما إلى لفظ الأخرى عن جهل بهما، وإنما يفعل ذاك عن عمد وهو يعرف ما يفعل.
ثم ما باله يدع الروايات الصحيحة المتواترة، ولا يستند إلا إلى الروايات الشاذة أو المنكرة، التي تخالف كل رواية صحيحة؟ أمامه الروايات الصحيحة في كتاب ابن سعد وغيره عن الزهري وعن هشام ابن عروة وعن غيرهما؛ أن رسول الله تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، وفي بعضها "سبع سنين" ودخل بها وهي بنت تسع سنين. فما بال هذه الرواية التي لا شك أن راويها أخطأ فيها، أو اختصر فأخطأ من روى عنه فهم اختصاره، ولكن الكاتب الجريء يريد شيئًا معينًا، فلا عليه أن يتخير من الروايات أضعفها، ولا عليه أن يحرف ألفاظها إلى ما يشاء؛ لتصل به إلى ما يريد! ثم هو يريد أن يصور للقارئ أن الذي كان في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنوات هو خطبة فقط، يوهم أنه لم يكن هناك زواج، وإن لم يصرح بنفيه فيقول (ص ٦٣):
"وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهي بالزواج بعد سنوات". ويقول (ص ٦٤): "فتمت الخطبة في شوال سنة عشر من الدعوة قبل الهجرة بثلاث سنوات".
стр. 352
ويحرف رواية ابن سعد من كلمة "نكح" إلى كلمة "خطبت" ويقول (ص ٦٥): "وإن خطبة النبي التي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة".
ويقول في (الرسالة) في الكلمة التي اقتبسناها أول مقالنا هذا: "كانت روايات من روايات الأقدمين تذكر أن النبي ﵇ خطب السيدة عائشة وهي في السادسة" ... إلخ.
وهو يعرف كما يعرف المسلمون جميعًا، عالمهم وجاهلهم، ذكيهم وغبيهم، أن الخطبة عند المسلمين غير الزواج، وأنهما غير الزفاف والدخول! ولكن هكذا يكون الكاتب الجريء.
وأعجب من هذا كله، وأشد جرأة على الحق، وأشد تهجمًا على سيرة رسول الله، وأسوأ أثرًا على الجريء فيما قال وكتب، وفيما يقول أو يكتب، أن يقول (ص ٦٤):
"فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة، ولم يتم الزفاف كما هو معلوم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال"!
أما القول الذي يصفه بأنه "أشهر الأقوال" فإنه لم يقله أحد قط، ولم يروَ في كتاب من كتب السنة أو السيرة أو التاريخ، هذا إلى محاولة تصوير هذه الفترة بأنها فترة خطبة، لا فترة زواج قبل البناء، ثم هو يصرُّ على ما ادعى إصرارًا عجيبًا لم يأت عليه ببرهان، فيقول
стр. 353
ما نقلنا من قبل: "وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهي بالزواج بعد سنوات".
ويقول (ص ٦٤ - ٦٥):
"إذ لا يعقل أنها - يعنى خولة بنت حكيم - تشفق من حالة الوحدة التي دعتها إلى اقتراح الزواج على النبي، وهي تريد له أن يبقى في تلك الحالة أربع سنوات أو خمس سنوات أخرى"!
ومن أين يأتي بالخمس السنوات ويدعي أنها أشهر الأقوال؟ والأقوال كلها متضافرة على أنها ثلاث سنوات والشهور محدودة فيها بينة؟ يتمسك بالروايات الصحيحة التي فيها أن الزواج كان قبل الهجرة بثلاث سنين، ثم يجزم بالرواية الضعيفة، أن الزفاف كان في السنة الثانية من الهجرة، ثم لا يجد مناصًا من قواعد الحساب أن الثنتين إذا أضيفتا إلى الثلاث كان الجميع خمسًا من غير تردد، فقد سلم له قوله ووصل إلى ما أراد، ولكنه نسي أو تناسى، أن الروايات كلها تذكر أن بين الزواج والزفاف ثلاث سنين فقط، وأنها حددت بالشهور من شوال إلى شوال، وأنهم كثيرًا ما يذكرون عدد السنين ويجبرون فيها الكسور، فتقول عائشة ما روينا من قبل: أن رسول الله تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي تريد سنتين وكسرًا؛ إذ حددت التاريخ بالشهور: أن الزواج كان في شوال سنة عشر من النبوة، وأنه قدم المدينة في ١٢ ربيع الأول، وهي السنة الأولى من الهجرة، وأنه دخل بها في شوال من السنة نفسها على رأس ثمانية
стр. 354
أشهر، وأنه تزوجها وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع، فهذا حسابها صحيحًا من شوال قبل الهجرة بثلاث إلى شوال في سنة الهجرة، ثلاث سنين كوامل، لا تحتمل تزيدًا ولا تحويرًا، فأين هذا الحق من ذاك الصنيع؟
ثم يزداد الكاتب الجريء جرأة، فيذهب يحتال حيلة غريبة في التأويل، يفتعلها افتعالًا، يزعم أنه ينصر رأيه، ويقيم حجته فيقول: (ص ٦٥):
"ويؤيد هذا الترجيح من غير هذا الجانب أن السيدة عائشة كانت مخطوبة قبل خطبتها إلى النبي، وأن خطبة النبي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة .. فإما أن تكون قد خطبت لجبير بن مطعم؛ لأنها بلغت سن الخطبة وهي في قرابة التاسعة أو العاشرة، وبعيد جدًّا أن تنعقد الخطبة (١) على هذا التقدير مع افتراق الدين بين الأسرتين، وإما أن تكون قد وعدت لخطيبها وهي وليدة صغيرة كما يتفق أحيانًا بين الأسر المتآلفة، وحينئذ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، ويستبعد جدًّا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية، قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام، فإذا كان أبو بكر ﵁ وعد بها ذلك الوعد قبل إسلامه، فمعنى ذلك أنها ولدت قبيل الدعوة، وكانت تناهز العاشرة يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي، ﵇".
стр. 355
هكذا ينقل الكاتب الجريء ويتأول، واحفظوا عليه قبل كل شيء إصراره على أن الذي كان في السنة العاشرة للدعوة خطبة لا زواج، وإن لم ينف الزواج صراحة، ولكنه يوقعه في نفس القارئ ويقنعه به إقناعًا من لحن القول "يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي، ﵇".
والقصة التي يشير إليها ويحاول أن يصبغها بصبغة رأيه، هي قصة مطولة في زواج النبي ﷺ بسودة بنت زمعة وبعائشة ﵄. رواها أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٦ ص ٢١٠ - ٢١١) ونقلها عنه الحافظ ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية ج ٣ ص ١٣١ - ١٣٣) وأشار إلى رواية مثلها عند البيهقي مؤيدة لإسنادها. وهذا الحديث فيه قصة وعد أبي بكر بابنته لمطعم بن عدي على ابنه جبير، وخطبة النبي إياها وزواجه بها، ثم زفافها إليه بعد قدومهم المدينة، وهذا موضع الشاهد منه: "قالت أم رومان - زوج أبى بكر - لخولة بنت حكيم - التي كان لها فضل السعي في هذا الزواج -: إن مطعم ابن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدًا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي، فقالت: يا بن أبي قحافة لعلك مصْبي صاحبنا، تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: أَقَوْل هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما في نفسه من عدته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله.
стр. 356
فدعته فزوجها إياه، وعائشة: يومئذ بنت ست سنين ... قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. قالت: فجاء رسول الله فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله في بيتنا، ما نحرت عليَّ جزور، ولا ذُبحت عليَّ شاة .. وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
هذه هي القصة التي يحاورها الكاتب الجريء ويداورها، ويلعب بها ويعبث، يستنبط منها. وما رأينا فيما قرأنا أشد جرأة على الحق ولا إيغالًا في الباطل، ولا لعبًا بالألفاظ والمعاني، ولا تحريفًا للكلم عن مواضعه، مما صنع هذا الرجل.
حديث صريح اللفظ، بيِّنُ المعنى، يقسره هذا الكاتب الجريء على أن يدل على ضد لفظه الصريح ومعناه الواضح، فلا يأتي بالحديث على وجه، بل يصرّف على لفظ من عنده، يُخدَع به القارئون، فلا يدركون ما وراءَهُ. ثم يبني استنباطه على غير علم بعادات العرب، وعلى غير معرفة بأحكام الشرع، فهو يقول ما
стр. 357
حكينا من قوله، ويصر عليه إصرارًا منكرًا فيما قرأنا له الآن (في العدد ٥٥٩) من الرسالة المؤرخ يوم الإثنين ٢٠ مارس إذ يقول:
"وبحسبنا أن نعلم أن عائشة خطبت قبل خطبتها للنبي، وأن الذي خطبت له كان من المشركين، بحسبنا أن نعلم هذا لنعلم أنها خطبت قبل الدعوة الإسلامية، وأن أبا بكر لن يزوج بنته بعد الدعوة الإسلامية لرجل يكفر بدينه، وهو البرهان الراجح على أنها حين خطبت لمحمد ﵇ وبنى بها بعد الخطبة بسنوات، قد كانت في سن صالحة للزواج".
وليحفظ عليه القارئ أيضًا أنه فعل هنا ما فعل من قبل، فلم يأت بذكر لعقد الزواج بين رسول الله وبين عائشة، بل ساق القول من الخطبة إلى البناء، كما نبهنا عليه آنفًا؛ إذ هو لا يريد أن يعترف بعقد عقدة النكاح في السن المبكرة ثم نعود إلى ما نحن بسبيله.
بنى هذا الكاتب الجريء كل دعواه في هذا الحديث، وكل استنباطه منه على شيء واحد، يستبعده جدًّا في كتابه (ص ٢٦٥) وينفيه نفيًا باتًّا في مقاله (الرسالة ٥٥٩) وهو أن أبا بكر "لن يزوج بنته بعد الدعوة الإسلامية لرجل يكفر بدينه". وهو يخطئ في هذا جدًّا، فإن لفظ الحديث الذي سقناه يدل على أن أبا بكر كان عند وعده للمطعم بن عدي إن استمسك به المطعم، وأنه ذهب إليه لعله يجد من وعده مخرجًا، ففجأته أم الصبي بخشيتها أن يؤثِّر على ابنها، إن هو تزوج عائشة، فيدخله في دينه الذي هو عليه، وهو
стр. 358
الإسلام، فلم يجد أبو بكر من اختلاف الدين أو تخوف أم الصبي مخرجًا من عدته، فسأل الرجل، وهو ولي ابنه الصبي في التزوج، ليرى أيقر زوجه على قولها، فلما وافقها الرجل، وجد أبو بكر المخرج من وعده "فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد". وإنما أوقع الكاتب الجريء في هذا الخطأ وأوهمه، معرفته أن زواج المسلمة بغير المسلم زواج باطل لا ينعقد، وأن المسلم إذا ارتد عن الإسلام فسخ عقد زواجه بزوجه المسلمة، وأن غير المسلمة إذا أسلمت وكانت ذات زوج عرض على زوجها الإسلام، فإن أبى أن يسلم فرق بينهما، وهذه أحكام يعرفها العامة والخاصة، فبنى عليها أنه "بعيد جدًّا أن تنعقد الخطبة مع افتراق الدين" وأنه "يستبعد جدًّا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية، قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام" وأنها "خطبت قبل الدعوة الإسلامية، وأن أبا بكر لن يزوج بنته بعد الدعوة الإسلامية لرجل يكفر بدينه". ولكنه لم يعلم أول هذا التحريم لزواج غير المسلم بالمسلمة، ولم يدرك مبدأ أمره، أكان في أول الإسلام، حتى يطبق في هذه الواقعة في وقتها، أم هو تشريع تأخر عنها، فلا يطبق عليها، ولا يستدل به فيها.
ألا فليعلم الكاتب الجريء أن زواج المسلمة بالمشرك كان جائزًا وواقعًا في أول الإسلام، على عادة القبائل والأسر من التزاوج والمصاهرة، وأنه لم يحرمه الله تعالى إلَّا بعد صلح الحديبية، في أواخر السنة السادسة من الهجرة، لما نزل قوله تعالى في سورة
стр. 359
الممتحنة: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج ٨ ص ٣٢٣ طبعة المنار): "هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي ﷺ زينب ﵂، وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها ... فأطلقه رسول الله على أن يبعث إليه ابنته، فوفَّى له بذلك ... وبعثها مع زيد بن حارثة، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين، إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردها عليه". وليس بعد هذا البيان بيان، وما إخال أن للكاتب الجريء حيلة في أن يجادل فيه، وهو ينقض كل ما بنى عليه استنباطه أو تحريفه.
وليعلم الكاتب الجريء أيضًا أن كل ما ينسب إلى رسول الله ﷺ من (قول أو فعل أو تقرير) هو عند المسلمين من الحديث، وأنه لا يجوز لأحد أن ينسب إلى الرسول شيئًا من هذا إلا عن ثقة وثبت، وبإسناد صحيح، على النحو الذي قام به أئمة الحديث، ووضعوا له القواعد والقيود، في فن واسع المدى، لعله قد سمع به، وأنه لا يعذر أحد في التحدث عن رسول الله بغير ثبت، لقوله ﵇: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّى بحدَيثٍ يُرى أنَّه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذبينَ". وأن العمد إلى التحدث عنه بما ليس بصحيح من أعظم
стр. 360
الآثام، لقوله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". فليعد نظرًا إلى ما قدمت يداه في هذه المسألة بعينها، يجد أنه أنكر الصحيح الثابت الذي لا خلاف فيه عند المحدثين وغيرهم؛ أن رسول الله تزوج عائشة قبل الهجرة وهي في السادسة أو السابعة من عمرها، ودخل بها في المدينة بعد ثلاث سنين من الزواج، وأنه لكي يصل إلى تأييد إنكاره، وتأييد دعواه أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إلى النبي، اضطر إلى تحريف ألفاظ الأحاديث وإلى تحريف معناها، وإلى سوق الكلام من الخطبة إلى الزفاف، خشية أن يذكر عقد الزواج قبل الهجرة فيكون حجة على نفي ما أراد إثباته وإثبات ما أراد نفيه، حتى لقد كاد يزل به قلمه إذ يقول: "وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهى بالزواج بعد سنوات" (كتاب الصديقة ص ٦٣).
فإنه يوهم القارئ، وإن لم يصرح الكاتب، أن الذي كان في مكة قبل الهجرة لم يكن فيه زواج، وأنه انتهى بالزواج بعد سنوات، يعني في المدينة، ولكنه لم يستطع أن يكون جريئًا كما يريد، فخشي أن يدعي أن هناك زواجًا كان بالمدينة؛ لئلا يكشف للناس عن فساد قوله ووهْي أدلته، وإن هو أنكر علينا هذا فليقل لنا كلمة صريحة، متى تزوج رسول الله عائشة؟ أعني العقد لا الخطبة، أكان ذلك قبل الهجرة حين خطبها على أبيها، أو كان بعد الهجرة حين بنى بها؟ ويجد أنه حرَّف عن عمدٍ كلمة "النكاح" التي هي الزواج إلى كلمة
стр. 361
"الخطبة"، وأنه جاء إلى أبْين حديث وأصرحه في الدلالة على سن عائشة، وهو القصة التي فيها سعيُ خولة بنت حكيم، فحرَّفه بالتأويل المنكر، ليستدلَّ به على ضدِّ ما يدلُّ عليه لفظهُ الصريح، أنها تزوجت بنت ست سنين وزفت بنت تسعٍ، وأَن أُمها أَخذتها يوم الزفاف من أَرجوحة كانت تلعب بها بين النخيل، ويجد أنه ادَّعى أن هناك من يرفع سن عائشة فوق التسع بضع سنوات، ولم يقل ذلك أحد. وأنه ادَّعى أن الزفاف لم يتم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال، ولم يوجد قط قول بهذا، فضلًا عن أن يكون أشهر الأقوال، ويجد أنه كان يجهل حكم الزواج بين المسلمة والمشرك في صدر الإسلام، وأنه تحدث فيه بغير علم، ويجد أنه فوق هذا كله جمح به قلمه، فوصف هذه السنن الصحاح بأنها "من الزور الأثيم والبهتان المبين" حين زعم أننا نجهل ما وراء روايات الأقدمين، وليت شعري بم يصف عمله في التحريف والتحوير والقول على رسول الله بما لم يأت عليه ببرهان، وفخر بأنه أثبته "على رغم الأقاويل والسنين".
ثم ليعلم أيضًا أن السنة النبوية (من قول وعمل وتقرير) مصدر عظيم للتشريع الإسلامي، وهي المصدر الثاني بعد القرآن، وهي المفسرة له المبينة، كما قال الله لنبيه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وأن هذه الأحاديث التي أنكرها بتحريفه وتأويله، وأثبت ضد ما ثبت فيها "على رغم الأقاويل والسنين" فيها دلالة على
стр. 362
أحكام شرعية خطيرة الأثر، منها جواز تزويج الصغيرة للكبير، ومنها أن الصغيرة يلي أمر تزويجها وليها؛ إذ هي لا تملك أمر نفسها، ومنها أن البناء بالصغيرة جائز حلال، إلى غير ذلك من الأحكام، وأن إنكاره ما فيها إنكار لكل ما يستنبط منها بالطريق العلمي في الاستنباط، ونسبة شيء إلى رسول الله لم يثبت بالطريق الصحيح للإثبات، بل ثبت ضده ونقيضه، فإن لم يدرك هذا كله فقد أبلغناه، وما علينا من زوره من شيء.
وبعد: فما الذي دفع به إلى هذه المضايق، وأورده هذه الموارد وأقحمه؟ يظن أنه يسوغ عمله إذ يقول: "ذلك هو التقدير الراجح الذي ينفي ما تقوَّله المستشرقون على النبي بصدد زواج عائشة في سن الطفولة الباكرة" (كتاب الصديقة ص ٦٦)، ويقول: "وإنما عنانا أن نبطل قول القادحين في النبي أنه ﵇ بنى ببنت صغيرة لا تصلح للزواج، وقد أبطلنا ذلك بالأدلة التي لا نكررها هنا" (الرسالة في العدد ٥٥٩). هذا عذره الظاهر لنا من كلامه، وليس لنا أن نخوض فيما وراءه.
ولكن أهذا هكذا؟ قال مستشرق، أو طعن مبشر، أو قدح ملحد، فقال أحدهم ما شاء من قدح في عمل بعينه، أفترى أنت هذا العمل معيبًا يجب التبرؤ منه، أم تراه جائزًا لا شيء فيه، ولا غبار على من يعمله، وأن العائب إنما ينظر إليه من ناحية غير صحيحة، وبعين مغرضة ليست بريئة، أفلا ترى أنك إذا نفيت هذا العمل
стр. 363
وأنكرته؛ فقد رأيته معيبًا كما رأى العائب، وقادحًا كما فعل القادح، فما حاجتك إلى التستر وراءه، وماذا يمنعك أن تصرح بأن هذا العمل غير جائز، وأنك توافق في استنكاره من سبقك من المستشرقين؟
هذا هو الطريق المنطقي للبحث العلمي، العالمُ لا يدافع عن نظرية علمية، ولا ينصرها إلَّا إذا رآها رأيهُ والتزمها قوله. ثم أَلم يكن الأجدرُ بالكاتب الجريء أن يصنع ما يصنع الرجالُ، فيصرح بإنكار كل الأحاديث التي فيها سن عائشة، وينقدها على طريقة المحدثين، فيبين ضعف أسانيدها وبطلان روايتها إن استطاع، فذلك خير له من تأويلها وتحريفها والتزيد فيها، ثم مناقضته نفسه بالاحتجاج ببعض ألفاظها على أسلوب عائشة المرسل السهل الجزل الفصيح (ص ٥٧ - ٥٨) كما استدرك عليه الدكتور بشر في نقد كتابه.
وبعدُ مرة أُخرى .. فإن شريعتنا شريعة الإسلام، أباحت تزويج البنات الصغار، وجعلت تزويجهنَّ للأَولياء، بدليل زواج النبي ﷺ بعائشة وبنائه بها وهي دون العاشرة، وبدليل قول الله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. فاللائي لم يحضن هنَّ الصغيرات اللائي لم يأتهن الحيض، وهنَّ دون البلوغ عليهنَّ عدَّة ثلاثة أَشهر إذا طلقن، ولا يكون طلاق وعدة إلَّا بعد زواج، أليس كذلك؟ فمن رضي هذه الشرعية لم ينكر ولم يعبأ بقول العائبين المغرضين، ومن أبى ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
* * *
стр. 364
صَدَى النقد
تعقيب على نقد ودرس للمنقود قبل الناقد (*)
أعتذر للأخ الأستاذ الشيد صقر عن تأخير التحية له بمناسبة نقده إياي. وكلنا طالب علم، وكلنا طالب حقيقة رائد معرفة، ونرجو أن يكون ذاك خالصًا لوجه الله وحده. وليس بعد الاعتراف اعتذار.
والأستاذ السيد أحمد صقر مني بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معي، وعرفته وعرفني، وتأدبنا بأدب واحد في العلم والبحث، وفي فقه المسائل، والحرص على التقصي ما استطعنا.
فإذا ما نقد كتابي فإنما يقوم ببعض ما يجب عليه نحو أخ أقدم منه سنًّا، ويراه هو أنه أكثر منه خبرة، أو أوسع اطلاعًا، وما أدرى: أصحيح ما يراه، أم هو حسن الظن فقط؟ فإن له مدى مديدًا في الاطلاع والتقصي، ونفذات صادقة في الدقائق والمعضلات، ويندر أن توجد في أنداده، بل في كثير من شيوخه وأستاذيه.
وقد نقد الكتاب الذى أخرجته بتحقيق "الشعر والشعراء لابن قتيبة" في مقالين بمجلة "الكتاب" الغراء فى عدد يونية سنة ١٩٤٦، بعد ظهور الجزء الأول، ثم فى عدد ديسمبر سنة ١٩٥٠، بعد ظهور الجزء الثاني.
стр. 365
وما أحب أن أدير مناظرة أو جدالا حول المآخذ التي أخذها عليّ. فما زعمت قط وما زعم لي أحد أني لا أخطئ، وكلنا نخطئ ونصيب. ثم هو قد يكون أنفذ بصرًا مني في "الشعر" وما إليه، بل هو كذلك فيما أعتقد. وليس وراء الجدال من فائدة إلا المراء، وقد نهينا عنه أشد النهي.
وقد عتب عليَّ الأستاذ السيد صقر، أن لم أف بوعدي له بنشر نقده للجزء الأول في آخر الثاني. وله العتبى فى ذلك. وقد أشار هو إلى بعض عذري: أن مشاغلي حالت دون الوفاء بما وعدت، وقد صدق؛ فإني وعدته وحرصتُ على الوفاء بوعدي، ثم أنسيته حين رجوت أخي الأستاذ عبد السلام هارون أن يتم الكتاب في أواخر الجزء الثاني، إذ اعتزمت السفر مع أهلي إلى الحج، فشغلني ذلك عن كل شيء، حتى أنساني ما وعدته به.
ووعدٌ بوعد: فكما وعدت الأستاذ صقر بنشر نقده الجزء الأول في آخر الجزء الثاني، وعدني هو - بعد رجائي - أن يقابل النسخة المطبوعة بتحقيقي على النسخ المخطوطة التي أشار إليها في مقاله الأول، وعلى ما قد عساه يوجد من مخطوطات أخر من الكتاب، ويثبت ما يجده من تصويب أو اختلاف، تمهيدًا لتحقيق الكتاب مرة أخرى، لنخرجه في الطبعة القادمة إن شاء الله متعاونين مشتركين. حتى نؤدي الأمانة حقها. ولعله حريص على الوفاء إن شاء الله (١).
стр. 366
ولقد زعم كثير من إخواننا، ووصل إليَّ ذلك: أني ضقت بنقد الأستاذ السيد صقر في المرتين. وما أظن الذي زعم ذلك أو توهمه يعرف شيئًا من خلقي. فما ضاق صدري بشيء من نقد قط، لَانَ أو قسا، والعلم أمانة.
بل إني لأرى أن الضيق بالنقد والتسامي عليه ليس أخلاق العلماء، وليس من أخلاق المؤمنين. إنما هو الغرور العلمي، والكبرياء الكاذبة، وحسبنا في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾. وما قال أمير المؤمنين الفاروق عمر ابن الخطاب، إذ ردّت عليه امرأة، وهو على المنبر يخطب خير مجتمع ظهر على وجه الأرض، قال كلمة صريحة بينة: "امرأة أصابت ورجل أخطأ". لم تأخذه العزة بالإثم، وتسامى على الكبرياء والغرور العلمي. وعمر هو عمر.
ثم ما هذه الفاشية المنكرة التي فشت بين المنتسبين للعلم؟ سأتحدث عن نفسي مضطرًا حتى لا أمَسَّ غيري:
أنا أرى أن من حقي أن أنقد من أشاء، وأن أقسو في النقد ما أشاء، فمن ذا الذي يزعم لي، أو يزعم لنفسه، أن ينقد الناس وأن يقسو عليهم في النقد، ثم يرى من حقه عليهم أن لا ينقدوه، وأن لا يتحدثوا عنه - إن أذن لهم في الحديث - إلا برفق ولين وملق ونفاق، مما يسمونه في هذا العصر العجيب "مجاملة"! !
لقد رجوت الأستاذ السيد صقر أن ينقد الجزء الأول من "الشعر
стр. 367
والشعراء" حين صدوره، وقرأت نقده قبل أن يطبع في مجلة "الكتاب" الغراء، ولم أجد في هذا غضاضة عليَّ قط، وإن كثيرًا من إخواني ليعرفون هذا الذي أقول، وقد عجبوا منه في حينه، ولم أره موضعًا للعَجَب. ثم رجوته أن ينقد الجزء الثاني حين صدروه أيضًا. ولم أر في نقده ما يمسني من قريب أو من بعيد.
وهذا رأيي الذى رُببت عليه واعتنقته طول حياتي: أن لي أن أنقد آراء الناس في حدود ما أستطيع من علم، وأن لهم أن ينقدوا آرائي في حدود ما يستطيعون من علم.
وسأذكر بعض المُثل، عسى أن يكون فيها عظة وعبرة:
يذكر الناس ما يدور كل عام مرارًا من جدال حول إثبات أوائل الشهور العربية: أبالرؤية أم بالحساب. وكتب الناس في هذا كثيرًا، وكتب مرارًا. وكان من رأي التمسك بالرؤية وحدها، وكان ذا رأي والدي الشيخ محمد شاكر ﵀، وكتب فيه وشدد. ثم بدا لي غير ذلك، في حياة أبي. فنشرت رسالة صغيرة في شهر ذي الحجة سنة ١٣٥٧ (فبراير سنة ١٩٣٩)، اسمها "أوائل الشهور العربية". وكان مما قلت فيها (ص ١٥) بالحرف الواحد: لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغي - منذ أكثر من عشر سنين: حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية - رأي في رد شهادة الشهود، إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكان الرؤية، كالرأي الذي نقلته هنا عن تقي الدين السبكي، وأثار رأيه هذا جدالًا شديدًا، وكان والدي وكنت أنا
стр. 368
وبعض إخواني ممن خالف الأستاذ الأكبر في رأيه. ولكني أصرح الآن بأنه كان على صواب وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب، في كل الأحوال، إلا لمن استعصى عليه العلم به" فلم أجد غضاضة على والدي ﵀ في علمه وفضله الذي يعرفه الجم الغفير من الناس - أن أعلن في كتاب منشور خلاف رأيه ورأيي، والردَّ عليه وعلى نفسي.
بل أنا أخرج منذ بضع سنين، كتاب (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، بتحقيقي وشرحي، وقد أخرجت منه إلى الآن ٨ مجلدات (١)، رأيت بعد إتمام المجلد الثاني منها أنه فاتني شيء كثير، من الشرح والتخريج، ومن التحقيق والتعليل، وأنه ندت عني أخطاء علمية مهمة، وأن مثل ذلك سيكون في الأجزاء القادمة، مهما أحرص على أن لا يكون، وأن الأمانة أن أبين كل شيء ما استطعت، فاستحدثت في آخر الجزء الثالث، ثم في آخر كل جزء ظهر أو سيظهر إن شاء الله، بابًا في "الاستدراك والتعقيب"، رجوت في أوله إخواني من علماء الحديث في أقطار الأرض أن يرسلوا لي كل ما يجدون من ملاحظة أو استدراك أو تعقيب أو بحث، وجعلت لهذه الاستدراكات أرقامًا متتابعة، وقد بلغ عدد الأحاديث التي نشرت في المجلدات السبعة ٥٥٨٠ حديثًا، وبلغ عدد الاستدراكات عليها، التي نشرت في آخر المجلدات الثامن ١٧٨٩ استدراكًا، كلها مما تعقبته على عملي ونقدته.
стр. 369
إن كثيرًا من الناس تغرهم المناصب والرتب، وتخدعهم الألقاب العلمية الضخمة، وما كان شيء من هذا ميزانًا صحيحًا للعلم، ولقد نقدت كثيرًا من أمثال هؤلاء، فتعاظموا واستكبروا، فمنهم من أنف أن يرد عليَّ، ومنهم من سلط بعض أذنابه يشتمني، فما عبأت بهذا ولا بهذا، لا استكبارًا ولا تعاظمًا، ولا لأني طالب علم ورائد حقيقة، ولكِنْ لأني لم أضع نفسي في موازينهم قط.
ومثال آخر من أروع الأمثلة في آداب المتقدمين من الأئمة:
هذا ابن حزم الإمام العظيم، وكل من سمع به يعرف قسوة قلمه، وبديع نقده، وطريف تشنيعه إذا ما بدا له أن يشنع على خصم، بحث بحثًا فقيهًّا في "المُحَلَّى" ليس من مجال القول هنا أن نفصله، فذكر فيه (٦: ٦٦ - ٧٤) مسألة استدل فيها بعض العلماء بحديث رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي. ثم رد صحة الحديث بأن جرير بن حازم قرن في الإسناد بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة، وبين الحارث الأعور، وهو كذاب، وقال (ص ٧٠): وكثير من الشيوخ يجوز عليهم مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير، وأدخل حديث أحدهما في الآخر". وغلا ابن حزم غلوًّا شديدًا بعد ذلك، فقال: "هو حديث هالك، ولو أن جريرًا أسنده عن عاصم وحده، لأخذنا به".
وابن حزم كان يؤلف قبل عصر المطبعة، وكتابه في يده، فكان
стр. 370
مستطيعًا إذا شاء أن يعرض عما كتبه كله في هذه المسألة الطويلة، ويستأنف كتابتها على النحو الذى يريده بعد أن تغير اجتهاده وتغير رأيه. ولكنه أبى إلا أن يبقى ما كتب على ما كتب، ثم يرد على نفسه، على طريقته وبقوته، فيقول في آخر المسألة (ص ٧٤): "ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحاق أو جريرًا خلط إسناد الحارث بإرسال عاصم - هو الظن الباطل الذى لا يجوز. وما علينا من مشاركة الحارث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله، ولا لشك زهير فيه شيء. وجرير ثقة، فالأخذ بما أسنده لازم".
وهذا الجزء من "المُحَلَّى" طبع منذ أكثر من عشرين سنة، سنة (١٣٤٩ هجرية) بتحقيقي: وقد كتبت فيه تعليقًا على صنيع ابن حزم هذا، ما نصه: "لله در أبي محمد بن حزم: رأى خطأه فسارع إلى تداركه، وحكم بأنه الظن الباطل الذي لا يجوز. وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة وأنصار الحق، وهم الهداة القادة. وقليل ما هم".
وأظن في هذا مقنعًا لمن أراد أن يقنع أو يهتدي.
* * *
стр. 371
تصحيح القاموس (*) (١)
لحضرة صاحب السعادة الأستاذ الكبير أحمد تيمور باشا مآثر لا تحصى في خدمة لغة العرب الشريفة، وإن المطلع على كتابيه: تصحيح لسان العرب، وتصحيح القاموس يعلم مقدار عنايته بخدمة اللغة، ويعلم أن العناء في هذين الكتابين على صغر حجمهما لا يوازيه عناء تأليف في أدق موضوع.
وحسب القارئ أن يتخيل نفسه متتبعًا ألفاظ اللسان أو القاموس متحريًا صحة كل كلمة في موضعها، ثم صحة ضبطها، ثم الرجوع إلى مظانها في الكتب الأخرى، حتى يرى نفسه عاجزًا عن متابعة العمل في جزء واحد من أحدهما، وإنما أقدار الرجال بالهمم.
وقد رجع من تصحيح القاموس إلى أربع نسخ مخطوطة ومثلها مطبوعة، وإن تحت يدي نسخة مخطوطة من القاموس مكتوبة في شهر ربيع الأول سنة ١٠٤٣ هجرية في جلد واحد نحو ثلاثمائة ورقة. ولما أخذتُ تصحيح القاموس رأيتُ أن أراجعه على نسختي هذه، فراجعته جميعه عليها فوجدتها غاية في الصحة والدقة والضبط وليس فيها من الأغلاط إلا النادر، ويظهر أن ناسخها باللغة شديد التحري في نسخه، والنسخة مشكولة بالشكل الكامل، غير أني وجدت فيها
стр. 372
نادرًا من الأغلاط وبعضًا من الاختلاف بينها وبين ما ذكر في كتاب التصحيح. مما يحتاج إلى بحث وتحقيق وليس عندي كتب كثيرة في اللغة الآن وأنا بالأقاليم ومكتبتنا بمصر.
وإن بعض التصحيحات صححها سعادة تيمور باشا بالبحث والاجتهاد لعدم ضبطها في النسخ التي بين يديه، فوجدتها مضبوطة على الصحة في نسختي؛ لذلك رأيتُ أن أكتب هذه المواضع في مجلتكم (الزهراء) راجيًا من سعادة الباشا أن يتفضل ببيان ما أشكل من ذلك:
(١) مادة (ش ع ب) "الشَّعوبيُّ قرية باليمن" وردت في النسخ التي اطلع عليها سعادته "بلا ضبط إلا أن الياء منقوطة وبه يتأنس في عدم القصر" وقد ضبطت في نسختي بفتح الشين وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء المثناة على الصواب.
(٢) مادة (س م ت) "ومُسَمّتُ النعل" وردت في نسختي "ومُتَسَمَّتُ" فأيهما الصواب؟ (١)
стр. 373
(٣) مادة (ب ر ث) "البَرْثُ الأرضُ السهلةُ أو الجَبَلُ من الرمل السهلَ" بنصب السهل والصواب جرّة وهو كذلك في نسختي. ولكن بدل (الجَبَل) بفتح الجيم والباء (الحبل) بالحاء المهملة وسكون الباء وفي ظني أنها أصح؛ لأن من معاني (الحَبلْ) الرمل المستطيل كما ذكره المصنف في مادة (ح ب ل) وليس الرمل من معاني الجبل بالجيم.
(٤) مادة (ز ل ج) "نلاقي بها يوم الصبّاح عدونا" بالصاد المهملة والباء الموحدة وفي نسختنا تشبه أن تكون (الصياح) بالياء المثناة التحتية فأيهما الصواب؟
(٥) مادة (غ م ل ج) "قارتا" بالتاء المثناة الفوقية: وردت في نسختنا على الصواب (قارئًا) بالهمزة.
стр. 374
(٦) مادة (ف ج ج) "وهو أقبح من الفجج" وردت في نسختي "وهو أقبح من الفج" وصحح سعادته أنها (الفحج) وأظن أن الصواب ما ذكره.
(٧) مادة (ن ح ر) "كالنحيرة" وذكر أن صوابها (كالنحير) بدون تاء ووردت في نسختي (كالنحرة) بالتاء وبدون ياء بين الحاء والراء فأيهما أصح؟
(٨) مادة (ق ر ع) "وبثر أبيض يخرج بالفصال ودواؤه الملح وحَباب ألبان الإبل" وذكر أن صوابه جُباب، بضم الجيم وقد ورد كذلك في نسختنا، ولكن فيها بدل (ودواؤه الملح) (وَدُوّارَةُ المَسْلَخِ) بضم الدال وتشديد الواو وفتح الراء المهملة وتاء التأنيث و (المسلخ) بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام والخاء المعجمة. وهذا مما يحتاج لبحث وتحقيق لبيان أيهما الصواب.
(٩) مادة (ب ق ق) "كالبقَاقة" بفتح القاف الأولى من غير تشديد
стр. 375
ولكن في نسختنا بتشديدها فأيهما أصح؟
(١٠) مادة (ش ن ن) "والقربةُ اخلقت كاستثنّت" وذكر أن صوابها فيما يظهر (كاشتنّت) على افتعل ويحتمل أن يكون كأشنّت على أفعل وفي نسختنا (كاشتنّت) على افتعل فقد صار متعينًا أنه الصواب.
(١١) مادة (وذن) "التودن الصرف والإعجاب" وصوابها التوذّن بالذال ولكن في نسختنا بدل (والإعجاب) (والإهاب) فأيهما أصح؟
(١٢) مادة (ح وو) "الحُوَّة بالضم سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى سواد" وفي نسختنا "سواد إلى الحمرة أو حمرة إلى سواد" فأيهما الصواب؟
* * *
стр. 376
ابن محيصن (*)
قرأتُ في "الزهراء" الغراء م ٥ ج ٥ ص ٣٥٥ في مقال الأخ الأستاذ السيد محمد راغب الطباخ بشأن خط البغدادي ومؤلفاته أن له رسالة في ١٩ ورقة في توجيه قراءة ابن محيض في الاستبرق وتحقيق كونها معربة، وكتب فيها اسم القارئ ابن "محيض" بالضاد المعجمة في آخره وأنا أوقن أن هذا خطأ مطبعي وقع سهوًا ولكني أحببتُ التنبيه عليه لئلا يلتبس على بعض إخواننا قارئي المجلة إذا لم يكن سبق لهم معرفة هذا الاسم، وصحته "ابن محيصن" بضم الميم وفتح الحاء المهملة وإسكان الياء وكسر الصاد المهملة وفي آخره نون هكذا ضبطه الحافظ الذهبي في المشتبه والحافظ ابن حجر في التقريب والعلامة الزبيدي في شرح القاموس، وقد وقع خطأ مطبعي آخر في اسمه في كتاب "اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر" للبناء ص ٤ طبع المطبعة الميمنية فذكر فيه باسم "ابن محيصين" بزيادة ياء ثانية بين الصاد والنون. ووقع فيه هذا الخطأ مرارًا.
وابن محيصن هو: عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي أبو حفص قارئ أهل مكة، وقد اختلف في اسمه فقيل محمد بن عبد الرحمن - وهو الذي حكاه صاحب "اتحاف فضلاء البشر" -
стр. 377
وقيل عبد الله بن عبد الرحمن؛ أخذ القراءة عن مجاهد، وروى الحديث عن أبيه وصفية بنت شيبة وغيرهما، روى عنه ابن جريج وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم، روى له مسلم والترمذي والنسائي حديثًا واحدًا؛ قال الذهبي في الميزان: "ما علمت به بأسًا في الحديث ... ولكن ليس هو بعمدة في القراءات" (ج ٢ ص ٢٦٥) وقال شيخه مجاهد: "ابن محيصن يبني ويرص" يعني أنه عالم بالعربية والأثر (تهذيب ٧: ٤٧٤) ومع فضله وعلمه بالقراءة والعربية لم يذكره ياقوت في "معجم الأدباء" ولا السيوطي في "بغية الوعاة". مات ابن محيصن سنة ١٢٣ ﵀ وقراءته التي ألف من أجلها البغدادي رسالته هي أنه قرأ "إستبرق" - وأصلها بكسر الهمزة وإسكان السين وفتح التاء وإسكان الباء وبالتنوين، في القراءات المشهورة عن جمهور القراء - قرأها "استبرقَ" بوصل الألف وفتح القاف، على صيغة الفعل الماضي، وفهم ابن جني أنه اسم منعه القارئ من الصرف فقال: "وهذا سهو أو كالسهو" ورد عليه أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٦: ١٢٢) بأنه "جعله فعلًا ماضيًا على وزن استفعل من البريق ويكون استفعل فيه موافقًا للمجرد الذي هو برق كما تقول قد "استقر" وانظر تفصيل الكلام في هذا البحر المحيط وانظر لسان العرب في مادتي "استبرق" و"برق".
* * *
стр. 378
بين أحمد شاكر وحامد الفقي
١ - بيني وبين الشيخ حامد الفقي
٢ - حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي
٣ - مقال الشيخ حامد الفقي:
أبرأ إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه
٤ - التعقيب على مقاله
٥ - بيني وبين أخي الشيخ أحمد شاكر
٦ - تعقيب أحمد شاكر
стр. 379
بيني وبين الشيخ حامد الفقي (*)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق أجمعينَ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فما كنتُ لأوَدَّ أن أقفَ من صديقي القديم الشيخ محمد حامد الفقي هذا الموقفَ، ولكنه أبَى إلَّا أن يُدَمِرّ صداقةً عاشتْ على الدهر قرابةَ نصف قرن، ولكنه سَئِمها فدمَّرها تدميرًا.
وليستْ فعلتُه هذه بأوّل ما فعل، ولكنها خاتمتَه التي اختارها وعمل لها بضعَ سنين إن لم يكن أكثر، ونحن لا ندري.
ولستُ أظنّ بصديقي القديم - وهو قويّ الذاكرة، حافظٌ للأحداث - أن ينسى ما فعل ويفعل، أو ينسى ما خطَّتْه يمينهُ مما لا نريد كشف الغطاء عنه.
وقد اعتدنا طول حياتنا الأخوية أن نختلف في الرأي، وأن يطول بيننا الخلافُ والجدال، فلا يُغضب أحدًا منّا خلافُ الآخر إياه، واعتدنا أن ينقدَ أحدُنا الآخرَ أشدَّ النقد، فلا يظهرَ لهذا النقد أثرٌ فيما
стр. 380
بيننا، ولكنَّ الصديق القديم اختطَّ لنفسه منذُ سنين، خطةَ الاستعلاء والطغيان العلمي؛ بما اعتَقَد في نفسه أنه أعلمُ الناس في هذا العصر، كما صارحني بذلك حتى لقد صارحتهُ حينذاك بأن لا أجادله في العلم، لئلا أؤرِّثَ حقده الذي بَدا، ولا أثير طغيانه الذي اتخذه لنفسه سبيلًا.
ولكن كان يَغْلبُني الفينة بعد الفينة ما دَرَجْنا عليه عمرًا طويلًا، فأناقشُه في شيء من العلم، ثم أستدركُ خطئي وأسكتُ.
فكان آخرُ ذلك أن قرأتُ في مجلة (الهدي النبوي) في عدد (شهري رجب وشعبان سنة ١٣٧٤) تعليقًا له على رسالة منشورة في المجلة، من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، فهمتُ من هذا التعليق أنه يتضمن تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك فكبُر علىّ الأمر، ولم أجد مناصًا من وضع الحق في نصابه، وتبرئةِ شيخ الإسلام ﵀ من هذه التهمة، ومحاولةِ تبرئة الصديق القديم من أن يَرْمِي إلى هذا أو يَقصدَ إليه، ووضعتُ بين يديه فرصةً يَهْتَبِلُها، لتأويل ما أفلتَ من قلمه من الباطل، أو للاعتراف بالخطأ صراحةً والرجوع عنه علنًا، وإن لم يكن لي في ذلك أمل، فأنا أعرف صديقي، فكتبتُ مقالًا يوم الثلاثاء ٣ رمضان سنة ١٣٧٤، وأرسلتُه إليه بالبريد المسجّل، لما يشقّ علي من كثرة الحركة في رمضان، مع ارتفاع سنّي وضعف صحتي.
وكان أكثر ما أخشاه أن يطويَ المقال فلا ينشره في المجلة؛ لما
стр. 381
أعرفُه من خُلُقه، فحاولتُ الاتّصال به تلفونيًّا في منزله وفي مقرّ (جماعة أنصار السنة المحمدية) مرارًا، فلم أوفَّق، فحدثتُ صديقًا لي وله - كريمًا - في هذا الشأن، ورجوتُه أن ينصحه بنشر المقال والتعقيب عليه بما شاء. ثم زارني هذا الصديقُ الكريم، في رفقة من إخواننا مساء الخميس ٢٠ رمضان فأخبرني أنه استطاع هذا اليوم الاتصال بالشيخ حامد، وحدَّثه بشأن المقال، فأنكر له أنه ورد إليه. فعجبتُ وسكتُّ. ثم جاء الصديق القديم الشيخ حامد مصادفةً ونحن بالمجلس، فلم أستحسنْ أن أتحدّث إليه في ذلك على ملإٍ من الحاضرين، ولكنّي حدّثته بشأنه منفردَين عند عزمه على الانصراف، فكان حديثًا عجبًا:
لم أخبره بما قال الصديق الكريم لئلا أُحْرِجَه، بل سألتُه عن المقال ونيّتِه فيه، فقال: ولماذا تهتمّ به وتريد نشره؟ وفهمتُ منه أنه لا يريد نشره، فأفهمتُه وجهةَ نظري: أني أرمي بذلك إلى تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية من شبهة تظهر من كلامه (أعني كلام الشيخ حامد). فقال لي، وهو يحاورني: "ابن تيمية بتاعي قبلك"! فأجبتُه بأن ابن تيمية ليس خاصًّا بي ولا بك، بل هو لجميع المسلمين. وتحاوَرْنا قليلًا نحوَ هذا المعنى، ثم سكتُّ - كعادتي معه - إذْ لم أجد فائدةً من الكلام، واستيقنتُ حينئذ أنه سيطوي المقال، وأنه غيرُ ناشِرِه، فلم أحّرِكْ ساكنًا بعد ذلك، حتى أرى عاقبةَ أمره.
ولم أعجب من إنكاره للصديق الكريم وصولَ مقالي إليه - صَدْرَ
стр. 382
النهار، واعترافِه لي ضمنَ كلامه - مساء اليوم نفسه! فإن الحقائقَ عند الصديق القديم تتغيَّر بتغيُّر المتحدَّث إليه، وأنا أعرف صديقي.
وكان من المصادفات التي لم يكن لي يَدٌ فيها: أنْ وصل إليّ يومَ الأربعاء ١١ رمضان سنة ١٣٧٤ كتابٌ طبع حديثًا، فيه أربع رسائل، ثلاث منها تأليف عالم فاضل من إخواننا علماء الحجاز السلفيّين، هو (الشيخ محمد سلطان المعصومي الخجندي)، حفظه الله. والرابعة من تأليف (الشيخ محمود شويل) ﵀. كلها في الردّ على الشيخ حامد الفقي.
وهي: (تنبيه النبلاء من العلماء إلى قول حامد الفقي: إن الملائكة غير عقلاء). و (القول الفصل، في حقيقة سجود الملائكة واتصافهم بالعقل)، وهذه للشيخ محمود شويل. و (الرد الوفي على تعليقات حامد الفقي). و (نغمة جديدة من رئيس أنصار السنة المحمدية).
فحين جاءني هذا الكتاب وقرأتُه تأكَّد مصيرُ مقالي عنده؛ فإن الصدبق القديم بعيدُ النظر في مثل هذه الشؤون، لا يأمنُ لأحدٍ من إخوانه، ولا يثقُ بصدق أحدٍ ولا بصداقته، يغلبُه سوءُ الظنّ بالناس، حتى بأقرب الناس إليه. ففهمتُ أنه سيربط بين مقالي وبين هذا الكتاب برباط وثيق، ويعتبرهما جزءًا من مؤامرةٍ يَنْسِجُ شباكَها (المعوِّقون الذين يُلْقُون في طريقه الغُبار والأشواك، كما يقول، وعلمتُ أني مهما أفعلْ لأَنْفَيَ العلاقة بين مقالي وبين الكتاب - ومع
стр. 383
معرفته بخُلُقي، ويقينه من نُفُوري من المؤامرات والدسائس - فما ذلك بنافِعي عندَه، ولا بمُبْرِئِي من سوء ظنّه. وأنا أعرف صديقي. فلم أقل شيئًا، ولم أحرّك ساكنًا، حتى أستبينَ عاقبةَ أمرِه.
ثم جاءني بالبريد، العددُ التالي من مجلة (الهدي النبوي) - عدد رمضان وشوال سنة ١٣٧٤ - فتحقّق ما استيقنْتُ من قبل: طوى مقالي فلم ينشره، ولم يؤدّ الأمانة التي اؤتُمن عليها. ووجدتُ بدلًا منها مقالًا بقلمه، يبرأ فيه من رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب، وحسنًا فعل. وليته اكتفى بهذا فسَتَرَ نفسَه! ولكنه ذهب يتأول كلامه لينفي عن نفسه التهمة، بطريقةٍ عجيبة، تثبت عليه الذي يتبرأ منه، والذي كنّا نحسن الظن به فنفهم أنه لم يقصد إليه، وأنه إنما أَفْلَتَ منه عن تعجُّل كعادته. ثم ملأ مقاله بمدح نفسه، بما الله أعلم بحقيقته منه. وختَمه بالغمز واللمز كعهدنا به، ولم يذكر اسمي في مقاله، ترفُّعًا منه واستكبارًا.
فرأيتُ أن أضعَ الحقَّ موضعَه، وأن أؤدّيَ الأمانةَ التي اؤتمنتُ عليها، ولم أجد من اللائق بي وبه، أن ألجأ إلى صحيفة أخرى غير مجلته، ووجدتُ أنّ خير ما أعمل، أن أنشر على الناس هذا الكتاب، أُثْبِتُ فيه مقالي كاملًا، ومقالَه كلَّه، غيرَ مُخْفٍ منهما حرفًا واحدًا، ثم أعقّبَ على مقاله فيما يتصل بالمعنى العلمي، معرضًا عن اللغو، وعمّا اجترأ عليه من الغمز واللمز؛ فما كان ذلك لينصر رأيًا، أو يُقيمَ حجّةً على أحد، وما كان ذلك من شأن أهل العلم.
стр. 384
وسيقرأ كتابي هذا إخوانُنا السَّلفيون، أنصارُ السنة، وغيرُهم من أهل العلم، في مصر وفي غير مصر - إن شاء الله - وسيكون رأيُهم الفيصلَ، وقولهم الحَكَم، فيما بيني وبينه.
والله يَهدينا جميعًا إلى سواء الصراط،
الإثنين، ٨ شوال، سنة ١٣٧٤ - ٣٠ مايو، سنة ١٩٥٥.
كتبه
أحمد محمد شاكر
عفا الله عنه بمنه
* * *
стр. 385
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة ورئيس تحرير مجلة (الهدي النبوي)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
تزامَلْنا وتآخَيْنا منذُ أكثر من خمسٍ وأربعين سنةً، لله وفي سبيل الله. نَصْدُر عن رأي واحد، وعقيدةٍ سليمة صافية، في الاستمساك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ لا نحيد عنهما ما استطعْنا، وفي نُصرة العقيدة السَّلَفية، والذبّ عنها ما وَسِعَنَا ذلك. لم يَصْرفنا عما قُمْنا له وبه، واضطلعنا بالذبّ عنه، ما لَقينا وما نَلْقَى من أذًى أو عَنَت. ولعلنا - فيما قمنا به معًا - من أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في بلادنا هذه، وما أريدُ بهذا فخرًا بعملي ولا بعملك، فما كنّا نعمل إلَّا لله.
وكان من أعظم المصادر العلمّية التي استضأنا بنُورها - بعدَ الكتاب الكريم والسنة المطهرة - كتبُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام الحافظ ابن القيم، ثم كتب شيخ الإسلام (مجدّد القرن الثاني عشر) محمد بن عبد الوهاب، ﵏ جميعًا.
وكان مما قرأنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وما كتَب الناسُ حولَه، من مؤيدّيه وأتباعه، ومن خَصْمه وأعدَائه - أَنْ وجدناه رجلًا مكذوبًا عليه، يَفْتَرِى عليه عدوُّه الفِرَى، ويرمونه بالأكاذيب، ويقوّلونَه
стр. 386
ما لم يَقُلْ، وينسبون إليه ما لم يفعل، بعامل العصبية الجامحة، والحقد الذي ملأَ قلوبهم، مما يطول شرحُه أو تفصيله، ولعلك أعلمُ به منّى، بل أنا أثقُ بذلك.
ولكنّى - فيما قرأتُ، وما أكثرَ ما قرأتُ - لم أجد واحدًا من الناسِ، متقدّميهم ومتأخرّيهم، رَمَى شيخ الإسلام بالكذب فيما يَحْكِى أو يَنْقُل، أو بالوَهم والتخيُّل فيما يَرَى ويَسْمع ويقول. وأعتقد أنك لم تَقَعْ على شيء من ذلك أبدًا، فلقد أخذت مني الدهشة مأخذها - إذَنْ - حين قرأت في مجلة (الهدي النبوي)، في عدد شهريْ رجب وشعبان من المجلد ١٩ سنة ١٣٧٤، في ص ٣١، أثناء فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، (في الردّ والإنكار على طوائف من الضُّلال) تعليقك على كلام الإمام شيخ الإسلام، حين يقول:
(وأما كونُه لم يتبيَّن له كيفيةُ الجِنّ ومقاماتُهم، فهذا ليس فيه إلا إخبارُه بعدم علمه، لم ينكرْ وجودَهم. إذْ وجودُهم ثابتٌ بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة، فإن من الناس مَنْ رآهم، ومنهم مَنْ رآى من رآهم، وثبت ذلك عندهم بالخبر اليقين، وفي الناس من كلَّمهم وكلَّموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرَّف فيهم، وهذا يكون للصالحين ولغير الصالحين، ولو ذكرتُ ما جَرَى لي ولأصحابي معهم لطال الخطابُ. وكذلك ما جرى لغيرنا).
أدهشني أكبرَ الدهشة، وأنكرتُ أشدَّ الإنكار - تعليقكم في هامش الفتوى، عند قوله (ويتصرّف فيهم)، بما نصه: "ليس ثَمَّ دليل
стр. 387
على صدق أولئك المُخْبِرين، ولعل أكثرَهم كان واهمًا ومُتَخَيِّلًا. وقد قال الله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
فأول ما آخذُه على قولتك هذه، أنها رميٌ صريح لشيخ الإسلام بالكذب والافتراء! أو على الأقل بالغفلة والغباء! ! فإن تراه يزعم أنّ "من الناس من رآهم" و"من الناس من كلَّمهم وكلّموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم" ثم يقول: "ولو ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب". وليس لهذا الكلام معنى في لغة العرب إلا أن شيخ الإسلام ﵀ كان له مع الجِنّ شيء ممّا حكاه: إمَّا أنه رآهم، وإما أنه كلمهم وكلموه، وإما أنه "يأمرهم وينهاهم ويتصرّف فيهم". فإذا عقَّبْتَ أنت على هذا القول بأنه "ليس ثَمَّ دليلٌ على صدق أولئك المخبرين" لم يكن معناه إلا أنّ هذا الذي حكاه شيخُ الإسلام لم يَقَعْ منه شيءٌ؛ لأنه ليس هناك دليل - عندك - على صدق المخبرين "ولعل أكثرهم كان واهمًا ومتخيلًا"! ! وهؤلاء المخبرون: شيخ الإسلام، فيما زَعَمَ أنه جَرَى له، وغيرُه الذين لم يُسمِّهم "من أصحابه"، وليس لنا شأنٌ بمن لم يُسَمِّه هو من أصحابه، وإن كنّا موقنين من توثقه وتحريه فيما يحكي عنهم ولو إجمالًا، إنما الشأن فيما حكاه هو عن نفسه! !
وأُعيذُك بالله من أن تقصد إلى رمي شيخ الإسلام - عن عَمْدٍ - بما يُفهم من قولك، إذا فُهم بدلالة لسان العرب. وأقصى ما أستطيعُ من حمل كلامك على أحسن محامِله، بحسن الظن بك - أنك رأيت
стр. 388
رأيًا رسخ في قلبك، وغَلَبَك رأيُك فلم تستطعْ له دفعًا، فجرى به قلمُك حين رأيتَ القول بأنّ "من الناس ... ومن الناس ... "، فكتبتَ تعليقك عندَه، قبل أن تقرأ ما جاء بعده، من أن شيخ الإسلام يثبتُ شيئًا كثيرًا من ذلك جَرَى له ولأصحابه مع الجنّ، بل لعلك حين هَدَأتْ نفسُك، واستراح قلبُك بما خَرَج منه، لم تقرأ آخر الكلام، أو قرأتَه غير عابئٍ به، ولا مُلْقٍ له بالًا، ولا مُتَعَمّقٍ فيما وراءه من معنًى ولستُ أدري أيقومُ هذا الاعتذارُ أم ينهار؟ إنما هذا هو الذي صنعتْ يدُك.
* * *
ثم أكثرُ من هذا وأشدُّ خطرًا: أنّ إنكارَك ما أنكرتَ، فيه إنكارٌ لكثير مما ثبت بالسنّة الصحيحة، التي عِشْنَا عُمُرَنا نَدْفَعُ عنها، ونردُّ على منكريها، ونعيبُ متأوّليهما بما يُخرج الكلام عن معناه الصحيح، ولعلك تذكر من هذا الشيء الكثير.
ولستُ الآن بصدد تحقيق الأحاديث الثابتة، في رؤية بعضِ الصحابة - رضوان الله عليهم - للجنّ، وتصديق رسول الله ﷺ لهم، فيما حَكَوا عمّا رَأوْا، فأنا أثق أنك قرأت من ذلك ما قرأت أو أكثر منه، وأنك عرفته حقَّ المعرفة، وإنما يكفي من ذلك الإشارة:
فحديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٤: ٣٩٦ - ٣٩٨ من فتح الباري) - فيه قصتُه مع الجنّي الذي كان يأخذُ مما كُلِّف أبو هريرة بحفظه من زكاة رمضان، وأخذه إياه، ثم إنه خلى عنه حين أبدى له
стр. 389
حاجة عياله، وقولُ رسول الله ﷺ لأبي هريرة: "أما إنه قد كَذَبك، وسيعودُ" ... فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال له الجنّي: "دَعْني أُعَلِّمْكَ كلماتٍ ينفعك الله بها"، ثم علَّمه أن يقرأ آية الكرسي، وأنه لن يزالَ عليه من الله حافظٌ ولا يقربه شيطانٌ، حتى يُصْبِح. ثم قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: "أمَا إنه صَدَقَك، وهو كَذُوبٌ. تَعْلَمُ من تخاطبُ مُذْ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال: ذاك شيطان". وهذا حديث صحيح صريح، لا يحتمل تأويلًا، إلا تأويلَ أهل الأهواء، ممَّن لا يأخذون بالسنة الصحيحة، أو بعبارة صريحةٍ مطابقة لحالهم: "من الذين لا يؤمنون بالغَيْب". وأعيذُك بالله أن تَميل إليهم، أو تأخذ مأْخَذَهم.
وقد أثبت الحافظُ في ذلك الموضع كثيرًا من الأحاديث في هذا المعنى، ثم عَرَض للاحتجاج بالآية التي تأَوَّلْتَها على غير وجهها - فيما كتبتَ - فذَكَر أن قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. "مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها". وهو تفسير لا بأس به عندي، وأجودُ منه أن يكونَ قولُه تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. خاصًّا بحالةٍ أو ناحية لا نراهم منها، بدلالة كلمة "من حيثُ"، وأنّ هذا لا ينفي رؤيتهم من نواحي أُخَر.
وأقوى من هذا دلالةً - فيما أرى -: أن الجنّ لم يكونوا، ولن يكونوا أرقى من الملائكة ولا أعظم خلقًا منهم، ورؤية الناس للملائكة ثابتةٌ ثبوت القطع الذي لا شك فيه، حين يتشكَّلون على
стр. 390
صورةٍ تستطاع رؤيتهم بها، ويكفي من هذا حديث جبريل، في سؤالاته عن الإسلام والإيمان والإحسان، الثابت في دواوين الإسلام، والذي لا يَشُكُّ في صحته ولا ثبوته أحدٌ يؤمن بالغيب.
وبعدُ: فهذه كلمة عابرة، لإزالةِ شبهةٍ عنك أولًا، وعن أهل العلم بالحديث ثانيًا، أمّا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنه أرفع منزلةً عندي وعندك من أن يصل إليه تكذيبٌ أو شكٌ في صدقه فيما يَحْكي أو ينقل، وأنت أولُ من يوافق على ذلك، إن شاء الله.
فآمل منك - إحقاقًا للحق، ورفعًا للشبهة، أن تنشرَ كلمتي هذه كاملةً بنصها، ثم كلُّ الحقّ أن تعلّق عليها أو تَرُدّ بما تشاء. والله سبحانه يتولانا جميعًا بهدايته وتوفيقه.
مساء الثلاثاء ٣ رمضان سنة ١٣٧٤ - ٢٦ أبريل سنة ١٩٥٥.
أحمد محمد شاكر
* * *